ومنها: ما رويَ عن النبي ﷺ أنه قال: "بُعِثْتُ إلى الأَحْمرِ والأَصفرِ، وكلُّ نبيٍ بُعِثَ إلى قومِه" (١)، فدل على أنهم لم يكونوا مبعوثين إلا إلى قوم مخصوصين، فإذا لم يستوعبوا أهلَ عصرهم، أولى أن لا يستتبعوا عصرَ غيرهم.
فيقال: إنَّما لم يستوعبوا أهلَ عصرهم، لأنَّه كان يتفقُ في العصر الواحد اثنان وثلاثة، كلُّ واحد منهم بشريعة تخصه، وكلامُنا فيما (٢) إذا جاء نبي بعد النبي لا بمعنى يخصُه، ولا بنَسْخِ شريعةِ من قبله، فذاكَ الذي نحنُ فيه، وكذلك نقولُ في نبينا ﷺ : ما جاءَ به ممَّا يخالفُ من تقدَّمه، لا يتبعُ فيه من تقدمه، وما لم يرد فيه شيءٌ يخصُه كان متَبعاً لمن قبله.
جوابٌ آخرُ: وهو أنَّ اللهَ سبحانَه لَمَّا عَلِمَ أنَّ للأُمَّة الدين بعدَه في اتباعِ الشرعِ الأول مصلحةً، أمر باتباعه، ولَمَّا عَلِمَ أنه لا مصلحةَ بعمومِ بِعْثتِه في حالِ حياتِه إلى الجماعةِ، قَصَرَه على بعضِ أهلِ العَصرِ.
على أنَّه يحتمل أنْ نقول: تكون شريعته باقيةً في القومِ الذين بُعثَ إليهم خاصةً، دون النبيِّ الذي بعثَ، ودون غيرِهم (٣)، فيكون نبيُّنا ﷺ تابعاً لملَةِ أبيه إبراهيم، لأنّه كان مبعوثاً إلى العرب، والنبيُّ عربيٌّ، وإنّما خصيصةُ نبيِّنا ﷺ أنَّه لم يعاصره نبيٌّ مبعوث إلى قوم،
стр. 1822
فإنه قد كان يجتمع في العصر الواحد أنبياءُ عدة، فلما بعث نبيُّنا ﷺ ، لم يبقَ نبيٌّ في عصره، ولا بقيَ نبيٌّ بعده ينسخُ شريعته، فاستوعبت رسالته وشريعتُه سائرَ الأقطارِ، وشاعت في الأرضِ كلِّها، ولَزِمَتْ (١) كلَّ من بلغه دعوتُه، حتى إنَّ الأديانَ التي بقيت كتُبها، وبقايا أهلها، أُمروا باتباعِه، فهذا موضعُ الخصيصةِ، وموسى بقيت شريعتُهُ، لكن بقيت مع شريعتِه شريعةُ عيسى، فهما شريعتان مستعملتانِ إلى أن بُعِثَ نبينا ﷺ ، فلما بعث نبينا ﷺ ، صار الحكمُ لِمَا جاءَ به من شريعتهِ، ولم يبقَ معه شريعةٌ تُتَّبعُ، فهو وإن اتبعَ شريعتي موسى وعيسى، إلا أنهما أُمِرا -أعني: بقيّهَ من بقيَ منهما- أن يسمعا ما يقولُ لهما، وما يقضي به على نسخ ما كان من شريعتهما، ولو كان مثلَ عيسى، لكان يَبْقى اليهود والنصارى على اتِّباع نبيهما إلا فيما نُسِخَ، وما كانَ الأَمرُ كذا، بل أُخِذَ عليهما جميعاً تركُ التوراةِ والإنجيلِ، والعملِ بحكمهما، ووجبَ عليهما اتباعُ ما جاءَ به، والتعويلُ على ما يخبرُ هو به عن الشريعتين جميعاً، دون ما في كتبهما من التوراةِ والإنجيلِ.
ومنها: ما رويَ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان معه شيء من التوراة ينظر فيه، فقال له النبي ﷺ : "لو كان موسى حَيّاً، لَمَا وَسِعَه إلا اتِّباعي" (٢)، وروي أنَّه قال له: "أَلم آتِ بها بيضاءَ نَقيَّةً؛ لو أَدْركَني موسى، لَمَا وَسِعَه إلا اتِّباعي"، فوجه الدلالة: أنه أنكرَ النظرَ
стр. 1823
في التوراةِ، وذكرَ أنَّ المُعَوَّلَ (١) والعملَ على ما جاء به دون شريعةِ موسى، وهذا ينفي ما تقولون: من أنَّه هو المتبعُ لشريعةِ من قبلَهُ، والعاملُ بها، إلا ما خُصَّ به من النسخِ، والزيادات التي زيدت (٢) في شريعته؛ لأنه إذا أخبر بأنَّه لو كان حياً، لما وسعه إلا أن يتبعه، كيف يكون تابعاً له بعد موته؟! بل هذا القول تنبيه على أنَّه لا يجوزُ اتباعُهُ لشريعةِ موسى وهو ميتٌ.
فيقال أولاً: أين ما يتكرَّرُ منكم من إنكارِ أخبارِ الآحادِ في مثل هذا الأصل؟! ثم إن القرآن يقضي عليه؛ حيث عدَّدَ مَن ذكر من الأنبياء صلواتُ الله عليهم، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣] وقوله: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الإسراء: ٧٧]، أوقوله:، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، فهذه الآيُ وأخواتُها، تعطي أنَّه مأمورٌ باتباعِ من سبقه من الأنبياءِ، وقد أخبرَ ﷺ أنَّهُ لقيهُ [موسى] ليلةَ المعراجِ؛ حيثُ نُشِرت له روحُهُ في مثالِ جسدِهِ، وأشارَ عليه بالاستنقاصِ من الخمسين صلاة التي شرعت، حتى عادَ بها إلى خمس صلواتٍ (٣)، وأشار عليه بالاستنقاص، فاستحيا النبي ﷺ من المعاودة، ولم يستنكف عن اتباعه، فالقرآنُ وهذا الخبرُ يقضي على خبرِ عمرَ والتوراة.
стр. 1824
على أنَّ الإنكارَ كان لأنَّه نظرَ في هذه التوراةِ بعد دخول التبديل والتغيير عليها، ولا يأمنُ أن يجدَ فيها ما قد وضعوه من إنكارِ ورودِ شريعةٍ بعد شريعةِ موسى، وما أنكروه من أمرِ عيسى، وخوضهم فيه وفي شريعته، وما قد وضعوه في حق نبيِّنا ﷺ مما يدلُّ على أنه متسلط وملك لا أنه نبي، وأَنه (١) مبعوث إلى العرب خاصة لا إلى من أَتبع موسى، وأمثال ذلك من التخاليط.
وقوله: "لو أدركني موسى، لما وسعَه إلا أن يتبعني"، فكلام صحيح؛ لأنه لَمَّا (٢) جاء بنسخِ السبت -وهو الذي شرعه موسى-، وتَخليلِ ما حَرَّمَه من الشحوم عليه، وتغييرِ أحكامٍ كثيرة من التوراة، وموسى ميتٌ [فإنه]، لو كانَ حياً، لما جازَ له البقاءُ على حكم التوراة مع نسخِ القرآن لها، فهذا عينُ الاتباع، فما قال إلا الحقَّ والصدقَ الذي نحن قائلون به، ولا ينفي هذا اتباعَه لما شرعَه اللهُ من حكمِ اليومِ، ونَسَخَه (٣) في كتابنا، فقد جمعنا بين القرآن وما رويتموه، وأنتم لا يمكنكم الجمع.
ونحن لا نقول: إنَّ نبيَّنا متبعٌ لشريعةِ موسى بما يجدُ في التوراةِ، لكنْ بأمرٍ من الله سبحانه يَنْزِلُ به الوحيُ عليه، وإعلامٍ منه أنَّ هذا كانَ شرعاً لي وديناً لموسى.
ومنها: أن قالوا: قد ثبت بالنقل الصحيح: أن النبي ﷺ كان يُسألُ عن الأحكامِ، فيتوقفُ عن الجواب، ولو كانَ متَّبعاً لشرع من قبلَه، لأجابَ بحكم تلكَ الشرائعِ، ولم يتوقف انتظاراً للوحي.
стр. 1825
فيقال: إنَّما توقَّفَ، لأنَّ حكمَ الشرائعِ التي كانت لمن قبلَهُ من الأنبياء صلوات الله عليهم ليس يعلمها ويحكيها إلا من شهد عليهم بالكذبِ والعناد، وتغيير كتُبه، وعنادِهم لرسله، فلم يُعوِّلْ في ذلك إلا على طريق الوحي إليه، فإذا أُخْبِرَ بذلك، اتبعَ، وذلك مثلُ قوله في كتابنا: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ...﴾ [المائدة: ٤٥] الآيات، فلهذا كان توقفُهُ، لأنَّهُ لا يتبع [إلا] ما صح عنده من شرائع من قبله.
ومنها: أنَّ الشرائعَ ما جاءت إلا بمصالح العبادِ، وخُصَّ كُلُّ نبيٍّ بمعنىً بحسب مصلحةِ قومه، وعُلمَ أنَّهمَ يَمَلُّونَ الأمورَ الدائمة، ويميلون إلى الأحدث، وعلم أن لكل عصر حكماً (١) هو أصلح لأهله، وهذا يمنعُ من اتباع نبي لنبيٍّ، لأنَّه قد يكونُ الحكمُ الأَوَّلُ (٢) أصلح لهم، والأصلحُ لنا في غير ذلك.
فيقال: نحنُ لا ننكرُ هذا، وكما لا ننكر هذا، أنتم لا تنكرون أنه قد يبقى حكم كان في الشريعة الأولى، فلا ينسخُ بنبأ الشريعةِ (٣) الثانيةِ، فيتبيىْ بذلك أنَّهما استويا في ذلك في باب الأصلح، وإنَّما الذي اختلفنا فيه هو ما يردُ به النسخُ، فنحنُ لا نجعلهُ تابعاً إلا في الحكمِ المستبقى، فأمَّا في الحكمِ المرفوعِ بالنسخِ، فلا، وهذا هو الظاهرُ، لأنَّه كان مصلحةً لهم خاصَّةً دوننا، لنسخهِ في شريعتنا؛ ولأنَّ هذا لا يمنع من اتباعنا لهم، كما لم يُمنع التابعون من متابعة الأحكام التي كانت في أيام الصحابة، وإن كانَ الزمانُ مختلفاً،
стр. 1826
والمصالحُ مختلفةً.
فإن قالوا: إنَّما اتبعنا؛ لأنَّ نسخاً لم يَرِدْ بعد رسول الله ﷺ .
قيل: والنسخُ أيضاً لم يرد فيما جعلناه من شرائعهم مُتَبَعاً، فلا فرقَ بينهما.
ومنها: أن قالوا: لو كان شرعُهمِ شرعاً (١) لنا لوجبَ أن تُتَبعَ كتبُهم، ويُستعلمَ عن أحكامِ شرائِعهم، وتُتَفهَّمَ معانيها ممَّن أَسْلمَ منهم للثِّقةِ به، ولا يُنْتظَرَ الوحيُ في حكمٍ، إلا أن يَرِدَ نسخ، فنَتبِعَه، كما لَزِمَنا ذلك في شريعتنا، فلمَّا لم يَلْزَمْنا ذلك، بطلَ دعوى الاتباعِ لشرائعهم.
فيقال: إنَّما يلزمُ من أحكام شرائِعهم [ما ثبتَ] بطريقِ شرعنا، وهو ما أوحيَ إلى نبيِّنا ﷺ ونُقل الينا عنه، ونحن نتبعُ ذلك ونعملُ به، ونتفهمُ معانيه، فأمَّا استعلامُنا لما عندَهم، فلا وجه له؛ لأنَّهم لو ابتدؤونا بالإعلامِ، وقصُّوا علينا قصص أنبيائهم، ما سمعنا منهم، لِمَا ثبت من كذبهم، وفسقهم، وعنادهم لنبينا ﷺ ، وأمَّا من آمن منهم، فلا ضبطَ له بما بُدِّل، مما لم يُبدَّل، لا سيَّما بعد ما جرى من بُخْتِ نَصَّرَ، وقتل حفاظ التوراة، فلم (٢) يبق منها ما يوثق بحفظه وبسطره.
ومنها: قولهم: إن شرائعهم على غايةِ الاختلافِ، فهذا يُبيحُ عَيْناً، وهذا يحظرها، وهذا يعظمُ زماناً ويحرمه، وهذا يُبيحُه ولا يُحَرِّمُه (٣) له، والاتباع فيما هذا سبيله لا يمكن.
стр. 1827
فيقال: نحن لا نوجبُ إلا اتباعَ ما اتفقوا عليه، دون ما اختلفوا فيه، فإنَّ (١) الله سبحانه حينَ حرَّمَ في شريعة عيسى ما كان مباحاً في شريعةِ موسى، وأباحَ ما كان محرماً، صارَ الأولُ منسوخاً، ولسنا نتَّبعُ منسوخاً، فأمَّا أن يكون عيسى أباحَ ما حرَّمه موسى، ثم إنَّ الحكم في شريعة [موسى] باقٍ، فكلاَّ، فلا (٢) خلافَ إلاَّ في منسوخٍ وناسخٍ، والحكمُ عندنا للناسخِ في كل شريعةٍ دونَ المنسوخِ، وعلى هذا فلا يستحيلُ الاتِّباعُ.
ومنها: أن قالوا: إنَّ كل شريعةٍ مضافة إلى نبيِّها، ولو كانت مشتركةً بينه وبين من يأتي بعده، لم يكن أحدُهما أخصَّ بها من الآخر.
فيقال: إنَّما خُصَّ بها من ابتدأ بها، وللابتداءِ (٣) حكم ليس للاتباع، كما تخصُّ المذاهبُ بالمبتدىء، فيقال في كل مذهبٍ سبَقَ إلى اَلقول به: مذهبُ فلان، وإن كان من بعده وافقه في مذهبه لدليله لا تقليداً له، كذلك ها هنا يقال: ملةُ عيسى، وملَّةُ موسى؛ لأجل السَّبق، وإن كان النبي ﷺ الآخر متبعاً لما أوحيَ إليهما به من الأحكام، ويقالُ اليوم: شريعةُ محمد، لأنَّه جاء بنسخِ أشياء من الأحكامِ كانت شرعاً لموسى وعيسى، فإن سمِّيت: شريعةَ موسى وعيسى، فلأجلِ الابتداءِ، وإنْ سمِّيت هذه: شريعةَ محمد ﷺ ؛ فلأجلِ أنها ناسخةٌ لكثيرٍ من أحكام الشريعتين قبلَه.
стр. 1828
ويحتملُ أن تكون الإضافة مغلبةً في حق أحد المشتركين (١)؛ لأن الغالبَ من تلك الشريعة إنما جاءَ في شريعةِ ذلك النبي، وأوحى إليه بها، فغلبَت الإضافةُ لغلبةِ الأحكام.
ومنها: أن قالوا: لو كان النبي الثاني يجوز أن يكون مشاركاً للأول، ومتبعاً له، لجاز أن يبعث إليهم (٢) نبيين في عصر واحد بشريعةٍ واحدة، فلمَّا لم يجز ذلك، لم يجز اجتماعُ نبيين في عصرين على شريعةٍ واحدة.
فيقال: قد كانَ ذلك، بدليلِ أنَّ إبراهيمَ عاصره أنبياءُ كلهم على شريعةٍ، كلوطٍ وغيره ممّن عاصره، وموسى وهارونَ نبيان بشريعةٍ واحدةٍ.
على أنَّه ليس الأمران سواءً فدلُوا على (٣ التسوية بين المتفقين في الشريعة الواحدة في عصرين مختلفين، وبين المتفقين في الشريعة الواحدة في عصر واحد ٣)، ولن تجدوا جامعاً يجمعُ، ونحنُ نجد فرقاً، وهو أن الواحد كاف للعصر الواحد، وأما العصر الثاني فقد يكون فَتْرةً، فَيَبْعثُ الله نبيّاً مُنَبِّها (٤) على ما فَتَرُوا عنه، وأهملوه في الشريعة الأولى.
على أن هذا باطلٌ بما بقيَ من الشريعة الأولى بعد نسخ ما نسختهُ
стр. 1829
الشريعةُ الثانيةُ، فإنَّهما يتفقانِ فيه، ويشتركان -أعني: الأول والثاني- فيما لم يُنسخ من الشريعةِ الأولى، وإن لم يجز عندكَ بعثُ نبيين في عصرٍ واحدٍ يتفقان في حكمٍ واحدٍ، فقد بانَ بهذه الجملةِ فرقُ ما بينَ العصرِ الواحدِ والعصرين.
ومنها: أن قالوا: فيما ذهبتُم إليه، من اتباعِ من تقدَّمَه من الأنبياء، تنفيرٌ (١) عنه، ورغبةٌ عن اتباعه؛ لأنه إذا كان على شريعةِ موسى أو عيسى، أنس أهلُ ذلك الدين إلى كونه متبعاً لنبيِّهم، وأنَّه واحدٌ منهم، ومن أمة ذلك النبي، فإذا صار مخالفاً له في شيء مما جاء به ذلك النبي؛ بما يزعمُ أنه قد نُسِخَ في شريعته هو، ساغَ لهم أن يقولوا: كانَ تبعاً، فمالت نفسُهُ، وسَمَتْ إلى أن يصيرَ متبوعاً، ونحنُ قد سمعناهُ مقرّاً بالنبوةِ الأولى، وراضياً باتباعها، فنُعوِّل على الأول من قوليه دونَ الثاني، فإنه متهمٌ فِي الثاني؛ من حيثُ إنَّه استدركَ الأمرَ لمحبةِ الرئاسةِ، وأخذته الأَنَفة من الاتباعِ. فلا ينبغي أن يسلكَ به هذا المسلك المفضي إلى هذه المفسدة، لا سيما والقرآنُ ينطق بمراعاة ما تجتمعُ القلوبُ عليه، دون ما تَنْفِرُ عنه، مثل قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، وقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤].
فيقال: إنَّ هذا مما يزولُ، وينقمعُ قائلُهُ، والمتعلِّقُ به؛ بإقامة الحجج الباهرة؛ من المعجزاتِ الدالَّة على صدقه في نسخِ ما قبله، إذا لم يَتعبَّدْ بشريعة مَن قبلَه، وإذا كان ما ظهر على يديه، يوجبُ
стр. 1830
انقيادَ كل عاقل إلى قوله، وتصديقه، فلا فرقَ بين كونه يعد متابعاً (١) لنبي قبله، وبين كونه مبتدئاً بشريعة لم يسبقها اتباعه لأحد قبله.
على أنَّا قد بينا فيما تقدم (٢): أنه لم ينف (٣) عن الشريعة كلَّ مُنَفِّرٍ، بل أبقى أشياء كثيرة مثلها يُنَفِّر، إذ لم يجب عليه سبحانه ذلك، لِمَا قد جعل في العقول من القوة الدافعةِ لكل شبهةٍ، وفي المعجزاتِ الباهرةِ ما تَحْصلُ به الثقةُ، فلا تبقى بين هذين شبهةٌ، فمن نفرَ بعد ذلك، فإنما أُتي من قبل نفسه، ودُهيَ من جهةِ إهمالِه وإغفالِه، ومن قال: بأنه يفعلُ ما يشاءُ، ولا مُعقّبَ لأمرِهِ، لم يَحْسُنْ به أن يُورِدَ مثلَ هذا الاحتجاجِ الموهِم، بأنَّه إذا فعل ذلك، فقد أخلَّ بواجبٍ.
ومنها: أن قالوا: إنَّ دعوى اتباعِه لشرائعِ من قبله، دعوى بعيدةٌ؛ لأنَّ ذلك لو كان، لساغَ النقلُ فيه؛ لأنَّ العباداتِ والأحكامَ كثيرة، والأسئلةَ في ذلك متوفرة، وذلك لأنَّهُ أمرٌ تعمُّ البلوى به، فلمَّا لم يُنْقَلْ أنَّه سألَ عن دينِ اليهوديةِ مَن أَسْلمَ، فكان ثقةً عنده؛ كعبد الله ابن سَلاَمٍ، وكعب الأَحْبارِ، عُلمَ أنه لا أصل لذلك.
فيقال: وما الذي أحوجه إلى ذلك، مع كون الوحي يمده عند كل عارض يعوضُ، وحكمٍ يُسألُ عنه؟ ولما أمر برجم اليهوديين اللذين زنيا بعد إحصانهماً، وزعمت اليهود أنه لا يجب عليهما إلا التَّحْمِيمُ، قاضاهم (٤) ﷺ إلى التوراة، ودخل معهم بيتَ الدراسة، فجعل ابن صوريا يضع يده على آية الرجم، فقال له عبد الله بن
стр. 1831
سلام: ارفع يدك، فإذا آية الرجم، فرجمهما (١). وهذا رجوع إلى خبر عبد الله بن سلام في حكم التوراة، وعملٌ بها في حقهما.
فصل
ونبينا ﷺ قبل بعثه، ونزول الوحي عليه، لم يكن على دين قومه، بل كان متديناً بما يصحُّ عندَهُ أنَّهُ من شريعةِ إبراهيم، لا يلوذُ بأصنامهم، ولا يتعرضُ لأزلامِهم (٢)، ولا يَسْمُرُ مع سامرِهم، بل كان يَتَحنَّثُ بحراء، قال أحمد: من قال: إن النبي ﷺ كان على دين قومه، فهو قولُ سوءٍ، أليس كان لا يأكل من ذبائحهم على النصب؟
وبذلك قال أصحاب الشافعي (٣)، وقال قوم بالوقف (٤)، فإنه يجوز أن يكون كذا، ويجوز أن يكون غير متعبد رأساً.
وحكى أبو سفيان السرخسي عن أصحابِ أبي حنيفة: أنه بعد البعثةِ صار شرعُ مَنْ قبلهُ شرعاً له، لا مِن حيثُ كان شرعاً له قبلها (٥)، وأمّا قبلَ البعثِ، فإنَّه لم يكن متعبداً بشىء من الشرائعِ (٦).
стр. 1832
فصلٌ
والدلالةُ على أنَّهُ كان متعبداً: هو أنُه كان يتجنَّبُ ما عليه [قومه] (١) ويتحنثُ بما (٢) كان يعلمُه ويَتعلَّمُه (٣) من شريعةِ إبراهيمَ، فإن كان إلهاماً من الله سبحانه، فهو تشريعٌ، وإن كان لما بلغهُ، ورويَ له، فهو أيضاً اتباعٌ لشرعٍ، وإن كان موافقةً منه لِما أنزل الله، فهو عِصمةٌ (٤) عن أديانِ الوَثنيين.
وكان يتعبُ الحيوان ويكدُّه بمقتضى الشرائع، لا بمقتضى البراهمة وجُحَّاد النبوات، وأكلَ اللحْمانَ، وذبح الحيوانَ، فالظاهرُ أنه تدينَ بالشرائعِ؛ إذ يبعدُ أن يكون هذا بتَواقعٍ وقعَ له، فإذا كان بإلهام، فهو تشريع ألهمهُ الله به اتباع الشرائعِ.
فإن قيل: وما تنكرُ أن تكون قد أَخْلَلْتَ بطريق لم تُعْنَ به؟ وهو الطريقُ الذي يُسْلَكُ قبلَ الشرائعِ، وهو العملُ بمقتضى العقلِ، فالعقلُ (٥) لا يُسَوَّغُ عبادةَ الأصنام، ولا الاستقسامَ بالأزلامِ، ولا السُّكْرَ، ولا شيئاً (٦) من مقبحاتِ العقول هذه (٧).
فيقال: فالعقلُ لا يؤلمُ الحيوانَ لغيرِ مصلحةٍ له، ولا يُسوِّغُ إتعاب
стр. 1833
الأبدانِ بحجٍّ وعمرةٍ، وغير ذلكَ، ولا يتهدَّي إلى مصلحةٍ تَعْقُبُهُ، فيُحَسِّنَهُ، وقد كان يفعلُ ذلك ﷺ ؛ بما صحَّ به النقلُ، واشتهرَ في السيرِ.
شبهةٌ
قالوا. لو كان قبلَ بعثتهِ على دينٍ، لعُرِفَت تلك الشريعةُ بالنقلِ، كما عُرِفَت شريعتُه، ونُقلت بعد البعثةِ.
فيقال: قد نقلنا ما حكيناهُ، وفي ذلك كفاية.
стр. 1834
فصول النسخ
فصل
يجوز نسخ الشرائع شرعاً وعقلاً. أشار إليه أحمد وأطلقَ، وبه قالَ جماعةُ أَهلِ العلمِ.
وقالَ أبو مسلمٍ عمرُ بن يحيى الأصفهاني (١): لا يجوز النسخ شرعاً، ويجوز عقلاً.
واختلفت اليهود (٢): فلم يجزه (٣) قومٌ منهم من طريق السمع، وأجازوه من طريق العقل، ومنهم من قال: لا يجوز سمعاً ولا عقلاً، وقالوا: هو عينُ البَدَاء.
وبالغ قومٌ ممَّن وافقنا في النسخ -وهم طائفة من المعتزلة (٤)
стр. 1835
والحنفية (١) - في المنع من النسخ للشيءِ قبلَ وقتِ فعله خوفاً مَن البَدَاء، حيث نسخ قبل فعلِ شيءٍ أصلاً، ومنعوا من جواز اخترام المكلف قبل وقت فعل المأمور به، وجعلوا ذلك بداءً.
وذهب قوم من الرافضة -وحكوه عن موسى بن جعفر، وعن علي ﵁: أن البداء جائز على الله سبحانه -وهذا غاية التباين في المذاهب-، وزعموا: أنَّ علياً ترك الإخبار بما يكون إلى يوم القيامة، لأجل وجود البداء في كتاب الله، يخاف أن يخبر بشيء، فيَبْدُو لله (٢) تعالى فيه، ويحكون عن علي ﵁، أنه قال: لولا آية في كتاب الله -وهي قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، لأنبأتكم بما يكونُ إلى يومِ القيامة (٣). ويزعمون: أن هذا الذي أشار إليه النبي ﷺ بقوله، لَمَّا بكى هو وجبريلُ، فقيل لهما: ألم نُؤَمِّنْكما النار؟ ألم نَعِدْكُما (٤) الجَنةَ؟ قالا: "بلى، لكن مَن يَأْمَنُ مَكْرَك" (٥) يعني: البداء.
وهذا تجاسر عظيم، وتهجم على الله بما لا يليق به سبحانه،
стр. 1836
والظاهر عندي: أنهم في ذلك كاذبون (١) على علي، وموسى بن جعفر.
وقيل: إنه كان ممن يقول بذلك: زُرارَةُ بن أَعْينَ (٢)، وله شعر فيه مشهور (٣):
ولولا البدا سميته غيرَ هايبٍ ... وذِكرُ البدا نعتٌ لمن يتقلبُ
ولولا البدا ما كان فيه تصرفٌ ... وكان كنارٍ دهرُها تتلهبُ
وكان كضوء مشرق بطبيعةٍ ... وبالله عن ذكر الطبائع نرغبُ
وكان المختار (٤) يصرح به، ويقول: بدا لي لكم؛ كذا وكذا.
ثم إن بعض القائلين بالبَدَاءِ قَسَّمُوا وفَصلُوا، فقالوا: إنما يجوز البداء عليه سبحانه فيما لم يطلعْ عليه عباده، ولم يُخْبِرْهم بكونه، دون ما أَطْلعَهُم عليه، وأَخْبرَهم بكونه.
стр. 1837
وبعضُهم أجاز النسخ في (١) العباداتِ، ومنعه في (١) الأخبار، وبعضُهم أجازَ النسخَ فيهما، أعني: العبادات والأخبار.
فينبغي أن يقع الكلام في فصلين: أحدهما: أن النسخ ليس ببداء، وأنه ليس من ضرورة قولنا بالنسخ؛ أن نكون قائلين بالبداء، و (٢) أن القائل لذلك مُقَصِّرٌ فى النَّظَر (٣)، جاهلٌ بالله سبحانه، وبما يَجوزُ عليه وما لا يَجوزُ.
فصل
فالدلالة على منع القول بالبدَاءِ مع جواز النسخ: هو أن البداء في الحقيقة: هو ما علمه الحيُّ بعد أن لم يكن علمه، من قولهم: بدا لي سور المدينة، قال الله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)﴾ [الزمر: ٤٧]، ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ٢٨].
والدلالةُ قد قامَت على كونِ البارىء سبحانه عالمَ الغيبِ والشهادةِ بنصوصِ الكتابِ وأدلة العقول، فقال جلَّ من قائل: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧]
стр. 1838
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾ [الروم: ٢ - ٣]، ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧]، فلا يجوزُ مع هذه النصوص، أن يقول بالبداءِ مؤمنٌ بكتاب الله العزيز.
فأمَّا من جهةِ العقول: فإنَّ (١) الذي دل على كونه عالماً، أنه سبحانه أتقنَ صنائعه، إتقانَ من قد علم حاجتها إلى ما أعدَّ فيها من الأجزاء والأعضاءِ والمشاعر، التي سدَّ كلٌّ منها مَسَداً (٢)؛ لولاهُ لتعطل بمعدمه غرضٌ، واختل باختلاله أَرَبٌ، وهذا دال على دَركِ المستقبلات من الأمور، وأن البداءَ لا يجوزُ إلا على جاهلٍ بعواقبِ الأمورِ، والله سبحانه بريءٌ من ذلك؛ بما دل من نصوص كتابه، وأدلة العقول على أنه العالم بكل ما يصح أن يعلم، فبطل القول بالبداءِ.
فصل
[في] شُبَهِهم
قالوا: قال الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، وهذا يَدُل على البداء.
قيل: غايةُ ما يدل هذا: على أنه يفعلُ ما يشاءُ من مَحْوٍ وإثباتٍ، وقد قيل في تفسير هذه الآية: يَمْحو الله السيئاتِ بالتوبة والإسلام، ويُثْبِتُ بالإصرارِ، وقيل: يمحو الله ما يشاءُ من الأحكام بالنسخِ، ويُثْبِتُ بالتشريع ما يشاءُ من الأحكام، وقيل: من الشرائع، وهو الأشبه؛ لأنه قال: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ
стр. 1839
أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨)﴾ [الرعد: ٣٨]، ثم قال: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ فكان عائداً إلى نسخ شريعةٍ ماضيةٍ بإثباتِ شريعةٍ مستقبلةٍ، والكلُّ معلومٌ له قبلَ نسخِه ومحوِه وإثباته، بدليل ما ذكرنا.
قالوا: ولأنا وجدنا بأن الفاعلَ للأمر إذا عَكَسَه، والبانيَ إذا نَقَضَ ما بناه وهَدَمَه، والمُعطِيَ إذا استرجع [ما] أعطاه، وسَلَبَه، والآمرَ بالشيءِ إذا نَهَى عنه لا سِيَّما قبلَ وقوعِهِ، أو حال بين المأمور وبينَه بعدَ أن اسْتَدْعاهُ منه، وكانَ الأول منه عن علمٍ بما أَمَرَ به وبما شَرَعَ فيه، فإن الثاني -وهو النَقْضُ والهَدْمُ، والسَّلْبُ والاسترجاعُ، والنهيُ- عن علمٍ منه تَجدَّدَ، وإلا فمحال أن يكونَ العلمُ الأول هو الذي أَوجبَ الثانيَ، فلم يبقَ إلا أنه لعلمٍ تَجدَّدَ بعدَ أَن لم يَكُنْ في الأول، ولو كان في الأول، لما بَنَى ولا أمَرَ، وهذا هو البَداءُ بعينِه.
فيقال: وما تُنكِرُ على من قال: إنَّه علم أن الأمرَ بذلك مصلحةٌ لخلقه، والبناء مصلحةٌ، في ذلك الوقت الذي أمر وبنى (١)؟ وأن المُتجدِّدَ معنىً تَجدَّدَ على المخلوق، وأنَّ البقاءَ على ذلك الأمرِ الأول والحال الأولى مفسدة، فعادَ التغييرُ إلى المخلوقِ دونَ الخالقِ، ولو كانت العوارضُ الحادثةُ تدل على تَجَدُّدِ علمٍ كان سَبقَه عدمُه، لوجب أن نزيدَ على قولكم بالبداءِ غيرَ ذلك من الأوصافِ المتغايرة والمتضادة، مثل: أنَّه إذا خَلَقَ ورزقَ، وحَنَّنَ الآباءَ والأمهاتِ، ثم سلبَ وأعدمَ ذلك بأنواعِ الإعدامِ؛ من موتٍ، أو إعاقةٍ، أو قسوةٍ تجدَّدت من الوالد حتى قتل ولده، والجارح والسبُع حتى أكلَ فرخَه وسخله، أن يقال: قسا بعد أن كان رحيماً، وإذا منع الرزو، أن يقال: بخل بعد أن كان كريماً، وكذلك إذا أجدب بعد
стр. 1840
أن أخصب، أو نسي بعد أن كان ذاكراً، فلَمَّا لم يُخْلَعْ عليه سبحانه بالتغييرات المختلفة والمتضادة المُتجَدِّدةِ على خَلْقِه، صفاتٌ متغايرةٌ ومتضادة، كذلك لا يجوز أن يُخْلَعَ عليه اسم بداء، وأنه تَجدَّدَ له علمٌ بعد أن لم يكن؛ من حيث إنه تَجددَ منه منع ورفعٌ وإزالةٌ، بل يقال: إنَّ التغيراتِ بحسب ما عَلِمَ من مصالح عباده، بتغايرِ الأزمنة والأحوال، وهو غير مُتغيِّرٍ في كونه عالماً ورَحيماً، إلى (١) جميعِ ما يَسْتحِقُّهُ من الصفاتِ.
وهذا تكلفٌ مع كون النصوص مغنيةً عن أدلَّةِ العقولِ، والمخالفُ موافق في التصديق بالكتاب العزيز، وهو مملوءٌ من الآي الدالة على كونه عالماً (٢ بما كان، وما يكون، وبما لم يَكُن أن لو كان، كيف يكون ٢).
فصل
في (٣) الدلالةِ على جواز النسخ عقلاً وشرعاً في الأوامر والنواهي، وسائر الأحكام.
أما العقلُ: فإنَّ الناسَ على قولينِ:
أحدُهما: أنَّه يفعلُ ما يشاء، ويكلِّفُ ما شاءَ، وكيف شاءَ، فعلى هذا: له أن يُدِيمَ ما كَلَّفَ، وله أن يَقْطَعَه، ويُزِيلَه في مستقبل الحال. والقول الثاني: أنه يُكَلِّفُ ويَفْعلُ على سبيل الأَصلح.
стр. 1841
وعلى كلا الأمرين لا يمتنعُ النسخُ والرفعُ؛ إمَّا لما شاءَ، أو لِما عَلِمَ في ذلك من الأصلح للمكلفين، والمصالحُ قد تختلفُ باختلاف الأزمان، كما تختلفُ باختلافِ الأشخاص، فكم من شخصٍ مصلحتُهُ الغنى، فالفقرُ مفسدٌ، وكم من شخص بالعكس، وكم من زمانٍ يصلحُ أهلُهُ بالمداراةِ والمساهلة، وزمانٍ لا يُصْلحُ أهلَه إلا السوطُ والسيفُ، ألا تراه سبحانه كيف قال في زمنِ المداراة: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥]، ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢٢]، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧]، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]؟ فلما جاء زمانٌ الأصلحُ فيه العنفُ، قال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ...﴾ [التوبة: ٥] الآيات.
ومن ذلك: أنَّه إذا جاز أن تأتيَ الشرائعُ بالعباداتِ والمأموراتِ أوزاعاً؛ فتأتيَ بإيجابِ صلاةٍ، ثم يتَرَاخَى الأمرُ في ذلك، فيأتي بعدَ ذلك إِيجابُ صيامٍ، ثم يتراخى الأمرُ، فيأتي إيجابُ زكاةٍ وحجٍّ، إلى أمثال ذلك، وهذا إيجابٌ لتعبدٍ لم يكن واجباً، فهَلا جاز رفعُ ما وجبَ، وهذا صحيحٌ، لأنّ الَزياداتِ بعد المبادىءِ التي كانت كالكفايةِ والاستقلالِ بالمصلحة، صارت غيرَ كافيةٍ، ومن ها هنا جعل قومٌ الزياداتِ نسخاً، فإذا جاز أن يزادَ على الواجبِ الأول، ويُخْرَجَ الأولُ [عن] أن يكون كافياً ومقنعاً، بتجديد أمرٍ ثانٍ، وإيجاب ثانٍ، جازَ أن يُزالَ الأولُ، ويُجَدَّدَ أمرٌ غيرُه بحسبِ الأصلح، هذا بحكمِ الأصلح.
وإن كان بحكمِ المشيئة: فقد يكون مريداً للشيء في حالٍ، ثم إنه يبين بالنسخ منه لم يكن مريداً له في حال أخرى، ويَبْعُدُ الفرقُ بين أنه لم يكن الشيء واجباً بُرْهةً، ثم جعلَه سبحانه واجباً، وبين أن حَكَمَ بوجوبِه بُرْهةً، ثم جعلَه غيرَ واجبٍ.
стр. 1842
ومن ذلك: أن الله سبحانه ما زال يَنْقُلُ من حالٍ إلى حالٍ؛ من صغرٍ إلى كِبَرٍ، وصِحَّةٍ إلى سَقْمِ، وغِنىً إلى فقرٍ، وأَمنٍ إلى خوفٍ، وعِلمٍ إلى جهلٍ، كما قال سبحاَنه: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [غافر: ٦٧] إلى قوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ [غافر: ٦٧] وكان ذلك جائزاً عليه، ولم يك بداءً، كذلكَ يعتبرُ ما جعلهُ صلاحاً لدينه ودنياه، لا يمتنعُ أن يقعَ فيهِ الاختلافُ، والنفيُ بعد الإثباتِ، والإثباتُ بعد النفي، إمَّا للأصلح للعبدِ، أو لمطلقِ المشيئة.
والذي يوضِّحُ هذا: أنَّ من يصحُّ عليه البداءُ، يحسُنُ إضافتُه إليه في هذا، كما يَحْسنُ إضافتهُ إليه في الأحكام، فيقال: كان فلانٌ يواصلني بالهدية فبدا له، وكان يكرمني فبدا له، كما يقال: أَمَرَ عَبْدَه بالخِدْمةِ -في كذا وكذا من أنواعِ الاستخدام-، ثم بدا له، إذا قطعَ عنه ذلك، أو نقَلَه إلى غيرِه، أو تركه وأهملَه، فإذا كان الله سبحانه يجوزُ عليه هذا النوعُ، فلا يكونُ بَداءً، بلَ يكونُ على ما يَلِيقُ به، إِمَّا لمصالح خَلْقِه بحسبِ أحوالهم المتجددة وأزمانهم، أو بحسب المشيئة، لأنَّ حقيقةَ البَداء لا تَتحقَّقُ في حقِّه، وهو تَبيُّنُ الشيءِ بعدَ الخفاءِ، وظهورُه وتَجَلِّيه بعد تَغَطِّيهِ عليه.
ومن ذلك: أنه إذا جازَ أن تكونَ المصلحةُ في العبادةِ إلى غايةٍ، مثل: الصومِ إلى الليل، والصلاةِ إلى اخر الركعة الرابعةِ، والحجِّ والإحرام المانعِ من اللُّبْس، والتغطيةِ للرَّأْسِ، وتقليمِ الأَظافرِ، وإزالة الشَعَثِ، إلى غاية -هي رميُ الجَمْرةِ في يوم الأضحى-، ثم يزولُ
стр. 1843
ذلك، ولا يكون بداءً، فما المانع من الحكمةِ أن تكونَ المصلحةُ في إبقاءِ الحكم وتشريعه إلى غايةٍ، ثم ينسخُ بالنهي عن استمراره واستدامته، فتكونُ غايتُهُ في الزمانِ كغايتهِ في المقدار؟ فيقال للمحرمِ يومَ النحرِ، إذا رمى جمرة العقبةِ في الحج: حَسْبُكَ، عُد إلى إزالةِ الشَّعَثِ، والتَجمُّلِ باللِّباس، وتغطيةِ الرأس، والتَّطيُّبِ، واصْطَدْ، ثم يقال للصائم إذا غَرَبَتِ الَشمسُ: حسبُكَ، كُلْ واشربْ، وطَأْ، وعلى هذا، ولا فصلَ لهم بين الأمرين -أعني: غايةَ العبادةِ نفسها، وقطعَها عن المرور فيها، وبين قطعِ زمانِ فعلها- وحقيقته تَبْيينُ العْاية، وأنه إنما أراد فعلها إلى ذلك الوقت الذي نزل فيه الوحي بالنسخِ.
ومن ذلك: أنه إذا جاز أن يبتدىءَ التكليفَ بالعباداتِ بعد أن مضى زمانٌ لم يُكلِّفْ فيه فعلَ تلك العبادات، لِمَ لا يَجُوزُ (١) أن يُكَلِّفَ عبادةً، ثم يسقطَها عن المكلف؟ وما الفرقُ بين مَنْعِ التكليفِ قبل (٢) الابتداءِ به، ورَفْعِ استدامتِه بعدَ أن كَلَّفَ؟ والمنعُ كالرفع، والنفيُ قبل التشريع كالإزالةِ بعدَه، ولَمْ نَقُلْ: بدا له، فكلَّفَ بعدَ أن لم يكلِّف، كذلك لا يقال: بدا له، فأَسْقطَ العِبادةَ بعد أن كَلَّفَ.
ومن ذلك: أننا قد أجمعنا على أنَّه يجوزُ أن يُكلِّفَ الصحيحَ عبادةً وعباداتٍ عدة إلى أن يمرض، فإذا جاء المرضُ، أو عرض السفرُ، أو جاءَت العوائقُ، أسقطَ، أو خَفَّفَ، فبانَ أنه كَلَّفَ حال الصحةِ إلى غايةٍ هي المرضُ، فكشفَت العاقِبةُ عن الإسقاطِ في تلك الحال لِمَا كان وجبَ من العباداتِ قبلَها، وليسَ يظهرُ من ذلك إلا نوعُ مصلحةٍ، وتخفيفٌ بعد تشديد، فكذلك المُغيِّرُ لمصالحَ خَفِيَّةٍ
стр. 1844
تَعُودُ إلى أحوالٍ يَعْلمُها الله من الأَشخاص والأَزمانِ، وإن كان هو المُغيِّرَ للأَحوال والأزمانِ، كما هو المُغيِّرُ من الصحةِ إلى المرضِ، وسائرِ الأعذار.
فصلٌ
في الدلالةِ على جوازِه شرعاً، وعلى وقوعه وحصوله نقلاً
فمن ذلك: أن (١) ذلك وَقَعَ، ووُجِدَ في الشرائع: أن الله سبحانه أمر آدم أن يزوج بناته من بنيه، ثم حرَّمَ ذلك في شرائع مَن بعدَه صلواتُ الله عليهم أجمعين، فإن تجاهلَ متجاهلٌ منهم بالمنعِ من ذلك، فقد دلَّ عليه وجودُ التناسلِ، وكثرةُ أولاده، ولم يكن في الأرضِ سواه وسوى أولادِهِ، فالنسلُ لا يخلو من تناكحٍ أو فجورٍ، ولا فجورَ كان، ولو كان، لما حصلَ النسبُ والانتسابُ، ولأُولِدَ الأنبياءُ صلواتُ الله عليهم من فجورٍ، فثبتَ أنَّه ما كان كثرةُ العالَمِ مع عدمِ ما سوى آدم وسوى أولاده، إلا بتزويجِ بنيه ببناته.
ومما يَدُلُّ على كون ذلك واقعاً في الشرائع: أنَّهُ كان أباحَ العملَ يومَ السبتِ، ولم يُحرِّمْه إلا في شريعة موسى.
وأجازَ الخِتانَ بعد الكِبَرِ، وكانَ إبراهيمُ ﵇ يرى الخِتانَ بعد الكبرِ بما شرعَ الله له ذلكَ، فختنَ نفسَهُ كبيراً، وجاء موسى -على زعمِ اليهودِ-: بأَن يُختنَ الطفلُ يومَ يُولَدُ (٢).
стр. 1845
وزعموا: أنَّ يعقوبَ جمعَ بين الأختينِ في وقتٍ واحدٍ، وذلك مُحرَّمٌ في شريعةِ موسى.
فهذا نسخٌ واقعٌ، ليس له دافعٌ مِمَّن عرفَ السِّيَرَ، وأَقَرَّ بصحة ما نقلَ عن الأنبياءِ صلواتُ الله عليهم، وما وقعَ لا يمكن جحدُه مذهباً، لكن تكذيباً وجحداً، وذلك يسدّ علينا بابَ المنقولِ في غيرهِ، والمنقولُ لا يردُّ بالآراءِ والمذاهبِ.
ومما يدلُّ في كتابنا على النسخ، وأنه قد وقعَ، [و] يُحْتَجُّ به [على] من خالف في النسخ من أهل الإسلامِ: قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] وهذا وعدٌ بالنسخ، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وهذا تصريحٌ بالنسخِ (١) ثم أكد ذلكَ بقوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾
[البقرة: ١٤٢]، وهذَا إخبارٌ عن اعتراضهم على النسخِ.
وقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، ثم ساق وجوهَ ظلمهم، فقال: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١] الآية، وهذا عينُ النسخِ، لأَنه تحريم ما كان مباحاً لهم، إذ لا يجوزُ أن يريدَ به تحريمَ ما كان مُحرَّماً عليهم، إذ لا يقعُ مقابلةً لحادثِ أفعالِهم ما كان سابقاً لأفعالِهم.
فإن قيل: يحتملُ أنهُ حَرَّمَ عليهم بالسمعِ ما كان مباحاً لهم
стр. 1846
في العقلِ، وذلكَ لا يكون نسخاً، لأنَّ النسخَ رفعُ حكمٍ شرعي لا إِزالةُ (١) ما ثبت بالعقلِ.
قيل: لا إباحةَ، ولا حظرَ في العقلِ، إنَّما ذلكَ للشرعِ، وقد دلَّلْنا على ذلكَ في أصول الدينِ، ولو سلمنا على قول أبي الحسنِ التميمي، فلا يَضُرُّ (٢)، لأن الله سبحانه خَصَّهم بذلك، ولو عادَ ذلك إلى إباحةٍ كانت في العقلِ، لما خصَّ الذين هادوا بذلكَ، لأن قضايا العقولِ تعمُّ كل أُمَّةٍ، ولا تختصُّ اليهودَ، ولا أُمَّةَ إلا وقد حُرِّمَ عليها بعضُ ما أباحته العقول.
فإن قيل: ما سَمَّى فاعلَ التحريمِ إلا وأضافه إلى نفسه سبحانه، وإذا كان مما لم يسمَّ فاعله، فلعله أرادَ تحريمَ ما كان أباحهُ لهم أَحْبارُهم وعلماؤُهم.
قيل: لو كانت تلك الطيباتُ مباحة [لا] بإباحةٍ عن الشارع، لما كانت مباحةً، فإنه (٣) ليس لأحدٍ أن يضعَ إباحةً ولا تحريماً من تلقاءِ نفسهِ، وإذا كان ما أَحَلَّه علماؤُهم مُحرَّماً عليهم بحكم الشرعِ، لم يقع التحريمُ عقوبةً؛ لأنه سابقٌ قبلَ ذلك، فلا يكونُ مقابلةً لسوءِ أعمالهم التي عدَّدها سبحانه.
فإن قيل: فليس فيه أنهُ أَحَلَّهُ قبلُ، وحَرَّمَهُ فيما بعدُ، بل يجوزُ أن يكون مقارناً لأمتأخراً، فكأنه كان قال: اَبحْتُ لكم شحمَ كذا إلى وقتِ كذا، فإذا جاءَ وقتُ كذا، فقد حَرَّمْتُه عليكم.
стр. 1847
قيل: ظاهرُ الكلامِ يعطي أن التحريمَ كان عقيب ظلمهم، ولو كان مقارناً للَّفظِ، كان التحريم سابقاً لظلمهم.
ومن ذلك -أعني: الواقع من النسخ-: أنَّ الله سبحانه فرضَ الوصيةَ للوالدين والأقربين بقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠]، ثم نسخ الوصيةَ بآيةِ المواريثِ، فقال النبي ﷺ عند نزول آيةِ المواريث: "إن الله قد أعطى كُلَّ ذي حقٍّ حَقَّهُ، فلا وصِيَّةَ لوارثٍ" (١)، ونسخَ صوم عاشوراء بصومِ شهرِ رمضان (٢)، ونسخ كلَّ حقٍّ كان في المال بالزكاة، فقال النبي ﷺ : "ليس في المال حَقٌّ سوى الزكاةِ" (٣).
فإن قيل: ليس هذا بثابت بطريق يصلحُ أن يكون ناسخاً؛ لأنَّ صومَ عاشوراء لم يثبت وجوبُهُ ولا تلك الصدَقاتُ، ولا بين الوصيةِ والميراث تنافٍ، فتكونَ آيةُ المواريث ناسخةً.
قيل: هذا مما تَلَقَّتْهُ الأمةُ بالقبول، وكَثُرَ ناقلهُ، ولسنا نعتبرُ التواترَ، فإن أحمد قد نصَّ على النسخِ بأخبارِ الآحادِ تعويلاً على استدارةِ أهل قباءٍ، وسندلُّ عليه إن شاء الله في موضعهِ (٤)، وآيةُ
стр. 1848
المواريث لا يمكن جَمْعُها وآيةَ الوصيةِ، إذ لا وصيةَ وميراثَ يجتمعانِ عندنا، بل الوصيةُ باطلةٌ.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] ونسخ ذلك بقوله: ﴿فأَقِيموُا الصلاة﴾ (١) [المجادلة: ١٣].
ولم يَتحَقَّقِ المخالفُ على هذه الايات ما نَسْتَحسِنُ إيرادَه.
فأمَّا الدلالةُ على إرادَتِه (٢) شرعاً بعد ما دَلَّلْنا على وقوعهِ شرعاً أيضاً: قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ ننْسأها (٣) نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] وهذا تصريح بجوازِ النسخِ عليه سبحانه.
стр. 1849
فصل
في جمع شبههم
فمن ذلك: ما حكته اليهودُ عن موسى ﵇، أنهُ قال: شريعتي مؤبدةٌ ما دامت السماوات والأرض، وبعضهم يروي أنه قال: الزموا السبتَ أبداً.
فيقال: هذا مفتعلٌ على موسى، ويقال: أول من وضعهُ لهم لتقْطَعوا به الكلامَ معَ من يَروعُه هذا اللفظُ ابنُ الراوندي، وأنه أخذ على ذلك جِعالةً من اليهود بَتسَمُّجه في أمر الدين بما ظهرَ من خِزْيِه (١) في كتبهِ المعروفةِ، كالملقبَ بـ "الزمرُّدة" و"الدامغ" (٢). والذي يوضحُ هذا الكذبَ: أن أحبارهم وكبارَهم أعرفُ منهم بما في التوراةِ، وهذا ابنُ سلامٍ، وكعبُ الأحبار، ووهبُ بن منبه، أسلموا لما رأوا علاماتِ المبعوثِ في توراتهم [فيه] ﷺ ، وقد عُلمَ ما في التوراةِ المنقول إلى العربي، من ذكرِ الأنبياءِ: أشيعيا، وشمعون، وحبقوق، وغيرهم، ما لا يُغادرُ صفتَهُ، وصفةَ أُمَّتهِ، وصفةَ مكةَ في أيامِ نبوته وبعثته، وذلك مذكورٌ في أعلامِ النبوَّات من كتب الأصول، فأين كانت هذه الكلمة؟ وأين كانوا عن التعلقِ بها؟ فلما لم ينقل احتجاج اليهود الأُوَل بها، عُلمَ أنها مفتعلةٌ مختلقةٌ في أواخرِ الأمر، لَمَّا تجدد للشريعةِ من الأصوليينَ مَن دَحَضَ كلمتَهم، فأعياهم النظرُ والتحقيقُ إلى هذا الكذبِ، طلباً
стр. 1850
لموازاةِ قوله ﷺ : "لا نبيَّ بعدي" (١)، وقول الله في كتابنا: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢).
على أنَّ هذهِ الكلمة لو ثبتت، لكانَ لها تأويلٌ ظاهرٌ من وجهينِ:
أحدهما: أنهُ أرادَ بالشريعةِ: التوحيدَ والأصولَ التي تضافُ إلى كلِّ نبيٍّ، وأضافها إليه في وقتهِ، إذ مَن مضى ومَن يأتي ليس بخاصٍّ، فهو أخصُّ بالتوحيد بحكمِ عصرهِ.
ويحتملُ: مُؤَبَّدةً ما لم تُنْسَخْ بصادق مثلي، وليسَ هذا أولَ عمومٍ خُصَّ بدلالةٍ، ولا دلالةَ آكَدُ منَ المعجزاتِ الباهرةِ التي ظهرتْ على يدي محمد ﷺ ، وبقِيَتْ بعدهُ، ولم يُحْكَ فيها اعتراضُ معترضٍ، ولا حدَّثَ ناطقٌ نفسهُ بمقارنةِ سورةٍ منها، وما انكشفَ من الغيوب التي أخبرَ بها، والأمورِ التي وعدَ بكونها.
[فصل]
في شبهات من منع ذلك عقلاً .
[منها:] إن تجويز النسخ يؤدي إلى تجويز البداءِ على الله سبحانه،
стр. 1851
والبداءُ لا يجوزُ عليهِ، ولا يجوزُ إثباتُ ما يؤدي إليهِ، والذي يوضحُ أن النسخَ عينُ (١) البداءِ: هو أن الآمِرَ بالشيءِ، إذا نَزَعَ عنه، وأَمَرَ بضدهِ، أو نَهى عنه، إذا كان حكيماً، لم يُحْمَلْ نهيُه عن الشيءِ بعدَ أمره به (٢) إلا لِمَا عَلِمَه في الثاني من حالهِ مِمَّا (٣) كان متغطياً عنه حالَ الأمر به، وإن لم يَكُنْ لمعنىً بانَ له كان خافياً عنه كان عابثاً (٤)، فهو متردد بين بداءٍ وعبث، وكلاهما لا يجوز على الله سبحانه، فلا وجه لتجويزهِ عقلاً.
فيقال: إن الذي أَدَّى بكم إلى اعتقاد هذا، استشعارُكم أنهُ أرادَ بالأمرِ (٥) بما أمرَ بهِ الدوامَ، ثم قطعهُ، فعادَ ذلكَ بالبداءِ، فأمَّا ما نقولهُ نحن فلا يفضي إلى ذلكَ، فإنا نقولُ: إنه أمرَ بما أمرَ به -من استقبال (٦) بيتِ المقدس مثلاً- وأرادَ بهِ إلى مدةٍ عَلِمَها، ثم إنه أخفاها عن المكلفينَ اَمتحاناً لهم وابتلاءً، وأبانَ عنها النسخُ، وما ذلكَ إلا بمثابةِ خلقهِ للحيوانِ صغيراً، والابتداءِ بالطائرِ بيضةً، فلما كَبَّرَ الحيوانَ، وأَخرجَ من البيضةِ طاووساً، أو أمرضهُ بعدَ الصحة، أو أفقرهُ بعدَ الغنى، لم يكن ذلكَ بداءً، بلِ نقول وإياك: إنه كانَ من مراده، وبانَ من قصده سبحانه، أن يكون ذلكَ المخلوقُ على تلك الصفةِ بعد (٧) زمانٍ معلومٍ، وَوَقَّت نَقْلَهُ من حالهِ الأولى إليها،
стр. 1852
وكذلك لمَّا لم يُكَلِّفْ، ولم يخاطِب بالعباداتِ، ثم خاطبَ، لم نَقُلْ: إنهُ كانَ غيرَ مخاطِبٍ، وقد خاطبَ، فقد بدا لهُ، لكن يقالُ: إنه لَم يُخاطِب، وكانَ تركُه للخطابِ [إلى] أجلٍ معلومٍ، أظهرهُ الخطابُ في ذلك الوقتِ، فعُلمَ أنَّ تأخيرَهُ بإرادةٍ وعلمٍ، وخطابهُ في الوقت الثاني -بعد أن لم يخاطبْ- بإرادةٍ، لا أنه بحيث كانَ لا يريدُ الخطابَ، فبدا لهُ أمرٌ أوجبَ إرادةَ الخطابِ.
وكذلك إذا أَمرَ المكلفَ أمراً مطلقاً، ثم إنه أَعاقَ بالمرضِ، أو الموتِ، فإنا لا نقول: إن ذلك بداءٌ، بل أراد بأمرهِ له: العملَ به إلى تلكَ الغايةِ التي حصلت فيها الإعاقةُ؛ بما تجددَ وحدثَ.
وكذلكَ تغييرُ أحوالِ الدنيا الكليةِ؛ من جدبٍ إلى خِصبٍ، ومن توليةٍ إلى عزلٍ، ومن غنىً إلى فقرٍ، إلى أمثالِ ذلكَ من التغييراتِ الحادثةِ في العالم جميعه، فإن لم تُجَوِّزْ على الله سبحانه ذلكَ، لئلا يؤدي إلى ما ذكرت، فلا تُضف هذهِ التغييراتِ إليهِ؛ لأنَّ أمثالها إذا صدرَ عن مخلوقٍ من آحادِ الخلقِ ممن يجوزُ عليهِ البداءُ، كان بداءً.
ولأنا قد أجمعنا على أنه لو كشفَ سبحانهُ عن مقدارِ مدةِ العبادةِ، فقالَ. صلوا إلى بيتِ المقدس كذا كذا شهراً، ثم استقبلوا الكعبةَ، فإنه لا يكونُ ذلكَ بداءً، بلَ توقيتاً وتقديراً، فإذا أمرَ بالصلاةِ نحوَ بيتِ المقدسِ، ولم يقدرها بمدةٍ، لكنه أمرَ بالتحولِ إلى الكعبةِ بعدَ مدةٍ معلومةٍ، وهو (١) ممن ثبتَ بالدليلِ العقلي أنه لا يعلمُ شيئاً بعد أن لم يعلمه، وجبَ أن يُحملَ الأمرُ على ما يليقُ به، من أنه أرادَ
стр. 1853
ذلكَ التقديرَ وعَلِمَه، وإنما غطى عنا الغايةَ امتحاناً وابتلاءً، بحسب امتحانِهِ بأنواعِ التكاليفِ، فأمَّا أن نحمله على ما لا يليقُ به، فكلا.
ومنها: أن قالوا: إنَّ الله سبحانه إذا أمرَ بشيءٍ، دلَّ على أنه حَسنٌ ومصلحةٌ، فإذا نهى عن شيءٍ، دلَّ على أنه قبيحٌ ومفسدةٌ، فلو جوَّزْنا النسخَ، لأفضى إلى كونِ الشيءِ جامعاً للنقيضينِ، فيكون حسناً قبيحاً، مصلحةً مفسدةً، ومحالٌ اجتماعُ النقيضين للشيءِ الواحدِ، فما أدى إليهِ، وجبَ أن يكونَ باطلاً.
فيقال: إنَّ الذي نهى عنه بالنسخِ ليسَ هوَ الذي أمرَ بهِ عندنا، بل المأمورُ بهِ هو الذي كانَ متعبداً به إلى الوقتِ الذي ورد فيه النهي، والمنهيُّ عنه هو ما بعدَ الغايةِ التي كشفَ لنا النسخُ أنَّ الأمر كانَ مقدَّراً بها.
على أنَّ الشيءَ الواحدَ لا يكونُ حسناً قبيحاً، مصلحةً مفسدةً في حالٍ واحدةٍ، فأمَّا في وقتينِ وحالينِ، فلا يمتنعُ ذلكَ، كالدواءِ يكون مصلحةً في وقتٍ وحالٍ، ومفسدةً في وقتٍ آخرَ، وما كشف الله سبحانهُ تَوْقيتَه؛ مثل قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، هذه كلها أمورٌ كانت حسنةً ومصلحةً في الوقتِ الذي قَدَّرَها به، وكانت بعدَ خروجِ الوقتِ غيرَ مصلحةٍ ولا حسنةٍ.
وكذلكَ العمومُ مع تخصيصِه، كانَ الخطابُ بالعمومِ مصلحةً، ثمِ جاءَ الخصوصُ، فكان بياناً للمرادِ به من الأعيانِ المخصوصةِ، وكان البيانُ مصلحةً أيضاً في وقتِه، ولم يكن البيانُ مصلحةً في وقتِ إيرادِ
стр. 1854
العمومِ، على قولِ من أجازَ تأخيرَ البيانِ عن وقتِ الخطابِ (١).
ومنها: أن القولَ بالنسخِ يؤدي إلى اعتقادِ الجهلِ، من جهةِ أن المكلَّف يعتقدُ بإطلاقِ الأمرِ التأبيدَ، ولا يعتقدُ التأقيتَ، فإذا جاءت الغايةُ، بانَ ما اعتقده جهلاً، والجهلُ قبيح، فما يؤدي إليهِ قبيحٌ، فوجبَ تنزيهُ الله سبحانه عنه.
فيقال: إِنِ اعتقدَ التأبيدَ، فإنما أُتِيَ من قِبَلِ (٢) نفسه، وإلا فالذي ينبغي أن يعتقِدَ: أنَّ ذلكَ التعبدَ إلى حين يُنسخُ؛ لأنَّه إذا رأى تصاريفَ البارىء في العالمِ، واختلافها بحسب الأزمنةِ والأشخاصِ والمصالح، لم يَجُزْ له اعتقادُ التأبيد، بل يعتقدُ أن ذلك ثابت إلا أنْ يُنسخَ ويُرفَعَ.
على أنَّ في طَيِّه منَ التعبدِ ما يُرْبي على الجهلِ الذي تُشيرُ إليهِ، فإنَّه إذا أضمرَ ملازمة التعبدِ على التأبيدِ، فجاءَ النسخُ بعدَ ذلكَ، حصل له ثواب الاعتقاد لاعتناقِ الأمرِ أبداً، ثم حصَلَ لهُ ثوابُ الانتقالِ من الفعلِ إلى التركِ تسليماً لحكمةِ الناسخِ، فإنَّ تغييرَ الأحوالِ من أشقِّ ما يكونُ على النفوسِ.
ولأنَّهُ باطلٌ بالاعتقاداتِ الحاصلةِ لدوامِ الأحوالِ؛ كالصحةِ والغنى، ثم إنَّ الله سبحانه يزيل ذلكَ بالفقرِ والمرضِ.
ومنها: أن قالوا: لو جازَ نْسخُ الأحكامِ، لجازَ نسخُ الاعتقاداتِ في التوحيدِ، وما يجوز على الله، وما لا يجوزُ، وجميعِ مسائلِ الأصولِ، ويكون ذلكَ مصلحةً في وقتٍ، ومفسدةً في وقتٍ، ولَمَّا
стр. 1855
لم يَجُزْ ذلكَ في الأصول والاعتقاداتِ، كذلكَ في الفروعِ والعباداتِ.
فيقال وما الجامعُ بينهما، حتى إنَّه إذا لم يَجُزْ هذا، لم يَجُزْ هذا؟
ثم يقال: إنَّ ذلكَ عائِدٌ إلى مَنْ لا يجوزُ التغييرُ عليه، ولا خروجُهُ عن حالٍ، أو صفةٍ وُصِفَ بها، إلى ضدَّها أو غيرِها.
ألا ترى أنَّه لا يجوزُ أنْ يقول اللهُ سبحانَهُ: أوجَبْتُ عليكم توحيدي نهاراً، فإذا جاءَ الليلُ أسقطتُ عنكم التوحيدَ، وأَبَحْتكم التثنيةَ والتثليثَ؛ لأنَّ اللهَ سبحانه وجَبَتْ له الوَحْدةُ بدلائلِ العقول، واستحال أن يكونَ له ثانٍ في الإلهيةِ، والشرعُ لا يَرِدُ بتجويزِ ما أحال العقلُ، كما لا يردُ بإحالةِ ما جوَّزَهُ العقلُ.
فأمَّا الصلاةُ إلى جهةٍ، ونَقْلُنا عنها إلى جهةٍ، فجائزٌ أَن يُعَلَّقَ على زمانينِ مختلفينِ، وتكون المصلحةُ في كل وقتٍ، التوجُّهَ إلى الجهةِ التي عُلِّق التوجه عليها.
ومنها: أن قالوا: إذا جوَّزنا عليهِ النسخَ، لم يبقَ لنا طريقٌ نَعرِفُ به التأبيدَ، أي: لو أرادَ التأبيدَ في عبادةٍ أو حكمٍ من الأحكامِ، فيفسدُ علينا بابُ العلم بذلك، وفي ذلك إبطال كونه سبحانَهُ قادراً على إعلامنا بالتأبيدِ لبعضِ ما يريدُ تأبيدَه من الأحكامِ والشرائعِ.
فيقال: بل قَدْ بقي ما يمكنُ إعلامنا بهِ إرادةَ التأبيد، بأنْ يقول: ولسْتُ أنسخُهُ، ولِا أغيِّره، كما أنَّهُ أعلَمنا في حقِّ نبيِّنا ﷺ بأَنَه (١) لا نبيَّ بعدَه، ولا مغيِّرَ لشريعتِهِ، ولا ناسخَ لها، أو يَضْطَرَّنا إلى معرفةِ ذلكَ بوجهٍ من وجوهِ الاضطرارِ.
стр. 1856
ومنها: أنْ قالوا: قد أجمعنا على أنَّ الخبرَ لا يجوزُ نسخه، وما ذلكَ إلا لأنَّ نَسخ الأخبارِ يعودُ بكونها كذباً، كذلكَ وجبَ أن لا يقالَ بنسخِ الأوامر والنواهي، لأنَّهُ يعودُ بكونهِ بداءً.
فيقالُ: أمَّا استطرادُكم بذكرِ البداءِ، فقد مَضى الكلامُ عليه، وفيه ما يغني عن إعادته (١).
وأَمَّا (٢) إلزامكم الخبر، فلا يلزمُ؛ لأنَّ الخبرَ إمّا بماضٍ أو مستقبل، فالخبر بالماضي إعلامٌ بما كانَ، والخبرُ عن المستقبل إعلامٌ بما سيكون، وليس يمكن إخراجُ أحدِهما ومعه لفظٌ يرفعهُ إلا ويقعُ محالاً، فنقول: قامَ زيدٌ أمس، لم يقُمْ زيدٌ أمس، وقامَ ولم يقمْ متنافيانِ، والمتنافي لا يجتمعُ للشيءِ الواحدِ، فلمَّا استحال أنْ يجتمع لزيدٍ القيامُ وعدمُ القيام في حالٍ واحدةٍ، لم يصح أن يجتمِعَ ذلكَ في قولٍ صحيح محكم، أو نقول في المستقبلِ: يقومُ زيد غداً، لا يقومُ زيدٌ غداً، فهًذا أيضاً محالٌ.
جئنا إلى مسألتنا، لو قالَ: استقبلوا بيتَ المقدس كذا كذا شهراً (٣)، ثمَّ تَحَوَّلُوا عنه إلى الكعبةِ، لم يتنافَ الاستَقبالُ الأولُ والثاني، ولا الأمرُ بهما، ومستحيلٌ للحكمِ الواحدِ، وهو الاستقبالُ نفياً وإثباتاً في زمانٍ واحدٍ لمكلفين مخصوصين، فهما سواءٌ في حالٍ واحدةٍ وفي حالينِ نفياً وإثباتاً.
стр. 1857
فصل
والنسخُ في القرآن على ثلاثةِ أضرب (١):
نسخُ الرسمِ فقط.
والثاني: نسخُ الحكمِ فقط.
والثالث: نسخُ الرسم والحكم.
فأمَّا نسخُ الرسم دونَ الحكمِ: فاَية الرجمِ، وهي قوله: "ولا ترغبوا عن ابائكم، فإن ذلك كفر بكم (٢)، الشيخُ والشيخةُ إذا زنيا، فارجموهما البتة ... والله عزيز حكم " (٣)، وكذلك قولُه: "متتابعات" (٤)
стр. 1858
في صومِ كفارةِ اليمينِ، فهذان نطقان نسخا، وبقي حكمهما؛ الرجمُ في حقِّ المُحصَنَيْنِ إذا زنيا، والتتابعُ في صومِ الأيام الثلاثةِ في كفارةِ اليمين (١).
وأما ما نسخ حكمه، وبقي رَسمُه: فمثل (٢) قولِه تعالى. ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، وقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، نُسِخَتِ الأُولى -ألاعتداد بالحوِلِ، ورمي البَعْرةِ في رأسِ الحولِ- إلى أربعة أشهرٍ وعشر (٣)، ونُسِخت
стр. 1859
الوصية للوالدين والأقربين بآيةِ المواريثِ.
وأمَّا الرسمُ والحكمُ جميعاً: فهو ما رَوَت عائشةُ ﵂: عشرُ رَضَعاتٍ معدوداتٍ، نسخنَ بخمسٍ معلوماتٍ، وماتَ رسولُ الله ﷺ وهنَّ ممَّا يُتلى في القرآن (١) وليسَ لنا في المصحفِ "عشرُ رضعاتٍ" مسطورةً، ولا الحكمُ الذي هو التحريمُ متعلقاً عليها.
والسورة التي ذكر أنها كانت كسورةِ الأحزاب، وكانَ فيها: "لو أنَّ لابن آدم واديينِ من ذهب، لابتغى إليهما ثالَثاً، ولا يملأ عينَ -ورويَ: جوفَ- ابنِ آدمَ إلا الترابُ، ويتوبُ اللهُ على من تابَ " (٢).
ولا نعلمُ أكان فيها حكمٌ، أم كانت قصصاً ومواعظَ وآداباً (٣)؛ فهذه جملةٌ لا يُستغنى عن ذكرِها.
وذهبَ قومٌ إلى أنَّه لايجوزُ قِسْمٌ منها، معَ موافقتِهم في جواز النسخ في الجملة، والذي منعوا منه: نسخُ الرسم مع بقاءِ الحكم.
فصلٌ
في الدلالةِ على جوازِ نسخِ الرسمِ مع بقاءِ حكمه
وهي أنَّ الحكمَ قدْ يَثْبتُ (٤) لا بقرآن، والقرآنُ قدْ يَثْبتُ خالياً من الأحكامِ (٥)، فالأحكامُ الشرعية قد تَثْبُتُ بقولِ النبي ﷺ الذي لا
стр. 1860
إعجازَ فيه، وذلكَ ما تَضمَّنَتْه هذه السننُ المرويةُ عنه ﷺ في الأحكامِ، والتلاوةُ المجردة عن الأحكام: القصص، وذكرُ السِّيَرِ، وذكرُ الجنةِ والنارِ، وصفة القيامةِ، وإذا كانَ كلُّ واحدٍ من الرسم والحكمِ منفصلاً، وليسَ من ضرورةِ أحدِهما وجودُ الآخر، صارا كالعبادتين والحكمينِ المختلفينِ، يجوزُ نسخُ أحدِهِما منفكَّاً عن نسخِ الآخرِ، فيُنسخُ (١) أحدُهما، ولا يُنسخُ الآخرُ.
فإن قيل: الحكمُ مع التلاوةِ، كالتنبيهِ مع الخطاب، والدليل مع النطق، والعلَّةِ مع المعلولِ، ولا يجوزُ أنْ يُنسخ الَخطابُ، ويبقى دليلُه، ولا التنبيه، ويبقى حكمُهُ وأَوْلاه، ولا العلَّةُ، ويبقى حكمُها، كذلكَ الرسمُ مع حكمِهِ.
فيقال: معنى الدليلِ: هو ما استفدناه من معنى تعليق الحكمِ على أحدِ وصفي الشيء، والتنبيه: ما استفدناه من فحواهُ، ومن المحال أن يثبتَ ذلك عن [غير] نطقٍ، وأمَّا الحكمُ فبخلافِ (٢) ذلك، لأنَّه إذا رفعت الآية من المصحف، لم تخرج عن أن تكون مما خوطب [به]، والحكم قد ثبت بقول الرسول ﷺ وإن لم يكن قرآناً، وقد يردُ في الأخبارِ: "يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي، فليظنَّ بي عبدي