ومنها: أنْ قالوا: قد أجمعنا على أنَّ الخبرَ لا يجوزُ نسخه، وما ذلكَ إلا لأنَّ نَسخ الأخبارِ يعودُ بكونها كذباً، كذلكَ وجبَ أن لا يقالَ بنسخِ الأوامر والنواهي، لأنَّهُ يعودُ بكونهِ بداءً.
فيقالُ: أمَّا استطرادُكم بذكرِ البداءِ، فقد مَضى الكلامُ عليه، وفيه ما يغني عن إعادته (١).
وأَمَّا (٢) إلزامكم الخبر، فلا يلزمُ؛ لأنَّ الخبرَ إمّا بماضٍ أو مستقبل، فالخبر بالماضي إعلامٌ بما كانَ، والخبرُ عن المستقبل إعلامٌ بما سيكون، وليس يمكن إخراجُ أحدِهما ومعه لفظٌ يرفعهُ إلا ويقعُ محالاً، فنقول: قامَ زيدٌ أمس، لم يقُمْ زيدٌ أمس، وقامَ ولم يقمْ متنافيانِ، والمتنافي لا يجتمعُ للشيءِ الواحدِ، فلمَّا استحال أنْ يجتمع لزيدٍ القيامُ وعدمُ القيام في حالٍ واحدةٍ، لم يصح أن يجتمِعَ ذلكَ في قولٍ صحيح محكم، أو نقول في المستقبلِ: يقومُ زيد غداً، لا يقومُ زيدٌ غداً، فهًذا أيضاً محالٌ.
جئنا إلى مسألتنا، لو قالَ: استقبلوا بيتَ المقدس كذا كذا شهراً (٣)، ثمَّ تَحَوَّلُوا عنه إلى الكعبةِ، لم يتنافَ الاستَقبالُ الأولُ والثاني، ولا الأمرُ بهما، ومستحيلٌ للحكمِ الواحدِ، وهو الاستقبالُ نفياً وإثباتاً في زمانٍ واحدٍ لمكلفين مخصوصين، فهما سواءٌ في حالٍ واحدةٍ وفي حالينِ نفياً وإثباتاً.
стр. 1857
فصل
والنسخُ في القرآن على ثلاثةِ أضرب (١):
نسخُ الرسمِ فقط.
والثاني: نسخُ الحكمِ فقط.
والثالث: نسخُ الرسم والحكم.
فأمَّا نسخُ الرسم دونَ الحكمِ: فاَية الرجمِ، وهي قوله: "ولا ترغبوا عن ابائكم، فإن ذلك كفر بكم (٢)، الشيخُ والشيخةُ إذا زنيا، فارجموهما البتة ... والله عزيز حكم " (٣)، وكذلك قولُه: "متتابعات" (٤)
стр. 1858
في صومِ كفارةِ اليمينِ، فهذان نطقان نسخا، وبقي حكمهما؛ الرجمُ في حقِّ المُحصَنَيْنِ إذا زنيا، والتتابعُ في صومِ الأيام الثلاثةِ في كفارةِ اليمين (١).
وأما ما نسخ حكمه، وبقي رَسمُه: فمثل (٢) قولِه تعالى. ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، وقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، نُسِخَتِ الأُولى -ألاعتداد بالحوِلِ، ورمي البَعْرةِ في رأسِ الحولِ- إلى أربعة أشهرٍ وعشر (٣)، ونُسِخت
стр. 1859
الوصية للوالدين والأقربين بآيةِ المواريثِ.
وأمَّا الرسمُ والحكمُ جميعاً: فهو ما رَوَت عائشةُ ﵂: عشرُ رَضَعاتٍ معدوداتٍ، نسخنَ بخمسٍ معلوماتٍ، وماتَ رسولُ الله ﷺ وهنَّ ممَّا يُتلى في القرآن (١) وليسَ لنا في المصحفِ "عشرُ رضعاتٍ" مسطورةً، ولا الحكمُ الذي هو التحريمُ متعلقاً عليها.
والسورة التي ذكر أنها كانت كسورةِ الأحزاب، وكانَ فيها: "لو أنَّ لابن آدم واديينِ من ذهب، لابتغى إليهما ثالَثاً، ولا يملأ عينَ -ورويَ: جوفَ- ابنِ آدمَ إلا الترابُ، ويتوبُ اللهُ على من تابَ " (٢).
ولا نعلمُ أكان فيها حكمٌ، أم كانت قصصاً ومواعظَ وآداباً (٣)؛ فهذه جملةٌ لا يُستغنى عن ذكرِها.
وذهبَ قومٌ إلى أنَّه لايجوزُ قِسْمٌ منها، معَ موافقتِهم في جواز النسخ في الجملة، والذي منعوا منه: نسخُ الرسم مع بقاءِ الحكم.
فصلٌ
في الدلالةِ على جوازِ نسخِ الرسمِ مع بقاءِ حكمه
وهي أنَّ الحكمَ قدْ يَثْبتُ (٤) لا بقرآن، والقرآنُ قدْ يَثْبتُ خالياً من الأحكامِ (٥)، فالأحكامُ الشرعية قد تَثْبُتُ بقولِ النبي ﷺ الذي لا
стр. 1860
إعجازَ فيه، وذلكَ ما تَضمَّنَتْه هذه السننُ المرويةُ عنه ﷺ في الأحكامِ، والتلاوةُ المجردة عن الأحكام: القصص، وذكرُ السِّيَرِ، وذكرُ الجنةِ والنارِ، وصفة القيامةِ، وإذا كانَ كلُّ واحدٍ من الرسم والحكمِ منفصلاً، وليسَ من ضرورةِ أحدِهما وجودُ الآخر، صارا كالعبادتين والحكمينِ المختلفينِ، يجوزُ نسخُ أحدِهِما منفكَّاً عن نسخِ الآخرِ، فيُنسخُ (١) أحدُهما، ولا يُنسخُ الآخرُ.
فإن قيل: الحكمُ مع التلاوةِ، كالتنبيهِ مع الخطاب، والدليل مع النطق، والعلَّةِ مع المعلولِ، ولا يجوزُ أنْ يُنسخ الَخطابُ، ويبقى دليلُه، ولا التنبيه، ويبقى حكمُهُ وأَوْلاه، ولا العلَّةُ، ويبقى حكمُها، كذلكَ الرسمُ مع حكمِهِ.
فيقال: معنى الدليلِ: هو ما استفدناه من معنى تعليق الحكمِ على أحدِ وصفي الشيء، والتنبيه: ما استفدناه من فحواهُ، ومن المحال أن يثبتَ ذلك عن [غير] نطقٍ، وأمَّا الحكمُ فبخلافِ (٢) ذلك، لأنَّه إذا رفعت الآية من المصحف، لم تخرج عن أن تكون مما خوطب [به]، والحكم قد ثبت بقول الرسول ﷺ وإن لم يكن قرآناً، وقد يردُ في الأخبارِ: "يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي، فليظنَّ بي عبدي
стр. 1861
خيراً" (١) "يقول الله: الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزاري، فمن نازعني فيهما قصمته" (٢)، وفي خبرٍ آخر: "يقولُ الله: أنا أغنى الأغنياء عن الشركِ" (٣)، والسنن في ذلك كثيرة، لكنَّها ليست قرآناً، ولا يجعلُ لها حكم القرآن، وتتعلقُ عليها أحكامُ الأحاديثِ، كذلك آيةُ الرجمِ إذا نسخ رسمُها، فإنما ترفعُ عن المصحفِ، قال عمر: لولا أن يقول النَّاسُ زاد عمر فيَ كتاب الله، لكتبتُها في حاشيةِ المصحف (٤). فدلَّ ذلك على أنَّ معنى نسخ الرسم: رفعه عن أن يكونَ قرآناً، وليس بخروجها عن كونها قرآنا تخرجُ عن كونها صالحةً للحكم، كالسنن كلِّها.
ولأنَّه ﷺ رجم، فاستدمنا الحكمَ بفعله، وفعلهُ صالحٌ للإيجاب،
стр. 1862
فقد بانَ بذلكَ أنَّ الحكمَ ما بقيَ بعدَ زوالِ مُوجِبِه، لكن بقيَ بدلالةٍ صالحةٍ لابتداءِ الحكمِ بها، ونحنُ لم نضمن في هذه المسألة أنَّ الحكم الذي ما ثبت إلا بالآيةِ بقيَ بعدَها قائماً بنفسه، وإنَّما ضمِنا بقاءَ الحكمِ بعدَ نسخِ الآيةِ، وأنَّه ليسَ من ضرورةِ نسخها نسخُه، لما بيَّنا من أنَّ الله سبحانه يجوز أن يجدِّد علة الحكم.
فصلٌ
وهل يجوزُ أن يَمسَّها المُحدِثُ، ويتلوها الجُنُبُ؟ يحتمل: أن لا يجوزَ وتبقى حرمتُها، كبيتِ المقدس؛ نسخَ كَونُه قبلةً، وحرمتُه باقيةٌ، ويحتملُ: أن لا تبقى حرمتُهاَ المذكورةُ، كما لم تبقَ حرمةُ كَتْبِها في المصحف.
وهي أشبهُ شبهاً بالحِجْر، فإنَّه كان من البيتِ، وهَمَّ النبي ﷺ أنْ يَرُدَّ قواعدَ البيتِ عليه (١)، كما همَّ أعمر، بكَتْبِ (٢) الآيةِ في المصحفِ.
ولن يضرَّ الاحتمال الأول؛ أمّا بكون ما حرَّمه يقتضي الطهارة، فهي باقيةٌ في الحِجْرِ، وأمَّا [نَفي] الحرمة عن الطهارِة، فقد استويا فيه، فبناءُ (٣)
стр. 1863
الحِجرِ لا يُستقبَلُ (١) هواؤُه، ولا يعتدُّ بالصلاةِ إليه، بخلافِ هواءِ (٢) الكعبةِ في العلو، إذا صعد على أبي قبيس (٣)، وكذلك لو هُدِمَت العمارةُ (٤)، جازَ استقبالُ هوائِها بخلافِ الحِجْرِ، وخروجُ الحِجر عن خصيصةِ القبلةِ في الصلاةِ، كخصيصةِ القراءةِ في آيةِ (٥) الرجم، لا تنعقدُ بها الصلاةُ على قولِ مَنْ جوَّزَ قراءة اَيةٍ غيرِ الفاتحةِ (٦).
فصلٌ
في شبهةِ المخالِفِ: بأنَّ الحكمَ إنَّما يثبتُ بالآيةِ، فإدْا نسِختْ، لم يبقَ حُكمُها بعدَها، كما لم يَتخلفِ (٧) المعلولُ بعدَ زوالِ العلةِ، والعلمُ بعدَ زوالِ عالمهِ، والعالمُ عالماً بعدَ زوالِ علمهِ.
فيقالُ: نحنُ قائلونَ بموجبِ هذهِ الدلالةِ، وأنَّ العلَّةَ المُوجبةَ لا يبقى الحكمُ بعدَها، ككونِ الَمتحرِّكِ متحركاً، وكونِ الحيِّ عالمَاً، لا يبقى بعدَ زوالِ الحركةِ والعلمِ.
فأمَّا العلة الشرعية التي هي دلالةٌ على الحكمِ، فقد (٨) يبقى الحكمُ
стр. 1864
بعدَ زوالِها؛ لأنَّ المدلولَ ليسَ من شرطهِ بقاءُ دليلِه (١)، وقدْ يخْلُفُ العلةَ الأولى غيرُها، كما يخلفُ الدلالةَ غيرُها.
ويتحقَّقُ من هذهِ الدلالةِ: أنَّهم لا يخالفونَ في المعنى؛ لأنَّهم إنْ قالوا: لا يبقى الحكمُ الذي لا طريقَ لثبوتِهِ بعدَ (٢) نسخِها، فصحيحٌ، وإنْ قالوا: إنَّ الرسمَ إذا رُفعَ عن المصحفِ، وقيلَ لنا: لا تضعُوها في المصحفِ، وكونوا على حكمِها، أو قامتْ دلالةٌ تصلحُ لإثباتِ الحكمِ بعدَ رفع رسمِها، لم يثبت الحكمُ، فهذا بعيدٌ من القولِ؛ لأنَّ لله سبحانَهُ إثباتَ الحكمِ بغيرِها من الأدلَّةِ، إذ ليسَ يختصُّ إثباتُ أحكامِ الشرعِ بالقرآنِ.
ولأنَّ الله تعالى قالَ في النبي ﷺ : ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، فإماتة النبي محوٌ لرسمه، ولا تتعطل الأحكام بموته، كدْلك [مَحْوُ] رسمِ الآيةِ من المصحفِ.
ويصلحُ أنْ يجعلَ من الجوابِ دلالةً في المسألةِ (٣).
فصل
فيما ينسخُ الحكمُ إليه (٤)
فاعلم أن الحكم قد ينسخ إلى بدل، كنسخ الحول في حقِّ المعتدة عن وفاة زوجها إلى أربعة أشهر وعشرٍ، وهذا نسخ إلى بدلٍ
стр. 1865
هو أيسر منه وأخف، لكونه نسخَ واجبٍ إلى واجب.
ومثله: نسخُ القبلةِ إلى الكعبة، نسخ واجب إلى واجب أيضاً، لكن الثاني كالأوَّل؛ ليس فيه تخفيفٌ، ولا تخييرٌ، ولا تقليلٌ.
ومن ذلك أيضاً: نَسخُ الصوم المخيَّرِ بين إيقاعِهِ أو الفديةِ في حقِّ الصحيح القادر على الصوم، نسِخَ إلى صوم منحتم لا تخييرَ فيهِ، فهذا نسَخ واجب إلى واجب، لكن الأولُ موسَّع والثاني مضيَّقٌ، وبقيَ عندَنا في حقِّ الحاملِ والمُرضع إيجابُ الفديةِ لا على وجهِ التخييرِ، بَلْ إنْ خافتْ على جنينِها أو ولدِها حالَ الرضاعِ، فلا يحلُّ لَها الصوم، وعليها الفديةُ، وإن لم تخفْ، فلا يحلُّ لها الإفطار.
ولنا نسخُ واجب إلى مباحٍ، فالصدقة المقدَّمة على مناجاةِ رسول الله ﷺ (١)، نُسِخَتْ إلى جوازِ فعلها وجوازِ تركِها (٢).
ولنا نسخ واجب إلى ندب وواجب، كالمصابرة في الحرب، الواحد منا للعشرة من المشركين، ونسخ إلى وجوب مصابرة اثنين، وندب إلى ما زادَ على الاثنين (٣).
стр. 1866
ولنا نَسْخٌ مِنْ حَظْرٍ إلى إباحة، وهو نسخه تحريم الجماعِ والأكلِ بعد النومِ، نسخه (١) بقوله: ﴿أُ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، إلى قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلى آخر الآية.
ومثلُ: حظرِه زيارةَ القبور، ثم قال: "فالآن زورُوها، ولا تقولوا هُجْراً" (٢).
فصل
ويجوزُ نسخُ الحكمِ إلى مثلِه، وأخفَّ منهُ، وأثقل، وبهِ قالت الجماعةُ (٣)، خلافاً لبعض أهلِ الظاهر، حكاه الخَرَزي في مسائله، وأنهم منعُوا نسخَ الأخفِّ إلى الأثقلِ، وذهبَ إليه ابن داود (٤).
ولأصحابِ الشافعي وجهان كالمذهبينِ (٥)، ووافقنا الأكثرون منهم.
стр. 1867
وذهبَ قومٌ: إلى المنع من ذلكَ عقلاً، وأجازُوه سمعاً، غيرَ أنَّهم زعمُوا أنَّه لم يرِد.
وقال قومٌ: يجوزُ عقلاً، لكن السمع وَرَدَ بالمنعِ منه.
فصلٌ
في أدلتِنا
فمن ذلكَ: أنَّ الله سبحانه أوجبَ الصومَ في ابتداءِ الإسلامِ على الوجهِ الأسهلِ، وهو التخييرُ بينَ التعبدِ بهِ، وبينَ الفديةِ في المالِ، وَحَتَّمَه بصومِ رمضان، فقال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فهذا نسخُ الأسهل بالأثقلِ.
وكذلك كان الحدُّ على الزنى، الحبسَ في البيوتِ، والتعنيفَ، والأذى بالتَّهْجين (١)، ونسخ ذلك بالضربِ بالسياطِ، والتغريب عن الوطنِ في حقَ الأبكار، والرجم بالحجارة في حق الثيبِ، وهذْا نسخٌ للأسهلِ إلى الأكبرِ والأثقل.
وكذلكَ كان الصفحُ والِإغْضاءُ والعفوُ، ثمَّ نُسِخَ ذلك بقتلِ المشركينَ كافةً وقتالِهم، وهو أصعبُ وأشدُّ.
وأمَّا من جهةِ الاستنباط: فإنَّ النسخَ قد يكونُ لأجلِ الأصلح، وكم من أصلح قد يكونُ بتكليف الأثقلِ والأشقِّ، وقد يكونُ بالمشيئة المطلقةِ، وكم يقعُ بها الأثقل، كما يقعُ عنها الأسهلُ.
стр. 1868
ومن ذلك: أنَّهُ إذا جازَ أنْ يزيدَ في التكليفِ، فيَضُمَّ صوماً إلى صلاة، وحجاً إلى صومٍ، ويبتدىءَ بتكليفِ عبادةٍ بعدَ أنْ لم تكنْ، ومعلومٌ أنَّ الإسقاطَ رأساً، وعدمَ الإيجاب، كانَ بالإضافةِ إلى التكليفِ المبتدأ أسهلَ، والواحدةُ من العباَداتِ أسهلُ من الثنتين والثلاثةِ (١)، وقد جازَ ذلك، فالرفعُ للأسهلِ، وإيجابُ الأصعبِ، لا يزيدُ على إيجابٍ، بعد عدمِ إيجابٍ، وتزايدِ عباداتٍ على ما كان قبل الزيادةِ من العبادَةِ الواحدةِ. وهذهَ طريقةٌ لا انفصالَ عنها.
ومن ذلك: أنَّ الأثقلَ أكثر ثواباً، وكما يجوزُ النَّسخ إلى الأسهل لطفاً بهم في دار الدنيا، وتسهيلاً عليهم، يجوزُ أن ينسخَ إلى الأثقل، ليضاعفَ لهم ثوابَ الآخرةِ، والأغلبُ في التكليفِ (٢) مصالحُهم العائدةُ لدار (٣) الآخرة وثوابِها، ولهذا يبدأ بتكليفِ الأسهلِ، ويبدأ بالصعبِ.
ومن ذلك: أن الله سبحانه يغيِّر من حالِ المكلَّفِ؛ صحةً إلى مرض، وغنىً إلى فقر، وسعةً إلى ضيق، كما أنه يفْعلُ بعكسِ ذلك، فيوسِّعُ (٤) بعد الضيق، ويعافي بعدَ المرض، وإذا جازَ ذلك في بلاويه وامتحاناته، كذلك في باب تعبداته، والكلُّ امتحانٌ يتضمن التكليفَ بالطاعةِ له والتسليمِ، فلا فرقَ بينهما، ولهذا ألزمنا المنكرينَ للنسخِ الجاعلينَ له بداءً تغييرَ أحوال الشخص، من صحةٍ إلى سقم، وشبيبة إلى هرم، ووجودٍ إلى عدم.
стр. 1869
فصول (١)
في شبهاتِ المخالفِ
فصل
فيما تعلَّقوا به من السمع
قولُه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، فكأنه يقول: إنَّما أردتُ بكم التخفيفَ، لعلمي بأنَّي خلقتكم ضعفاء، وهذا خبر لا يجوزُ أن يقعَ بخلاف مخبَرهِ، وفي نسخِ الأخفِّ إلى الأثقل ما يفضي إلى ذلك، وما يفضي إلى غيرِ الجائز على الله، باطلٌ في نفسهِ.
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ورفعُ الأسهلِ، وتكليفُ الأثقلِ، غايةُ العسرِ الذي نفاه الله عن نفسهِ، فكلُّ مذهبِ أدَّى إلى مخالفةِ خبرِ البارئِ باطلٌ مردودٌ.
وقوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، والإصر: الثقل، فأخبر أنه يضعُ الإِصرَ الذي حمله الأمُم قبلهم، فكيفَ (٢) يزيدُ ما خفف (٣) به عنهم في شريعتِهم بما يثقل بِه عليهم؟ وقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، ومعلوم أنَّه لم يرِد ﴿بخيرِ منها﴾ فضيلةَ؛ لأنَّ القرآنَ لا
стр. 1870
يتفاضلُ في نفسهِ، لم يبقَ إلا أنَّهُ أرادَ بالخيرِ: الأخفَّ والأسهلَ.
وقوله في المصابرةِ بعدَ إيجابِها على الواحدِ بعشرةٍ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦]، وهذا تصريخ بالنسخِ للأَصعب بالأَخف الأَسْهلِ.
فصلٌ
في جمعِ الأجوبةِ عن هذهِ الآيات الكريمة (١)
أمَّا قولُه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، فهوَ خبرٌ من اللهِ سبحانَه لا نُحيلُ (٢) فيه تَثقِيلَه بابتدائِه بالتكليفِ الشاقُّ، فلا يؤثرُ فيه نسخُه الأسهلَ بالشَّاقِّ الأثقلِ، ولا يعطي أيضاً إخبارُه بإرادتهِ التخفيفَ عنا الفورَ، بل يجوزُ أن يكونَ المرادُ به تخفيفاً عنا أثقالَ الآخرةِ؛ بثوابِ أعمالِنا الثقيلةِ على طباعِنا في الدُّنيا، أو تخفيفاً بالإضافةِ إلى المشاق التي كلَّفها مَن قَبلَنا، وما قبلَ هذا من الآيةِ يشهدُ لما ذكرنا؛ من قوله سبحانه: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]، والميلُ العظيمُ إلى مخالفة الشرعِ تخفيف في الحالِ لأثقالِ التكليفِ، لكنَّه لما آلَ إلى العذابِ الدائم، وفوات (٣) النَّعيم، قابله بقولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، باثقالِ التكليفِ المفضيةِ بكم إلى المنافعِ الدائمةِ، والعَربُ تُسمَّي الشيءَ بعاقبتِهِ، قال الله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]، ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، مع إخبارِهِ عنهم، بقولِه (٤): ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ [القصص: ٩]، وتقول:
стр. 1871
لدوا للموتِ وابنو للخرابِ (١)
[وقال تعالى]: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]، فسَمَّتِ (٢) الشيءَ بعاقبتِهِ، مضرةً كانت، أو منفعةً.
والذي يوضح [ذلك]: أن هذهِ الآية لا تمنعُ أثقالَ تكاليفهِ المبتدأةِ، وبلاويه في الأموال والأبدانِ، والدواهي الثقيلةَ على الطباعِ، وغيرَ ذلك؛ مما [لا] يسوغُ لمسلم أن يقول: إنه يُخرِجُ قولَه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، عن الصدق، بل الواجبُ تأويلُ ذلك على ما يوجبُ تخفيفاً لا بد أن يقع، إما الآنَ أو في الثاني، فليس تختص مُناقضَةُ الخبر بنفي التخفيفِ في النسخِ خاصةَ، بل بكلً تثقيلِ، فكل ما تَدفعُ به عن الآيةِ المناقضة، مع تجويزكَ التثقيلَ بتكليفِ مبتدأِ، هو الذي يَدفَعُ المناقضةَ عنها بالنسخِ للأسهلِ بالأثقلِ.
والذي يُجْمعُ به بين ثِقَلِ التكليفِ المبتدأ، وبين خَبرِه بإرادةِ التخفيفِ عنا: هو أن كل مكروهِ عادَ إلى غايةٍ محبوبةِ، حسُنَ أن يُسمى المريدُ لذلكَ المكروهِ مريداَ للمحبوبِ، ولهذا يَحسُنُ أن يقولَ الأبُ الحَدِبُ (٣) والطبيبُ الناصحُ، وقد جعلَ إيلامَ الولدِ بالأدبِ، والمنعِ من كلِّ شهوةٍ تُفضي إلى مضرةٍ، وعجَّلَ العلاجَ بالأدويةِ المُرَّةِ، وقيح العروقِ بالحديدِ، وإراقة الدماء، والمنع من الشهواتِ من الأشربةِ والأغذيةِ: إنما أريدُ، أو أَرَدْتُ بكَ التخفيفَ عنكَ والنفعَ لكَ، وتكميلَ اللذةِ، ويُشِيرُ بذلك القول: إلى صلاحِ العاقبةِ، مع كونِه مريداً لعاجلِ المضرة والبغضةِ والألم، فبانَ أنَّه
стр. 1872
ليسَ بينَ الخبر في الآية، وبينَ نسخِ الأسهلِ بالأثقلِ، اختلافٌ، ولا تناقضْ.
على أنه قد يصح نسخُ الخبرِ على هذا الوجه، وذلكَ أنه لو قالَ في حالِ: إنَّ الصلاةَ واجبةٌ عليكم، ثم قالَ: بعدَ وقتِ: الصلاةُ ليست واجبةَ، أمكنَ النسخُ بالثاني للأَولِ، ولا يكونُ الخبرُ كذباَ، لأنه أخبرَ في الأولِ؛ بأنها واجبةْ؛ لإيجابه لها، وأخبرَ في الوقتِ الثاني؛ بانها ليست واجبةَ؛ لانه أسقطَها، ويصيرُ الوقتانِ في اختلافِهما بالصلاةِ (١)، كالعبادتينِ المتغايرتينِ، كذلكَ قولُه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] , يجوزُ أن يكونَ المرادُ به إخباراً عن حالِ كانَ مريداً للتخفيفِ فيها، إذ كان الأصلحُ التخفيفَ، ويكونُ في حالةِ أخرى يريد الأثقلَ من التكليفِ؛ لكونه الأصلحَ، واللهُ أعلم.
وأما قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فإنه الخبرُ الراجعُ إلى تجويزِ تاخيرِ الصومِ لأجلِ السفرِ والمرضِ، وهو اليسرُ المشارُ إليه، والعُسرُ المنهى عنه تكليفُ الصومِ فيهما، ولا يجوزُ أن يكونَ المرادُ به اليسرَ العاجلَ من طريقِ العمومِ، ولا نفيَ العسرِ العاجلِ على العمومِ، لأن التكاليفَ مختلفةٌ؛ بينَ شاق ثقيلِ، وسهل خفيف، وأحوالُ المُكلفِ في الدنيا مُتردِّدةٌ بين يسرٍ وعسرٍ، فيما يعودُ إلى الرزقِ وأحوالِ الحىَّ؛ بينَ صحةِ ومرضِ، وغنىَ وفقرِ، والتكليفُ المبتدأ الذي يجيزون نسخَه إلى الأسهل، قد كان قبل نسخه مراداً لله بالإجماعِ، فعُلِمَ أنه ليس إرادتُه لليسرِ عامةَ جميعَ أحوالِ المكلفِ، ولا نفيُ إرادتِه للعسرِ عامةَ جميعَ أحوالِ المكلف، فكل دليلِ خُص به ذلك في التكليف المبتدأ، والمنسوخِ بالأخفِّ، هو الذي تخص به إرادتُه لنسخِ الأسهلِ، الأخفِّ إلى الأصعب الأثقل.
стр. 1873
على أنّا إن حملناهُ على عمومِه، على الوجه الذي ذكرناه في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، وهو أنه اْرادَ تخفيفاً في العاقبة، وتسهيلاً يَعقُبُ أثقالَ التكاليفِ، كانَ حملاً صحيحاً؛ بدلائلنا التي ذكرناها.
وأمّا قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، فإنَّه سبحانه قد خَفَّفَ من وجهِ كان قد صعبه على الأممِ قبلنا، وسهلَ ما كانَ شديداً، ولأنَّه خبرٌ، قد كان ما خَبَّرَ، وهو وضعُ الإصر عنهم، والثقلِ الذي كان على من قبلهم من الأمم.
وأما قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، فليس (١) فيهِ تصريحٌ بأثقلَ (٢) وأَخَف، لكن الخبرُ قد يكونُ بمعنى: أكثرَ ثواباً، ويحتملُ: أصلحَ، ولهذا يَحسنُ أن يقالَ: الفرضُ خيرٌ لكَ من النفلِ، وإن كان النفلُ أسهلَ، والفرضُ أشق، قال النبي ﷺ لعائشة ﵂: "ثوابُكِ على قدرِ نَصَبِكِ" (٣)، وقال الله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، فالخيرُ والفضلُ في أمرِ الدينِ يرجعُ إلى الأكثرِ ثواباً، وفي أمرِ الدنيا يرجعُ إلى الأصلحِ والأنفعِ، وليس يختص الأسهلَ، ولهذا يَحسُنُ بالطبيبِ أن يقولَ للمريضِ: الجوعُ والعطشُ أصلحُ لك، وخير لكَ من الشِّبَعِ والرَّي.
وأمّا قوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦]، فنحنُ قائلونَ بها، وأنه ينسخُ إلى الأسهلِ والأخفِّ، وليسَ فيها منع من النسخِ إلى الأصعبِ والأشقِّ.
стр. 1874
فصل
فيما تعلقوا به من الاستنباطِ وأدلةِ العقلِ
قالوا: النسخُ إنَّما يقصدُ به الأصلحُ والأنفعُ، والأقربُ إلى حصولِ الطاعةِ من خلقِه والاستجابةِ، وذلكَ إنَّما يحصلُ إذا نقلهم [من الأشَدِّ] إلى الأخفِّ، ومن الأصعبِ إلى الأسهلِ، وأما نقلُه لهم من الأسهلِ إلى الأثقلِ، فإنما يكونُ إضراراً، ثمَّ تنفيراً لهم عن الاستجابةِ، فيعودُ بضدِّ ما وُضعَ له النسخُ؛ لأنهم بالاستجابةِ يستضرونَ بالكُلْفةِ الصعبةِ، وبالمخالفةِ والنفورِ عن ذلك يستضرونَ بالمؤاخذةِ، فلم يكن للنسخِ على هذا الوصفِ وجه (١) في الحكمةِ، ولا مضاهاةٌ للوجه الشرعيَ، ولهذا قالَ تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فإذا أَلانَ أخلاقَ النبيِّ؛ لئلا ينفروا عنه، وجبَ أن لا يُثْقِلَ التكليفَ بالنسخِ الأَسْهَلِ إلى الأصعبِ الأشقِّ، وأصلُ النسخِ إنما كانَ؛ لأنَّ المللَ يعتريهم، وأنَّ الأزمانَ تختلفُ في الأصلحِ، فلكلِّ وقتٍ حكمٌ وحالٌ غير الوقتِ الآخر.
فيقالُ: إنَّ المُراعى في النسخِ هو المُراعى في أصلِ التكليفِ، والتكليفُ في وضعهِ على الكُلْفةِ، ومراغمةِ النفس والهوى والشهوةِ، والتركُ هو الأسهلُ، والتخليةُ هي التي النفوسُ إَليها أميلُ، ثمَّ ابتداءُ التكليفِ كان بالإضافةِ إلى الإطلاقِ والتخليةِ أشقَّ وأصعبَ، فإذا جازَ أن ينقلَ من تخليةٍ وإطلاق إلى تقييدٍ، ومن بطالةٍ وراحة إلى عملٍ
стр. 1875
وتعبٍ، مراعاةً لما يَؤُولُ إليه من نفعِ المجازاةِ، والمقابلةِ بالثوابِ، وهوَ النفعُ الدائمُ، والعيشُ السالمُ، فما المانعُ من نقلهِمِ من تخفيفٍ إلى تثقيلٍ؛ لتحصيلِ زيادةِ ثوابٍ، ونفعٍ آجلٍ، وإن كان تضمَّنَ ثقلاً عاجلاً؟!
على أن هذا باطلٌ بأفعالهِ سبحانه، بالنقلِ من الصحةِ إلى السُّقْمِ، والشبيبةِ إلى الهرمِ، والجدَةِ إلى العدمِ، والغنى إلى الفقرِ، وفقد الحواسِّ المستعانِ بها عَلى مصالح الدينِ والدنيا، ومَدِّ الأَعضاءِ والقوى التي هي أدواتُ مصالح الدِّينِ والدنيا، هذه كلُّها بلاوي، العافيةُ أحبُّ إلى المكلف منها، ومعَ ذلكَ فإنَّ الله ابتلاه بها، وما كان ذلك إلا لمصالحَ جَمَّةٍ، وتحصيلِ الأعواضِ الموفيةِ على الضررِ بها، وحبس النفس عن التَّشَرُدِ (١)، وتذكيراً بالنعمة، وردعا عن ارتكاب المعصيةِ، والمبتلى بها بعدَ الراحة والسلامةِ منها، هو كالمُبْتلَى (٢) بالأثقلِ من التكاليفِ بعدَ الأسهلِ منها، ولا عذرَ للمخالفِ في ذلكَ، إلا ما يعلمُ في مطاوي تلك البلاوي من المصالح، كذلك الأثقلُ في بابِ التكاليفِ بعدَ الأَخفِّ، والأسْهَلِ (٣).
فصلٌ
ويجوز نسخُ العبادةِ إلى غيرِ بدلٍ (٤)، خلافاً لبعض الأصولين: لا
стр. 1876
لايجوزُ إلا إلى بدلٍ.
لنا: أنَّه إنْ كانَ التكليفُ بحسبِ الأصلحِ: فقد يكون الأصلحُ في الإسقاطِ، كما يكونُ في التخفيفِ، وكما يكود [في] إسقاطِ البعضِ، وكما يكونُ في النقلِ إلى بدلٍ هو دونَ الأصلِ، وإن كانَ بحسبِ المشيئةِ: فقد يكونُ الله سبحانه مريداً لرفعِ العبادةِ رأساً، كما يكونُ مريداً لرفعِ البعضِ.
وأيضاً: فإنه حقٌّ للهِ، وكلُّ مستحقٍّ لحقٍّ كان له إسقاطهُ؛ كحقوقِ الآدميين، يملكُ إسقاطَ حقه عن غريمِه، وخدمةِ عبده إلى غيرِ شيءٍ، بل يبطلُه، ويعطله عن الاستخدامِ، وله أن يُسقطَ حقَّه من خدمةٍ إلى غيرها أو بعضها، وإسقاطُ دَينهِ إلى بعضِه، وإسقاطُ كله، والعفوُ عن الحَدِّ إلى ما دونه.
فصل
في الفرقِ بينَ النسخِ والبداءِ
فالبداءُ الذي لا يجوزُ على الله سبحانه، هو العلمُ بالشيء بعد أنْ لم يكن به عالماً، ومنه قول القائل: بدت لي القافلةُ، وبدا لي سورُ المدينةِ: إذا لاح بعد خفائهِ لبُعدٍ عنه، أو حائلٍ حال بينه وبينه من ظلمةٍ، أو جبلٍ، فهذا في حاسةِ النظر.
وفي العلم تقول: بدا لي ألاّ أكرمَ فلاناً؛ لِما بانَ من خَلَّةٍ فيه، أو خُلق أوجبَ لكَ إسقاطَ كرامته، وإنّما لم يجز هذا على الله سبحانه،
стр. 1877
لِما ثبتَ من وجوبِ كونهِ عالماً بكلّ معلوم، واستحال عليه تجددُ كونهِ عالماً بشيء لم يكن به عالماً.
وأمّا النسخُ: فإبدال الحكمِ بغيرهِ، أو رفعُه إلى غيرِ بدلٍ، أو رفعُه إلى ما هو أحبُّ منه أو مثلُه، أو أثقلُ، لا أنَّه تجددَ له علمٌ به، أو إرادةٌ له لم تكنْ، لكنْ علمَ وأرادَ بشريعةٍ لمدةٍ أخفاها عن المكلفين، بنطق لا تلوحُ منه المدةُ، ثم كشفَ عن علمه وإرادتِه رفعَ ذلكَ الحكمِ بعد مُضي المدةِ، التي كانت المصلحةُ أو المشيئةُ المطلقةُ موجبةً لها فيها، ثم إنه صارت حالُ المكلفِ تقتضي الرفعَ لذلكَ الحكمِ فيما بعدها، فحالُ المكلفِ تغيرت، وعِلمُ الله وإرادتُه لم تتغير.
على أن الأمرَ على مذهبنِا، قد ينفكُّ عن الإرادةِ، لأنَّه لا يقتضي الإرادةَ، وإذا ثبتَ ذلكَ، بطلَ تخليطُ اليهودِ وغيرهم النسخَ بالبداءِ.
فصل
فأمَّا الفرقُ بينَ التخصيص والنسخِ فيما يفترقانِ فيه، والجمعُ بينهما فيما يجتمعانِ فيه: فالتخصيصُ هو الدليلُ الكاشفُ عن أنَّ المرادَ بالصيغةِ المستغرقةِ للجنس لفظاً وظاهراً: بعضَ ذلكَ الجنسِ دونَ جميعِه معنىً وباطناً، وأنهَ لم يُرِد اللافظُ بها الاستغراقَ (١).
стр. 1878
ولا فرقَ بينَ أن تكونَ الدلالةُ قريبةً مضافةً أو دلالةً متأخرةً عن الصيغةِ، مثل قولهِ تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، فيقتضي ظاهرُها استغراقَهُم بالقتلِ، فإذا جاءتْ دلالةٌ، تقتضي عصمةَ أهلِ الكتابِ منهم، بإعطاءِ الجزيةِ، والتزامِ العهدِ، تبيّنا أنهُ لم يرد الاستغراقَ.
ولا يصحُّ هذا القبيلُ -أعني تخصيصَ العمومِ- في أمرٍ واحدٍ، بمأمورٍ واحدٍ، والنسخُ يكونُ نسخاً لحكم الأمرِ الوحدِ، بمأمورٍ واحدٍ بفعلٍ واحدٍ، ينسخُ بعد فرضهِ، ولا يصحُ دخولُ التخصيصِ فيه.
ومن الفرقِ بينهما: أن التخصيصَ يُخرِجُ من الخطابِ ما لم يُرَدْ به، والنسخُ يرفعُ ما أُريدَ إثباتُ حكمه.
ولا يقعُ النسخُ أبداً إلا متراخياً عن المنسوخ، كما بيناه من قبل، والتخصيصُ قد يصحُّ اتصالُه بالمخصوص، ويصحُّ تراخيه عنه.
стр. 1879
فإن قيل: إذا اتصلَ بالمخصوص استحال الاستثناءُ، وخرج عن كونه تخصيصاً (١).
ومن الفرق بينهما: أنَّ النسخَ لا يكونُ أبداً إلا بخطابٍ وقولٍ من جهة الشارع، والتخصيص قد يكون بالخطابِ وبدلالة العقل.
ومن الفرقِ بينهما: أن التخصيصَ لا ينفي دلالةَ اللفظِ المخصوصِ على ما بقيَ تحته، إن كان حقيقةً أو مجازاً -على اختلافِ القائلين بالعمومِ في ذلك-، وأما النسخُ فإنه يبطلُ دلالةَ المنسوخِ، حتى لا يمكن مع ورودِ الناسخِ أن يكون دليلاً على ما يدلُّ عليه من ثبوتِ الحكمِ في تلكَ الأزمانِ المستقبَلةِ.
وهذا الفرق موجبٌ أنْ يكونَ الناسخُ رافعاً لما ثبتَ من حكمِ اللفظِ المتقدمِ، والتخصيصُ مبيِّنٌ أنّ الحكمَ ما ثبت في المخصوصِ.
ومما يفترقانِ أيضاً فيه: أنَّ تخصيص العامّ يكونُ بخبرِ الواحدِ والقياسِ، والاستدلالُ غيرُ القياس من طرقِ الاجتهادِ، وإن كانَ تخصيصاً لأصلٍ يوجبُ العلمَ ويقطعُ العُذرَ، والنسخُ لأصلٍ هذا سبيله، لا يكونُ بقياسٍ وخبرِ واحدٍ، بل لا يصحُّ إلا بنَصٍّ.
стр. 1880
والذي يتفقانِ فيه: أن النسخَ تَبَيَّنَ بهِ مقدارُ زمانِ الحكمِ، وإخراجُه عمّا غلبَ على الظنِّ من تأبيدهِ، والتخصيصُ يبيّنُ مقدارَ الأعيانِ والأحوالِ والصفاتِ وما ينتظمهُ، بلفظِ الشمولِ، فإنَّ المرادَ به بعضُ تلك الأعيان والأحوال.
فصلٌ
فيما يجوز نسخُه من الأخبارِ وما لا يجوزُ
اختلفَ الناسُ في ذلك (١).
стр. 1881
فقال أكثرُ الأصوليينَ والفقهاءُ: محال دخولُ النسخِ على الخبرِ، ولا فَرْقَ بين خبرِ الله تعالى، وخبرِ الآدميِّ.
وقال قومٌ: يجوزُ دخولُ النّسخِ على الخبرِ، كما يجوزُ على الأمرِ والنهي والإباحةِ.
واختارَ أبو بكرٍ بن الباقلاّني المنعَ من دخولِ النّسخِ على خبرِ اللهِ ، وما يُخبرُ به الرسولُ عنه أيضاً، قال: فأمَّا ما أمَرَنا بالإخبارِ عنه في حال، فيجوزُ أن ينسخَه بأن ينهانا عن الخبرِ عنه. وهذا عندي من قولِ أبي بكر يعطي أنَّ ألنّسخَ إجازة على الحكمِ، لأنَّه إذا أمرَنا بالخبرِ عن شيءٍ، فذاك أمرٌ، والأمرُ بالإخبارِ حكمٌ من الله، فكأنَّه عادَ يقولُ: الخبرُ لا يجوزُ نسخُهُ، والحكمُ يجوزُ نسخه، فلا يكونُ هذا تقسيماً للخبر، لأنَّ الأمرَ بالخبرِ ليسَ بخبير، وللآمرِ أن يَأمرَ بالخبرِ، وله أن ينهى عن الإخبارِ بذلكَ الخبرِ، ولا يكون ذلكَ نسخاً للخبرِ، لكن للأمرِ (١) به، فيصيرُ النهيُ عنه ضرباً (٢) من
стр. 1882
الكتمِ لذلكَ المخبَرِ به والطيِّ له، بعدَ الأمرِ بنشرِه، فإخبارُنا عن الأشياءِ بمثابةِ سائرِ أفعالِنا، والخبرُ من الله سبحانه يجبُ حصولُه ووجودُه، فلا يجوزُ رفعُه، لأنَّ خبرَه كلامُه، وكلامُهُ صفةٌ، فعلى هذا الأصلِ لا يجوزُ رفعُ ما أخبرَ به، وما عادَ إلينا بالنّطقِ بالخبرِ، يدخلُ عليه الأمرُ والنهيُ لأنّه فعلٌ لنا، ويحسُنُ تكليفُنا تارةً بأن يومِىءَ له، وتارةً بأن ينهى عنه.
وعندي: أنَّه يجوزُ أن يقعَ الخبرُ من اللهِ سبحانه مطلقاً، ويكشفُ بالبيانِ عن (١) أنَّهُ أرادَ به خبراً على صفةٍ وشرطٍ.
وعلى أصلِنا أنَّه في بابِ الوعيدِ يجوزُ عليه سبحانه العفوُ عمَّا توعَّد (٢) عليه، فهذا نوعٌ من الإخبارِ، يجوزُ أنْ يقعَ على ظاهرٍ ويكونُ مشروطاً، مثل قولِه تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ [طه: ١١٨ - ١١٨] فلمَّا عريَ وبدت له سَوْأتُهُ، علمنا أنَّهُ أرادَ بقوله: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ [طه: ١١٨ - ١١٨]، [أنه] مشروط بقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] فلكَ ذلكَ معَ تركِ قُربانِها، ومثلُ قوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، ثم أُدميَ وجهُه من قِبلِ الناس، فتبيَّنّا (٣) أنه أرادَ بالعصمةِ: منعَ القتلِ أو الغلبةِ منهم الداحضةِ لماَ جئتَ به، القاطعةِ لما شَرعتَ فيه من التوحيد ودحضِ كلمةِ الشركِ، دونَ العصمةِ من الأذيَّهِ رأساً.
стр. 1883
ولمَّا جاء الوعيدُ، بقوله في آية المواريث: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ... وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١) [النساء: ١٣ - ١٤]، أراد به خالدينَ (٢) مدةَ عذابهم، خالدينَ ما لم يعفُ عن الدوامِ بشفاعةِ الشافعِ لهم. فهذه الأخبارُ من الله، يجوزُ أن تقعَ على هذا الوجهِ.
فأمَّا قولُه: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧]، ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣]، ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣]، ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] فهذا في الإثباتِ لا بُدَّ من كونِه.
وفي النفي: مثل قولِهِ: ﴿لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، ﴿لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤]، فهذا خبر لا يجوزُ رفعُهُ ولا نسخُهُ؛ لأنَّهُ يُفضي إلى وقوعِ الخبرِ بخلافِ مخبَرهِ، وذلكَ غيرُ جائزٍ على الله سبحانه.
وممّا يجوزُ عليه سبحانَهُ، ولا يمتنعُ: أن يأمرَ نبيَّه ﷺ بأنْ يقولَ: "صلوا، والصلاةُ واجبةٌ عليكم"، ويقول بعدَ وقتٍ: "الصلاةُ محرمة عليكم" فهذا يجوزُ أن يكونَ بحكمِ الوقتِ الذي أمرَ بها فيهِ، فكأنَّه يقول: "صلوا، فالصلاةُ في هذا الوقت واجبةٌ عليكم"، ويقول في وقتٍ آخر: " [لا] تصلوا (٣)، فالصلاةُ محظورةٌ عليكم"، ويكونُ وقتاً من أوقاتِ النهيِ التي تقعُ الصلاةُ فيهِ مفسدةً.
стр. 1884
وفي الجملةِ، كلُّ خبرٍ عن مستقبَلٍ يجوزُ أن يقعَ فيه نوعُ احتمالٍ، ويقعَ بحسب الاحتمالِ الخلافُ، فأمَّا الخبرُ عن الماضي فلا احتمالَ فيه، لأنَّ المستقبَلَ ممتدٌّ، يجوزُ أن يقتطعَ للخبرِ منه ما يقع المخبَرُ به بنفيٍ وإثباتٍ، حتي إنَّ الخلافَ قد يقع في لفظِ الأبدِ، وأنَّه أبدٌ من الآبادِ.
فأمَّا الماضي إذا أخبرَ بأنَّهُ كان فيه كذا، فأخبرَ بأنَّه بعثَ فيه أنبياءَ، وجرى فيه سِيَرٌ (١)، فهذا إثباتٌ لا يجوزُ أن يختلَّ، وكذلكَ إذا كانَ إخباراً عن نفيٍ في الماضي، مثل قولِه: ما بعثَ امرأةً نبيةً، ولا أباحَ الظلمَ في شريعةٍ من الشرائع، فهذا لا يمكنُ أن يعتريَهُ نوعُ احتمالٍ يُوجبُ اختلافاً، لأنَّ الماضي جملة تناهت فتناوَلَها الخبرُ بإثباتٍ كانَ فيها لا محالة، أو لم يكمت لا محالةَ.
فأمَّا المستقبَل، فإذا قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ﴾ [الفتح: ٢٧] يحسن أن لا يَدخلَ زماناً طويلاً، ثم يدخل (٢)، فيكونُ الخبرُ صدقاً، وأما الماضي لا يقال: دخلَ، إلا وقد حصل، ولا يقال: [ما] دخلَ، إلا وقد استوعبَ الماضي كلُهُ نَفْيَ الدخولِ.
وهذا فصلٌ دقيق يحتاجُ إلى تأمُّلٍ كاف (٣)، وفيه تقعُ الشكوكُ لغموضِهِ، ولهذا يحسُنُ دخولُ الشروطِ في المستقبَلاتِ، ولا تدخلُ الماضي إثباتاً كان أو نفياً، فلا يمكنُ أن تُقالَ في قولِ القائل: دخَلَ زيدٌ الدارَ، أو ما دخلَ زيدٌ الدار، [لأنه] لا يخلو من دخولِه في الإثباتِ، ولا يوجدُ منه دخولُه في النفي، بل في الخبرِ بإثباتِ
стр. 1885
دخولِه، لا بدَّ أن يكونَ حصل دخولُه الدارَ في حالةٍ من أحوالِ الماضي لا محالهَ، وفي الخبرِ بنفي دخولِه يجبُ أن يكونَ الزمانُ الماضي خالياً من دخولِهِ الدارَ لا محَالةَ.
وفي المستقبلِ يقول: ستدخلُ، فيخلو كثيرٌ (١) من الزمانِ من الدخولِ، ويتخصَّص الإثبات بزمانِ الوقوعِ خاصةً، وما يدخُلُ الدارَ ولا يدخل، ويريدُ به زماناً ما، ولو زمانَ خبرِه حالةَ قولِه.
فصل
ولنا: تعبّدٌ لا يصحُّ نسخُه ، ويستحيلُ النهيُ عنه، وهو (٢) معرفةُ الله سبحانَهُ، فهو (٣) أصلُ التعبُّداتِ، وأساسُها الذي عليه تنبني؛ لأنَّ العباداتِ إنما هي شُكرُ المنعِمِ، ولا يتحققُ شُكرُ من لا يُعرَفُ، فلا يصحُّ أن يقالَ: قد أسقطتُ عنكم معرفتي، فلا تعرفوني، وإن صحَّ أن يقولَ: أسقطتُ عنكم شكري على إنعامي بسائرِ العباداتِ، وإنَّما كانَ ذلكَ محالاً، لأنَّ النهيَ لا يتحققُ نهياً إلا بِناهٍ، ولا يتحققُ لَنا نهيُهُ إلا بعد تحقُّقِ معرفته؛ لأن إثباتَ النهي فرعٌ على إثباتِ النّاهي، ولا يصحُّ أن نعرفه ناهياً، ثم إننا لا نعرفُهُ أو نُخِلُّ بعرفانِهِ، فهذا مما لا يتحصَّلُ ولا يتوهمُ حصوله، وهو في الإحالةِ والامتناعِ، مثل قول الله سبحانَهُ لشخص: اخْرُج من ملكي أو من نعمتي، فهذا لا يتحقق تحتَهُ من المعنى إلا إعدامُه، فأمَّا ما دامَ موجوداً، فلا يُتصورُ ذلكَ
стр. 1886
في حقهِ، إذْ لا مكانَ إلا وهو ملكُهُ، ولا شيء من أجزاءِ الحيِّ وأحوالِهِ وصفاتِهِ إلا وهي نعمتُه.
فصلٌ
ولنا منَ الأفعالِ ما يوصفُ بالإباحةِ ، خلافاً لما حُكِي عن الكعبيِّ في قولِه: هذا حكمٌ لا يتحققُ شرعاً، بل ليسَ لنا إلا وجوبٌ وحظرٌ، فأمّا إباحةٌ فلا (١).
فصلٌ
لنا: إجماعُ الأمةِ قبلَهُ ، المستندُ إلى نصوصِ الكتاب والسنةِ، وهو إطلاقُ الله تعالى بعد تقييدِه بالحظرِ، مثلُ قوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا﴾ [النساء: ٤٣]، ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] قال العلماءُ كلهم: هذا إطلاقٌ وإباحة ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] إباحةٌ أجمعَ عليها أهلُ العلمِ قبلَهُ.
وأيضاً، فإد الأحكامَ بحسبِ المصالحِ، والإطلاقُ من أحدِ
стр. 1887
المصالح المسهِّلَةِ، وكما أنَّ الواجبَ يجلب التعبدَ (١) [و] التكليفَ ومَكابدة الطَّبع (٢)، والحظرُ كفّ للطباعِ، فالإباحةُ إطلاق وإراحة للطباعِ، وخروج عن ضنكِ التكليفِ إلى فساحِ التخلصِ والإطلاقِ.
فأمَّا شبهتُهُ، فإنَّه قالَ: قد أجمعنا على أن لنا واجباتٍ في الشرع من العباداتِ وغيرِها من الحقوقِ، ومحظوراتٍ يجبُ تجنّبُها، وكلّ ما لا يمكنُ فعلُ الواجبِ إلا به فواجب، وكل ما لا يمكنُ تركُ المنهيِّ إلا بفعله واعتمادهِ فواجب فعلُهُ، وهذه الصنائع والأعمالُ التي يُسمُّونها مباحةً، قاطعة عن المحظوراتِ ومشغلةٌ عنها، فكانتْ واجبةً، كالكفِّ لمّا كانَ منعاً من إيقاعِها كان واجباً، والأعمالُ كلُّها كفّ (٣) عن المنهياتِ فكانت واجبةً لا مباحةً، كالمُوصلاتِ إلى فعلِ الواجباتِ كلها، كالسبب إلى طلب ماءِ الطهارةِ، والستارةِ وجهةِ القبلةِ لأجلِ الصلاةِ أفعال واجبةٌ، لكن الواجبُ -وهي الصلاةُ- لا تتحقق إلا بتحصيلها، كذلك التروك للمعاصي لما كانت لا تتحقق إلا بكفٍّ (٤) عن الفعلِ، إما باشتغالٍ بفعلِ غيرِها، أو بتعطيل (٥) الأعضاءِ عن عملِها، كانَ ذلكَ كلُّه واجباً حيثُ كانَ تركاً لما وجبَ تركُهُ، فلا يبقى لنا شيءٌ مباحٌ.
стр. 1888
فيقال: إنَّ هذه الشبهة إنما دخلت على هذا الرجلِ من حيثُ ظنَّ أنَّ كل ما أُحيلَ به فعلُ المعصيةِ، ولم يمكن إيقاعها معه، هو تركٌ.
وليس الأمر على ما وقعَ له، وقد وقعَ ما يقاربُ هذا لمن قال: إنَّ الأمرَ بالشيءِ نهيٌ عن ضدهِ، ظناً منه أنَّهُ لم يمكن الفعلُ للشيءِ مع فعل ضدهِ، لأَنَّه (١) يكونُ تاركاً لضدهِ، وليسَ الأمرُ كذلك، بل استحالةُ اجتماع الضدينِ، أعني: عن دخولِ الضدِّ الذي إذا وقعَ، امتنعَ الفعلُ المَأمورُ به، أعني: عن أن يصفه بالنهي، بل صار القعودُ عند الأمرِ بالقيامِ ممتنعَ الحصولِ، فلا يحتاجُ أن يكون منهياً، ولا داخلاً تحتَ الخطاب، كذلك ها هنا إذا قال الله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] وَجَبَ تَجنُّبُ الزنى، فإذا دخلَ في عملٍ من الأعمالِ، استحال وقوعُ الزنى حالَ عملِهِ الذي لا يُتصوَّرُ معه حصولُ الزنى، فلم يكُ تاركاً في تلكَ الحالِ، وما هو إلا بمثابةِ شغلِه بالفعلِ المحظورِ، كالقتلِ ظلماً يمتنعُ بذلك وقوعُ الزنى، ولم يُجعل القتلُ الظُّلْمُ واجباً، من حيثُ كان به للزنى تاركاً، وفي هذا تمحيقٌ للأحكام، لأنَّهُ يفضي إلى أنْ لا يكونَ لنا معصيةٌ محضةٌ؛ حيث كان يفعل كُلَّ واحدةٍ من المعاصي تاركاً للأخرى وتركُها (٢) واجبٌ، فكلُّ فعلِ معصيةٍ ممزوجٌ بين واجبِ -وهو تركُ الأخرى-، ومعصيةٍ -وهو فعلُها-، وذلك لاندراجِ التركِ لمعصيةٍ في فعلِ معصيةٍ أخرى.
ويكون أيضاً بهذا المذهبِ لا نوافلَ لنا؛ لأنَّ النوافلَ مشغلةٌ عن
стр. 1889
الرِّبا، واللواطِ، والزنى، والقتلِ، وهو حال اشتغاله (١) بها تاركٌ لتلكَ المعاصي، وتلك المعاصي تركُها واجبٌ، فلا نافلةَ لنا إذاً، حيث كان فعلُها تركاً للواجب (٢) تركُهُ، وفي هذا تعطيلٌ للأحكامِ بعضِها ببعضٍ، وخرقٌ للإجماعِ.
ولأنَّ في الأعمال ما يقعُ معيقاً (٣) ومانعاً من المحظوراتِ بصورتِهِ؛ بذهول (٤) فاعلِهِ عن قصدٍ ونيةٍ، فلا يكون تاركاً تركاً يكونُ بهِ ممتثلاً، فضلاً [عن] أن يكونَ واجباً، فبطلَ قولُكم: إنه لا فعلَ إلا واجبٌ؛ لكونه لا يتم تركُ المحظورِ إلا به، ومع الذهول وعدمِ القصدِ لا يكونُ طاعةً، فضلاً [عن] أن يكونَ واجباً.
وجوابٌ آخر: أنَّ الأعمال الشاغلةَ لأدواتِ المكلفِ وأبعاضِه، يتعطلُ معها فعلٌ آخرُ من عصيانٍ أو طاعةٍ من طريقِ المنافاةِ، وما تعذَّرَ حصولُه بوجودِ منافيهِ لا يُسمى متروكاً، ولا يتحققُ لفاعلِه التركُ، ومن ها هنا ظنَّ قومٌ: أنَّ الأمرَ بالشيءِ نهيٌ (٥) عن ضدِّه، وليس كما ظنوا؛ فإنَّ الإنسانَ إذا قال لعبده: اخْرُجْ من الدارِ، لا يَحسُنُ أنْ يقول له بعدَ هذا: ولا تكنْ فيها إذا خَرَجْتَ، ولا يحسُتُ أنْ يقول له: اجْلِسْ، ولا تكن قائماً إذا جلستَ، وما لم يَحسنِ التصريح به، بل يقبحُ، يُعلمُ به بطلانُ المدعى لكونه [ثابتاً] ضمناً، وإنما قَبُحَ ذلك، لأنَّ الأمرَ بالخروجِ أمرٌ صحيحٌ داخلٌ تحت قدرِ
стр. 1890
المأمورِ، فأمَّا [عدمُ] الكونِ في الدارِ بعدَ الخروجِ، فحاصلٌ بضرورةِ منافاةِ الحصولِ فيها (١) مع الخروجِ، فلا يكونُ نهياً لحصوله ضرورةً، وإنما النَّهي هو استدعاءُ ما يدخلُ تحتَ القدرةِ، وذلكَ قد حصلَ في الأمرِ بالخروجِ، وصارَ عدمُ كونِه في الدارِ مضطراً إليه، وحاصلاً بالمنافاةِ لا بفعلِهِ؛ ولذلك لا يوصف بالقدرةِ على المخالفةِ مع الطاعةِ، بل لا يوصفُ إلا بالقدرةِ على الخروجِ، فقط، فأمَّا الكون في الدارِ بعدَ الخروجِ، فيندرجُ انتفاؤُهُ في الخروجِ اندراجاً ضروريّاً (٢)؛ لمكانِ التضادِ، والامتناعِ في نفسِهِ.
كذلكِ ها هنا إذا فعلَ مباحاً أو نافلةً، امتنع وقوعُ المعصيةِ؛ لمكان أنَّ المحلَّ لا يحتمل فعلين، ولا نقولُ: إنهُ تارك، فلا يوصفُ بكونِهِ تاركاً، فضلاً عن أنْ يُقالَ: إنه ترك واجب؛ لأن الوجوبَ فرعٌ على كونه تركاً، ونحن لا نحققٌ له التركَ، بل هو فاعل لذلك الفعلِ المباحِ أو النفلِ، وانتفاء المعصيةِ فبمضادةِ (٣) الفعل لها في المحلِّ، وذاك لا يُسمَّى تركاً، وإنما هو تمانع وتنافٍ، يعودُ إلى امتناع الشيءِ في نفسِهِ، أو عدمِ القدرةِ على فعلِه، وماَ تعوَّقَ حصولُهُ لعدمِ القدرةِ عليه، لا يُخلَعُ على مَن لم يَفعَلْهُ اسمَ تاركٍ.
فمن ها هنا دُهي الكعبيُّ، وأنه لم يَفْصلْ بين التركِ، وتعذُّرِ الفعلِ من طريقِ التنافي، واللهُ أعلمُ.
стр. 1891
فصلٌ
لا يشترطُ للنسخِ أنْ يتقدَّمَهُ إشعارُ المكلفِ بوقوعِه .
وقالت المعتزلةُ: لا يجوزُ النسخُ إلاَّ أنْ يقترنَ بالمنسوخِ دلالةٌ أو قرينةٌ تُشعِرُ المكلفَ بالنسخِ في الجملة (١).
فصلٌ
في دلائِلنا على أنه لا يشترط ذلك
من ذلك: أنَّ النسخَ تجديدُ حكمِ، فلا يلزمُ الإشعارُ بهِ، إذْ جازَ (٢) إبهامُ العاقبةِ فيه، كسائرِ الأحكامِ المَبتدأةِ.
ومن ذلك: أنه لو وجبَ الإشعارُ بالنسخِ، لوجبَ الإشعارُ بما يتجددُ من زياداتِ العباداتِ، وما الفرقُ بينَ الزيادةِ والنقصانِ، والإثباتِ والنفيِ؟!
ومن ذلك: أنَّ في الإشعارِ تفويتَ تَعَبُّدٍ يوجبُ ثواباً جزيلاً وتكليفاً (٣) ثقيلاً، وهو أنَّ المكلفَ يُوطِّنُ نفسَهُ على استدامةِ العبادةِ فإِضمارُه (٤) ذلكَ، وعزمُه على استدامتِهِ من غيرِ إشعارٍ، أشدُّ في التعبدِ، وأثقلُ من أن يعلمَ أنَّ لذلك التكليفِ غايةً يُرفعُ فيها إيجابُه
стр. 1892
عَنْهُ، ويُرَفَّه، ويُخفَّفُ عنه.
فإنْ قيلَ: ففي الإشعارِ عزمٌ على اعتناقِ الأمرِ المتجددِ، والنسخِ الرافعِ، ونفيُ الجهلِ، فيقابلُ تلكَ الفائدةَ فائدتانِ.
قيل: العاقلُ ينوي ويعزمُ على الدوامِ ما لم يَرِدْ نسخٌ، ويُضْمِرُ الانتقالَ إلى الناسخِ إن تجدَّدَ نسخٌ، فيحظى بالفائدتين جميعاً.
ومن ذلك: أنَّهُ لو وجبَ الإشعارُ بالنسخِ، لوجبَ الإشعارُ بما يتجددُ من الأمراضِ التي تُسقطُ بعضَ العباداتِ، أو تسقطُ كيفياتها، أو تُؤخِّرها عن أوقاتها، والجامعُ بي الأعذارِ والنسوخِ: أنَّ كلَّ واحدٍ منهما مسقطٌ ومخففٌ.
[فصل]
شبهةُ المخالفِ
[قالوا:] إنَّهُ إذا كانَ في علِمِ الله سبحانه أنَّه ينسخُ تلك العبادةَ، ولم يشعر المكلفَ، اعتقد الدوامَ والتأبيدَ، وفي ذلك اعتقادُ الجهلِ، والتعريضُ للجهلِ قبيحٌ؛ لأن الجهلَ قبيحٌ.
فيُقال: إنْ جهل فإنما أُتِيَ من قِبل نفسِه؛ لأنَّهُ يجبُ أنْ يعلَم أنَّ لله أنْ يُؤبِّدَ، وله أن ينسخَ، وأنَّ هذه العبادةَ مؤبدةٌ ما لم يَرِدْ نسخٌ، فلا يفضي إلى اعتقادِ الجهلِ، ولأنَّه قد يُعفى عن اعتقادِ الجهلِ في جنبِ ما يحصلُ من التعبُّد، كما أنَّ الله سبحانَهُ قد يقطعُ على المكلف بالأعذارِ، والانقضاءِ للأعمارِ (١) ما اعتقدَ أنَّهُ يدومُ ويتمُّ،
стр. 1893
وكم أماتَ في أثناءِ صلاةٍ لم يُسلَّم منها، وحَجَّةٍ لم يُتَحلَّلْ منها، ولم يكن ذلك مانعاً من التكليفِ من غيرِ تقدمةِ إشعارٍ به، كذلك ها هنا.
فصلٌ
ويجوزُ أَنْ يرفعَ اللهُ سبحانه التكليفَ رأساً لا بطريقِ النسخِ، مثل إعدامِ العقلِ في حق المجنونِ، فيَسقُطُ الخِطابُ رأساً، هذا مما لا خلافَ فيه.
وأما رفعُ ذلكَ بالنسخِ، فلا يصحُّ، بل يستحيلُ عندَ الجماعةِ، لأن المعرفةَ بالله لا يمكنُ (١) نسخُها نهياً عنها، لأن النسخ مبنيٌّ على إثباتِ ناهٍ تجبُ طاعتُهُ، بالامتناعِ مما نَهى عنْهُ، فإذا قالَ للمكلفِ: لا تعرفني، فقد نهيتُك عن معرفَتِي، فإثباتُه ناهياً يُحيل في حق المنهيِّ عنْ أنْ يَخْرُجَ عن كونِه به عارفاً، فهذا بالنسخ لا يمكنُ (١) ولا يدخلُ تحتَ القدرةِ شاهداً وغائباً.
وأمَّا نسخُ جميعِ العباداتِ ما عدا المعرفة على أصلِ أصحابنا وجماعةِ أصحاب الحديثِ، [فجائزٌ] خلافاً للقدرية في قولِهم: العباداتُ مصالحُ، ولا يجوزُ أن تُرفعَ المصالحُ مع وجوبِها عندَهم.
وهذا يُبنى على أصْلين: إمَّا أنْ يكونَ البارىءُ فاعلاً ما شاءَ على الإطلاقِ، فلا ينبغي وجوبُ تكليفٍ، كما لا يجب عليه إرسال الرسل رأساً عند أصحابنا، وإن فعلَ ذلكَ فعلَه تفضلاً.
وإنْ قلنا بالمصالحِ، فلا يمتنعُ أنْ يكونَ الأصلحُ: أنْ لا يكلفهم؛
стр. 1894
لعلمِه أنَّ التكليفَ يفسدُهم، كما فعلَ ذلكَ في الآحادِ، ممنْ (١) أَعْدمَه العقلَ، وسلَبَهُ الرأيَ، أو كما نَسَخَهُ من العباداتِ والعقوباتِ بحسَبِ الأصلحِ، وكما أماتَ بعضَ الآدميين قبلَ بلوغِه، فأعدمهم التكليفَ، وهم أُممٌ لا تُعدُّ ولا تُحصى.
فصلٌ
شبَهُهُمْ
قالوا: إنَّ في الأمورِ الداخلةِ تحتَ التكاليفِ ما هو قبيحٌ لنفسهِ، فلا يحسُنُ إلا النهيُ عنه، ولا يختلفُ باختلافِ الأزمنةِ، ولا يختلفُ باختلافِ الأشخاصِ، مثلُ الكذبِ، وكفرانِ نِعْمة المنعمِ، وعقوقِ الوالدينِ، والجهلِ بالله سبحانه، وإضافةِ ما لا يجوزُ عليه إليه، والظلم والبغي، وهو الإضرارُ المحضُ الذي لا يتعقَّبُهُ ولا يضامُّه نفعٌ يوفي عليه.
وفي التكليف ما هو حسنٌ في نفسهِ لأمرٍ يرجعُ إليه لا إلى غيرِهِ، كالإحسانِ، والعفوِ، وبرِّ الوالدينِ، ومعرفةِ الله -وهيَ الأصل-، وشكرِه على ما أنعمَ به، فهذا حَسَن لا يَحْسُنُ النهيُ عنه، بل يحسنُ الأمرُ بهِ، والحثُّ عليهِ.
فيُقالُ: أمَّا المعرفةُ من جميعِ ما ذكرتَ، فمحال نسخُها بالنهيِ عنها، لما بينا من أنَّه مستحيل، لأنه بالنهي للمكلف يقتضي إثباتَه وعرفانَه، ليُطاعَ فيما نَهى عَنْهُ، إذْ لا طاعةَ ولا قربةَ لمن لا يُعرَفُ.
стр. 1895
فأمَّا دعواهم أنَّ الكذبَ، وكفرانَ النعمةِ، وعقوقَ الوالدينِ، والظلمَ، قبيحٌ لا لنهي ناهٍ عنه، [بل] لأنَّ العقل يُحَسِّنُه ويقبِّحُه، فهذا أصلٌ كبيرٌ، أنتم مخالَفون فيه، فإنَّ (١) القبيحَ عندنا ما نهى اللهُ عنه، والحسنَ ما حسَّنَهُ الشرعُ؛ ولهذا أجازَ الكذبَ لنوعِ إصلاحٍ بين الناسِ، وأباحَ قتلَ الآباءِ؛ لأجلِ الكفرِ والمشاقَّةِ، وحقوقُ الأبوةِ موجودةٌ، وأباحَ الغنائمَ، وأخْذَ الأموالِ والأولادِ وقَتْلَ الرجالِ، وأنَّه لا حجرَ على فعلِ الربِّ سبحانه.
وهذا أصلٌ لا تليقُ الإطالةُ فيه ها هنا، وجملتُه أنَّ أفعالَ اللهِ لا تقاسُ على أفعالنا في الشَّاهدِ، بدليلِ أنَهُ كلَّفَ مَنْ [في] المعلوم أنَّه يُخالفُ، فيستوجبُ الخلودَ في النارِ، وخلقَ مَن أي، المعلومِ أنّهُ لا يتصرفُ إلا في المضارِّ والأضرارِ، ومكَّنَ المتسلطينَ، وجَعَلَ إبليسَ من المُنْظَرين، مع ما عُلِمَ أنَّهُ الغاوي للمكلفينَ، إلى أمثالِ ذلكَ مما لا يَحسُنُ من آحادِنا، فانقطع الشاهدُ عنِ الغائبِ، والغائِبُ عن الشاهد.
فصلٌ
في نسخِ القرآنِ بالسنةِ
عنْ أحمدَ روايتانِ (٢): إحداهُما: لا يجوزُ نسخُهُ إلا بقرآنٍ، وبها