والقرائِنِ، ولا يَدُلُّ على أَنَّ إِطلاقَه لا يَقْتَضِي الشُّمولَ والاسْتغراق، ولأَن هذا لَمَّا لمِ يَمْنَعْ جوازَ القولِ بالقياسِ، لايَمنَعُ التَّعدِيةَ، ولوَجَبَ أَن لا تَكُون علَّةَ إِلاَّ في الزمانِ الذي جَعَلَها علَّةً فيه، فيكون مقصوراً على الزَّمانِ الذي جَعَلَه علَّةً، ولَمّا لم يَصِحَّ أن يقالَ هذا في الزمانِ، [لم يَصِحَّ] (١) أن يقالَ ذلك في الأَعيانِ.
وأَمَّا تَعلّقُهم بأَنَّ التحريمَ المُعلَّقَ على العِلَلِ الشَّرعيَّةِ إنَّما هو للمصلحةِ، فهذا عندنا لا يَقِفُ التَّكليفُ عليه، ولا يُقصَرُ التَّعليل أَيضاً عليه، ولو سَلمْنا على طريقِ التَّوسِعَةِ، فإِنَّ المصلحةَ لا تحدُّ في التَّعديةِ حيث عَلَّقَها على علًةٍ تَعُمُّ كلَّ موصوفٍ بها، وكلَّ محلٍّ هي موجودةٌ فيه، ولو أَرادَ تخصيصَ العِلَّةِ بمحللِّها ووقوفها عليه، لَمَا احْتِيجَ إلى ذكرِ التعليلِ، لأَنَّ حلاوةَ السُّكَّرِ تابعةٌ له، وكذلك شِدَّةُ عصيرِ العنبِ، فلَمَّا عَلَّلَ بالحلاوةِ والشِّدَّةِ، عُلِمَ أَنَّه أَرادَ زيادةً على المحلِّ.
وأَمَّا تَعلّقُهم بأَنَّها مجعولةٌ، فإِدتَّ كونَها مجعولةً لا يَمْنَعُ تَعدِّيَها، لأنَّها تَصِيرُ بعدَ جعلِها علَّةً كالمُوجِبةِ بنفسِها، على أَننا إِذا رَجَعْنا إلى التحقيقِ في الجَعْلِ، كانتِ العقليَّةُ أَيضاً مجعولةً؛ لأنّ التحرُّكَ في الجِسْمِ الذي قامَتْ به الحركةُ مجعولٌ لله تعالى، فهو الخالقُ للحركةِ، وخالق التحرُّكِ عندها، إِلاَّ أَنَّها هي المُوجِبةُ لتحرُّكِه.
وأَمَّا قولُه: عَبْدِي زيدٌ حُرٌّ، لأَنه أَسودُ، أَو: أُعتِقُه، لأنه أَسودُ، إِنَّما لم
стр. 2417
يُوجِبْ عِتْقَ كُلِّ عَبْدٍ له أَسودَ بخلاف تعليلِ صاحب الشَّرع؛ لأنَّ الواحدَ منا يجوز عليه المناقضةُ، ولأَنَّ إِزالةَ الأَملاكِ لم تُوضَعْ للتعْدِيةِ، وتعاليلُ صاحبِ الشَّرع تقييد للمجتهدِينَ عن الاسْتنباطِ (١)، فلا يجوزُ تعليلُ تعطيلِه، وفي إيقافِها على المحلِّ تعطيل للتعديةِ والاستنباطِ؛ إذ لا يُفيدُ إِلا ما أَفادَهُ النصُّ.
فصل
يجوزُ إِثباتُ الحُدودِ والكفاراتِ بالقياسِ ، وبه قال أَصحابُ الشَّافعيِّ. وقال أَصحابُ أَبي حنيفةَ: لا يجوزُ إِثباتُها إِلا بالتوقيفِ (٢).
فصِل
في أَدلتِّنا
فمنها: ما رُوِيَ عن معاذٍ أنَّه لَمّا بَعَثَهُ النبيُّ ﷺ وسأَله: "بِمَ تَحْكُمُ؟ " فقال: بكتابِ [الله]، قال: "فإِن لم تَجِدْ"، قال: بسُنةِ رسولِ الله، قال: "فإِنْ لم تَجدْ"، قال: أَجْتَهِدُ رَأيي (٣). ولم يُفَرِّقْ، ولا فَصَّلَ له النيُّ ﷺ بين الأَحكامَ مَعَ حاجتِه إِلى البيانِ.
ومنها: أَنَّ أَصحابَ رسولِ الله لَمَّا اشْتَوَرُوا في حَدّ الشَّارِب للخَمْرِ،
стр. 2418
قال عليٌّ: إِنه إِذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذى، وإِذا هذى افْتَرى، حُدُّوهُ حَدَّ المُفترِي (١). فأَجْمَعَتِ الصَّحابةُ على إلحاقِه بالقاذفِ بالقياسِ والرايِ.
ومنها: أَنّه حُكم ليس فيه دليل قاطعٌ، فجازَ إِثباتُه بالقياسِ كسائرِ الأَحكام.
ومنها: أَنَّ القياسَ دليلٌ ثَبَتَ به الحَظر والإِباحةُ في الأَعْيانِ والعُقودِ، فتَثْبُتُ (٢) به الكَفّاراتُ والحُدودُ، كخَبَرِ الواحدِ.
ومنها: أَنَّ القياسَ في معنى خبرِ الواحدِ، أَلا تَرى أَنَّ كُلَّ واحدٍ منهما يثبتُ بالظنِّ (٣)؛ فإِذا ثَبَتَ هذان الحكمان بخبرِ الواحدِ، جازَ أَن يَثْبُتا بما هو مِثْلُه في الرّتبةِ.
ومنها: أَنَّ أَصحابَ أَبي حنيفةَ أَثْبَتُوا إيجابَ الكفّارةِ على الأكل في نهار رمضانَ قياساً على المُجامعٍ فيه، وأَوْجَبُوا الحَدَّ في المُحاربةِ على الرِّدءِ (٤) قياساً على المُباشرِ، وقياسا على استحقاق الغنيمة حيث اشترك فيه الردء والمباشر.
فإِن قيل: لم نُثبِتْ أَصلَ الكفارةِ والحَدِّ بالقياسِ، لكنْ أَثبَتْنا موضعَهما، وذلك جائزٌ عندنا، وإِنَّما الذي لا يجوزُ كإيجابِ القَطْع على المُخْتلِسِ
стр. 2419
والنبّاشِ قياساً على السَّارقِ، والحدِّ على اللأئطِ قياساً على الزاني.
وأَمَّا الكفارة: فلم نُوجبْها قياساً، لكن بطريقِ الأَوْلى؛ فإِنَّ مَأثمَ الأكل أَكثر من مَأثمِ الجِماع؛ لأَنًّ الثوابَ على تركِه، أو مِن حيث كانت المَشقةُ في هِجْرانِه أَوْفَى؛ قال النبيُّ ﷺ لعائشة" ثوابُك على قَدْرِ نَصَبِكِ" (١) فإِذا وَجَبَتِ الكفارة في الجماع، ففي الأَكل أَوْلى.
فيقال: تفريقكم بينَ مكانِ الحدِّ وأَصلِه، وإِيجابِ الكفّار ومكانِها أَيضاً، لا يَتحققُ فَرْقاً يُبْرؤُكم مِن عُهْدَةِ جمعِنا بينهما؛ لأَن (٢) تعليلَكم في نفي إِيجابِ الحدِّ والكَفَّارةِ بالقياسِ: أَنَّ الحدودَ والكفاراتِ لا تعْرَفُ بالقياسِ؛ لأَنَّ مَقاديرَ الرَّدْع والزَّجرِ والعقوباتِ كمقادير المَأثمِ، وذلك لا يَعْلَمه إِلأ الله، وكما لا يُعلَمُ الأَصل، فالمَوضعُ والمكانُ أَيضاً يَجِبُ أَنْ لا يعلَمَ على قودِ قولِهم.
والاستدلالُ بالأَوْلى لا يَتحققُ في حقِّ الرِّدْءِ مع المباشرِ، بل المباشرُ أَشدُّ تأثيراً في الجنايةِ المستوجب بها العقوبةُ إِذا كانت في قَطْع الطريقِ، وفي المَثوبةِ إِذا كَانت في الجهادِ؛ فلا أَولى إذاً.
وأَمَّا دَعواكُم أَنَّ المَأثمَ في الأَكلِ آكدُ، فغيرُ صحيح، لأنَّ هَوالِجَ الطبع في باب الوِقاع والجِماع لا تَضبِطُها المروءات غالباً، وأَيسرُ أَنَفَةٍ وأَدنى تَماسُكٍ يَمنَعُ الأَكلَ والشربَ، وهذا معلوم طبعاً، وأَنَّ النَّاس لايَسْتقبِحون اللهَجَ. بمحبَّةِ الصُّوَرِ، والعِشْقَ، وإِنْشادَ الغَزَلِ والأَشْعارِ، والتظاهرَ بحُبِّ
стр. 2420
المِلاح، وقد أَخبرَ الله سبحانه عن امْرأَةِ العزيزِ: أَنَّها جَمَعَت، وأَبرَزَتْ مَن به لهِجَت، وقالت: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٣٢]، وما مِن عَصْرٍ من الأَعصارِ إِلاَّ وفيه شخصٌ يَشْتَهِرُ في هذا الشأنِ، ويُدوَّنُ حديثُه في الأَخبارِ والتَّواريخ، والضِّنَّةُ به والبخلُ من أَكبرِ ما يُمدَحُ به الرِّجالُ، والبِطْنَةُ والشَّرَهُ في بابِ الطعامِ مذمومة، والبخلُ به مذمومٌ، والسَّماحةُ به غايةُ الكَرَمِ، والمَدحُ عليه وبه هو الغايةُ؛ حتى جُعِلَ نسباً، فقيل: هاشمٌ، وكُرِّمَ معشرٌ فقيل: بنو هاشمٍ، وهم الغايةُ، فمكابرُ هذا خارجٌ عن سَمْت النظَرِ والجدالِ إلى التعلُّقِ بالمُباهتةِ بالمُحالِ.
فصل
في شُبِههم
فمنها: أَنَّ الحدودَ والكفاراتِ وَجَبَتْ عُقوباتٍ ومُقابلاتٍ عن المَعاصي، فالحدودُ عقوبةٌ، وفي الكفَّارةِ شائِبةُ عقوبةٍ وشائبةُ عبادةٍ، وجميعُ ذلك لا يَعْلمُ مقدارَه إِلاَّ الله سبحانَه، بدليلِ المَأثمِ وعقابِ الآخرةِ، وأَعدادِ الرَّكَعاتِ.
ومنها: أَنَّ القياسَ على شُبهةٍ؛ لأنَّه إلحاقُ فرع بأَشْبهِ الأَصليْنِ، فيبقى الأَصلُ الاَخرُ شُبهةً في نفي الإلحاق، ولا يجوزُ إيجابُ هذه العقوباتِ مع الشُّبهاتِ.
ومنها: أَنَّه حقٌّ للهِ مقدَّرٌ، فلا يَثبُتُ بالقياسِ كمقاديرِ الرَّكَعاتِ، ونُصُبِ الزَّكَواتِ.
стр. 2421
فصل
في الأجوبةِ عن شبهاتِهم (١)
أمَّا قولُهم: وجَبَتْ عقوباتٍ مَحْضةً، أَو عباداتٍ وعقوباتٍ مَشُوبةً.
فإنه لو كان هذا مانعاً من القياسِ فيهما، لكان مانعاً من القياسِ في جميع الأَحكامِ، لأنها مبنيةٌ على المصالح ونفي المقايس ومواضع الحدود والكفارات أيضاً، كما منع من ذلك نفاة القياس، فلمَّا لم يُمنَعْ من إِثباتِ سائرِ الأَحكامِ به، كذلك هذان الحُكمانِ. على أَنَّ ما أَشارَ إِليه أَميرُ المؤمنين عليٌّ ﵁: من أنَّه إِذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذَى، وإِذا هَذَى افترى، إِلحاقٌ بِمثْلِه، يَغلِبُ على الظنِّ إِيجابُ مقدارِ الجَلْدِ الواجبِ في القَذْفِ بالشُّربِ ليسيرِ الخَمْرِ.
وإِذا تَأَمَّلَ العاقلُ المجتهدُ تسويةَ ما بين كفارةِ الظِّهارِ والقتل في باب اعتبار إيمان (٢) الرقبة، رأى أنَّ الشرع سوَّى بينهما في الصيام في عددِ الأَيامِ، ثم في الصِّفةِ، وهي تتابُعُ الصِّيامِ، مع كونِ الرَّقبةِ جُعِلَت في كفارةِ اليمينِ مُقابلةً بصيامِ ثلاثةِ أَيامٍ، فكان هذا شاهداً بإيجابِ التسويةِ بينهما واشتراط الإِيمان (٣) فيمن أَقدم. . . . . . . (٤) ولا يعتبر الراي في مثلِه.
стр. 2422
وأَمَّا قولُهم: إِنَّ القياسَ على شُبْهةٍ، فكَلاً؛ لأَنَّ تَرجُّحَه إِلى الأَشبهِ به من الأَصلَيْنِ يُخرِجُه إِلى بابِ غَلَبَةِ الظنِّ، كعدالةِ الرَّاوي والشَّاهدين بعد تَردُّدِ الخَبَر بينَ الصِّدقِ والكذبِ، وتجويزِ الاشتباهِ على الراوي والشَّاهدِ رَجَّحَتِ الصّدقَ، فأَوْجَبْنا بها الحدَّ؛ لتَرجُّح الصِّدقِ لا القطع، لمكانِ العدالةِ المُرجِّحةِ.
وقد دَخَلَ ما تعلقوا به من أَعدادِ الرَّكَعاتِ فيما ذكرنا على أَدِلَّتِهم من الأَجوبةِ.
فصل
يجوزُ القياسُ على ما وَرَدَ به الخَبَرُ مُخالِفاً للقياسِ، وهو الذي يُسَمِّيهِ أَصحابُ أَبي حنيفة موضعَ الاسْتحسان بم خلافاً لهم [بأَنه] لا يجوزُ القياسُ على ذلك إِلأ أَن يكونَ الخبرُ الواردُ مُعللاً، أو يكونَ مُجْمعاً على تعليلِه، أَو هناكَ أَصلٌ آخرُ يُوافِقُه، فيجوزُ القياسُ.
فصل
في دلاِئِلنا
فمنها: أَنَّ ما وَرَدَ به الخبرُ أَصلٌ، يَجِبُ العملُ به، فجازَ أَن يقاسَ عليه بمعنىً يُستنبَطُ منه، كما لو لم يَكُنْ مُخالِفاً للقياسِ.
ومنها: أَنَّ المخصوصَ من العُمومِ يجوزُ القياسُ عليه، ولا يَمْنَعُ منه العُمومُ، فكذلك المخصوصُ من الأَصلِ يجبُ أَن يجوزَ القياسُ عليه، فلا يَمْنَعُ منه الأَصلُ.
стр. 2423
ومنها: أَنَّ الخبرَ لو نُصَّ على تعليلِه، جازَ القياسُ عليه، فإذا ثَبَتَ تعليلُه بدليلٍ مِن جهةِ الاسْتنباطِ، وَجَبَ أَن يَجُوزَ القياسُ عليه؛ وذَلك لأَنَّ ماثبت بدليلٍ شرعي يكونُ كالمنصوصِ عليه.
ومنها: أَنَّ ما وَرَدَ به الخبرُ أَصلٌ، كما أَنَّ ما ثَبَتَ بالقياسِ [أَصلٌ]، فليس رَدُّ هذا الأَصلِ لمخالفةِ ذلك الأصلِ بأَوْلى من رَدِّ ذلك الأصلِ لمخالفتِه هذا الأَصلَ، فوَجَبَ إجْراءُ كُلِّ واحدٍ منهما في القياسِ عليه على مايَقْتَضِيهِ.
فصل
في شبهةِ المُخالفِ
بأنَّ ما ثبت بقياس الأصولِ مقطوعٌ به، وما يَقتَضيه هذا القياس مظنونٌ، فلا يجوزُ إبطالُ المقطوع بأَمرٍ مظنونٍ.
ويقالُ: هذا باطل بالخصوصِ من عُمومِ القرآنِ بخبرِ الواحدِ، فإِنه يجوزُ القياسىُ عليه وإن كان فيه إِبطالُ مقطوعِ به بأَمرٍ مظنونٍ.
ويَبْطُلُ أَيضاً بالخبرِ إِذا وَرَدَ مخالفاً للأُصول وكان مُعفلاً، فإنَّه يثبت من طريقِ الظنِّ، ثم يقاسُ غيرُه عليه، ويُتْرَكُ له قياسُ الأُصولِ الذي طريقُه القَطْعُ.
فصل
إِذا ثَبَتَ الحكمُ في فرع بالقياسِ على أَصلٍ، جازَ أن يجْعَلَ هذا الفرعُ
стр. 2424
أَصلاَّ لَفرع آخرَ يقاسُ عليه بعِلًةٍ أُخرى على قولِنا، وقو أَبي عبدِ الله البَصْرِيِّ من أصحابِ أَبي حنيفةَ، وأَحدِ الوَجهَيْن لأَصحابِ الشَّافعيِّ، خلافاً للوجهِ الآخَرِ لأَصحابِ الشَّافعيِّ، ولأَبي الحسنِ الكَرْخِيِّ: لا يجوز ذلك (١).
دليلنا: هو أَنَّ الفرعَ لَمَّا ثبَتَ الحكمُ فيه بالقياسِ، صارَ أَصلاً في نفسِه، فجازَ أَن يُسْتنبطَ منه معنىً، ويقاسَ غيرُه عليه، كالأَصلِ الثابتِ بالنَّصِّ.
فصل
في احتجاجِ المُخاِلفِ
قالوا: إِنَّ العلَّةَ التي ثَبَتَ بها الحكمُ في الفَرْع هو المعنى الذي انْتُزِعَ من الأَصلِ وقِيسَ عليه الفرعُ، وهذا المعنى غيرُ موجودٍ في الفرع الثَّاني، [أي] (٢) ما ثبت به الحكم في الفرع الأول، فلم يَجُزْ قياسُه عليه.
فيقالُ: ليس يَمْتَنِعُ أن [لا] (٣) يكونَ موجوداً في الثاني ويقاسُ عليه؛ أَلا ترى أَنَّ ما ثَبَتَ به الحكمُ في الأَصلِ من النصِّ غيرُ موجودٍ فيما يقاسُ عليه، ولا يَمْنَعُ ذلك صِحَّةَ القياسِ عليه فكذلك ها هنا يجوز أن [لا] (٢) يوجَدَ في الفرع الثاني معنى الفرع الأول ثم يصحُّ القياس عليه.
стр. 2425
ومما احْتَجُّوا به: أنَّه إِنَّكم إِذا عَللْتم السُّكرَ بأَنه موزونٌ، وقِسْتُم عليه الرَّصاصَ خَرَجتُم (١) عن أَن تكونَ العِلة في السُّكرِ أنَّه طعوم، وأَنتم تُعلِّلُونَه بالطُّعْمِ في إِحدى الرِّواياتِ.
فيقالُ: لا نَخْرجُ عن أن يكونَ الطُّعْمُ عِلةً في السكرِ، بل الطُّعْمُ علًة والوَزنُ علَّةٌ، ويجوزُ أَن يَثْبُت الحكمُ الشرَّعيُّ في العَيْنِ الواحدةِ بعِلَّتينِ.
стр. 2426
فصولُ الاجْنهادِ
فصل
الحقُّ في أُصولِ الدِّياناتِ في واحدٍ من قول المُجتهدِينَ، وما عداه باطلٌ .
هذا مذهبُنا، وبه قال الفقهاءَ والأصوليونَ، خلافاً لعبيدِ (١) الله بنِ الحسنِ العَنْبرِيِّ في قوله: إنَّ المُجتهدِينَ مِنٍ أهلِ القِبْلةِ مصيبونَ معَ اختلافِهم، وليس أحدٌ منهم مُبطِلاً، ولا ضالاّ.
فصل
في أدلَّتنا على صحَّةِ ما ذهبْنا إليهِ، وإبطال مذهبِ العَنْبريّ
فمنها: أنَّ معنى الإِصابةِ مصادفةُ الحقِّ، والحقُّ هو ما إذا أَخْبرَ بِه المخبِرُ، كانَ في خبرِه صادقاً، وقد ثبَتَ أنَّ المُختلفينَ في أصولِ الدينِ، بعضُهم يقولُ: ليس لله علمٌ، وكلامُه خَلْقُه وفِعْلُه، وإنَّه لا يصِحُّ أنْ يُرى بأبصارِ العُيون، وإنَّه لا يُريدُ بإرادةٍ ومشيئةٍ هي صفةٌ له، بل يَخلُقُ إرادةً للمُراداتِ، وإنه ما أرادَ كُلَّ موجودٍ مِن أفْعالِ الآدميينَ، لكن أرادَ الحسَنَ منه دونَ القبيح المنهيِّ عنه، وإنَّ المعاصيَ والشُّرورَ ليست مِن تقديرِه (٢).
وبعضُهم يقولُ: إنَّ له كلاماً قديماً وعلماً وإرادةً هي صفةٌ لذاتِه، وإنَّه
стр. 2427
يَصِحُّ أنْ يُرى، وإنه يَقضي ويُقدِّرُ أفعالَ عبادِه خيرَها وشرَّها، وعلي العكسِ مِن جميع ما ذَهَبَتْ إليه الطائفة الأولى.
وإذا ثَبتَ هذا، وعُلِمَ أنَّ اجتماعَ الأمرَينِ في حقِّ اللهِ سبحانه مُحالٌ، أعني: أنَّه لا يجوز أنْ يكونَ عالماً بعِلمٍ لا عالماً بعِلم وأن كلامَه قديم مُحْدَثٌ، وأنّه لا يَصِحُّ أنْ يُرى ويَصحُّ أنْ يرى، وأنّ المخبِرَ بالأمرَينِ عنه سبحانه كان فِى أحدِ خَبرَيهِ كاذباً، وجَبَ أنْ لا يكونَ الحقُّ مجتمعاً (١) في الاثنينِ، وأنْ يكونَ أحدُهما هو المصيبَ حَسَبَ ما تقومُ به دلائل الإصابةِ، وما كانَ ذلك إلا بمثابةِ الاختلافِ بينَ المُسلمينَ الموحِّدينَ، والنصارى، والمجوسِ في التوحيدِ والتثْنيةِ والتثليثِ، لما لم يَجُزْ أنْ يكونَ الله سبحانه إلا واحداً، واستحالَ بدليلِ التمانُع أنْ يكونَ خالقُ الخَلْقِ أثنَين، وأوجبت الدلائلُ كونَه سبحانه واحداً، لا جَرَمَ كانَ مذهبُ التَّثْنيةِ والتثْليثِ باطلاً.
ومنها: أنّ أدلةَ الأُصولِ هي أدلًة عقليةٌ قطعية، ونصوص جلِيَّة، تدلُّ على مُعتقَد مخصوص، وأن ما عداه باطلٌ، والخبر عنه كذِب، وأنَّ ما يَتعلقُ به المخالفُ شبهةٌ تتخيَّل للضعيفِ النظرِ، اْو المُخلدِ إلى التقليدِ والعَصبيَّةِ، كأنَّها مُرشدةٌ وهي مُضِلةٌ، فدعوى التًساوي في الإصابةِ رجوعٌ عن القولِ بأنَّ أدلةَ الأصولِ قاطعةٌ؛ فإنّه لا اشتباهَ مع القطع، وإنما يؤتى المجتهد مِن قِبلِ نفسِه، ومتى صدَقَ نفسَه الاجتهادَ، هَجَمَ بِه على إصابة الحقِّ الذي دعا الله إلى اعتقادِه، ونهى عنِ العُدولِ عنه.
стр. 2428
ومنها: أنَّ هذه المقالاتِ؛ أعني: القِدَمَ والحُدوثَ، والنَّفيَ والإثباتَ فيما أشَرْنا إليهِ مِن الصِّفاتِ، ومثلَ اعتقادِ خلافةِ أبي بكرٍ، واستحقاقِه لها، والقولِ بأنَّ المُستحِقَّ غيرُه وإنَّما غلَبَ عليها، واعتقاد الخوارج في عثمانَ وعلي، وأنهما كفرَا بعدَ ايمانهما، واعتقادِ أهلِ الحقِّ أنَّهما خَليفتانِ عَدْلانِ إمَامَا هُدىً، لا يجوزُ أنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بصحَّةِ جميعِها؛ فنقول: كلُّ قولينِ لا يجوزُ ورودُ الشَّرع بصحَّةِ كلِّ واحدٍ منهما، لم يَجُزْ أنْ يكونَ القولُ بهما صواباً، كالقولَينِ اللَّذَينِ أحدُهما توحيدٌ، والاَخرُ تثْنيةٌ وتَثْليثٌ.
فصل
في الأسئلةِ، وهي شُبَهُهِم
قالوا: معلوم أنه لا يجوزُ أنْ يكونَ الوَصف ونقِيضُه للهِ سبحانه، ولا يجوزُ أنْ يكونَ كلامُه قديماً محدثاً، ولا مُستحيلَ الرُّؤيةِ مُجوَّزاً (١) رُؤيَتُه، ولا قاضياً بالشُّرورِ لا قاضياً بها، وكيف نقولُ ذلك والنَّقيضان لا يجتمعانِ؟! فكيف يَصحُّ اعتقادُهما على الصِّحَّةِ والإصابةِ؛! لكن ما يُنكرُ من قولِنا: إنَّ القائلَيْنِ: كلُّ واحدٍ منهما مصيبٌ فيما بَذَلَه من جُهدِه ووُسعِه؛ وإنه لم يبقَ عليه بعدَ ذلك شيءٌ، فهو مُصيبٌ من هذا الوجهِ، فأمّا الحقُّ عندَ اللهِ في القِدمِ أو الحَدثِ، والسلبِ والإثباتِ، فهو (٢) واحدٌ من الأمرَينِ، ونعوذُ بالله من الاعتقادِ في اللهِ سبحانه أنْ يكونَ عندَه وفي
стр. 2429
علمِه كونُ الشيءِ الواحدِ قديماً ومحدثاً، وذلك علمُ الشيء على خلاف ما هو به، وذلك هو الجهلُ (١) المستحيل عليه سبحانه، بل على آحاد خلقه، إذ لا يجوز أن يكون الواحد من خلقه يعلم الشيء الواحد قديماً مُحدَثاً، حَقّاً باطلاً.
قالوا: ولأَنه إِذا جازَ أَن يكونَ كُلُّ مجتهدٍ مصيباً (٢) في أَحكامِ الشرع؛ من الإِباحةِ والحَظْرِ، والإِيجابِ والندْبِ، وإِن كانا نَقِيضيْنِ يستحِيلُ اجتماعهُما، [جاز مثله في الأصول] (٣).
فصل
في الأَجوبةِ لنا عمَّا ذكرُوه
أَمَّا الأَوَّل، وأَنَّ الإِصابةَ هي بذلُ الوُسع، فهذا سوءُ عبارةٍ عمَّا قَصَدْتُموه، وإِنما غاية ما يقالُ في ذلك: أَنَّ صاحبَه معذور، ولا يُسمَحُ له بذلك، فإِنه ما قَصَدَ الأَمرَ من بابِه، حيثُ لم يَستَدِلَّ بأَدلةِ اللهِ سبحانه المُوجِبةِ للقطع، الكاشفةِ عن الحقِّ، بل عَدَلَ عنها إلى الشُبَهِ المُضِلةِ بنوع من تقصيرٍ: إِمَّا لتقليدٍ، أَو عَصبيَّةٍ، أَو إِهْمالٍ وإِغْفالٍ يَظُنُّ معه أَنهُ قد بَدَلَ الوُسْعَ، فأَمَّا أَن يقالَ: إِنه مصيب، فلا وجهَ للاِرْتقاءِ إِلى هذه الرُّتْبةِ، مع انَّ حقيقةَ العُذْرِ لم تَتحققْ؛ إذ لم يتحقق بذلُ الوُسْع.
стр. 2430
على أَنهُ إِن جازَ دعوى ذلك، فالثنوِيَّةُ يَدَّعونَ أَنَّهم بَذَلُوا الوُسعَ في إثباتِ الاِثنينِ؛ لِمَا نَعْلَمُ ممَّا أَوْرَدُوه من شُبَهِهم في تَثَنِّي الأَفعالِ إلى خيرٍ وشر، ونَفعِ وضُر، وحَسنٍ وقبيع، وأَنَّ الَحسنَ أَوْجَبَ المدحَ، والقبيحَ أَوْجَبَ الذَّمَّ، والحَسنَ أَوْجَبَ لفاعلِهِ الحِكْمَةَ، والقبيحَ الضارَّ (١) أَوْجَبَ لفاعلِه ضِدَّها، فكان يَجِبُ على قودِ قولِكَ أَن يكون كلُّ واحدةٍ من الطَّائِفتينِ مُصِيباً ومُحِقُّا؛ من حيث بَذل وسعه، فأَدّاهُ اجتهادُه إِلى مقالتِه، فلا يَتحقَّقُ فرقٌ بين أَصلِ التوحيدِ والتثْنيةِ، والصِّفاتِ في (٢) النًفى والإِثباتِ، والقِدَمِ والحدوثِ.
وأَمَّا الثاني، وإِلزامُ الأَحكامِ الفُروعيَّةِ، فلا نُسلِّمُ أَن المُجتهدِينَ المُختلِفينَ على الإصابةِ كُلُّهم، بل الحقُّ في واحدٍ؛ مثل مسألتِنا، وكما لا يَصِحُّ أن يكون القديمُ مُحدَثاً، والمُحدَثُ قديماً عندَ اللهِ، لا يكون الحرامُ حلالاً، والواجبُ نَدْباً، ولو سَلَّمْنا على سبيلِ توسعةِ النَّظرَ، فالفرقُ بينهما ظاهر، وهو أَنَّ الفروعَ ليس عليها أَدِلَّةٌ قاطعةٌ، فلم يَجُزْ ألت يكونَ كُلُّ مجتهدٍ مصيباً.
ولأَنَّ الأَحكامَ يجوزُ أَن يَرِدَ الشَّرعُ بكون العَيْنِ الواحدةِ مُحرَّمةً في وقتٍ، ويَرِدَ بكونِها مباحةً في وقت، أو يَرِدَ بكونِها مُحرَّمةً على شخصٍ، ويَرِدَ بكونِها مباحة في حقِّ شخصٍ، وقد كان ذلك، مثلُ: الإِباحةِ
стр. 2431
للمضْطَرِّ، والتحريمِ على غيرِه، وإِباحةِ الأَمَةِ للعبد على كلِّ وجهٍ، وتحريمِها على الحرِّ، وتحريمِ الخمر على غيرِ المُتداوِي بها، أَو الدافع بها التخَنّقَ، ولم يَرِد الشَّرع بقِدمِ شيءٍ وحُدوثِهِ، وإِثباتِ شىءٍ وسَلْبِه، على ماقَدَّمْنا.
فصل
والحقُّ من قولِ المُجتهدِينَ في الفروع في واحدٍ أَيضاً، وعلى ذلك الحقِّ دليلٌ يَجِب على كُلِّ مجتهدٍ طَلَبُه، و [هو] مَن سَلِمَ من العاهات، وسلمت آلات اجتهاده، وأدوات نَظرِه من الآفات، ثمَّ إنه سلم بعد ذَلك من المَيْلِ والهَوى، والعَصبيَّةِ للأَسْلافِ والمتبوعينَ.
نصَّ عليه أَحمدُ في الحديثَيْنِ المُختلفَيْنِ عن النبيِّ ﷺ ، إِذا أَخَذَ رجلٌ بأَحدِ الحديثيْنِ، وأَخَذَ آخرُ بالحديثِ الآخرِ ضِدَّه، فالحقّ عندَ اللهِ في واحدٍ، وعلى الرَّجلِ أَن يَجْتهِدَ، فهذا نَصٌّ منه على ما ذَكَرْنا.
ويَتخرَّجُ عن صاحبنا روايةٌ: أَن يكونَ الحقُّ في جهاتٍ؛ لأَنهُ قد ثَبَتَ عنه أَنَّهُ كان يَدُلّ ويُرشِدُ المُستَفْتِيَ إلى حِلَقِ المُخالِفينَ، ولا تجوزُ الدَّلالةُ على الخطأِ إِلأ ليُجتنَبَ، فأَمَّا ليُتبعَ فلا؛ ولهذا لا يَجوزُ أَن يَدُلَّ مَنِ اسْتَرشدَه في القِبْلةِ على مَنْ يَغلِبُ على ظَنِّه أنَّه يُرشِدُه إِلى غيرِها، فهذا مَأخذٌ لإِصابةِ كلِّ مجتهدٍ.
فأَمَّا حكمُه بصحَّةِ الصَّلاةِ خلفَهم -وقد نَصَّ عليه في مواضعَ-، فهو مَاخَذٌ بعيدٌ؛ لأَنَّه قد يُحكَمُ بصحَّةِ الصَّلاةِ خلفَ مَن لا تَتحقَّقُ إِصابته؛
стр. 2432
لأنّ اعتبارَ ذلك يَشُقُّ ويُحرِجُ؛ لاختلافِ المذاهبِ، واتساع الفَلَواتِ، واحتياج العَوامِّ إِلى صلاةِ الجماعاتِ خلفَ المُصيبِ والمُخطئِ، وحاجتِهم إلي الصَّلاةِ خلفَ كلِّ بَر وفاجرٍ، فأَمَّا الحاجةُ إلى استفتاءِ المخطئِ، فإدت حصلت، فإِن الدِّلالةَ عليه والإِرشادَ لا (١) حاجةَ بنا إِليه، كما أَنَّنا نحكَمُ بصحَّةِ صلاةِ العامِّيِّ والأَعمى خلفَ المُجتهدِ في القِبلَةِ، وإِنْ سأَلنا عن الصَّلاةِ خلفَهم، لم نَحكُمْ ببُطلان صلاتِهِم، ولا يَدُلُّ ذلك على تجويزِ دِلالَتِنا للمُسترشِدِ السائلِ عن القِبْلةِ إِلى مَن نَعْلَمُ أَنَّه على خطأٍ فيها بالرَوايةِ الأُولى.
وبهذا قالَ أَكثرُ أَصحابِ الشَّافعيِّ، حتى إِنَّ القاضِيَ ابا الطَّيِّبِ الطَّبَرِيَّ، ﵀ تعالي، بالغَ في ذلك، فقالَ: إِنَّني أَعلمُ إِصابتَنا للحقِّ، وأَقطَعُ بخطأِ مَنْ خالَفَنا، وأَمْنَعُه من الحكمِ باجتهادِه، غيرَ أَنَّني لا افَسِّقُهُ (٢).
ووافَقنا أَيضاً بِشْرٌ المريسِيُّ، والأَصَمُّ، وابنُ عُلَيَّةَ.
وقال أَبو الحسنِ الكَرْخِيُّ -فيما حكاه أَبو سُفْيَان السَّرخسِيُّ عنه-: مذهبُ أَصحابِنا جميعاً: أَنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ لِمَا كُلِّفَ من حُكمِ اللهِ تعالى، والحقُّ في واحدٍ من أَقاويلِ المُجتهدِينَ. قال: ومعنى ذلك: أَن الأَشْبَهَ واحدٌ عندَ اللهِ، إِلاَّ أنَّ المُجتهِدَ لم يكلَّفْ إِصابتَه.
стр. 2433
قال: وهكذا حُكِيَ عن عيسى بن أَبانَ: أنَّه كان يقول: لابُدَّ من مطلوبٍ هو أَشْبَهُ الأَشْياءِ بالحادثةِ، إلا أَنَّ المجتهدَ لا يُكلفُ إِصابتَه، وإنما تَعَبَّدَهُ الله أَنْ يَحكُمَ فيها بحكمِ الأَصلِ الذي هو أَشبهُ به في غالبِ ظَنِّه.
ونحوَ هذا حَكَى أَبو عبد الله الجُرْجانِيُّ، وفَسَّرَ الأَشْبهَ: بأَنَّ شَبَهَ الحادثةِ ببعضِ الأصول أَقربُ عندَ اللهِ تعالي، وأَنه لو أَنْزَل ذلك الحكمَ، لكان يُنزِلُه بأَحدِ الوَجْهَينِ.
وذَهَبَتِ المُعتزِلةُ وأَبو علي الجُبَّائِيُّ في إِحدى الرِّوايتينِ (١ عنه، وأَبو هاشمٍ: إلى أنَّه ليس هناك أَشبه مطلوب أَكثر من أَنَّ الحُكمَ بما هو أَوْلى عندَه أَن يَحكُمَ به.
واختلفتِ الأَشعريةُ: فقالَ الأَكثرُ منهم، مثلُ؛ ابنِ فُورَكَ، وأَبي إِسحاق الإِسْفَرايينيِّ، وغيرِهما: مثلَ قولِنا.
وقال أَبو بكر بنُ البَاقِلانيِّ: لأَبي الحسنِ الأَشْعَرِيِّ في ذلك قولان ١). واختارَ هو: أَنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ، وأَنَّ فرْضَ كلِّ واحدٍ ما يَغلِبُ على ظَنِّه، ويُؤَدِّيه إِليهِ اجتهادُه، وليس هناك أَشْبَهُ مطلوبٍ.
فصل
في ذكر الدَّلاِئل على أَنَّ الحقَّ في واحدٍ من جهةِ الكتابِ والسُّنَّةِ
من ذَلك: قولَه تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ
стр. 2434
إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٨ - ٧٩]، وتخصِيصُ سليمانَ بالفَهْمِ دَلالةٌ على أَحدِ أَمرَيْنِ: إِمَّا السَّلبُ للفهم في حقِّ داودَ، أَو (١) إِصابةُ الحقِّ بفهمِه دونَ داودَ، وإِلا سَقَطَتْ فائدةُ التًخصيصِ بالتفهيمِ، وعلى قولِهم: إِنهما جميعاً مُفْهَمانِ مُصيبانِ، تسقط (٢) فائدةُ التخصيص بسليمان.
فصل في أَسئلتهم على الآيةِ
فمنها: قولُهم: ليس تخصيصُ سليماَنَ بالفهمِ بأَكْثرَ من تخصيصِهما جميعاً بالعِلْمِ، ثمَّ لم يَدُلَّ على تخصيصِهما به دونَ سائِرِ الأَنبياءِ صلوات الله عليهم، كذلك لا يَدُلُّ على تخصيصِ سليمانَ بالفَهْمِ.
ومنها: أَنْ قالوا: قد رُوِيَ أَنَهما حَكَما بالنًصِّ، ثم نَسَخَ الله الحُكمَ في مثلِ تلك القَضِيَّةِ في المُستقبَلِ، فعَلِمَ النسخَ سليمانُ، فحَكَمَ بالنصِّ الناسخ، فكان هذا هو الفهمَ الذي أَضافَه إِليهِ.
ومنها: إِن كانا حَكَما بالاجتهادِ، فلعلَّ سليمانَ أَصابَ الأَشبهَ المطلوبَ عنِ الله سبحانه.
ومنها: أَنْ قالوا: لَعَلَّ سليمانَ (٣ حَكَمَ بنص خَفِي كان قد ٣) وَقَفَ عليه، وخَفِيَ على داودَ.
стр. 2435
ومنها: (١ أَنَّه لَمّا سَوّى بينهما في المِدْحَةِ، دَلّ ا) على اتفاقِهما في الإِصابةِ، وهو قولُه (٢ سبحانه: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، فلو كان أَحدُهما قد أَخطأَ، لم يَصِفْه بأَنَّه آتاه حُكماً وعِلماً، فثبت أَنَّ اجتهادَهما كان صواباً ٢).
(٣ فصل
في الأجوبة ٣) على الأسئلة
فأَمَّا قولُهم: إِنَّ التخصيصَ لا يَدُلُّ على النَّفْي عَمّا سِواه؛ بدليلِ قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥]، ولم يَدُلَّ على سَلْبِ العِلْمِ عَمَّنْ عداهما، فهذا مُجرَّدُ دعوى، وبيانِ مذهبٍ، وإِلا فالعربُ لا تَخُصُّ بالاسمِ والصِّفةِ إِلأ وغيرُ المخصوصِ بهما غيرُ مُشارِكٍ لذلك المخصوصِ، وهذا أَصل قد سَبَقَ الكلامُ فيه، وهو دليلُ الخِطابِ.
وأَمَّا قولُهم: إِنَّ داودَ حَكَمَ ولم يَعْلَمِ النَّصَّ، وكان لسليمانَ نصٌّ خَفِيَ عن داودَ، فحكمَ به، فغيرُ صحيح؛ لأَنَّ شريعةً يكونُ فيها نصّ على حكمٍ لا يَخْفَى على نبيِّ تلك الشَّريعةِ، فهذا تأويل بعيد.
على أَنهُ لو كان نصٌّ (٤)، لماَ عُزِيَ إِلى سليمانَ،- ولا سُمِّيَ ذلك باسمِ تَفْهيمٍ.
стр. 2436
وأَمَّا قولُهم به في الأَشبَهِ، فإنَّ جماعةَ مَنْ خالَفَنا في هذه المسأَلة لا يقول: إِنَّ هناك أَشْبَهَ مطلوباً (١)، وإِنما فَرْضُه الاِجْتهادُ، ومَن قال: إنَّ هناك أَشبَهَ، قال: بأَنَّه لم يُكَلَّفْهُ، وإِذا لم يُكَلَّفْه، فلا يُؤَثِّرُ وجودُه وعَدَمُه في حقِّ أَحدِهما، ولأَنَّ الإِصابةَ إِذا كانت مصادفةً، فلا مِدْحةَ لصاحبِها، كالإِصابةِ للقبلةِ مِن غيرِ طَلَبٍ لها، ولا استدلالٍ عليها.
على أَنه قد رُوِيَ: أَنَّ سليمان نَقَضَ حكمَ داودَ، قال شيخُنا الإِمامُ أَبو يعلى ﵁: ولو كان على وَجْهِ مصادفةِ الأَشبهِ عندَ الله، لما نَقَضَ حكمَ داودَ، لأَنَّ المصادفَ لايكونُ على بَيِّنةٍ من أَمْرِه وخطأِ غيرِه.
وأَمَّا قولُهم: إِنَّه لَمّا سَوَّى بينهما في المِدْحةِ، دَلَّ على استوائِهما في الإصابةِ، فليس بصحيح؛ لأَنَّ الاجتهادَ (٢ عندنا يَستحِقُّ المخطئُ فيه والمصيبُ المَدْحَ، فقد قالَ النبيِّ ﷺ :"إِذا اجتهدَ الحاكمُ فأَصابَ، فله أَجْرانِ ٢)، وإِن اجْتَهدَ فأَخطأَ، فله أَجرٌ" (٣) والمَدْحُ يَتْبَعُ الأَجْرَ (٤)، وقال سبحانه: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ [الحديد: ١٠]، ثم قال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ولأَنَّ الاجتهادَ حُكمٌ وعِلم، وإِنْ لم يَكُنْ إِصابة.
стр. 2437
فصِل
في أَدِلّتنا
فمنها مِن جهةِ السُّنَنِ: ما رواه أَبو هريرةَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إِذا اجْتَهَدَ الحاكمُ فأَصابَ، فله أَجْرانِ، وإِنِ اجتهدَ فأخطأَ، فله أَجْر" (١)، وهذا نصّ في أن المُجتهدِينَ يخطئونَ (٢).
وكذلك قولُه ﷺ لعمرِو بن العاصِ: "احكم، فإِن أَصَبْتَ، فلك أَجْرانِ، وإنْ أَخْطَاتَ، فلك أَجْر" (٣)، ولو كان الكلُّ على إِصابة، لم يَكُنْ لذِكْرِ الخَطأِ وجه.
فإِن قيل: هذا الخبرُ بأَن يعطيَ أَنَّ كُلَّ مُجتهدٍ مصيب، أَوْلى مِن أَن يُعطِيَ أَنَّ الحقَّ في جهةٍ؛ لأَنَّ الخطأَ لا يَحْسنُ ان يُقابَلَ إلا بالعُذْرِ، والعَفْوِ عن المؤاخذةِ، فأَمَّا الأَجر فلا، فلمَّا قابلَه بالأَجْر، علِمَ أَنهُ لإِصابةِ الحقّ، أَلا ترى إِلى قولِه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقولِ النبيِّ ﵊: "عفِيَ لأمَّتي عنِ اَلخطأِ والنِّسيانِ" (٤).
وأَمّا تسميته مُخطِئاً مَعَ حَمْلِنا له على الاِصابةِ، فليس براجع إلى خطأ في الاجتهادِ، وإِصابةِ الحُكْمِ بدليلِه، لكن عادَ إِلى أَن يُصيِبَ حُكمَ اللهِ،
стр. 2438
كأن (١) يَقْتطِعَ المحكومُ له مالَ خَصْمِه أَو حَقه بذلك الحكمِ، لكَذِبِ الشُّهودِ؛ أَو مُغالطةِ الخَصْمِ بكونِه أَخْصَمَ وأَلحنَ بحُجَّتِه؛ ولهذا قال ﷺ : "إِنما أَحْكُمُ بالظاهرِ؛ إنكم لتَخْتَصِمُونَ اِليَّ، ولعلَّ أَحَدَكم أَلحنُ بحُجَّتِه مِن صاحبِه، (٢ فمَن قَضَيْت له بشيءٍ من مالِ أَخيه، فلا يَأخُده، فإِنما ٢) أَقْطَعُ له قِطعةً مِن النارِ" (٣)، (٤ وهذا النوعُ من الخطأِ هو الذي يَستحِقُّ الحاكم ٤) فيه أَجرَ اجتهادِه، وإِصابةِ حكمِ الشَّرع؛ حيث قَضى بالبَيِّنةِ بظاهرِ العدالةِ، وحُرِمَ أَجرَ تحصيلِ الحقِّ لمُستحِقِّه بحكمِه؛ إِذ كان إنَّما حَصَلَ لغيرِه بحكمِه، وصارَ ذلك بمثابةِ رجلٍ رَأَى مُضْطرَّاً إِلى الماءِ، ووَجَدَ ماءً لا يَعلَمُ أَنهُ مسمومٌ، فسَقاهُ، فماتَ فله أَجرُ قَصْدِه لريِّهِ، وأستِنقاذِه من تَلَفِ العَطَشِ، ولكن حُرِمَ ثوابَ إِحياءِ نفسِه بإِسقائِه؛ حيث لم يَتحصَّلْ ذلك بإِسقائِه.
فيقالُ: الجَهالةُ بكَذِبِ الشُّهودِ، وما شاكلَ ذلك من إِقرارِ الخَصْمِ على سبيلِ التّهَزِّي، [ونحو] ذلك، مِمَّا لا يُضافُ إِلى الحاكمِ به خَطَأٌ، ولهذا مَنْ جَهِلَ نجاسةَ ماءٍ، فتَوضَّأَ به بناءً على حُكمِ الأَصلِ، وأَخطأَ جِهَةَ القِبْلةِ مع اجتهادِه ولم يَعلمْ، لا يَنْقُصُ (٥) ثوابُه، ولا أَجرُ عملِه؛ ولهذا قال النبيُّ ﷺ
стр. 2439
للرَّاعى، لَمَّا سأَله قوم عن الماءِ: "لا تُعلِمْهم (١) "، وقال عمر لصاحبِ المِيزابِ، لَمَّا قَطرَ منه ماء، فسَألوه عن حكمِه: لا تُعلِمْهم (٢). ولو كان ذلك مما يُقصِّرُ أَجراً، أَو يُنقِصُ ثواباً، لَمَا أَمَرَ بكَتْمِه، على أنَّ اللّفْظَ عامٌّ في الجميع، لو كان هذا مما يَقَعُ عليه اسمُ الخطأِ.
فإِن قيلَ: فلعلَّ قولَه: إِذا اجتهدَ، فأَخْطأَ حكمَه باجتهادِه، وما عَلِمَ أَن [في] القَضيَّةِ نصّاً أَو إِجماعاً.
قيل: اللفظُ عامّ، فلا وجهَ لتخصيصِه، ولأَنَّ الأَجْرَ لا يَختَصُّ بإِصابة النصِّ والاِجماع؛ لأنَّ ما فيه نصّ أَو إِجماعٌ وما لا نَصَّ فيه فِى الأَجرِ سواءٌ، فَدَلَّ على عمومِه.
فصل
فيما وَرَدَ في ذلك عن (٣) فُضلاء الصِّحابةِ، وأَقوالهِم الدَّالَّةِ على أَن الحقَّ في واحدٍ (٤ من أقوال المجتهدينَ
فمنها: ما رُوِيَ عن أَبي بكرٍ ٤) الصدِّيقَ أَنّه قال في الكَلالةِ: أَقولُ (٤ فيها براي، فإِن يَكُنْ صواباً، فصنَ اللهِ ، وإِن يَكُنْ خظأً، فمِنِّى ٤)، وأَسْتغفِرُ الله (٥).
стр. 2440
ورُوِيَ عن عمرَ: أَنَّه حَكَمَ بحُكمِ، فقال له رجلٌ حَضَرَ: هذا- واللهِ- الحقُّ. فقال عمرُ: إِنَّ عمرَ لا يَدْري أنَّه أَصابَ الحقَّ، لكنَّه لا يَالو جَهْداً.
ورُوِيَ: أَنَّ عمرَ كَتَبَ، فقال لكاتبِهِ: اكتب: هذا ما رأَى عمرُ، فإِن كان خَطَأً فمنه، وإِن كان صواباً فمِنَ اللهِ.
ورُوِيَ عن علي: أَنَّه قال في المرأَةِ التي ستحْضَرَها عمرُ، فأَجْهَضَتْ ذا بَطْنِها، وقال له عثمانُ وعبدُ الرحمن: إِنَّما أَنتَ مُؤَدِّبٌ، لا نَرَى عليك شيئاً. فقال: إِنْ كانا اجْتَهَدا، فقد أَخْطأ، وإِنْ لم يَجْتهِدا، فقد غَشَّاكَ، أَرَى عليك الدِّيَةَ (١).
ورُويَ أَنه لَمَّا قال في امَّهاتِ الأَولادِ: ورَاي الآنَ أَن يبَعْنَ. قال له عَبِيدةُ السَّلْمانيُّ: رَايك معَ الجماعةِ أَحبُّ إِلينا من رايِك وحدَك (٢).
ورُويَ عن ابن مسعودٍ أَنَّه قال فِى المُفَوِّضَةِ: أَقولُ فيها برايي، فإنْ كان صواباً، فمِنَ اللهِ ورسولِه، وإِنْ كان خَطأً، فمِني ومن الشَّيطانِ، والله ورسولُه منه بريئانِ (٣).
ورُويَ: أَن عليّاً وابنَ مسعودٍ وزيداً ﵃ خَطّؤُوا ابنَ عباسٍ في تَرْكِ القولِ بالعَوْلِ، وأَنْكَرَ عليهم ابنُ عباس قولَهم بالعَوْلِ، حتى
стр. 2441
قال ابنُ عباس: مَنْ شاءَ باهَلَنِى باهَلْتُه، إِنَّ الذي أَحْصى رَمْلَ عالِج عَدَداً لم يَجْعَلْ في مالٍ واحدٍ نِصْفاً ونِصْفاً وثُلُثاً، قد ذهبَ النِّصفانِ بالمالِ، فأَينَ موضعُ الثلُثِ؟! (١)
ورُوي عن ابنِ عباسٍ أَنَّه قال: أَلا لا يَتَّقي الله زيدُ بنُ ثابتٍ، يَجْعَلُ ابنَ الابنِ ابناً، ولا يَجْعَلُ ابد الأَبِ أَباً! (٢).
وهذا إِجماعٌ ظاهرٌ على تَخْطِئَةِ بعضِهم بعضاً في مسائلِ الاجتهادِ، دلَّ على (٣ أَنَّ الحقَّ من هذه الأَقوالِ في ٣) واحدٍ، وما سِواه باطلٌ.
وممَّا (٤ استُدِلَّ به: الإِجماعُ، فقد ثَبَتَ ٤) بإِجماع الأمَّةِ أَنَّ الله قد أَمَرَنا بالتَّأليفِ والاِجْتماع، ونهى عن الفُرقةِ والاِخْتلافِ، هذا مما أَطْبَقَتِ الأمَّةُ عليه، وورَدَ السَّمعُ به، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، اقْتَصَرَ على أَنَّ المُختلِفَ ليس من عندِه، وعلى زَعْمِهم أَنَّ المُختلِفَ من المذاهبِ: الحاظرِ والمُبيح، والمُوجِبِ والمسقِطِ، شرعٌ لله، وصوابٌ عندَ اللهِ، وقال سبحانه ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]، فاسْتَثْنى المَرْحومِينَ من المُختلِفينَ، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
стр. 2442
جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقالَ تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وهذه آياتٌ كُلُّها تَمْنَعُ من الفُرْقَةِ، وتَزْخرُ عنها، وتَذُمُّ أَهْلَها، وتَحُثُّ على الاجتماع، وتَأمرُ به، وتَمدَحُ عليه، وعندَكم أَنَّ الكُلَّ سَواءٌ.
وللمُخالِفِ أَن يقولَ: لا مُتعلَّقَ لكم ولا حُجَّةَ في ذلك؛ لأَنّكم- وإِنْ قُلْتُم: إِنَّ الحقَّ في واحدٍ، وإِنَّ كُلَّ مخالفٍ لذلك مُخطئٌ - لستُم ناهِينَ عن المخالفةِ، ولا آمِرينَ بالموافقةِ، لأَنَّ كُلَّ واحدٍ من المُجتهدِينَ غيرُ مأمُورٍ باتِّباع الآخرِ تقليداً له، ولا بموافقته في مَقالتِه، بل فَرْضُه الاجتهادُ وإِن خالَفَ وفارَقَ، ولو تَرَكَ اجتهادَه المُؤَدِّيَ إلى المخالفةِ، ووافقَ، لَلَحِقَه الوعيدُ، وكان داخلاً تحتَ النَّهىِ، غيرَ مُوافِقٍ للشَّرع، وإِذا كنا مُجمِعينَ على أَنَّ الله قد أَبْرأَ كافًةَ المُجتهدِينَ بما يُؤَدِّيهم (١) إِليه اجتهادُهم، ونَهاهُم عن الموافقةِ (٢ لبعض المجتهدين ٢) فيما ذَهَبُوا إِليه بالاجتهادِ، فصار الإِجماعُ (٢. . . . . . . . .٢) دونَ طَلَبِ الموافقةِ، وتَرْكِ المخالفةِ، وفي أُصول الشَّرع شواهدُ لذلك ممَّا أَوجبَ (٣ فيه الأخذ بما أدى إليه الاجتهاد ٣) دونَ مجرى الوِفاقِ، فمن ذلك: اختلافُهم في القِبْلةِ؛ مَعَ اختلافِهم في الاجتهادِ، قد أَجْمَعْنا على تحريمِ المُوافقةِ، وإِيجابِ استقبالِ كلِّ واحدٍ إِلى ما أَدّاهُ اجتهادُه إِليه من الجِهاتِ، وإِنْ وَقع الخلافُ.
стр. 2443
ومن ذلك: إِذا قالت زوجةُ رجلٍ: سَمِعْتُه يُطَلِّقُني ثلاثاً. وقال الزَّوجُ: لم اطَلِّقْها. أَمَرَهما الشرعُ بالفُرقةِ، ومَنَعَهما مِنَ الاجتماع، فقيل للمرأَةِ: اهرُبي، فأَنتِ مُحرَّمةٌ عليه. وقيل للرَّجلِ: اطْلُبْها، فهي زوجتك.
وكذلك الأَعْيانُ الواجبةُ في الكفاراتِ؛ يَختلِفُ الناسُ فيها باختلافِ أَحوالِهم؛ فهذا فَرْضُه العِتْقُ، وهذا فَرْضُه الإِطعامُ أَو الكسْوَةُ، وهذا فرضُه الصَّومُ.
وهذا في المُترتِّباتِ، وأَما المُخيَّراتُ؛ فقد جَعَلَ الله سبحانه اختيارَ كُلِّ إِنسانٍ مُفوّضاً إِليه فيما يُكَفِّرُ به من أَنواع التكفِيرِ.
فهذا اختلافٌ مأمورٌ به في الاعتقاداتِ والتعبُّداتِ من الأَفعالِ.
وكذلك تقويمُ المُقوِّمينَ إِذا اختلَفُوا في قيمةِ المُتلَفِ، لم يُؤْمَرُوا بالاتِّفاقِ، بل يُؤْمَرُ كُلُّ واحدٍ منهم بما يُؤَدِّيه اجتهادُه، ويُنهى عن موافقةِ مَنْ يخالِفُه.
فإِذا ثَبَتَ أَنَّ الأصولَ على هذا، فلا بُدَّ أَن يَكُونَ الذَّمّ للفُرْقةِ، والأَمرُ بالاجتماع والاتِّفاقِ، راجعاً إِلى تَرْكِ المُعاندةِ للحقِّ، والمخالفة للمُحِقِّينَ الدين اتبَعُوا الأَدلةَ، وهَجَرُوا الشّبُهاتِ، وكم طالبٍ للفُرقةِ، وهاجرٍ [للأَدلةِ] (١) بمجرد الأَنَفةِ من الاتِّباع لدليلٍ صارَ إِليهِ مَن (٢ يَتَعصَّبُ عليه، أَو لمُغالبةٍ ٢) ومطاولةٍ، أَو انفرادٍ بمذهبٍ ليُتَّبَعَ؛ فيَصِيرَ به صاحب قالةٍ، والناسُ على هذا إِلاَّ مَن عَصَمَ الله، وإِنَّما سَطرتُ هذه الطريقةَ، ليُجْتَنَبَ
стр. 2444
سلوكُها، والتعويلُ عليها.
فصل
في أَدلَّتنا النَّظَريةِ
فمنها: أَنَّ الأمَةَ قد أَجْمَعَتْ على وجوبِ النَّظَرِ، والفَزَع إليه عندَ حدوثِ الحادثةِ، ووقوع الواقعةِ، وتَرْتيبِ الأَدِلةِ، وبناءِ بعضِها علىَ بعضٍ، ولو كان الجميعُ حقاً وصواباً، لم يكن للنَّظر وجهٌ، ولا كان لعقد مجالس النظرمعنىً، بل كان مُجَرَّدَ العَبَثِ، وإِتعابِ النفْس، أَلا ترى أَنَّ كلَّ مُتَّفَقٍ عليه من خَبَرٍ أَو حُكمٍ يَقْبُحُ فيه النِّزاعُ والمُماراةُ، فلو اجْتَمَعَ قومٌ يَتَناظَرُونَ في الماء: هل هو طَهورٌ؛ أَو الزِّنى: بأَنَّه فُجورٌ، أَو في الأَعيانِ المُخيَّرِ بينها في الكًفَّارةِ: أيها المُسقِطُ للفَرْضِ، والمُبرئُ للذِّمَّةِ؟ لكان ذلك تضييعاً للوقتِ لمَحْضِ العَبَثِ؛ حتى قال الحكماءُ: لو أَنَّ طَبَقاً من رُطَبٍ أو غيرِه مِن المأكولاتِ حَضَرَ بينَ يديْ إنسانٍ، واذنَ لَه في الأكلِ، واتفقَ أنَّ آحادَ ذلكَ متساوٍ في الجودةِ وكلِّ صفةٍ مرغوبٍ فيها؛ بحيثُ لا تفضُلُ واحدةٌ من ذلكَ على الأخرى، لَما امْتَدَّتْ يدُ ذلك الإنسانِ إلى واحدةٍ، ولا يُوجب مدُّ اليدِ إلا بحصولِ ترجيحٍ؛ بجودةٍ، أو قربٍ، أو ما شاكلَ ذلك، وهذا ممّا يجدُه الإنسانَ من نفسِه، إذا خطرَ له في طريقٍ توجَّه فيه المُضيُّ إلى جهتينِ مُختلفتينِ، وتساوَيا فلم تترجَّح إحدى الجهتينِ على الأخرى بنوعٍ من أنواع الترجيح؛ فإنَّه يقِفُ لا قصْداً، بل يوقفُه التردُّدُ عن
стр. 2445
التوجُّهِ، فإذا ترجَّحَ أحدُ المقصدينِ، خطا نحوَه؛ فالجسدُ (١) في حَجرِ الرَّأيِ، كما أنّ الرَّأيَ والجسدَ في حَجْر قدرِ اللهِ تعالى وقضائِه وتوفيقِه، فإذا ثبتَ هذا، علمَ أنَّه إنَّما جازَ الَنظرُ والاستدلال ووجَبَ؛ لكونِ الجهاتِ غيرَ متساويةٍ، وإنما هناك مطلوبٌ خفيٌّ تُظهِرُهُ الدَّلائِلُ.
فإِن قيلَ: لا نُسلِّمُ أَنَّ النظرَ واجب في مسائِلِ الاجتهادِ، بلِ الإنسانُ عندنا بالخيِارِ بين الأَقاويلِ، يأخُذُ منها بما شاءَ، كما نقولُ في أَعْيانِ الكَفاراتِ المُخيَّرِ فيها بينَ العِتْقِ والكسوةِ والإطعامِ.
قيل: هذا خِلافُ الكتابِ والإجماع، أَمَّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] والمرادُ به: كتابُ اللهِ وسُنةُ رسولِه، وأَمَّا الاجماعُ: فإِنَّ العلماءَ لا يَختلفُونَ في الفَرْق بين العامِّىِّ المُقلِّدِ، والعالمِ المجتهدِ، فبعضُ الناسِ يقولُ: إِنَّ العامِّيَّ يُقلِّد مَنْ شاءَ من المُجتهدِينَ، وبعضُهم قال: يَجْتهِد في أَعْيانِ المُجتهدينَ، ولا يقلِّدُ مَنْ شاءَ، بل الأَعْلمَ الأَوْرعَ، وأَمَّا العالمُ المجتهد، ففَرْضُه الاجتهاد، فلو كان مُخيَّراً في القول بأيّ مذهبٍ شاءَ، لكان كالعامِّيِّ سواءً، ولم يُفِدْهُ اجتهادُه رُتْبةً في التكَليفِ.
فإِن قيل: إنما يَتناظَرُونَ ويَجتهدُونَ في ذلك لمعرفةِ النصِّ والإجماع؛ حتى لايقْدِمُوا على مخالفتِهما.
قيل: هذا خطأ، لأَنَّ الاجتهادَ لا يَقَعُ إِلاًّ فيما لا نَصَّ فيه، ولا
стр. 2446
إِجْماعَ، والنصُّ لا يَخْفى إِلى حَدِّ يَجْتهِدُ الإِنسانُ في طَلَبِه، وإِنْ خَفِيَ، فعلى مَنْ ليس مِن أَهلِ الاجتهادِ، فأَمَّا أَنْ يَخْفى على مُجْتهِدٍ، فلا.
فإِدْ قيل: يُحتَمل أنَّ اجتهادَهم ومُناظرتَهم لطلبِ الأَصلح والأَشبهِ دونَ معرفةِ الصَّحيح من الفاسدِ.
قيل: الأَصلحُ لا أَمارةَ عليه، لأَنَّ الله سبحانه إِنما أَمَرَنا ونَهانا، ونَصَبَ الأَدِلةَ على ما أَمَرَنا به ونهانا عنه، فأَمَّا الأَصْلحُ لنا، فلا دليلَ عليه يفرَد به، ولرُبَّما قال قومٌ: إِنَّ الأَصلحَ فعلُ ما أَمَرَنا به، وتركُ ما نهانا عنه، فإِذا كان المأمورُ به والمَنهيُّ عنه منصوصاً، فلا اجتهادَ مع النصِّ، على ما بَيَّنا.
فإِنْ قيل: فالنظرُ والاجتهادُ والمناظرةُ لطلبِ الأَشبهِ.
قيل: إِنْ كان الأَشبَة ما قالَه الكَرْخِيُّ: مِن أَشبه [مطلوب] عندَ اللهِ تعالى في الحادثةِ، فقد سَلَّمْتُم المَسْأَلَةَ؛ لأَنَّه إِذا كان لنا عندَ اللهِ أَشبهُ مطلوبٌ، دَلَّ على أَنَّ الحقَّ هو ذاك، وهو واحدٌ، فمهما سَمَّيْتُمُوه من أَشبهَ، أَو حقٍّ، أَو صوابٍ، فهو ذاك، وما سِواه ليس بحقٍّ.
وإِن كان الأَشبهُ ما قالَه أَبو هاشمٍ: وهو الحُكْمُ بما هو أَوْلى عندَه، فهذا ما لا فائدةَ في النَّظرِ لأَجلِهِ؛ لأَنَّه إِذا كان الجميعُ حقّاً وصواباً، لم يَكُنْ للنَّظرَ معنىً أَكثرَ من إِتعابِ الفِكْرِ، وتقطيع الوقت في غيرِ فائدةٍ.
فإِن قيلَ: بل الأَوْلى مقصودٌ عندَ العقلاءِ، ولا يكونُ تقطيعاً للوقت.
قيل: إِذا كان هناك أَوْلى لا يُصِيبُه الكُلُّ، فليس كُلُّ مجتهدٍ مصيباً
стр. 2447
للمطلوبِ، وهو الأَوْلى.
فإِن قيل: إِنَّ المُناظرةَ قد تُفِيدُ عثوراً، على نصِّ في المسأَلةِ، يُظفَرُ به عندَ مذاكرةٍ ومناظرةٍ، وذاك مما لا يَسُوغُ الاجتهادُ مع وجودِهِ، فنستفيدُ الاِسْتِبْراءَ، كطالبِ الماءِ والسترةِ والقِبْلَةِ.
قيل: إِنا لم نُلْزِمْكمُ الاستعلامَ عن النُّصوصِ ممَّن جَهلَها، وإِنما الكلامُ في النَّظرِ والارتياءِ مع تَحقُّقِ عَدَمِ النصِّ، بالتراجيح، والتًّعلُّقِ بالأَماراتِ.
ومنها: أَنَّ مَقالةَ الخَصْمِ تُؤَدِّي إِلى مُحالٍ، وما أَدَّى إِلى المُحالِ، فمحالٌ، وذلك أَنَّ النَّاسَ قد اختلفوا في العَيْن الواحدةِ، فحَرَّمَها قوم، وأباحَها قومٌ، كالنبيذِ، وفي العَقدِ (١ الواحدِ، فصححه ا) قومٌ، وافسَدَهُ قوم؛ كالمُتْعَةِ، والعِبادةِ أَوْجَبَها قومٌ، ولم يُوجِبْها قومٌ، كالوِتْرِ، والتحلِيلُ والتحريمُ، والصِّحَّةُ والفَسادُ، والإِيجاب والإِسْقاطُ، نقائِضُ لا تَجْتَمِعُ في جهةٍ واحدةٍ، وعَيْنٍ واحدةٍ، بل يَستحيلُ اجتماعُها؛ فإِنَّ الحُكميْنِ المُتضادَّيْنِ للعَيْنِ الواحدةِ، كالعَرَضَيْنِ المتضادَّيْنِ للجَوْهَرِ الواحدِ، فكما يَستحيلُ أَن يكونَ الجَوْهَرُ ساكناً مُتحرِّكاً في حالةٍ، أَسْودَ أَبْيضَ (٢) كذلك، يَستحِيلُ أَن تكونَ العَيْنُ الواحدةُ حلالاً حراماً، والعبادةُ واجبةً ساقطةً، والعَقْدُ صحيحاً فاسداً، ومَنْ قال: إنَّ المَذهبَيْنِ صوابانِ عندَ اللهِ، فقد أَثْبَتَ المُستحِيلَ، وكَفَى بذلك خَطَأً.
стр. 2448
وقد أَخْرَجَه ممَّن وافَقَنا في هذا المذهبِ قومٌ، وأَنَّ الحقَّ في جِهَةٍ واحدةٍ مَخْرَجَ التقْسيمِ؛ فقالوا: لا يَخْلُو أَن يكونَ المذهبان صَحيحينِ، أَو فاسدَيْنِ، أَو أَحدهما صحيحاً، والآخرُ فاسداً، لا يجوزُ أَنَ يكونا فاسِدَيْنِ، لأَنَّ ذلك قولٌ يُخالِفُه الإِجماع، وما خالفَ الإِجماعَ مقطوعٌ بفسادِه، ولا يجوزُ أَن يكونا صَحيحيْنِ، لأَنه يفْضِي إِلى كونِ العَيْنِ الواحدةِ حلالاً حراماً، والعَقْدِ الواحدِ صحيحاً فاسداً، وذلك محالٌ، فلم يَبْقَ إِلاَّ أَنَّ أَحدَهما صحيحٌ، والآخرَ فاسدٌ، وهو قولنا.
فإن قيل: إِنّما لا يجوزُ أَن يكونا كذلك في حقِّ شخصٍ واحدٍ، ولا يُنكَرُ ذَلك في حقِّ شخصَيْنِ، أَلا ترى أَنَّ المَيْتَةَ ولحمَ الخِنْزيرِ يجوزُ أَن يكونَ مُباحاً للمُضْطرًّ مُحرَّماً على المُكْتَفِي، والعَقْدَ بلا وَلِيٍّ ولا شُهودٍ نكاحٌ صحيحٌ في حقِّ الكُفَّارِ، حتى إِنَّه يجوزُ لهم اسْتِدامتُه بعدَ الإِسلامِ، وهو فاسدٌ في حقِّ المُسلِمينَ، وإِفطارَ رمضانَ حرامٌ على المقيمِ السَّليمِ، مباحٌ للمريضِ والمُسافرِ، كذلك لا يَمْتَنِعُ أَن يكونَ القَدَحُ من النَّبيذِ، والحيوانُ المخصوصُ كالسِّباع، مباحاً طاهراً في حقِّ مَنْ أَدَّاهُ اجتهادُه إِلى إِباحتِه وطهارتِهِ، حراماً (١) على من أَدَّاهُ اجتهادُه إِلى حَظْرِه وتحريمِه، قالوا: ولهذا يحسنُ أن نقول: هذه العين حرامٌ على مَنْ أَدَّاه اجتهاده إلى تحريمها، حلالٌ لِمَن أَدَّاه اجتهادُه إِلي إِباحتها، كما يَحْسُنُ أن نقولَ في الجِهَتيْنِ المُختلِفتيْنِ على كلِّ واحدةٍ منهما: قِبْلةٌ، لمَنْ أَدَّاه اجتهادُه إلى كونِها قِبْلةً.
стр. 2449
قيل: الضَّرورةُ ومَشقةُ السَّفَرِ حالٌ من أَحوالِ المُكلفِ، فحَسُنَ أَن يُخالِفَ الشَّرع بالنص بينَ الحالتَينِ رِفقاً ورُخْصةً، والاجتهادُ طَلَبٌ (١) لحق، وتَحر (٢) لمُصادفةِ معنىً، والناس في أَدواتِ النَّظَرِ وكُلِّيِّ العقول وإِزاحةِ العِللِ لا يَتفاوَتُونَ، وإِنَّما يَجِىءُ (٣) التفاوتُ من جِهَتِهم بنوع إهْمالٍ، ونوع تقليدٍ للرِّجالِ، وإِذا كان بالاجتهادِ، وعن صحةِ عَقْلٍ، وسلامةِ أَدواتِ النظرَ، فإذا وَقَعَ به أَحدُهما على المطلوبِ، ولم يَقَع الآخرُ على عَيْنِ ذلك، علِمَ أنَّه أَخطأَ.
ولأَنَّ ما ذَكَرُوه مِن تلك الأَعيانِ وَرَدَ النص فيها على سبيلِ التفصيلِ والمخالفةِ، فكان الحكمُ في حقِّ الشَّخصَيْنِ بحَسَبِ التفصيلِ، فأَمَّا في مسأَلتِنا، فنحن نَتكَلمُ فيما وَرَدَ الشَّرعُ فيه على سبيلِ العمومِ والاطلاق، فلا يجوزُ أَن يُقْضى بالحكمِ على سبيلِ التخصيصِ.
فإِن قيل: الدليلُ الذي يَذلُّ على الحكم ظَنُّ المُجتهِدِ، فأَمَّا الأَمارات فإِنها تَقَعُ متكافِئَةً، وظنّ كلِّ مُجتهِدٍ يَخُصُّه لا يتناولُ غيرَه.
قيل: هذا خَطَا، بل الدليل الكتابُ والسُّنةُ والقياسُ، ولهذا قالَ الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فَرَدَّ إِلى الكَتابِ والسُّنةِ، وقالً النبي ﷺ لمُعاذٍ حينَ بَعَثَهُ إِلى اليَمَنِ: "بمَ
стр. 2450
تقْضِى؟ " (١)، فذَكَرَ الكتابَ والسُّنةَ والقِياسَ، ولم يَذْكُرِ الظنَّ.
ولأَنَّ العلماءَ أَجْمعَ لا يَفْزعُونَ عندَ حدوثِ الحادثةِ إِلاَّ إِلى الكتابِ والسُّنَّةِ والقياسِ، فدَلَّ على أَنَّها هي الأَدِلَّةُ دونَ الظنِّ.
ولأَنهُ لو كان الدَّليلُ هو الظَّنَّ، ما صَحَّ أَن يَحْتَجَّ أَحد على أَحدٍ بكتابٍ، ولا سُنةٍ، ولا قياسٍ، لأَنَّ ذلك غيرُ الدَّليلِ، وما ليس بدليلٍ لا يُحْتَجُّ به.
ولأَنه لو كان الدليلُ هو الظَّنَّ، لاستوى العالمُ والعاميُّ في ذلك، لأنَّهما في الظنِّ واحد، ولأنَّ الظنَّ نَتِيجةٌ وثَمَرَةٌ تَحْصُلُ في قلبِ المجتهدِ عن الدَّليلِ، فتُثمرُ الأَماراتُ والدَلائلُ الظنَّ، كما يُثمِرُ النظَرُ والاستدلالُ العِلْمَ، وما كان ثمرةَ الدَّليلِ، فهو (٢) غيرُ الدَّليلِ.
فإِن قيل: لو كان الدَّليلُ على ما ذَكَرْتم، لوَجَبَ إذا نَظرَ الحَنفِيُّ فيما يَنْظرٌ فيه الشافعيُّ والحَنبليّ والمالِكيّ مِنَ الدليلِ، أَن يَقعَ له ما وَقَعَ لهم.
قيل: ليس مِن حيثُ لم يَتَساوَوْا ويَتَّفِقوا في الوقوع لهم، يَدُلُّ على أَنَّ ما نَظرُوا فيه ليس بالدَّليلِ، أَلا تَرَى أَنَّ مسائلَ الأصولِ كلّ واحدٍ من المُختلفِينَ فيها يَنْظرُ فيما نَظر فيه الآخرُ مِن أَدِلةِ العَقْلِ، ولا يَقَعُ لكلِّ واحدٍ ما يَقَعُ للآخرِ، ثم لا يَدُلُّ على أَنَّ المنظورَ فيه ليس بدليلٍ، ولا أَنَّ الظنَّ هو الدليلُ.
стр. 2451
ومن أَدِلتِنا في هذه المسأَلةِ: ما يُقارِب هذا، ويُسْتخرَجُ منه: أَنَّ تحليلَ الشَّيءِ وتحريمَه، وإِفسادَ العَقْدِ وتصحيحَه، لا يجوزُ ورودُ الشَّرْع به، ولو جاز ذلك، لجاز ورودُ النَّصِّ به، فيقول: النبيذ حلالٌ حرامٌ، والنكاحُ بغيرِ وَلِي أَو بغيرِ شهودٍ صحيحٌ فاسدٌ، فلما لم يَجُزْ وُرودُ الشَّرع به، ومجيءُ النصِّ عليه، لم يَجُزْ أَن يَدُلَّ عليه النظرُ والاجتهادُ.
يُبيِّنُ (١) صِحَّةَ هذا: أَنَّ النَّظرً والاجتهادَ نتيجةُ النصِّ والإجماع، فإذا استحال أن يدلَّ النصُّ والإجماع على تحليل الشيء وتحريمه على الإطلاق، استحالَ أن يدلَّ عليه النظر والاجتهاد، إذ لا يجوز أَن تَدُلَّ نتيجةُ الشَّيءِ على ما لا يَدُلُّ عليه أَصلُه.
فإن قيل: إِنَّما يَسْتحِيلُ ورودُ الشرع من جهة النظر والاجتهاد في حقِّ الَواحد، فأمَّا في حقِّ الاثنين، فلا يستحيل، أَلا ترى أَنَّ النَّصَّ قد وَرَدَ بتحليلِ المَيْتَةِ للمضْطَرِّ، وتحريمِها على الغَنِيِّ عنها، وإِحلالِ الفِطْرِ في رمضانَ للمسافرِ والمريضِ، وتحريمِه على الصَّحيح الحاضرِ، فكذلك هاهنا يجوزُ أن يَحِلَّ الشَّيءُ في حقِّ المجتهدِ، ويَحْرُمُ في حقِّ غيرِه، ويفسُدُ العقد في حقِّ مجتهدٍ، ويَصِحُّ في حقِّ غيرِه.
قيل: لسنا نُنْكِرُ ورودَ الشَّرْع بتحريمِ الشَّيءِ على شخصٍ، وإِباحتِه لغيرهِ؛ بحَسَبِ ما يَقْتضِيه الأَصلحُ أَو الحاجةُ، وبحَسَبِ ما تَقْتضِيهِ الدِّلالةُ من التفصيلِ والتخصيصِ، وإِنما نُنكِرُ ورودَ الشَّرْع بتحليلِ الشَّيء
стр. 2452
وتحريمِه، وإِفسادِه وتصحيحِه، على سبيلِ الإِطلاقِ والعمومِ، وذلك لا يجوزُ من جهةِ النصِّ والإِجماع، كذلك لا يجوزُ من جهةِ النَّظرَ والاجتهادِ.
ومنها: أَنَّ ما ذَهَبُوا إِليه يُفْضِي إلى قولٍ شَنِيعِ في الإِسلامِ، ومخالفةِ الإِجماع، وأَن تكونَ المرأَةُ الواحدةُ تحتَ زَوجَيْنِ؛ وذلك أَنَّها إِذا تَزَوَّجَتْ من رجلٍ بغيرِ شاهِدَيْنِ؛ لاعتقادِه أَنَّ العقدَ صحيح، وكان مصيباً، وتَزَوَّجَها آخرُ بعدَه بوَلِيِّ مُرشدٍ وشاهديْنِ؛ لاعتقادِه أَن الأَوَّلَ باطلٌ والثانيَ صحيحٌ (١)، وكان عند الله سبحانه مصيباً، فهي امرأَةٌ ذاتُ زَوجَيْنِ، وهذا من أَشْنع قولٍ في الإِسلامِ، وأَشَد خلافاً للإِجماع.
فإِن قيل: ما يَلْزَمُنا من الشَّناعةِ يَلْزَمكم مِثْلُه؛ من القولِ بالتًسْويغ، وعدمِ الإِثمِ.
قيل: أما الإِصابةُ؛ فإنَّها حكمُ اللهِ تعالى بالصِّحَّةِ، وَأَمَّا التَّسويغُ؛ فإِنَّما هو إِقرارٌ مُجَرَّدٌ، لا حكَمَ فيه بصِحَّةٍ ولا انعقادٍ، فلا يُفْضِي القولُ به إِلى إحالةٍ ولا فسادٍ.
فصل
في جَمعْ شُبَههم في المسأَلةِ
فمنها: قولُ النبيَّ ﷺ :"أَصَحابي كَالنُّجومِ، بايَهمُ اقْتَدَيْتُم، اهْتَدَيْتُم" (٢)، فوجهُ الدَّلالةِ من الحديث: أَنَّهُ جَعَلَ الكلَّ مهتدِينَ مَعَ كونِهم
стр. 2453
مُختلِفينَ في الحوادثِ الخِلافَ المُتبايِنَ، فهذا يُسقِطُ الإِخوةَ بالجَدِّ، وهذا يُوَرِّثُهم، وهذا يقولُ بالعَوْلِ، وهذا يَنْفِي العَوْلَ، وخلافُهم في لَفْظِ الحرامِ معلومٌ، هذا يَجْعَلُه طَلاقاً ثلاثاً، وهذا يَجْعلُه طلاقاً رَجْعيّاً، وآخرُ يَجْعلُه ظِهاراً، وآخرُ يَجْعَلُه يَمِيناً، وآخرُ يَجْعَلُه واحدةً بائِنةً، وآخرُ يُوجِبُ فيه كَفارةَ اليمينِ، ولا يَجْعلُه يَمِيناً.
فإِذا أَخْبَرَ ﷺ بأَنَّ المُقْتدِيَ بكل منهم مُهتَدٍ، ثَبَتَ أَنَّ الكلَّ على هدايةٍ، والخطا لا يُسمَّى هدىً، وإِذا كان الخطأ هدىً، صارَ لَقَباً واسْتِعارةً لا حقيقةً.
والجوابُ: أَنه يُحْتَملُ أَن يكونَ مرادُه بالاقتداءِ: الأَخْذَ بالرِّوايةِ دونَ الرأي.
ويحتمَلُ أنَّه أَرادَ بالهُدى: نفيَ المَأثمِ بتقليدِ العامِّيِّ آيهم قلدَ، وسَوغانُ الاجتهادِ معَ الخَطَأِ يجوزُ أَن يُسمَّى هدىً، من حيثُ بَذْلُ الوُسْع في طَلَبِ الصوابِ، ويَكْشِفُ ذلك قولُهُ ﷺ :"إِذا اجْتهَدَ الحاكمُ فأَصابَ، فله أَجْرانِ، وإِذا اجْتهَدَ فأَخطأَ، فله أَجْرٌ"، فالذي سَمَّى الكلَّ هدىً، أَوْقَعَ على البعضِ اسمَ الخَطأِ.
ويحتمَلُ أن يُرِيدَ بذلك: الإِمامة، وأنَّ كلا منهم صالح لها، فالاقتداءُ به هُدىً.
ويحتمَلُ أَن يُريدَ به: إِذا اتفَقوا على الحُكمِ، كان المُقلِّدُ مُخيَّراً بينَ تقليدِ هذا أَو هذا، والتخييراتُ في المُتساوياتِ أَبداً، والتساوِي معَ الاتفاقِ يُفيدُ أَن لا يَخْتصَّ التقليدُ بالأَرْفع، فإِنْ قلدَ مُعاذاً مع وجودِ علي جازَ،
стр. 2454
وإن قَلَّدَ ابنَ عباس مع وجودِ أَبي بكر وعمرَ جاز، فهذا أَفادَ التخيُّرَ.
ومنها: تَعلُّقُهم أَنَّ الصَّحابةَ رضوان الله عليهم اخْتَلَفُوا في مسائلَ كثيرةٍ، وحوادثَ عِدَّةٍ، فلا أَحدَ منهم تَبَرَّأَ مِن مخالفِه، ولا غَلَّظَ القولَ فيه، بل وَلوْا قُضاةً وحُكَّاماً يَعْلَمونَ مخالفتَهم لهم في الأَحكامِ، وتَدافَعُوا الفَتاوَى، وبعضُهم دَلَّ على بعضٍ، وقال: ائت فلاناً، واذْهَبْ إِلى فلانِ، ولو كان يَعتقِدُ أَحدٌ منهم خطأَ غيرِه، وعَدَمَ إِصابتِه، لَمَا دَلَّ عليه، ولَا أَرْشَدَ إِليه؛ فإنَّ الدَّالَّ على المُخطئِ في الرَّايِ مُضلِّلٌ لمَن دَلَّه وعَيَّنَ له، أَوَ لا تَراهُم كيفَ غلَّظُوا على مانِعي الزَّكاةِ، وتَبَرَّؤُوا منهم، وأَظْهَرُوا التبَرُّؤَ مِمَّن خالفَ ما تَضَمَّنَه المصحفُ المُصطَلحُ عليه، وحَرَّقُوا ما سِواه، وَأظهَرُوا التَّبرُّؤَ من الخوارج، وقاتَلُوهم، واسْتَباحُوا دماءَهم، فلو كانوا يَعْتقِدونَ تحريمَ ما أَباحهُ الله، وإِباحةَ ما حَرَّمَه الله، وحِرمانَ مَن أَعطاه الله؛ لأَنْكَرُوا ذلك على مَنْ أَتى ذلك، وأَفْتَى به، فلَمّا تَساكَتُوا على الخِلافِ، ولم يُقنِعْهم (١) ذلك حتى أَقَرُّوا، ودَفَعُوا الفَتاوَى، فأَحالُوا على مَن خالفَهم، عُلِمَ أَنهم حَكَمُوا بتساوي الكلِّ في الإِصابةِ.
والجوابُ: أَنَّ لنا مِن إِجماعِهم أَكْبرَ حُجَّةٍ بحيثُ تُقابِلُ ما ذَكَرْتُم، فتُوقِفُه، أَو تُسقِطُه وتُبطِلُه؛ وذلك أَنهم صَرَّحُوا بتَخطِئَةِ مَنْ خالفَهم بما قَدَّمْنا من الأَقوالِ المُغنِي عن الإِعادةِ، لكنَّا نُشيِرُ إِليه:
فهذا يقولُ: أَلا يَتَّقِي الله زيدٌ! جعلَ ابنَ الابنِ ابناً، ولا يَجْعَلُ أَبا
стр. 2455
الأَبِ أَباً (١)!
وهذا يقولُ: والَّذي أَحصى رَمْلَ عالِج عَدَداً ما جعلَ الله في الفَريضةِ نِصْفاً وفصفاً وثُلُثاً (٢).
وهذا يقولُ: إِن اجْتهَدُوا، فقد أخطؤُوا، وإن لم يَجْتهِدُوا، فقد غَشُّوكَ (٣). إلى أمثالِ ذلك.
فأَينَ تَرْكُ الإِنكارِ؟! وأَين الموافقةُ، والإِذعانُ بالإِصابةِ، وهم على هذا الاختلافِ (٤)، والإِزراءِ على المقالةِ التي ذَهَبَ إِليها مَن خالفَهم، والعَتَبِ؟ وأَمَّا التبَرُؤُ: فإِنما لم يَرْتَقُوا إِليه في أَمثالِ هذه المسائلِ؛ لأَنَّ دلائِلَها أَماراتٌ تَلُوحُ (٥) وتَخْفى، وليس لها أَدِلةٌ قطعِيَّةٌ، بخلافِ ما ذَكَرْتُم من الامتناع من إِخراج الزَّكاةِ، أَو مِن اعتقادِ وجوبِها، وبخلاف تَكْفيرِ علي وعثمانَ بما لا تُوجَدُ فيه شُبْهةٌ فَضْلاً عن حُجَّةٍ، ومَعَ إِيضاح دلائِلِ فضائِلِهما، من السَّابقةِ، ومَدْح رسولِ الله لهما، والشَّهادةِ بأَنهما من أَهلِ الجنَّةِ، والدعاءِ لهما في عِدَّةِ مَقاماتٍ، ووضوح بُطلانِ ما تَعلقَ به الباغِى عليهما، من التّجِيبِيِّ وطائفتِه المِصْرِيّينَ في حقِّ عثمانَ، والتمِيمِىِّ وطائفتِه