← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

عنه بعبارةٍ، هي هذه الصيغةُ، كما قالوا في الأمرِ والنهي. فصل في دلائِلنا فيها فمنها: أنَّ أهلَ اللغةِ، وأربابَ اللسانِ، قَسَّمُوا الكلامَ أقساماً، فقالوا: إنَّه أمرٌ ونهي، وخبرٌ واستخبارٌ، ونداءٌ وتمنٍّ، فالخبر من ذلك: قامَ زيد، وانطلقَ عمرو، وقالوا: إنَّه ما حسُنَ أن يكون جوابه في اللغة. صدَقْتَ، أو كَذَبْتَ. ومنها: أنَّ أهلَ اللغةِ مع كونِهم أهلَ هذه الصناعة، وحاجتُهم إلى التخاطب بالأخبارِ الحاجةَ الماسَّةَ، وبهم إلى ذلك الضرورة الماسَّة، لا يجوز أن نَظُنَّ بهم أنّهم لم يضعوا للخبرِ صيغةً، لا سيّما وقد سمعناهم يقولون (١): زيدٌ في الدارِ، خبراً، وهل زيدٌ دي الدار؟ سؤالاً واستخباراً، ويا زيدُ، نداءً، ولعلَّ زيداً (٢ في الدار، ترجياً، وليت زيداً قائمٌ تمنياً ٢) وقم يا زيدُ، أمراً، ولا تدخل، ولا تقعد (٢)، نهياً، فلا حاجةَ بنا مع سماعِ هذه الأوضاع منهم إلى الدلالة ومَن يخالفُ في هذا، يجري مجرى المعاند لوضعهم، فلا بُدَّ أن نُشبعَ الكلام. وكتاب الله سبحانه مملوءٌ بالأَخبار عما كان، وعمَّا يكونُ، مثلُ

стр. 1962

قولِه: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧]، ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣]، وخبر الماضي: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١]، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ [الروم: ٤٧]، والصيغ بالأخبار أكثرُ من أن تحصى في كتابِ الله سبحانه، وتَخاطُبِ العربِ بها. فصلٌ في شُبَهِهِم قالوا: هذه الصيغةُ قد تردُ، والمرادُ بها الأمرُ، كقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] و ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وكم أُمٍّ لا ترضع، ومطلقةٍ لا تتربصُ، وزمانٍ يكونُ في الحرمِ مخوفاً غير آمن، وخبرُ الله تعالى لا يكون (١) بخلاف مُخبَرِه، فإذا وردت هذه الصيغة مطلقةً، غيرَ مقيدةٍ بقرينةٍ، ولا دلالةٍ تدلُّ على صرفِها إلى الخبرِ، وجب التوقفُ فيها، وكان أكثرُ ما تعطينا الصلاحيةَ للخبرِ، فأمّا الوضع والاقتضاءُ، فلا، وصارت كسائرِ الألفاظِ المشتركةِ، كقُرْء، وشفق، وجونٍ، ولونٍ. فيقالُ: هذه الدعوى معكوسةٌ، بل الصيغة موضوعةٌ؛ بدليلِ ما ذكرنا، وتصرفُ بدلالةٍ وقرينةٍ إلى الأمر، فتكونُ لامُ الأمرِ محذوفةً، وتقديرُه: لِتُرضِعْنَ، ولِتَتربَّصنَ، ومن دخلَه، فأمِّنوه، فالوضعُ الأصل، والصرفُ لها من الخبرِ إلى الأمرِ بدلالةٍ وقريية، ويوضَحُ

стр. 1963

ذلك: أنَّ المبادرةَ بهذهِ الصيغةِ لا يفهم منها إلا الخبرُ، ولا يعقلُ الأمرُ إلا بدلالةٍ، ووجهُ القرينةِ في الصيغةِ: أنَّها للمستقبلِ، وكونُها من الأعلى، فأمَّا إذا وردت من (١) مساوٍ أو دونٍ، لم يعقل منها إلا الخبرُ، فاعتبارُ القرينةِ لكونها أمراً، وعدمُ اعتبارِ القرينةِ في كونها خبراً، دلالةٌ على أنَّ وَضْعَها خبرٌ، لا أمرٌ. فصلٌ يقع العلم بأخبارِ التواتر مع اختلاف الناس في العدد المعتبر، وبه قالت الكافَّةُ. وحُكِيَ عن السُّمَنِيّهِ (٢)، وقيل: البَراهِمَة (٣) أيضأ: أنه (٤ لا يقعُ ٤) العلمُ بالأخبار، بل بالمشاهدات والحواسِّ خاصَّةً. (٤ فيقالُ: إننا ٤) نجد نفوسَنا ساكنةً، وقلوبَنا عالمةً بما نسمعُ من

стр. 1964

الأخبارِ عن البلاد النائيةِ، والقرونِ الخاليةِ، والأممِ السالفةِ، كسكونها إلى العلمِ بما تدركُه بالحواسِّ من المحسوساتِ، ومن أنكرَ ذلك، سلكنا معه ما سلكناه مع أصحاب سوفسطا (١)؛ حيث أنكروا حقائق الأشياء، ودركَ الحواسِّ، وليسَ يسلكُ مع أولئك طريقُ المناظرة، لكن يسلكُ معهم مسلك العلاجِ والمداواةِ، وإنَّما تنقطعُ المناظرةُ معهم؛ لأنَّ غايةَ أدواتِ النظرِ: القولُ المفضي إلى جعلِ الغائبِ كالشاهدِ، وحملِ المعلومِ على المحسوس، وسياقةِ الأمرِ إلى أن تحصلَ الثقةُ بالإثباتِ أو النفي بدلالةِ العقلِ؛ بطريقِ النظرِ والتأملِ والاستدلالِ، فإذا كانوا للطرقِ منكرين، تعذَّرَ الوصولُ إلى الغايةِ المطلوبةِ، فليس إلا إخراجهم إلى الإثباتِ لما أنكروه، من تسليطِ المؤلمات عليهم، فإذا أذعنوا بدركِ الآلامِ، افتضحوا في جحدهم، وبان إهمالُهم وتجنِّيهم؛ إذ لو كانَ المحسوسُ باطلاً، والحسُّ منعدماً، لماظهرَ منهم ما يظهرُ منّا، فإذا فعلَ بمحضرٍ منهم ما يُضحكُ فضحكوا (٢) بتحركِ عضلِهم، وما يُحزنُ، فبكوا، وما يُطربُ، فتحركوا، وما يغضبُ من القولِ، فغضبوا، وما يُدهشُ مِن الأخبارِ، فدهشوا، وما يسرُّ مِن الإحسانِ، فاستبشروا، كذبَتْ أقوالَهم بالجَحْدِ أحوالُهم؛ بقَبُولِ (٣) كلِّ مُدرَكٍ محسوسٍ، وظهورِ الحال التي تقتضيه. وقد تحيَّل الفقهاء بمثل (٤) ذلك في باب مَن جُنيَ عليه بلطمةٍ أو ضربةٍ، فادَّعى أنَّه ذهبَ بصرُه أو سمعُه أو عقلُه، بأن أظهرَ العمى

стр. 1965

والطرشَ والخبلَ، فاغتفلوه بالكلامِ المضحكِ والمحزنِ والمغضِبِ، فإذا ظهرَ منه ما يَظهرُ من السامعِ، واغتفلوا المدعي للعمى بما يفزعُ، أو يُعجبُ من الصُّوَرِ، وتغييرِ الأشكالِ، والإيماءِ إليه بما يوجب البعدَ أو العَدْوَ بالتخويفِ، فإن ظهرَ منه ما يدلُّ على الرؤيةِ، حكموا بكذبهِ فيما ادعاه من فقدِ الحاسَّةِ، وكذلكِ في بابِ العقلِ يمتحنُ بالعقلياتِ، فيغتفلُ (١) بذكر الأخبار التي لا يقبلها العقلُ، والخيالاتِ التي يأباها، فإن أنكرَ، عُلِمَ كذبُه، فكذلك في مسألتنا مَن سُلِّطَ عليه الأخبارُ من طريقِ التواطؤ على ذلك؛ بأنَّ السلطان قد يقدمُ ويقتلُه، وأنَّ أباه غرقَ، أو دارَه احترقت، أو أنَّ بضاعَته تلفت، فإن ظهرَ منه من الشحوب والتغيّرِ فزعاً أو حزناً، أو أخبر بما يغضبه، فغصْب، كَذَّبَتْ حَالُه دعواه، وبانَ أنَّه يجدُ الثقة بالأخبارِ حقيقةً، ويجحدُ ذلكَ مذهباً، وكم بلغ بالناس العنادُ إلى إفسادِ الاعتقادِ، وتَجَرُّدٍ من الإحساس في حقِّ بعضِ الأَشخاصِ؛ لعصبيةٍ أو محبةٍ، كما قال النبي ﷺ : "حبُّك للشيء يعمي ويصم" (٢)، فغلبةُ المحبةِ تغشي البصرَ والبصيرةَ، فكذلكَ الأهواءُ في المذاهب تفسد المداركَ، فإذا سُلِطَ عليها الامتحانُ، بانَ كذبُ ذلكَ التَّعمُّلِ، والطبعُ أغلبُ. وأيضاً: فإنَّا نجدُ نفوسَنا ينشأُ فيها العلمُ أولاً فأولاً إلى أن تستحكم

стр. 1966

الثقةُ، فإذا أخبرنا المخبر بعد المخبر، تناشأَ عندنا أمرٌ ينتهي إلى الثقةِ، وسكونِ النفسِ، كما أنَّ العلومَ الاستدلاليةَ نَنْتَهي إليها؛ بمقدمةٍ بعد مقدمةٍ، والترقي في النَّظَرِ درجةٍ بعد درجةٍ إلى أن ننتهيَ إلى سكونِ النفس والثقةِ، كما يحصلُ الحفظُ بتكرارِ المحفوظ على النفس، ولا يزال يعلقُ بالقلبِ أولاً فأوّلاً (١)، إلى أن يترصعَ (٢) في القلب، ويتشكلَ، فيصيرَ بالتكرارِ بمثابةِ (٣ الخَتم، وهو ٣) الرَّسم والفص المنقَوش على المطبوع فيه من طين أو شمع، وبمثابةِ الحلي (٤) المصوغِ بتكريرِ الصائغِ عليه إلى أن يتمكن (٣ مِنْ صَقْلِهِ ٣). وهذه أمور كلها معلومات لمن أَنصف، وكذلك حدوثُ السكرِ عندَ تكرُّرِ الشربِ، فمن كابرَ ذلك، خانَ نفسَه، واتهمها. وأيضاً: فإنَّ العددَ الكبيرَ كأهلِ بغداد وسمرقندَ، لا يجوزُ أن يتفقوا على محبة الكذب، كما لا يجوز أن يتفقوا على الميلِ إلى الحموضةِ أو الحلاوةِ، لاختلافِ أمزجتهم، كذلك ها هنا لا يتفقون على محبة الكذب؛ لاختلافِ مروءاتِهم ودياناتِهم، وإذا استحال ذلك، ثم اتفقوا على نقلِ خبرٍ على وجهٍ واحدٍ، قطعنا على صدقهم. فإن قيلَ: فلا نأخذكم إلا من دليلكم، فنقولُ: بهذا استحالَ العلمُ بخبرِ التواترِ، لأنَّ الجمَّ الغفيرَ والعددَ الكثيرَ لا يتفقون (٥) على أمرٍ واحدٍ؛ لاختلافِ آرائهم وأمزجتهم، وإذا كان كذلك، كان محالاً

стр. 1967

اتفاقُهم على الصدقِ أيضاً، لأنَّ الطباعَ لا تتحدُ في فضلٍ ولا نقصٍ مع كثرةِ آرابِها، ألا ترى أنَّه كما يستحيلُ اتفاقُ أهلِ بغدادَ على محبةِ الكذبِ ومحبةِ الخلِّ، يستحيلُ اتفاقُهم على محبةِ الصدقِ ومحبةِ العسل، فالاتفاقُ مستحيلٌ في الخيرِ والشر، بل ربما كانَ الشرُّ أغلبَ، والخيرُ أندرَ وأقلَّ، فإذا لم يجز اتفاقهم على الشرِّ مع كثرةِ مُؤْثِريه وأهلِه، فلأَن لا يجتمعوا على الصدقِ، أَوْلى. قيل: لسنا نقولُ: إنَّ اتفاقَهم على الصدقِ لأنَّه خير، وعدمَ اتفاقهم على الكذبِ لأنَّه شرٌّ، لكنْ لأن الصدقَ هو نقل ما جَرَى، ولا شيءَ أحبُّ إلى نفوس الناس وميلهم؛ من إشاعة الخبر والحديث بما رأوا وسمعوا، ولهذاَ قيلَ: وسرُّ الثلاثةِ غير الخفي (١). وكتمُ السرِّ ثقيلٌ على نفوس النَّاس، فهم مُغْرَمون بنقلِ ما شاهدوا إطرافاً لمن لم يَسْمَعْ، وإخباَراً لمن لم يُخبَرْ، فأمَّا الكتمُ فقلَّ من تقْدِرُ عليه، فهم يحبون نقلَ الخبرِ؛ لا من حيث هو صدقٌ، لكن من حيث هو جارٍ ومسموعٌ؛ يحملُ إلى جانب لم يسمع، وهائل من النظر، وأحسن منه في (٢ المُحَسَّنِ المُجَمَّل ٢)، ومع النفس دواعٍ تدعو إلى الإعلام، ومنعة مانع تمنع من الإسرار والكتم.

стр. 1968

فصلٌ في شُبَهِهِم فمنها: أن قالوا: كلُّ جملةٍ إنما هي مجموعُ آحادِها، وليسَ جملةُ العددِ الدين نقلوا الخبرَ المتواترَ إلا مجموعَ آحاد نقلوا الخبرَ، وقد ثبتَ أن كلَّ واحدٍ من الجماعةِ يجوزُ على خبرِه الكذبُ، كما يجوزُ عليه الصدقُ، فلا وجهَ لتغيُّرِ حالِهم باجتماعِهم، لأنَّ جملَتهم ليس بأكثرَ من آحادِهم، فتجويزُ الكذبِ على الجماعةِ على ما كانَ، إلى أن تقومَ دلالة تعطينا خروجَ الجملةِ إلى القطع بقولهم وصدقِهم، بعدما كانَ خبرُ كلِّ واحد منهم متردداً بين الصِّدقِ والكذب، وهذا دليلٌ قد رضيه المتكلمونَ لإثباتِ حدث العالم، وقالوا: كلُّ حركةٍ من حركاتِ الفلكِ محدثة متجدِّدة، بعد أن لم تكن، فإذا ثبتَ لكلِّ أجزائه الحدوثُ، فليس جملتُه بأكثرَ من آحادِه، فوجبَ أن تكون جملتُه محدثةً بعد أن لم تكن، فثبتَ بهذِه الجملةِ انتفاءُ العلمِ عن خبرِ التواترِ؛ بانتفاءِ العلمِ عن كلِّ واحدٍ من المخبرين. فيقال: إن هذه قضية كاذبةٌ، ولسنا نرضاها في هذه المسألةِ، ولا في دلالة الحدث، وإنَّما المعوَّلُ على غيرِها هناك، ووجهُ فسادِها، ونفيُ الرضا بها: أنَّ الجملَ أبداً في المحسوسات والمعلوماتِ لها من الحكم ما ليس لآحادها، ويَتَجدَّدُ للاجتماعِ ما ليس للانفرادِ، بدليلِ نعيمِ أهلِ الجنَّة؛ فإنَّ كلَّ حالةٍ من أحوالِهم ذو أولٍ وآخرٍ ونهاية، والنعيمُ لا غايةَ له ولا انقطاع، وكلُّ طابق من طوابيق الدارِ لا تملأ صحنها، وجملةُ الطوابيقِ تملأ صحنَها، والأشياءُ الثقيلة كالسَّاحَةِ والعِدْلِ الثقيلين، قد لا ينهض بهما الواحدُ والاثنانِ، فإذا تكاثرَ عليهما الرجالُ، ارتفعت من الأرضِ، وانتقلت من مكانٍ إلى

стр. 1969

مكانٍ، وكذلكَ إذا أخبر الواحدُ حصلَ بعضُ الثقةِ إلى قولِه، وكلما تكاثرَ عددُ المخبرين، تزايدت حتى يحصلَ اليقينُ الذي لا يؤثَرُ فيه تشكيكُ مُشكِّكٍ، وهذا نجده من نفوسِنا، في أنَّ لنا بلداً يعرفُ بمكة، وأنَّ فيه بيتاً يعرف بالكعبة، حتى إنَّ المؤمنَ بأخبار الله والكافر متساويان (١) في العلم بذلكَ، لأجلِ تواترِ الأخبارِ بالعلم (٢) الذي لا يدخلُ عليه ارتياب. على أنَّ الواحدَ من الجماعةِ قد يكونُ له داعٍ يدعوه إلىِ الكذبِ في خبرهِ، ولكن لا تتفق دواعي العددِ الكثيرِ والجَمِّ العْفيرِ على حصول الداعي إلى الكذبِ، بل يستحيلُ ذلكَ على الأمَّة الكثيرة، فقد بانَ مفارقة (٣) الآحادِ للجماعةِ من هذه الوجوه كلها. ومنها أن قالوا: القولُ بالعلمِ بأخبارِ التواترِ يفضي إلى محالٍ، وما أفضى إلى محالٍ محالٌ، وذلكَ أنَّ العددَ الذي يحصلُ بخبرِهم العلمُ الضروريُّ عندكم، إذا أخبرَ عددٌ مثلُهم بما يضادُّ خبرَهم، مثل أنْ يخبرَ هؤلاء بموتِ زيدٍ أمس، ويخبرُ الآخرون بحياتِه في الوقتِ الذي أخبرَ أولئك بموته، فيفَضي ذلك إلى أنَّ يَجْتمعَ (٤) لنا العلمانِ بالضدينِ جميعاً: موت زيدٍ، وحياته، وذلكَ محالٌ، فالمذهبُ المؤدِّي إليهِ باطلٌ. فيقالُ: هذا الفرضُ محالٌ، لا يجوزُ أن تُخبِرَ جماعةٌ لا يجوزُ

стр. 1970

على مثلهم التواطؤ على الكذبِ على خبرٍ، ويجتمعَ مثلُهم على الإخبارِ بضِدِّه. ومنها: أن قالوا: لو كانَ العلمُ يحصلُ بنقلِ الجماعةِ الكثيرةِ، لوجبَ حصول العلمِ لنا بما نقلته اليهود عن موسى، والنصارى عن مسيحها، وأهل الرفضِ عن أئمتِهم؛ من العجائبِ التي يقصدونَ بها إفسادَ مِلَّتِنا، وتكذيبَ كتابِنا ورسولِنا ﷺ ، والطعنَ في أصحابِ محمدٍ ﷺ ، قالوا: يوضِّحُ هذا: أنَّ المعنى الذي تمسكتم به، هو أنَّ الدواعي لا تتفقُ على اختلاقِ الكذبِ، وهذا موجود في كل ملَّة. فيقال: إنَّ النقل الذي يوجبُ العلمَ عندنا، مشروطٌ باستواءِ الطرفين (١)، فأمَّا أن يسمعَ الواحدُ، أو يرويَ، أو يشهدَ الحال، ثم يحدِّثَ به أعداداً من الرجالِ، ويحدثَ أولئك الأعدادُ الأفرادُ لأقوامٍ، فتكثُرُ (٢) الرواةُ والمخبرون، لكنْ هذا العددُ الكثيرُ نقلوا عن أعداد وأفراد، فلا يكون محصلاً للعلم عندنا، ألا ترى أن سخاء حاتم، وفصاحة سحبان وائل وقس بن ساعدة، وفهاهة باقل، وشجاعة علي والمقداد، لما نقلت تواتراً متساوي الطرفين، لم يختلف في ذلك اثنان، ولم يقع فيه شك لمرتاب، ومن شكَّ فيهِ فكأنَّما شكَّ في المحسوساتِ، ولأنَّ يهودَ ما اتفقوا على ذلكَ، بدليل أن رؤساءهم وعلماءهم آمنوا برسول الله، ولو كانوا نقلوا عن نبيهم شيئاً، لما

стр. 1971

رجعوا عنه، ولو رجعوا إلى نبينا غير مذعنين بل منافقين، لما حصلت الثقةُ بقولِهم الأول، كما لم تحصل الثقة بقولهم في الثاني. ومنها: أنَّه قد جازَ اجتماعُ الجماعةِ الكثيرةِ على الخطأ من طريقِ الاجتهاد والرأي، كالفلاسفة و [أهل] الطب، فهلا جوزتم اجتماع جماعةٍ على الكذبِ في النقلِ، وما الفرقُ بين الاجتهادِ والنقل (١)؟! ولهذا جعلتم الإجماعَ حجةً مقطوعاً بها في الرأي، كما جعلتم التواترَ حجة مقطوعاً بها في الخبرِ. فيقال: أمَّا الاجتهادُ، فأدلته خَفِيّهٌ، فالاجتهاد في الحقائقِ بالاستدلال العقلي، ففي أدلته غموضٌ، ولهذا تعترضه الشكوكُ، وكم شاكٍّ وواقف في ذلك، وكم راجع عن رأيه ومذهبِه بعد أن حَقَّقَ القولَ فيه. وأمَّا ما طريقُه الخبرُ عن المُشاهَدة ودركِ الحواسِّ، فلا شكَّ يعتري، ولا شبهة تعرض، فإذا اتفقت الجماعةُ المأمونُ عليهم الاتفافَ على الكذبِ والاختلاقِ، فلا شكَّ عند السامعِ فيما أَخْبَرُوا بِه، كما لا يتطرقُ الشك عليهم فيما رأوه. ومنها: أنْ قالوا: لو كانَ خبرُ التواتر يحصلُ به العلمُ، لما اختلفَ اثنان في نبوةِ نبيِّنا ﵊، لأنَّ نقلَ ذلك بأخبارٍ متواترة، فلما وقعَ الخلافُ، فجحدَ أهلُ الأدياد نُبؤَتَه، وجحدتها الفلاسفة و [أهل] الطب وأهلُ الطبعِ، عُلِمَ أنَّه ليس بطريقٍ للعلمِ، ألا ترى أنَّ ما أُدرِكَ ببَدائِه العقولِ وأدلَّتِها (٢)، لم يختلف النَاسُ فيه لَمَّا كان علماً ضرورياً. فيقال: إنَّ النبوةَ حكمٌ، وليست معنىً يشاهَدُ، لأنَّها رتبةٌ دينيةٌ،

стр. 1972

والنبوةُ لا تنقل، إنما تنقل السِّيَرُ، فيتصفحُ المنقولُ إليه منها ما يَدُلُه على النبوة، كما أنَّ شجاعةَ عليٍّ لا تنقلُ، ولا سخاءَ حاتم، ولا فهاهة باقل، ولا فصاحةَ سحبان وائل، لكنْ تنقلُ إلينا أفعالُهم وأقوالُهم، فنستدلُّ بذلكَ على ما وراءها من. إثباتِ شجاعةٍ وفصاحةٍ وسخاوةٍ، والنُّبوَّة تنقل إلينا أعلامُها، فنعلمُ بذلكَ نبوةَ من ظهرت تلك الأعلامُ على يدِه، وقد نقل من طريق التواتر: أنَّ المبعوثَ بتهامة ظهرَ على يده أشياءُ في الجملةِ، أدهشت العقلاءَ حتى قالوا (١): سحرٌ، وما يقول القائلُ: سحرٌ، إلا لما يدهشه، وجاءَ بهذا الكلامِ الذي تَحَدَّى به العربَ، فعجزوا عنه، فكانَ عنادُهم لما جاءَ به استنطقهم بالتكذيب، ودعوى السحر والاختلاف، واحتجاجهم معلوم منقول، وهو مجرد الجحد بما لا يوجبُه، مثل قولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [هود: ١٢] , ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧]، والمنقولُ بالتواترِ قد عُلِمَ، كما عُلِمت شجاعةُ عليٍّ، فالطاعنُ على عليٍّ لم يدفع ما ثبتَ بالتواترِ؛ من أيامهِ المشهودة، ومبارزاتهِ المعلومة، لكن قالَ فيه: إنه ما طلب الحق، فكذلك قالَ في رسول الله ﷺ : لم يأتِ بالحقِّ، لا أنهم أنكروا ما ظهر على يديهِ من الأمورِ الخارقةِ. على أنَّ الردَّ لِمَا جاءَ به، والخلافَ فيه، لا يوجبُ نفيَ العلمِ، بدليلِ أنَّ لنا من جحدَ دركَ المحسوساتِ، وهم أصحاب سوفسطا، ولنا من أنكرَ ما عدا الضرورات، ولنا من أنكرَ العلمَ بغيرِ الأخبارِ، وهم مفسدو النظرِ والاستدلال، وزعم أن لا ثقة بنظر، وجعل العلةَ في نفي ذلكَ وقوعَ الخلافِ فيه، وتسلُّطَ الشكِّ عليه، ورجوعَ أهلِ

стр. 1973

النظرِ عن مذهبٍ كانوا زماناً عليه إلى مذهبِ عادوا إليه، ولم يدلَّ ذلك عندنا وعندكم على إخراجِ النظرِ من كونَه طريقاً للعلم. وجوابٌ آخر: وهو أنَّ النبوَّةَ لا تثبتُ ضرورةً؛ لأنَّها إنما تثبتُ بالاستدلالِ، فمن نقلَ نبوته إنَّما نقل ما قاله عن اجتهادٍ، وليست بأكثرَ من الإلهية، والصانعُ ما ثبتَ إلا بدليل صُنْعِه، وما صدر عنه، ولم يؤدِّ بنا ذلك إلى العلمِ به ضرورةً، فنبوة أنبيائه لا تثبتُ ضرورةً. ومنها: أنْ قالوا: إنَّ الكذبَ ممكن في حَقِّ كل واحد من الجماعةِ المخبرين، فلا وجه لاستحالتِه على جماعتِهم، كما أنَّ الصِّدقَ لَمَّا كان ممكناً في حَق كُلِّ واحدٍ، لم يستحل وقوعُه من جماعة كثيرة العدد، وإذا كانَ كذلكَ، وانتفت الاستحالةُ، ثبتَ التجويزُ، لأنَّ الاستحالة ليست إلا حكمَ العقل بنفي التجويزِ، وقد حكمَ العقلُ بتجويزِ الكذبِ، فلا وجهَ للعلم بصدقِهم من طريقِ الضرورةِ. فيقال: التجويزُ على كلِّ واحدٍ لا يعطي التجويزَ على الجماعةِ لما قدمنا، وأنَ اجتماعَ الكل على إتيان الكذبِ في الخبرِ، محالٌ مع اختلافِ الطباعِ، وذلكَ أنَّه لا تكادُ تجتمعُ إرادةُ جماعةِ أهلِ بلدٍ كبيرٍ ومصرٍ جامعٍ على إتيانِ الكذبِ، وإن كانوا مجتمعين على القدرةِ، إذ ليسَ كلُّ مقدورٍ عليه تتساعدُ دواعي الخلقِ الكثيرِعليه، فإنَّ كلَّ أحدٍ يقدرُ على القتل وأذية الحيوان، لكن لا يتفقونَ على القسوةِ، بل يختلفونَ في الرِّقَّةِ والقسوةِ. فصلٌ والعلمُ الواقعُ بالخبرِ المتواترِ ضروري (١)، وبه قال أكثر الفقهاء

стр. 1974

والأصوليين، خلافاً للبلخي من المعتزلةِ، والدقاق من أصحابِ الشافعي (١)، فصل في حجتنا إِنَّنا نعلمُ من نفوسِنا الثقةَ والسكونَ إلى أخبارِ النَّاس بالبلادِ النائيةِ، والسِّيَرِ بالقرون الخالية، حتى إنّنا لا نَشُكُّ في ذلك بَتشكيك، حتى إنَّ من لم يشهد مكةَ، ولا غيرَها من البلادِ، يتحقَّقُ وجودَها، ويخاطرُ بنفسِه سَفَراً إليها، وينفقُ أموالَه في طلبتِها؛ ثقةً بأخبار من شاهدها، وسافرَ إليها. ومنها: أنَّه لو كانَ العلمُ الحاصل بخبرِ التواترِ بطريقِ الاستدلالِ، لما وقعَ للصبيانِ الذينَ لم يَبْلغوا مبلغَ النظرِ والاستدلالِ، فلمَّا وقعَ للصبيانِ العلمُ، عُلِمَ أنَّه ضروريٌ، لأنّهم من أهلِ العلمِ الضروري. ومنها: أنَّ الخلافَ لا يقعُ في العلمِ الحاصلِ بالتواترِ، كما لا يقعُ بالمحسوساتِ، ولو كان استدلاليّاً لما خلا من مخالفٍ فيه، ومناظرٍ عليه، فلمَّا اتفقَ العقلاءُ عليه بغيرِ اختلافٍ، دل على أنَّه ضروريّ. فصل في شبه المخالف فمنها: أنَّ العلم الواقعَ بخبرِ التواترِ؛ لو كانَ ضرورياً، لما اختلفَ

стр. 1975

العقلاءُ فيه، ألا ترى أنَّ الواقعَ من العلمِ بدركِ الحواسِّ، لَما كان ضرورياً، لم يختلف فيه أهلُ المذاهبِ، وكذلك المعلومُ بأوائل العقولِ، مثل العلمِ بأنَّ الواحدَ أقلُّ من الاثنين، وأنَّ الجسمَ لا يكون في حالةٍ في مكانين، وأنَّ الجَمَلَ لا يَلجُ في سَمِّ الخِياطِ، فلما وقعَ الخلافُ في هذا العلم بينَ العقلاءِ، عُلِم أنَّه ليس من العلومِ الضرورية التي لا تحتمل الخلاف. فيقالُ: إنَّ حصولَ الخلافِ لا يجعلُه [غير] حجةٍ، انَّما الحجةُ الأدلةُ، فإنَّ الخلافَ قد يقع عناداً وعصبيةً وتقليداً، ولهذا دخلَ الخلافُ في دركِ الحواسِّ؛ بحدوثِ شكوكِ سوفسطا أو تشكيكهِ، فخَيَّلَ عقول جماعة، وكثر أتباعُه في مقالته، وكم من خيالٍ أحدثه أهلُ الأهواءِ والبدعِ، ونوظروا، فصارَ في المسائل غيرِ المحتملةِ للخلافِ خلافاً. ومنها: أن قالوا: وجدنا الإنسانَ يسمعُ الخبرَ من الواحدِ والاثنين، فلا يحصلُ له العلمُ إلى أن يتكاثرَ عددُ المخبرين، فيعلمُ حينئذٍ بتناصر أقوالهِم صحةَ خبرِهم، وصدقَ أقوالهم، وهذا عينُ الاستدلالِ، كاستدلال المستدل على القبلةِ بأمارتين فثلاثٍ. فيقال: ليس سياقةُ الدلالة إلى أن يحصلَ العلمُ، يخرجهُ عن كونه ضرورياً، كالمقدماتِ التي تكونُ سابقةً للعلمِ في العلومِ الهندسيةِ في إِقليدس (١)، وإخراجها بالأشكال عن الأشكال، مثل قولنِا: إنَّ الخطوط الخارجةَ عن مركزِ الدائرةِ على استقامةٍ إلى الدائرةِ متساويةٌ، فإنَّ العلمَ بذلكَ ضروريٌّ وإن كان بسياقةٍ.

стр. 1976

وكذلك الإنسانُ ينظرُ الشيءَ من بعيدٍ كالجملِ يراه صغيراً، ولا يزال يقرب منه أو يُصَمَّمُ التأمُّلَ فيه، حتى يعلمه جملاً، ولا يكونُ ذلكَ النظرُ علماً استدلالياً. ومنها: أن قالوا: العلمُ لا يقعُ بأخبارِ الجماعةِ المعتبرين في التواترِ، إلا أن يكونوا على صفاتٍ تصحبهم، يُستدلُ بها على صدقِهِم، فصارَ كالعلمِ بحدث العالَمِ، وإثباتِ الصانعِ، لما احتاج (١) إلى تأملِ صفاتِ العالَمِ؛ من حركاته وسكناتِه، واجتماعاتهِ وتفرقاتهِ، وخروجهِ من هيئة إلى هيئةٍ، كان استدلاليّاً، كذلك ها هنا. فيقال: إن الأخبارَ وإن اعتبر فيها صفاتُ [المخبرين]، إلا أنَّ العلم بصدقهم لا يفتقر إلى اعتبار الصفاتِ، ألا ترى أنه قد يقعُ العلمُ لمن لا ينظرُ في الصفاتِ، ويخالفُ العلمَ الواقعَ عن النظر في العالم؛ فإنهَّ لا يقع إلا بعد النظر في المعاني، وهي الأعراضُ، والاستدلالِ بها، وفي الأخبار يقع من غير نظرٍ واعتبارٍ. على أنَّ العلومَ الهندسيةَ لا بدَّ لها من مقدمات وسياقات جارية مجرى الصفاتِ ها هنا، ولا تدلُ على أن تلك علومٌ استدلاليةٌ، بل ضرورية، وكذلك دركُ الحواسِّ؛ لا بدَّ من اعتبارِ صحةٍ، وزوالِ موانعَ معترضةٍ لتحقُّقِ دَركِها، وإذا لم تكن الحواسُّ والمدارك على صفاتٍ مخصوصةٍ، لم تحصل الثقة في إدراكها، ولا يدلُّ ذلك على أنَّ الحاصلَ عن إدراكها ليس بضروري. ومنها: أن قالوا: إنَّ الخبر الواقعَ من جهةِ الله سبحانَه وجهةِ رسولِه ﷺ ، لا يحصلُ به العلمُ إلا استدلالياً لا ضرورياً، فإحْبارُ مَن

стр. 1977

دون الرسولِ المعصوم ﷺ ، أَوْلى أنْ لا يحصلَ به العلمُ الضروري. فيقالُ: إن أصلَ المعرفةِ باللهِ سبحانَه [ثبت] بالاستدلالِ عليه بصنائعِه ومخلوقاتِه، فخبرُه سبحانه مبنيّ على المعرفةِ به، والنبيُّ ﷺ معروفُ النبوةِ والصدقِ بالاستدلالِ، فخبرهُ بما يخبر به معلومٌ بالاستدلالِ، فأمَّا المخبرون (١) من الآدميين، فمعروفون (٢) ضرورةً، مخبرون عما أدركوه بحواسهم ضرورة، وهم عددٌ لا يجوزُ عليهم التواطؤ والكذبُ، فكانَ العلمُ بخبرِهم على هذا الوجهِ ضرورة، وإذا لم يتحقق منه دليلٌ، فالأَوْلى الذي ادَّعَوْه لا وجهَ له. فصلٌ خبرُ التواترِ لا يُولِّدُ العلمَ، ولا خبرُ الواحدِ يولِّدُ الظنَّ (٣). هذا هو المذهبُ في كلِّ شيءٍ كانَ عقيبَ شيءٍ؛ على سبيل الندور، أو على وجهِ الاستمرارِ، فلا نظر، ولا خبر، ولا غير ذلك، وهذا أصلٌ مستقصى في أصولِ الدياناتِ، خلافاً (٤) لأهلِ الطبعِ والمعتزلةِ. والعلومُ الواقعةُ عقيبَ النظرِ، والاستدلالِ، وسماعِ الأخبارِ من المخبرين، بفعلِ الله تعالى، ذلك عندها (٥)؛ بمثابة إجرائِه العادةَ بإزهاقِ النفوسِ عقيبَ إيقاعِ الجراحاتِ المُوْحيةِ، وخلقِ الولدِ عقيبَ

стр. 1978

الجماعِ، والعافيةِ عقيبَ تناولِ الدواءِ، خلافاً لبعضِ المتكلمين في قولهم: إنَّ الخبرَ يُوَلِّدُ العلمَ. فصلٌ في أدلتنا على إبطال مذهبهم في ذلك فمنها: لتقرير إبطالِ أصل القولِ به؛ ليعمَّ هذه المسألة وغيرَها: أن نقولَ: لا يخلو أنْ يكونَ المتولدُ غيرَ منسوبٍ إلى فاعلٍ، بل منسوبٌ إلى ما يتولدُ عنه من الفعلِ الذي سبقَه، كالاعتمادِ في السهم والحجر، ولا يجوزُ ذلكَ؛ لأنَّه لو كانَ لنا حادثٌ لا عن فاعلٍ، لاستغنت كلُّ الحوادث، وجازَ وجودها من غير فاعل ومحدث، وأمَّا أن تكون من فعل الفاعل الذي صدر عنه الاعتمادُ في السهمِ والحجرِ، فكانَ يجبُ أن يدخلَ تحت قدرتهِ إيقافُه عن مرورِه في المسافةِ، وقطعِ تلك الأبعاد، فلمَّا لم يقدر على إيقافِه، دلَّ على أنَّه خارجٌ عن مقدورِه، فلا وجه لنسبته إليه، وأَمَّا أن يكون ماراً بنفسه لا لمعنى، فكانَ يجبُ أن يوجدَ خروجُه ابتداءً من غيرِ معنى، وذلك القولُ بحادثٍ من غيرِ محدِثٍ، وأَمَّا أن يكونَ واجب المرور، فكانَ يجبُ أن لا يقفَ عند غايةٍ ما لم يمنعه مانعٌ كهبوطِ الحجرِ نحو المركزِ، مهما وجد أبعاداً خاليةً استدام الهبوط، فإذا بطلت هذه الأقسامُ، لم يبقَ إلا أنه بفعلِ الله سبحانه. فإن قيل: يجوزُ أن يكونَ صدْرُه عن معنى، وتَجدُّدُ ما يَتجددُ من ذهابهِ في الجهةِ لا لمعنى، كما أنَّ الصوتَ يحدثُ بصَكَّةِ الجسم وفعلِ فاعلِ الصَّكَّةِ، وفناء الصوت لا بمعنى ولا معنى. قيل: ذلكَ واجبٌ، ولهذا لا يصحُّ إبقاؤُه ولا إدامتُه، ومرورُ

стр. 1979

الحجرِ والسهمِ ليسَ بواجبٍ، ولذلكَ يجوزُ في المقدورِ إيقافُه، ولا يستحيلُ، بخلافِ فناءِ الصوتِ. ومنها: ما خصَّ المسألة: أنَّ العلمَ لو كانَ متولداً عن الخبرِ، لم يخلُ أن يكونَ تَولَّدَ عن خبر المخبر الأخير، أو عن خبر الجميع؛ فإن قالوا: بخبرِ الآخِرِ وعنه، فهو واحدٌ، فإن (١) كان ابتداءً لم يولد ولم يتولد وإن كان أخيراً، لأنه واحد أولاً كان أو أخيراً، وإن [كان] العلم تَولَّدَ عن المخبرين كُلِّهم الدين يعتبرون لحصول التواتر، لم يصحَّ هذا على أصلهم؛ لأن (٢) المسببَ الواحدَ لا يقعُ بسببينِ؛ فضلاً عن أسباب كثيرةٍ، والمقدورَ الواحدَ لا يقعُ عن قادرينِ اثنينِ؛ فضلاً عن قادرينَ كثيرين (٣)، وهذا أصلٌ لهم معلومٌ. وإذا بطَلَ تولُّده عن خبرِ الواحدِ؛ لأنَّه بإجماعٍ لا يوجبُ العلمَ، وبطلَ بخبرِ الجماعةِ؛ لإبطالهم الفعلَ عن قادرين، والمُسبَّبَ عن سببينِ، لم يبق إلا أن يكون حدث بنفسِه، ولا أحدَ يقولُ ذلك، أو حدث بفعلِ الله سبحانه، وهو قولُنا. ومنها: أنَّه قد استقرَّ عند القائلين بالتولُدِ: أنّ ما لا جملةَ له لا يصحُ أنْ يولدَ إلا في محلِّه، وليسَ للخبرِ جهةٌ تماس محلَّ العلم، ولا ما هو مماسّ له، وإنَّما الاعتمادُ والحركاتُ لما كان لها جهاتٌ ولدت في غير محلِّها، ولا تولدُ فى غير محلها دون مماسَّةِ فاعلها لمحل مسِّها، أو لما هو مماسٌّ له.

стр. 1980

فإن قيل: هذا لا يصحُّ لوجهين: أحدهما: أنَّ الكلام في الجملةِ يولدُ إذا كان خطاباً لمخاطب، ما يولد له السحر من الإرعاب الموجب للوجل، والتهجين الموجب للخجل، فيولد للرجل (١) صفرة؛ لفورانِ الحرارةِ عند الخوفِ، ويورثُ حمرة اللونِ عند الخجلِ [والغضب]؛ لانتشارِ الحرارة، وثوران الدم لمقاواةِ المهاجم، ومدافعتِه عن النفس، فهذانِ أثرانِ ولدهما القولُ. فيقال: هذه غفلةٌ منكم في إلزامنا جزئيات التولد، مع إنكارنا أصلَ القولِ بالتولدِ. قالوا: فمن وجه آخر: وهو أنْ يكونَ المولِّدُ للعلمِ في قلبِ المخبَرِ، النظرَ في صحةِ الخبرِ المتواتر، وذلكَ ناشىءٌ من المحل، أعني: النظرَ، ومولدٌ في المحل، وهو العلم. قيل: هذا باطلٌ لما قدمنا، وأَنَّ العلمَ الواقعَ بهذه الأخبارِ ليسَ يقعُ عن نظير، وأَنه لو وقع عن نظرٍ قليلٍ أو كثير، لوجب وجوده في الحس؛ لَأن قليله وكثيره كقليلِ اللذة والألمِ وكثيرهما، وهذا ممَّا لا نجده في الحس، فبطل ما ادعوه. فإن قيل: [لو كانَ] العلمُ بخبرِ الأخبارِ مبتدأً من الله تعالى، لكانَ يَصحُّ أن يوقعه من غيرِ سماعِ خبرٍ أصلاً ورأساً. قيل: يجوزُ ذلكَ في المقدورِ، إلا أنَّه لم تجرِ به عادة. ويقالُ أيضاً: ولو كانَ العلمُ بما أدركته الحواسُّ مبتدأ من فعلهِ،

стр. 1981

وكذلك العلمُ بأنَّ الاثنين أكثرُ من الواحدِ، وأنَّ الضدينِ لا يجتمعانِ في المحل، لصحَّ منه تعالى أنْ لا يفعلَ العلمَ في العاقلِ بما أدركه، وبكلِّ ما يعلمُ ببديهةِ العقلِ، فإن مروا على ذلك، مررنا لهم على ما ألزموا، وإن أَبَوْهُ، نقضوا قولهم، وأبطلوا إلزامَهم. ومنها: ما تعلق به بعضُ أصحابِنا، وجماعة من الفقهاء، وغيرُه أصلحُ منه وأنفعُ، لكنني أذكرُهُ لئلاَّ يُعوَّل عليه، قالوا: إذا كانَ كلُّ واحد من المخبرين لا يُوَلِّدُ خبرُه علماً، والآخِرُ على الوَحْدة لا يولدُ خبرُه علماً، عُلِمَ أنَّ العلمَ حادثٌ بفعلِ الله سبحانه. ولهم أن يقولوا: إنَّ كلَّ وصفٍ من أوصافِ الدلالةِ القياسيةِ لا ينتجُ ويؤثر حكمَ القياس في الأصلِ ولا في الفرع، وبمجموعِها (١) أَثَّرَتْ، وكذلكَ آحادُ الشهودِ في البيِّناتِ لا يقال: إنَّ الأخيرَ لم يوجب الظنَّ وحده، ولا كل واحد أوجبه، فثبت أنَّه إنما حدث ظنُّ الحاكمِ، لا صادراً عن الخبر الأخير، لكن لبناء قول الآخِرِ على الأول، كما انبنى تأثيرُ الوصفِ الأخير على تأثيراتِ الأُوَل من الأوصافِ، وكذلك قُفْزَانُ الحنطة في الغرق الحادث في السفينة عند حصول القَفيز الأخيرِ فيها، وكذلك السكرُ من الأقداحِ عند حصول القدح الأخير، وكذلك العصيُّ المتكررةُ ضرباً لمن يموت بمثلِ تلك الضربات، تساعدت الآلام بعضها ببعض، وانبنى الألمُ الحادثُ بالضربةِ الأخيرة على آلامِ الضربات المتقدِّمةِ، فلا وجهَ لقطعِ الخبرِ الأخير عمَا تقدَّمه، وهذا في جميعِ المحسوساتِ والمعلوماتِ والمؤَثِّراتِ للأححَام، حتى إنَّ التغيرَ الحادثَ في الماءِ من نبذة بعد نبذةٍ من زعفران، والقطرةَ من الماءِ على الحجر، إذا دامت، أثَّرت،

стр. 1982

ودَوَّمَت في الحجر، لا بالأخيرةِ على الانفرادِ، ولا بالأولى، لكن بتتالي ذلك، ودوامِه وبناءٍ بعضه على بعضه، والمللَ الحادثَ من الكلمةِ بعد الكلمةِ، والسَّأَمَ، إنما يحدث باتصالِ الكلامِ والمخالطةِ، يقالُ: أكثرَ كلامَه، فسئمناه، وأطالَ القعودَ عندنا، فمللناه، وعلى هذا. فصل في جمع شُبَهِهِم فمنها: أنْ قالوا: لو كانَ العلمُ واقعاً بفعلِ الله سبحانَه على مقتضى العادةِ، لكانَ تارةً يحصل بإخبارِ جماعةٍ بمثلهم يحصل التواتر، وتارةً يخبرُ مثلُ ذلكَ العدد بالخبرِ، فلا يحصلُ العلم، كما أنَّ حصولَ الولدِ عند اجتماعِ الزوجينِ، لمَّا كان بفعل الله سبحانه على اطِّرادِ العادةِ، كان تارةً يحصلُ، وتارةً يعزبُ. فيقال: إنَّ كونَ العلمِ واقعاً لا محالة، ليسَ مما يدلُّ على أنَّه متولدٌ، بل فعل الله تعالى قد يقعُ على وجهٍ لا يقعُ على غير ذلك الوجهِ لا محالة، ولأنَّ الله سبحانه قد أجرى العادةَ بأن يحصلَ العلمُ الضروريُّ عندَ هذا الخبرِ المخصوصِ، فدعوى التولُدِ لا وجهَ لها (١)، وإنَّما يصح هذا، إن لو استمرَّ أنَّ كلَّ شيءٍ حدثَ عقيبَ شيءٍ لا محالة، كان متولداَ بسببه، وليس الأمرُ عندنا كذلك، بل كل حادثٍ فالله يحدثه، حتى إنَّ المعلولَ يكونُ عند العلةِ وعقيبَها، وليست هي الموجبةَ، عقليةً كانت، أو شرعيةً، فالتحرك كانَ عند الحركةِ، لا أنَّ

стр. 1983

الحركةَ أوجبَتْه، ولا أحدثته، وعلى هذا. فإن قيل: فأصلكم يمنعُ هذا، لأنكم عللتم كونَ القديم عالماً بالعلمِ، وكونه قادراً بالقدرة، وعلى هذا، ومعلومٌ أنَّ كونَه عالمآ واجبٌ له، فعلَّلتم الواجبَ، فكيف أَخْلَيْتُم العلة من تأثير المعلول، ثم تستدلون بعد قولِكم هذا على أنَّ كونَ العالمِ عالماً معلولُ العلمِ (١)، وكونَ القادرِ قادراً معلولُ القدرةِ؟! ومثلُ هذا ما فعلتموه في سدِّ باب الاستدلالِ على كونِ الصنعةِ مفتقرةً إلى صانعٍ، فإنَكم مع قولكم: لَا خالقَ، ولا فاعلَ في الشاهدِ، لم يبقَ لكم دليلٌ من الشاهدِ على الغائبِ، وإذا بطلَ هذا من أصلِكم، لم يبقَ إلا أنَكم مضطرون إلى أنَّ كل كائنٍ يكونُ عقيبَ كونِ كائنٍ لا محالة، فعنه صدرَ، وهو مُوجبُه ومُسبِّبُه، وقد رأينا أنَّ العلمَ حصلَ عقيبَ خبرِ هؤلاءِ المخبرين المخَصوصين لا محالة، حتى إنّه لا يجوزُ أن يحصلَ عقيبَ خبرِ جماعةٍ، ولا يحصلُ عقيبَ خبرِ جماعةٍ مثلها، فثبتَ ما قلناه. قيل: أغنانا عن القولِ بالعلةِ والتولُدِ، ما ثبتَ من وجودِ صانع يكفي وجودُه لإحداثِ كلِّ حادثٍ، وكما أنَّه أجرى العادة في إدراك المحسوساتِ بنوع اتصالٍ وانطباعٍ، أو اتصالٍ شاعَ بالمحسوس ضرورة، ولا يجو أن يختلفَ وجودُه، أجرىِّ العادةَ بأنَّ العددَ الكثيَرَ المخبرين عن دركِ حواسِّهم لا يتطرقُ عليهم كذبٌ، فحصلَ العلمُ عقيبَ خبرِهم، كما حصلَ لنا العلمُ بدركِ حواسِّنا، وأغنانا (٢) عن القولِ بالتولد. وأمَّا دعواكم علينا أنَّه يَسُدُّ علينا بابَ إثباتِ الصانعِ، فليسَ كذاك،

стр. 1984

لأَننا لا بدَّ لنا من إضافةِ الحوادثِ إلى محدِثٍ؛ لينقطعَ التسلسلُ، وإلا فمتى قلنا: إنَّ كل حادثٍ يقفُ وجودُه على حادثٍ قبلَه، لم (١) نَنْتَهِ إلى غاية، ومتى وقفَ وجودُ الحادثِ على تَقدُّمِ حوادثَ قبلَه لا غايةَ لها، لم يوجد. على أنَّه يلزمُكم، وينقلبُ عليكم ما ذكرتموه؛ من حيثُ إنكم مع قولِكم بالتولُّدِ، لا بدَّ للمتولدِ عنه من مؤثّرٍ لذلك المتولدِ عنه، [و] من مؤثرٍ ينبني عليه التولدُ، فلمَّا لم يكن هذا القولُ منكم سداً لبابِ إثبات الصانع، كذلك لا يكون اشتراطُنا (٢) للفاعل الواحدِ سادّاً لبابِ إثباتِ الصانعِ، لأنَّا جمعنا مستند الحوادثِ إلى غايةٍ، هي الفاعل الأول جلَّت عظمتُه. فصلٌ لا يجوزُ على الجماعِة الذينَ يحصلُ بهم التواترُ التواطؤُ على كتمِ ما يحتاجُ إلى نقلِه ومعرفتِه (٣). وبه قال العلماءُ، خلافاً للرافِضةِ: يجوزُ ذلكَ لغرض يتفقونَ عليه، كما اتفقت الصحابةُ على كتمِ النَّص على عليٍّ ﵁ بالإمامةِ، على ما زعموا، وقولِ النبي ﷺ : "هذا أخي، ووصيي،

стр. 1985

والخليفةُ من بعدي" (١). فصل في الدلالةِ على فسادِ مقالتهم بأنَّ (٢) إحالةَ ذلكَ؛ لِمَا ركزَ الله سبحانه في طباعِ الآدميين؛ من توفيرِ الدواعي على نقلِ ما علموا، وكشفِ ما انفردوا بإدراكه، إلى من لم يدركه، ومَن لَحَظَ الطباعَ أولاً من نفسه، ثمَّ مِن غيرِه، عَلِمَ أن الكتمَ ثقيلٌ على النفوسِ، صعبٌ على الطباعِ؛ حتى كأنَ قائلاً يقول من داخل: أَشِعْ (٣)، واكشف، وأعلن ما رأيت وسمعت (٤)، قال الله تعالى: ﴿قيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ [يس: ٢٦]، وهي الغاية في النعيم، التفت إلى ورائه، فقال: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٢٦]، حبّاً لإشاعةِ ما وصلَ إليه؛ إما لمفاخرةٍ، أو ترغيب غيرِه في سلوكِ ما سلكه من الصبرِ على البلاء في إيمانه، أو لأيِّ علةٍ كانت، حتى قال العقلاء: أَثقل على القلبِ من السرِّ، حتى على نفوسهم لا يكتمون، وقولهم: وسرُّ الثلاثة غيرُ الخفي، وما اجتمع قوم على شيء ألذَّ من الحديث، حتى قالَ قائلُهم: ولقد سئمتُ مآربي ... فكأنَّ أكثرَها خبيثُ إلا الحديث فإنه ... مثل اسمه أبداً حديث

стр. 1986

واجتماعُ العرب على السَّمَرِ، وقالوا: لم يبقَ من لذاتِ الدنيا أطيبَ من المحادثةِ والمسامرةِ على التلاع الخُضرِ في الليالي القُمْرِ. وإذا كانت الطباعُ على هذا، بَعُدَ اجتماعُ القليل من العددِ على الكتم، واستحالَ اتفاق العددِ الكثيرِ على ذلك، وصاروا في الاستحالةِ كاتفاقِهم على الكذبِ، وهذا التقريرُ في الأخبارِ في الجملةِ التي لا يتعلقُ عليها الأغراض، فأمَّا ما يُحتاجُ إلى نقلِه، وفي نقلِه صلاحٌ، والدواعي إليه داعيةٌ، فاتفاقهم على كتمِه اتفاقٌ على قبيحٍ، ويستحي أنْ يجتمعَ العددُ الكثيرُ والجمُّ الغفيرُ على القبيحِ، مثلُ دخولِ عطشان أو جائعٍ إلى جامعِ المنصور، يطلبُ شربةً من ماء أو رغيفاً، فتَتَّفِقُ جماعةُ المزدحمين فيه على منعِهما من مطلوبِهما مع وجودِ ذلك، والقدرةِ عليه، أو على الإخبار بحادثٍ حدثَ بالخطيبِ على المنبرِ، ولم يكن حدثَ ذلك، أو إخبارهم بفتنةٍ وقعت، ولم يكُ ذلك على ما قالوا، بل تتفقُ تلكَ الجماعةُ على اختلاق الكذب، أو يقع ذلك -أعني: الحادثة بالخطيب، أو الفتنة- وتكتمها تلَك الجماعة، فلا ينفصل أحد من الجامعِ، فيتحدث بها، إنَّ استحالةَ الأمرين جميعاً على حدٍّ سواء، كذلك ها هنا. والأصلُ في إحالةِ ذلك: أنَّ الطباعِ في الوضع مختلفةٌ، والدواعي متفاوتة جداً، كتفاوتِ الأمزجة في الميلِ إلَى الطعومِ المختلفه، فلا يجوزُ أن يتفقَ ذلكَ الجمعُ على محبةِ الحموضةِ، ولا محبةِ الحلاوةِ، كذلك لا يتفقونَ على محبةِ كتمِ الحادثِ، ولا اختلاقِ ما لم يحدث. وأيضاً: لو جازَ اتفاقُ الصحابةِ على كتم نصِّ الخلافةِ على عليٍّ، لما أَمنَّا أن يكونوا كتموا في حكمِ الله سبحانه، فلا تبقى لنا ثقةٌ

стр. 1987

بنقلِهم لشيءٍ من الأحكام، وهذا يسُدُّ علينا بابَ الثقةِ لما رووا من الأخبارِ المتضمنةِ الأحكام، وفي هذه المقالةِ أكثرُ الفسادِ. فإن قيل: أليسَ قد اتفقت الصحابةُ على تركِ نقلِ شرائعِ الأنبياءِ، وإن كانَ الكذبُ غيرَ جائزٍ على جميعِهم، فبانَ بهذا فرق ما بينَ الكتم والكذبِ. قيل: هذا عينُ الكذب، وإلا فمن الذي نقل إلينا سِيرَ الأنبياءِ إلا أصحابُ رسول الله ﷺ مما سمعوه منه؟! فأمَّا نقلُهم عن غيره، فإنهم لم يثقوا إلى يهودٍ ونصارى، وقد علموا منهم الكذبَ والتبديلَ والتغييرَ لكتبِ الله القديمةِ، ومَنْ أسلمَ منهم، فقد نقلوا عنه ما أخبرَ به، وهل كتبُ السيرِ المدوَّنةِ عندنا إلا من نقلِهم؟ [و] لأنَّه لا داعي يدعوهم إلى ذلك، إذ لا غرضَ لهم في نقلِ مِلَّةٍ يبنون الأحكام عليها، إلا إذا ثبتَ ذلك بقول نبيّنا ﷺ . فصل في شُبَهِهم فمنها: أن قالوا: إنَّ كلامَ المسيح في المهدِ كانَ من أعجبِ حادثٍ حدثَ في الأرضِ، ثم إنَّ النصاَرى أكثرُ أُمَّةٍ على وجهِ الأرضِ، حتى إنَّ الإسلامَ مع اتساعِه وانتشاره لا يساوي رقعتهم، ومع ذلك لم ينقلوا ذلك الحادث، ونقلوا إحياءه الميت الذي أحياه، وإبراء الأكمهِ والأبرصِ، فبانَ أنَّه ليسَ النقلُ أمرأً يُنفَكُّ عنه، بل تارةً يُكتَم، وتارةً يُنقَل، وتارةً يُهمَل فلا يُنقَلُ، وتارةً يُعنَى به، فيُنقَل.

стр. 1988

فيقال: إنَّ العلةَ في ذلك ظاهرةٌ، وهو أنَّ كلامَه في المهدِ كان وهو غير مُتَبعٍ، ولا ظهرَ أمرُه برسالةٍ، فما عُنِيَ بذلك أحدٌ، وإحياءُ الميتِ، وإبراء الأكمهِ والأبرصِ، كان وقتَ الإرسالِ، والاستدلالِ به، وتطلع النَاس إلى ذلك تطلعَ المتأملين، وأبداً ينقلُ الناسُ ما ظهرَ واشتهرَ، ومَا اشتدت الدواعي إلى نقله، والخلافةُ كالنبوة، فلو كانَ من النبي ﷺ نصٌّ يوم غدير خُم (١)، مع توفيرِ دواعي الناس، لا

стр. 1989

سيما أهل البيت وشيعتهم، لما صَحَّ كتمُ ذلكَ من أعدائهِ، فكيف من أوليائه؟ وأبداً كل أمرٍ ظهرَ، وتوفرَ فيه الغرضُ، لم يصحَّ كتمهُ، وتوفرَ نقلُه، وبمثل هذا تأكدت حجةُ أبي حنيفة رحمة الله عليه في أنَّ ما تَعُمُّ البلوى به، لا يقبَلُ فيه الواحدُ (١). فإن قيل: فما أنكرتم أنَّه إنما صحَّ الكتمُ لأمرين مختلفين؛ أمَّا أولياءُ أهلِ البيتِ، فإنَّهم كتموا ذلكَ تَقِيّهً، وأمّاَ الأعداءُ، فكتموا ذلك معاندةً وتعصباً، فاتفقوا في الكتمِ، واختلفوا في علةِ الكتم، وإذا صحَ في حقِّ جماعةٍ طيُّ الحادثِ بمثل هذا التعليلِ، صحَّ في كلِّ جماعةٍ. قيل: ما عنيتم القولَ فيه باطلٌ، فلا تَختِلونا لِنَجوزَ عليه، فإنه أبعدُ في الإحالة، فإنَّ هؤلاء القومَ ممَّن وصفهم الله بكل فضيلة ومكرمةٍ ومدحةٍ، وأنهم أشداءُ على الكفارِ، رحماءُ بينهم (٢)، وأَنَّهم خير

стр. 1990

أُمةٍ (١)، وأَنّهم رُكَّع سُجَّد، يبتغون فضلَ الله [و] رضوانه، وأَنهّم يأمرونَ بالمعروفِ، وينهونَ عن المنكرِ، والقرآنُ مقطوع به، فكيف نَتْرُكُ شهادةَ المعصومِ لهم بالعدالةِ، ونَرجعُ إلى أفكِ المُسمَّيْنَ بالشيعة، وأَن القوم كتموا نصَّ رسول الله على ابنِ عم رسوله، مع أن الله جعلَ المودة لهم مُكافأةَ الرسالةِ، وأَجْرَ الرسول (٢) ﷺ ، وإذا جاز اجتماعهم على ذلك، عدمنا الثقة بالجميع فيما نقلوه، ولم نأمن أن يكونَ هناك فرض زائد كتموه، وقد كان يومَ السقيفة (٣) نوعُ مقاولة من الأنصارِ والمهاجرين، فتَعلَّقَ هؤلاء بأنَّهم أهلُ الدارِ والإيواءِ والنصرةِ، وتَعلَّقَ هؤلاء بأنهم أهلُ الهجرة، وتعلقَ هؤلاءِ بأن أبا بكرٍ قَدَّمَه في الصلاةِ، والصلاةُ عمادُ الدين، وتعقَ المهاجرونَ بتقديمِ ذكرِهم في القرآنِ، وبوصيةِ رسولِ الله لهم بالأنصار، فكل ذكرَ حجته، فلم يَنْتصِرْ ناصر، ولا عثرَ عاثرٌ بنصِّ رسولِ الله يومِ غدير خُمٍّ، فيُقِيمَ الحجةَ، فإن جاءت الغلبةُ بالعنادِ والكثرةِ، كان ذلكَ من أكبرِ الطعنِ على المتغلبِ، فظهرَ عنادُه، وبانَ ظلمُه، فهذا طعن يعمُّ الكل على قولِ المخالفِ، فالصحابةُ (٤) بكتمهم وعنادِهم، والقرابةُ بإهمالِهم تقريرَ (٥) الحجة، وبيانَ ظلمهم، وأَنَّ

стр. 1991

رسولَ الله ﷺ مدحَهم المدحَ المُفرِطَ، حتى جعلهم كالنجوم (١)، وما أبعدَ هذا عن العقولِ السليمةِ، والمذاهبِ المنصفة. ومنها: أن قالوا: قد تمَّ في نقلِ الأمورِ الظاهرةِ؛ كالإهلالِ بالحج، مع اشتهارِه، فهذا روى أنَّه أهلَّ بالقرانِ بينَ الحجِّ والعمرة، وهذا روى أنَّه أهلَّ بالإفرادِ، وهذا روى أنَّه جمعَ بين الجلدِ والرجمِ في حقِّ الثَّيِّبِ، ورويَ أنّه لم يجلد مع الرجمِ، واختلفوا في ألفاظِ الأذانِ بينَ تشفيعٍ وترجيعٍ، وبينَ عدمِ الترجيعِ، وتشفيع الإقامةِ، بل الإيتار لها، وبقي تشفيع الأذان، وهو أمرٌ ظاهر يفعل خمس دفعات في كل يومٍ، فبطلَ إحالتكم للإجماعِ على الكتمِ، وإيجابُكم (٢) للنقل. فيقال: إنَّ ذلكَ يمكنُ الجمعُ بين الرواياتِ فيه؛ بأن يكون لَمَّا عَلَّمَ المناسكَ، عَلَّمَ كلاًّ منهم ما أرادَ الإهلالَ به، والأذانُ اختلف؛ لأنَّ أذانَ بلال يخالفُ أذان أبي محذورة (٣)، فما نقلَ إلا ما سمعَ منهم، وكانَ أبو محذورةَ نقلَ ذلكَ عن رسولِ الله، حيث كَرَّرَ عليه لفظ الشهادتينِ ليحببهما (٤) إليه، ويمرنه عليهما، والجلدُ والرجمُ ماجتمع فيه إلا إثباتٌ ونفي، والنفيُ ملغى، والإثباتُ

стр. 1992

مُعوَّل (١) عليه، ويشهد له ما فعلَه علي ﵁؛ حيث جلدَ شُراحةَ يومَ الخميسِ، ورجمَها يوم الجمعة، وقال: جلدتُها بكتابِ الله، ورجمتها بسنة رسول الله (٢). فصل ليسَ في التواترِ عدد محصورٌ ، بل المعتبرُ العددُ الكثيرُ الذي لا يجوز اتفاق مثلهم على إتيان الكذب، ولا المواطأة عليه، أو [أن يكونوا]، أهل زهادةٍ وتدينٍ وورعٍ على ما قال أصحابنا (٣)؛ فإنَّهم اعتبروا الكثرة، أو الصلاحَ والورعَ، ولم يحصروا ذلك بعددٍ. وقال الجبائي: يعتبر عدد يزيدُ على شهودِ الزنى. وقال بعضهم: اثنا عشر، بعدد النُّقباءِ. وقال بعض الأصوليين: يعتبر أن يكون العددُ سبعين، بعدد المختارين من قوم موسى. وقال بعضهم: ثلاث مئة ونيف، بعدد أهل بدر (٤).

стр. 1993

فصل في أدلتنا فمنها: أنَّ التواترَ: ما وقعَ العلمُ الضروريُّ بخبره، وهذا لا يختصُ بعدد مخصوص، إذ ليسَ من قالَ: بأنَّه يحصلُ بأربعةٍ، بأَوْلى من قولِ من قال: يحصلُ باثني عشر، ولا مَنْ قال: باثني عشر، بأَوْلى ممن قال: بسبعين، وعلى هذا، وإنَّما يحصلُ ذلكَ بما يحيلُ العقلُ عليه الكذبَ والتواطؤَ، وذلكَ لا يكونُ إلا في العددِ الكثير والجمِّ الغفير، فأمَّا في عددٍ محصورٍ، فليسَ لأحدِهما على الآخر ميزةٌ إلا بغلبةِ الظن، فأمّا أن ينتهيَ إلى العلمِ، فلا. ومنها: أنه لو كانَ الاعتبارُ بعددٍ مخصوصٍ، لوجبَ اعتبارُ صفاتٍ محْصوصةٍ، كالإسلام، والعدالةِ، على ما أجمعنا عليه في الشهادةِ، فلما لم نعتبر لذلك أوصافاً مخصوصةً، لم نعتبر له أعداداً مخصوصة، وهذا صحيح؛ لأنَّ العددَ إنما يرادُ لتناصرِ الأقوالِ التي يبعدُ معها الكذبُ، ويقربُ من غلبةِ الظن لصدقِ الخبر، وكما أنَّ ذلكَ يقوى بتزايدِ العددِ، فكذلك (١) يقوى بحصولِ الصفاتِ التي يبعدُ معها الكذبُ، وتُقرِّبُ إلى الصدق. ومنها: أنَّه ليسَ عددٌ من الأعدادِ التي اعتبر بها، إلا وما زادَ عليه يقوي ما في النفس؛ فالأربعةُ فصاعداً بالإضافةِ إلى الاثني (٢) عشر، والاثنا عشر بالإضافةِ إلى السبعين، [والسبعون] بالإضافة إلى الثلاثِ

стр. 1994

مئةٍ ونيف، يَقْوي بالأكثر ما حصلَ في النفس بخبر العدد الأقل، وما قَبِلَ التزايدَ، فهو الظنُّ، إذ ليس وراءَ اَلقطع، ولا سيما العلمِ الضروريِّ، غايةٌ. فصلٌ في شبههم قالوا: إنَّ الله سبحانه اختارَ عددَ شهودِ الزنى أربعةَّ، واختارَ من النقباء اثني (١) عشر، واختارَ موسى لسماعِ كلامِ الله [سبعين من قومِه] ليُخْبِروا بسماعِ الكلام من لم يسمع، وهذا كلُّه يدلُ على حصولِ العلم به. فيقال لكل من تَعلَّقَ بعددٍ من الأعدادِ: إِنَّ اعتبار غيرِه -إمّا فوقَه، أو دونه- يُخرِجُ ما يَعقُبُه (٢) عن أن يكون علماً ضرورياً؛ لأنَّ الضروريَّ لا يقبلُ التزايدَ. ولأنه لا دليل معكم على أَن العدد اعتبرَ لتحصيلِ العلمِ، ولا للتمبيز بين العلم وعدمه، بل تَعبَّدَ وتَحَكَّمَ بالعددِ، والأصلُ المعتبرُ فيه غلبةُ الظنِّ، لا العلمِ. ولأنَ الله سبحانه لم يعتبر العدد إلا تحكماً، إذ ليسَ أحدُ العددين بأولى من الآخرِ في تحصيلِ العلم. ولأنَّه اعتبرَ مع العددِ العدالةَ، ولو كان يحصلُ بقولهم العلمُ، ما اعتُبِرَتِ الصفاتُ، كالعددِ الذي لا يجوز عليهم التواطؤُ على الكذبِ،

стр. 1995

لَمَّا (١) أوجبَ العلم، لم يُعتَبر مع العددِ صفةٌ. ولأنه يَدْخُلُ برجوعهم الشَّكُّ، وتزولُ غلبة الظن، وما ثبتَ من العلم الضروري لا يتطرقُ عليه الشك والشبهةُ، وهنا لو رجعَ واحد من العدد، لأورثَ شبهة، ولو قابلهم عددٌ مثلهم مخبرون بضِدِّ ما أخبروا به، لوقفَ الدَّسْتُ (٢)، والعلوم الضرورية لا يتطرق الشَك على طرقها المحسوساتِ، وما ثبتَ بأوائلِ العقول في ذلك الخبر الذي أخبروا به، والشهادة التي شهدوا بها، ولم يجب استيفاء العقوبة. فصلٌ ولا يعتبر إسلام المخبرين في أخبار التواتر، بناءً على ما قررنا؛ من أن الإحالة للتواطؤ، إنما هي إحالةُ اتفاقِ العددِ الكثيرِ على إتيانِ الكذب، خلافاً لبعض أصحاب الشافعي: يعتبر إسلام المخبرين إن طالَ الزمانُ؛ بحيث يمضي ما حصل التواطؤُ في مثلِه، والمراسلة من بعضهم إلى بعضٍ، وإن لم يَطُلْ ذلك، صحَّ مع كفرهم، ولم يُعتَبْر إسلامُهم (٣).

стр. 1996

فصلٌ في حجتنا وهي أنَّ إحالةَ اجتماعِ الكفارِ على إتيانِ الكذبِ، مع كثرةِ الأعدادِ، واختلافِ الأمزجةِ والطباعِ، فصارَ كإحالةِ اجتماعِهم على حبِّ الحموضةِ أو الحلاوةِ في ساعةٍ واحدةٍ، أو يومٍ واحد، وهذا أمرٌ لا، يختلف باختلاف الأديانِ، كما لا يختلفُ باختلافِ السنِّ بعدَ التساوي في البلوغِ، والعقلِ الذي يصحُّ معه توخي الصدقِ. وأيضاً: فإنَّ العددَ المعتبرَ، لو جازَ أن يَقبلَ اعتبارَ زيادةِ صفةِ نفي الإسلامِ أو العدالةِ، لجازَ أن يَقبلَ الزيادةَ في العددِ؛ بحيث يقوى بزيادة (١) مئةٍ أخرى (٢). فصلٌ في شبههم الكفرُ عرضةُ الكذبِ، والتحريفِ في القول، والإسلام مناطُ الصدقِ، والتحقيقِ في القولِ، ولهذه العلة اختص المسلمونَ بالقطعِ بإجماعهم، كذلكَ وجبَ أن يختص العلمُ القطعي بتواترِ أخبارِهم،

стр. 1997

والآحادُ عرضةُ تجويزِ الكذبِ. فيقال: إنَّما تقوى بالصفةِ الآحادُ؛ ليغلبَ على الظنِّ صدقُ المخبرين، فأمَّا عددُ التواترِ؛ فإنَّ الإحالةَ للتواطؤ كافية عن اعتبارِ الصفاتِ الزائدةِ على المعتبرِ من العقلِ، وسلامةِ الحواسِّ التي يحال بالإدراك عليها، وقد وطن لمثل هذا جماعة من الفقهاء المالكيةِ والحنابلةِ في شهادة الصبيان في الجراح، فلم يعتبروا البلوغ، إذا جاؤوا مجتمعين قبلَ أن يمضيَ زمان يتهمون فيه بالتعليم لهم أو التواطؤ، فللاجتماع، وعدم تجويزِ التواطؤ، عمل وتأثير يغني عن اعتبارِ صفاتِ المخبرين؛ لبُعْدِ التُّهْمةِ في ذلك. على أنَّا نجدُ من نفوسِنا العلم بإخبار العددِ الكثيرِ وإن كانوا كفاراً؛ بحيث لا يورثُنا كفرُهم شكاً في خبرِهم، مع توفيرِ عددِهم، واستحالةِ تواطئهم على الكذب. وأما الإجماع، فإنما صار حجة معصومةً بالشرع، والشرعُ خصَّ ذلكَ بقوم مخصوصين بالإسلام، والاجتهادِ، والعدالةِ، مع البلوغ والعقل، وليس كذلك الأخبارُ، فإنها توجب العلمَ من طريقِ العادةِ، وما طريقهُ العادةُ، لا يختلفُ فيه المسلمونَ والكفارُ. ومنها: أن قالوا: لو كانَ العلمُ يقع بتواترهم، لوجب أن يقعَ العلمُ بكلِ ما يخبرون به، ومعلوم أنَّه لا عددَ أكثرُ من عددِ النصارى من بين سائرِ الملل، وقد أخبروا بقتلِ المسيح وصلبهِ ﵇، ومع ذلك لم يثبت العلمُ بخبرِهم، وما ذلك إلَا لعدمِ إسلامهم. فيقال: إنما لم يقع هناك العلمُ؛ لأنَّ شرائط التواتر فيه غيرُ متكاملة، وهو استواءُ طرفي العددِ ووسطِه، [و] الذي نقلته النصارى

стр. 1998

الآن مع كثرتِهم، يَستنِدُ إلى نقلِ آحاد يسيرةٍ لا يقعُ العلمُ بخبرٍ هم، وكلامُنا في عددٍ كثيرٍ لا يتواطؤ أمثالُهم على كذب، يخبرون عن دركِ إحساسِهم، ولا يزالُ ينقلُه أمثالُهم إلى أن يصلَ إلينا على ذلك الوجهِ، لا يختلُّ الطرفان، ولا الوسطُ. ومنها: أنَّ الإسلام والعدالة صفتان تحصلُ بهما الثقةُ إلى الخبرِ، فكانَ مشروطاً في المُخْبِرِ كصحَّةِ (١) العقلِ والحاسَّةِ. فيقال: المخبرُ إنما يرقى عن إدراكه لما يخبرُ به؛ إما من طريق نفس إدراكه، وهم الأعداد الأُوَل المذكورون، أو عن غيرهم، وهم الطبقةُ الثانية، بإدراكِ ما سمعوه منهم، فإذا لم تكن حاسةٌ، انعدمَ الطريقُ، فصارَ خبره عن غيرِ حاسَّةٍ، ولا عقلٍ، يعني كالمخبرِ عن ميتٍ، أو جمادٍ، بأنه قال كذا، أو فعل كذا. فأمَّا الكافرُ، فله دركٌ وحاسَّةٌ وعقل، فإذا كثُرَ العددُ المفرط الذي لا يحصرُه بلدٌ ولا عددٌ، استحالَ حبُّ جماعتِهم للكذبِ، سواء كانوا معتقدين لدينٍ، أو لم يكونوا معتقدين، فإنَّ (٢) الأمزجةَ والطباعَ لا تتفقُ على الكذبِ، مع التديُّنِ، وعدمِه. فصل يجوز ورود التعبد بخبر الواحد من طريق العقل (٣)، خلافاً لبعض

стр. 1999

المتكلمين -وأظنه: الجبائي؛ على ما رأيته في بعض الكتب الكلامية-، قال: لا يجوزُ ذلك عقلاً (١). فصل يجمع أدلتنا فمنها: أنَّ التعبداتِ تتضمنُ ترغيباً في الثواب، وترهيباً من العقاب، وعلى هذا مبنى التكليف، وقد ثبت تجويزُ الرجوعِ في التخويفِ من طريقٍ، والترهيبِ من سفرٍ، إلى خبرِ الواحد المخبر بما يخوفه من سبعٍ، أو قاطعِ طريقٍ، وكذلكَ تجويزُ العملِ بخبرهِ ترغيباً في سفير لنفعٍ آَخْبرَ به؛ من ربحٍ في تجارةٍ، ودركٍ لمطلبٍ، فكذلك خبره عن الرسول ﷺ بما يعودُ بدفعِ مضرةٍ، أو درك منفعة، ولا

стр. 2000

عاقلَ ينكر التوقف عن الشروع في السفرِ، لما يخبره الواحدُ عن مضرةٍ تلحقهُ، ولا ينكر الإقدامَ على السفرِ؛ لإخبارِ الواحدِ له بمنفعةٍ يدركها. فإن قيل: أمَّا الخبرُ من جهةِ الواحد في بيانِ الأمور الدنيوية، لا يُشبهُه الخبرُ بالتعبداتِ، ولهذا لا يقفُ وجوبُ العملِ والتحرز في الأمَورِ على العدلِ، بل الفساق إذا أخبرونا بسبعٍ أو قاطعِ طريقٍ، وجبَ في العرفِ التحرزُ والتوقفُ عن سلوكِ الطريقِ، ولا نبني حكماً شرعياً على خبرِ فاسقٍ. (١ قيل: لا نُسَلِّمُ، بل الفاسقُ إذا حَذَّرَ من سَبُعٍ، أو قاطعِ طريقٍ، قَدْ نَقصِدُ إليه ١) ... ومنها: أنَّ الاتفاقَ حاصلٌ بأنَّ الشرعَ لا يأتي إلا بمجوَّزاتِ العقولِ، فأمَّا موانعُها، وما لا تجيزهُ، فلا. وقد وردَ الشرعُ بالعملِ بقولِ الشاهدِ والشاهدينِ والأربعةِ على حسب الأحكام، والعملِ في الأحكامِ بقولِ المفتي، وإن جازَ عليهم السهو والخطأ، ولم يقبح ذلكَ في العقل، وإن كان قول المفتي يستند إلى استنباطٍ أو دليلٍ، قد يخطىءُ فيه أو يصيبُ، فالرجوعُ إلى قولٍ وخبر يسنده إلى سماعِه عن الرسول ﷺ ، أَوْلى أن يُعملَ به.
следующие страницы →