بعد أن كان أباحَ التضحيةَ بالعمياءِ، كان ذلك نسخاً على أصلٍ من أصولِ الدين.
ومن (١ ذلك السنة التي ورد الحَضُّ على ١) اتباعها بالقرآنِ وهو قولُه تعالى: (١ ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ا) وقوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] فإذا كانَ كذلك كانت السُّنَّة فرعاً للقرآن فلا يعكِّر الفرعُ على أصله بالإبطال والإسقاط، كما لم تُنْسَخ السنةُ بفرعِها المستنبطِ منها: وهو القياسُ عند المحققين من العلماء.
ومن ذلك [أن القرآن] أقوى وآكدُ من السنة نطقاً وحكماً، أمَّا النطقُ فإنه معجِزٌ، وأما إحكامُ النطقِ فإنَّ (٢) كونَه أعجزَ العربَ هو الذي أوجبَ صدقَ الرسولِ ﷺ فيما جاءنا به من الأحكامِ.
ومن أحكامه: ثبوتُ حرمةِ تلاوتِهِ في اعتبارِ الطهارةِ من الجنابةِ والحيضِ، وحرمةٍ مسطورةٍ بأن لا يجوز لمحدِث مسُّه محدثاً أيَ حدثٍ كان.
وفي نفس تلاوته ثوالب، وليس في نفس إيرادِ الأخبارِ خِفية ثواب (٣)، وقَدَّمه النبي ﷺ في العمل، فقالَ لمعاذ. "بِمَ تَحكُمُ؟ " فقال. بكتاب الله، قال: "فإن لم تَجدْدا قال: بسُنَّة رسول الله ﷺ (٤)، وساق الترتيب، وإذا كانت السنةُ دونَ الكتابِ لم يُنْسَخِ الأقوى
стр. 1927
بالأضعفِ، والأوكدُ بالأخفِّ، ولا الأشرفُ با لأَدْوَن.
فإن قيل: هذه القوةُ لِلَّفظ، ولسنا ننسخُ إلا الحكمَ.
قيل: لا فرق عندكم بين اللفظِ والحكمِ، حتى إنَّ السنةَ لو وردت بأنَّ هذه الآية، قال رسول الله: لا تضعوها في المصحف، لم توضع بعد قوله في المصحف، فلا معنى لفرقٍ لا تقولون به؛ ولأنَّ الآية إذا زال حكمها، تعطلت عن فضلِ التلاوةِ والحُرمةِ والعملِ بها ............ ، صارت كما نسخ من السنة.
(١ فصل
في أدلة ١) من قال بجواز نسخ القرَان بأخبار الآحاد
وهي رواية عن أحمد ﵁ فمن ذلك: قولهم: قد وجدَ ذلك، بدليلِ أن آياتٍ من القرآن قد نسختها أخبارُ آحادٍ.
فمنها: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، نسخت بما روي عن النبي ﷺ : "لا وصيةَ لوارثٍ" (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، نسخ بما روي عن النبي ﷺ : "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً: البكرُ بالبكر: جلدُ مئةٍ،
стр. 1928
وتغريبُ عامٍ، والثيبُ بالثيبِ: جلدُ مئةٍ والرجم" (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩١]،
نسخ بقوله ﷺ : "اقتلوا ابن خَطل، وإن كان متعلِّقاً بأستار الكعبة" (٢).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] نُسِخَ بما رويَ عن النبي ﷺ : أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] لما ذكر المحرمات، نسخ بقوله ﷺ : "لا تُنْكَحُ المرأةُ على عمتها، ولا على خالتها" (٤).
فصل
في الأجوبة عن ذلك
أما الوصيةُ، فنسخت بآيةِ المواريثِ.
وأما آيةُ الحبس، فنُسِخَتْ (٥) في البكر؛ بقوله ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وفي الثيب، باَيةِ
стр. 1929
الرجم التي كانت: "الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما البتة، نكالاً من الله".
وأما ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩١]، (١ فنُسِخَت بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وأما قولُه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فالمرادُ به: ما هو مستطابٌ عندهم، وليس من الخبائث، فهو عمومٌ دخلَهُ التخصيصُ بالخبرِ، وإذا أمكن البناءُ والجمعُ، لم يصحَّ حملُهُ على النسخ.
وجميعُ الأخبارِ زوائدُ على الآيات، والنسخُ إنما كان بالآيات.
ومن تعلقاتهم من طريق الاستنباط: أنَّ ما جازَ نسخُ السنَّةِ به، جازَ نسخُ القرآنِ به، كالقرآن.
فيقال: ليس إذا جاز أن يسقطَ به مثلُه، جاز أن يسقطَ به ما هو أقوى منه، ألا ترى أن القياسَ يجوزُ أن يعارضَ مثلَهُ، ولا يجوز أن يعارضَ السنةَ، آحاداً كانت، أو تواتراً.
ومن ذلك: أن قالوا: إن النسخَ إسقاط لبعض ما يقتضيه ظاهرُ القرآنِ، فجارْ بالسنةِ، كالتخصيصِ.
فيقال: لا يجوز أن يُؤخَذَ حكمُ النسخِ من التخصيصِ، ألا ترى أن تخصيصَ السنةِ بالقرآن جائزٌ، ونسخَها به لا يجوز، ولأنَّ
стр. 1930
التخصيصَ (١): بيانُ المرادِ باللفظِ، وغايتُهُ: أنه إسقاطٌ لبعض ما شملَه اللفظُ، والنسخُ: رفع له بالكلية، فلم يَجُزْ بما دونه.
ومن ذلك: أن قالوا: إذا جازَ النسخُ إلى غيرِ بدلٍ، فجوازُه إلى بدلٍ يثبتُ بلفظٍ دونه، أَوْلى.
فيقال: لو كان هذا استدلالاً صحيحاً، لوجب أن يجوز بالقياس، فيقال: إنه إذا جازَ رفعُه إلى غيرِ بدلٍ، فلأَنْ يجوزَ إلى بدلٍ يثبتُ بالقياسِ، أَوْلى.
على أن النسخَ إلى غيرِ بدلٍ لا يؤدي إلى إسقاطِ القرآن (٢ بل إلى رفع الحكم إلى ٢) غير بدل، فيرفعُ بمثلِ ما به ثبتَ، والنسخُ بخبرِ الواحدِ، وبالسنةِ في الجملةِ، رفعٌ للقرانِ بما هو دونه، وذلك لا يجوزُ.
فصل
فيما تعلق به من أجازَ النسخَ بالمتواترِ منها، وهو الأصحُ .
فمن ذلك: قولهم: إنَّ المتواتر دليل قطعي، وهو الطريقُ الذي ثبتَ به القرآنُ، وإذا كان قطعياً، صارَ بمثابةِ القرآنِ، وصاغوه قياساً، فقالوا: دليلٌ مقطوعٌ بصحتِهِ، فجازَ نسخُ القرآنِ به، كالقرآنِ. يوضح هذا: أن أصلَ إثباتِ القرآنِ عندنا إنما هو بأخبارِ التواترِ، فما (٣) جازَ إثباتُ القرآن له، جاز أن ينسخَ به.
стр. 1931
فيقال: يجوزُ أن يستويا في القطع، ولا يَنْسَخُ أحدُهما الآخرَ، كما أن خبر الواحد والقياسَ استويا في أنَّ كلَّ واحدٍ منهما مظنونٌ، ويجوزُ النسخُ بأخبارِ الآحادِ دونَ الأقيسةِ.
ولأنَّ الإجماعَ دليل مقطوع به، ولا يجوزُ النسخُ به.
والمعنى في القرآن مع القرآنِ؛ إنَّما نسخ الآي منْهُ بالآي؛ لتساويهما في التأكيد، وهو الإعجازُ الدال على صدق الرسول ﷺ ، والأحكامُ المتعلقةُ عليه من منعِ الجُنُبِ مِنْ تلاوتهِ، والمُحدِثِ من مسِّه، وعدمُ صحةِ الصلاةِ إلا بشيءٍ منه، فصارَ في الحرمة، والتأكدِ على السنة، كتأكدِ السنةِ على القياسِ، وقولِ آحادِ الصحابة.
وعندي: أنَّ هذه الطريقةَ التي هي لإثباتِ النسخِ بالخبرِ المتواترِ معتمدةٌ، فلا بدَّ من إيضاحها، والكلامِ على كشفِ ما أجابَ به أصحابُنا، ومَن وافقهم فيها.
فنقولُ وبالله التوفيق: إنَّ الذي ثبتَ به القران، إنَّما هو أخبارٌ متواترة (١ .... ١) وليس لنا طريق إلى إثبات (١ ... ١) وليس وراء القطعِ زيادةٌ ولا تقبلُ الزيادة، فليسَ يبقى إلا الإعجازُ، وذلك لا يرجعُ إلى معنى سوى العلم بأنَّه كلامُ اللهِ، ومن حيث إنه دلَّ إعجازهُ على (٢) أنه كلامُ اللهِ، دلَّ على صدقِ رسولِ الله ﷺ في جميع ما يخبرُنا به، فإذا ثبتَ ذلك، لم يبقَ لنا طريق قطعى إلى أنَّ النبي ﷺ قال ما يَتغيَّرُ الحكمُ، أو يُبْتَدأُ به، إلا سماعُنا في معاصرتهِ، فإذا عدمنا ذلك، لم يبقَ ما يقومُ مقامَ سماعِنا منه إلا خبرُ التواترِ، فإذا ظفرنا به، صار كأنَّه ﷺ قال: هذه الآيةُ منسوخة، نزل عليَّ الوحيُ بنسخِها، فوجَب
стр. 1932
قبولُنا منْهُ بدليل إعجازِ القرآن، فما نسخنا القرآنَ إلا بمثله في المعنى الذي ثبتَ به.
وفارقَ الإجماع، فإنه إنما يتحققُ في الوقتِ الذي انقطعَ الوحيُ، ولم يبقَ سوى الاجتهاداتِ، وهو أمرٌ يحتاجُ إلى استنادِه (١) إلى دليل، فإنْ حصلَ الإجماعُ على أنَّ الآيةَ منسوخةٌ بنقلٍ، حُكِمَ بالنسح بدليلِ النقلِ، وإنْ كان العقدُ على أنَّ الآيةَ منسوخةٌ بغيرِ نقل، بل بمجردِ (٢) الاجتهاد، فموتُ النبيِّ ﷺ أوجبَ تقريرَ (٣) الأحكامِ النازلةِ من السماء، فلا يبقى للاجتهاد عملٌ، إلا في حوادثَ لا نقلَ فيها، بخلافِ السنة المتواترة؛ فإنَّها تستندُ إلى الوحي الذي طريقُه طريقُ القرآنِ، فهي (٤) بمنزلةِ القرآنِ في القوةِ، فلم (٥) يبقَ بينهما اختلافٌ إلاَّ في نفسِ الصيغ والنطق، وذلك لا يوجبُ فرقاً فيما يتعلق بقوة الإثبات (٦ .... ٦) بين كلام رسول الله ﷺ . (٦ ..... ٦) الأحكام ونسخها، وبين المتواترِ من الأخبارِ عنْهُ، وإنْ كان بينهما رتبةٌ في الفضلِ، فإن من سمع لفظ رسول الله ﷺ أفضلُ ممن سمع عن رسولِ الله ﷺ ، فذاك صحابي، وله فضلُ السماعِ منه، والصحبةِ له، لكن لَمَّا تساويا في القطعِ، ألغينا في الإثباتِ والرفع رتبةَ الفضل، كذلك هاهنا.
ومن ذلك: أنه ليس في رفعِ حكمِ القرآنِ بالسنةِ إحالةٌ، ولا إفسادٌ للتكليف، ولا مناقضةٌ؛ فإنَّه إذا قال النبي ﷺ : إنَّ الملكَ تَنزلَ إليَّ
стр. 1933
آنفاً، فقال: إنَّ الله قد أسقط عنك وعن أمتك حكمَ آيةِ كذا، وجعلَ حكمَها مرفوعاً كأنْ لم يَنْزِلْ عليك، وجبَ التعويلُ على ذلك، والتصديقُ له، بالطريق الذي صدقناه به في جعلِ اللهِ لذلك الكلامِ الذي أعجزَ الفصحاءَ، فكان (١) شاهدَ نفسهِ، فلا نجتاجُ إلى مُخبِرٍ يخبرُنا بأَنه كلامُ الله.
ولقائل [أن] يقول: فالنسخُ قد يقعُ على ما لا إعجازَ فيه، وما لا إعجازَ فيه لا يثبتُ بمعنىً يختصُّهُ، بل يحتاجُ إلى نقلٍ يحصلُ به العلمُ، وإنَّما يصحُ ما ذكرتَه مِنَ الإعجازِ، في السورة المديدة.
وقد أجبتُ في النظر عن هذا: بأنَّ القرآنَ عندي لا يحتاجُ إلى طريقٍ، فلو (٢) نَقَله مَنْ نَقَلَه، كان القرآنُ شاهدَ نفسِهِ؛ بأسلوبِه ونمطِهِ الذي لا يختلطُ به سواه، فهو حافظٌ نفسَهُ عن اختلاطِ (٣) غيرِهِ بهِ، وشاهدُ نفسِهِ بكونِهِ منقطعاً عن كلِّ (٤) كلامٍ، فلا حاجةَ بنا إلى نقلِ آحادٍ أو تواترٍ، فلو وجدناه في صحيفةٍ، لحكمنا بنمطه وأسلوبه بأنَّه قرآنٌ، وأنَّه كلامُ اللهِ، كما أنَّ قلبَ العصا حيَّةً، وإحياءَ الميتِ، وإخراجَ ناقةٍ من صخرة، لايحتاج إلى (٥ نقل آحادٍ أو تواتر لتصديق ٥) قول من ظهرت على يديه، بل من ظهرت على يديه، صحَّتْ دعواه بالرسالة (٦)، وخبرُه بها، وهي شاهدةٌ لنفسها بعجزِ الخلقِ بأنَّها (٧ ....... ٧) في إنزالِ تلك الآية، وكنا مستصلحين بالرفعِ لها، كما كُنَّا مستصلحين
стр. 1934
بإنزالها، فلا فرقَ بينَ أنْ يتلوَ لنا قرآناً يَرْفعُها أو يروي لنا وحياً ليسَ بقرآنٍ يرفعُ حكمَها، أوْ تلاوتها رأساً.
فإن قيل: ولا إحالة في العقل أيضاً برفعِ حكمِ الآي بأخبارِ الآحادِ، ولم يدلَّ نفيُ إحالةِ العقلِ لذلك على جواز النسخ بها، كذلك متواتِرُها.
فيقالُ: يحتمل أن نقولَ: لولا إجماعُ الصحابةِ، لجوَّزْنا، لكن الصحابةُ أَجْمَعَتْ على ردِّ قراءة ابنِ مسعود، وإنْ كانَ الثقةَ العدلَ، وهو يقولُ: سمعتُ من رسول الله كذا، وهم لا يلتفتونَ إلى روايتِهِ، فما رضوا بنقلِ ابن [مسعود] مع جلالته وفضله لإثباتِ كلماتٍ وحروفٍ في كتاب الله، ولم يثبتوا في المصحف إلاّ ما وقع الإجماعُ على نقله، فكان ذلك تنبيهاً على أنهم لا يقبلون روايَتُه في رفعِ القرآنِ ونسخِهِ.
على أنَّ في ذلكَ معنىً يأباهُ العقلُ، وذلكَ أنَّ القرآنَ حكمه ثبتَ بدليلٍ قطعي وطريق قطعي، فكيفَ يُرفعُ القطع بخبرِ الواحدِ، وغايةُ ما يوجبُهُ غلبةُ الظنِّ؟ والعقلُ يأبى ذلك، ولا يأبى رفعَ القطعِ بالقطعِ، لاستوائهما في الغاية، وهي العلمُ الذي لا يقبلُ التزايدَ، لا سيما والتواترُ يوجبُ علماً ضرورياً، فيصيرُ السامعُ لخبرِ التواتر، كالسَّامعِ منَ المخبرِ عَنْهُ (١ أمراً طارئاً ينافي ا) مخبره، وبعد أنْ ينحرسَ الإثباتُ عن الشكِّ والريب، فلا طائلَ في المراتبِ فيما عدا ذلك، ألا ترى أنَّ أصْلَ إثباتِ الشريعةِ جاءَ تارةً بطريقِ المنامِ، وتارةً بالمَلَكِ، وتارةً بالإلقاءِ في رُوعِهِ، وتارةً باجتهادهِ، على قولِ من أثبَتَ جوازَ إثباته الأحكام باجتهاده ﷺ (٢)، فلما سَلِمَتِ العصمةُ، تساوى
стр. 1935
الإثباتُ، حتى جُعلَ منامُ عمرَ ﵁ وعبدِ الله بن زيدٍ في الأذانِ مُعوَّلاً (١) عليه (٢)، وما سنَحَ لمعاذٍ من تأخيرِ قضاء (٣) ما فاتَهُ مع الإمامِ، صارَ سنةً، فقال النبيُّ ﷺ : "سَنَّ لكم معاذٌ، فاتبعوا سنته" (٤)، فإذا كانَ التعويلُ على العصمةِ في الطرق، سقطت مراتبُ الألفاظِ واللافظين، وصارت الثقة (٥) والطمأنينةُ إلى الطريقِ هي (٦) المعولَ عليها في الإثباتِ والرفعِ، وطريقُ التواترِ طريقٌ مقطوعٌ، فلا وجه لانحطاطِه عن رتبة التلاوةِ في بابِ نسخِ حكمِ التلاوةِ.
فصل
يجوز نسخ السنة بالقرآن
وبه قال المتكلمون، واختاره أبو بكر الباقلاني (٧)، وأصحابُ أبي حنيفة (٨)، خلافاً لأحد قولي الشافعيِّ (٩): لا يجوزُ نسخُ السنةِ بالقرآنِ.
стр. 1936
فصلٌ
في الأدلةِ على جوازهِ
فمنها: أنَّ ذلك قد وُجدَ، وذلك أن النبي ﷺ صالحَ أهلَ مكةَ يومَ صدُّوهُ عامَ الحديبيةِ عن البيتِ؛ على أنَّ مَنْ جاءَهُ مسلماً ردَّهُ، وردَّ أبا جندلٍ وجماعةً من الرجال، وجاءَت امرأةٌ، فأنزلَ الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (١) [الممتحنة: ١٠] وهذا (٢ [ممّا ورد في السنة ولم يعلم] ٢) إلا من جهتِهِ، فنسِخَ بقرآنٍ، وهو منعُه مِنْ رَدِّ المؤمنة إلى الكفار، (٢ وكذلك كانت ٢) الصلوات تؤخرُ حالَ الحربِ، فنسخها الله تعالى بقولِهِ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
ومن طريقِ الاستدلالِ بالاستنباطِ: أنَّ السنةَ: ما ثبتَ من حكمِ الله سبحانه بقوله ﷺ وإخبارِه، ومعلوم أنَّهُ لو قالَ شيئاً، فتضمَّنَ قولُه حكماً، ثم عادَ، فقال ما ينسخُهُ في وقتٍ آخر، حَكمنا بنسخِ الأول بقوله الثاني؛ لأنَّهُ وحيُ الله سبحانه، فإذا جاء وحيُ (٣) الله سبحانه بنسخِ ذلك الحكمِ، كانَ وحياً على صفةٍ تعطي الزيادة في القوة بالإعجاز، ولا وجهَ لتجويزِ نسخِ ما أُوحيَ إليه بشرعهِ، بقوله (٤)، مع
стр. 1937
المنع، مع نسخِ (١) ما قال عن وحيٍ بما قاله الله سبحانه من الوحي.
وفيما قدَّمنا من الأدلةِ على تجويزِ نسخ القرآنِ بالسنةِ تنبيهٌ على تجويز نسخِ السُّنةِ بالقرآنِ؛ لأنَّ نسخَ الآكدِ بالأضعفِ يُعطي تجويزَ الأضعفِ بالآكدِ والأقوى.
وتحقيقُ القولِ في ذلك: أنّا قد علمنا أنَّ الحكمَ المندرج في السنة، حكمٌ شَرَعَهُ اللهُ بوحيه على لسان نبيه ﷺ وعلمنا أنَّ ما نزلَ من كلامهِ سبحانه متضمناً (٢) حكماً، هو وحيٌ من الله، فإذا جازَ أن يرفعَ حكمَهُ وحيُهُ بقولِ رسولِه المخبرِ عن وحيِه، لم يحسنْ أن نقولَ: لا يجوزُ أنْ يُنْسخَ حُكْمُ الله الأولُ بوحيهِ الثاني بكلامِهِ، مع كونِ الوحيين متساويين، وأحدُهما زادَ فيه كونه وحياً بكلام الله، (٣ فكانَ وحيُ الله بكلامه أقوى وآكدَ من ٣) وحي اللهِ بغيرِ كلامِه (٤) ومنعُ (٥) نسخِ (٦) وحيه بغيرِ كلامِ الله بوحيهِ، بكلامِه، يَجْعلُ (٧) كونَه وحياً أو كلاماً له مقصراً عن الوحي (٨) الذي ليسَ بكلامِهِ، ولا وجهَ لذلكَ.
يوضّحُ هذه الطريقةَ: أنَّ كلامَ النبيِّ ﷺ ، المرويَّ قد اختُلِف في
стр. 1938
جوازِ نقله بالمعنى، وقد يدخلُ الروايةَ بالمعنى نوعُ اختلالٍ، ولهذا قال النبي ﷺ : "نَضَّرَ الله امرأً سمعَ مقالتي، فوعاها، فأدَّاها كما سمعها، فربَّ حاملِ فقهٍ غيرُ فقيهٍ، وحاملِ فقهٍ إلى مَن هو أفقهُ منه" (١)، والقراَنُ محفوظُ الألفاظِ، فالحكمُ فيه أشدُّ حفظاً، فإذا جازَ نسخُ السنة بالسنةِ، مع تجويزِ نقلها بالمعنى الذي يجوز عليه الاختلالُ بتغييرِ اللفظِ، فلأن يجوزَ نسخُ السنةِ بالقرآنِ المحروسِ، المحفوظِ المعاني بحفظ ألفاظِهِ، أَوْلى، والله أعلم.
فصلٌ
في شُبَهِهِمْ
فمنها: أنَّ السنةَ مبينةٌ للقرآن، وما وُضعَ للبيانِ لشيءٍ، لا يُنْسَخُ بذلك الشيءِ، والدلالةُ على ذلك: قولُهُ تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
ومنها: أنَّ السنةَ ليست من جنس القرآنِ، والشيءُ لا يُنْسَخُ بغيرِ جنسِهِ؛ بدليلِ [أَن] القرآنَ لا تنسخُهُ السنةُ، وربَّما قالوا: لمَّا لم يَجُزْ نسخُ القرانِ بالسنةِ، لم يَجُزْ نسخُ السنةِ بالقرآنِ.
ومنها: أنَّ السُّنةَ مَا عُرِفَتْ إلاَّ بالقرآنِ، فلو بَيَّنَها القرآنُ، صارت أصلاً، ولا يجوزُ أنْ يصيرَ الفرعُ أصلاً.
стр. 1939
فصل
في الأجوبة
أما الأولُ: فإنَّ البيانَ هو التبليغُ، وكونُهُ مبلغاً لا يمنعُ أنْ يردَ (١ بلاغه بوحي من الله ونطقٍ ليس من ١) القرآن، وتارةً يرد بنطقِ القرآن (١ الذي أوحي إليه، فكلاهما وَحْيُ الله ١)، فوحيُ الله إذا بينه بوحيهِ، لا فرقَ بينَ كونهِ كلامَ الله، أو إلهامَ اللهِ، فكلاهما (٢) من عندِهِ، ولهَذا جازَ تخصيصُ السنةِ بالقراَنِ، وهيَ أحدُ البيانينِ.
وأمّا قولُهم: لشىَ منْ جِنْس السنةِ، فلا عبرةَ بالجنس بعدَ تساوي الجهةِ التي صدرَ عنها الأمرانِ: الناسخُ والمنسوخُ، والَمبيَّنُ والبيانُ، فكلاهُما (٣) وحيُ الله، إذ لا ينطقُ إلاَّ عَنْ وحي، ولوْ نَطَقَ باجتهادِهِ، لم يَمْتَنعْ أنْ يردَ نطقُ القرآنِ رافعاً [و] ناسخاً لما حكمَ بِهِ باجتهادِهِ.
فعلى كلا الأمرينِ: لا يمتنعُ نسخُ الجِنْسِ بغيرِ الجنسِ، وهما يجريانِ مجرى الجنسِ الواحدِ، لكونِهما من عندِ الله، وإلهامَه وحكمَه المشروعَ بأمرِهِ ووحيهِ، ولهذا جازَ بيانُ كلِّ واحدٍ منهما بالآخرِ في بابِ التخصيصِ.
وأمَّا الأصلُ الذي قاسُوا عليه، وهو نسخُ القرآنِ بالسنةِ، فإنَّا لا نسلِّمُهُ؛ على ما اخترْنَاهُ من نسخِ القرآنِ بالمتواترِ من السنةِ، ومَن سلَّمَهُ لم يُعَلِّلْ بأنَّهُ ليسَ من جنسِهِ، ألاَ تَرَى أنَّ الآحادَ من السُّنَنِ مِنْ
стр. 1940
جنْس المتواترِ منها، ولا (١) ينسخُ آحادُها متواتِرَها، لكن عَلَّلوُا بأنَّ الَقرآنَ أعلى وآكدُ، وأنَّهُ ذو إعجازٍ، ولَهُ حرمة في التلاوةِ؛ في اعتبارِ الغسلِ من الجنابةِ لها، ورفع الحَدَثَيْنِ جميعاً لمسِّ المسطورِ من كتابِ الله، بخلافِ السنة.
وأمّا قولُهم: تصيرُ أصلاً. فلا تصيرُ أصْلاً، كما لا تصيرُ أصلاً بتخصيصِ القرآنِ لها، ولهذا (٢ .......... ٢) لا تصير أصلاً ببيانِها بالتخصيصِ للقرآنِ (٣).
فصلٌ
في جوازِ نسخ [الحكم] قبلَ وقتِ فعلهِ
لا يختلفُ الناسُ في جوازِ نسخِهِ قبلَ فِعْلِهِ؛ لأنَّ المكلف لو تَرَكَهُ توانياً حتى فاتَ وقتُهُ، لم يَمتَنعْ نسخُهُ.
واختلفوا في جوازِ نسخِهِ قبلَ وقتِ فعلِهِ:
فالمذهبُ عندَنا: جوازُ نسخِهِ، هذا ظاهرُ كلامِ صاحِبنا أحمدَ (٤) ﵁، وإليه ذهبَ ابنُ حامدٍ، واختارهُ شيخُنا الإمامُ ابنُ الفَراءِ (٥) رحمة الله عليه، وبهذا قال أكثرُ أصحابِ الشافعي (٦)،
стр. 1941
والأشاعرةُ (١).
وذهبَ أبو الحسن التميميُّ: إلى نفي جوازر، وهو مذهبُ الصيرفيِّ من أصحابِ الشافعيِّ (٢)، وأكثر المعتزلة (٣).
واختلف المجيزونَ لنسخِ الشيءِ قبلَ وقتِ فعلِهِ، هل يجوزُ على الوجهِ الذي أمرَ به، أم على خلافِ ذلكَ الوجهِ؟ على مذهبين.
فصلٌ
في جمعِ أدلتنا
فمنها: إثباتُ وجودِ ذلكَ من جهةِ الله سبحانه، بدليلِ قوله تعالى لإبراهيم: اذبحْ ولدَكَ، ورُوِيَ: واحدكَ، ودلَّ عليه قولُه في القرآن: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] إلى قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] إلى قوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، والفِداءُ بالذبحِ نسخٌ لما كانَ شرعَهُ من الذبح قبل وقتِ الذبحٍ، فقد تضمنَتْ هذهِ الآيةُ تجويزَ ذلكَ على اللهِ سبحانه؛ إذ كان في شريعةٍ من شرائعِهِ، وفي شريعتنا، لأنَّ نبيَّنا ﷺ
стр. 1942
(١ قد أُمِرَ١) باتِّباعِ أبيه إبراهيمَ، والاقتداءِ به، وشرعُ منْ سَبَقَهُ شرعٌ له، ما لمْ يَثْبُتْ نسخُهُ على (١ ما قَدَّمنا ١).
فصل
في أسئلتهم على هذه الآية
(١ الأول: أن ذلك كان مناماً، فلا يثبت به الأمر ١).
والثاني: أنه قال بلفظ المستقبلِ، وليسَ فيه تصريحٌ بالأمرِ من الله، وقول إسحاق أو إسماعيل: افعلْ ما تؤمرُ، ولمْ تقُلْ: ما أُمِرْتَ، لكنْ علقَه على المستقبلِ، فدلَّ ذلكَ على أنَّه لم يكنْ تحققَ الأمرُ، وانما قالَ: افعلْ ما يتحققُ من الأمرِ لكَ في مستقبلِ أمرِكَ.
ومنها: أنَّهُ كان أمرَ بمقدماتِ الذبح مِنْ أَخْذِ المُدْتةِ والحَبْلِ، واخراج ابنه إلى الصحراء، فاستشعر إبَراهيم أنه إنَّما يؤمرُ بذبحه، فكشفَ النسخُ أنه لم يك مأموراً إلا بالقدْرِ الذي أُمِرَ به من الأماراتِ، دون حقيقة الذبح، وليسَ هذا نسخاً، لكنه بيانٌ (٢)، والذي أُمِرَ به قد وَقَعَ منهُ، وهو إخراجُهُ على الوجهِ الذي أخرجَهُ، وتلُّهُ للجبين.
ومنها: أنَهُ قد كانَ أُمِرَ بالذبحِ، وقد أوقعَهُ، لكن رويَ أنَّهُ كانَ كُلَّما قطعَ عِرْقاً، عادَ ملتحماً، فلا يكونُ ما جرى من الفداء نسخاً؛ لأنَّ نفسَ المأمورِ بهِ قد وقعَ، ويشهدُ لهذا التأويلِ قولُه: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥]، فيعطي هذا: أنَّهُ صدَّقَها بالفعلِ وايقاعِه على الوجهِ المأمورِ به، إمَّا الذبحِ، أو أمارات الذبح، ولهذا
стр. 1943
قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥] فبالنَ (١) موقعُ الإحسانِ.
ومنها: أن قالوا: لم يُرِدْ إلاَّ اختبارَهما، وابتلاءَ سرِّهِما وصبرِهما، فأمَّا نفسُ إيقاعِ الفعلِ، فلا، وإذا أراد ذلكَ، لم يكنْ ناسخاً لما شرعَهُ قبلَ وقتِ فِعْلِهِ (٢ لتحقُّقِ الفعلِ ٢) المشروعِ من الابتلاءِ في وقتِهِ، وكشفِ (٢ اختبارهما عن حقيقة طاعتهما ٢).
(٢ ومنها: أنه جُعِلَ على أَوْداجِه ٢) صفيحةٌ من نحاس، تَمنع من الذبح بعد ذلك، فلم يتَحَقَّقْ أَمرُه به، لا نسْخاً، لكن منعاً (٣).
فصلٌ
أمّا قولُهم: منام، فإن منامَ الأنبياءِ فيما يتعلقُ بالأوامرِ والنواهي
وحيٌ مُعوَّلٌ (٤) عليْهِ، وكانَ وحيُ نبيِّنا ﷺ شهوراً بالمنامِ، فيأتي كفلقِ
الصبحِ (٥)، وقيلَ: إنَّه كانَ ذلكَ ستةَ أَشْهُرٍ؛ ولذلكَ رويَ أنّ النبيَّ ﷺ
стр. 1944
قال: "الرؤيا الصالحةُ جزءٌ مِنْ ستةٍ وأربعينَ جزءاً من النبوة" (١) فكانت النبوةُ ثلاثاً وعشرينَ سنةً، والستةُ أشهرٍ التي كانَ يرى المنامَ (٢ فيها جزء من ثلاثٍ وعشرينَ سنةً، فكانت الستةُ أشهرٍ جزءاً من ستةٍ وأربعين جزءاً من النبوة ٢) على ما رُوي، وهذا تأويل استفدْناهُ من رئيسِ الرُّؤساءِ (٣) رحمه الله تعالى.
وقد عَمِلَ النبيُّ ﷺ برؤيا عبد الله بن زيدٍ وعمرَ بنِ الخطابِ في الأذانِ (٤)، فكيفَ برؤيا الأنبياءِ ﵈؟ فلا يقالُ: فهو (٥) ليسَ بحقيقةٍ، لأنَّهُ ليسَ بخيالٍ، وإنَّما هوَ إلقاء من الملكِ، وإيحاء منَ الله سبحانَهُ إلى قلوبهم، ولهذا رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: "ما احتلمَ نبيّ قط" (٦)، يعني: أنّه لم يَتَشَكَّلْ له الشيطانُ في المنامِ على الوجهِ الذي يتشكلُ لأهلِ الاحتلامِ، ولأنَّهُ لو كانَ خيالاً لا وحياً، لما ساغ لإبراهيم التصميمُ على الفعلِ لأجلِهِ.
وأمَّا قولُهم: ليس بلفظِ الماضي، ولا الحالِ، ولكنْ بلفظِ المستقبل،
стр. 1945
فإنَّ شاهِدَ الحال دل على أنها رؤيا سابقةٌ، (١ فإنه لو ١) كانَ للمستقبلِ، لما شَرَعَ في حملِ الولدِ، وسوقِهِ، واستصحاب (١ المُدْيةِ والحبلِ، وصرعِه ١)، ويجوزُ أنْ يكونَ قالَهُ بلفظِ المستقبلِ، لتتابع ذلكَ وتكرارِه (٢ ........ ٢) دوامُ الرخصِ، (٢ وكذلك قول إبليس للمَشركين: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨]، يعني: رأيتُ ما لمْ تَرَوْا منَ الملائكةِ الذينَ أرسلَهُمْ الله سبحانه يومَ بدر لنبيه والمؤمنين، ولمْ يرد بهِ المستقبل، وإنْ كانَ بلفظِ المستقبلِ.
وأمَّا قوله: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [فهو] دلالةٌ على أنَّ إبراهيمَ كانَ مأموراً، وقولهُ: ﴿مَا تُؤْمَرُ﴾، يعني: ما أُمرتَ، وما تؤمرُ حالاً بعدَ حال، ووقتاً بعدَ وقتٍ، أوْ يكونُ افْعَلْ ما تؤمرُ في ثاني الحال من الذبحِ، أو غيرِهِ ممَّا يكونُ قبلَهُ من تعذيبٍ وإيلامٍ.
وأمَّا قولهم: إنَّهُ أمرَهُ بمقدماتِ الذبحِ، فلا يصح لوجوهٍ: أحدُها: أنَّ ذلكَ ليسَ بالحقيقةِ، لأنَّ حقيقةَ الذَّبحِ الشقُّ، قال شاعرُهم (٣):
كأنَّ بينَ فكِّها والفكِّ ... فأرةَ مسكٍ ذُبحت في سُكِّ
يعني: شُقَّتْ.
الثاني: أنَّ قرائنَ القول ودلائلَ الحال، تعطي أنَّهُ نفسُ الذبحِ لا
стр. 1946
مقدماتهُ؛ لأنَّهُ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، فهذا لا يقالُ إلاَّ على بلاءٍ صعب مُؤْلمِ، ثمَّ إِنَّ الله سبحانه يشهدُ لحالِهِ بأنّه بلاءٌ مبينٌ، بقولِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦].
ثُمَّ إِنه قالَ: ﴿وفَدَيْناهُ﴾، ولو كانَ المأمورُ بهِ هوَ المقدماتِ، وقد حصلت، لما كان الذِّبْحُ فداءً؛ لأن الفداءَ ما قامَ مقامَ الشيءِ، فلمَّا سمى ذبحَ الذِّبْح فداءً، عُلِمَ أنَّه كانَ المأمورُ بهِ عينَ الذبح، ثُمَّ أبدلَه الله سبحانه بإيقاَعِهِ في ذلكَ الحيوان، وسمَّاه فداءً؛ كما يَسمَّى المالُ المأخوذُ عن الأسرى فداءً، قال سبحانَهُ: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤].
فإنْ قيلَ: وكيفَ لا (١ يكون أمرأَ بأمارات ومقدمات الذبح من أخذ ١) المدية والحبل (١ وتَلِّهِ للجبين، وأنه أُبهمَ ١) عليه عاقبة ذلكَ، فيعطي شاهد هذه الحال: أنَّ المتعقبَ لذلكَ لا يكونُ في ظاهرِ الحالِ إلا إيقاعاً للذَّبح في ولده، ويَحْسُنُ أَنْ يُسَمَّى مثلُ هذا بلاءً، ويظنهُ إبراهيمُ ذبْخاً، لأمرِهِ بمقدماتِ الذبحِ.
قيل: فعندكم لا يجوزُ تعريضُ المكلَّفِ للجهلِ، والأمرُ بالأماراتِ والمقدماتِ، قدْ (٢) أَوْهَمَتْه أنَّها أمْرٌ بالذبح، وهذا خلافُ ما أَصَّلْتُموه من المنعِ منْ تعريضِ المكلفِ للجهل.
على أنَّ أهلَ النقلِ قد أجمعُوا على أنَّ إبراهيمَ كانَ مأموراً بذبح ولدِهِ، فلا وجهَ لخلافِهم (٣)، ولأنَّ فيما ذكرنا من ذِكْرِ الفداءِ دلالةً علىَ
стр. 1947
على أنَّ المأمورَ بهِ حقيقةُ الذبح لا مقدماتُهُ، وتأكُّدُه بقولِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ لا يكونُ إلاَّ في الحَقيقةِ؛ لأنَّ المجازَ لا يُؤَكَّدُ؛ لأنَّ الأمرَ بالمقَدمات بلاءٌ مُوهَم ومُخيَّلٌ فأَمَّا مبين، فلا يكونُ إلا قدْ أُمِرَ بحقيقةِ الذبحِ.
وأمَّا قولُهم: إنَهُ ذبحَ والتحم، فهذا لو كانَ، لما أغفلَ البارىء ذكرَهُ وقد (١) ذكرَ المقدماتِ، وهذا من أعظمِ الآياتِ، وأبهرِ الإعجازِ، فكيفَ يتركُ ذكرهُ، ويذكر تلَّهُ للجبينِ؟ ثمَّ إِنَّهُ مع كونه من أبهرِ الآياتِ في فعلِ الله، فهو من أعظم البلاوي، وأبلغِ الطاعاتِ؛ حيثُ قطعَ أوْدَاجَ ولدِهِ وواحِدِهِ، ألا تَرَى أنًّ في إلقائه في النارِ، ذكرَ سبحانه أقصى ما فَعَلَهُ، فقالَ: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، وذكر في قصة يوسف ما نالَهُ من إخوتِهِ؛ (٢ من إلقاءٍ له في الجُبِّ ٢)، والبيع له بالبخسِ، ومجيءٍ [على] قميصِهِ بالدمِ، وما لحقَهُ من انهمام امرأة العزيز (٢ به، ومراودته عن نفسه، فذكر أن صبره على ذلك من ٢) فضائل الصابرينَ من الأنبياء (٢ فكيف يذكر ابتلاءَهُ بأشد ٢) محنةٍ؛ لأنَّهُ لا تكليفَ أشقُّ ولا أوجعُ من أمرِ أبٍ بذبح ولدهِ وواحدة، ثُمَّ إِنه يقعُ منه ذلكَ طاعةً لله، وتسليماً لأمرِهِ، وصبراً عَلى بلائِهِ، ويتفقُ في ذلكَ الذابحُ والمذبوحُ، ثُمَّ يذكرُ مقدماتِ البلاءِ، ويسكتُ عن حقيقةِ البلاءِ، وفيهِ غايةُ التبجيلِ للمُبْتلَى، وإغلاق العروقِ وهي غايةُ الإعجازِ، وبيانِ القدرةِ في حقِّ المُبْتلِي (٣) جَلَّتْ عظمتُهُ، هذا بعيدٌ جداً.
ثُمَّ إنَّ الذي يبطل هذه الدعوى، قولُه تعالى: ﴿وفدَيْناهُ بذِبْح﴾
стр. 1948
[الصافات: ١٠٧]، ومعلومٌ أنَّ الفداءَ ما كانَ قائماً مقامَ المفدى فإذا كانَ الذبحُ قد وقَعَ، والحلقُ انقطع حقِّ إسحاق والكبشِ، فهما جميعاً مذبوحانِ، فلِمَ كانَ الكبشُ فداءً؟!.
وأمَّا قولُهُ: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥]، فإن التصديقَ إنما عادَ إلى أفعالِ القلْبِ من الاعتقادِ وتصميم العزمِ، وتحصيلِ أدواتِ الفعلِ، وتلِّ ولدِه للجبينِ، وإمرارِ المُدْيةِ علىَ الحلقِ، وليسَ إليه في التصديقِ سوى هذا، فسمَّاهُ مصدقاً، لإثباتِهِ لكلِّ (١) فعلٍ ظاهرٍ دل على تصديقهِ، ولما اطَّلَعَ الله سبحانه عليه؛ من باطنِ قصده وعزمه وعقده، ولهذا قال سبحانه فيِ الضحايا: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج: ٣٧]، فأسقط حكمَ الذبح، وتفريقِ اللحم، وذكرَ أنَّهُ لا يقبلُ إلا خلوصَ القصدِ، وسلامتَه من الرِّياء، وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥] المرادُ بِهِ: الاعتقاد (٢ والإخلاص لله ٢) وأَمَّا قولهم: (٢ أرادَ ابتلاءَ٢) صبرهِم (٢ واختبارَ سِرِّهم. لا يليق بجلال الله ٢) سبحانه، لأنه العالم بأحوال خلقِه، ومقاصدِهم، وسرائرِهم، ومقاديرِ صبرِهم، وإنما يفعلُ فعلَ المختبرِ، فيقعُ عليه الاسمُ مجازاً، كالغضبِ والآسفِ، وكلُّ ذلكَ لصَدْرِ أفعال الغضبانِ والأَسِفِ، لا أنَّ حقيقةَ الغضبِ -وهو غليانُ دمِ القلبِ طلباً للانتقامِ- مما يصحُّ عليهِ، ولو كانَ الامتحانُ حقيقةً في حقِّه، والغضبُ حقيقةً في حقه، والرَّحْمةُ (٣) حقيقةً في حقِّهِ، لكانت الحدودُ لهذه الحقائقِ منطبقةْ عليه سبحانَهُ، كانطاقِ حَدِّ العلمِ والقدرةِ والحياةِ والإرادةِ،
стр. 1949
فالعلمُ في حقِّهِ وحقِّنا: معرفةُ المعلوم على ما هو به، والقدرةُ: صحةُ الفعل، والإرادةُ والمشيئة: صَدْر الأفَعالِ عن قصدهِ إليها، فلما كانَ الغضبُ هو انفعالٌ يدخلُ على النفس، وانشطاطٌ يهجمُ على الطبعِ، فيغلي لَهُ دمُ القلب، والاختبارُ واَلابتلاءُ: تسليطُ ما يُظهِرُ خوافيَ المُبْتَلَى، وكوامنَ أَسرارِهِ؛ بما يسلطُهُ عليهِ المُبْتلِي، كما يُمتحنُ الذهبُ على النارِ، عُلِمَ أنَّهُ ليسَ بصفةٍ لله، وإنَّما هو (١) أمرٌ يعود إلى فعله دونَ وصفِهِ؛ إذِ الحقائق لا تختلف شاهداً وغائباً، فلمَّا لم ينطبق الحدُّ عليه سبحانه، بطلَ دعوى الامتحان حقيقةً عليه، وهي أنه فعلٌ يصدرُ عنهُ يضاهي فعل الممتحنِ.
وأمَّا قولُهم: إنه جعَلَ على أوداجهِ صفيحةَ (٢) حديدٍ أو نحاس تمنعُ من الذبح بعدَ (٣ اضجاعِه للذَبح ٣)، فغير مستقيمٍ على أصولهم؛ لأنَّهُ لا يأمر بمَا لا يطاقُ، وهذا (٣ مما لا يطاق وعندهم لا يحال بين المأمور ٣) وبين المأمور به (٣ بل لا بد من الإقدار ٣) عليه، ولهذا منعُوا من إماته المأمورِ قبل وقت مجيء الفعلِ (٣ ومن تعجيزه ٣)، ومن إِمراضهِ، وكلِّ مانع يحيلُ بينهُ وبين الفعلِ، ويكونُ عندهُم ذلك إغراءً بالمعاصي إنْ أعلمهُ، وتعريضاً بالجهلِ إنْ لَم يعلمهُ.
وأيضاً فماصحَّتْ بهِ الراويةُ من نسخِ ما فرضهُ الله على نبيهِ ﷺ من خمسين صلاةً، ثم استنقصهُ، فنَقَصَهُ إلى خمس صلواتٍ قبلَ وقتِ الفعلِ لها، وكانَ ذلك منهُ لُطفاً وتسهيلاً، وحُكَمُه في السماءِ حكمُهِ في الأرضِ، وما جاَز أنْ يَشرعهُ في السماءِ، جازَ أنْ يأمرَ بهِ في الأرضِ.
стр. 1950
وقد قال قوم: لا يثبتُ الحكمُ في حقِّنا، ولا النسخُ ما لم يُنزَّل، وهذا إنما يكون، إذا كانَ مع جبريلَ ﵇ قبل أنْ يتلقاه مأموراً بهِ، فأمَّا معَ تلقي نبينا ﷺ للأمرِ، فإنهُ واصل إلى المكلفِ به (١)، فخطابهُ خطاب لَنا، وخطابنا خطاب لهُ، ودلائلُ الحال وقرينةُ الخطابِ دَلَّتْ على أنَّهُ كانَ إلزاماً لَنا أيضاً؛ لأنهُ روي أنَّ موسى ﵇ كانَ يقول لهُ: "إنَّ أُمتكَ ضعفاءُ لا يطيقون، فاستنقص الله، ينقِصْكَ" (٢)، وهذا يشهد بأنَّ ذلكَ تكليس وصلَ إلى المكلف، فلا يكون حكمه حكمَ النسخِ على يد جبريل؛ لأنَّ جبريلَ رسول غيرُ مكلف، ولا داخلٌ تحت الخطاب.
وهذه الطريقة مبنية على الإسراء، وهو ثابت عندنا يقظةً لا مناماً، وجميعُ ما صَحَّتْ به (٣ المسألة هناك تصح به المسألة هنا ٣)، فالحُجَّةُ هناك أَوضحُ وأظهر من الحُجَّةِ في هذه المسألةِ.
فصل
في أدلة الاستنباطِ
فمن ذلك: أمره بالفعل المطلق المقتضي بظاهره تكررَهُ بتكررِ (٤) الأزمانِ، فما من زمانٍ مستقبلٍ إلا وهو مُسْتَوْعَبٌ مَشْمُولٌ بالأمرِ بالفعلِ المأمورِ به فيه، فلم يُمْنَعْ قطعُ ذلكَ الأمرِ عن أوقاتٍ مستقبلةٍ بنسخِ الأفعال المستقبلة، فكذلك نسخه للأمرِ الواحدِ عن إيقاعه
стр. 1951
قبلَ (١) الوقتِ الواحدِ، ولا فصلَ، لأنَّ غايةَ ما يقولون في ذلك: أنه لا يفضي إلى اعتقادِ الجهل إذا كانَ أمراً مطلقاً، وقد وقع الامتثالُ، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ المكلفَ اعتقدَ الدوامَ، وما كانَ، أو يقالُ: اعتقدَ دوامَهُ بشرطِ أنْ لاينسخ، فمثله هاهنا يَعْتَقِدُ إيقاعَ الفعل إنْ لم يُنْسَخْ.
ومن ذلك: أنَّ التكليفَ لا يخلو أن يكونَ على سبيلِ الأصلح، كما قال بعضُ الأصوليين، أو على ما قالَ بعضهم: إنَه (٢) على وجه اَلمشيئةِ المطلقةِ من غير اشتراطِ الأصلح؛ فإنْ كانَ على المذهبِ الأول، فلا بدعَ أن يكونَ الأصلحُ للمكلفِ اعتقادَ الوجوبِ، واعتناقَهُ، والعزمَ عليهِ، وتوطينَ النفسِ على إيقاعِهِ في الوقتِ الذي نيط به.
وإنْ كانَ على وجه المشيئةِ، فلا حجرَ، فلا وجهَ للمنعِ، بل له أن يشاءَ الأمرَ دونَ المأمورِ (٣ به، والأمرُ ٣) لتحصيلِ الاعتقادِ والعزمِ دون الفعل، ولا يشرط لأمرهِ ضمُّ (٣ شيءٍ إلى أشياء٣)، وتعلق شيء بشيء ويبينُ بالنسخِ أنَّ المرادَ مِنه ما أتى به التكليف (٣ ولو أن ما أراده ٣) كانَ ما شرعَ فيه من مقدمات الذبحِ، ولم يكنْ أرادَ عينَ الذبحِ لضرب (٣ عن ذكر الأمر بالذبح ٣).
(٣ فصل
في النسخ بالقياس
لا يجوز النسخ بالقياس لأن القياس ليس بخطاب ٣) على ما قدمنا (٤)
стр. 1952
وإنما القياس (١ أن ينص على١) إباحة التفاضلِ بين الأَرز بالأرزِ؛ فإنه لا يُنْسَخُ بالمُستنبَطِ (١ من نَهيِه ١) عن بيع الأجناس، أو نهيه عن بيعِ الطعامِ بالطعامِ متفاضلاً، وما شابه ذلك، خلَافاً لبعضِ أصحاب الشافعيِّ: يجوزُ النسخُ بالقياس، وقال أبو القاسم الأنماطيُّ (٢) منهمْ: يَجُوزُ بالقياس الجليِّ.
فصلٌ
في أدلتنا
فمنها: أنَّ القياسَ يستنبطُ من أصلٍ هو السنة، فلا يجوز أن يعودَ الفرعُ المستنبطُ على أصلهِ بالإسقاطِ.
ومنها: أنَّه قياس، فلا ينسخُ به، كالخفيِّ.
ومنها: أنَّ النص يُسقِطُ القياس إذا عارضَهُ، وما أسقط غيرَهُ، لم يجز نسخُهُ (٣ به؛ كنصِّ ٣) القرآنِ لَمَّا أسقط نصَّ السنةِ، لم يجزْ نسخُه بها.
стр. 1953
فصل
في شبهة المخالف
لما جاز التخصيصُ لعمومِ القرآنِ، وصرفُ ظاهرِ القرآن به، جازَ أن يقضي على بيان مدةِ حكمِ النَصِّ، إذ ليس النسخُ بأكثرَ من بيانِ نهايةِ مدةِ حكمِ النصِّ الثابت بالقرآن، وكما جاز أن يقضي على عموم الأعيانِ التي يستغرقها عمومُ القرآن؛ بالبيانِ عن أنَّ المرادَ (١ منها بعضها١)، جاز أن يقضي على عموم الأزمانِ في حكمِ النصِّ، فيبين أنَّ المرادَ به بعضُ ما اقتضاه الإطلاق من الزمان.
فيقال: ليس النسخُ من التخصيص في شيءٍ، ولهذا نخصُّ عمومَ القرآنِ بدليلِ العقلِ، [و] بالإجماعِ، والقياس الخفي، ولا يُنْسَخُ نَصُّ القرآنِ بذلك.
شبهةُ الأنماطيِّ على (١ مذهبه: أنَّ ١) التنبيه يجري مجرى النص، ولهذا ينقضُ به حكم الحاكم، (١ فإذا جازَ النسخُ ١) بالنصِّ، جاز به.
ونحنُ موافقون له في هذا (١ القياس؛ لأن النصَّ لا يُسقط النص إذا عارضه، فجاز النسخ به، وليس كذلك القَياس، فإنه يُسقط القياس إذا عارضه فلم يَجُز نسخه به، بخلاف الأصل ١) المستنبط منه، ومهما (١ كان القياس، لا يُنْسَخُ به١) وإنما يَنسخُ الأصلُ الذي يستنبطُ منه، فيسقط حكمه، مثل أن ينصَّ على تحريمِ التفاضلِ في المطعوماتِ السِّتَّة، فيقاس عليها الأرز، فإذا نُسِخَ تحريم التفاضلِ في المطعوم، سقط قياس الأرز؛ لسقوطِ أصله.
стр. 1954
فصل
ولا يجوز نسخُ الإجماع، ولا النسخُ به، وما عَرَفْتُ مخالفاً، فأَحكِيَ قولَه.
والدلالةُ على ذلك: أنَّ النسخَ إنَّما هو إِمَّا رفعُ الحكمِ بعد ثبوتِهِ، أو بيانُ مدة الحكمِ، وانتهاء غايتها، وذلكَ لا يكونُ إلا لمن نزل عليه وحيٌ يطلعهُ على انتهاءِ مدةِ الأصلح، أو مدةِ الإرادةِ، وهو النبيُّ ﷺ ، والإجماعُ لا يثبت حكمُهُ في عصَرِ النبيِّ ﷺ ؛ إذْ لا حكمَ للاتفاق ولا الاختلافِ مع وجوده ﷺ ، ولا وجودَ لنزولِ الوحي (١) في عصرِ الإجماع، وإذا لم يجتمعا، لم يكن أحدهما ناسخاً للآخر ولا (١) منسوخاً به.
فإنْ قيلَ: أليسَ إذا وَرَدَ عمومٌ، خَصَّصْتمُوهُ بالإجماعِ، إذا لم يكن لحملهِ على عمومِهِ وجهٌ عندَ جماعةِ المجتهدين؟ وكذلك خبرُ واحدٍ لا وجهَ له عندهم، يُتْرَكُ بإجماعهم، وليسَ النسخُ إلا التركَ، أو هو والتركُ سواءٌ.
قيل: ليسَ التركُ بالإجماعِ نسخاً للنص بالإجماعِ، وحصولِ اجتهادِ الكلِّ الذي شهدَ الشرعُ له (٢ بالعصمة من ٢) الضلالة، والسلامةِ من الخطأ، وأنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياء، (٢ وأنه لا بدَّ في زَمَن ٢) الفَتْرة مِنْ بعثَة نبي يتجدد، وأنَّ هذه الأمة لا نبي بعدَ نبيها ﷺ إلى الخصَوص وكذا (٢ ...... ٢) تركه بهذا الدليل وأن (٢ ...... ٢) عَلِمْنا
стр. 1955
أنَّه منسوخ بطريقٍ يصلحُ للنسخِ، وهو الوحيُ، لا أنَّنا نسخْناهُ، لكن بيَّنَّاه بالدليل المقطوع عليه.
فإنْ قيلَ: أليسَ إذاكانتِ الصحابةُ على قولين، وأُجْمعَ علي أحدِهما، صارَ إجماعاً يُسْقطُ القولَ الآخرَ، وهذا صورة النسخِ للقولِ الآخر.
قيل: لا نقولُ ذلك، ولا نرضى به مذهباً، بل الخلافُ على حالِهِ؛ وذلكَ لأنَّ اختلافَ الصحابةِ على قولين اختلاف صورة (١ ...... ١) إجماع معنى؛ لأنَّهم اتفقواعلى تسويغِ الاجتهادِ في ذلك الحكمِ، (١ فإذا أَجْمعَ ١) التابعون على أحدِهما، بقي القولُ الآخر مجمعاً على تسويغِهِ من (١ جهة أخرى١)، فلا يقوى إجماعُ التابعين على رفعِ إجماعِ الصحابة.
على أنَّ التحقيق عندي: أنْ يقالَ: لا يجوزُ أن يجمعَ التابعونَ على نفي تسويغٍ سبق أَخذُ الصحابة به، كما لا يجوزُ بعثةُ نبيٍّ يُكذِّبُ مَقالَةَ نبيٍّ قبله، والإجماع في العصمة كالنبوةِ، فمتى طَرَقْنا تجويزَ إجماعٍ بعدَ إجماعٍ يخالفه انسدَّ علينا بابُ العلمِ بصحة الإجماع، وذلكَ محالٌ، وكلُّ (١ قولٍ يفضي إليه ١) محال، فلا ينبغي أن يقالَ: إنه إجماعٌ، ولا يعمل به.
стр. 1956
فصل
(١ يُنسَخُ الشيءُ ١) بغيرِهِ، وإنْ أمْكَنَ اجتماعُه معه، كنسخ عاشوراء بصومِ رمضانَ، وإنْ كانَ الجمعُ بينَ الإيجابينِ -ممكناً، بلى لا يمتنعُ الجمعُ بين حُكْمينِ وبينَهُما تاريخٌ، إلا كانَ الثاني منهما ناسخاً للأولِ.
(١ قال شيخُنا ١) ﵁ في كتابِهِ (٢): لا ينسخُ الشيءَ إلاّ بمعارض (١ فإذا ما ورد شرعان لا يتعارضان، فلا ينسخ أحدهما الآخر ١)، (١ وقول من يقول: إن صوم رمضان نسخ صوم عاشوراء، لايَصح لأنه لا تنافي بين صوم رمضان وصوم عاشوراء ١) أصلاً، فإذا قيل: (١ نُسِخ حكمُ كذا بكذا، كان ١) معناه: نُسِخَ إليه، أو أُبدِلَ به، وإلا فالنسخُ حقيقةً هو حكمُ الله بوَحْيه لبيانِ (٣) مدة حكمِهِ الأولِ، وأَنَّ هذا وقتُ غايتِهِ وانقطاعِهِ؛ إما لمكاَنِ مصلحةٍ اقْتَضَتْ ذلكَ، أو مجرد مشيئةٍ.
فصل
قال إمامُنا أبو يعلى ابنُ الفراء رحمةُ الله عليه (٤): وأذا قالَ الصحابيُّ ﵁: هذهِ الآيةُ منسوخةٌ، لم نَقْنَعْ بذلك، ولم (٥) نَصِرْ الى قوله؛ حتى يُبَيِّنَ ناسخَها، وبماذا نُسِخَتْ؛ وقد أومأ إليه أحمدُ، وأنْ النسخَ راجع (٥) إلى النبيِّ ﷺ ، وعنه روايةٌ أخرى أيضاً:
стр. 1957
إلى قولِ الصحابي: (١ إن هذه ١) الآية منسوخة. وبالأُولى قالَ أصحابُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ (٢).
وجه الأُولى: أنَّ الصحابيَّ قد يجوزُ أنْ يعتقدَ التخصيصَ نسخاً، وما ليسَ بنَسْخٍ نسخاً، وهذا على قولِ مَنْ لا يُجوِّزُ نقلَ الأخبارِ بالمعنى، أبَلغُ في المنعِ، فهو خَبَرُ واحدٍ، وخبرُ الواحدِ لا يجوزُ به نسخُ القرانِ.
ووجه الثانية (١ أن النسخَ لا يقعُ ١) بالمحتملِ، والصحابةُ أعلمُ بذلكَ، فثبتَ أنَّه لا يقولُ: إنه منسوخٌ، (١ إلآ وسَمِعَه ١) مِنْ رسولِ الله ﷺ غيرُمحتملٍ.
فصل
(١ في أن العبادة ١) نسخُ بعضِها لا يكونُ نسخاً للباقي.
وبه قال الكرخيُّ، والبصريُّ، وأصحابُ الشافعيِّ، وعنْ بعضِهم: أنَّهُ نسخٌ للباقي (٣).
وقالَ بعضُ المتكلمين (٤): (١ إن كان ١) ذلكَ نسخَ شرط (٥)
стр. 1958
ينفصلُ عن الجملة، لم يكن ذلك نسخاً، وإنْ كانَ (١ نسخَ بعضِ الجملةِ ١)؛ متصلاً كالقبلةِ، والركوعِ، والسجود في الصلاة، كانَ (١ نسخاً للعبادةِ ١).
والدلالة في هذهِ نحو الدلالةِ في الزيادةِ، وأن (١ .... ١) المزيد عليه على ما (١ ........ ١) ثم نسخ أحدهما، لم يكن نسخاً للثاني (١ ...... ١) بعض واجباتِ الشريعةِ، وقد صارَ كلٌّ واجباً بعد أن كان بعضه.
وأيضاً: لو كانَ التنقيصُ نسخاً لما بقي بعد التنقيصِ، لكانَ المخصوصُ بعضهُ موجباً تخصيصَ ما بقيَ، فلمَّا كانَ الباقي على عمومِهِ فيما بقيَ متناولاً له، كذلكَ في بابِ النسخِ، ولا فرقَ بينهما.
شبهة تضاهي شُبَهَهُم في الزيادةِ: وهي (٢) أنَّ النقصانَ غَيَّرَالفريضةَ، فجعلَ ما كان بعْضاً (١ كلاًّ، فصار ما ١) لا يُجْزِىءُ، ولا يُبرِىءُ الذمةَ، يُجزِىءُ ويُبرِىءُ، وهذا حقيقةُ (١ النسخِ.
والجواب ١) عليه: نحوُ ما قدَّمنا، وأنَّ الباقي ما تَغَيَّر عمَّا كانَ عليهِ.
على أنَّهُ (١ يبطُلُ بنقصانِ١) عبادة مِنْ عباداتٍ، وبنَسْخِ شَرط منفصلٍ عَن العبادةِ، على قولِ من سَلَّمَه (١).
стр. 1959
فصلٌ
يجوزُ النسخُ بأفعالِ رسولِ الله ﷺ - أخذاً من قولِ أحمدَ بتخصيصِ العموماتِ بفعلهِ ﷺ .
وقال (١ أبو الحسن التميمي ١): لا يجوزُ ذلكَ، وبناهُ على أنَّ أفعالَهُ لا تدلُّ على الوجوب (١ وعندي: لا يجوزُ ذلك ١) من غيرِ بناءٍ، لأنَّ أفعالَهُ وإنْ دَلَّتْ على الوجوبِ، فإنها تَدلُّ في الظاهر، والقولُ صريح، والفعلُ دليل وليسَ بصريح (٢)، (١ والشيءُ إنما يُنسَخُ ١) بما هُوَ مثلُه، أو ما هو أعلى منه، فأمَّا [أن] ينسخَ بما دونَه، فلا، (١ والله أعلم ١) (٣).
стр. 1960
فصول
الأخبار وما فيها من الخلاف
فصل
الخبر صيغة، ولا نقول: للخبر صيغة؛ على ما قدمت في الأمر (١)، وأنَّ من قالَ: الكلامُ في النفس، حَسُنَ منه أن يقولَ: للخبر صيغة تعبِّر عنه، فأمَّا من قال: الكلامُ هو الصيغ، قال: الأمرُ صيغةَ مخصوصة، والخبرُ صيغةٌ مخصوصةٌ، وهو على ما قدمنا في الحدودِ والعقود في أول الكتاب.
والصيغةُ بمجردها خبرٌ من غير قرينةٍ ولا دلالةٍ، وهي قولُ القائلِ: قامَ زيدٌ، وانطلقَ عمرٌ و، ويقومُ خالد، إلى أمثالِ ذلك.
وقالت المعتزلةُ: لا صيغة له، وإنَّما يدلُّ اللفظُ عليه بقرينةٍ أو دلالةٍ.
وقالت الأشاعرة: الخبرُ نوع من، الكلامِ، قائم في النفس، ويعبَّر
стр. 1961
عنه بعبارةٍ، هي هذه الصيغةُ، كما قالوا في الأمرِ والنهي.
فصل
في دلائِلنا فيها
فمنها: أنَّ أهلَ اللغةِ، وأربابَ اللسانِ، قَسَّمُوا الكلامَ أقساماً، فقالوا: إنَّه أمرٌ ونهي، وخبرٌ واستخبارٌ، ونداءٌ وتمنٍّ، فالخبر من ذلك: قامَ زيد، وانطلقَ عمرو، وقالوا: إنَّه ما حسُنَ أن يكون جوابه في اللغة. صدَقْتَ، أو كَذَبْتَ.
ومنها: أنَّ أهلَ اللغةِ مع كونِهم أهلَ هذه الصناعة، وحاجتُهم إلى التخاطب بالأخبارِ الحاجةَ الماسَّةَ، وبهم إلى ذلك الضرورة الماسَّة، لا يجوز أن نَظُنَّ بهم أنّهم لم يضعوا للخبرِ صيغةً، لا سيّما وقد سمعناهم يقولون (١): زيدٌ في الدارِ، خبراً، وهل زيدٌ دي الدار؟ سؤالاً واستخباراً، ويا زيدُ، نداءً، ولعلَّ زيداً (٢ في الدار، ترجياً، وليت زيداً قائمٌ تمنياً ٢) وقم يا زيدُ، أمراً، ولا تدخل، ولا تقعد (٢)، نهياً، فلا حاجةَ بنا مع سماعِ هذه الأوضاع منهم إلى الدلالة ومَن يخالفُ في هذا، يجري مجرى المعاند لوضعهم، فلا بُدَّ أن نُشبعَ الكلام.
وكتاب الله سبحانه مملوءٌ بالأَخبار عما كان، وعمَّا يكونُ، مثلُ
стр. 1962
قولِه: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧]، ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣]، وخبر الماضي: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١]، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ [الروم: ٤٧]، والصيغ بالأخبار أكثرُ من أن تحصى في كتابِ الله سبحانه، وتَخاطُبِ العربِ بها.
فصلٌ
في شُبَهِهِم
قالوا: هذه الصيغةُ قد تردُ، والمرادُ بها الأمرُ، كقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] و ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وكم أُمٍّ لا ترضع، ومطلقةٍ لا تتربصُ، وزمانٍ يكونُ في الحرمِ مخوفاً غير آمن، وخبرُ الله تعالى لا يكون (١) بخلاف مُخبَرِه، فإذا وردت هذه الصيغة مطلقةً، غيرَ مقيدةٍ بقرينةٍ، ولا دلالةٍ تدلُّ على صرفِها إلى الخبرِ، وجب التوقفُ فيها، وكان أكثرُ ما تعطينا الصلاحيةَ للخبرِ، فأمّا الوضع والاقتضاءُ، فلا، وصارت كسائرِ الألفاظِ المشتركةِ، كقُرْء، وشفق، وجونٍ، ولونٍ.
فيقالُ: هذه الدعوى معكوسةٌ، بل الصيغة موضوعةٌ؛ بدليلِ ما ذكرنا، وتصرفُ بدلالةٍ وقرينةٍ إلى الأمر، فتكونُ لامُ الأمرِ محذوفةً، وتقديرُه: لِتُرضِعْنَ، ولِتَتربَّصنَ، ومن دخلَه، فأمِّنوه، فالوضعُ الأصل، والصرفُ لها من الخبرِ إلى الأمرِ بدلالةٍ وقريية، ويوضَحُ
стр. 1963
ذلك: أنَّ المبادرةَ بهذهِ الصيغةِ لا يفهم منها إلا الخبرُ، ولا يعقلُ الأمرُ إلا بدلالةٍ، ووجهُ القرينةِ في الصيغةِ: أنَّها للمستقبلِ، وكونُها من الأعلى، فأمَّا إذا وردت من (١) مساوٍ أو دونٍ، لم يعقل منها إلا الخبرُ، فاعتبارُ القرينةِ لكونها أمراً، وعدمُ اعتبارِ القرينةِ في كونها خبراً، دلالةٌ على أنَّ وَضْعَها خبرٌ، لا أمرٌ.
فصلٌ
يقع العلم بأخبارِ التواتر مع اختلاف الناس في العدد المعتبر، وبه قالت الكافَّةُ.
وحُكِيَ عن السُّمَنِيّهِ (٢)، وقيل: البَراهِمَة (٣) أيضأ: أنه (٤ لا يقعُ ٤) العلمُ بالأخبار، بل بالمشاهدات والحواسِّ خاصَّةً.
(٤ فيقالُ: إننا ٤) نجد نفوسَنا ساكنةً، وقلوبَنا عالمةً بما نسمعُ من
стр. 1964
الأخبارِ عن البلاد النائيةِ، والقرونِ الخاليةِ، والأممِ السالفةِ، كسكونها إلى العلمِ بما تدركُه بالحواسِّ من المحسوساتِ، ومن أنكرَ ذلك، سلكنا معه ما سلكناه مع أصحاب سوفسطا (١)؛ حيث أنكروا حقائق الأشياء، ودركَ الحواسِّ، وليسَ يسلكُ مع أولئك طريقُ المناظرة، لكن يسلكُ معهم مسلك العلاجِ والمداواةِ، وإنَّما تنقطعُ المناظرةُ معهم؛ لأنَّ غايةَ أدواتِ النظرِ: القولُ المفضي إلى جعلِ الغائبِ كالشاهدِ، وحملِ المعلومِ على المحسوس، وسياقةِ الأمرِ إلى أن تحصلَ الثقةُ بالإثباتِ أو النفي بدلالةِ العقلِ؛ بطريقِ النظرِ والتأملِ والاستدلالِ، فإذا كانوا للطرقِ منكرين، تعذَّرَ الوصولُ إلى الغايةِ المطلوبةِ، فليس إلا إخراجهم إلى الإثباتِ لما أنكروه، من تسليطِ المؤلمات عليهم، فإذا أذعنوا بدركِ الآلامِ، افتضحوا في جحدهم، وبان إهمالُهم وتجنِّيهم؛ إذ لو كانَ المحسوسُ باطلاً، والحسُّ منعدماً، لماظهرَ منهم ما يظهرُ منّا، فإذا فعلَ بمحضرٍ منهم ما يُضحكُ فضحكوا (٢) بتحركِ عضلِهم، وما يُحزنُ، فبكوا، وما يُطربُ، فتحركوا، وما يغضبُ من القولِ، فغضبوا، وما يُدهشُ مِن الأخبارِ، فدهشوا، وما يسرُّ مِن الإحسانِ، فاستبشروا، كذبَتْ أقوالَهم بالجَحْدِ أحوالُهم؛ بقَبُولِ (٣) كلِّ مُدرَكٍ محسوسٍ، وظهورِ الحال التي تقتضيه.
وقد تحيَّل الفقهاء بمثل (٤) ذلك في باب مَن جُنيَ عليه بلطمةٍ أو ضربةٍ، فادَّعى أنَّه ذهبَ بصرُه أو سمعُه أو عقلُه، بأن أظهرَ العمى
стр. 1965
والطرشَ والخبلَ، فاغتفلوه بالكلامِ المضحكِ والمحزنِ والمغضِبِ، فإذا ظهرَ منه ما يَظهرُ من السامعِ، واغتفلوا المدعي للعمى بما يفزعُ، أو يُعجبُ من الصُّوَرِ، وتغييرِ الأشكالِ، والإيماءِ إليه بما يوجب البعدَ أو العَدْوَ بالتخويفِ، فإن ظهرَ منه ما يدلُّ على الرؤيةِ، حكموا بكذبهِ فيما ادعاه من فقدِ الحاسَّةِ، وكذلكِ في بابِ العقلِ يمتحنُ بالعقلياتِ، فيغتفلُ (١) بذكر الأخبار التي لا يقبلها العقلُ، والخيالاتِ التي يأباها، فإن أنكرَ، عُلِمَ كذبُه، فكذلك في مسألتنا مَن سُلِّطَ عليه الأخبارُ من طريقِ التواطؤ على ذلك؛ بأنَّ السلطان قد يقدمُ ويقتلُه، وأنَّ أباه غرقَ، أو دارَه احترقت، أو أنَّ بضاعَته تلفت، فإن ظهرَ منه من الشحوب والتغيّرِ فزعاً أو حزناً، أو أخبر بما يغضبه، فغصْب، كَذَّبَتْ حَالُه دعواه، وبانَ أنَّه يجدُ الثقة بالأخبارِ حقيقةً، ويجحدُ ذلكَ مذهباً، وكم بلغ بالناس العنادُ إلى إفسادِ الاعتقادِ، وتَجَرُّدٍ من الإحساس في حقِّ بعضِ الأَشخاصِ؛ لعصبيةٍ أو محبةٍ، كما قال النبي ﷺ : "حبُّك للشيء يعمي ويصم" (٢)، فغلبةُ المحبةِ تغشي البصرَ والبصيرةَ، فكذلكَ الأهواءُ في المذاهب تفسد المداركَ، فإذا سُلِطَ عليها الامتحانُ، بانَ كذبُ ذلكَ التَّعمُّلِ، والطبعُ أغلبُ.
وأيضاً: فإنَّا نجدُ نفوسَنا ينشأُ فيها العلمُ أولاً فأولاً إلى أن تستحكم