← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

مخطئينَ أو عاصين، ونضمَّ إلى ذلك اعتقادَ الوجوبِ، فيكونَ ذلك أطمَّ وأدْهَى، فلا يُخَلِّصنَا من ذلك الخطرِ إلا الوقفُ إلى أنْ يأتيَ [في]، ذلك دلالة تكشفُ عن حقيقة الحال، ومثل ذلك: استغفاره لأمِّه وعمِّه مع الشرك (١)، فنستغفر نحن للمشركين. فيقالُ: لا يمتنعُ مع هذه الحالِ أنْ يُكَلِّفَنا اتِّباعَه، وإن كانَ فيه سهوٌ أو خطأ، اسْتُدرِكَ بالرجوعِ عنه، ولسْنَا بأَوْفى منه، ولا يصونُنا البارىء عما لمِ يصنه عنه، فإذا جازَ أن يُؤَخِّرَ عنه البيانَ، ويُمكِّنَ من تلاوتهِ الشيطان، ثم يَنسَخَ ما (٢) يلقيه الشيطانُ، ويُبَيِّن (٣) له الخطأ، ليرجعَ عمَّا وقعَ منه بالخطأِ والنِّسْيَان، جاز أنْ يكلِّفَ اتِّباعَه على ما كان، ألا ترى أنَّ أقوالَه أيضاً لم تسلم من ذلك، ولا عُصِمَ فيها من زَلَّةٍ وخَطأ؟ فقد (٤) صلَّى، فقصر من الركعات، وعاد فأتمَّ، وسجَدَ للسهو (٥)، وندم على الفداءِ بعد أن وجب على أصحابه الاتباع في

стр. 1787

ذلك (١)، فلما لم يمنع هذا التجويزُ من (٢) اتباعِه في أقواله، لم يمنع اتباعَهُ في أفعالِه، والله أعلم. فصْلٌ وأما القائلون بالإباحة فإن أرادوا بها (٣): الإذنَ السمعي من الله لنا في اتباعِ مثلِ الأفعالِ التي يفعلها النبي ﷺ ، فذلك باطل؛ لأنه لم يرد سمع: بأنني قد أبحتكم، وأطلقتكم في فعلٍ مثلِ فعله ﷺ ، وإن أرادوا بقولِهم (٤): إنَها على الإباحةِ: أن مثلها ليس بمحظورِ علينا، وأنها تفعلُ على حكمِ العقل، فذلكَ صحيح، إلا أن يَنْقُلَ (٥) عن حكمهِ سمعٌ، وقد بيَّنا ذلك. على أنَّ الإباحة لا تقع إلا موقع الحَظر، وذلكَ في غيرِ العبادات، مثل: الأكلِ والشربِ، والُلبْس، والجماع، فأمَّا التعبدات، فلا تقعُ إلا بالاستدعاءِ؛ لأنها لا تقعُ ريَاءً ولا حَاجةً ولا عادةً، فأوَّلُ مراتبها، وأقلُّ مناصبها: الندبُ والاستحبابُ، دونَ التخليةِ والإطلاقِ، ولا يُبتدأ بها التكليفُ (٦) في الشرع، إلا بالاستدعاء والطلب، والاستعباد والامتحان، فأمَّا أنْ تقعَ على سبيل الإطلاق، فلا؛ لَأنها مُقَيّدَةٌ مِنْ

стр. 1788

دواعي النفوس، ومعدولٌ بالمتعبَّدِ بها عن سَمْتِ العادةِ، وما كانَ بهذهِ الصِّفةِ، لم يَجُزْ أنْ يكونَ فعلُه إباحةً وإطلاقاً، بخلافِ ما تميلُ النفوسُ إليه، وتقومُ به، فإن أوَّلَ وهلاتِ الإنعام به: الإطلاقُ في تناولِه، والمتعةُ بهِ. فصل في شُبَه الحاملين لأفعالِه ﷺ على النَّدْبِ، دونَ الإيجابِ فمن ذلك: قولهم: إنَّ اللهَ سبحانَه جعلَ التأسي بأفعالِ رسولِه حسنةً، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ولم يقرن (١) ذلكَ بلفظ إيجاب، بأنْ يقولَ: عليكم، ولا بوعيدٍ على تركِ التأسي، فدلَّ (٢) تحسينُه له، ومدحُه عليه، على الندبِ؛ لأنَّ المندوبَ (٣) هو الذي يُثابُ على فعلِه، ولا يعاقبُ على تركِه. ومن ذلك: أنَّ الندبَ أدنى المراتب في باب الاستدعاءِ والطلبِ والتقرب، وأدنى طرقِ الاستدعاء للفِعْلِ؛ إذَ لا (٤) صيغةَ له، ولا يُصرِّحُ بالطلبِ كما يُصرِّحُ القولُ، فوجبَ أن لا يُرْتَقَى به (٥) إلى الإيجابِ -وهو الأعلى- إلا بدلالةٍ؛ لأنّه هو المُتيقَّن، فصارَ كلفظِ

стр. 1789

الجمع، يحملُ على أدنى مراتبِ الجمع -على خلاف الناس في قدره: إما اثنان، أو ثلاثة-، لأنَّه اليقين. ومن ذلك: أنَّ المندوباتِ من أفعالِه ﷺ كانت الأكثرَ والأظهرَ من الواجبات، فحُمِلَ فعلُه الذي لا دالَّةَ على وجوبهِ، على عمومِ أفعالهِ وأكثرِها وقوعاً منه، وهو الندبُ. فصلٌ في جمعِ الأجوبةِ أما الآية: فإنَّها دليلٌ لنا، لأنَّها استدعاءٌ منا الاتِّباعَ بلفظٍ مطلق، وقرينةُ الاستحسانِ لا تَحُطُّها عن الإيجاب، لأنَّ كلَّ واجب حسن (١)، ولأنَّه قَرَنها بقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]، كما قالَ سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] ونصَّ على مراده بهذه الآية بقولهِ في الآية الأخرى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وأمَّا قولُهم: المُتيقَّنُ أدنى مراتبِ الأمر والقُرْبةِ -وهو النّدبُ-، فيقابله: أنَّ الاحتياط القولُ بالإيجابِ الذي يدخلُ في طيِّه الندبُ، والمخاطرةُ حملُه على الأَدْنى، فيفوتُ الإيجابُ، ومَن حمَلَه على النَّدب، جوَّز التركَ لاتِّباعِه في التعبد، وفي ذلكَ خطر وتغريرٌ، ولأنَّ الحملَ له على أعلى مراتب التعبُّد حراسةٌ للتأسي المأمورِ به، وفي التخيير إسقاطٌ للتأسي، ولهذا في باب القول، لم يُحمل على أقلِّ

стр. 1790

مراتب التعبُّدِ والاستدعاءِ، وفارق المقاديرَ (١) بالجمعِ والأمر به؛ لأنَّ مرتبةَ الجمع لا غايةَ لها، فحُمِلَ على ما انْحَرَسَ فيه الجمعُ، ومرتبةُ الأمرِ الإيجابُ الذي يحرسُ التأسي، ولا يُسقطُه. وأمَّا قولهم: إنَّ الندبَ أكثرُ أفعاله، فَحَمَلْناهُ عليه؛ لأنَّه العامُّ المستدامُ، فالإباحةُ أعمُّ، وكانَ يجبُ أن نحْمِلَه على الإباحةِ، كما قالَ بعضُ الأصوليين. على أنَّ أقوالَه وأوامره بالندبِ كانت أكثرَ من أوامره بالإيجاب، ولم يُحْمَل مطلقُ أمرِه على الندب، فإن مَنَعوا في القَوْلِ أيضاً، دللنا بما دلَّلْنا به في مسألةِ الوجوب. ولأنَّ المجاز الذي كثُرَ استعمالُه، عمَّ استعمالُه، ولم يوجِب ذلكَ أن يُحملَ إطلاقُه على غيرِ الحقيقةِ، لأجلِ قِلةِ استعمالِها، وكثرةِ استعمالِ المجاز. فصل جامع لشُبَه من نفى الوجوب، ممَّن قال منهم بالوقف، والندب، والإباحة فمنها: أن قالوا: إنَّا لم نجعل صيغةَ الاستدعاء أمراً إلاَّ برُتبةٍ في المُسْتدعِي، بأن يكونَ أعلى، ولم نقنع بمجردِ الصيغةِ في حكمِنا عليها بأنَّها أمر، فوجبَ أن لا تُعطى صورةُ الفعل رتبةَ الإيجابِ إلا بدلالةٍ تدلُّ على الوجهِ الذي خرجَ عليه الفعلُ. فيقالُ: قد اعتبرنا الرتبةَ في الفاعلِ، وهي النبوةُ الموجبةُ للاقتداءِ

стр. 1791

والاتَباع، ثم خروجُ الفعلِ على وجهِ التعبد، فإنَّ ما خرجَ لا على وجهِ التعبُّدِ، لم نَقُلْ بوجوبهِ، بل بمُجرَّدِ إباحتِه. ومنها: أنَّ أفعالَه أكثرها كانت مخفيةً مطويةً عن الأمة، فلا يجوز أن يُجعلَ ما هذا سبيله كالنطقِ الذي لا يجوزُ له كتمُه. فيقالُ: فما خفيَ منها قد كُشِفَ للتأسي به والاتِّباع له، تارة به، مثل قوله في غسله الذي لا يشاهدُ: "أمَّا أنا فأحْثُو على رأسي ثلاث حَثَيات من ماءٍ" (١)، ومثل قوله لأم سلمة لَمَّا سُئِلَت عن قُبلة الصائم: "هلا أخبرتيهم أنَّني أقبِّلُ وأنا صائمٌ" (٢)، و [تارةً بغيرهِ] مثلُ قول عائشة لما اختلفوا في الِإكْسال والإنزال: إذا التَقَى الخِتانانِ، وَجَبَ الغُسْلُ، أنْزَل أو لم يُنزِل، فَعَلْتُه أنا ورسُول الله، فاغْتَسَلْنا (٣). على أنَّ النبيَّ ﷺ لا يطوي من أفعالِه إلا ما لا يَجعله بمنزلة الأمرِ، فأمَّا ما يستدعي به الاتِّباعَ، فلا بُدَّ أن يُظهرَه، ولا يطوي إلا النوافلَ المحضة، وهذا يعطي: أنَّ ما أظهره الإيجابُ، إذ كانَ لا يخفي إلا النوافلَ، ولهذا قال في التَّرَاويح (٤): "ولو خَرَجْتُ الرَّابعَة، خفتُ أن تُفْرَض عليكم" (٥). ومنها: قولهم: لا يخلو قولكم بوجوبِ اتباعِه في أفعالِه أن يكونَ

стр. 1792

بطريقِ العقل أو السمع، والعقلُ يمنعُ من أن يقْدِمَ الإنسانُ على إيجابِ فعلٍ ما لأجل وقوعِه من غيره، مع ثبوتِ العلمِ باختلافِ (١) أحوال الناس في المصالح والمفاسد في بابِ الأديان، كاختلافِهم في بابِ الأمزجةِ والأبدانِ، وكما أنَّ مزاجَ بعضِهم يقتضي تناولَ الحموضاتِ والمسهِّلاتِ من المآكلِ والمشارب، ومزاجَ آخرين يقتضي تناولَ الحلوِ أو المرِّ، فلا يُجَوِّزُ العقلُ أن ينزَّلَ الإنسانُ في ذلكَ على قالبِ غيرِه، كذلكَ وجدنا أنَّ الشرع خَالَفَ وفاوتَ بين الأشخاصِ بحسبِ اختلافِ أحوالِهم، فما يُسْتَرُ من الحُرَّة يُكْشَفُ مِن الأَمَةِ، وما يكونُ قُرْبةً من المُقيمِ الصحيح، يكونُ ضدُّه هو القُرْبةَ في حقِّ المسافرِ والمريضِ، وعلى هذا الَاختلاف، فهذا يعطِّلُ دليلَ العَقْلِ عن إيجابِ الاتِّباع للغَيْرِ، إلا بدلالةٍ تدُلُّ على الموافقةِ من عندِ من يعلمُ المصالحَ، واَلسمعُ لم (٢) يَرِدْ بوجوبِ مثلِ ما فعلَه علينا، وإذا تَعَذَّر دليلُ الإيجابِ، بطلَ القولُ بالوجوب. فيقال: إنَّ ورودَ هذا من القائلِ بالندبِ، لم يصحَّ، وإن وردَ من القائلِ بالوقفِ، فإنَّه أيضاً لا يصحُّ؛ من حيثُ إنه وإن نفى الندبَ والإيجابَ، فما (٣) نفى جوازَ الصلاةِ والصيامِ والطوافِ وغيرِ ذلك مِمَّن رأى النبيَّ ﷺ يفعلُ ذلك، وتجويزُ المفسدة كان يجبُ أن يَمنعَ استواءَ المكلفين في حكمٍ واحدٍ -سواء كان ندباً، أو إيجاباً، أو وقفاً-، لِمَا ذكرت من اختلافِ أحوالِهم، كما يُمنعُ الإنسان من اتباعِ غيره، في شربِ دواء، أو أكل غِذاء، مع وجودِ مخالفةِ تأثيرِ

стр. 1793

المزاجين. ويقالُ (١): لا يجوزُ أن نُقْدِمِ على اتِّبَاعِه في فِعْلٍ يَفْعَلُه، ودَليلُهُ يُعْطي حَظْرَ الاتِّبَاعِ، وَما حَظرَهُ، ألا ترى أنّه اسْتَشْهَدَ بشُرْبِ (٢) الأدْوِيَةِ؟ فإننا لا نُجوِّز أن نَشْرَبَ الدواءَ المسهِّل، لِمَا نَراهُ من شرب حكيم في الطِّب مقدَّمٍ في الصناعة (٣)، لتجويزِنا أنْ يكونَ ما ينفعُهُ أوَ يتداوى به مَضرَّةً لنا، وداءً لا دواءً، وإذا لم يَجُز اتباعنا له، بطلَت هذه الطريقَةُ. وأمَّا نحن فإنَّا لم نَقُل بالإيجاب إلا بالسَّمع، وهو الأمرُ باتباعِه والتأسي به، وكونُه جُعِلَ علماً ومناراً يُحتذى في التعبداتِ، ويُتبعُ في الأفعالِ، كما جُعِلَت الكعْبَةُ قِبْلَةً يُتَوجَّهُ إليها في الصلوات. وما ذكرناه من الاستدلالات النظريةِ فيه كفايةٌ. فَضلٌ إذا ثبت أنَّ أفعاله ﷺ دالَّةٌ على الوجوب، فإنَّ ذلك من جهة السمعِ، خلافاً لبعض الأصوليين ممن قال بالوجوبِ: [أنها] إنما تجب بطريق العقل (٤).

стр. 1794

فَصْلٌ يَجْمَعُ دَلائِلَنا فمنها: أنَّ أحوالَ المكلفين مختلفةٌ غايةَ الاختلاف، ولهذا خالفَ اللهُ سبحانَه بينهم في التكاليفِ بحسب اختلافِ أحوالِهم، فخصَّ العبيدَ والإماءَ بأحكام تخالفُ أحكامَ الأحرارِ، وخصَّ الإناثَ بأحكامٍ تخالفُ أحكامَ الذكورِ، وكذلكَ المسافرينَ والحاضرينَ، والمرضى والأصحَّاء، وأهلَ الباديةِ وأهلَ الأمصارِ، فإذا كانَ كذلك، لم (١) يثبت عندنا بالعقلِ تساوي حالِ النبيِّ وأُمَّتِه من جهةِ العقلِ، فلا وجْهَ لوجوبه بطريقِ العقْلِ من هذا الوجهِ، الذي هو عدمُ العلمِ بالمساواةِ، فكيفَ وقد بان لنا اختلافُ حالِ النبي ﷺ وحالِ أمّتِه في تكاليف كثيرةٍ؟ تخفيفاً عنه تارةً، وتثقيلاً عليه أخرى، وكرامةً له، وابتلاءً، فلا يَتَهدَّى العقلُ إلى أنْ يحكمَ بأنَّ تكليفه لنوع تَعبُّدٍ: أَنه (٢) تكليف لنا، فَلَمْ يَبْقَ لنا طريقٌ إلى ذلك إلا من جهه السمعِ الواردِ من جهةِ من يَعْلَمُ المصالحَ العامَّةَ والخاصَّة. فإن قيل: هذا الاختلافُ موجودٌ بين آحادِ الأُمَّةِ، ثم أمْرُه للواحد كان أمْراً للجماعة. قيل: بطريق السمع أيضاً، حيث قال: "أَمْري للواحدِ أَمْري للجماعة" (٣). ومنها: أن العقل لا يَتَهَدَّى إلى أصل المصالح العامة، فكيف

стр. 1795

يَتَهَدَّى إلى مراتبِ المصالح، والتسويةِ بين الأشخاص؟ إذ ما لا يَتَهَدَّى إلى الأصلِ، لا طريقَ له إلى الكيفيةِ والتفصيل. ومنها: أنْ تُبنى المسألةُ على أصلٍ، وهو (١) أنَّ العقلَ لا يوجِبُ، ولا يَحْظُر، ولا يبيحُ، فلا وجهَ لإيجابه ها هنا. وقد مضى في أَوَّلِ الكتاب ما فيه كفايةٌ لإثباتِ مذهبِنا (٢). فصلٌ في شُبَهِهِم فمنها: أنَّه إذا تعبَّد به، كانَ ذلك من مصالِحِه، فَيَجِبُ أن يكونَ من مصالِحِنا أيضاً. ومنها: أنْ قالوا: إنَّ ما فَعَله على وجهِ القربةِ حقّ وصواب، وإنَّ الحقَّ والصوابَ يجبُ اتباعُه. ومنها: أنَّ في نَفْي (٣) إيجاب اتباعه ما يُفضي إلى ترك اتباعِه؛ لأنَّ ما لا يجبُ على الَإنسانِ، مخيَّر بين فعلِه وبين تركِه، وفي تركِ اتباعِه اظهارُ خلافٍ عَلَيْه، وفي ذلكَ إسقاطُ حُرْمَتِه، وإغراءٌ بالتنفيرِ عنه، وتركِ الانقياد له، لأنَّ مَلِكاً، أو متَقَدمَ مِلَّةٍ أو طائفة،

стр. 1796

[لو] قامَ لدخولِ إنسان، فلم يقوموا لقيامهِ، أو أبعدَ إنساناً وهجَرَهُ، فقاربوه ولم يهجروه، وركِبَ للحرب، فلم يركبوا لركوبهِ، كان إهْوَاناً به، وإسقاطاً لحرمتِه، والعقلُ يأبى ذلكَ، ويوجبُ ما يعظِّمُ حرمتَه، ومتابعتَه، والانقيادَ له. فهذا مُقْتضَى (١) العقلِ، ويكونُ ما يأتي من أدلة السمعِ مُؤَكِّداً (٢) للإيجابِ الحاصلِ بأدلةِ العقولِ التي ذكرناها، لا أنَّه هو المفيدُ لذلك. فصلٌ في أجوبتهم أما الأول، وقولُهم: إذا ثبتَ أنَّه مصلحة له، كان مصلحةً لنا، فدعوى (٣) عريضة، ولا يجوزُ أن يظْفَرُوا فيها ببرهان؛ إذ لا دليلَ من جهةِ العقلِ يعطي تساوي شخصين في مصلحةٍ دينية، ولا دنيويةٍ (٤)، ولا بدنية، بل الأصلُ في المكلفين الاختلافُ في طباعهم وأمزجتهم وأحوالهم، فكما لا يستحيل امتناعُ تساوي زيد وعمرو في علاجِ مزاج، أو سبب يدعو إلى الاستجابةِ والانقيادِ، كذلكَ لا يستحيلُ ولا يبعدُ انقطاعُ ما بيننا وبينه ﷺ في المصالح الخاصةِ لمعنى يخصُه، وانفرادُه (٥) عنا بأصلحَ يكونُ بِعَيْنِه مفسدةً لناَ.

стр. 1797

ويقالُ أيضاً: قد يكونُ التعبُّدُ له بالفعلِ على جهةِ الوجوب هو المصلحةَ، كما يكونُ التعبدُ له ندباً هو المصلحةَ، وقد يكون من المصلحةِ جعلُ ما هو له ندبٌ علينا فرضاً، وجعلُ ما هو عليه فرضٌ علينا ندباً، وقد تكون المصلحة (١) [جعلَ] ما عليه ندب لنا مباحاً، لا واجباً ولا ندباً، أو علينا مَحْظوراً، كما ذكرنا في اختلافِ التعبدات في حق المكلفين بحسب أحوالهم، وقد عُلِمَ ذلك بكونِ كثيرٍ من الأمورِ عليه مفروضةً، وفي حَقِّنا مندوبةً، وعليه محظورةً، ولنا مباحةً. وأمَّا الثاني، وقولُهم: إنَّ ما فعله حق وصواب، فيجب أن يكون مُتَّبَعاً فيه، فغيرُ (٢) صَحيح ولا لازِمٍ؛ لأنه إنَّما كان حقّاً وصواباً؛ من حيثُ أُمِرَ به سَمْعاً وشرعًاً، وإلا فلا يتهدى العقلُ إلى ذلك، فيجبُ أن لا يكونَ حقَّاً وصواباً في حقنا إلا بدليلٍ سمعي، وهو الطريقُ الذي ثبتَ به كونُه في حقِّهِ حقّاً وصواباً، والتساوي بيننا وبينه غيرُ معلومٍ عقلاً ولا سمعاً، فلا وجه لدعوى كونه في حقِّنا صواباً وحقّاً؛ من حيثُ كان في حَقِّه كذلك. على أنّا قد اتفقنا أنَّ ما كان حقاً وصواباً في [حق] أحد المُكلَّفينَ، لا يلزم أن يكون حقاً وصواباً في حقِّ المكلَّف الآخر، فصلاةُ الأَمَةِ مكشوفةَ الرَّأْس، وصلاةُ العبدِ يومَ الجُمُعةِ صلاةَ الظُّهرِ، وتركُ الحائضِ للصلَاةِ والصومِ، وصلاةُ المسافر الرُّباعِيَّاتِ من الصلوات المفروضات ركعتين، حقّ كلُّه وصواب، وليسَ ذلك في حقِّ الحُرَّةِ والحرِّ، والطاهرةِ، والمقيمِ حقّاً وصواباً، فلا أفسد من هذه الطريقة،

стр. 1798

وهي أخْذُ حُكْمِ أَحَدِ المكلَّفِينَ من حكمِ الآخر قبل العلم بالدليل بتسويةِ ما بَيْنَهما. فأمّا قولُهم: إنَّ نفيَ الوجوبِ يُنتج تركَ اتباعِه، وذلكَ يؤدي إلى التنفيرِ عنه، واطِّراحِ حرمته، والإغراءِ بالميل عنه، وتسهيلِ مخالفتهِ، فليسَ بشيء، لأن الذي يُنَفِّرُ عنه مخالفةُ أمره، وتركُ الانقيادِ لما دعا إليه، أو الانخراطُ فيما نهى عنه، فأمَّا تركنا أنْ نَفْعلَ مثل فعلِه، فليس ذلكَ مما يُنَفِّرُ عنه، ولا يَظْهَر لأحدٍ أنَّه إنما فعلَ لنفْعَل، بل العقلاءُ كلهم يعلمون أنَّ الفاعلَ إنما يفعلُ لمعنى يَخُصُّه، كما أنَّه لا يكونُ فعلُنا للتعبدِ حالَ تركهِ استراحةً (١)، وصومُنا حالَ فطرِه، تنفيراً عنه، ولا ميلاً عن اتَباعه، ولأنَّه لو كانَ ذلك مُنفِّراً، لكانَ تركُنا لما خُصَّ به من الفروضِ والمندوباتِ تنفيراً عنه، ولو كان ذلك واجباً من طريقِ العقل، لبقي التنفير عنه، [و] لوَجَبَ أن يُنْفى عَنْه السَّهوُ والخطأ، والنسيانُ والغَفلةُ، والاستهتارُ (٢) بالنساءِ، وتزويجُه، وخصومتُه لهنَّ، وتغايرُهن عليه، فإنَّهم نفروا مما دونَه، دونه قالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧]، ومالوا إلى إنزالِ ملَك [لا] يَغْمِسُه البارىء في الطبع الإنساني، بلهجه بالتزويج، وإباحة هبةِ النساءِ نفوسَهن له، وجعلِه (٣) له أن يَصْطَفي من المَغْنمِ ما يشاءُ حتى النساءَ، ومعلومٌ أنَّ هذا من أعظمِ ما يُنَفِّر عنه، وإنَّما أفرطت أمَّةُ عيسى فيه حتى قالت: إنه إله، للامتناعِ من هذا الشأنِ، فكانَ ذلكَ تنفيراً (٤) عن الإذعانِ بالرسالةِ، ودعوى الربوبيةِ،

стр. 1799

وكانَ هذا منفِّراً عن نبيِّنا ﷺ ، وتُهْمةً (١) [له]، بأنَّه مؤثر ومغتنم، وطالب الحظوظ من الدنيا، ومغلوب شهواتِه وطباعِه، هذا كُلُّه تنفيرٌ، وما صَدَفَ البارىء عنه، فَبَطَلَ ما تعلقوا به. ومن ذلك: إبدالُ الآيةِ بالآية، ونسخُ التعبدِ بعد شرعهِ (٢)، والصرفُ من قِبلةٍ إلى قبلةٍ، فإنَّه قد جرَّ ذلكَ قولهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]، وقال سبحانَه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١]، وكانَ يجبُ أن لا يَجْعَلَ في الكتابِ آياتٍ متشابهات، يعطي ظاهرُها التَّشْبيهَ والانفعالَ، وتَغيُّرَ الحالِ عليه، والعلمَ بَعْدَ أن لم يَعلَمْ، ومعلومٌ ما في الكتابِ من هذا القبيلِ، مثل ذكر الغضبِ والرحمةِ، والرِّضا والكراهة، واليدين، والروح، والعينِ والوجهِ والمجيءِ والإتيانِ، والمحبةِ، والمكرِ، وهذه كلهاَ في الحقائقِ أعضاءٌ وإدراكاتٌ وانفعالاتٌ، فإنَّ الرحمةَ: رِقَّةٌ توجبُ ألمَ القلبِ بوقوع المرحوم في المكروه (٣). والغضبَ: غليانُ دم القلبِ، واشتطاط حرارتهِ طلباً للانتقامِ، والكراهةَ: غَليَانُه لما يُتَحذَّر أو يُتَقَذَّر أو تأباه الأمزجة والطباع، والمكرَ: إبطان (٤) السوء مع إظهارِ ضدِّه، والإتيانَ [و] المجيء في قولِه (٥): ﴿وجاءَ ربُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]، ﴿أَو يَأْتِي رَبُّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]: هو الانتقالُ والخروجُ من مكانٍ إلى مثلِه،

стр. 1800

إلى أمثالِ ذلك، وكم ضلَّ قومٌ بذلك، ونفَرَ قوم عن الاستجابه للشرعِ لأجلهِ، فالدعوى بأنَّ العقولَ تمنعُ ذلكَ باطلة، لأنَّ الشرعَ لا يأتي إلا بمُجَوَّزات (١) العقول. على أنَّ هذا كُلَّه يلزَمُ من قالَ بنفي الوجوبِ رأساً، ونحنُ نقولُ بوجوبِ اتِّباعهِ، وإنَّما نقولُ: إنه بالسَمع، وكونُ الطريقِ لإيجابهِ السمعَ، لا يَحْصُل به ما ذكره المخالفُ من التنفير، وإهمالِ حرمة السفير ﷺ ولا الإغراءِ بمخالفتِه. فصلٌ البيانُ بالفعلِ من جهتهِ ﷺ - هو أنْ يفعلَ بعضَ ما دخلَ تحريمُه في عمومِ لفظِ التحريم، فإذا فعلَه دلَّنا ذلكَ على تخصيصِ العموم، وأنَّ ما فعله لم يدخل تحتَ، صيغةِ العموم، وذلكَ جائزٌ عنْدَنا، وبه قال بعضُ أصحابِ الشافعي. وذهبَ أبو الحسنِ الكرخي: إلى أنَّه لا يجوزُ تخصيصُ العمومِ، ولا البيانُ بالفعل، ووافقه في ذلكَ بعضُ أصحابِ الشافعي، فلهم في هذا وجهان (٢).

стр. 1801

فصْلٌ في أدلتنا فمنها: قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ولم يفْصل بين القولِ والفعلِ في تخصيصِ العمومِ، وبيانِ المجملِ، وغيرِ ذلك من البيان، فكان ذلك على عمومِه المقتضي لدخولِ قولِه في البيانِ وفعلِه. ومنها: أنَّ النبي ﷺ لمَا سمعَ أنَّ قوماً تَحرَّجُوا من استقبالِ القبلةِ بفروجهم في البنيان -قيل: قبلتنا، وقيل: قبلة بيت المقدس بعد نسخها-، أمرَ بتحويلِ مَقْعَدَتهِ إلى القبلة، وهذا قصا منه ﷺ إلى بيان تخصيص العموم الذي قاله في التحريم: "لا تَسْتَقْبِلوا القِبْلَةَ، ولا تَسْتَدبروها ببول ولا غائط، لكن شرقوا أو غربوا" (١)، ورويَ: أنَّه نهى عن استقبال القبلةِ بالبول والغائط (٢)، فصارَ تحويلُه لمَقْعَدَتِه نحوَ القبلةِ تخصيصاً لذلك العمومِ، وبياناً أنّه لم يدخل تحتَ ذلكَ البنيانُ، ولا ما بعدَ النسخ. ومنها: أنَّ ما فعله ابتداءً كان تشريعاً، كذلك ما فعله بَعْدَ العُمومِ كان تشريعاً، وإذا كان تشريعاً، صارَ تخصيصاً؛ إذ لا يمكنُ أن يكونْ الاستقبالُ شرعاً، والعمومُ الأولُ باقٍ على عمومهِ؛ من حيث إنَّ استقبالَها ليس بشرع.

стр. 1802

فصل في شبهِهم فمنها: أنْ قالوا: إنَّ تخصيصَ العمومِ أحدُ نوعي البيانِ، فلا يجوزُ بفعله، كالنسخ. ومنها: أن النطقَ العام شملَ الأعيانَ لفظاً ونطقاً، وفعلُه يحتملُ أن يكونَ مخصوصاً به ومخصوصاً له، ويجوزُ أنْ يكونَ هو وغيرُه فيه سواءً، فلا يُتركُ العمومُ المتيقَّنُ بأمرٍ محتملٍ، فأكثرُ ما يعطي فعلُه خروجُه هو من حكم العموم، فأمَّا خروجُنا نحن، فلا. نَتبيَّنُ بذلك أنَهُ مَخْصوصٌ من جملة العمومِ، إذا كان العمومُ يشملُ المكلفين. فصل في الأجوبةِ أمَّا الأول، فيُحتَمَل أن نقول: إنَّ النسخَ بفعلِه جائزٌ، فقد ذهبَ إليه بعضُ العلماءِ، واختاره بعضُ أصحابِ الشافعي. ولو سلَمنا، فإنَّ النسخَ يخالف التخصيصَ؛ لأنَّه يجوزُ التخصيصُ للكتاب بالقياس والسُّنَّةِ، وإن لم يَجُز النَّسخُ بهما؛ لأن النسخ رفع للحكمَ رأساً، والتخصيص بيان للمرادِ باللفظِ العام. وأمَّا الثاني، ودعوى احتمالِه، فصحيح، لكن الأظهرُ من المُحْتمَلَينِ مساواتُه لأمَّتِه في ذلك، وأنه لا يفعلُ ذلك بعد نهيه خاصاً إلاَّ ويُبيِّنُ تخصيصَه بذلك، وإلا كانَ تلبيساً، وموقعاً للأُمَّةِ في شك؛ في بقاءِ الأول على عمومهِ، أو تخصيصِه.

стр. 1803

فصلٌ إذا ثبتَ أنَّ الفعلَ يحصلُ به البيانُ، فإذا تعارض القولُ والفعلُ في البيان، فالقولُ أَوْلى من الفعل (١). ولأصحاب الشافعي وجهان: أحدهما: مثل قولنا (٢). والثاني: الفعل أَوْلى من القول (٣). وقال بعض الأصوليين: هما سواءٌ في البيان؛ القولُ والفعل (٤). فصل في أدلتنا فمنها: أنَّ القولَ يدلُّ على الحكم بنفسه، والفعلَ يدل عليه بواسطةٍ: هو استدلالُنا على أنَّ الفعلَ جائزٌ؛ من جهةِ أنَّ النبي ﷺ فعَلَه، وهو لا يفعلُ ما لا يجوزُ، فكانَ ما دل على الحكمِ بنفسهِ أولى ممَّا دلَّ عليه بواسطة.

стр. 1804

ولأنَّ الفعلَ يُبَيَّنُ بالقول؛ فإنَّه لما حجَّ، قال: "خُذُوا عني" (١)، ولما صلى، قال: "صَلُّوا كما رَأيَتْموُني أُصَلَّي" (٢)، فبَيَّنَ الفعلَ بالقولِ، والقولُ لا يحتاج إلى بيانٍ بالفعل. ومنها: أنَّ القول يتعدى، والفعلُ مختَلَفٌ في كونه يتعدى حكمُه إلى غيره، فمن الناس من قال: لا يُعَدَّى (٣) حكمُه إلى غيرِه إلا بدليلٍ، فكانَ ما تعدَّى بالإجماعِ بنفسِه أَوْلى ممَّا في تعدَّيه إلى غيرِه خلافٌ. وفي هذه الدلائلِ دلالةٌ على من رَجَّح الفِعْلَ، وعلى من سوَّى بين الفعلِ والقول جميعاً. فصلٌ في شبههم فأمَّا من قال: إنَّ البيان بالفعل أبلغُ وآكدُ، وهو مُقدَّمٌ، فإنّه تعلَّقَ بأنَّ النبي ﷺ قال للذي سألَه عن مواقيتِ الصلاةِ: "صلِّ معنا" (٤)، ورويَ: "اجْعَل صلاتَك مَعَنا"، وصلَّى به جبريلُ ﵇، وقال له لَمَّا صَلَّى به في اليومِ الأوّلِ في وقتٍ، وفي الثاني في وقتٍ آخر: يا محمَّدُ، الوقتُ ما بين هذين (٥)، وقالَ النبي ﷺ : "الشهرُ تسعٌ

стр. 1805

وعشرون" (١)، ثم أكَّدَ البيانَ بأصابعهِ، فقال: "الشهرُ هكذا وهكذا"، وقال: "أَوَقَدْ فعلوها؟ حَوِّلُوا مَقْعَدَتي إلى القِبْلَةِ" (٢). فهذهِ الرواياتُ دلَّت على بيانِ القولِ بالفعلِ مع وجودِ القولِ، وهذا تقديمٌ وترجيح للفعلِ على القولِ. ومنها: أن قالوا: كلُّ مُعَلِّمٍ ومُبَيِّنٍ إذا أراد إيصالَ فهمِ ما يقولُ إلى مَن يُعلِّمُه ويُخبِرُه، استعان بإشارتِه بيدِه، وبالخطوطِ والأشكالِ في ذلك، وهذا لمعنى، وهو أنَّ من الهيئات ما لا تتحصل صورتهُ في القلب، بمجردِ النُّطقِ؛ حتى ينضمَّ إليه تصويرُ ذلك بالفعل، وإذا كان هذا هكذا، بانَ أنَّ الفعلَ مُقَدَّمٌ في بابِ البيان. فيُقال: أمَّا مَا ذكرتَ، فيعطي انَّهما سواء؛ لأنَّكَ اسَتَدلَلْتَ بأنَّه وُجِد البيانُ بالفعلِ، ووجدَ البيانُ بالقولِ، وهذا يوجبُ تجويزَ البيانِ بهما، ونحنُ قائلون به، فأمَّا الترجيحُ، فيحتاجُ إلى شيءٍ آخرَ. والقولُ الفصلُ عندي في ذلك: أنَّ لنا أفعالاً يَقْصُرُ القول عنها، فالتعبيرُ عنها بالصور أبلغُ منه بالصِّيَغ؛ لأنَّ الصُورَ إلى الصورِ أقرب، ودْلكَ مثلُ قولِ القائلِ: رمى رسولُ الله بمثلِ حصى الخذْفِ، هذا بيان، فإذا أخذ من الأرض حصاةً، ثم خذف بها، فقال: بمثلِ هذه رمى، وكذا رمى، فأبان بقَدِّهَا صورةً، وبرَمْيِه بها صورةً، كانَ أبلغَ. وكذلكَ بيانُ قوله: "إذا التَقَى الخِتانان، وجَبَ الغُسْل" (٣)، فأخَذَ

стр. 1806

يشكل بيده صورة الالتقاء، وأنه محاذاةُ جلدةِ ختانِه لجلدة خِتانها، كتقابل الفارسين؛ إذ ليس بينهما اجتماع (١)، كان أبلَغَ. وكذلكَ إذا أرادَ بيان أنَّ النبي ﷺ تيمم بضربةٍ واحدة، وجعلَ بطونَ أصابِعه لوجهِه، وبطونَ كَفَّيْهِ ليديه، [كان] التصويرُ أبلغَ من التقريرِ بالقول. فهذا وأمثالُه مما لا بدَّ للقولِ من إشارةٍ بصورةِ الفعلِ؛ ليحصلَ الفهمُ، حتى إنَّ المبطىءَ الفَهْم يتحصلُ له بالإشَارَةِ ها هنا في أمثال هذه الصُوَر ما لا يتحصلُ له بالعبارةِ. ولنا أشياءُ لا يتأتى فيها له التصويرُ بالفعلِ، ولا يخرجُ البيانُ عنها إلا صيغةَ قولٍ لا صورةً، وذلك مثلُ أعمالِ القلوبِ، والدواخلِ على النفوسِ من الآلامِ التي تتحصلُ لكلِّ واجدٍ لها، ومن عرضت له، في خاصّةِ نفسِه، دون أن تتعدَّى إلى غيرِه، فإذا أرادَ أن يُعْلِمَ بها غيرَه، صاغ (٢) قولاً يُعبِّرُ به عنها، إذ لا يمكنُه إخراجُها بشكلٍ يدركُه العيان. فإذا ثبت هذا، وأنّ لقَبيلٍ (٣) من الأفعالِ هذا التأكيدَ الذي يحصلُ به تأكيدُ بيانِ القول، ولقَبِيلٍ منها هذا التقصيرَ الذي لا يحصلُ به البيان، جئنا إلى ترجيح القول، فقلنا: إنَّ القولَ ينوبُ عن الأمورِ العارضةِ في النفوس، إذ لكل منها اسمٌ موضوعٌ، وعن الصورِ الظاهرةِ أيضاً، فقدَ عملَ القولُ في الأمرين جميعاً، وإن كانَ في أحدِهما أقصرَ، والصورُ من الأفعالِ لا تعمل في البيانِ عن أعمالِ

стр. 1807

القلوب، وعوارض النفوس، وهواجس الصدور، فبان ترجيح القولِ على الفعل، فلكلِّ صورة من الأعمال الظاهرة والباطنة جميعاً صيغة، وليس لكل صورةٍ في النفوس والقلوب صورةٌ. وأمَّا شبهةُ من سوَّى بينهما، فإنَّه لحظَ بعض الأفعالِ أنَّ لها صوراً يمكنُ إخراجُها إلى الوجودِ أشكالاً، فيدركُها الحِس بإدراك أمثالها التي يُقصدُ بها البيانُ، وبعضُها تقْصُرُ الإنسانُ عن إخراجِ شَكلِ لها أو مِثلٍ، إذ لا مِثلَ لها من خَارجٍ، وهي عوارضُ النفوس، وأعمالُ القلوب، فجَعَلَهُما سواءً. وقد تضمّن ما لحظناه الجوابَ عما وقع لهذه الطائفة، وأن الغامض والظاهِرَ، وماله شكل وما لا شكلَ له، يمكن التعبيرُ عنه بالقولِ الوجيزِ، والحدودِ الخاصَّةِ الكاشفةِ عن حقيقةِ الشيء، وأمَّا الفعلُ؛ فلا يمكنُ البيانُ به (١) إلا فيما يظهرُ منها، فبانَ الترجيحُ للأقوالِ على الأفعالِ. فصلٌ يجوزُ تعبدُ النبي الثاني بما كان تَعبَّدَ به النبي الأول ، ولا يمنع العقلُ ذلكَ على قولِ من جعلَ للعقلِ قضيةَ المَنع والإباحة، وهو أبو الحسنِ التميمي من أصحابنا، ولا في الشرع ما يمنعُ من ذلك، بل فيه ما يدلُّ على جوازِه، خلافاً لِمنْ مَنَعَ من ذلك من الأصوليين.

стр. 1808

فصلٌ في دلائلنا على تجويزِ ذلكَ فمنها: أنَّ الله سبحانَهُ بَعَثَ موسى وهارونَ في زمن واحدٍ وعصر واحدٍ، وجَعَلَ جمعَهُما مصلحةً؛ من حيثُ إنَّهُ ذكرَ أنَّهُ شَدَّ عضُدَ موسى واَزرَهُ بهارونَ، وخَلَفَهُ في قومِهِ لمَّا غابَ عنهم، فغيرُ ممتنع أنْ يُجْعلَ النبي الثاني بعدَ الأولِ مُحيياً من شريعتِه ما أماتهُ المبطلون، ومُنبِّهاً على ما أهملَهُ الغافلون، وقد يُؤَثِّرُ التناصرُ والتعاضدُ ما لا يُؤثِّرُه الاتحادُ، ولهذا قَرَنَ اللهُ بين معجزتين، وأيَّد الأُولى بثانيةٍ، والثانيةَ بثالثةٍ، وقال اللهُ تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]، ولهذا طالَ بقاءُ نوحٍ في قومهِ يدعوهم إليه ألفَ سنةٍ إلا خمسين عاماً، وإطالةُ عمرِ النبيِّ الواحدِ لم يَمنعْ منه عقل ولا شرع، بل شَرَعَ كذلك إِرْدافَ نبيٍّ بنبيٍّ تأييداً لما جاءَ بهِ الأوَّلُ. فإن قيل: إذا لم يَنْسخِ الثاني شرعَ الأولِ، فما أفاد. قيل: قد بيَّنَا إفادَتَه من وجهٍ، وهو تجديدُ الإذْكارِ والإنذارِ، ولو جازَ أِن يقال: ما أفادَ الثاني، لجازَ أن يقال: ما أفادَ بقاء الأولِ بعد بلاغهِ عاماً، عاماً ثانياً وثالثاً إلى أنْ تطاولَ الزمانُ، ولا أثَّرَ بِعثَةُ نَبِيَّين في زمانٍ واحدٍ وعصرٍ واحدٍ، ولَمَا أثَّرَ بعثةُ اثنين، ولا إعزاز الواحد باثنين بعدَهُ ثانياً وثالثاً، ولكان (١) المعجزُ الثاني والثالث عَبَثاً، حيث لم يفد الثاني إلا ما أفادَهُ الأولُ؛ من كونِه برهاناً [و] حجَّةً على صدقِ ما (٢) ظَهَرَ على يديهِ.

стр. 1809

[فصل في] شبهةِ المخالِفِ [قالو]:، إِنَّ مجيءَ الثاني بما جاءَ به الأولُ لا يفيدُ إلا ما أفادَهُ الأولُ، فكان تبَعاً، والتابع لا يكونُ نبيّا، وإنْ جاءَ بغيرِ ما جاءَ بهِ الأولُ، فذاكَ أمرٌ لا يُخالِفُ فيهِ أحدٌ ممّن يقولُ بالشرائعِ والنُّسوخِ. فيُقال: قد بَيَّنَا الفائدةَ، وهي إحياءُ الشريعةِ الأُولى، وقد تكون المصلحةُ تجديدَ. نبوةٍ مُذكِّرةٍ بالأولى، ومُسْنِدَةٍ لها، كما كانت المصلحةُ في بعثةِ نبيَّين لمحي عصير واحدٍ لاتَمْنَعُ ذلك، وأنَّهُ كانَ، والسِّيرُ تشهدُ بهِ، وكتابُ اللهِ ينطقُ به، والشرعُ لا يأتي بما لا يجوِّزُهُ العقلُ. على أنَّه باطلٌ بإبقاءِ النبيِّ الواحدِ زماناً طويلاً؛ لأنَّهُ لا يفيدُ بقاؤُهُ في العامِ الثاني إلأَ ما أفادَ في العامِ الأول، وكذلك المعجزةُ بعدَ المعجزةِ، ما تفيدُ إلاَّ التأكيدَ وتناصرَ الأدلةِ عندَ المكلفين، وكذلكَ مجيءُ الرُّسُلِ بعدَ العقلِ، وإنْ جاؤوا بما يوافقُ العقلَ، لا يقالُ: ما أفاد. ومنها: أنْ قالوا: عندكم أنَّ العقلَ لا يُبيحُ، ولا يحظرُ، ولا يُوجِبُ، فكيفَ خصَّصتُم هذه المسألةَ بتجويزِ ذلك عقلاً؟! فيُقال: إنما بيَّنا أن ذلك مما لا يُحِيْلُهُ العقلُ، وعندنا في قضايا العقول تجويزاتٌ وإحالاتٌ، فمهما اختلفَ الناسُ في أنَّ العقول هل تُبيحُ، أو تحظرُ، أو توجبُ؛ فإنهم لا يختلفون أنَّ في العقلِ تجوِيزَ جائزات، وإحالةَ محالاَتٍ، وإيجابَ واجباتٍ، فيما يرجعُ إلى الوجودِ دونَ الأحكامِ، من قولِنا: فناءُ الأعراضِ عقيبَ وجودِهَا واجبٌ في العقلِ، وإيجادُ مثلِ الصانعِ محالٌ في العقلِ، وكذلك رَدُّ

стр. 1810

الأزمانِ الماضيةِ، فهذا من الأمورِ التي لا خلافَ فيها، بخلافِ قولِنا: واجبٌ، ومحظورٌ، ومباحٌ، في بابِ الأحكامِ الداخلةِ تحتَ التكليفِ. فصلٌ إذا ثَبَتَ جوازُ بعثةِ نبى بشريعةِ مَنْ قبلَهُ، فنبيُّنا ﷺ هل كان مُتَعَبَّداً بشريعةِ مَنْ قبلَه؟ فيه روايتان: إحداهما: أنَّه متعبَّدٌ بما صحَّ مِنْ شرائع مَنْ قبلَهُ بطريقِ الوحي إليهِ، لا مِنْ جهتِهم، ولا نَقْلِهم، ولا بكتبِهَم المُبَدَّلةِ المغيَّرةِ، نَصَّ عليهِ أحمدُ: في إيجابِ ذبح الكبشِ فداءً عن ولدِ مَنْ نَذَرَ ذبحَ ولدِهِ، واستدلَّ بشريعةِ إبراهيمَ ﵇، واستدلَّ في القولِ بالقرعةِ بقصةِ زكريا، والاقتراعِ في كفالةِ مريم، وذي النونِ حيثُ ساهَمَ، وبما أوحاهُ اللهُ في التوراةِ مِنَ القِصاصِ، وذكرَهُ في كتابهِ عن شريعةِ موسى، واختارَ هذه الروايةَ أبو الحسنِ التميمي، وهي قولُ أصحابِ أبي حنيفة (١)، فيما حكاهُ أبو سفيانَ عن أبي بكير الرازي (٢)، وقولُ أصحابِ الشافعيِّ في أحدِ الوجهين عنهم (٣).

стр. 1811

والروايةُ الأخرى: أنَّهُ لم يكنْ متعبَّداً بشيء مِنَ الشرائع، إلا ما أُوحِي إليهِ في شريعتِهِ، وبهذهِ الروايةِ قالت المعتزلة (١)، والأشَعرية (٢)، وأصحابُ الشافعى في الوجهِ الآخرِ. ثم اختلفَ القائلونَ بأنَّهُ متعبَّدٌ بشرعِ مَنْ قبلَهُ: بأيَ شريعةٍ كان متعبَّداً (٣)؟ فقالَ بعضُهم: كان متعبداً بشريعةِ إبراهيمَ خاصةً، وإليه ذهبَ أصحابُ الشافعيِّ (٤). وذَهَبَ قومٌ منهم: إلى أنَّهُ متعبَّدٌ بشريعةِ موسى، إلا ما نُسِخَ في شرعِنا. وقالَ قومٌ منهم: كان متعبداً بشريعةِ عيسى التي تليهِ، وهي أقربُ إليهِ. وظاهرُ كلامِ صاحِبنا ﵁: أنَّهُ كان متعبداً بكلِّ ما صحَّ

стр. 1812

أنَّهُ شريعةٌ لنبيٍّ قبلَهُ، ما لم يثبُتْ نسخُهُ. فصلٌ في أدلتِنا فمنها: قولُه تعالى وذَكَرَ الأَنبياءَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وهذا أمرٌ له ﷺ بالاقتداءِ بهم صلواتُ الله عليهم، والأمرُ على الوجوبِ، والاقتداءُ بهم على العمومِ في جميعِ ما جاؤوا بهِ من الهُدى، إلاَّ ما خصَّهُ الدليلُ الناسخُ. فإنْ قيلَ: هذا يرجعُ إلى التوحيدِ، والاعتقادِ في اللهِ، وفي صفاتِهِ، وما يجبُ لهُ ويجوزُ عليه، وما يستحيلُ عليهِ ولا يجوزُ في حقِّهِ، والدليلُ على ذلك: أنَّ الفروعَ غيرُ متَّفِقَةِ، والاقتداءَ بهم فيها غيرُ ممكنِ؛ لأنًّ هذا يُحرِّمُ السبتَ، وهذا يُبيحُهُ ويُحرّمُ الأحدَ، وهذا يُحرِّمُ شحماً ويبيحُ غيرَهُ، وهذا يُبيحُ مِنَ الشحومِ ما حرَّمَهُ الآخرُ، وهذا يبيحُ حيواناً، وهذا يحرِّمُهُ، وهذا يحرِّمُ نكاحَ امرأةٍ يُبيحُها الآخرُ، والمتفقُ عليهِ ما ذكرْناهُ. والثاني: أنَّ الاعتقادَ في الأصول مقطوع بهِ بما قامَتْ بهِ دلالةُ العقلِ وبرهانُهُ، وغيرُهُ مِنْ فروع أديانِهم غيرُ مقطوعٍ بهِ، بل الحكمُ بهِ مِنْ طريقِ غلبةِ الظنِّ. فيقال: أمَّا التوحيدُ: فأدلتُهُ العقليّهُ لا يدخلُها اتباع ولا اقتداءٌ فيما دلَّتْ عليهِ العقولُ، و [ما في] شَريعَتِنا [مِمَّا] دلَّتْ عليهِ العقولُ في

стр. 1813

شرائع مَنْ قبلَنا لا يَتبعُ بعضُنا بعضاً فيهِ، كما لا يقال فيما أُوحِيَ إلى نبيِّنا ﷺ موافقاً (١) ما أوحِيَ إلى مَنْ قبلَهُ: إنَّهُ متبعٌ فيهِ مَنْ سبقَهُ، ولا اعتقدَ ما اعتقدَهُ مِنْ أصلِ الإثباتِ والتوحيدِ، لما وَصَلَهُ مِنْ أن غيرَهُ كان يعتقدُهُ، بل نَظَرَ واعْتبَر، فأفَادَهُ نظرُهُ واستدلالُهُ إلى ما أدَّاهُمِ نظرُهُم، بخلافِ الصلاةِ والصيامِ، فإنَهُ إذا ثبتَ عندَهُ أنَّ شهرَ رمضان اتَّفَقَ على صومِهِ مَنْ تَقدَّمَ مِنَ الأنبياءِ، صامَهُ بطريقِ الاتباعِ لِمَنْ سَبَقَ، وكان وحيُ اللهِ سبحانَهُ بإيجابِ صومِهِ إلى مَنْ سَبَقَ كافياً، وكذلكَ الصلاةُ كانَ يَتحنثُ بحِراءَ، ويعبدُ اللهَ سبحانَه (٢) بما ثبتَ عندَهُ انَّهُ تَعبَّدَ بهِ إبراهيم ﵇، فهذا هو الاتباعُ حقيقةً. على أن اللفظَ عامٌّ، والأمرَ شاملٌ لكلِّ ما يُسمى هُدى، وتوحيدُهُم هُدى، وتعبداتُهم هُدى، فلا وجهَ للتخصيصِ بالإيمانِ خاصةً دونَ أعمالِهِ. فأمَّا قولُهم: إنَّ الفروعَ قد اختلَفَتْ فيها شرائعُ مَنْ قبلَهُ، فلا يمكنُ الاتباعُ مع الاختلافِ؛ فإنَّ المأخوذَ عليه أن يتبعَ ما اتفقوا عليه، إِنْ ثَبَتَ أنَّ ذلكَ الأمرَ شرعٌ لهم، وإنْ كان منسوخاً اتبعَ المِلَّةَ الآخرةَ الناسخةَ، ولمِ يتبعْ منسوخاً، ولا نتصورُ ما ذكرْتَ أنتَ مِنَ الثالثِ، وهو أنْ يكون مختلَفاً فيهِ غيرَ منسوخٍ؛ لأنَّهُ لا يجوزُ أنْ يأتيَ عيسى بتحريمِ الأحدِ، مع بقاءِ شريعةِ موسى بتحريمِ السبتِ وإباحةِ الأحدِ، بل لمَّا جاءَ عيسى بعدَ موسى (٣ فما أَخَذَ به ٣) مِنْ شريعةِ موسى من تحريمٍ وإيجابٍ وتحليلٍ، فقد صارا متفقين فيهِ، وما جاءَ

стр. 1814

بهِ مِنْ حلِّ السبتِ والأحدِ بالاحترامِ للأحدِ، صارَ الحكمُ له، وبانَ نسخُ الأولِ، وما لم يأتِهِ فيهِ وحيٌ، فإنَّ عيسى عندنا ومحمداً (١) صلى الله عليهما وسلم بعدَهُ متعبّدانِ (٢) بما جاءَ بهِ موسى، إذا لم يأتِهما فيهِ وحيٌ بتحريم ولا تحليلٍ، فلا نتصورُ ما ذكرْتَ، بخلافِ ما ألزَمنا مَنْ لم يَجْعَلْ قولَ الصحابيّ حجةً، حيثُ استدلَلْنَا بقولِهِ ﷺ : "أصحابي كالنجومِ، بأيِّهم اقتَدَيْتُم اهتديتم" (٣)، وقولهِ: "اقتدُوا باللذين مَنْ بعدي: أبي بكرٍ، وعمرَ" (٤)، فقالوا: كيفَ يمكنُنَا أنْ نتبعَ الصحابةَ ومذاهبُهم مختلفةٌ؟ فإنْ أشرتُم بذلكَ إلى إجماعِهم، وعَقَلْتُم منه ذلكَ، بَطَلَتْ مَزِيَّةُ الصحابةِ، لأنَّ إجماعَ التابعين ومَنْ بعدَهم كذلك، وإنْ أردتُم به وعقلْتُم منه ما اختلفوا فيه، لم يصحَّ لكم أنْ تجمعوا بين مذهبِ أبي بكرٍ وعليٍّ في توريثِ الجَدِّ مع الإخوةِ، فإنَّ أبا بكرٍ يسقِطُهم بهِ، وعليّاً وزيداً يُوَرِّثانِهم (٥) معهُ، ويختلفُ عليٌّ وزيدٌ في كيفيةِ إرثِهم معهُ (٦)، فهذا السؤالُ هناكَ يردُ صحيحاً، ويكون الكلامُ بحسبِهِ، فأمَّا ها هنا، فلا نتصورُ بقاءَ السبتِ في شريعةِ عيسى

стр. 1815

والأحدِ جميعاً، ولو اتفقَا (١)، اتبعَهُما نبيُّنا ﷺ ، كما يتبعُهما فيما اتفقَا فيهِ من صومِ رمضانَ فيما بقيَ في شريعةِ موسى بعدَ مجيءِ عيسى، [لأنه] ما جاءَ عيسى بخلافهِ متعبداً به في شريعتِه (٢)، ولا مُحْترِماً. وأما قولُهم: إنَّ التوحيدَ مقطوعٌ به، فعادَ الاتباعُ إليهِ، وما دونَهُ ليس بمقطوعٍ. فإنَّا لا نجعلُهُ شرعاً لنبينا ﷺ إلا بطريق الوحي، فإذا أعْلَمَه جبريلُ أنَّ ذلكَ مِنْ شريعةِ إبراهيمَ أو موسى، اتبعَهما لكونه (٣) شرعاً لهما، واستصحبَ حكمَ الأصلِ وبقاءَ حكمِ الوحي الأولِ، إلى أنْ يأتيَ وحيٌ ثانٍ يخصُّهُ، ينهَاهُ عنِ البقاءِ على حكمِ الأصلِ، فأمَّا بظنٍّ، أو نقل لا يقطَعُ بهِ، فلا يكونُ ذلكَ شرعاً له. ومنها: قولُه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ..﴾ [المائدة: ٤٥] إلى آخرِ الآيةِ، فقالَ النبيُّ ﷺ لَمَّا كَسَرَت الرُّبيِّعُ سِنَّ جاريةٍ: "كتابُ الله القِصاصُ" (٤)، وإنما عنى بقولِهِ: "كتابُ اللهِ": التوراةَ، إذْ ليس في كتابِنا ذكرٌ للقصاصِ في السِّنِ إلا ما حكاهُ مِنْ كِتْبَةِ ذلك في التوراةِ، وتَوَعَّدَ (٥) اللهُ سبحانَهُ، وذَمَّ على [عَدَمِ] الحكم [بها] فقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]

стр. 1816

و ﴿الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، تكررَ ذلكَ عقيبَ قولِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ﴾، وهذا يعمُّ كلَّ تاركٍ للحكمِ بما فيها؛ من مُسْلمٍ ويهودي، وغيرِ ذلكَ، وأيَّدَ ذلكَ بقوليِ سبحانَهُ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨]، ونهاهُ بعدَ ذلكَ عن اتباعِ أهوائِهم، فقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨]، وإذا لَمْ يَنْهَ إلا عَن اتباعِ أهوائِهم، بقيَ اتباعُ ما أنزل اللهُ إلى أنبيائهم (١). ومنها: قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]، وهذا تصريحٌ بالأمرِ بالاتباعِ لإبراهيمَ فيما نزلَ إليه. فإنْ قيل: قولُه: ﴿حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ دلالةٌ واضحةٌ في أنَهُ أرادَ التوحيدَ دونَ فروعِ دينهِ وعباداتِه (٢). فيُقال: الملةُ عبارةٌ عنِ الشريعةِ، وصفتُهُ بكونهِ حنيفاً، ونَفْيُ الشركِ عنهُ لا يقصرُ الاتباعَ ويخصُّهُ، بل الاتباعُ على عمومِهِ، ألا تَرى أنَّ التوحيدَ لا يختصُّ بإبراهيمَ، بل هو اعتقادُ كلِّ نبىٍّ قبلَهُ وبعدَهُ؟ فلَمَّا خَصَّ ملةَ إبراهيمَ، عُلِمَ أنَّهُ أرادَ أحكامَ شريعتِهِ، دونَ التخصيصِ بتوحيدِهِ. على أنَّا قد بيَّنَّا أنَّ أدلةَ التوحيدِ عقليَّةٌ، لا تحتاجُ ولا تفْتقرُ إلى وحيٍ، بل طريقُها النظرُ والاستدلالُ بدلائلِ العقلِ، ولولا سبقُ أدلةِ العقولِ بأنَّ لنا صانعاً، ولهُ ملائكة، وأنه يجوزُ أَنْ يُرسلَ إلى الآدميين؛ بما يكون سياسةً لهم، وحافظاً مِنْ شرائعِ الأحكامِ،

стр. 1817

ومذللاً لهم بما أمَرهُم بهِ مِنْ التعبداتِ، لَما علمنا بنزولِ مَلَكٍ ولا وحيٍ حكماً مِنْ الأحكامِ، بلْ كانَ ذلكَ مشوِّشاً لعقولِنا، وورَّثَنَا التعجبَ والدَّهشةَ؛ من مجيءِ حيٍّ يخالفُ خَلْقَنا وَشَكْلَنا بأمير ليس مِنْ عاداتِنا، كما أَدْهشَ النبيَّ ﷺ مجيءُ جبريلَ ﵇، وقراءةُ القرآنِ عليه (١)، لولا فزعُهُ إلى أدلةِ العقولِ، وأَنَّ اللهَ سبحانهُ يجوزُ عليهِ ذلكَ، ويجوزُ أنْ يجعلَ ذلكَ طريقاً إلى سياسةِ العالَمِ. ومنها: أَنّا نقولَ: إِنَّ اللهَ سبحانَهُ إذا أوحى إلى نبي مِنَ الأنبياءِ بأحكامٍ ثَبَتَتْ (٢) شرعاً ومِلَّةً له، ودانَ بها من ثبتَ عندَهُ صدقُهُ، فلا سبيلَ إلى رفعِها ونسخِها وإزالةِ أحكامِها إلا بمثلِ الوحي الذي ثَبَتَتْ بهِ، ومعلومٌ أَنَّ بعثةَ رسولٍ ثانٍ ليسَ بمناقضٍ لها ولا منَافٍ، فوجبَ بقاءُ تلكَ الشريعةِ بطريقها المقطوعِ به، والتَمسكُ بهِا (٣)، إلى أَنْ يردَ مِنَ الوحي إلى النبي الثاني ما (٤) يضادُّ تلكَ الأحكامَ وينافيها، فيكونُ ذلكَ نسخَاً لها، وما هذا إلا بمثابةِ الآيتين (٥) في شريعتِنا، مهما أمكنَ الجمعُ، فلا نسخَ، فإذا لم يمكن الجمعُ بينهما، كان الحكمُ للأخيرةِ، فارتفعَ حكمُ الآيةِ الأولى، حتى إننا لو تركنَا وأخْلَلْنَا بالعباداتِ التي تعبَّدنا اللهُ بها في الشريعةِ الأولى، لحسُنَ مِنَ اللهِ سبحانهُ عتابُنا (٦) ولَوْمُنا على ذلكَ، والاحتجاجُ علينا بما جاءَ بهِ

стр. 1818

الرسولُ الأولُ، ولم يكن لنا (١) أَنْ نحتجَّ عن تركِ العباداتِ بنفس بعثةِ الرسولِ الثاني، لأنَّهُ مَا لَمْ تأتِ بنسخِ الأولِ ولا ردعِهِ لم تكن نفسُ بِعْثَتِه حُجَّةً في تركِ العملِ بما سَبَقَ. ومنها: أن اللهَ سبحانَهُ حكىْ لنا في كتابنا أحكاماً مِنَ الكتب الأُولى، ولا يفيد ذكرُهُ لها إلاَّ تَعبُّدَنا بها، فأمَا أَنْ يورِدَها لنُخالفَهَا فلا، أوْ يذكرَها لا لفائدةٍ، فلا يجوزُ أيضاً، لم يبقَ إلا أَنّهُ ذكرَها لنَعْملَ بها، ونَتمسَّكَ بالعملِ بها إلى أَنْ تقومَ دلالةُ النقلِ عنها بالنسخ لها، فأمَّا مع الاحتمالِ، وعدمِ نَصٍّ يُوجبُ النسخَ لها، فيَجبُ (٢) أن نكونَ باقينَ على حكم الأصلِ، ونُحرِّرُه قَياساً، فنقولُ: إنَّهُ حَكمٌ ثبتَ بطريقٍ يثبتُ بمثلِهِ، فلا يُرفعُ إلاَّ بنصٍّ ينافيهِ، كالآيتينِ مِنْ كتابِنا، والخَبرينِ المَرْوِيَّينِ عن رسولِنا ﷺ . ومنها: أَنَّ الشرعَ للنبيِّ الأولِ جاءَ بلفظٍ مطلقٍ، فاقتضى بقاءَهُ على الدوامِ، ما لم يُصَرِّحْ وينصَّ على رفعِهِ، وأنَّ التمسك بهِ مفسدةٌ، والذي يُوضِّحُ هذا: أَن نفسَ بعثةِ الرسولِ الثاني لا يجوزُ أَنْ تكونَ مُغيَّرةً حكمَ الشرع الأولِ، وإنَّما الذي يغيِّرُ الشريعةَ الأولى أو ينسخها، تصريحٌ في الشَريعةِ الثانيةِ بتركِ الأولى. ومنها: ما صحَّت به الروايةُ مِنْ أنَّهُ كان يتحنَّثُ بحراءَ، وكان يججُّ ويعتمرُ، ويذبحُ، ويكدُّ البهائمَ بالركوبِ، وهذا كله ليسَ طريقُهُ العقلَ، وإنما طريقُهُ الشرعُ، ولم يكنْ قد نزلَ عليهِ وحيٌ، فلم يبقَ إلأَ أنَّه كان ذلكَ منه بحكمِ شرائع مَنْ قبلَهُ، وقد رُوِىَ أنَّهُ كان يسألُ

стр. 1819

عن شريعةِ إبراهيمَ، ثم يتعبدُ بها (١)، وكان يتجنبُ الأوثانَ والأزلامَ. فإنْ قيلَ: ليس هذا من القولِ الصالح لإثْباتِ الأصولِ؛ لأنَّها آحادٌ مظنونةٌ، وطرقُها غيرُ مقطوعةٍ، نعم، ولا كانَ له طريقٌ يثقُ إليهِ، فيصيرُ متعبداً به؛ لأنَّ القومَ كانوا بينَ عابدِ صنمٍ، وبينَ أهلِ كتابٍ مُغير مبدَّل، والوحي لما (٢) يَنْزِلْ، لم يبقَ إلا أنه إن صح ذلك منه، فإنَّه كانَ يفعلُ ذلك برأيهِ، وما يغلبُ على ظنِّه صدقُ راويهِ (٣) من حيث الأمانةُ لا الديانةُ، فلا يكونُ ذلك تَعبُّداً مُعوَّلاً عليه، ولا معمولاً به عملَ شريعةٍ وتديُّنٍ. قيل: لا (٤) يُطلبُ لأصول الفقهِ القطعياتُ، وقد تكرَّرَ منكم هذا، وليس بصحيح؛ لأنَّ هذه تَنْحطُّ عن أصول الدين، بأنْ لا يُفسَّقَ المخالفُ، ولا يُكفرَ، ولا يُهجَرَ، ولا يُدركُ لها أدلةٌ قطعيةٌ، ولا يُظفرُ بها، ولأنَّ السِّيَرَ كلَها متطابقةٌ على ما ذكرنا، وقد تلقَّتها الأمةُ بالقبولِ، فصارت كالتواتر. فإن قيل: فلو صَحَتِ الروايةُ فيه، حملناه على أنَّه كان يفعلُه طمعاً في الانتفاع به، لا على تحقيق، و [أنَّه] تَرَكَ الأصنام تنزُّهاً، وكان عقلُه وتدبيرُه يمنعُه من ارتكابِ ذلك، أو استقباحاً له بعقله، فإنَّ العقل يستخبث ذلك ويستقبحهُ، فإن صحَّ فعلُه وتركُه، فلا طريقَ لكم إلى أنَّه فعلَ ذلك متبعاً لشرعِ من قبله، بل يحتملُ ما ذكرنا. قيل: ليس في قُوَى العقلِ أن تقوم دلالته على فِعْلِ كُلْفةٍ، وتركِ

стр. 1820

لذةٍ، إلا إذا ظهرت به المضرةُ عاجلاً، أو كشفت دلالةٌ عن فسادِ العاقبةِ، ولا دلالةَ على ذلك إلا نَقْلٌ عن الأنبياءِ، أو وحيٌ من السماءِ، والوحيُ لم يكن نزلَ عليه بعد، فلم يبقَ إلا نقلُ إنس إليه، وهذا هو الظاهر؛ لأنّ الإنسانَ في العادةِ لا يفارقُ أهلَه وعشيرتَه ويُسَفِّهُهم (١)، ويَمْتازُ عنهم بواقع، وإنما يفعلُ ذلك في اطِّراد العادةِ بمُنبِّهٍ يُنبِّهُه، ومُذكِّير يُذَكِّرُه. فصلٌ في شبهِ المخالفين فمنها: قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، والشِّرْعةُ: الشريعةُ، والمِنْهاجُ: الطريقُ، فدلَّ ذلك على أنه لا يتبعُ الثاني الأولَ؛ لأنَّ الشريعةَ لا تضافُ إلا إلى مَن يُخَصُّ بها، فأمَّا التابعُ، فلا يكونُ له شرعةٌ خصُّه. فيقال: ليس تخلو شريعةٌ ثانية من مخالفة لما قبلها بنوع نسخ لبعضِ فروعِها؛ من تحريمِ مباح، أو إباحةِ محظورٍ، أو إسقاطِ واجب، فلأجلِ ذلك الخلافِ خصّها باسم: شرعةٍ، [و] أضافها إلى من شرعت له، كما يقول القائل: لكل فقيهٍ مذهبٌ، وإن اتفقوا في بعض المسائل، واختلفوا في بعضٍ، ولا تمنعُ مشاركتهم في بعض الشريعة من كونِ كل منهم له شريعةٌ، كما أن مشاركتَهم في التوحيدِ لا تمنعُ عندهم انفرادَ كل منهم بشريعةٍ.

стр. 1821

ومنها: ما رويَ عن النبي ﷺ أنه قال: "بُعِثْتُ إلى الأَحْمرِ والأَصفرِ، وكلُّ نبيٍ بُعِثَ إلى قومِه" (١)، فدل على أنهم لم يكونوا مبعوثين إلا إلى قوم مخصوصين، فإذا لم يستوعبوا أهلَ عصرهم، أولى أن لا يستتبعوا عصرَ غيرهم. فيقال: إنَّما لم يستوعبوا أهلَ عصرهم، لأنَّه كان يتفقُ في العصر الواحد اثنان وثلاثة، كلُّ واحد منهم بشريعة تخصه، وكلامُنا فيما (٢) إذا جاء نبي بعد النبي لا بمعنى يخصُه، ولا بنَسْخِ شريعةِ من قبله، فذاكَ الذي نحنُ فيه، وكذلك نقولُ في نبينا ﷺ : ما جاءَ به ممَّا يخالفُ من تقدَّمه، لا يتبعُ فيه من تقدمه، وما لم يرد فيه شيءٌ يخصُه كان متَبعاً لمن قبله. جوابٌ آخرُ: وهو أنَّ اللهَ سبحانَه لَمَّا عَلِمَ أنَّ للأُمَّة الدين بعدَه في اتباعِ الشرعِ الأول مصلحةً، أمر باتباعه، ولَمَّا عَلِمَ أنه لا مصلحةَ بعمومِ بِعْثتِه في حالِ حياتِه إلى الجماعةِ، قَصَرَه على بعضِ أهلِ العَصرِ. على أنَّه يحتمل أنْ نقول: تكون شريعته باقيةً في القومِ الذين بُعثَ إليهم خاصةً، دون النبيِّ الذي بعثَ، ودون غيرِهم (٣)، فيكون نبيُّنا ﷺ تابعاً لملَةِ أبيه إبراهيم، لأنّه كان مبعوثاً إلى العرب، والنبيُّ عربيٌّ، وإنّما خصيصةُ نبيِّنا ﷺ أنَّه لم يعاصره نبيٌّ مبعوث إلى قوم،

стр. 1822

فإنه قد كان يجتمع في العصر الواحد أنبياءُ عدة، فلما بعث نبيُّنا ﷺ ، لم يبقَ نبيٌّ في عصره، ولا بقيَ نبيٌّ بعده ينسخُ شريعته، فاستوعبت رسالته وشريعتُه سائرَ الأقطارِ، وشاعت في الأرضِ كلِّها، ولَزِمَتْ (١) كلَّ من بلغه دعوتُه، حتى إنَّ الأديانَ التي بقيت كتُبها، وبقايا أهلها، أُمروا باتباعِه، فهذا موضعُ الخصيصةِ، وموسى بقيت شريعتُهُ، لكن بقيت مع شريعتِه شريعةُ عيسى، فهما شريعتان مستعملتانِ إلى أن بُعِثَ نبينا ﷺ ، فلما بعث نبينا ﷺ ، صار الحكمُ لِمَا جاءَ به من شريعتهِ، ولم يبقَ معه شريعةٌ تُتَّبعُ، فهو وإن اتبعَ شريعتي موسى وعيسى، إلا أنهما أُمِرا -أعني: بقيّهَ من بقيَ منهما- أن يسمعا ما يقولُ لهما، وما يقضي به على نسخ ما كان من شريعتهما، ولو كان مثلَ عيسى، لكان يَبْقى اليهود والنصارى على اتِّباع نبيهما إلا فيما نُسِخَ، وما كانَ الأَمرُ كذا، بل أُخِذَ عليهما جميعاً تركُ التوراةِ والإنجيلِ، والعملِ بحكمهما، ووجبَ عليهما اتباعُ ما جاءَ به، والتعويلُ على ما يخبرُ هو به عن الشريعتين جميعاً، دون ما في كتبهما من التوراةِ والإنجيلِ. ومنها: ما رويَ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان معه شيء من التوراة ينظر فيه، فقال له النبي ﷺ : "لو كان موسى حَيّاً، لَمَا وَسِعَه إلا اتِّباعي" (٢)، وروي أنَّه قال له: "أَلم آتِ بها بيضاءَ نَقيَّةً؛ لو أَدْركَني موسى، لَمَا وَسِعَه إلا اتِّباعي"، فوجه الدلالة: أنه أنكرَ النظرَ

стр. 1823

في التوراةِ، وذكرَ أنَّ المُعَوَّلَ (١) والعملَ على ما جاء به دون شريعةِ موسى، وهذا ينفي ما تقولون: من أنَّه هو المتبعُ لشريعةِ من قبلَهُ، والعاملُ بها، إلا ما خُصَّ به من النسخِ، والزيادات التي زيدت (٢) في شريعته؛ لأنه إذا أخبر بأنَّه لو كان حياً، لما وسعه إلا أن يتبعه، كيف يكون تابعاً له بعد موته؟! بل هذا القول تنبيه على أنَّه لا يجوزُ اتباعُهُ لشريعةِ موسى وهو ميتٌ. فيقال أولاً: أين ما يتكرَّرُ منكم من إنكارِ أخبارِ الآحادِ في مثل هذا الأصل؟! ثم إن القرآن يقضي عليه؛ حيث عدَّدَ مَن ذكر من الأنبياء صلواتُ الله عليهم، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣] وقوله: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الإسراء: ٧٧]، أوقوله:، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، فهذه الآيُ وأخواتُها، تعطي أنَّه مأمورٌ باتباعِ من سبقه من الأنبياءِ، وقد أخبرَ ﷺ أنَّهُ لقيهُ [موسى] ليلةَ المعراجِ؛ حيثُ نُشِرت له روحُهُ في مثالِ جسدِهِ، وأشارَ عليه بالاستنقاصِ من الخمسين صلاة التي شرعت، حتى عادَ بها إلى خمس صلواتٍ (٣)، وأشار عليه بالاستنقاص، فاستحيا النبي ﷺ من المعاودة، ولم يستنكف عن اتباعه، فالقرآنُ وهذا الخبرُ يقضي على خبرِ عمرَ والتوراة.

стр. 1824

على أنَّ الإنكارَ كان لأنَّه نظرَ في هذه التوراةِ بعد دخول التبديل والتغيير عليها، ولا يأمنُ أن يجدَ فيها ما قد وضعوه من إنكارِ ورودِ شريعةٍ بعد شريعةِ موسى، وما أنكروه من أمرِ عيسى، وخوضهم فيه وفي شريعته، وما قد وضعوه في حق نبيِّنا ﷺ مما يدلُّ على أنه متسلط وملك لا أنه نبي، وأَنه (١) مبعوث إلى العرب خاصة لا إلى من أَتبع موسى، وأمثال ذلك من التخاليط. وقوله: "لو أدركني موسى، لما وسعَه إلا أن يتبعني"، فكلام صحيح؛ لأنه لَمَّا (٢) جاء بنسخِ السبت -وهو الذي شرعه موسى-، وتَخليلِ ما حَرَّمَه من الشحوم عليه، وتغييرِ أحكامٍ كثيرة من التوراة، وموسى ميتٌ [فإنه]، لو كانَ حياً، لما جازَ له البقاءُ على حكم التوراة مع نسخِ القرآن لها، فهذا عينُ الاتباع، فما قال إلا الحقَّ والصدقَ الذي نحن قائلون به، ولا ينفي هذا اتباعَه لما شرعَه اللهُ من حكمِ اليومِ، ونَسَخَه (٣) في كتابنا، فقد جمعنا بين القرآن وما رويتموه، وأنتم لا يمكنكم الجمع. ونحن لا نقول: إنَّ نبيَّنا متبعٌ لشريعةِ موسى بما يجدُ في التوراةِ، لكنْ بأمرٍ من الله سبحانه يَنْزِلُ به الوحيُ عليه، وإعلامٍ منه أنَّ هذا كانَ شرعاً لي وديناً لموسى. ومنها: أن قالوا: قد ثبت بالنقل الصحيح: أن النبي ﷺ كان يُسألُ عن الأحكامِ، فيتوقفُ عن الجواب، ولو كانَ متَّبعاً لشرع من قبلَه، لأجابَ بحكم تلكَ الشرائعِ، ولم يتوقف انتظاراً للوحي.

стр. 1825

فيقال: إنَّما توقَّفَ، لأنَّ حكمَ الشرائعِ التي كانت لمن قبلَهُ من الأنبياء صلوات الله عليهم ليس يعلمها ويحكيها إلا من شهد عليهم بالكذبِ والعناد، وتغيير كتُبه، وعنادِهم لرسله، فلم يُعوِّلْ في ذلك إلا على طريق الوحي إليه، فإذا أُخْبِرَ بذلك، اتبعَ، وذلك مثلُ قوله في كتابنا: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ...﴾ [المائدة: ٤٥] الآيات، فلهذا كان توقفُهُ، لأنَّهُ لا يتبع [إلا] ما صح عنده من شرائع من قبله. ومنها: أنَّ الشرائعَ ما جاءت إلا بمصالح العبادِ، وخُصَّ كُلُّ نبيٍّ بمعنىً بحسب مصلحةِ قومه، وعُلمَ أنَّهمَ يَمَلُّونَ الأمورَ الدائمة، ويميلون إلى الأحدث، وعلم أن لكل عصر حكماً (١) هو أصلح لأهله، وهذا يمنعُ من اتباع نبي لنبيٍّ، لأنَّه قد يكونُ الحكمُ الأَوَّلُ (٢) أصلح لهم، والأصلحُ لنا في غير ذلك. فيقال: نحنُ لا ننكرُ هذا، وكما لا ننكر هذا، أنتم لا تنكرون أنه قد يبقى حكم كان في الشريعة الأولى، فلا ينسخُ بنبأ الشريعةِ (٣) الثانيةِ، فيتبيىْ بذلك أنَّهما استويا في ذلك في باب الأصلح، وإنَّما الذي اختلفنا فيه هو ما يردُ به النسخُ، فنحنُ لا نجعلهُ تابعاً إلا في الحكمِ المستبقى، فأمَّا في الحكمِ المرفوعِ بالنسخِ، فلا، وهذا هو الظاهرُ، لأنَّه كان مصلحةً لهم خاصَّةً دوننا، لنسخهِ في شريعتنا؛ ولأنَّ هذا لا يمنع من اتباعنا لهم، كما لم يُمنع التابعون من متابعة الأحكام التي كانت في أيام الصحابة، وإن كانَ الزمانُ مختلفاً،
следующие страницы →