← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

ومن أَدِلتِنا في هذه المسأَلةِ: ما يُقارِب هذا، ويُسْتخرَجُ منه: أَنَّ تحليلَ الشَّيءِ وتحريمَه، وإِفسادَ العَقْدِ وتصحيحَه، لا يجوزُ ورودُ الشَّرْع به، ولو جاز ذلك، لجاز ورودُ النَّصِّ به، فيقول: النبيذ حلالٌ حرامٌ، والنكاحُ بغيرِ وَلِي أَو بغيرِ شهودٍ صحيحٌ فاسدٌ، فلما لم يَجُزْ وُرودُ الشَّرع به، ومجيءُ النصِّ عليه، لم يَجُزْ أَن يَدُلَّ عليه النظرُ والاجتهادُ. يُبيِّنُ (١) صِحَّةَ هذا: أَنَّ النَّظرً والاجتهادَ نتيجةُ النصِّ والإجماع، فإذا استحال أن يدلَّ النصُّ والإجماع على تحليل الشيء وتحريمه على الإطلاق، استحالَ أن يدلَّ عليه النظر والاجتهاد، إذ لا يجوز أَن تَدُلَّ نتيجةُ الشَّيءِ على ما لا يَدُلُّ عليه أَصلُه. فإن قيل: إِنَّما يَسْتحِيلُ ورودُ الشرع من جهة النظر والاجتهاد في حقِّ الَواحد، فأمَّا في حقِّ الاثنين، فلا يستحيل، أَلا ترى أَنَّ النَّصَّ قد وَرَدَ بتحليلِ المَيْتَةِ للمضْطَرِّ، وتحريمِها على الغَنِيِّ عنها، وإِحلالِ الفِطْرِ في رمضانَ للمسافرِ والمريضِ، وتحريمِه على الصَّحيح الحاضرِ، فكذلك هاهنا يجوزُ أن يَحِلَّ الشَّيءُ في حقِّ المجتهدِ، ويَحْرُمُ في حقِّ غيرِه، ويفسُدُ العقد في حقِّ مجتهدٍ، ويَصِحُّ في حقِّ غيرِه. قيل: لسنا نُنْكِرُ ورودَ الشَّرْع بتحريمِ الشَّيءِ على شخصٍ، وإِباحتِه لغيرهِ؛ بحَسَبِ ما يَقْتضِيه الأَصلحُ أَو الحاجةُ، وبحَسَبِ ما تَقْتضِيهِ الدِّلالةُ من التفصيلِ والتخصيصِ، وإِنما نُنكِرُ ورودَ الشَّرْع بتحليلِ الشَّيء

стр. 2452

وتحريمِه، وإِفسادِه وتصحيحِه، على سبيلِ الإِطلاقِ والعمومِ، وذلك لا يجوزُ من جهةِ النصِّ والإِجماع، كذلك لا يجوزُ من جهةِ النَّظرَ والاجتهادِ. ومنها: أَنَّ ما ذَهَبُوا إِليه يُفْضِي إلى قولٍ شَنِيعِ في الإِسلامِ، ومخالفةِ الإِجماع، وأَن تكونَ المرأَةُ الواحدةُ تحتَ زَوجَيْنِ؛ وذلك أَنَّها إِذا تَزَوَّجَتْ من رجلٍ بغيرِ شاهِدَيْنِ؛ لاعتقادِه أَنَّ العقدَ صحيح، وكان مصيباً، وتَزَوَّجَها آخرُ بعدَه بوَلِيِّ مُرشدٍ وشاهديْنِ؛ لاعتقادِه أَن الأَوَّلَ باطلٌ والثانيَ صحيحٌ (١)، وكان عند الله سبحانه مصيباً، فهي امرأَةٌ ذاتُ زَوجَيْنِ، وهذا من أَشْنع قولٍ في الإِسلامِ، وأَشَد خلافاً للإِجماع. فإِن قيل: ما يَلْزَمُنا من الشَّناعةِ يَلْزَمكم مِثْلُه؛ من القولِ بالتًسْويغ، وعدمِ الإِثمِ. قيل: أما الإِصابةُ؛ فإنَّها حكمُ اللهِ تعالى بالصِّحَّةِ، وَأَمَّا التَّسويغُ؛ فإِنَّما هو إِقرارٌ مُجَرَّدٌ، لا حكَمَ فيه بصِحَّةٍ ولا انعقادٍ، فلا يُفْضِي القولُ به إِلى إحالةٍ ولا فسادٍ. فصل في جَمعْ شُبَههم في المسأَلةِ فمنها: قولُ النبيَّ ﷺ :"أَصَحابي كَالنُّجومِ، بايَهمُ اقْتَدَيْتُم، اهْتَدَيْتُم" (٢)، فوجهُ الدَّلالةِ من الحديث: أَنَّهُ جَعَلَ الكلَّ مهتدِينَ مَعَ كونِهم

стр. 2453

مُختلِفينَ في الحوادثِ الخِلافَ المُتبايِنَ، فهذا يُسقِطُ الإِخوةَ بالجَدِّ، وهذا يُوَرِّثُهم، وهذا يقولُ بالعَوْلِ، وهذا يَنْفِي العَوْلَ، وخلافُهم في لَفْظِ الحرامِ معلومٌ، هذا يَجْعَلُه طَلاقاً ثلاثاً، وهذا يَجْعلُه طلاقاً رَجْعيّاً، وآخرُ يَجْعلُه ظِهاراً، وآخرُ يَجْعَلُه يَمِيناً، وآخرُ يَجْعَلُه واحدةً بائِنةً، وآخرُ يُوجِبُ فيه كَفارةَ اليمينِ، ولا يَجْعلُه يَمِيناً. فإِذا أَخْبَرَ ﷺ بأَنَّ المُقْتدِيَ بكل منهم مُهتَدٍ، ثَبَتَ أَنَّ الكلَّ على هدايةٍ، والخطا لا يُسمَّى هدىً، وإِذا كان الخطأ هدىً، صارَ لَقَباً واسْتِعارةً لا حقيقةً. والجوابُ: أَنه يُحْتَملُ أَن يكونَ مرادُه بالاقتداءِ: الأَخْذَ بالرِّوايةِ دونَ الرأي. ويحتمَلُ أنَّه أَرادَ بالهُدى: نفيَ المَأثمِ بتقليدِ العامِّيِّ آيهم قلدَ، وسَوغانُ الاجتهادِ معَ الخَطَأِ يجوزُ أَن يُسمَّى هدىً، من حيثُ بَذْلُ الوُسْع في طَلَبِ الصوابِ، ويَكْشِفُ ذلك قولُهُ ﷺ :"إِذا اجْتهَدَ الحاكمُ فأَصابَ، فله أَجْرانِ، وإِذا اجْتهَدَ فأَخطأَ، فله أَجْرٌ"، فالذي سَمَّى الكلَّ هدىً، أَوْقَعَ على البعضِ اسمَ الخَطأِ. ويحتمَلُ أن يُرِيدَ بذلك: الإِمامة، وأنَّ كلا منهم صالح لها، فالاقتداءُ به هُدىً. ويحتمَلُ أَن يُريدَ به: إِذا اتفَقوا على الحُكمِ، كان المُقلِّدُ مُخيَّراً بينَ تقليدِ هذا أَو هذا، والتخييراتُ في المُتساوياتِ أَبداً، والتساوِي معَ الاتفاقِ يُفيدُ أَن لا يَخْتصَّ التقليدُ بالأَرْفع، فإِنْ قلدَ مُعاذاً مع وجودِ علي جازَ،

стр. 2454

وإن قَلَّدَ ابنَ عباس مع وجودِ أَبي بكر وعمرَ جاز، فهذا أَفادَ التخيُّرَ. ومنها: تَعلُّقُهم أَنَّ الصَّحابةَ رضوان الله عليهم اخْتَلَفُوا في مسائلَ كثيرةٍ، وحوادثَ عِدَّةٍ، فلا أَحدَ منهم تَبَرَّأَ مِن مخالفِه، ولا غَلَّظَ القولَ فيه، بل وَلوْا قُضاةً وحُكَّاماً يَعْلَمونَ مخالفتَهم لهم في الأَحكامِ، وتَدافَعُوا الفَتاوَى، وبعضُهم دَلَّ على بعضٍ، وقال: ائت فلاناً، واذْهَبْ إِلى فلانِ، ولو كان يَعتقِدُ أَحدٌ منهم خطأَ غيرِه، وعَدَمَ إِصابتِه، لَمَا دَلَّ عليه، ولَا أَرْشَدَ إِليه؛ فإنَّ الدَّالَّ على المُخطئِ في الرَّايِ مُضلِّلٌ لمَن دَلَّه وعَيَّنَ له، أَوَ لا تَراهُم كيفَ غلَّظُوا على مانِعي الزَّكاةِ، وتَبَرَّؤُوا منهم، وأَظْهَرُوا التبَرُّؤَ مِمَّن خالفَ ما تَضَمَّنَه المصحفُ المُصطَلحُ عليه، وحَرَّقُوا ما سِواه، وَأظهَرُوا التَّبرُّؤَ من الخوارج، وقاتَلُوهم، واسْتَباحُوا دماءَهم، فلو كانوا يَعْتقِدونَ تحريمَ ما أَباحهُ الله، وإِباحةَ ما حَرَّمَه الله، وحِرمانَ مَن أَعطاه الله؛ لأَنْكَرُوا ذلك على مَنْ أَتى ذلك، وأَفْتَى به، فلَمّا تَساكَتُوا على الخِلافِ، ولم يُقنِعْهم (١) ذلك حتى أَقَرُّوا، ودَفَعُوا الفَتاوَى، فأَحالُوا على مَن خالفَهم، عُلِمَ أَنهم حَكَمُوا بتساوي الكلِّ في الإِصابةِ. والجوابُ: أَنَّ لنا مِن إِجماعِهم أَكْبرَ حُجَّةٍ بحيثُ تُقابِلُ ما ذَكَرْتُم، فتُوقِفُه، أَو تُسقِطُه وتُبطِلُه؛ وذلك أَنهم صَرَّحُوا بتَخطِئَةِ مَنْ خالفَهم بما قَدَّمْنا من الأَقوالِ المُغنِي عن الإِعادةِ، لكنَّا نُشيِرُ إِليه: فهذا يقولُ: أَلا يَتَّقِي الله زيدٌ! جعلَ ابنَ الابنِ ابناً، ولا يَجْعَلُ أَبا

стр. 2455

الأَبِ أَباً (١)! وهذا يقولُ: والَّذي أَحصى رَمْلَ عالِج عَدَداً ما جعلَ الله في الفَريضةِ نِصْفاً وفصفاً وثُلُثاً (٢). وهذا يقولُ: إِن اجْتهَدُوا، فقد أخطؤُوا، وإن لم يَجْتهِدُوا، فقد غَشُّوكَ (٣). إلى أمثالِ ذلك. فأَينَ تَرْكُ الإِنكارِ؟! وأَين الموافقةُ، والإِذعانُ بالإِصابةِ، وهم على هذا الاختلافِ (٤)، والإِزراءِ على المقالةِ التي ذَهَبَ إِليها مَن خالفَهم، والعَتَبِ؟ وأَمَّا التبَرُؤُ: فإِنما لم يَرْتَقُوا إِليه في أَمثالِ هذه المسائلِ؛ لأَنَّ دلائِلَها أَماراتٌ تَلُوحُ (٥) وتَخْفى، وليس لها أَدِلةٌ قطعِيَّةٌ، بخلافِ ما ذَكَرْتُم من الامتناع من إِخراج الزَّكاةِ، أَو مِن اعتقادِ وجوبِها، وبخلاف تَكْفيرِ علي وعثمانَ بما لا تُوجَدُ فيه شُبْهةٌ فَضْلاً عن حُجَّةٍ، ومَعَ إِيضاح دلائِلِ فضائِلِهما، من السَّابقةِ، ومَدْح رسولِ الله لهما، والشَّهادةِ بأَنهما من أَهلِ الجنَّةِ، والدعاءِ لهما في عِدَّةِ مَقاماتٍ، ووضوح بُطلانِ ما تَعلقَ به الباغِى عليهما، من التّجِيبِيِّ وطائفتِه المِصْرِيّينَ في حقِّ عثمانَ، والتمِيمِىِّ وطائفتِه

стр. 2456

من الخوارج في حقِّ علي وعثمانَ، وما شَهِدَتْ به السّنَنُ والآثارُ من ذمِّهم، والشَّهادةِ عليهم بالمُروقِ من الدينِ. فأَمَّا الأَحكامُ الفُروعيَّةُ، فإِنَّها مما تَقابَلَتْ فيها الأَماراتُ، واشْتَبَهَت الظواهرُ، وتَخَيَّلَتِ الشُّبهاتُ بالدلائِلِ، فليس بذلك يَبْرَأُ بعضُهم من بعضٍ، وقالوا في ذلك بحَسَبِ الخطأِ فيه؛ من نوع مَلامةٍ، وتَعْييبِ المَقالةِ بإِيرادِ أَمارةٍ، كما (١) ظَهَرَ منهم في حق ابن مسعودٍ ومخالفتِه في المُصحَفِ، وما ظَهَرَ منهم في حقِّ عثمانَ؛ لكن ذلك لِماَ ظَهَرَ من تقديمِ أَهْلِه وعشيرتِه، وتَفَسّحِه فِى المالِ. ومنها: أَن قالوا: لو كان الحقُّ في واحدٍ؛ لنَصَبَ الله عليه فى دليلاً، وجَعَلَ إِليه طريقاً، ليُزِيحَ عِلَّةَ المُعتَلِّ، ويَقطَعَ حُجَّةَ المُحتجِّ، تلك سنَّتُه في كلِّ ما دعا إِليه، قال سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال (٢) سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [طه: ١٣٤]، ولو أَقامَ دليلاً، وأَوْضَحَ إِلى ذلك الحقِّ والصَّوابِ طريقاً؛ لسَقَطَ فيه عُذْرُ المخالِفِ؛ ولوَجَبَ أَن يُحكَمَ على كلِّ مَن خالفَ ذلك بالفِسْقِ، ويقْضَى عليه بالإِثْمِ، كما فَعَلْنا ذلك في باب العَقْليَّاتِ.

стр. 2457

والجوِابُ: أَنَّه قد نَصَبَ عليه دليلاً بحَسَبِ ما اقْتَضى، وهو أَنه اقْتَضانا بالظنِّ، ونصَبَ على الحكمِ أَمارةً ظَنِّيَّةً، وأَبانَ بها خَطَأَ المُخالِفِ أيضاً بطريقِ الظنِّ، فكما لم يَجبْ على المُكلًفِ المجتهِدِ أَن يَقْطَعَ بإِصابتِه؛ حيثُ لم يَجْعَلْ له على الحَكمِ دليلاً قَطْعِيّاً، كذلك لا يَجِبُ عليه المَقطعُ بخطأِ مُخالِفِه، وكان من جُمْلةِ ما سَهَّلَه إِسقاطُ المَأثمِ، ولم يَقْنَعْ بإِسقاطِ المَأثمِ؛ حتى جَعَلَ له على كلْفَةِ الاجتهادِ أَجراً؛ فقال ﷺ "إِذا اجْتَهدَ الحاكمُ فأَصابَ، فله أَجْرانِ، وإِذا اجتهدَ فأَخطأَ، فله أَجرٌ" (١). ولأَنَّ الله سبحانه قد نَصَبَ على شًغلِ الذِّممِ بعدَ براءَتِها أَدلَّةً ظَنِّيَّةً، وأَوْجب الحكمَ بها في استحقاقِ الأَموالِ، ونقلِ الأَملاكِ، وإِراقةِ الدِّماء، واسْتِباحةِ الفُروج، وهي شهادةُ الشَّاهِديْنِ، ولم يَذلَّ ذلك على أَنَّ المالَ مُباحٌ للاِثْنيْنِ (٢): المُدَّعِي والمُدَّعَى عليه، ولا أَن الدَّمَ مُستحَقٌّ (٣) غيرُ مُستحَق، ولا أَنَّ البُضْعَ مباحٌ حرامٌ، بل أَثْبَتَ هذه الحقوقَ بدَلالةٍ ظَنيَّةٍ وحُجَّةٍ غيرِ قطعيَّةٍ، وقَضَى بها على دَلالةِ القَطْع، وهي بَراءَةُ الذِّمَمِ الثابتةُ بدَلالةِ العقلِ؛ بأَن (٤) كان الحقُّ لجهةٍ واحدةٍ.

стр. 2458

ومنها: أَن قالوا: لو كان الحقّ في جهةٍ واحدةٍ، لوَجَبَ أَن يُنقَضَ به كلُّ حُكمٍ (١ يُخالفُه، كما قال ١) الأَصَمّ وبِشْرٌ المريسِيّ، ولَمَّا قلتم: لا يُنقَضُ أنكم بما يُخالِفُ ما اعْتَقَدتموه إِصابةً وحقّاً، دَلَّ على أَن الحُكميْنِ جميعاً حقٌّ وصوابٌ. والجوابُ: أَنه إِنَّما لم يُنقض الحكم؛ لأَنَّ الله سبحانه جَعَلَ (٢) أَدِلَّةَ الحقِّ خَفِيَّةً، والشبهاتِ مُعترِضةً، والأَدلَّةَ مُتجاذبَةً، فلو جَوَّزَ نَقْضَ الحُكمِ، لَما ثَبَتَ للشَّريعةِ حكمٌ، ولنَقَضَ كلّ حاكمٍ على غيرِه، فسامحَ الشَّرعُ وساهلَ في ذلك، لِئَلاّ يَقَعَ التَّهارجُ والتَّنازعُ، وعدمُ استقرارِ حكمِ الله في الأَرضِ؛ إِذ كان كلّ واحدٍ من الحكَّام ينقض على مخالفه، فلا يستقرّ شيءٌ من الأحكام، وليس كل ما (٣) عَفَى عنه، ولم يَتعرَّضْ له بالنَّقضِ، دلَّ على أَنَّه حقٌّ، فإنَّه سامحَ أَهلَ الكِتابيْنِ بالإِقرارِ على ما يُخالِفُ حكمَ الإِسلام، ولا يَتعرَّضُ لأَحكامِهم بالنَّقضِ، ولا لِبيَعِهم وصَوامِعِهم وكَنائِسِهم بالهَدْمِ، وكذلك البَيْعُ عندَ النداءِ، والسَّوْمُ على سومِ المسلمِ، والخِطْبةُ على خِطْبتِه، كلّ ذلك لا يُنقَضُ، ولا يَدُلّ على أَنه حقٌّ وصوابٌ، ولا جائزٌ في الشَّرع. على أَنه إِن كان عَدَمُ النقضِ دليلاً عندَكم على الصَّوابِ، كان وجوب الرّجوع عن الاجتهادِ الأَوَّلِ إِلى الثاني دَلالةً على أَنَّ الكلَّ ليس

стр. 2459

بصوابٍ؛ إِذ لا وَجْهَ لتر الصَّوابِ إِلى مِثْلِه. ومنها: أَن قالوا: لو كان الحقُّ في واحدٍ، لَمَا ساغَ لأَحدٍ من العوامِّ أَن يُقلِّدَ أَحداً من العلماءِ إِلا بعدَ الاجتهادِ وتَحَرِّي الصوابِ، فلما جازَ للعامِّيِّ تقليدُ مَنْ شاءَ منهم، عُلِمَ تساوِيهم في الصوابِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لا يُخيَر إِلاَّ بينَ مُتساوِيَيْنِ؛ كتَخْيِيرهِ بين الأَعيانِ في كَفاراتِ التخييرِ. والجوابُ: أَنَّ مذهبَنا في ذلك مُختلِفٌ، فلا نسَلِّم أَنَّ العامِّيَّ يُقلِّد مَنْ شاءَ، بل يُقلِّدُ الأَعْلمَ، ويكون (١تعويلُه في الأَعلمِ على من أَشارَ إليه ١) أَهلُ العلمِ بأَئة الأَعلمُ، والصحيحُ عن صاحبِنا؛ ما تَكاثَرَتْ به الرِّواياتُ (٢) عنه: أَنَّه دَلَّ على حِلَقِ الدنيِّين بجامع (٣) الرّصافةِ. وقال لبعضِ أَصحابِه: لا تَحْمِلِ الناسَ على مذهبِك. ورُوي: أنَّه أستَفْتاه إنسانٌ، فقال: سَلُوا عبدَ الوهَّابِ. ورُوي: أنَّه أَحالَ بالفَتْوى على أَبي ثَوْرٍ. فعلى هذا إِنما يجوز له تقليد مَنْ لا يُخالِفُ الحقَّ، فنقول له: قَلِّدْ عالِماً بشَرْطِ أَن لا يُخالِفَ النًصَّ. على أَنَّا لو مَنَعْنا العامِّيَّ أَن يُقلِّدَ إِلا مَن مَعَه الصوابُ، لم يَجِدْ إلى معرفةِ ذلك سبيلاً؛ إِلاَّ بأَن يَتعلمَ الفِقْهَ، ويَعْرِفَ الأَدلَّةَ، وفي إيجابِ ذلك

стр. 2460

على كلِّ إحدٍ مَشقَّةٌ وفسادٌ؛ لوقوفِ المَعايشِ. ومنها: أَن قالوا: لو كان الحقُّ في واحدٍ، والباقونَ على خطأٍ، لَمَا جازَ لبعضِهم أَن يُوَلِّي غيرَه القضاءَ مَعَ اعتقادِه أَنَّ الحقَّ والصَّوابَ معَه، وأَنَّ غيرَه على الخَطأِ؛ لأَنَّ المُوَلِّيَ للمُخطئٍ كالحاكمِ بالخطأِ؛ لأَنَّه يَعلَمُ أَنَّه إِنَّما يَحكُمُ بمذهبِه، ومذهبُه خطأٌ، وكما لا يَحِلُّ له الحُكْمُ بالخطأِ، لا يَحِلُّ له توليةُ مَنْ يَحكُمُ بالخطأِ. والجوابُ: أَنَّ الله سبحانه حيثُ وَضَعَ أَدِلّةَ هذه الأَحكامِ، وَضَعَها وَضْعاً لا يُؤَدِّي إِلى قَطْعِ، بل جَعَلَها أَماراتٍ مُتَرَدِّدَةً بينَ إِصابةِ الحقِّ والخطأِ، وجعلَ بَذْلَ الوُسْع في الاجتهادِ (١. . . . . . . . . ١) هذا إذا صدق الاجتهاد (١. . . . . . . . . . . .١) بأَنه يُحدِثُ لكلِّ حادثةٍ اجتهاداً يكونُ معه ... فلسنا نُوَلِّيهِ ليُقلِّدَ، ولا ليَعمَلَ بمذهب غيرِه، ولكن بمذهب اعتقده واجتهد فيه، فعرفناه ط وعلمنا خطأَه، فوَلَّيْناه. وعلى نظيرهِ (٢) جَعَلَ الشرعُ الوِلاياتِ، فقال: "إِذا اجْتهَدَ الحاكمُ، فأَخطأَ، فله أَجرٌ"، وإِذا كان خطأً مغفوراً لم يَمنَعْ، فكيف إِذا كان خطأً هو عليه مأجور؟! فإِذا جَوَّزَ الشَّرعُ توليةَ حاكمٍ مَعَ تَجْويزِ الخطأِ عليه؛ ثِقَةً بظاهرِ الإِصابةِ مع بَذْلِ الاجتهادِ، وشَهِدَ بأَن (٣) له على اجتهادِه مع

стр. 2461

خطأه أَجراً، لم يَمْنَع تَوْلِيتَهُ؛ تعويلاً على إصابةِ الحَقِّ، وعَفْواً عن الخطأ إِن لم يُؤَدِّهِ اجتهادُه إِلي الحقِّ، وأَصلْ العُذرِ فيه: ما قَدَّمْنا من أَنَّ الأَماراتِ المَنصُوبةَ على هذه الأَحكامِ عْيرُ مُوجِبةٍ للعِلمِ والقطْع. ومنها: قولُهم: لاخلافَ أَنَّ المُجتهِدَ إِذا بَذلَ وُسْعَه فِى الاجتهادِ وطَلَبِ الحكْمِ، وَجَبَ عليه اعتقادُ ما أَدَّاهُ إِليه الاجتهادُ، ومتى تَرَكَ ذلك، أستحَقَّ الذَّمَّ، فلو لم يَكُنِ المأمورُ ما أَدَّاهُ اجتهادُه إِليه، لَمَا اسْتَحَقَّ الذَّمَّ على تركِه، وإِذا ثَبَت أَنَّ ذلك هو االمأمورُ، وجبَ أَن يكونَ حَقّاً وصواباً، لأن هذين الخَصمين على الحق. والجواب: أنه لا يصحُّ منك دَعْواكَ وقد عُلِمَ إنكارُ المخالفِ لك في ذلك، ومنعُه منه، وإظهارُ الاحتجاج على فسادِه. وعنده أن هذا من مضائق التسويغ دون الحقِّ والصواب. ولو سَلَّمْنا ذلك تَوْسِعةً للنَّظرِ، لم يتمَّ لك الدليلُ، لأنَّ الموجب لذلك إِنَّما يُوجِبُه بشَرْطِ السَّلامةِ (١ والصحة، فإذا أدّى إلي خلاف الحق، نسبناه ١) إِلى الخطأ، كما يجوزُ (٢ الرمي إلى الهدف بشرط السلامة ٢)، فإذا أَدَّى إِلى إتلافِ مالا يَمْلِكُ إِتلافَه، نَسَبْناه إلى التفريطِ، وعَلِمْنا خطأَه فيه. ثم هذا يبْطُلُ بهِ، إِذا أَدّاه الاجتهادُ إِلا حكمٍ لا يَعْلَمُ أَنَّ فيه نَصّاً يُخالِفُ اجتهادَه، أَو كان وَرَدَ نسخٌ خَفِيَ عليه؛ فإِنَّه مَأمور بما أَدَّاه اجتهادُه إِليه، ولم يَدُلَّ ذلك على آنه حقٌّ وصوابٌ.

стр. 2462

جوابٌ أخر: وهو أَنَّ هذا حُجَّةّ عليهم؛ لأَنَّه مَن أَدَّاه اجتهادُه إِلى شيءٍ، وقَامَ الدَّليلُ عليه، لم يَجُزْ له اعتقادُ غيرِه، فلو كان الجميعُ حَقاً وصواباً، لجازَ تَرْكُه إِلى غيرِه، كالمُخَيَّراتِ كُلِّها في الكَفّاراتِ. ومنها: قولُها: لاخِلافَ أَنَّ ترجيحَ الظواهرِ المُتقابلةِ يجوزُ بما (١) لايجوزُ أَن يُثبِتَ (٢) الحكمَ بنفسِه، وهذا يَدُلُّ على أنَّ دليلَ الحَكمِ هو الذي وَقَعَ فيه المُقابَلةُ، وأَنَّه إِذا تعارضَ ظاهرانِ، فقد قامَ دليل كلِّ واحدٍ مِنَ الخَصْمَينِ على الحكمِ؛ فدَلَّ على أَنَّ الجميعَ حقٌّ وصوابٌ. والجواب: أَنَّا لانُسَلِّمُ؛ فإنَّه لايُرَجَّحُ أَحدُ الدَّليلَينِ على الآخرِ إِلاَّ بما يَجوزُ أَن يُجعَلَ دليلاً عندَ الكَشفِ والتَّقريرِ. على [أنَّ] هذا هو حُجَّة عليكم، فإنَّه لو كان الجميعُ حَقّاً وصواباً، لما طَلِبَ تقديمُ أَحدِ اللَّفظَيْنِ على الآخرِ بضروبِ التَّراجيح، ولَمَّا عَدَلُوا عند التَّقابُلِ إِلىٍ التَّرجيح، دَلَّ على أَنه لايجوزُ أن يكونَ ما اقْتَضاهُ الظَّاهرانِ جميعاً حَقّا. ومنها: قولُهم إِنَّ أَدِلَّةَ الأَحكامِ في مسائلِ الخِلافِ تَقَعُ مُتكافِئَةً، ليس منها ما يَقْتضِيِ القَطْعَ، أَلا ترى أَن كُلَّ واحدٍ من الخَصْمَيْنِ يُمكِنُه أَن يَتناولَ دليلَ خصْمِه بضَرْبٍ من الدَّليلِ، ويَصرِفَه عن ظاهرِه بضَرْبٍ من التَّأوِيلِ، ويُسنِدَ إلى دليلٍ، بحيثُ لا يصرفه لأحدِهما على الآخر مزية في

стр. 2463

البناءِ والتأويلِ فدَل على أَنَّ الجميعَ حَقٌّ. والجوابُ: أَنا لانسَلِّمُ أَنَّه يَنْتَهي أَمرُهما إِلى التَّساوي؛ بحيثُ لايَتَرجَّح أَحذهما على الآخرِ، ولا يتَكافَأُ دليلانِ في الشَّرع، وهذا ظاهرٌ في المُناظراتِ، وأَنَّه لايَخْلُو مِن ظهورِ أَحدِهما على الآخرِ. على انَّ هذا لو كان دليلاً على أَنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ في الفُروع، لدَلَّ على أَنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ في الأصولِ؛ فإِنَّ الأصُوليِّينَ إذا تَكَلَّموا في مسألةِ القَدَرِ، أَو تخليدِ الفُسَّاقِ من أَهلِ المِلةِ؛ فإنَّه تكاد الظواهر تَتقابَلُ، ولا تَدُلُّ أنَّ الحقَّ في جِهَتَيْنِ، ولا يُقال فيها بتَكَافُؤ الظَّاهِرَيْنِ. ومنها: أَن قالوا: إِنَّ حَمْلَ الناسِ على مذهبٍ واحدٍ يُؤَدِّي إِلى التَّشديدِ والتَّضييقِ، فوَجَب أَن يُجعَلَ الجميعُ حَقّاً؛ ليَتوسَّعَ الناسُ فيها. فالجواب: أَنَّه لو كان هذا دليلاً، على أنَّ الجميعَ حَقٌّ، لوَجَبَ أَن لايَلْزَمَ العملُ بما وَرَدَ، به النَّصُّ والإجماعُ من الأحكام المُغلَّظةِ، لأَنَّ في ذلك تغليظاً وتشديداً، فلَمَّا بطَلَ هذا بالإِجماع، بَطَلَ ما ذَكَرُوه أَيضاً. ولأَنَّ المصالحَ في الشرْعيَّاتِ لا تَتعلقُ بما تميل إِليه الطِّباعُ، وتَحصُل به الرّخْصة والاتِّساع، بل مَبْناها على ما هو الأَ نْفعُ لهم والأصلحُ، لا الأَطْيب والأَشهى والأَخَفُّ؛ فإذا كان في التَّكليفِ نوعُ صعوبةٍ، كان ثوابُ ذلك أَوْفرَ، كما قال النبيُّ ﷺ لعائشةَ: "ثوابُك على قَدْرِ نَصَبِكِ" (١).

стр. 2464

ومنها: قولُهم: لَمَّا كان القُرَّأءُ كلامُهم على صوابٍ في قِراءاتِهم (١)، كذلك الفقهاءُ في مَقالاتِهم. والجوابُ عن ذلك من وجْهَينِ: أَحدهما: أَنَّ تلك منصوصٌ عليها، حيثُ قالَ النبيُّ ﷺ :"نَزَلَ القرآنُ على سبعةِ أَحْرُفٍ، فاقْرَؤُوا كيفَ شئتُم" (٢). ورُوي: "كُلّها شافٍ كافٍ" (٣). والثاني: أَنَّه لا تَناقُضَ بين القِراءَتَيْنِ؛ ولذلك جازَ للقارئ أَن يَقْرَأَ بالسَّبْعةِ، وبأيَها شاءَ، ولايجوزُ للفقيهِ أَن يَعْتقِدَ الإِباحةَ والحَظْرَ في حالةٍ واحدةٍ، ولا يَتخَيَّرَ أَيَّ الحكمَيْنِ شاءَ. فصل القولُ بتكَافُؤ ألأَدِلَّةِ قولٌ فاسدٌ ، ومذهبٌ باطلٌ، ولابُدَّ أَن يكون لأَحدِ الدَّليليْنِ مَزِيَّة وتَرجيحٌ يُخرِجُهما عن التَّكافؤ (٤). هذا مذهبُنا، وبه قال الفقهاءُ.

стр. 2465

وقال أَبو عليِّ وأَبوهاشمٍ: يجوزُ أن يتكافَأَ دليلانِ، فيَتخيَّرَ المجتهدُ، فيعملَ بما شاءَ منهما. ووَجَدْتُ للمُحقِّقِينَ منهم: أنَّ ذلك في الأَماراتِ خاصَّةً دونَ الأَدلًةِ. لنا: أَنَّ هذه المسأَلةَ مَبنيَّةٌ على أَصل، وهو أَنَّ الحقَّ في واحدٍ، وإِذا ثَبَتَ بما قَدَّمْنا أَنَّ الحقَّ في واحدٍ، لم يَجُزْ أَن يُخْلِيَ الله سبحانه ذلك الحقَّ من دليلٍ، ولايجوزُ أن يُسوِّيَ بين دليلَيْنِ بم يُؤَدِّي كلُّ واحدٍ منهما إِلى حكمٍ يُخالِفُ الحكمَ الذي دَلَّ عليه الآخرُ؛ لأنَّ في ذلك تضليلاً وحَيْرَةً تَمْنَعُ إِصابةَ الحقِّ. وحُجَّةُ ما ذَهَبَ إِليه المخالفُ: أَنَّ الحادثةَ تأخُذُ شَبَهاً من أَصْلَيْنِ، بحيثُ لايُرجَّحُ أَحدُهما على الآخرِ، فدلَّ على جوازِ تكافُؤ الدَّليليْنِ. والجوابُ: أَنَّ هذه دعوى وجودٍ، وليس يُمْكِنُ الخالفَ أَن يُبررَ ذلك في مسألةٍ بعَينها، ومتى ادَّعَى ذلك في شبْهَيْنِ، أَظْهَرْنا التَّرجيحَ والمَزِيَّةَ، فمنه الدَّعوى، وعلينا بيانُ إِبطالِ كلِّ ما يُشِيرُ إِليه من ذلك في أَعيانِ السائِلِ. فصل فإِذا ثَبَتَ أَنَّ الحقَّ في واحدٍ، وأَنَّ الأَدِلَّةَ لا تَتكافَأ؛ فإِنَّ ما يؤَدِّي إِليه اجتهادُ المجتهدِ بأَدةِ الحكمِ غيرُ مقطوع به، وإنما هو مظنونٌ، والدَّلالةُ على نفى القَطْع أَشياءُ: أَحدها: أَنَّا نُوجِبُ على المجتهدِ إِذا اسْتُفْتِيَ في مثلِ تلك الحادثةِ أَن يُحْدِثَ لها اجتهاداً ثانياً؛ لئَلا يكونَ قد تَغَيَّرَ اجتهادُه.

стр. 2466

الثاني من الدَّلائل على ذلك: أنَّا لو قَطَعْنا على كونِ الحقِّ مَعَنا فيما أَدَّى إِليه اجتهادُنا، لفَسَّقْنا أَو كَفرْنا، وضَلَّلنا مُخالِفَنا، كما قُلْنا فى الأُصولِ، لَمَّا كان على مسائِلِها دلائِلُ قاطعةٌ، ضَلَّلْنا المخالفَ فيها، فلَمَّا لم نضَلِّلْ مُخالِفاً في هذه الأَحكامِ، عُلِمَ أَنَّها ظَنِّيَّةٌ غيرُ قطعيَّةٍ، وصارت أَدلَّةُ الأَحكامِ الفِقهيَّةِ (١) بمثابة بيِّنةِ الحقوقِ وأَماراتِ القِبْلةِ بم فإنَّ الشَّهادةَ مما تَثْبُتُ بها الأَحكامُ، والأَماراتِ تُوجِبُ استقبالَ الجهةِ أنت دَلًّتْ عليها. فصل يجوزُ التَّعبدُ بالاجتهادِ في عَصْرِ النبيِّ ﷺ لِمَنْ كان غائباً عنه وبمحضرٍ منه ﷺ . وقال قوم من المُتكلِّمينَ: لايجوزُ التعبُّدُ بالاجتهادِ في عصرِه، لا مَعَ الغَيْبَةِ عنه، ولا مَعَ الحضورِ عندَه. وقال قومٌ: يجوزُ التَّعبُّدُ لمَنْ غابَ عنه من أَصحابه وخُلَفائِه وقُضَاتِه، وأَنَّه قد وَرَدَ بذلك السَّمْعُ عنه ﷺ . وذَهبَ بعضُهم: إِلى جوازِ التَّعبُّدِ بذلك لمَن لم يَمْنَعْه من ذلك، وجَعَلُوا عَدَمَ المَنْع كالإذنِ (٢) منه. ويجوزُ التَّعبُّدُ به في عصرِه، مَعَ الغَيبَةِ، وبحَضرَتِه. قالَه (٣) أبو بكر ابنُ

стр. 2467

الباقِلانيِّ، والشيخُ الإمامُ أَبو إسحاقَ الشِّيرازِيُّ رحمة الله عليه، وجماعةٌ من أَصحابِ الشافعيِّ، وذهبَ قومٌ من أَصحابِه: إِلا المَنْع من ذلك، على ما ذَهَبَ إِليه بعضُ المُتكلِّمينَ كما (١) قَدَّمْناه. وذَهَبَ الجُرْجانِيُّ من أَصحابِ أَبي حنيفةَ: إِلى أَنَّه إِن كان بإِذْنِه، جازَ، ولا يَجُوزُ بغيرِ إِذْنِه (٢). فصل في الأَدِلَّةِ على جوازه في عَصْره مع الغَيْبَةِ عنه وبمَحْضَرٍ منه فمنها: أَنَّ أَبابكرٍ الصًّدِّيقَ قال. إِن أَقْرَرْتَ أَرْبعاً، رَجَمَك رسولُ الله (٣). وهذا فتوى منه. وقولُه في قِصَّةِ السَّلَبِ: لاها اللهِ، لايَقْصِدُ إِلى أَسَدٍ مِن أُسُدِ اللهِ قاتلَ عن اللهِ ورسولِه، فيُعْطِيكَ سَلَبَهُ. وعَنَى بقولِه: أَسداً من أُسُدِ الله: أَبا قتادةَ؛ حيثُ قتلَ رجلاً من المُشرِكينَ يومَ حُنَيْنٍ، فأَخَذَ سَلَبَ المقتولِ غيرُه، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "صَدَقَ" (٤)، يُصَدِّقُ أبا بكر في فَتْواهُ. ومنها: أَنه ليس في ذلك إِحالةٌ في صِفَةِ الرِّب جَلَّ (٥) ذِكرُه، ولافي

стр. 2468

صِفَةِ العبدِ المُكلَّفِ، ولاقَدْحٌ في الشَّرْع، ولاخروجٌ عن سَمْتِه ووَضْعِه؛ فإِنَّ الاجتهادَ طريقٌ، والقياسَ دليل، والتَّعبُّدَ [به] جائزٌ، وليس ذلك مما يُخْرِجُنا عن العِلْمِ الذي نحن به عالِمونَ، فكان مَعَ هذه الحالِ جوازُ التَّعبُّدِ به كجوازِ تَعبُّدِنا بسائرِ العِباداتِ، بل مَعَ حضورِه الذي يَحصُلُ به استدراكُ خطأ إِن حَصَلَ، وبيانُ زيادةٍ إِن قَصَّرَ المُجتهِدُ، أَوْلى منه مَعَ العُذْرِ والغَيْبةِ التي يَنْعَدِمُ فيها الاستدراكُ. ومنها: أَن الاستصلاحَ بالتَّعبُّدِ لسائرِ المكلَّفينَ أَو بعضِهم ليس بمحالٍ في صِفَةِ القديمِ جَلتْ عظمتُه، وإِن لم نَقُلْ نحن: إِن ذلك واجبٌ عليه سبحانه الحكْمَةِ، وقاله غيرُنا، وإِذا جازَ ذلك باتِّفاقٍ، لِم يَمْنَعْ أَن يَعلَمَ الله سبحانه أَن تَعَبُّدَ العلماءِ باجتهادٍ فيما لم يَقُل (١) فيه نصّاَ مصلحةٌ للنبيِّ، أَو لأُمَّتِه، أَو لبعضِ الأُمَّةِ، فجاز لذلك أَن يَستصلِحَ بذلك مَن يَعلَمُ أَنَّ له فيه مصلحةً، وذلك يَعُمُّ عصرَه في الغائبِ عنه والحاضرِ عندَه. ومنها: أنَّ الاجتهادَ بمعرض الخطأ، وقد جازَ بحيثُ لامُستدرِكَ يَستدرِكُ، وهو في غيرِ عصرِه، ومعَ الغَيْبةِ عنه عندَ قومٍ، فالاجتهادُ بحَضْرَتِه ﷺ معَ استدراكِه للخطأ، وعَدَمِ إِقرارِه عليه، أَوْلى أَن يَجُوزَ. ومنها: أَن ما جازَ الحكمُ به في غَيْبَةِ النبيِّ ﷺ ، جازَ الحكمُ به، أَو التَّعبُّدُ بالحكمِ به مَعَ حضورِه، كخبرِ الواحدِ، يُوَضِّحُ هذا: أنَّ كلَّ واحدٍ منهما مُوجب للظنِّ، وهو بعُرْضةٍ للخطأ.

стр. 2469

فصل في جمع شُبهاتِهم فمنها: أَن قالوا: إِنَّ الموجودَ في عصرِ النبيِّ ﷺ قَادرٌ على طريقِ النصِّ الذي هو القاطعُ على الحُكْمِ، والأَصْلحُ، والمعصومُ عن الخطأ، فلا يجوزُ الانحطاطُ عنه الي الظنِّ المُجَوَّزِ فيه الخطأُ والفسادُ، وإنما أَباحَ الشَّرْعُ الانتقالَ إِلى الظّنونِ عند عَدَمِ النصوصِ، والمُوصِلِ إلى النُّصوصِ. فيقالُ: هذا غيرُ مُمتنِع بم بدليلِ قَبولِ خبرِ الواحدِ، عن رسولِ الله ﷺ ، وإن كان مقدوراً على السَّماع منه، والسَّماعُ منه قطع، والسَّماعُ عنه ظَنَّ. وكذلك يجوزُ العملُ بخَبَرِ الواحدِ، وإِن قُدِرَ على الرُّجوع إِلى خبرِ جماعةٍ يَحصُلُ العِلْمُ بخبرِهم. على أَنَّ الاجتهادَ بحَضْرَتِه حكمٌ بالعلمِ؛ لأَنه لايُقِرُّه على الخطأ، فإذا حَكَمَ، وأَقَرَّه ﷺ ، بانَ أَنه حَكم بطريقِ العِلمِ لا الظنِّ، وقد حَكَمُوا بالأَمارةِ مع إِمكانِ طَلَبِ القَطْع (١)؛ وذلك أَنَّ البخاريَّ رَوَى في "صحيحه" (٢): أَنَّ قوماً سأَلوا أَصحابَ النبيِّ ﷺ : هل كان يَقْرا النبيِّ في الأُخْرَييْنِ، فقال قومٌ من الصَّحابةِ لمَنْ سأَلَ: نعم، فإنا كنا نرى حَرَكةَ لِحْييه. فما ظَنّك بقومٍ تَعَلقوا في قراءَتِه بتحريكِ لِحْمتِه؟ وذلك أَمارة، وقد

стр. 2470

كانوا قادرينَ. ومنها: أَن قالواة الاجتهادُ بحَضْرتِه ﷺ تَعَاطٍ عليه، وإسقاط لأُبَّهةِ النُّبوة؛ لأنَّه طريقُ الوَحْي؛ ومَعْدِنُ تَلَقِّي مواردِ الحقِّ بالأَمرِ والنهي، فإِذا نَطَقَ بحضرتِه ناطقٌ في شَرْعِه من طريقِ الرَّايِ الصادرِ عنه، أَيّ حكمٍ يَبْقَى لَىُ؛ فهذا غايةٌ في فَتْح بابِ الافْتِئاتِ عليه؛ حتى إِنَّ في اطِّرادِ العُرْفِ أَنَّه سوءُ أَدبٍ وافْتِئات؛ ولهذا رُوي: أَنَّ عليّاً رضي الله (١ عنه قالَ: أَيُّ ١) آيةٍ في كتابِ الله أَرْجى؟ فأَخَذَ مَن حَضَرَه يَحْرَجُونَ في افتقادِ الآيِ، فيَتْلو هذا آيةً، وَيَتْلُو هذا آيةً، فقامَ رجلٌ، فقال: هَلاَّ رَدَدْتُمُ الأَمرَ إِلى عالمِكم، قلِ (٢): يا أَميرَ المؤمنينَ، قال (٤): ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ [الضحى: ١] إِلى قولِه: ﴿فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]، تم قال: واللهِ لايَرْضَى (٣) محمدٌ ومن (٤) أُمَّتِه في النارِ (٥) أَحدٌ. ومَنْ صَانَه عن أَن تُرفَعَ الأَصْواتُ بحضرتِه، يَفتحُ بابَ الفَتْوى بحَضْرتِه؟ هذا بعيدٌ. فيقالُ: أَمَّا مراعاةُ آُبهَةِ النُّبُوَّةِ فيما طريقُه الاعتراضُ في الفقهِ،

стр. 2471

وحوادثِ الشَّرع؛ فإِنَّهم لم يُنْهَوْا عن ذلك مع إِكثارِ اعتراضِهِمُ الذي لايُحْصى عدداً، مثلُ قوهم: نَراك تَتَوضَّأ من بِئْرِ بُضاعَةَ وهي يُلقَى فيها المَحائِضُ، والجِيَفُ، ولحومُ الكلابِ، وما يَنْتَجِي الناس (١). [وقولِهم]: نَهَيْتَنا عن الوِصالِ، وواصَلْت (٢). [و] أَمَرْتَنا بفَسْخ الحَجِّ، وما فَسَخْت (٣). [و] أَجبتَ بَيتَ فلانٍ لَمَّا دَعَوْكَ، ولم تُجِبْ بيتَ فلانِ، فقال: "إنَّ في بَيْتِ فلانٍ كَلْباً" (٤)، قالوا: إِنَّ في بيتِ فلانٍ هِرّاً. [و] قال: "هَلاّ أَخَذَ أَهلُ هذه الشَّاةِ إِهَابَها، فَدَبَغوهُ، فَانْتَفَعُوا به"، فقالوا: إِنها مَيْتَةٌ (٥). وقالوا له في غمْرةِ القَضاءِ، لَمَّا أَجابَ أَهلَ مَكَّةَ إِلى مَحْوِ اسمه من الرِّسالةِ، ورَدِّ مَنْ جاءَه مسلماً، ورَجَعَ عن العُمرةِ إِلى العامِ القابلِ: أَلَسْتَ رسولَ اللهِ حقّاً؛! أَلَسْنا المُسلمين (٦)؛ فعَلامَ نُعْطيِ الدَّنِيَّةَ من ديينا؟! أَليسَ قد نُزِّلَ عليك: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ﴾ (٧)؟ [الفتح: ٢٧].

стр. 2472

فلو كان ذلك الحِجاج أَو الاعتراضُ مِمَّا يُسقِطُ أُبَّهَةَ النبوَّةِ، ويَطْعن (١في مَقامِها ١)، لَمَا أَجَابهم عنه رسول اللهِ؛ فعلِمَ أَنَّ الاجتهادَ أَولى أَنْ يَجُوزَ في عَصْرِه (٢) وبحضرَتِه. فصل وقد كان النبيُّ ﷺ يَجتهِدُ في الحوادثِ، ويَحكُمُ فيها باجتهادِه، وكذلك سائرُ الأنبياءِ صلوات الله عليهم. هذا مذهبُنا، ذكرَه أبنُ بَطَّةَ من أَصحابنا، وذُكرَ عن أَحمد نَحْوُه. وبه قال أَصحابُ أَبي حنيفةَ، فيما حكَاهُ الجُرجانيُّ والسَّرخسِيّ. واختلف أَصحابُ الشَّافعيِّ على وجهين: أَحدهما: مثلُ قولِنا. والثاني؛ المنعُ من ذلك. وبالمنع قال بعضُ المُعتزلَةِ. فصل لجمعِ أَدلَّتِنا فمنها: قولُه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، وهذا يَعُمُّ ما يَرَاهُ من النَّصِّ والاسْتنباط

стр. 2473

من النُّصوصِ، واسمُ الرَّأْيِ بالاجتهادِ أَخَصّ منه (١) بالنّصوص. وقولُه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، والمُشاوَرَةُ لا تَقَعُ في الوحْي، ولا فيما يَرِدُ من اللهِ سبحانه، فلم يَبْقَ إِلاً فيما يُحْكَمُ فيه من طريقِ الاجتهادِ. وقولُه: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، يَأمُرُ بالاعْتبارِ لأُوِلي الأَبْصارِ، والنبيُّ ﷺ داخلٌ لأنَّ ذلك، لأَنه من أهل (٢) البَصائِرِ، بل أَشرفهم وأَسْبَقُهم في ذلك. وقولُه تعالى في آياتٍ تَدُلُّ على العَتْبِ، والمَعْتَبةُ لا تَقَعُ إِلاً عن خطأ، والخطأ لايَقَعُ في الوَحْي، فلم يَبْقَ إِلاَّ الاجتهادُ. وقولُه تعالى إِخْباراً عن أَنْبيائِه [أنهم] (٣) اجْتهَدُوا، فقال: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] الآية، وقولُه: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وما يُذكَرُ بالتَّفهيمِ إِنَّما يكونُ بالاجتهادِ، فأَمَّا الوَحْيُ والتَّنزيلُ، فلا يُذكَرُ بالتَّفْهيمِ. فصل في الأَسئلةِ على الآياتِ فمنها: أَنَّ قولَه: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، والذي أَرَاهُ: قوله:

стр. 2474

﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. أِ منها: قوله ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] من الحُروبِ، وأُمورِ الدّنيا كُلِّها، وسِياساتها. منا: أَن العَتبَ ورَدَ على تركِ التَّذفِيفِ (١)، أَو مُساكَنةِ الرِّقَّةِ على قومِه، والمَيلِ إلى استِبقائِهم، كما عاتبه (٢) على الاستِغفارِ لمَنْ ماتَ على الكفرِ من أَهلِه، وقوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]. فصل في الأَجوبة عن الأَسْئلةِ أَمَّا األأَوَّلُ: فإِنَّما أَحالَه على رأيِه، فإِذا حَمَلتَه على الوَحْىِ، وأَنَّه هو الذي أَرَاهُ الله، فيُفْضِي إلي حَملِ قولِه: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] على ما أَنْزَلَ الله، والظَّاهرُ من تغايرِ اللَّفْظَينِ والصِّيغَتَيْنِ تغايرُ المَعْنيَيْنِ. على أنَّ الاجتهادَ حكم بما أَنْزَلَ؛ لأَنَّه قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، [وقال]: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]. وأَما حملُهم آيةَ المشاورةِ على أَمرِ الدنيا، فغيرُ صحيح؛ لأنَه شَاوَرَهم

стр. 2475

في الفِداء، وهو من كبارِ أَحكامِ الدِّينِ؛ لأَنَّه أَمرٌ يَتعَلقُ بالدِّماءِ، ومَصْلحةِ أَكْثرِ عبادِه، وهو الجهادُ. وأَما قولُهم على آيةِ العَتْبِ: إِنَّه لمكانِ الرِّقَّةِ والرَّاُفَةِ، فذاك أَمرٌ داخلٌ في الاجتهادِ وعِلَّتِه (١)، وإلاَّ فالأَصلُ اسْتِخراجُ الرأْيِ لحكمٍ من أَحكامِ اللهِ، وهو المَنُّ أَو الفِداءُ، فلا يُظَنُّ به أَنه تَرَكَ أَصْلَ الرَّاي، وعَدَلَ إِلى الرِّقَّةِ، بل الرِّقَّةُ داخلةٌ؛ مثل قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]، فنهَى عن مُساكنةِ الرِّقَّةِ والرَّافَةِ في إِقامةِ الحدِّ، كذلك هاهنا؛ إِن حَصَلَ العَتْبُ على رَافةٍ ورِقَّةٍ أَوْرَثَتْ تحريفاً في الرايِ، فقد أَجازَ أَصْلَ الرايِ، وعَتِبَ على التقصيرِ فيه، فهذا غايةُ ما يكونُ في الحُجَّةِ لمن أَثْبَت الاجتهادَ. وأَمَّا أَدِلتنا فيها من جهةِ السُّنَّةِ: فما (٢) رواه الشَّعْبِيُّ قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَقْضي القَضِيَّةَ، ويَنْزِلُ القرآنُ بعدَ ذلك غيرَ ما كان قَضَى، فيَتْرُكُ ما كان قَضَى على حالِه، ويَسْتَقْبِلُ ما يَنْزِلُ به القرآنُ. فإِن قيلَ: هذا مُرْسلٌ، وخبرُ واحدٍ. قيلَ: المُرسَلُ حُجَّةٌ، وهو مُؤَكِّدٌ لهذا الرَّايِ، إن لم يَكُنْ مُثْبِتاً لأَصلِه. على أَنَّ هذه أُصولَ الفقهِ ليس طريقُها القطعَ، وأَينَ أَدِةُ القطع منها، وهي مما لايُفَسَّقُ، ولا يُبَدَّعُ المُخالِفُ فيها؟

стр. 2476

فصل في أَدِلَّتنا من جهةِ المَعْقول والمعاني فمنها: أنَّ المعانيَ المُسْتنبَطةَ طريقٌ لإِصابَةِ الأَحكامِ الشرْعيَّةِ، تدْرَك بجَوْدةِ الانتقادِ، وصفاءِ النَّحِيزَةِ، وجَوْهرِ النَّفْسِ، والقُوَّةِ على إلحاقِ المِثْلِ بالمِثْلِ، واستخراخ المعاني من الأَلفاظِ، وهذا فضيلةٌ دائِبةٌ، ثم إِنّه من أَجَلِّ الأَعمالِ، وأَفضلِ العباداتِ، وأَوْفَى أَسبابِ الثَوابِ، ومِثلُ هذا لا يُحْرَمُه النبيُّ ﷺ ، لأنَه من الفضائلِ العظيمةِ، والطاعاتِ الكثيرةِ، ونُحرِّرُه قياساً، فنقولُ: ما جازَ أَن تَثْبُتَ به الأَحكامُ الشَّرعِيَّةُ، جازَ للنبيِّ ﷺ الاسْتدلالُ به، أَو الحُكْمُ به. أَو نقولُ: جازَ للنبيِّ أَن يَحْكُمَ به؛ كالكتابِ والوَحْىِ النازل على قَلْبِه ﷺ . ومنها: أَنَّ طريقَ القِياسِ: النَّظَرُ، وملاحظةُ المَعْنى، وإِلحاقُ الشَّيءِ بنظيرِه، والنبيُّ ﷺ أَوْلى النَّاس بذلك؛ لأنَّه السَّليمُ الخَلْقِ، المخصوصُ بسلامةِ القَلْبِ، المعصومُ من الإِقرارِ على الخطأ، المَلْطوفُ به في نَظَرِه واجتهادِه. ومنها: أَنَّه سببٌ للثَّوابِ، فلا يجوزُ أَن يُحْرَمَه ﷺ ، ويَحْظى به مَن دونَه من الأُمَّةِ، بل هو المُميَّزُ بأَسبابِ الثَّوابِ، بإِيجابِ قيامِ اللَّيْلِ، والوِترِ، وغيرِ ذلك. ومنها: أَنَّه لا يُقَرُّ على الخطأ، فإِذا اجْتَهَدَ فأَصابَ، فذلك سُنَّةٌ مُتَّبَعةْ، وإِذا أَخْطأَ، فرُدَّ عن الخطأ، كان فيه أكثرُ الفوائدِ؛ لأَنَّه يُعلَمُ به طريقُ الخطأ فيجْتَنَبُ، كما إِذا بانَ الصَّوابُ بالإقرارِ يُتَّبَعُ، ومازالَ الانْتِفاع

стр. 2477

بطريقِ التحْذيرِ من الخطأ، كما يَحصُلُ الانْتِفاعُ بالتَّحْريضِ على الإِصابةِ، فنقول: طريقٌ يُومَنُ مَعَه بقاءُ حكمِ الخطأ، فكان طريقاً للأَحكامِ في حقِّ النبْيِّ، كالنًصِّ. ومنها: أَنَّ النبيَّ إِذا قَرَأَ الآيةَ، وعَرَفَ منها الحكمَ وعِلَّةَ الحكمِ، فلا يَخْلُو: إِمَّا أَن يَعْتقِدَ ما تَقْتَضِيهِ العِلةُ، أَو لايَعْتَقِدَ؛ فإِنِ اعْتقَدَ، فلابُدَّ أن يَعمَلَ بما اعْتقَدَه، وهو الاجتهادُ (١) الذي أَثْبَتْناهُ، وإِن لم يَعْمَلْ به، كان تاركاً للعملِ بما اعْتقَدَ، وَحُوشِىَ من تَجَنّبِ الصَّوابِ على بَصِيرةٍ. فصل في جمع الأَسئلَةِ لهم على الأَدِلَّةِ المَعْنوَّيةِ فمنها: أَن قالوا: صَدَقْتم أَن في الاجتهادِ فضيلةً وثواباً (٢)، ولكن إِذا صَدَرَتِ الأَحكامُ عن رَأيه، أَوْرَثَ تُهْمةً في حَقِّه، وأَنَّه هو الواضعُ لهذا الأَمرِ مِن عندِه، وطَرَّقَ عليه مِنَ المَشُورةِ المُراجعةَ والمُخالفةَ المُسقِطَيْنِ لِحشْمَةِ مَنْصِبِ النّبُوَّةِ وأبهَتِها، وقد يَحْرِمُ الله نبيَّه فضيلةً، إِذا كان إِثْباتُها له يَجُرُّ عليه تُهْمَةً، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، ثم عَللَ ذلك بقولِه: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾، فإِذا حَرَمَه فضيلةَ الكَتْبِ، مَعَ كونِه امْتَنَّ بها على مَن عَلمَه إِياها بقولِه: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ

стр. 2478

مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٣ - ٥]، وقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣ - ٤] وإِذا كان كذلك، جازَ أَنْ يَحْرِمَه فضيلةَ الاجتهادِ وإن كان فيها نَوْعُ ثوابٍ؛ لدَفع التُّهْمةِ، وتخصيصُه بسُلوكِ الاتِّباع لمُجرَّدِ الوَحْى، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، ووَصَفَه في التَّوراةِ: بأَنَّه (١) لايقولُ عنِ اللهِ إِلا ما قِيلَ له، وسِيرتُه كانت انْتِظارَ الوَحْى، حتى إِنَّه كان يُنْسَبُ إِلى الانقطاع؛ لِشدَّةِ انتظارِه للوحى في جوابِ ما يُسأَلُ عنه، وذلك مشهورٌ في السِّيَرِ. ومنها، أَن قالوا: إِنَّ الاجتهادَ عُرْضةُ الخطأ، فلأَن يُصانَ عنه، ويُخَص بطريقةِ الوَحْى خاصَّةً التي لايجوزُ عليها الخطأُ، أَولى. ومنها: أَن قالوا: إِنَّما جازَ النَّظَرُ مشروطاً بعَدَمِ النَّصِّ، والنبيُّ ﷺ لايَتحقَّقُ في حقِّه هذا الشَّرْطُ، لأَنَّ النَّصَّ يَأنتِيهِ، والوَحْيَ يَنْزِلُ عليه أَحياناً بما يَشْرَعُ له، فإِذا لم تَتحقَّقْ شريطةُ الاجتهادِ، فارق أُمَّتَه في ذلك، فلم يَجُزْ له الاحتهادُ لعَدَمِ شَرْطِه، وهو تَعذُّرُ الوحى. فصل في الأَجوبةِ عن أَسئلَتهم أَمَّا الأَوَّل، وأَنَّ ذلك يُورِثُ تُهْمةً في حَقِّه، ويُطَرِّقُ عليه المُراجعةَ، فحَرَمَه لهذه الفضيلةِ لأَجلِ هذه التُّهمةِ والمَنْقَصَةِ، كما حَرَمَه فضيلةَ

стр. 2479

الكَتبِ، فإنَّ التّهمةَ لا وَجْهَ لها هاهنا؛ لأَنَّ الذي نَفَى عنه تُهْمةَ ما يَأتِي به عن الوَحى من الأَحكامِ، نَفَى عنه تُهْمةَ ما يَاتي به من الأحكامِ عن الاجتهاد والرأيِ، وهو ظهور المعْجِزِ الدّالِّ على صِدْقِ ما ادَّعاهُ من النّبوَّةِ، بل ربَّما كان إِلى نَفْى التهْمةِ أَقربَ؛ لأَنه إِذا اجْتَهَدَ فاعْتَراهُ الخطأُ، رُدَّ عليه، ويَبْعُدُ عن الإِنسانِ أَن يَأتِيَ بما يكونُ كاشفاً عن خطئِه، فإِذا اجتَهَدَ بتجويزِ الشَّرع له الاجتهادَ، تَبَرَّأَ من التُّهمةِ؛ حيثُ كان اجتهادُه عُرْضةً للرَّدِّ عليه بم من الله تارَةً؛ فإِنَّه لايُقِرّه على الخطأ، ومن أُمَّتِه أخرى؛ بحيثُ إِنهم لايُمسِكُونَ عن المَشُورةِ بالرايِ. ولأَنَّ تَعلّقَك بأَنه عُرْضةُ اعتراضِهم عليه المُزِيلِ لأُبَّهة النّبُوَّةِ، غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ ذلك لو كان مِمّا يَجِبُ صِيانتُه عنه، لأَنْكَرَ عليهم اعْتِراضاتِهم عليه، وما زالوا يَعْترِضُونَ والوَحيُ لايُنْكِرُ والنبيُّ ﷺ يَصِبرُ عليهم، ولو تَتَبَّعْنا ذلك لأَطَلنا؛ لكنا نَذكُرُ طَرَفاً من ذلك: وهو اعنزاضُهم عليه في وُضُوئِه من بِئْرِ بُضاعةَ، والإِجابةِ لبيتِ قومٍ، وعدم إِجابتِه لآخَرِينَ، ومُواصلتِه في الصَّومِ مَعَ نَهْيِه لهم عن الوِصالِ، وأَمْرِه إِيَّاهم بفَسخٍ الحَجِّ ولم يَفسَخْ، واعتراضُهم عليه يومَ عُمْرَةِ القضاءِ، لَمَّا أَجابَ قُريشا إلى ما اقتَرحوا عليه، ورَدِّه لأَبي جَنْدَلِ، حتى قالوا: ففيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ من ديينا، (١والله يقولُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ ١)؛ [الفتح: ٢٧]، وقولُهم: ما بالُنا نَقصُرُ، وقد أَمِنا؟ حتى أَحْرَجُوه إِلى الأَجوبةِ عن

стр. 2480

هذه الأَسولةِ والاعتراضاتِ؛ بأَن قال: "الماء طهُور"، "إِنَّ في بَيْتِ فلانِ كلباً"، "لستُ كأَحدِكم؛ إِني أَظَلّ عندَ ربيِّ، فيُطعِمُني ويَسْقِييي"، "لوَ استَقْبَلْتُ من أَمْرِي ما استَدْبَرْتُ، لمأسُقْتُ الهَدْيَ، لكني سُقْتُ هَديِي، ولبَّدْتُ راسِي، ولا أَحِل حتى أَحلِقَ". وما أَنْكَرَ البارئ عليهم في قرآنِ هذا الشَّانَ، أَو أَنْكَرَه ﵊، كما أَنْكَرَ عليهم القِراءَةَ مَعَه، فقال: "مالي أُنازَعُ القُرآنَ؟ " (١)، فلم يَستطِعْ أحدٌ (٢) أَن يَقرَأَ معَه بعدَ قولِي ذلك، فلَمَّا لم يُنكِرْ ذلك، عُلِمَ أَنه ليس من الأمورِ المُسقِطةِ لأُبَّهَةِ النّبُوَّةِ على ما ذَكَرْتَ، وما زالتِ النّبُوَّاتُ مَبْنيَّةً على ماقاساةِ الأُمَمِ ومُداراتِهم، فبالصَّبْرِ فضلوا، وبه وُصِفُوا، قال سبحانه لي تعالى: ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾ [الأنعام: ٣٤] (٣. . . . . . . . ٣) النّبُوَّةت طَلَبِ الحُكمِ بالاجتهادِ (٣. . . . . . ٣)؛ لأنَّ البارئ، سبحانه لم يَرْفَعْه عن أن (٣ يَسألهم ويَستشيرهُم ٣) في الأَمْرِ، ومَدَحَ المُتخلقِينَ (٣ بذلك، فقال ٣) ﴿وَأَمرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. وقولُهم: إنَّه عُرضةُ (٤) الخطأ، فهو هذا بعيْنِه، وقد أَجَبْنا عنه، على أَنَّه لايُقَرُّ عليه، وإِنَّما يُخافُ مِنَ المَضَرَّةِ بالخطأ، ولا مَضَرَّةَ به إِذا لم يُقَرَّ عليه،

стр. 2481

وفي رَدِّه عنه، وبيان خطئِه فيه، دليلٌ على أَنه لم يَضَعْ ذلك لنفسِه، وأَنه تابعٌ لغيرِه؛ إِذ لو كان عن نفسِه يقول، لما رَدَّ بنَفسِه على نفسِه، وقد اسْتَدَلتْ عائشة ﵂ بمثل ذلك؛ حيثُ قالت: لو كَتَمَ محمدٌ على نفسِه أَمْراً، لكَتَمَ ما في نفسِه، والله سبحانَه يقولُ: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وأَما قولُهم: إِنَّما جازَ النَّظرُ والاجتهادُ والاسْتنباطُ مشروطاً بعَدَمِ النصِّ، ومهما وَجَدَ المُجْتهِدُ النَّصَّ، لم يَجُزْ له الاجتهادُ، والنبيُّ ﷺ سبيلُ النصِّ في حَقِّه مُتسَهِّلٌ مُتيسِّرٌ، ولا مَعْنى لاجتهادِه. فإِنَّ ذلك باطلٌ باجتهادِ أَهلِ عصرِه، ومعلومٌ أَنَّه نَصَّ على ذلك، وأَقَرَّ عليه قُضاتَه، كمُعاذٍ وعَتابٍ وعليِّ بنِ أَبي طالبٍ، ومازالُوا يَجْتهِدُونَ، ويَعْترِضُ أَحكامَهم، فيُقِرُّهم عليها؛ فمن ذلك: حكمُ علي في الزُّبْيَةِ (١) التي وَقَعَ فيها ثلاثة؛ واحد على آخرَ، فهَلَكُوا (٢). وقولُه (٣ لسعدِ بن معاذ ٣): "يا سعد، لقد حَكَمْتَ بحُكْمِ الله من فوقِ سَبْعةِ أَرْقِعَةٍ (٤) ". (٣ وقال معاذٌ حينَ بَعَثَه إلى اليمنِ:٣) أَجتهدُ

стр. 2482

رايي، فقال: "الحمدُ لله الذي (٣ وَفَقَ رَسُولَ رسولِ الله لِمَا يُرْضِي رَسولَ ٣) الله" (١). فصل في جمع شبههم فمنها: (٣ قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، وأَمره أَن يقول: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥]، وهذا ينفي القولَ بالاجتهادِ، ويوجِب أَنَّه لايقول إِلاًّ عن وحي. فيقال: نحن قائلون بالآية، وأَنَّه ﷺ لايَنطِقُ عن الهوى؛ لأَنَّ الهوى هو ما تهواه الأَنفسُ، والقول بالاجتهاد استنباطٌ مما أَوحى الله سبحانه إليه، فانتزعَ من المنطوقِ علَّةً يُعَدِّي بها الحكمَ إِلى المسكوت، وهذا لايسمَّى هوىً، ولا يَخرُجُ عما أَنزلَ الله وأَوْحى. وأما الآية الأخرى، فلا حجَّةَ فيها؛ لأَنهبم قالوا: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥]، فنفى التبديلَ من عنده، والاجتهادُ تاويلٌ، وليس بتبديلٍ. ومنها: أَن قالوا: إِنَّ الاجتهادَ طريقُه الظنُّ، والنبيُّ قادرٌ على القطع، ومَنْ قدرَ على القطع، لايجوزُ له سلوكُ ما طريقُه غلبةُ الظنِّ.

стр. 2483

فيقال: إِنَّ النبيَّ لايقال: إنَّه قادر، بل راج لنزو الوحي، وإِلاَّ فأَيُّ قدرةٍ له على نزول حبريلَ عليه، وإِنزال الله إليه؛ بلِ ذلك إلى الله تعالى، يوضح هذا: قولُه إِخباراً عن الملائكة: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤]، وإنَّما غايةُ مايقال: إنه ﷺ إِنَّما (١) يَتَرجَّى ويتَوقعُ نزولَ الوحي عليه، وهذا أَمرٌ لايمنعُ من الاجتهادِ فيما لم يَنزِلْ فيه وحي، ولم يُتلا فيه نصٌّ، أَلا ترى أَنَّ آحادَ أُمته من أَصحابِه ومعاصريه قادرونَ على سؤالِه عن أَحكام الحوادثِ التي لانصَّ فيها عندهم؛ كمعاذٍ لما بعثه إِلى اليمن، أَقرَّه على قوله: أَجتهدُ راي، ومدحَه على ذلك، وسماه موفقاً، وكان في إمكانِ معاذٍ الكتابةُ للنبيِّ ﷺ بالسُّؤال، لكنَّه لم يُوجِبْ عليه ذلك، ولا منعَه من الاجتهادِ مع وجودِ هذا الطريق، وكذلك سماعُ الصَّحابةِ بعضهم من بعضٍ عن النبيِّ ﷺ ، وخبرُ الواحد عنه ظنٌّ، وسؤالُه وجوابُه لسائِله قطعٌ، ومعٍ هذا سَمِعُوا الأَخبارَ في مدينتِه عنه، ولا إِنكار منه لذلك، ولاحثّ أَحدا منهم على العدولِ عن سماع الخبرِ عنه إِلى سماع القول منه. ولأَنَّ الله سبحانَه كان قادراً على جعل طريقِ الأَحكامِ كلِّها النصَّ القاطعِ، ثم إنَّه غاير بين الطرق إِلى الأَحكام، فجعل بعضَها نصاً، وبعضَها ظاهراً، وبعضها وَكَلَهُ إِلى مجرَّد الاجتهادِ، وهو عُرضةُ الخطأ؛ فإمَّا أَن يكونَ ذلك تحَكماً منه سبحانه، فلا يُستنكَرُ أَن يفعلَ في حقِّ نبيِّه ﷺ ما فعلَ في حقِّ الأُمَّةِ، ولا فرقَ في التشريع بين ما يَعُمُّ أَو يَخُصُّ، أَو يكونَ

стр. 2484

دْلك معلَّلاً بأَنَّه سبحانه قصدَ تكليف ذوي العقولِ استخراجَ المعاني، واستنباطَها من النّصوص والظَّواهر؛ ليُثيبَهم بذلك الاجتهاد الذي هو أَعمالُ القلوبِ، كما أَثابهم على أَعمال الأَبدان، وكلُّ ذلك جائزٌ على الله سبحانه، حسنٌ في العقل، لا يمنعُ منه مانعٌ، ولا يناقضُ أَصلاً من أُصولِ الشرع. ولأَنَّه يجوزُ أن يَحْكُمَ بنص واقعةٍ أَو حادثةٍ مع تجويزِه أن ينسخَ الله ذلك النَّصَّ بغيره، ممَّا يُوجِبُ تغييرَ حكمِ ذلك النصِّ، وكذلك في أَعصارِ الصَّحابة والتابعين بعدَه، يجوزُ الاجتهادُ لكلِّ واحدٍ منهم في صُقْعِهِ وزاويته، وإن جازَ أَن يكونَ قد سبق اجتهادَه ما يجري مجرى النَّص في العصمةِ والقطع، وهو الإِجماعُ على حكمِ الحادثةِ. ومنها: أَنّه لو كان النبيُّ ﷺ يحكم بالاجتهادِ، ما كَفَرَ مَنْ خالفَ أَمرَه، ولمَّا أَجمعنا على أَنَّ مَنْ خالفَ أمرَه كفرَ، كان ذلك دليلاً على أَنَّ أَمره لايقعُ عن طريقٍ مظنونٍ؛ لأَنَّه إِنَّما يَكفُرُ الإِنسانُ بمخالفةِ القطع. والجواب: إِنما كفرَ بتكذيب ما ضمنَ الله سبحانَه عصمتَه، وإقامةَ الدلالةِ القاطعة على صدقِه، وبقوله: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ولا علينا ممَّن صَدَرَ ولا عمَّا صدرَ؛ كالإجماع إِذا كان على حكم، وجبَ اتباعُه، وإِن كان الإِحماع قد يصدُرُ عن قياسٍ، أَو خبرِ واحدٍ، وهو مثلُ الإِجماع، من حيث إِنَّ الإِجماعَ معصومٌ عن الخطأ، والنبيُّ لايُقَرُّ على خطأ. ولأَنَّه يجوزُ أَن يكونَ كفرُه بم لأَجل أَنَّه كما يُخبِر عن اجتهاده، قد يُخبِرُ

стр. 2485

عن الوحي، فإِذا ردَّ قوله، فقد ردَّ ما يجوزُ أن يكون وحياً (١) من الله سبحانه. فصل يجوز أَن يَرِدَ من اللهِ سبحانه الإِذنُ لنبيِّه ﷺ في الحكم بما أَرادَ وشاءَ؛ بأن يجعلَ له تأييداً وعِصْمةً في موافقةِ الصَّوابِ، وتجنّبِ الخطأ، بناءً على جواز الاجتهاد (٢ فيما يَتعلقُ بالشرع. وهو اختيارُ الجرجانيِّ، وقولُ الشافعيةِ، وجمهورِ أهل الحديثِ ٢). وحُكِيَ عن جماعة من المعتزلة، وعن أَبي سفيان السَّرخسيِّ من أَصحاب أَبي حنيفة: المنعُ من ذلك. فصل في أَدلَّتنا على جواز ذلك فمنها: أَنَّ الله سبحانه قادرٌ على إِنزالِ ما هو الأَصلحُ للمكلفين من الأَحكام قولاً يُتْلى، فَيتَّبعُه الرَّسولُ، ويدعو إِليه، فيكونُ الحقَّ والصَّوابَ، وهو القادرُ على إِلهامهَ ﷺ سلوكَه باجتهادِه المسلكَ الذي يَهجُمُ به على الحقِّ والصَّواب، وتوفيقِه لإِصابة الحقِّ، وعصمتِه من الزَّللِ في رأيه، كما عَصَمَه عن الكذب في نطقِه، وإذا كان قادراً على ذلك، فلا وجهَ للمنع منه؛ إِذ كان مؤدِّياً له إِلى الصَّوابِ الذي يُدرِكه بالنّصوصِ التلوةِ والوحي

стр. 2486

الصَّادر عن الله، أو (١) بواسطة الراي والاجتهاد. ومنها: أَنَّه إِذا جاز أن يَكِلَ أُمور الدنيا، وسياساتِها؛ من الحروبِ وتراتيبِها، والعطاء لمن يكونُ عطاؤه (٢) مصلحةً، والمنع لمن يكونُ عطاؤه مفسدةً، إلى رأيِه ورايِ أَصحابه، ويَحُثَّه على مشاورتهم؛ اعتماداً على ما مَنَحَهم من الآراءِ السَّليمةِ، والعقولِ الصَّحيحة، جاز أن يَكِلَ أَمرَ الأَحكامِ الدينيةِ إِلى رأْيه واجتهادِه، مع منحته ما يكونُ به مدركاً للصَّوابِ ومُتنكِّباً للخطأ. ومنها: أَنه قد وُجِدَ ذلك، ولا يُستنكرُ مثلُه من جهةِ الله سبحانه؛ لأنَّ غيرَ الجائز (٣ عليه لا يوجَدُ ٣) فإِذا وجد، فقد جاز، وإِذا جاز، فلا وجه (٣. . . . . . ٣) الكفر به إِلى الرَّاي، والتخيير في حقِّ كافَّةِ المكلَّفين، وكان اختياز المكلَّفِ لايها وافق، فهو الأَصلح، ولو اختارَ ثلاثةٌ من الكلفين كلُّ واحدٍ منهم أَحدَ تلك الثلاث، استوعب باختيار الثلاثة الثلاث، وكان كلُّ واحدٍ منها في حقِّ مَنِ اختاره هو الأَصلح. ومن ذلك: قولُ عمر: وافقت ربي في ثلاث، فنزل القرآن على اختيارِ عمر في ثلائةِ أَحكام: آيةِ الحجاب، واستقبالِ الكعبة بدلاً من بيتِ المقدس، والمنع من المفاداة في حقِّ الأَسرى (٤). وأَخَّر معاذٌ قضاءَ ما فاته مع النبيِّ ﷺ ، مع كون السُّنَّة الأولى تقديم قضاء ما فات؛ فقال ﷺ :"سنَّ

стр. 2487

لكم معاذ، فاتَّبعوا سنَّته (١) "، ومعنى هذا: موافقة ما نزل به الوحى؛ لا أَنَّ معاذاً وضع ذلك شريعةً، فإِذا كان في أمَّة النبيِّ ﷺ مَنْ يوافقُ رأيه وحيَ اللهِ، فلا نكيرَ أن يعلم الله سبحانه من نبيه موافقةَ الأَصلح فيما يختاره، فيقول له: احكمْ بما ترى، فهو اختيارُنا وحكمُنا. وقد رأَيتُ لبعض الأُصوليين استدلالاً في هذه المسألة (٢) بقوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران: ٩٣]، فأَثبت تحريمَ الطعام على بني إِسرائيل بتحريم نبي على نفسه، فقال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾، فأَبان بذلك أَنَّه إِنما حرَّمه على بني إِسرائيل بتحريمه واختياره، ولو لم يكن جائزاً في العقل، لما جاز في حقِّ أَحدٍ في شريعةٍ من الشَّرائع. فصل في جمع شبههم فمنها: أَنَّ الأُمورَ الشَّرعية والأَحكامَ الدينية مبنية على المصالح التي لا عِلْمَ للخلق بها، فإذا قيل للبيِّ ﷺ : احكم بما ترى، كان تفويضاً إِلى مَنْ لا علمَ له بالأَصلح، فيحيل المصالح الدينية، والأَحكام الشرعية. ومنها: أَنَّ لنا صواباً في الرأي، وصدقاً في الخبر، ثم إِنه لا يجوزُ أَن

стр. 2488

يُخبِرَ بمالا يَعلَمُ كونه صدقَاَ؛ ليوافق الصدق، كذلك لايجوزُ أَن يحكمَ بما لاطريقَ إِلى العلم بصوابه؛ ليوافق الصواب. ومنها: أنَّه لو جاز ذلك، لجاز أَن يرسل الله رسولاً؛ ويجعل إليه أن يشرعِ شريعةً برَأيه (١)، وينسخ ما تقدمه الشريعة برأْيه، وينسخ أَحكاماَ أَنزلَها اللهَ عليه برأيه، ويرى أَن نسخَها أَصلحُ من استدامتِها بحكمِ الحالِ التي تجدَّدت، فيُبَيحَ الخمرَ بعدَ أَن حُرِّمَتْ، ويُبيحَ الجمعَ بين الأُختين، والأمهاتِ، والأَخواتِ من الرَّضاع؛ لواقعةٍ تقر لَه من المصلحة التي يراها، أَو يَخُصَّ من يرى أَنه لا يستجيبُ لتحريمِ ذلك بالإباحةِ له، ويُحرَمَ ذلك على مَن يَعلَمُ أَنَّه سريعُ الانقيادِ، وإلى ما شاكلَ ذلك من الآراءِ وألاختياراتِ السَّانحةِ له. وإِن جوَّزتم ذلك؛ لِما يَعلَمُ من الإصابةِ، فلا يَبعُدُ أن تُجوِّزوا أَن يُقالَ له: أَخبر بما شئتَ في المستقبل من أَمرِ الدنيا والآخرة، فسيُوافَقُ تحقيقُ (٢) خبرك، ويوقع ما أَخبَرتَ به علىِ ما أَخَبَرتَ، وأَن يقان له: ومَن اختارِ من أَصحابك والتابعين لك شيئاً، فهو الحقّ؛ وهو الصَّوابُ، فاجعَلْهُ شرعاً متَبعاً، وديناً لمن بعدَهم من أُمتِك. فصل في جمع اللأجوبة عن شبههم أَمَّا اعتبارُ المصالح، فأصحابنا يمنعون اعتبارَ ذلك، وأشتراطه من طريق الإيجابِ على اللهِ سبحانه، وذلك أَصل أتَّسعَ الكلامُ فيه في أُصولِ

стр. 2489

الديانات، ولو دَخَلنا على تسليمِه، وأَنَّه معتبرٌ على طريقِ النَّظر، لما امتنعَ أَن يُلهِمَ الله نبيَّه ﷺ الحقَّ والصَّوابَ في كلِّ حادثةٍ تَحدُث في عصرِه، فلا يعدو باجتهادِه الحقَّ عندَ الله، والصوابَ الذي هو أَصلحُ له ولأُمتِه، كما خص بعضَ أَتباعِه -وهو عمر بن الخطاب- فيما وافقَ الوحيُ فيه رأيَه، وموافقتُه (١) فيما بَدَرَ مِن عمرَ يجوزُ أَن تدومَ في حقِّ رسولِ الله ﷺ ، كما أَنَّه جعلَ له أَن يأْخذَ الماءَ من العطشان، ويَتزوجَ ما شاء من النسوان، وكما أَنه نَقَلَه من قبلةِ بيت المقدس إِلى الكعبةِ، وقال له: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] فمَقْ نقلَهُ من قبلةٍ إِلى قبلةٍ ترجِّياً لرضاه، وجعلَ ذلك الرِّضا موافقاً للأَصلح، لا يَبعُدُ أَن يجعلَ رضاه ومشيئتَه مقصورتين علىِ ما هو الصَّوابُ عنده، ويُجنِّبَه إِرادةَ الخطأ، ومحبَّة المفاسد، ويَقْصُرَ مشيئته واختيارَه على الصالح، وعساه إِذا قال له: افعل ما تشاء، تَوَخَّى الصَّوابَ بنوع من النَّظر والاجتهاد، ولم يَحكُمْ بنادرةٍ شيئاً، من غيرِ تقديمِ رويةٍ، وهذا هو الظَّاهرُ من حاله ﷺ ، وما يليقُ بمحاسنِ سياستِه، وقد بدرَ منه ذلك مطاوي كلامه، حيث قال: "إِنى لأعطي الرَّجلَ وغيرُه أَحبُّ الي منه خوفاً على إيمانه، وإِنِّي لأَكِلُ أَقواماَ أَمنعهم (٢) إِلى إيمانهم" (٣)، والتأَلُّف (٤) بالمال، وإِن كان مأموراً به، لكن مقاديرُ العطا" كان موكولاً [بها] إِلى رايه.

стр. 2490

ولأنَّ الله سبحانه قد خيَّر بين أَعيانٍ في التكفيرِ فأَي الأنواع شاءَ، كفر به، وإنما كان كذلك عند المعتبرين للمصالح؛ لأَنَّه (١) علم أَنَّ المكلف لايختار واحداً من الأعيان إِلا وهو المصلحة والصَّوابُ، وكذلك وَكَلَ الى رأي المزكِّين إِخراجَ أَيِّ أَعيانِ الغنم أوِ البقرِ أَو الإِبل شاؤُوا، كذلك في إِطلاق رقبةٍ في الكفَّارة، فلم يُعيِّنْ أَحدَ رقابه من عبيده وإِمائه، بل وَكَلَ ذلك إِلي رايه. وأَمَّا الخبر، فلا يمتنِعُ أَن يقالَ له: أَخبِرْ بالفتحِ أَو النصرِ، ثم يمدُّهم بالنَّصرِ والفتع تصديقاً لخبره، أَو يقالَ له: أَخبر بما تحِبّ أَن تخبرَ به، فيُحِبُّ أَن يُقوِّيَ قلوبَهم بالخبر السَّار، فيخبرُهم، فيؤيدُ الله خبرَه بتحقيق ذلك، فلا يَبعُدُ ذلك من طريق العقل والشَّرع؛ والواحد منَّا يقولُ لوكيلِه: وكَّلْتكَ وكالةً مطلقةً، فمهما رأَيتَ من المصلحة، فأَمضه واسلكه؛ فيصالح إِنْ رأَى الصُّلْحَ، ويبرئ إِن رأَئ الإِبراء ويُشَدِّدُ إِنْ رأَى التَّشديدَ ويسهلُ إِن رأَى التَّسهيلَ، مع ثقته براي وكيلِه وحِذْقِه، فما ظنّكَ بالقادِر على أَن لايوقعَ في قلبه إِلاَّ حب الأَصلح دونَ الأَفسدِ، ويقدرَ على تصديق إِخبارِ رسوله بإِيقاع ما أَخبرَ بوقوعه، والمنع لما أَخبرَ بعدمِ وقوعه، كما يُخبِر عن نفسه؟ مثل قوله في أَبي لهب: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾ [المسد: ٣]، وكما قال سبحانه: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]، فلما رأموا الخروجَ معه، ثبَّطهم، وقال سبحانه في جواب قولهم ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا
следующие страницы →