كانَ القصدُ المدحَ والذمَّ خاصةً، لما كان لذكرِ حفظِ الفروِجِ، وكنزِ الذهبِ من غير إيفاءِ الحقوق معنى، ألا ترى أنَّه [لو] قرن بالعموم ذِكر عقوية، أو قرنَ به ذكرَ جزاء أو مثوبةٍ، لم نَقُل: إنَّه قصدَ نفسَ العقوبةِ، بل قصدَ بذكرِ العقوبةِ عمومَ الصرفِ عن القبائح، والإبعاد عن الجرائم، بذكرِ العقوبات الصوارفِ، كذلكَ في الذمِّ وَالمدحِ.
على أنَّه لو كان هذا صحيحاً، وأنَّ ذكرَ [المَدْحِ أو] الذمِّ يمنعُ كونَ الحكم مقصوداً، لجازَ أن يُقلَبَ، ويقال: إنَّ ذكرَ الحكمِ يمنعُ كونَ المدحِ [أو الذَّمِّ] مقصوداً، وهذا باطلٌ، بإجماعنا، فكذلكَ ما قالوه.
فصلٌ
إذا وردَ الأمرُ بالصلاةِ والحجِّ والزكاةِ، بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فإنَّه قبلَ البيانِ لذلكَ من الشَّرعِ: مجملٌ، وبعدَ البيانِ: مفسَّرٌ، فلا يُرْجَع إلى الدعاءِ والقصدِ والصدقةِ قبل بيانِ المرادِ به.
وقالَ بعضُ الشافعيّهِ: هو عام يتناولُ اللغويَّ والشرعيَّ (١)، فيشملُ كلَّ قصدٍ ودعاءٍ وصدقةٍ، وقال بعضهم: هو مجملٌ (٢).
стр. 1717
فصل
في دلائلنا
فنقول: إنَّ هذه الصيغَ لا تُعرفُ، ولا يُعقلُ معناها من لفظِها؛ لأن المقصودَ يختلفُ، وكذلكَ الأدعيةُ والزكاةُ، والأفعالُ المخصوصةُ التي هي المقصودُ بها، لا تعقلُ من هذهِ الصيغ.
فصل
فيما تعلق به مَن نصرَ العمومَ
[قالوا]: إنَّ الصلاةَ: الدعاءُ، والحجَّ: القصدُ، والزكاةَ: الزيادةُ، فوجبَ أن يحملَ على كلِّ دعاء، وكلِّ قصدٍ، وكل زيادة، إلا ما يخُصه الدَّليلُ، فيكونُ على عمومِه كسائرِ العموماتِ.
فيقالُ: لا نسلِّم، بل الصلاةُ: أفعالٌ مخصوصةٌ، والحجُّ كذلك، والزكاةُ: صدقةٌ مخصوصة من مالٍ مخصوصٍ بشروطٍ مخصوصةٍ، فلا يصحُّ حملُه على العمومِ فيما ليس بمرادٍ به.
على أنَّا وإن علمنا أنَّ الصلاةَ: [الدعاء]، فلا ندري بما ندعو، وإن علمنا أن الحجَّ: القصدُ، فلا ندري كيفَ نقصِد، فهو كالحقِّ، ندري أنَّه شيءٌ يُخرَجُ (١)، لكن لمّا لم نعرفْ جنسَه وقدرَه، كان قولُه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، مجملاً، وإن كانَ
стр. 1718
الحقُّ هو اللازمَ الواجبَ في اللغةِ، لكنْ لمَا جُهِل قدرُه ومصرفُه، كانَ مجملاً (١).
فصلٌ
في النفي إذا علِّقَ في (٢) الشيء على صفة، كقولِه عليه [الصلاةُ و] السلامُ: "لا صلاةَ إلا بفاتحةِ الكتابِ" (٢)، "لا نكاحَ إلا بولي" (٣)، "إنما الأعمالُ بالنياتِ، ولكلِّ امرىء ما نوى" (٤)، وأمثالِ ذلكَ من الألفاظِ المستعملَةِ في نفي أوإِثْباتٍ، أو رفع و (٥) إسقاط، حُمِلَ ذلكَ على نفي الاعتدادِ بالشيءِ بالكليةِ، وعدمِ الإجزاءِ به شرعاً.
стр. 1719
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيّ: لا طريقَ إلى شيءٍ من ذلكَ إلا بدليل (١)، وهو قول البصريِّ من أصحابِ أبي حنيفة (٢).
فصلٌ
في أدلتِنا
إنَّ هذا اللفظَ موضوعٌ للتأكيدِ في نفي الصفاتِ، ورفعِ الأحكام، ألا ترى أنَّه يقال: ليسَ في البلدِ سلطانٌ، وليسَ للنَّاس ناظرٌ، وليس لهم مدبرٌ ينظرُ في أمورِهم، والمرادُ بذلكَ: نفى الصَفاتِ التي تقعُ بها الكفايةُ، [ومنعُ] الاعتدادِ بالنَظرِ لهم في الأمورِ السياسيةِ؟ وإذا كان ذلكَ مقتضاه، وجَبَ إذا استعملَ في عبادةٍ أو غيرِها أنْ يُحْمَلَ على نفيِ الكفايةِ ومنعِ الاعتدادِ بها.
ومنها: أنَّ النبيَّ ﷺ لا يجوزُ أنْ يقصِدَ بالنفي أصل الفعلِ الموجودِ مشاهدةً وحسَّاً؛ لمشاركتنا له في دركِ
стр. 1720
المحسوساتِ، ولا من طريقِ اللغة، لأنَّ اللغةَ تتبعُ حقائقَ الموجوداتِ من المسمَّياتِ، فلم يبقَ إلا أنَّه قصدَ الأحكامَ والصفاتِ الشرعيةَ التي يترتبُ عليها الإجزاءُ والاعتدادُ.
ومنها: أنَّ قوله: "لا صلاةَ إلا بأمِّ الكتابِ"، متى أثبتنا "مجزئةً"، فقد ثبتت حسَّاً وقطعاً من طريقِ الصورةِ، فإذا أثبتناها صحيحةً مجزئةً أيضاً، لم يبق لنفيه ﷺ حقيقةٌ، وكلُّ قولٍ أبطَلَ ما نفاهُ صاحبُ الشرع، كان باطلاً، كما أنَّ كلَّ قولٍ أبطلَ ما أثبته، كان باطلاً (١).
فصلٌ
في شبهِهم في ذلك
قالوا: النفي في هذه الألفاظِ لا يجوزُ أن يكونَ راجعاً إلى نفي المذكورِ من الصلاةِ والنَكاحِ والأعمالِ، فإنَّ ذلكَ كلَّه موجود حسَّاً وحقيقةً، فلم يبقَ إلا أن يكونَ راجعاً إلى غيرِه، وذلكَ الغيرُ ليس بمتَّحِدٍ، بل له أعيان عدَّة: الصحةُ والإجزاءُ، والفضلُ والكمالُ، وليس حملُه على أحدِهما بأولى من الآخرِ، ولا يجوزُ الحملُ عليهما -يعني الإجزاءَ والفضيلةَ- لأنَّ حملَه على نفي الفضيلةِ والكمالِ، يقتضي صحةَ الفعلِ، لأنَّ الفضلَ فرعٌ على الصحةِ، وحملُهَ على نفي الجوازِ يمنعُ صحةَ الفعلِ.
ولأنَّ الفضيلَة والجوازَ معنيانِ مختلفان، فلا يجوزُ حملُ اللفظِ
стр. 1721
الواحدِ على معنيينِ مختلفينِ، فوجَبَ التوقفُ مع هذهِ الحالِ حتى يردَ البيانُ، ولا يحملُ عليهما جميعاً، لأنَّه قولٌ بالعمومِ في المضمَراتِ.
فصل
في الجوابِ
وهو أنَّا نقولُ: إنَّ النفيَ راجعٌ إلى نفس العَقدِ والصَّلاةِ الشرعيينِ، فلا صلاةَ شرعيةٌ، ولا نكاحَ شرعيٌ، ولاَ عملَ شرعيٌ إلا بالقراءةِ، والوليِّ، والنيةِ.
فإذا قلنا ذلكَ، فقد قلنا بالنفي حقيقةً، واستغنينا عن القولِ بالعمومِ، بدعوى (١) العمومِ في المضمَرات التي لم يجرِ لها ذكرٌ إذ (٢) لم تذكر صحةٌ ولا فضيلةٌ، و [في]، دعوى العمومِ في المضمَراتِ تجاذبٌ وتطويلٌ نحن أَغنياء عنه مع هذا القولِ، فلا نكاحَ شرعيٌّ، ولا صلاةَ شرعيَّهٌ، ولا عملَ شرعيٌّ.
[و] كما صرفنا النفيَ المطلَقَ إلى الأصلِ في قولهم: لا سلطانَ في البلدِ، ولم نصْرِفه إلى صفةٍ في السلطانِ إلا بدلالةٍ، كذلك نَصرِفُ هذا بأصلِ الوضع إلى صلاةٍ معتدٍّ بها شرعاً، ولا نصرِفُه إلى صفَةٍ في الصحةِ، وهي الَفضيلةُ إلا بدلالةٍ.
стр. 1722
وإن دخلنا على التزامِ الأشدِّ، وهو ردُّ النفي [إلى] أحكام الصلاةِ والعقدِ والأعمالِ المذكورةِ في الأخبارِ، وإلى صفاتِها دونَ أصولِها، فَهيَ وإنْ لم تكنْ مذكورةً، إلا أنَّها معلومة بظاهرِ اللفظِ، ألا ترى أنَّ قولَ القائلِ: أقَلتُكَ عثرتَكَ، ورفعتُ عنكَ جنايتَكَ، يعقلُ منه: أحكامُ العثرةِ والجنايةِ، وهي المؤاخذةُ بها، والمقابلةُ عليها، دون ذاتِها؟ لأنَّ تلكَ انعدمت عَقيبَ وجودِها، ووجَب عدمُها لانعدامٍ أَعدَمَها (١)، وكذلكَ الأعمالُ كلُّها.
وإذا كانَ هذا معلوماً من جهةِ ظاهرِ اللفظِ، كان بمنزلةِ المنطوفِ به، وليس كل ما عُدِمَ من صيغةِ اللَّفظِ، لم يكن له حكمُ اللَّفظِ إذا كانَ معقولاً، بدليلِ الأَوْلى والتنبيه، فإنَّه ليس بمنطوقٍ به، فإن الضربَ والشتمَ ليس بمنطوقٍ به في النهي عن التأفيف، وجُعِلَ له حكمُ النطقِ، لمَّا كان معقولاً من طريق النطق.
وأمَّا قولُهم: إنَّ حملَه على الجميعِ دعوى عمومٍ في المضمَراتِ، وذلكَ يؤدي إلى التناقضِ، فلا (٢) يصحُّ، لأنَّ ذلكَ لو أدَّى إلى التناقضِ، لوجَب إذا أُخرِجَ من الإضمارِ إلى الإظهارِ والنطقِ بهِ، أن لايصحَّ، ومعلومٌ أنَّه لو صَرَّحَ، فقالَ: لا صلاةَ جائزةٌ لا ولا فاضلةٌ إلا بأمِّ الكتاب، ولا نكاحَ صحيح ولا فاضلٌ إلا بوليٍّ، [لم يكن متناقضاً]، ولو كانَ متناقضاً، لانْكشَفَ تناقضه لَمّا تطق به، ألا ترى أنَّ سائرَ المتناقضاتِ، إذا صُرِّحَ بها، انكشفَ تناقضُها؟ مثلُ قولِ القائلِ: قامَ زيدٌ جالساً، وتكلَّم صامتاً، وعاش ميتاً.
стр. 1723
وأمَّا قولُهم: إنَّهما معنيانِ مختلفانِ، واللَّفظُ الواحدُ لا يرِدُ بهما، لايسلَّمُ، لما بَيّنَا من قبل (١)، بل يجوزُ أن يتناولَ اللفظُ الواحدُ (٢) معنيين مختلفين.
وقد تَعلَّق بعضُهم علينا فيها: بأنَّ العربَ لا تعرفُ أحكامَ الأفعالِ، بل صُوَرها، وإنَّما الأحكامُ شرعيةٌ حادثةٌ (٣).
فيقالُ: لا يصحُ تجهيلُ القومِ، والدعوى عليهم بذلكَ (٤)، وهُمْ يعرفون للأفعالِ (٥) أحكاماً؛ من حيثُ المؤاخذةُ في الأفعالِ المذمومةِ، والجناياتِ المسخوطةِ، والاعتدادُ بالأفعالِ المحمودةِ، وإنَّما جاءَ الشرعُ بمؤاخذةٍ من جهةِ الله [سبحانه]، فالجهةُ التي جاءت بها الشريعةُ هي الزيادةُ، لا أصلُ الأحكامِ.
ألا ترى أنَّهم قالوا: أقلناك عثْرتَك، واعتددنا لك بخدمتِك، فإذا قالوا: لا عملَ لزيدٍ، ولا جنايةَ لعمروٍ، أرادوا: لا عملَ معتدٌّ به، ولا جنايةَ يؤاخذُ بها، لمكان عفونا عنها، فما (٦) تَجدَّد في الشرع سوى إضافةِ الحكمِ إلى الشرعِ، فالإضافةُ تجدَّدت، لا أصل الحكمِ، فبطل ما ذكروا.
стр. 1724
فصلٌ
في القول في تأخير البيان
لا يختلفُ العلماءُ: أنَّه لا يجوزُ تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ، ولا يختلفونَ أيضاً: أنَّه يجوزُ تقديمُه على الفعلِ، فإنَّه لو أخَّرَ المكلَّفُ الفعلَ إهمالاً وإغفالاً، لم يمنع ذلكَ من تقديمِ البيانِ على الفعلِ (١) المؤخَّر عن وقتِه.
واختلفوا في جوازِ تأخيرهِ عن وقتِ الخطابِ إلى وقتِ الحاجَةِ، فاختلفَ أصحابُنا على وجهينِ (٢) حسب اختلافِ كلامِ أحمدَ ﵁:
فذهبَ ابنُ حامدٍ إلى جوازِ تأخيرِه، وهو ظاهرُ كلامِ أحمد.
وذهبَ أبو بكر عبد العزيز وأبو الحسنِ التميمي إلى المنعِ من تأخيرِ البيانِ، وقالَ أبو الحسن: لا يختلفُ المسطورُ (٣) من كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يجوزُ تأخيرُ البيانِ، ولم يفصِّل أصحابنا.
وبالأوَّلِ من المذهبين -وهو جوازُ تأخيرِه عن وقتِ النُّطقِ إلى وقتِ الحاجةِ- قال جمهورُ الفقهاءِ: جماعةٌ من أصحاب
стр. 1725
الشافعيِّ، [منهم:] ابن سريج وأبو سعيد الإصطخري (١)، وابن أبي هريرة، والطبري، والقفَّال (٢).
وقالَ بالمنعِ من التأخيرِ -وهو المذهب الثاني لأصحابه-: المعتزلةُ، وكثيرٌ من أصحاب أبي حنيفة (٣)، وكثيرٌ من أهلِ الظاهر؛ منهم ابن داودَ، وصارَ إلىَ هذا من أصحاب الشافعيِّ: أبو إسحاق المروزي، وأبو بكر الصيرفي، ومن قال بقوَلهما. فهؤلاء المختلفون في الجوازِ والمنعِ على الإطلاق.
واختلف بعضُ أصحاب الشافعيِّ في الجوازِ والمنعِ على التفصيل: فقال قومٌ منهم: يجوز تأخيرُ بيانِ العمومِ بالتخصيصِ، ولا يجوزُ تأخيرُ بيانِ المجملِ بالتفسيرِ (٤).
стр. 1726
وقالَ قومٌ منهم بالعكس: يجوزُ تأخيرُ بيان المجمل، ولا يجوزُ تأخيرُ بيانِ العمومِ (١).
وقالَ قومٌ من المتكلِّمينَ: يجوزُ تأخيرُ بيان الأخبارِ دونَ الأمرِ والنهي.
ومنهم من عكس: فأجازَ تأخيرَ ذلك في الأمرِ والنهي، ولم يِجوِّز تأخيرَ بيانِ الأخبارِ (٢).
فصلٌ
في جمعِ أدلةِ السمعِ (٣) على جوازِ ذلكَ على الإطلاق
أمَّا من كتابِ الله تعالى: فقوله (٤): ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١] وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩]، فوجه الدلالةِ: أنَّه أتى بحرفِ التراخي والمهلةِ، بعد ذِكرِ الإنزالِ والإحكام، فدلَّ على جوازِ تأخيرِ بيانهِ، وتراخيه عن إنزاله.
فإن قيل: إنَّما أرادَ بالبيانِ ها هنا: إظهارَه وإعلانَه، يوضِّح هذا، وأنَّه لم يردِ البيانَ الذي نتكلمُ فيه: أنَّه قالَ في أوَّلِ الآيةِ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾
стр. 1727
[القيامة: ١٦ - ١٧] ولهذا شرطَ ذلكَ في جميع القرآنِ، وذاك إنَّما هو الإعلانُ والإظهارُ، فأمَّا بيانُ المجملِ والمغلق (١)، فذاكَ في بعضِه.
قيل: البيانُ: إخراجُ الشيءِ من حيِّز الخفاءِ إلى حيزِ التجلي والظهورِ، ولهذا قال النبي ﷺ : "إنَّ من البيانِ لسحراً" (٢)، ووكل البيان إليه، فقال. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٤٤]، فثبتَ أنَّ البيان ما ذكرنا.
فإنْ قيل: ما الذي (٣) يُصحِّحُ أنَّ البيانَ الذي ضَمِنَه، وقالَ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]: [ليس] هو الحفظَ له، والإعلان بالنُّصرةِ الموجبةِ لإظهارهِ، بعد أنْ [كان] يُتْلى في البيوتِ، ووراءَ الجدرانِ خوفاً من قريش؟
قيل: ليسَ بين قولِه: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٤٤] وبينَ قولِه: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] تنافٍ حتى يُحملَ البيانُ على معنيين، فإنَّ قوله: ﴿لتبيِّنَ﴾ إضافةُ البيانِ إليه تبليغاً وإعلاماً، وقولَه: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ هو إضافةُ الإمدادِ بإلهامِ اللهِ لهُ التأويلاتِ، والإلقاءِ في رُوعهِ معاني التلاواتِ، ألا ترى إلى قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]؟ والحفظُ المضافُ إلى اللهِ سبحانَه إنَّما هو أحدُ أمرين: إمَّا إثباتُ القرآن في قلبهِ، بحيثُ لا يتطرقُ إليه ذهابُه عن قلبهِ بنسيانٍ، ولا ذهولٍ.
стр. 1728
أو حفظُه من التبديلِ والتغييرِ، الذي تطرَّقَ على غيرِه من الكتبِ، كالتوراةِ والإنجيلِ.
ومن ذلكَ: قولُه تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١]، فقال إبراهيمُ قولَ من اعتقدَ أنَّ لوطاً وأهلَه مُهلَكين أيضاً: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢] فقال الملكُ: ﴿قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [العنكبوت: ١٣٢] وهذا بيان تأخَّرَ عن خطابٍ، فقد بانَ [بُطلانُ] (١) دعواهم إحالتَه.
ومنها أيضاً: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، فلما سألوا عن حقيقةِ ما أمرَهم بذبحِه من البقرِ، بيَّنَ ذلكَ بعد الخطاب بياناً كشفَ عن أنَّه أرادَ به البقرةَ الجامعةَ للصفاتِ المذكورةِ، وهذاَ بيان بعد خطابٍ متأخِّرٌ عنه.
ومن ذلك: قوله تعالى في قصة نوح: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، وقولُ نوحٍ لمَّا رأى ولده يغرقُ: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥]، فبيَّن له بقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]، الذينَ أمرناكَ باستصحابهِم في السفينةِ، ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] فأخَّر بيانَ اشتراطِ العملِ الصالح مع الأهليةِ، عن أمرِه له بأن يَسلُكَ فيها من كلٍّ زوجينِ اثنينِ وأهلَهَ.
فإن قيل: إنَّ اللهَ سبحانَه لا يخلُّ بالبيانِ عن نفس الخطابِ، ولا أخلَّ به، إنَّما يُدْهَى المكلفون في ذلكَ من قِبَلِ إهمالِهم التأملَ
стр. 1729
والنظرَ في معاني كلام الله، وما أودَعه من البيانِ، فإن اللهَ سبحانَه لَما قالَ له: ﴿وأهلكَ﴾، عقَبه بالاستثناءِ فقال: ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٧] ثم عقَّب ذلك بأظهرَ منه بياناً، فقال: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، وابنُه كان ممَّن كفرَ، وكان ظالماً، فقد أخرَجه من جملةِ الأهلِ بالاستثثاءِ، والنَّهْي عن الخطاب فيه، ولولا ذاكَ، لما قال له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦،]، وإنما نفى الأهليةَ عنه التي أَمَرَه بأن يسلكَها السفينةَ.
وكذلكَ قال للوط: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ الى قوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ [هود: ٨١] إلى قوله: فما زالَ سبحانَه يستثني ويبيِّنُ لهم، وينسيهم ويُذهلُهم عن الفهمِ محبةُ الأهل، وفرطُ الإشفاقِ، فيؤتَونَ من قِبَلِ نفوسِهم في ذلكَ، لا لأنَّ الكلامَ يفتقرُ إلى بيان يتأخرُ عنه، وبمثلِ هذا ذَهَلَ أهلُ الإلحاد المبطلينَ لمناقضةِ القرآنِ، عن معنى قوله لآدمَ ﵇: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨]، وقوله: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [طه: ١٢١] , ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢]، فعَرِيَ مع وعدِه بأنْ لا يَعْرَى فيها، وجهلوا ما طُويَ في الوعدِ من الشرطِ، وهو قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] فكانَ المفهومُ من الشرطِ: أن لا يقربَ الشجرةَ، فلا (١) يجوع ولا يعرى، فلمَّا تركَ ما شُرِطَ عليه، سقطَ ما شُرِطَ له. وكلُّ ما أخرجَه البيانُ، وجَبَ عليهم
стр. 1730
إخراجُه بالتأويلِ فيه، فمن أهمل التأويلَ فيه (١) دُهِيَ (٢) من قِبَلِ نفسِه، لا مِن قبل النطق.
قيل: إنَّ اللهَ سبحانَه لم يُعلِّق الحكمَ -وهو تغريقُ ابنِه- إلاَّ على بيانِ أنَّه عملٌ غير صالح، وأنَّه ليسَ من أهلِه الذينَ أرادهم بقوله: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ ولو سبقَ البيانُ، لكانَ التوبيخُ على التقدِمةِ، ألا ترى أنَّه سبحانَه وبَّخ آدمَ وحواءَ على مخالفةِ التقدِمة؟ فقال: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢] ولم يقل هنا: يا نوحُ، ألمِ أقل: وأهلكَ، إلا من ظلمَ وكفرَ؟ فعُلِمَ أنَّه قد كانَ الاستثناءُ متردِّداَ بين (٣) عودِه إلى الكلام الآخرِ والجملةِ الآخِرةِ، وبينَ عودِه إلى: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ [هود: ٤٠]، فبيَّن له بياناً (٤) مبتدأ، ولو عوَّل على الأوَّلِ في البيان، لوبَّخه على المراجعة والمعاودةِ، بعد تقدِمَةِ البيانِ، كما وبَّخ آَدمَ وحواء؛ حيثُ قدَّمَ لهما البيانَ، فعمِلا بخلافِه.
ومن ذلكَ: قولُه تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، فإنَّها لمَّا نزلتْ نَاقَضَتْهُ اليهودُ بها، وقالَ ابنُ الزِّبَعْرَى: لأخصِمنَّ محمداً، ثمَّ قال: إنَّ الملائكةَ وعيسى قد عُبِدوا، فوقفَ النبيُّ ﷺ عن
стр. 1731
الجوابِ، إلى أن نزلَ البيانُ بقولهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (١) [الأنبياء: ١٠١] فهذا بيانٌ تأخَّر عن خطابٍ.
فإن قيل: هذا ليسَ مِمَّا نحنُ فيه بشيءٍ، ولا حجةَ فيه؛ لأنَّ اللهَ سبحانَه قد أدرجَ (٢) فيه دفعَ ما تعلَّقوا به، فإنَّه قال: (ما)، و (ما) لما لا يعقلُ، وعيسى والملائكةُ وعُزيرٌ يَعقِلون، ولم يقل: إنكم ومن.
الثاني: أنَّه قد بانَ أنَّهم اعتقدوا المناقضةَ، فقد كانت الحاجةُ داعيةً إلى بيانٍ يُزيل عنهم شبهةَ المناقضةِ، وليسَ حاجةُ المكلَّفين إلى العملِ (٣) بالأمر المُجْمَلِ والعامِّ، بأوفى من حاجتهم إلى اعتقادِ اتفاقِ الآي وملاءَمَتِه، وتصديقِ بعضِه لبعضٍ، ونفي المناقضةِ عنه، وقد اتفقنا جميعاً على أنَّ تأَخُّرَ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ لا يجوزُ، فلم يبقَ إلا أنَّ اللهَ سبحانَه قد بَيَّنَ في الآيةِ ما مَنعَ إيرادَ هذه الشبهةِ، وليس إلا قوِلهُ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، ولم يقل: ومَنْ تَعْبُدون.
قيل: لَوْ كان الأمْرُ كذلك، لاحتجَّ البارىء به، ووبَّخهم على اعتقادِ (٤) المناقضةِ فيما لا يُوجبُها، فلمّا عَدَل إلى قول يُوجِبُ التَّخصِيصَ، علم أنَّه لم يعتمدَ على مقتضى (ما)؛ ولأنَّهُ قد قال سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]، وأراد به: ومَنْ بَناها.
стр. 1732
ومن ذلك: أنَّ الله سبحانه أوجب الصَّلواتِ الخمس، ولم يُبَيِّن أوقاتها، ولا أفعالها، حتّى نزلَ جبريلُ ﵇، فبيَّن للنَّبي ﷺ وقتَ كل صلاةٍ، أوَّلَهُ وآخِرَه (١)، وبيّنَ النبيُّ ﷺ للناس، وقال للسّائل عن الصلوات: "صَلِّ مَعَنَا" (٢)، وقال لأصحابه: "صلّوا كما رَأيْتُموني أُصلِّي" (٣)، وعلى ذلك أَمَرَ النّاسَ بالحجِّ، وأخذَ النّاسُ عنه (٤) المناسك التي بيّنها ووقَّتها، وقال: "خُذوا عَنِّي مناسكَكُم " (٥)، ولو لم يَجُزِ التأخيرُ عن وقت الخطاب، لما أَخَّرهُ (٦).
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١]، كان ذلك يُعطي: جميعَ القرابة من بني نوفل وبني عَبْدِ شمس، فلمَّا جاء عثمانُ وجُبَيْرُ بن مُطعِم، وقالا ما قالا مِنْ أنَّه حَرَمَهُم [و] قَرابتُهم سواء، قال النبي
стр. 1733
صلى الله عليه وسلم: "إنَّ بني هاشم وبني المطَّلب لم يفارِقُونا في جاهليةٍ، ولا إسلام" (١)، وأراد به: كونَهم معه في الشِّعْبِ حيثُ هَجَرَتْهُمْ قريشٌ، وهذا بيان منه لعثمانَ وجبيرِ بن مطعم بعد خطابٍ كان يَقتضي عمومَ القرابةِ المتساوية.
فصل
في الأدلة المُستنبطة
فمنها: أن البَيَانَ إنَّما يُرادُ لِصحَّةِ إيقاعِ الفِعْلِ مِن المكلَّفِ، وما كان بهذه المثابةِ لا يجب تَقديمُهُ على وقتِ الحاجةِ، بَلْ يَجوزُ تأخيرُه إلى وَقْتِ الحاجةِ إلى إيقاعِ الفعلِ، وذلك مثل (٢) القدرةِ المُصَحِّحَةِ للفعلِ، والآلةِ (٣) المستعملةِ فيه، لأنه لا حاجةَ به إليهما قبل وقتِ الحاجةِ، كذلِكَ البيانُ لا يُحْتَاجُ إليه سَلَفاً قبلَ الحاجةِ (٤).
فإن قيل: تأخِيرُ القُدْرة والآلةِ لا يُوجِب جَهْلاً، وهذا يوجِبُ جَهْلاً، لأنَّه إذا قيل له: ﴿فاقْتُلُوا المُشرِكينَ﴾ [التوبة: ٥] اعتقدَ وجوبَ قتل كُلِّ مُشْرِك، فإذا جاءَ التَّخْصِيصُ بَعْدَ ذلِكَ؛ بإخْرَاجِ أهْل الكِتَابِ إذا أدَّوا الجِزْية، والصِّبْيَانِ، والمَجَانِينِ، بَانَ اعْتِقَادُهُ لإيجَابِ
стр. 1734
قَتْلِ الجَميعِ جَهْلاً.
وكذلك إذا قالَ: ﴿وآتوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، لَعَمَّ (١) الجهلُ بالحق كل امرىء، فَلاَ نَدْرِي مَا الحق؛ فَكَانَت الحَاجَةُ إلى البَيَانِ دَاعيةً لنفْي هذا الجَهْلِ، إذِ الجهلُ قبيحٌ، والتَّعْريضُ بالقَبيحِ قبيحٌ.
فذلِكَ الذي أغْنى عَنْ تَقْدِيم القُدْرَةِ والآلَةِ، وَأحْوَجَ إلى تقديمِ البَيَانِ عَن وَقْتِ الفِعْلِ.
قيل: مَنْ آداهُ اللهُ عَقْلاً صَالحاً للتكليف، وعَرفَ ما قَدِ استقرَّ في لُغَةِ العَرَب مِنَ التَّخْصِيص الدَّاخِلِ على العُمُومِ، والتَّفْسِيرِ الوارِدِ بعْدَ الإجْمَال، لاَ يُبَادِرُ باعْتِقَادِ الجَهْلِ؛ لمُبَادَرَةِ (٢) الأمْرِ بالعُمُوم والمُجْمَل، بَلْ يَعْتَقِدُ أنَّهُ عَلَى العُمُومِ مَا لَم يَرِدْ دَليلُ تخصيصٍ، فإن مَنَعْتُمْ من تأخيرِ البيانِ عن الخطابِ إلى وَقْتِ الحَاجَةِ، أو، جَوَّزْتُم مَعَ هذه الحَالِ الجَهْلَ على مَنْ أُزيحَتْ عِلَتُهُ؛ بمعرفةِ اللغة، وصحةِ الخلق، وصحة العقل، فامْنَعُوا مِن تأخيرِ القدرةِ والآلةِ، لتجويزِ جهلِ المكلّفِ؛ بظنِّهِ أنَّه قد كُلِّف ما لا يُطاق، حيث قُدِّمُ الأمرُ له مع إفلاسه حِينَ أُمِرَ من القدرةِ والآلةِ، ولَمَّا لم يُوجبْ ذلكَ اعتقادَ الجهل فيما قَرَّرْنا مِن أنَّه يَعْتَقِدُ العمومَ ما (٣) لم تردْ دَلالةُ التخصيصِ، لم (٤) يحتج أن يُقال له: افْعَل ما لم تَعجَز، وأوجب عَليكُم ما دُمتم
стр. 1735
أحياءً، لَمَّا كانَ ذلك معلوماً، بدليل أنَّهُ أرادَ (١) ذلِكَ، كذلك لا يحتاج أنْ يقالَ للمكلَّفِ: ما لَمْ أَنْسَخ (٢)، لعلمِهِ بالدليل أنّه كذلك.
ولأنَّه قد يردُ الخطابُ باسم حقيقةٍ في شيءٍ، يعتقِدُ المكلَّفُ الحقيقةَ بأصْلِ الوضعِ، فتقومُ دلالةٌ على أنَّه أرادَ المجاز، ولا يقال: إنه عَرَّضَ المكلفَ للتكذيبِ (٣)، وكلامَهُ للكذب، لمَّا كانت عادة العرب ذلك.
والمعراجُ -مناماً أو يقظةً (٤) - أوحى اللهُ إليه، أو كافَحَهُ (٥) مكالمةً بفرضِ خمسينَ صلاةً، ولم يُطلعه على ما ينتهي إليه الأمر، أَتراهُ عَرَضَهُ للجهل حيثُ كان مُرادُهُ خمساً، لِمَا انتهى إليه من النسخ؟
على أنَّا نقابل ما ذكرتَ من حصولِ الجهل بما يُوفي على ذلك من النفع، وهو أنَّ اللهَ سبحانه إذا خاطبَ المكلفَ بإيتاء الحق، تلقَّى أمرَهُ باعتقادِ إيجابِ الحق، ويوطَنُ نفسَه على أداءِ أيَ حقٍّ بيَّنه وفسَّرهُ به، قَلَّ أو كَثُرَ، فحصلَ له في ذلك جزيلُ الثواب بما اعتقدَه
стр. 1736
وأضمرَه، فإذا جاء تفسيرُ ذلك بأنَّه العُشْرُ أو رُبع العُشْرِ، أو مقدارٌ (١) ما، سارع إلى الإيتاءِ بسهولةٍ وطِيبِ نفس، لِمَا كانَ جَوَّزَه من تفسير ذلك بالنصفِ أو الثُّلثين، فحازَ بذلك ثوابَ الإضمارِ الأول، واعتقاد الطَّاعةِ فيما كَثُرَ، وسَهُلَ عليه من التكليفِ في تفسيره بالقَدْر الناقصِ عمَّا كان التزَمَه، وهاتان المصلحتان تغطِّيان على الجهل الذي لا يضرُّ مثلُه في التكليف.
وهل التكليف إلا بين أمرين: تجهيلٍ، وتعريفٍ؟ وكم جهَّل ثم كَشفَ، وجهَّلَ وأدام التجهيلَ، فلم يَكْشِفْ، فمن الآيات ما كشفها، وهي النصوص، ومن الآياتِ ما كتمَ مرادَه منها، وهي المتشابهاتُ التي لا يعلم تأويلها إلا اللهُ، وأكثَرُ أهْلِ العلم باللغة والأصول على ذلك، وجهَّلنا بحقائق (٢) أشياء عَلَّمَناها جُملةً، وجهَّلنا بحقائقها تفصيلاً، وكَلَّفَنا (٣) اعتقاد تأبيد العملِ، وكَشَفَ عن مراده بالمدةِ حين جاءنا بنسخِ ما كان شرعَ، وكتمنا الآجالَ والأرواحَ، ومتى الساعةُ، وردَّ السؤالَ عن ذلك، فقال سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] , لَمَّا لم يكن بنا حاجةٌ إلى معرفةِ ذلك، كذلك الجهلُ ها هنا قبل الحاجةِ، جهلٌ بما لا حاجةَ بنا إليه.
стр. 1737
ومنها: أن تُبنى المسألةُ على أصلٍ، وهو (١) أنَّ الأمر يتناول المعدومَ ليُوجَدَ في الثاني، وعَدَمُ المخاطَبِ رأساً أَوْكَدُ من عدَمِ فهمِه للخطاب، وقد دلَّلْنَا على ذلك الأصل، واستوفينا بيان الحججِ فيه (٢)، فكان دليلاً على هذا المذهب من طريق الأَوْلى، لأنه إذا ثبت جواز خطابِ المعدوم ليُوجدَه، فأحرى أن يَجُوزَ خطابُ الموجود بما لا يفهمُه في الحال، ليُبَيِّنهَ له في الثاني ويُفْهِمَه، وقد وافَقَنَا في هذا الأصلِ جماعةٌ ممن خالَفنَا في هذه المسألةِ، فهو حجة عليهم.
ونسوق الدلالةَ على الأصلِ في حقِّ مَن خالفنا.
ومنها: أن النسخَ تخصيصُ الأزمانِ، وهو أنَّه بيَّنَ أنَّ المرادَ بالأَمْر وقوعُ المأمورِ به في وقتٍ تقْصُرُ عن الدوامِ، كما أنَّ العمومَ يكشفُ عن أنَّ المرادَ به بعضُ الأعيانِ، دونَ استيعابِ جنس الأعيانِ، ثمَّ إنَّه جاز تأخيرُ بيانِ النسخِ عن وقتِ الخطابِ إلى وَقتَ الحاجةِ في العملِ بالنَّسخ، وهِجْرانُ المنسوخِ بعد اعتقادِ التأبيدِ، وأنَّه مصلحةٌ على الإطلاق، وحَسَنٌ على الدوام، ثم بَانَ بالنسخِ أنَّه ليس بحسنٍ، ولا مصلحةٍ في جميعِ الزمان، كذلك التخصيصُ، ولا فرقَ بَينَهما.
فإن قيل: لا يُسَلَّمُ، بل لا بُدَّ من نوع إشعارٍ، يَشْهَدُ لذلك قولُه تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤].
قيل: هذا لا يصح لوجوهٍ:
أَحَدُها: أنَّه بمثل هذا لا يكون إعلاماً بالوقتِ الذي ينقل عنه.
стр. 1738
والثاني: أنَّ هذا يَحتاجُ إلى نقلٍ، ولا يمكنُكُم الظَّفرُ بآيةٍ تُتلى، ولاسُنَّةٍ تُروى في ذلك، وقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّك﴾ [البقرة: ١٤٤] ورَد مع قولِه: ﴿فولِّ وَجْهَك﴾ [البقرة: ١٤٤]، ولا يمكنكُم نقلُ تاريخٍ بين الإشعار والأمرِ المقتضي للنسخ.
على أن الإشعارَ بالَّنسخ بيانُ غايةِ الحكم، ودْلكَ لا يُعَدُّ نسخاً، بدليلِ قولِه: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فهذا لما أبان فيه عن الغايةِ والعاقبةِ، لم يُعَد نسخاً، فكان اشتراطُ الإشعارِ إحالةً للنسخِ، وخروجاً عن الإجماع.
ولأنَّ تقديمَ الإشعارِ يُسْقِطُ جمهورَ التعبُّدِ، وذلك أنه لَما كلَّفَهم أن يلقى الواحد من المسلمين عشرةً من المشركين، فقال (١): ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾ [الأنفال: ٦٥]، كان ذلك مع كتم التخفيف بالنسخ إلى لقاء الواحد للاثنين، أثقلَ وأعظَم على النفوس، ثم لما جاءَ التخفيفُ بعد ذلك، كان أشد وقعاً في القلوب مسرةً وابتهاجاً بالرخصةِ، والكتمُ في الأول أَجلب للثوابِ؛ لأنَّه إنَّما يقعُ على قَدْرٍ العَناءِ، قال النبي ﷺ لعائشة ﵂: "ثوابُكِ على قدْرِ مشقتك (٢) " (٣).
فإن قيل: تأخيرُ بيانِ النسخ لا يُفْضِي إلى الإخلالِ بصحةِ الأداءِ
стр. 1739
فيما مضى، بخلاف العمومِ والمجملِ، فإنه يُخِلُّ بصحةِ الأداءِ؛ لأنه ليس يُؤَخَّر عن وقت الحاجةِ إلى الأداء.
[قيل:] لا (١) اختلال ولا إخلالَ بالصحةِ، بل يتأدى الفِعلُ بالبيانِ عند الحاجةِ إليه بحسب المراد.
فإن قيل: قد منعَ بعضُ المتأخرينَ النسخَ إلا على وجهٍ، وهو أن يقول: صلوا إلى بيتِ المقدس ما لم أنسخِ القبلةَ، فأمَّا على الإطلاق، فلا يجوزُ عندي، لأنه يؤدي إلى البَداء (٢).
قيل: هذا اعتبارُ ما لا يحتاجُ إليه، لأن الدليلَ قد دَلَّ على أنَّ المرادَ بالإطلاق هذا التقييدُ عند كل مَن قال بجواز النسخ، ومثلُهُ العمومُ، التقديرُ فيه: اقتلوا المشركينَ ما لم أَخُصَّ بعضَهم بالمنعِ مِن القتلِ.
على أنه لو صَرَّحَ بقوله: ما لم أنسخ، لم يكن مزيداً على تجويزِ النسخ، لأنه لا يعطي قوله: ما لم أنسخ: أني سأنسخ، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، لا يعطي: وجوبَ جَعْلِ السبيلِ، بل كان يجوزُ أن يَجْعَلَ لهن السبيلَ، وكان يجوز أن لا يجعلَ؛ فالتقييد (٣)
стр. 1740
بقوله ذلك وعدمُه سواء، إِذ (١) كان التجويزُ حاصلاً في الحالين جميعاً، وإبهامُ العاقبةِ أصلحُ في التعبُّدِ، وأصلحُ في الابتلاءِ، فإنه لو قيل لإبراهيم الخليل: خذ واحِدَكَ والمُدْيَةَ والحبلَ واذبحْهُ، إلا أن يُنْسَخَ ذبحه إلى ذبح كبشٍ يكون فداءً له، لانحطَّت رتبةُ البلوى عن قَدْرِها، إذا كانت العاقبةُ مبهمةً، وهو إلى الخوف أقرَبُ [منه] إلى الرجاءِ، ولهذا لما هَوَّنَ على يُوسُفَ في الجُبِّ بالوحي إليه: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥]، كانتْ محنتُهُ في تقلبِ أحوالِهِ، أهونَ من محنةِ أبيه يعقوبَ، حيث أُبهمتْ عنه العاقبةُ، ولم يُوحَ إليه في شأنِ يوسفَ بشيءٍ في عاقبة أمرِه ومآلِهِ، يُريحه (٢) في الحال، بل تركه على عِظَمِ البَلْوى مع إبهامِ العاقبةِ.
على أنَّ هذا اشتراطُ تقييدٍ في التكليفِ لا يُحْظَى فيه بِنَقْلٍ، ووَضْعُ الشروط بالرأي لا يلتفت إليه.
وما (٣) الفرق بين قوله هذا، وبين قوله: أنا أشترِطُ أنْ يَعْلَمَ المكلفُ متى يُنْسَخُ، فلا بُدَّ من تحقيقِ زمانِ التكليفِ، وبيانِ مقدارِه (٤)؛ بالإطْلاع له على مقدارِ مدةِ الحكمِ؟
فإن قيل: فالنسخُ يخالفُ تخصيصَ العمومِ، لأنه لو قال: اقتلوا المشركين كلهم قاطبةً أجمعينَ أكتعينَ، حَسُنَ أن يبهم العاقبة فيه إلى أن تردَ دلالةُ التخصيصِ، ولو قال: تمسكوا بالسبت أبداً، صَلوا إلى
стр. 1741
بيت المقدس أبداً سرمداً، لم يجز النسخ، وعاد النسخ بداءً ولهذا تسكع (١) ابن الراوندي (٢) لليهود في لفظةِ التأبيدِ، وأخذ منهم قدراً من المال علي ما حكاهُ لنا المشايخُ الأصوليون (٣). قال: وإذا كان كذلك، وجب الإشعارُ بالنسخ.
قيل: لا نسلِّم أن التأكيد بذكر التأبيد يؤَثِّرُ منعاً (٤) للنَّسخ بل يُبَيَّنُ بالنسخِ بعد ذلك أنه أراد أبداً من الآباد، كما قال للكفار: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٥] وأخبرَ سبحانه عن تمنيهِمُ الموتَ في النار، وأنهم يقولون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] أي: لِيُمِتْنا (٥)، فبانَ بذلك أنَّه أرادَ بالأبدِ: مُدَّتَهم في الدنيا، ومبلغَ أعمارِهم.
ومنها: أنَّ القولَ بتأخيرِ البيانِ عن الخطابِ إلى حين الحاجةِ، لا يوجبُ مُحَالاً في العقلِ، من إفساد دلالةٍ، أو قلبِ حَقيقيةٍ، أو إخراجِ بعض الأمورِ عما هو به، أو إلحاقِ وصفٍ بالقديم (٦) المتعبَّد
стр. 1742
جَلَّ ذكرُه مما لا يجوزُ عليه، أو إفسادِ الخطابِ والتكليفِ، وإذا كان ذلك كذلك، ولم يرِد سمعٌ من جهة الله سبحانه بالمنع من ذلك، لم يكن لإحالته والمنع منه معنى، مع عدم إحالةِ العقل له (١).
فإن أعادوا ما قدموا؛ من أن فيه تجهيلَ المكلفِ، فقد سبق الكلامُ عليه.
ومنها: الدلالة على مَنْ منعَ ذلك في الخبر بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [يونس: ١٣] وشُرِحَ: قَرناً (٢) بعد قرن، فلو أنَّه سبحانه قال: فاحذروا عقابي إن خالفتم أمري، فإنني عاقبتُ بني إسرائيل، وأطلق. ثم إنَّه بيَّن أنه إنما عاقب من خالف منهم، وعصى أمره سبحانه، وكذلك لو عمَّ بلفظِ الوعيد كل عاصٍ مخالفٍ لأمره، ثم إنه بين أن الوعيد إنما يلحقُ من أصرَّ، ولم يَتُبْ مِن ذنبه، أو توعَّدَ (٣) المصرّين، وبين أنَّ قوماً يدخلون الجنَّة بشفاعةِ الشافعين، لم يكن في هذا إحالةٌ في العقلِ، ولا مفسدةٌ، ولا تغييرٌ لقانون الشرع.
فإن قيل: بل فيه أمران من الفساد:
أحدهما: أنَّه تجويزُ الكذبِ، وذلك قبيح، فتجويزُ القبيح على
стр. 1743
الحكيمِ (١) قبيح.
والثاني: أنَّه إنَّما وُضِعَ الوعيدُ للصرفِ عن الفساد، وإقامةِ مصالح الدين، وفي انخرام ذلك تفويتٌ للقصدِ، فلم يبق إلا الوعيدُ الجزمُ الحتمُ.
فيقال: أما تجويز الكذبِ، فلا وجهَ له؛ لأنَّ المنعَ لو كان لذَلك، لَمُنعَ من تخصيِصِ العموم في الخبر مقارناً ومتأخراً، لأن الكذبَ لا يختصُّ بما تأخَّر دون ما قارن، ولأنَّ إخلاف (٢) الوعيد لا يسمَّى كذباً عند العربِ، ولهذا تَبَجَّحَت بإخلاف (٣) الوعيد وإنجاز الوعدِ، فقال شاعرهم:
وإني إذا أَوْعَدْتُهُ أو وَعَدْتُهُ ... لمُخْلِفُ إيعادي ومُنْجِزُ مَوعدي (٤)
وأما الصرف عن القبيح، فإنه يحصلُ مع تجويزِ العفوِ، والدليل عليه: أن تجويز وقوع العقوبة كافٍ، ولهذا شَرْعُ العقوباتِ والحدود في الدُّنيا صوارفَ عنَ القبيح والفسادِ، لم يخرجْهَا عن وضعِها، وكونها صارفةً، ما جَوَّزَه من الإسقاط بالشبهات، وما ندبَ إليه من السَّتر، وقبول الرجوعِ بعد الإقرارِ، وغير ذلك، فليس وعيدُ الآخرة في الزجر بأوفى من وعيدِ الدُّنيا، بل عقوباتُ الدنيا نقدٌ وتعجيلٌ، ولم يضعه وضعاً جزماً، ولا (٥) بحيث يقعُ لا محالةَ، فكذلكَ وعيدُ
стр. 1744
الآخرة.
ومنها: أنَّ ذلك قد وقعَ، بدليل ما بيَّناَ من الآي، [مثلُ] قوله: ﴿إنكم وما تعبدون﴾ [الأنبياء:٩٨]، وأنَّه أمر بني إسرائيلَ بذبح بقرةٍ، وبيَّن بعد ذلك (١)، وأخبرَ بعذاب قوم لوط، وبَيَّنَ نجاةَ لوطٍ وأهلِه، وإلى أمثال ذلك من الآي الواردة في الأخبار، وأخَّرَ بيانَ ما أريدَ بها بعد الخطابِ، تأخيراً للبيانِ عن وقتِ الخطابِ.
ومنها: أن الخبرَ يتضمنُ وجوبَ الاعتقادِ، وهو عملُ القلب، والتصديق لمُخْبَرِه (٢)، وهو عملُ القلبِ، فنقول: إذا ثبتَ جوازُ تأخيرِ البيانِ في أعمالِ الأركانِ، وهي التي وجبتْ بالأوامرِ والنَّواهي، كذلك جازَ تأخيرُ البيانِ، فيما أوجبَ أعمالَ القلوبِ من التصديق والاعتقادِ، ولا يجدونَ لذلك فرقاً يعطي تخصيصَ جوازِ ذلك في الأوامرِ والنواهي دون الأخبار.
ومنها: البناءُ على أصلِنا، وهو تجويزُ النسخِ قبلَ وقتِ الفعل المأمورِ به، وأنَّه أرادَ بقولِه: صلوا إذا زالتِ الشمس: إنْ مَكَّنتكم من هذا الأمر، ولم أنسخْهُ، كذلك قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾: إن تركتكم وهذا العموم، ولم أخصه، وليس في هذا إحالةٌ من جهةِ العقلِ، ولا استبعادٌ (٣) من جهةِ الشرع، مِنْ حيثُ كان لهُ إطلاقُ الأمر المقتضي للدوام قبل (٤) ورودِ النسخِ الكاشفِ، غير أنه أرادَ التأقيتَ لا التأبيدَ.
стр. 1745
ومما يدلُّ على صحةِ هذا: أننا نجوِّزُ أن يحيلَ بيننا وبين الفعل بعائقِ الموت، والإغماءِ، والجنونِ، فيصير التقديرُ مع هذا التجويز: صلوا عند الزوال إن لم يُعِقْكُمْ عائقٌ، أو يقطعكُم قاطعٌ، فكذلكَ جازَ أن يكونَ فيه تقدير: صلوا ما لم أنسخ.
يوضِّحُ هذا: أنَّ العوائقَ الواقعةَ المُحيلةَ بيْن المكلَّف، وبين إيقاعِ ما أُمِرَ به في الوقتِ الذي أُمِرَ به فيه، إنما تقعُ من جهتهِ سبحانه، فالمرضُ والجنونُ والإغماءُ والموتُ من جهتهِ، كما أن النسخَ من جهتهِ، فإذا كان القولُ المطلق مقدراً بالإيقاعِ ما لم توجدْ إعاقة من جهةِ الآمرِ، كذلك يكونُ معلقاً بأن لا يوجد نسخٌ من جهة الآمر، واذا ثبتَ هذا الأصلُ، كان التقديرُ في العموم الذي تأخر بيانُه وتخصيصه: إن لم أخصَّه، كما يقدَّر هناك: إن لم أنسخه، أو أَعْفُ (١) عنه.
فصل
في جمع شُبههم
فمنها: أن قالوا: إنَّ الخطاب بلفظِ العمومِ، ومرادُ المخاطِب الخصوصُ، وخطابَ الكلِّ بلفظ الكُلِّ، ومرادُه من المخاطبين البعض، والمجمل الذي لا يفيدُ لفظهُ مرادَ المخاطِب، هو خطابٌ (٢) بما لا يُعْقَلُ، لأنَّ العربَ لا تعقلُ الخصوصَ من العموم، ولا التفسيرَ من المجملِ، وخطابُ الإنسانِ بما لا يفهمهُ قبيحٌ، فوجَب أن
стр. 1746
يُنَزَّهَ عنه صاحب الشرع، كما لم يَجبْ عليه أن يخاطبَ العربَ بلغةِ الزَّنْج والنَّبَط.
فيقال: ومن الذي أَعْلَمَكَ أننا نمنعُ ذلك حتى جعلتَهُ أصلاً يُسْتَمَدُّ منه الحكمُ؟ وما المانعُ مِن ذلك؟ أَوَما تَعْلَمُ أنَّ الخطابَ الذي ورد إلى نبينا ﷺ ، ورد عربياً؟ وكلّفه البلاغ إلى سائرِ الأمم، فكان ذلك حسناً، وشرطَ تعبيرَه بلغتِهِم ليحصلَ البيانُ لهم في الثاني، وما الذي يمنعُ الخطابَ الصادرَ مِن الحَكيمِ، بأيَّ لغةٍ شاء، بعد أن يشيرَ إلى المخاطَبِ أنَّ الخطابَ له والإشارةَ إليه، حتى بالصوتِ السَّاذَج الممتدِ الذي لا يتَضمَّنُ حروفاً، [و] حتى بالمعجم، ليُفَسرَ ويُتَرجَمَ عنه في ثاني الحال؟
على أنَّ تقبيحكم لذلك لا وجهَ له، لأنَّه توهُّمٌ أنه خاطب بما لا يُفْهَم ليعلم خصوصُه من عمومه، ولعمري إنَّ ذلك بعيدٌ عن عادةِ حكماء المخاطِبين الآمرين الناهين، وليس الأمرُ عندنا كذلك، بل الخطابُ يوجبُ اعتقادَ ما يُبَيِّنُهُ في الثاني، إما جموداً (١) على عمومِه، أو بياناً (٢) لخصوصِه، فيعتقدُ المكلفُ تجويزَ خصوصِ العامِّ بالبيانِ الذي يأتي، وتفسيرِ المجملِ، فالعاقلُ على ثقةٍ من خطاب الله سبحانه بما لا يفهمُه أنه سيفهمه في الثاني، بتخصيص العامِّ، وَتفسيرِ المجملِ، أو بأن يَكِلَهُ إلى اجتهاده، فيقول: أَدِّ من الزرع ما شئتَ، أو سَهُلَ عليك، فذاكَ هو الحقُّ الذي يريدُه، فلا قُبْحَ في ذلك إذاً، ومَن الذي يَسْتَقْبِحُ في عرفِ العقلاءِ خطابَ مُلوكِ العجَمِ للعربِ، والعربِ للعجم بشؤونهم الخطاب المديد؟ ومكاتبة العبراني
стр. 1747
والسرياني للعربي ثقة بما يشفعُ ذلك من التراجم والتفسير والتعبير؟ وقد عَلِمَ المخالفُ أننا وجمهورَ أهلِ السنة، جوَّزنا خطابَ المعدومِ حَالَ عدمه ليوجدَ، ودلَّلنا عليه، فأولى أن نجوِّزَ خطاباً بما لا يُفْهَمُ معنَاهُ لِيُفْهَمَ، ويُبَيَّنَ في الثاني، ومعلومٌ تفاوتُ ما بين المعدومِ رأساً، وبين الموجودِ العديمِ الفهمِ لإعجامِ الخطاب.
فإن قيلَ: لو كانَ هذا الأَوْلَى صحيحاً، لكانَ خطاب المجنون ليعقلَ ويفيقَ، والصبي ليبلغَ في مستقبل الحالِ جائزاً، لأنَّ عدمَ العقلِ دونَ عدمِ الأصل، فإذا لم يتحصَّلْ بتجويزِ خطابِ المعدوم عندكم خطابُ المجنون والطفل من طريق الأَوْلى، لم يتحصل تجويز خطاب بمجملٍ، وبما لا يُفْهَمُ، لِيُفْهَمَ في الثاني، من تجويز خطاب المعدومِ لِيُوجَدَ، ومعلوِمٌ أن الشرع قد قال: "رفعَ القلمُ عن ثلاث" (١)، وذكرَ المجنون، فعاد تنبيهُ الشرعِ بإبطالِ خطابِ المعدومِ، فكان تنبيهُ الشرعِ مُقَدَّماً على تنبيهِكُم.
قيل: ومَن أعلمَكُم أننا لا نجوَّز توجُّهَ الخطاب إلى مجنونٍ في المعلومِ أنه يفيقُ، وصبيٍّ في المعلومِ أنه سَيَبْلُغُ؟ وإن أردْتُمْ تجويزَ خطابه مع عدم هذا الشرطِ، فذلك باطلٌ.
عدنا إلى إتمام الجواب عن أصلِ الشبهة: وذلك أنَّ أصلَ ما تعلقتم به من تقبيحِ خطابِ المكلَّفِ بما لا يُفْهَمُ منه مُرَادُ المُتكَلِّمِ، إنما هو لتَعَذُرِ طاعته فيما أُمِرَ به، وذلكَ موجود في خطاب العاجز الذي لا يصحُّ منه الفعلُ المأمورُ به مع عدمِ قدرتهِ، وكذلكَ القادرُ العادمُ للآلةِ التي لا غنَاءَ به عنها في فعلِ صناعتِه، ثمَّ لم يقْبُحْ ذلك
стр. 1748
بما يُؤْتَى في الثاني، ويمدُّ به من القدرةِ والآلةِ وقتَ حاجتِهِ إلى الفعل.
على أنَّ ما نحن فيه من الخطابِ يبعدُ عن خطابِ العربي بالزنجية، وذلكَ أنَّ صيغةَ العمومِ قد عقل منها الاستيعابُ والشمول للأعيانِ المأمور بإيقاع الفعلِ فيها، كقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وقد عقِلَ من قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فالإيتاءُ (١) معقولٌ، والحقُّ معقولٌ، وأنَّه أمرٌ واجبٌ يوم الحصادِ معقول، لم يبق في الآية شيءٌ مجهولٌ سوى قدر الحقِّ وكميته، ومتى قَبُحَ في العقول والعادات (٢) إيقافُ لفظة منها على بيان معناها في مستقبلِ التَّلفظِ بها؟! وأين هذا من لفظٍ زنجي يخاطبُ به عربيٌ لا يَفْهَمُ كلمةً من الزنجية؟!
ولأنَّ خطاب العربي بالزنجية لا يفيدُ فائدةً في الحال رأساً، والخطان بالعمومِ والمجملِ قد أفادَ في الحال تَلَقِّيَ الخطاب باعتقادِ إيجابِ فْعل والتزامِ حقٍّ، إلى أنْ يبيَّن مقدارُ الحقِّ، ومبلغُ الأفعال في تلكَ الأعيانِ.
وجوابٌ آخر:
وهو (٣) أنَّ جميعَ ما عوّلوا عليه باطلٌ بإطلاقِ الأمرِ المقتضي عمومَ الأزمانِ، ثم أبانَ النسخ عن إرادةِ الأمر به في بعضِ الأزمان، ولا محيصَ لهم عن هذا بفرقٍ، على أنَّ ما قدموه في ذلكَ قد تكلمنا
стр. 1749
عليه (١).
ومنها: قولهم: إن ما ذهبتم إليه هاهنا يعودُ بقولكم ويفضي به إلى التمذهب مذهبَ أهل الوقف؛ لأنكم قلتم: إذا تأخرَّ بيانُه؛ يجوز أن يكون عاماً، ويجوزُ أن يكون خاصاً، وكيف [لَمَّا] كَرَّرْنَا عليكم أنَّ اعتقادَ كونهِ عاماً من غير بيانِ تخصيصِه اعتقادٌ للجهل، وتعريضٌ من الشارع للمخاطبين باعتقادِ الجهلِ، كَرَّرْتُم القولَ بأنَّه لا يُعْتَقَدُ العمومُ، بل يُعتقدُ تجويزُ ورودِ التخصيصِ، وهذا تصريحٌ منكم (٢) بمذهب أهلِ الوقف، وهذا من آكَدِ ما توهمون به خَطَأنا في هذا المذهب.
فيقال: ليس التوقف في هذا توقفاً (٣) فيما وُضِعَتِ الصيغةُ له في أصلِ الوضع، وإنما هو توقفُ ترقُبِ مستقبلٍ، وتجويزِ مستأنفٍ من بيان يَكشف عن تخصيصِهِ، كما نَترقبُ (٤) ونُجَوِّزُ نسخَ الأمرِ المطلقِ، ولا نقول: إننا نتوقفُ في صيغة الآية المحكمة.
والذي يكشف عن الفرق بيننا وبين أهل الوقف: أننا نحن إذا عدمنا دليلاً يُخَصِّصُ مع مجيء وقتِ التنفيذِ للحكمِ والعملِ باللفظِ، بقينا على القولِ بعمومِ اللفظِ، وأهلُ الوقفِ لا يكتفون في القولِ بعمومِهِ بعدمِ دليلِ التخصيصِ في الثاني، بل لا يحكمونَ بكونه [على] عمومه إلا بدليلٍ مستأنفٍ يدلُّ على أن المرادَ به العمومُ.
стр. 1750
فقد بان أن قولنا في هذا لا يؤدي إلى مقالةِ أهلِ الوقفِ.
ومنها أن قالوا: إن البيان مع المبينِ بمنزلةِ الجملة الواحدة، ألا ترى أنهما بمجموعهما يدلانِ على المقصودِ بهما؛ ولا خلاف أنه لا يَحْسُنُ تأخيرُ الخبرِ عن المبتدأ؛ بأن نقول: زيدٌ، ونقول بعد زمان: قامَ، كذلكَ لا يحسُن أن يؤخَّرَ البيانُ عن الجملةِ المبيَّنة.
فيقال: إن تأخيرَ الخبرِ عن المبتدأ ليسَ من أقسامِ الكلام، ولا هو مفهومٌ بحال، والمجملُ يفهمُ به ومنه إيجابُ حقٍّ، ويبقى علينا بيان كميته ومقداره، وينكشفُ ذلك بتعليق الأحكام عليه، وهو الإيمانُ والاعتقادُ بأن حقاً قد وجبَ عليه، والعزمُ على إِيتائِه مهما كان من كثيرٍ وقليلٍ، ولا يفيد قول القائل: زيدٌ [ذلك].
ولأنه بالناسخ والمنسوخ أشبهُ منه بالمبتدأ والخبر.
ومنها: قولُهُم: لما لم يجز أن يردَ في كلامهم بعض حروف كلمةٍ لِتُتَمَّمَ (١) تلكَ الكلمةُ في مستقبلِ الحال، كذَلك لا يجوزُ أن تردَ الكلمةُ غير (٢) مُبَيَّنَةٍ في الحال لتُبيَّن.
فيقالُ: وما الذي قَرَبَ بينهما؟ فإنَّه لا يحتملُ أَنْ يقال: لَمَّا قَبُحَ هذا قَبُحَ هذا، إلا بَعْدَ دلالةٍ تجمعُ بينهما.
على أنا نحن نعلمُ أنَّ العربَ لم تنطقْ ببعض كلمةٍ لِتُتَمِّمَها في الثاني، وتكلمت بالكلمةِ المفهومةِ بظاهرِها لِتَصْرِفَها عن ظاهرِهَا بما يأتي مِن الدلالة الصارفةِ لها، حتى إنهم لم يُقَبِّحُوا تأخيرَ النسخِ، ولا
стр. 1751
يُعْلَمُ منهم ولا عنهم إيرادُ حرفٍ أو حرفين من كلمةٍ لا يُفْهَمُ المقصودُ بها إلا بخمسةِ أحرفٍ.
ومنها أن قالوا: إنَّ البيانَ المتأخِّر عند مَن أجازه، يُخْرجُ بعضَ ما اشتملَ عليه اللفظُ، فجرى (١) مجرى الاستثناء المُخْرِج لبعضِ ما عَمَّهُ الاسمُ وتناولَه، قالوا: فلما أجمع أهل اللغةِ على قبح تأخير الاستثناءِ عن المستثنى منه بأوقاتٍ كبيرةٍ، كذلكَ التخصيصُ، وبيان المبيَّن، وذلكَ أنَّهم استهجنوا قول القائلِ: اضربْ عبيدي، وقولَه بعد حولٍ: إلا نافعاً، أو سوى خالدٍ (٢)، أو غير عمرو.
فيقالُ. أما دعواك الإجماع، فلا وجهَ له مع خلافِ ابن عباس -وهو من ساداتهم، وترجمانُ الكتابِ العزيز-، وقولِه بجوازِ الاستثناءِ بعدَ سنةٍ (٣).
جواب ثانٍ:
أنَّ الفرق بينهما: أن عادةَ أَهلِ اللغةِ: أن لا يُبْتَدأَ بغير، وسوى، وإلاَّ، ولا يُتحرَّجَ من الابتداء بصيغة الأمر والنهي، فإذا قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] لم يَحْسُنْ أنْ يقال بعد سنة: إلا أهل الكتاب إذا أدوا الجزية، ويَحْسُنُ أن يقولَ: ولا تقتلوا أهلَ الكتابِ إذا أدَّوا الجزية، فإنني لم أُردْهُم بالأمرِ بالقتلِ، أو يقول: اضربْ عبيدي، ويقول بعد أوقات كبيرة: إلا سالماً، فإنه لا يَحْسُنُ، ويَحْسُنُ أن يقولَ: ولا تضربْ سالماً، وان كان اللفظان جميعاً
стр. 1752
يُخرجان من اللفظ ما لولاه لدخَلَ فيه.
على أن هذا الذي ذكرتموه من (١) القياس والاستعمالاتِ، لا يقاس أحدهما (٢) على الآخر، كما لا يقاس التخصيصُ على النسخ، فإن جازَ أن تقيسوا أنتم التخصيصَ على الاستثناءِ، في منعِ تأخيرِ أحدِهما، كما امتنع تأْخِيرُ (٣) الآخرِ، جازَ أن نقيسَ نحنُ التخصيصَ على النسخ في جوازِ التأخيرِ، فوقفَ دليلُكم، وترجَّحَ قولُنا نحن؛ لأنَّ (٤) النسخَ ودليلَ التخصيصِ جميعاً يبتدأ بهما في اللغةِ، ولا يُبْتَدَأُ عند أهلِ اللغةِ بحروفِ الاستثناءِ.
بيانُ ذلك. أنه يحسُنُ القولُ ابتداءً: وَلِّ وجهكَ شطرَ المسجدِ الحرام، بعدما شرعَ أولاً استقبالَ بيتِ المقدس، وإنْ طالَ [الزمانُ] بينهما، ويَحْسُنُ أن يقولَ: لا تقتلوا أهلَ الَكتابين إذا بذلوا لكم العهدَ، ودفعوا الجزيةَ، بعد قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ويَحْسُنُ أنْ يقولَ: أخرجوا من كل عشرة أقفزة مما تنبته الأرض قفيزاً، بعد أن قال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وإن طال الزمان بينهما، ولا يحسن أن يبتدىء، فيقول: إلا نافعاً (٥)، وغير نافع، وسوى نافع، بعد أن قال: اضربْ عبيدي، بزمان مديد.
ومنها أن قالوا: لو كان للنبي (٦) ﷺ تأخيرُ البيانِ مع وجودِ الأمرِ
стр. 1753
له ولأمته بالمجمل والعموم، لجاز تأخيرُ البلاغ، ولَمَّا لم يجزْ تأخيرُ البلاغِ، لم يجزْ له تأخيرُ البيانِ؛ لأنَّ كُلَّ واحد منهما إعلامٌ له وإشعارٌ بما شَرعَ اللهُ سبحانه، فإذا لم يُؤَخَرْ أحدَ الإعلامين والإشعارين، كذلك لا يُؤَخِّرُ الآخرَ.
فيقال: ومَن الذي يمنعُ تأخيرَ البلاغِ إذا كانَ بأمرٍ مِن اللهِ، وتشريعٍ منه؛ فليسِ ذلك بمحال، ولا مَنْفِي (١) عنه، بل جائزٌ عليه سبحانه أن يؤخِّرَ البيان عن المجملِ، كما يؤخِّرُ الإقدارَعن المكَلَّفِ على ما كَلَّفَهُ.
على أن تأخيرَ أصلِ البلاغ إخلالٌ بما يفيد، ويقع به عملٌ يقابَلُ المكلفُ على مثلِه بالثواب، ويُحقِّقُ (٢) به نوعاً من أسبابِ الإثابةِ والأجرِ، وهو توطينُ النفسَ على امتثالِ المأمورِ به إذا فسَّره، فإذا قال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ [الأنعَام: ١٤١]، فسمعَ ذلك بعدَ تبليغِ النبي ﷺ اعتقدَ وجوبَ حقٍّ، ووطَّن نفسَهُ على إخراجه من مالِه مراغمة للنفس، وإن كَثُرَ مقدارهُ، وثَقُلَ على النفسِ إخراجُه، وصار متوقِّعاً لتفسيَرِ المقدارِ، فيَحْصلُ له بالاعتقادِ، وتوطينِ النفس على الأداءِ، -وإنْ بادرَ (٣) الانتظارَ لما يردُ من التفسيرِ- من أعمالَ القلبِ ما يوفي على أَعمالِ (٤) الأركان كلها، وإذا لم يحصلْ أصلُ البلاغِ، تعطلَ المكلَّفُ عن هذهِ الأمورِ التي مدار التكليف عليها، وهي أعمال القلب، فأين تأخير البلاغ من تأخير البيان؟
على أنَّ الله سبحانَه لو ذكرَ حكماً، لم يجزْ للنبي ﷺ كَتْمُه إذا كان تكليفاً لأمته العملَ به، أو الاعتقادَ له، وإنْ جَازَ أن يتأخَّر
стр. 1754
الإعلامُ والبيانُ بمدةِ ذلك الحكم، متى ينسخ، ومتى يرفع أو يُغَيَّر؛ فقد جازَ تأخير بيانِ الحكمِ بالنسخِ، وإن لم يجز تأخيرُ أصلِ بلاغِ (١) الحكم للأمة.
ومنها: أنَّه لو جازَ تأخيرُ البيان، لم يُؤْمَنْ على النبي ﷺ حصولُ الاخترامِ (٢) قبل بيانه، وذلك مما يعطلُ ذلك الحكمَ الشرعي، وما أفضَى إلى تعطيلِ المشروعِ، لم يجز أَن يكون مَشروعاً، لِمَا فيه من تضييع الغَرَض، وخُلُوِّ الأمرِ بذلك الحكم من فائدة، وذلك من العيب الذي لا يجوزُ على الله سبحانه، ولا يحسن بالحكماء من خلقه.
فيقال: هذا تعليقٌ باطلٌ من وجوه:
أحدها: أن هذا ينبني على أصلٍ، وهو (٣) أنَّه سبحانه يجوزُ أن ينسخَ العبادةَ المأمورَ بها قبل وقت فعلها، والنسخُ رفعٌ لذلك الحكم، وإعاقةٌ عنه، فلا فرقَ بين الإعاقةِ باخترامِ السفير ﷺ قبل بيان المجمل الذي أنزِلَ، وبين نسخِ المأمورِ به قبل وقتِ فعله المعيقِ عن فعله، وسيأتي الكلام إنْ شاء الله في هذه المسألة في فصول النسخ بما فيه غنى وكفاية، لكن نقدم ها هنا بحسب ما يليق بالكلام، فنقول:
إن الله سبحانه [لو] اخترمَ نبيَّهُ قبلَ البيانِ، علمنا أنه سبحانه لم يُردْ بإنزالِ الأمرِ بالمجملِ إلا ما يَحصلُ من بلاغه لذلك المجملِ،
стр. 1755
فكان تكليفُه ﷺ أن يُبَلِّغَ ما أنزِلَ، وتأخيرُ البيان عنه لا يُنْقِصُه من رتبةِ البلاغِ شيئاً، ولا يُوجِبُ عليه مَعْتبة، ولا إثما، ولا تقصيراً في البلاغ، والأمةُ عملوا بحسب ما بلَّغ، فتلقَّوا ذلك باعتقادِ وجوب حقٍّ، ووطنوا نفوسَهم على الطاعةِ بإخراجِ ما يفسِّرُه به من مقدارِ ذلك الحقِّ، فما عاد ذلك بتقصيرٍ في بلاغه ﷺ ولا إِخلالٍ [في]، طاعةٍ من جهة الأمَّة، إذ لا تفريطَ من الرسول ﷺ ، ولا مِنَ الأمَّةِ في ذلك، وتوقُّعُهم بعد ذلك ما يَرد مِن التفسيرِ أو التخصيصِ، نوعُ تعبُّدٍ آخرُ لا يخلو من فائدة ومثوبةٍ، ولهذا روي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "المنتظرُ للصلاة في صلاةٍ" (١)، لأجلِ توقعه الوقتَ الذي يصلي فيه، والتوقعُ نوعُ عملٍ بالقلب، ولهذا قيل لأبي بكر الصديق في صلاة الفجر: كادتْ أن تَطْلُعً الشمسُ، فقال: لو طَلَعَتْ، ما وجدتْنَا غَافلينَ. (٢) يعني أنَّ تطويلَهُ بالقراءة شغلٌ ويقظةٌ، وهذا هو القصدُ.
على أنه إن كان الأمرُ بلفظِ عمومٍ، واختُرِمَ ﷺ قبل بيان تخصيصه، وكان لأمته دليل مستنبطٌ من قياسٍ أو استدلالٍ يَدلُّ على تخصيصِ ذلك العمومِ، فما يتعطَّلُ على قولنا؛ لجوازِ التخصيصِ