بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جَميع الحقُوق مَحفوظة للناشِر
الطبعة الأولى
١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - بنايه المسكن، بيروت - لبنان
تلفاكس: ٣١٩٠٣٩ - ٨١٥١١٢
فاكس ٦٠٣٢٤٣ ص. ب: ١١٧٤٦٠
AL- Resalah PUBLISHERS
BEIRUT/LEBNON - Telefax: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩
fax: ٦٠٣٢٤٣ - P.O.Box: ١١٧٤٦٠
Email: Resalah@Cyberia.net.lb
стр. 38
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلواتُه على سيِّدنا محمدٍ وآلِه الطَّاهرين، أَمّا بعدُ:
فإنَّ كثيراً من أصحابنا المتفقَهةِ سألوني تأليفَ كتابٍ جامعٍ لأصول الفقهِ، يوازي في الإِيضاحِ والبَسْطِ وتسهيلِ العبارةِ التي غَمُضتْ في كتب المتقدِّمين، ودَقَّتْ عن أفهام المبتدِئين، كتابيَّ الكبيرين الجامعين للمذهب والخلافِ (١)، وأستوفي فيه الحدودَ والعقودَ، ثم أشِير إلى الأقرب منها إلى الصِّحًة، وأُمَيز المسائلَ النًظريًاتِ بدلائلَ مُسْتَوْفاةٍ، واسئلهٍ مُسْتقْصاةٍ، ليَخْرُجَ بهذا الإِيضاحِ عن طريقةِ أهل الكلام وذوي الإِعجام إلى الطريقة الفقهيَّةِ، والأساليب الفُرُوعيًةِ، فأجَبْتُهم إَلى ما سَأَلُوا، مَعتمداً على اللهِ سبحانه في انتفاَعي على النَّمَط الذي طَلَبُوا وأَملُوا، مع بَذْلِ وُسْعِي في ذلك، واستقصائِي فيه، ولن يَخِيبَ عن دَرْك البُغْيَةِ مَنْ صَدَقَ نفسَه الطَّلَبَ، وبَلَغَ جِدَّه في الاجتهاد لدَرْك المَطْلب، ثم فَزِعَ إلى الله سبحانه فيما وراءَ جُهْدِه، طالباً للإعانة على دَرْك الإَصابةِ في قَصْده بحُسْن التوفيقِ والهدايةِ، واثقاً بقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]
стр. 39
فصل
في بيان معنى قولِنا: أُصولُ الفِقْهِ
فالفقهُ في الأصل اللغَويِّ: الفَهْمُ، وقيل: العلمُ، قال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقولُه: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ ضَعِيفًا﴾ [هود: ٩١]، أي: لا نفهم، وقالَ ﷺ :"نَضَّرَ" (١) اللهُ امْرَأً سَمعَ مَقالَتِي فوعاها، فأَدَّاها كما سَمِعَها، فَرُبَّ حامل فِقهٍ غيرُ فقيهٍ، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى مَنْ هو أفْقَهُ منه" (٢).
وهو في عُرْفِ قومٍ: عبارةٌ عن فَهْم الأحكامِ الشَّرْعِيَّةِ بطريق النًظَرِ.
وقال قومٌ: هو العِلْمُ بالأَحكام الشَرعةِ بطريق النَظَر والاستنباطِ (٣).
وأصولُه: هي ما تُبْنَى عليه الأحكام الفِقْهيَّةُ من الأدلَّةِ على
стр. 40
اختلافِ أنواعِها، ومراتِبها: كالكتاب ومراتب أدلَّتِه؛ من نصٍّ، وظاهرٍ، وعمومٍ، ودليلِ خِطابه، وفَحْوى خَطابهِ، وَالسُّنةِ ومراتبها، والقياسِ، وقولِ الصَّحابىِّ- علَى الخلاف- واستصحاب الحالِ مع انقسامِه، فهذه أصولٌ تَنْبَنِي عليها الأحكامُ (١).
ولا ينصرفٌ إطلاقُ الفقهِ إلى العلم جملةً، بدليل علمِ النحْوِ، والطب، واللغة، والهَنْدَسةِ، والحِساب؛ فإن العلماءَ المبرزين فيها لا يَقَعُ عليهم اسمُ الفقهاءِ، ولا علىَ علومِهم اسمُ الفقهِ (٢)، وكذلك العلماءُ بأصولِ الدين، العارفون بالجواهر، والأعراضِ، والأجناسِ، والأنواع، والخاصةِ، والفَصْلِ، والاستدلالِ بالشاهدِ على الغائبِ، لا يقعُ علَيهم اسمُ فقهاءَ؛ لعدم علمِهم بأحكام الشرْع، ولا تسمَّى علومُهم أصولاً للفقه.
وإن كانت الأدلة التي ذكرنا بالأصولِ تَنْبَنِي على العلوم التي يُبْنى عليها إثباتُ أصولِ الدين؟ من حَدَثِ العالمِ، وإثباتِ الضَانعِ، وأنه واحدٌ، وما يَجبُ له، ويجوزُ عليه، وما لا يجوزُ عليه، وبعْثَةِ الرُّسُلِ وصِدْقِهم، إلى أمثال ذلك، ولكنْ لمَّا كانت أخص بكَونها أصولًا للدِّين؛ لم يُطْلَقْ عليها ما انْبَنى على ما دونها من الأصولِ، كما لا يقالُ في اللغه أصولُ الذينِ، وإن كانتِ الأحكامُ الشرعيةُ مبنيةً على الألفاظ اللغوية.
стр. 41
لكنَّ العلماءَ علَّقوا الأسماءَ على الأقرب والأخصَ دونَ الأبعدِ والأعمِّ، كما فعلوا ذلك في الأنساب، والدَّلائَلِ، فلم يُحيلُوا بدَلالة الإِجماعِ على الإِعجازِ الذي هو دليلُ صدقِ النُّبُوَّةِ، لكن احالوا بحُجَّةِ الإِجماعِ على قولِ الصادق؛ لأنها أقربُ، دونَ دَلالةِ صدق الصَّادقِ؛ لأنها أبعدُ.
فمَنْ قال: إنه الفهْمُ، تعلقَ بقوله ﷺ : "فرُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفْقهُ منه"، ولا شَكَّ أن الحاملَ سَبَقَ المحمولَ إليه بالعلمِ بما نَقَلَهُ، لكنَّ الأفقهَ خبَرَ منه بجودةِ فهمِه ما لم يَخبُرْه.
واعتلَّ من قال: إنه العلمُ- وهو المعوَّلُ (١) عليه عند علمائِنا- بأن الفهمَ قد اشتركَ فيه العامِّيُّ والمجتهدُ، وانفردَ أهلُ الاجتهادِ بكونهم علماءَ، وليس كلُّ فَهِمٍ عالماً، وكل عالمٍ فَهِم، والله أعلم.
стр. 42
فصل
في العلمِ وتحديدِه وأقسامِه
إذ حَدًدْنا الفقهَ بعلم الأحكامِ الشرعيَّةِ، فلابُدَّ أن نُوَضحَ عن حقيقةِ العلمِ الذي حدَّدْنا به الفقهَ حسبَ ما أوضحْنا من حقيقة الفقهِ، وقد اخْتبَطتْ فيها أقوالُ العلماءِ على اختلاف مقالاتِهم وآرائِهم.
والكُل معترَضٌ بطريقين:
أَحدهما: بالخلاف فيما انْبَنى عليه التَّحديد.
والثاني: بطريق التَّحقيقِ، وأن في القَوْلِ فيه والتَحديدِ له قصوراً عنه، وإِجمالًا (١) لا يَصْفو معه كشف حقيقتِه.
فقال قوم: معرفةُ المعلومِ على ما هو به (٢).
وقال قومٌ: معرفةُ الشَيءِ على ماهو به (٣).
فمَنْ قال: معرفة المعلوم. اعْتُرِضَ قولُه بأنه صَرفَ من اللفظة قبلَ بيانِ معناها، وقولُنا: معلوَم، مصرف من عَلِمَ، كمضروبٍ من
стр. 43
ضَرَبَ، ومن لا يعرفُ الأصلَ لا يعرفُ المصرَّفَ منه، وما هذا إِلا بمثابةِ من حَدَّ السوادَ بما سَودَ الجسمَ، ونحن لم نَعْلَمْ سواداً، فكيف نعرفهُ بما صُرفَ منه؟!
ومن قال: معرفةُ الشيءِ. معترَض بأنه يَخرجُ منه العلمُ بالمعدومِ، فإنه علمٌ، وليس بمعرفةٍ بشيءٍ، وإن بناه على ذلك الأصلِ، فهو فاسدٌ بالأدلة القاطعةِ في أصول الدِّينِ. ولو كان ذاتاً في العدَم، لكان مُستغنِياً بذاته عن القديمِ، وهذا نفسُ القولِ بقِدَم العالَمَ، وموافقةٌ لأصحابِ الهوى، فهَذان حدَّان متقاربان معترَضان.
وقال قوم: تَبَيُّنُ المعلوم على ماهو به (١). والحدُ للحقيقةِ ينتظمُها شاهداً وغائباً، واللهُ سبحانه يَتعالى عن أن يوصفَ بأنه متبيِّنٌ، لِمَا في طبعِ هذه الكلمةِ وجوهرها من العثورِ على الشَّيءِ بعد خفائِه، والظهورِ بعد استبهامِه، وهو بالعثورِ بعد الخفاءِ أخصُّ منه بالمعرفة المطلقةِ.
وقال قومٌ: اعتقادُ الشَيءِ على ما هو به مع سكونِ النفسِ إلى معتقَدهِ (٢). واعْتُرضَ بأن ما تعتقدُه العامةُ من الجهالاتِ، وتَسْكُنُ إليه من التقاليدِ ليست علوماً، وسكونها إلى ما تعتقدهُ تَبْعُدُ إزالتهُ بالتشكيك فيه بأنواعِ الحُججِ والبراهينِ، فضلًا عن الإزاحةِ عنه، وقولهُم: الشَيء. قد أفسَدْناه واعْتَرَضْناه بما دل على إفساد مقالةِ أهلِ المعدومَ.
стр. 44
وقال قوم: إدراكُ المعلوم أو الشَيءِ على ما هو به. وإدراك، لفظ عام يَشترك بين دَرْكِ الحواس والعلومِ، والحدُ بالمشترَكِ لا يجوزُ، وإنما يُحَدُّ الشيءُ بخصيصة.
وقال قوم: الإِحاطةُ بالمعلوم. وهو معترَض بأن الإِحاطةَ تشتَرِكُ أيضاً، يقالُ: أحطتُ به رؤيةً وسَماعاً.
وقال الشيخُ أبو القاسمِ بنُ بَرْهانَ (١): هو قضاءٌ جازم في النًفْس.
والقضاءُ بالحكم أخص منه بالعلمِ.
واحسَنُ ما وجدتُه لبعضِ العلماءِ أنْ قال: هو وِجْدانُ النفس الناطقةِ لامورِ بحقائقِها (٢).
وقال بعضُ المتأخًرين: العلمُ هو ما أَوجبَ لمن قامَ به كونَه عالماً (٣). وهذا أبعدُ من الكلِّ؛ لما فيه من الِإحالةِ على كون العالِم بما قامَ به عالماً، ونحن لم نعلمْ ما قامَ به، وعن ذلك سُئِلَ، وكونُه عالماً اسمٌ، لكنْ لحقيقةٍ بَعْدُ ما عَلِمْناها، وما ذلك إلا بمثابةِ مَنْ سُئِل عن السوادِ فقالَ: هيئةٌ يصيرُ بها الجسمُ اسودَ (٤)، وأسودُ مشتقٌّ من
стр. 45
سوادٍ، فقد أحالَ على اسمٍ ما عَقَلْنا بعدُ الحقيقةَ التي لأجلها سُمِّيَ أَسودَ، ويُفضي إلى الدَّوْرِ، فيُعَرِّفُ السَّوادَ بالأسود، والأسود بالسَّوادِ، وما عَرَفْنا الحقيقةَ التي صَدَرَ عنها إلا بتميينر.
وقال بعض المتاخَرين من المحقَقين (١): لا حَدَّ له عندى، وإنما هذه كلُّهارسومٌ (٢).
فإن قيل: فالحدود كلها تعطي حد الشَيءِ بنفسِه، فإن المعرفةَ هي العلمُ، والتَّبَينَ هو العلمُ، والإِدراكَ هو العلم، فمن قال: العلم المعرفةُ، كمن قال: العلمُ العلمُ.
قيل: أَجمعَ العلماءُ على أنه لا يجوز حَدُّ المحدودِ بغيرِه، بل لا يُحَدُّ إلا بنفسِه؟ فالسائل عن حَدِّ الشَّيءِ لا يسألُ إلا لجهالتِه بحقيقةِ ما سألَ عنه، فلو أتَيْنا عند سؤالِه عن حقيقةِ الشيءِ بالغيرِ، جَهَّلْناه بحقيقتهِ، إذ أَشَعَرْناه بغيره، وبَعَّدْناه عن مقصودِه، ولو أعدنا عليه ما سألَ عنه، بأنْ يقولَ لنا: ما العلمُ؟ فنقولَ: العلمُ، لَمَا افَدْناه، فقد نطقَ باسم ما عرفَ حقيقته، فإذا أعدنا عليه اللَّفظةَ لم أَفِدْه شيئاً، فإذا بطلَ الأمران، لم يَبْقَ أن يكونَ الجوابُ إلا الفَزَعَ إلى الأوجزِ عبارةً، وأخصِّ خصيصةً؛ لنكشفَ عن حقيقتهِ بإيجازِها، وتخصُّصِها، وكشفِها عن جوهريَّتهِ وطبيعتِهِ، فنكون بذلك مقرِّبين إلى فهمِه معنى ما سألَ عنه، لا عادلين إلى غيرِه، ولا معيدين لِمَا سألَ عنه، بل موضِّحين كاشفِين عن حقيقةِ ما سألَ عنه.
стр. 46
يوضًحُ هذا: أن أهلَ العلمِ أجمعُوا على أن للحدِّ حقيقةً، وهو قولُهم: حدُّ الحدِّ، فقالوا: هو قول وجيزٌ يُنْبِىءُ عن حقيقةِ الشيءِ.
وقال بعضُهم: الجامعُ لجنسِ ما فَرَّقَه التَّفصيلُ.
وقال قوم: هو الجامعُ المانعُ.
وقال قوم: قولٌ وجيزٌ محيطٌ بالمحدودِ، دالٌّ على جنسِهِ.
وقيل: قولٌ وجيزٌ يدورُ على المحدودِ بالانعكاسِ، كقولك: كلُّ جسمٍ فهو جَوْهَرٌ آخِذٌ في الجهاتِ، وكلُّ جوهرٍ آخذٍ في الجهات فهو (١) جسم.
وقيل: الحدُّ ما أحاطَ بالمحدودِ، فمَنَعَ أن يَدْخُلَ فيه ما ليس منه، أويَخْرُج عنه ما هو منه (٢).
وقيل: الحدُ هو الجوابُ في سؤالِ ما هو؟ وأصلُه: المنعُ في اللغة، ومنه سُمَّيَ البوَّابُ حَدّاداً لمنعِه، وسُميَ الإِحدادُ في العِدَّةِ لمنع المرأةِ به التَّطَيُّبَ ودواعيَ الجماع، وسُمِّىَ الحديدُ حديداً لمنع السِّلاحِ (٣)، كما قال سبحانه: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]،وسمي الحدُّ المشروعُ حدًّا لمنعِه من ارتكابِ الجرائمِ، وحدودُ الدار والملكِ هو المانعُ من دخولِ ملكِ غيرهِ فيه، فهو مشترَكٌ بين هندسيٍّ، وفلسفيٍّ، وفقهيٍّ، وأصلُه: الجَمْعُ والمَنْعُ، وإن اختلفت
стр. 47
أنواعً المنعِ، فإذا كان للمنع تخصُّصٌ بحقيقةِ الشَّيءِ، فلا يُنكرُ أن يًحَدَّ الشيءً بنفسِه؟ إذ كان هو المخلِّصَ له عن غيرهِ، المانعَ من الشركةِ والاشتباهِ، وهو خلاصةُ الحقيقةِ والخصيصةِ.
وقال قومٌ من الأصوليِّين: لا حاجةَ بنا إلى الحدودِ، ولا معنى لها، لأن في الأسماءِ غَناءً عنها؛ لأنها أعلامٌ على المسمَّياتِ.
وهذا باطلٌ؛ لأن في الحدودِ أكبرَ المنافعِ التي لا يُوجَدُ مثلُها في الأسماءِ، فمن ذلك:
أن الاسمَ قد يُستعملُ على (١) جهةِ الاستعارةِ والمجازِ، فإذا جاءَ الحدُّ بَيَّنَ الاستعارةَ والمجازَ من الحقيقةِ، فتَعْظمُ المنفعةُ؛ لأن كثيراً منه قد يَلْتَبِسُ وُيشكِلً، فيُحتاجُ فيه إلى نظرٍ واستدلالٍ.
ومن ذلك: أنه قد يَتَبَيَّنُ المحدودُ من طريقٍ آخَرَ، وهو أن فيه ذكرَ العِلَّةِ والسَّبب الذي لأجله استَحَق الاسمَ والصفةَ، فيظهرُ معناه بظهورِ عِلَّتهِ، مثل قَولِنا: حكيمٌ: هو اسمٌ، فإذا طُلِبَ الحدُّ، ظهرَتْ حقيقةُ الحكمةِ، فكانت كاشفةً للعِفَةِ، مثلُ قولِهم: هي صفةٌ للمرءِ (٢) توجبُ إتقانَ الأفعالِ الصادرةِ عنه.
стр. 48
<رأس>فصل في ما يجبُ صيانةُ الحَدِّ عنه </رأس>
واعلم أنه لا يجوزُ أن تأتيَ في الحدِّ بالمشترَكِ، كقولِك في العلمِ: إدراكٌ، فيدخلَ فيه سائرُ دَرْكِ الحواسِّ، ولا بما لو أسْقَطْتَه لم يَختلَّ الحدُّ؟ لأنه هو الحَشْو، والحدُّ خُلاصةٌ لا تحتملُ الحَشْوَ، مع كونه مَشروطاً بإيجازِ اللَّفْظِ، وذلك مثلُ قولك في حدِّ الإنسانِ: الكاتبُ المتقلِّدُ السَّيْفَ، وفي العلم: الذي لا يتطرقُ عليه شكٌ ولا شُبْهَةٌ، فهذه زيادةٌ في الحد تُنقصُ المحدودَ، فخرجَ بعضُ الناس عن الحَدِّ، وتخرجُ بعضُ العلوم وهي: الاستدلاليَّةُ، وُيخصُّ الحدُّ بعلم الضرورةِ، وعلمِ القديمِ (١) سبحانه.
وليس ذلك في كلِّ زيادةٍ؛ لأنك لو اتَيْتَ بالزِّيادةِ من الأعم، مثل قولِك: جسمٌ منتصبُ القامَةِ ضَحّاكٌ بكاءٌ؛ فإنه لا يَنقصُ، إذ ليس بعضُ الناسِ ليس بجسمٍ، بخلاف قولِك: كاتبٌ؛ لأن بعضَ الناسِ ليس بكاتبٍ، ولو قال: الكاتبُ بالقُوةِ، لم يَفْسُدْ، لكنَه يطولُ، فيخرجُ عن الِإيجازِ.
ولا يجوزُ فيه الإِبهامُ، مثلُ قولِك: وما جرى هذا المَجْرى أو مَجْرى ذلك، وما كان كذلك، حتى تَتبينَ من أيَ وجهٍ يكونُ.
стр. 49
ولا يجوزُ أن تأتيَ بالجنسِ الأعلى وأنت تقدرُ على الأدنى، مثل، قولِك في حَدِّ الإنسانِ: جَوهرٌ أو جسم، وأنت تقدرُ أن تقولَ: حيّ، ولا باللَّفظِ الأطولِ وأنت تقدرُ على الأقصرِ، مثلُ قولِك: يمشي على رجلَيْنِ، ويَبطِشُ باليَدَيْنِ، ولا بالأعمِّ وأنت تقدرُ على الأخَصِّ، مثلُ قولِك: جسم. وأنتَ تَقْدِرُ على: حَيٌّ.
فصل
فإذا ثَبتَ حَدُّ العِلم، وبَيانُ معنى الحد، فما الأحكام التي تميَّز بها حَد الفِقه في قولنا: العلم بالأحكام الشرعية؟ فهي القضايا الشرعية ، وذلك هو: الِإباحة، والحَظْر، والإِيجاب، والنَّدب، والكَراهة، والتَّنْزيه، وقد أدخل قوم فيها: الشَّك، والوقف.
ولا يَسْتَحِقُّ بِمَعْرفةِ هذه الأحكام والعلمِ بها اسمَ الفقيه، إلا مَن عَلمها بطريقِ النَّظرِ في أدلَّةِ الشَّرع، وأَسند كُل حُكم إلى دليله، واسْتَثارَه بمُثير.
فصل
والعلم الذي حَدَّدناه في الجُملة يَنقسم قِسمين: قَديمٍ، ومُحدَثٍ.
فالقديم: عِلمُ الله سُبحانه، صِفة من صِفاته، ولازِم من لَوازِم ذاتِه، دَلَّ على إثباتِهِ إتقانُ أَفْعَاله، ونَصُّ كِتابه، وهو علمٌ واحِد يتعلق بالمعلومات على حَقائقها، لا يَتعدَّد بتعددِ المعلومات، ولا يَتجددُ بتجُدِد المُحدَثات (١)، ولا يُوصَفُ بكسْبِىٍّ ولا ضرورِي.
стр. 50
والقسم الثاني: العِلمُ المُحدَث، وهو ضَربان: ضروري، ومكتسب:
فالضروري: ما لَزِم نفسَ المخلوقِ لزوماً لا يمكن دَفعه والخروج عنه، وقولنا: نفس المخلوق. تحرز عن العِلم القديم، وهو ضربان:
بديهي لا يحتاج إلى مًقدمات، ولا سِياقات نَظرية، كالعلم بنَفسه وأحوالها.
وما يحصل بوسائط ومُقدمات، كعلم الهَنْدسة ومَسائِلها.
وأما الاستدلا فيُ الكَسْبي: فهو العِلم المكتَسَب بالنَظر والاستِدلال، كالاستدلال بالشاهد على الغَائب، والصَّنعة على الصانع، فهذا الضرب من العلم هو الذي حَدَّدنا به الفقه، فقُلنا: العِلم بالأحكام الشرعية. ومع ذِكْرنا للنَظَر فلا بد أن نُحَقِّقه، وكذلك الاستِدلال.
فالنظر الذي هو طَريق العلم الاستدلالي، هو التأمل في حالِ المنظور، كالنَّظر في دلائل العِبر.
والاستدلالُ: طَلبُ مَدلوله، وذلك إنما يَقع بالفِكر والبَحث (١). والعلم الاستدلالي يَتَطرق عليه الشك والشبْهة.
واعلم: أن علم الاكتِساب كُلَه مَردود إلى علم الاضطِرار، وقد يكون مَردوداً بمقدماتٍ أو مَراتبَ؛ فمِن ذلك أنّه قد يكون عشر مُقدمات
стр. 51
في عَشر (١) مَراتب، فَتُرَد العاشرة إلى التاسعة، والتاسعة إلى الثامنة، والثامنة إلى السابعة، ثم على ذلك إلى الأولى. مثاله: الاجتهاد مَردو إلى الإِجماع، والإِجماع مَردود إلى النُبوة، والنبوة مَردودة إلى المعجزة، والمعجزةُ مَردودة إلى أحدِ أمرين:
إما حكمة الله التي دل عليها إتقانُ صَنائِعِه وشرائِعِهِ، فعندها تحصل الثقةُ بأنه لا يُؤيد بمعجزةٍ كذاباً، ولا يزينُ قبيحاً، ولا يصد عن حق، ولا يَحول بين المكلف وبينه، وإذا لم يجد الإِعجاز هذا المُستَنَد، لم تحصل دلالتهُ على صدقِ مَن قام على يَدَيْه.
أو إلى حُكمه وإرادته المطلقة ومشيئته لملكه (٢) على اختلاف المذهبين: مذهب أهل السنة، ومذهبِ المعتزلة. فتتم العشرُة على مذهبهم بردِّ حُكمه إلى غِناه عن القَبيح مع علمه به، وغناه عن القبيح مع علمه به مردود إلى دِلالةِ أفعالِهِ، ودِلالة أفعالِهِ مَردودة إلى التغير، والتغير ضرورةٌ.
ومِن شرفِ العلم أنه يَدَّعيه من لا يُحسنه، ويفرح إذا نُسب إليه.
وقولنا: علم كَسبي، نسبةً إلى اكتساب المكتَسِب، وكذلك: علم نَظري، منسوبٌ إلى النظر الذي هو التأمل، مثل قولك: رجل فارسي ومَكّي؛ إذا نسبتَه إلى فارس ومكة.
فكذلك قولنا: علم ضروري، نسبته إلى الضرورة، وهو هجومه على النَّفس بغير استدعاء من المضطر إليه، ولا اختيار لدخوله عليه.
стр. 52
فصل
و طرق العلوم سِتَة لا سابع لها، منها: العلومُ الحاصِلةُ بالمعلومات عن دَرْكِ الحواس، وهي خمس: حاسَّة البَصر، والسمع، والشم والذوق، اللَّمس، والسادس من الطرق؛ ضَربان: هاجمٌ على النفس، وهو الضروري. ومُستحضَر لها بالكسب، وهو الاستدلال (١) بالمحسوس على غير المحسوس، وكل منها يُدرِك الشيءَ وضده إذا كان له ضد، كحاسة البَصر تُدرك السواد والبياض وهما ضِدان، وحاسَّة الشم تُدرِك الطيب والخبيث، وحاسةُ اللَّمس تدرِك الناعِم والجَريش (٢)، والحار والبارد، وحاسةُ الذَوق تدرِك الحُلو والحامض. وما يحصل بطريق دلالة الحال من خَجل الخَجِل، ووَجَل الوَجِل، وبِرِّ البارِّ، وعُقوق العاق وما شاكل ذلك.
وأما ما يحصل من غير طريق لكن يدخل على النفس هاجماً كوجود الرِّي، والعَطش، والجوع، والشَبع، وما يجده الِإنسانُ من نفسه، من صِحته وسقمه، ولَذته وألمه، قد (٣) قدمنا ذكره في الحصر، وهو السادس من الطرق.
فصل
وهذه العلومُ الحاصلة عن الطرق التي ذكرناها غيرُ مُتولدة من هذه
стр. 53
الطرق، وإنما هي حاصلة من اللهِ فعلَاَ عقيبَ وجود الطرق التي ذكرناها، التي بَعضها كَسْبي؛ كالتأمل والاعتبار، والبحوث، والأفكار، وبعضها تدخل دخول غَلَبة؛ مثل العلم الحاصل عن أخبار التواتر، وما يدخل على العيان، وسائر الحواس، فيُحدِث الله العلمَ عقيبه كما يُحدث الموتَ عقيب الجراح، والجزعَ عند رُؤية الأسد، والمسرة عند تَجددِ الظَّفر، وقُدوم الغائب، وإيلادِ الوَلد، إذ كان القول بالتولد (١) قولًا يُضاهي قول أهلَ الطَّبع (٢) الذي قامَ بفساده دليل العقل، وكذبه الشرع. وذلك هو المانعُ لنا من القول بخلقِ الأفعالِ مضافةً إلى غيرِ اللهِ سُبحانه، وكما قامت الدلالةُ بفَساد قولِ أهلِ الطبْع، قامت بفسادِ القولِ بإثباتِ شريكٍ في الخلق.
وإنما أنِس كثير من المُسْتَأْنِسِين بالحواس المحطوطِين عن درجة النظر بجَري العادات، فأضافوا إلى غيرالله ما لا يكون إلا من الله؛ كالولدَ يوجد عند الجماع، والزَرعِ يوجد عن فعل الزرّاع، والموت يوجد عند جَرح الجارح، وذلك أثر وجد عنده وعقيبه لا عَنه، وكذلك وجود الكون عند وجود الجوهر لا مَحالة، وليس بمتولدٍ عنه بما ثبت لله تعالى من دلالة الوحدة في الصنع، وهذا أصل كبير.
стр. 54
فصل
والعقل: ضرب من العلوم الضرورية، وبه قال جمهور المتكلّمين (١).
وقال قوم: قوة غريزيةٌ يُفْصَل بها بين الحُسن والقُبح.
وقال قوم: يُفصل بها بين حَقائق المعلومات.
وقال قوم: هو مادَّة وطَبيعة.
وقال قوم: هو جَوهرٌ بَسيطٌ (٢).
والجمهور من المتكلمين على ما ذكرنا، وأنه من العلوم الضرورية، وإنما ذكرناه حيث أفضنا في ذكرِ العلوم ومُتعلقاتها وطرقها وهو من جُمْلَتِها، وله بما ذكرنا تَعَلُّق من نَفي حكمَه بتحسين وتَقبيح وبيان ما ينتهي إليه.
فالدلالة على فَساد القول بكونه جوهراً، أن الجواهر من حيث كونُها جواهرَ جنسٌ واحد، فلو كان العقل جَوهراً لاستغنى العاقل بوجود نَفسه عن عقلٍ لكونه جوهراً في نفسه، فلما لم يكن عاقلًا بجوهرِ ذاته ونَفسه، كان من المحال كوُنه عاقلًا بجوهر آخر هو من جنسه.
وأيضاً فإنه لو كان جَوهراً لصحَّ قيامه بنفسه إذ هذا خصيصة الجوهر، ولما لم يصح قيامُهُ بنفسه عُلِمَ أنه مَحمول لغيره، وهذا نعتُ العَرَض.
стр. 55
ولأنه لو كان جوهراً، ويصحُّ أن يقومَ بنفِسِهِ، لصَحَّ أن يحيا ويعقل ويكلَّف، فإذا ثبت أنه عَرَضٌ، فالدلالة على أنه ليس بعَرضٍ غيرُ العلم؛ أنه لو كان عَرَضاً غيرَ العلم، لصح وجود سائرِ العلومِ مع عدمِهِ حتى يكونَ العالمُ بدقائقِ الأمور غيرَ عاقلٍ، أو وجودُه مع عدم سائرِ العلوم، حتى يكون الكاملُ العقلِ غيرَ عالم بنفسه، ولا بالمدرَكَات، ولا بشيء من الضروراتِ، إذ لا دليل يوجب تضمُّن أحدِهما للآخر، وذلك نهاية الإِحالة، أوَ لا ترى أن سائرَ أنواع الأعراضِ يجوز أن يكون كل واحدٍ منها في المحل، ولا يكون بُدّا من حصول اتِّصافِ المحل بالعَرَض الآخر، بل إذا حَمَلَ الجسمُ عَرضاً من جنسٍ امتنع من حمله لأخرَ من جنسه مما يُضاده، فلما كان في مَسألتنا لا يصح أن يكون عالماً مَن ليس له عَقلٌ، ولا عاقلاً من ليس له عِلم، عُلِمَ أنه نوع من العلوم لا غير.
وأيضاً فإنه لو كان ليس من العلوم، لم يَخلُ أن يكون مثلَها أو ضِدَّها وخِلافَها، أو خلافَها وليسَ بضدٍ لها. ومحالٌ كونه مثلها لأنها مختلفة، والشيء لا يشبه أشياء مختلفة، ولأنه لو كان مثلها لاستغنى بها عن وجوده؛ لأن المِثل يَسُدُّ مَسَد المِثل، كالجوهر يَسدُّ مَسدَّ الجوهر، وَلَوجَبَ أن تكونَ العلوم عقلاً إذ لا يُشابه العقل ما ليسَ بعقلٍ. وَيستحيل أن يكون ضِدَّها وخلافَها؛ لأن ذلك يُفضي باستحالةِ اجتماعهما-أعني العقل والعلم- وذلك باطل باتفاق. بل لا يصح أن يكون عالماً إلا من كان عاقلاً. ومُحالٌ كَوُنه خِلافَها وليس بضدٍ لها؛ لأنه لو كان ذلك كذلك لجاز وجودُ كلِّ واحدٍ منهما (١) مع ضدٍّ صاحبه
стр. 56
ووجود أحدهما مع ضدِّ الآخر، حتى يكون العَقل موجوداً مع ضِدِّ العلم وهو الجهلُ بالضروريات والمشاهدات، إذ العلم بالضروريات والدقائق موجود مع ضِدِّ العقل من الخيال والاختلال، وذلك معلوم فساده في العقل، فثبت أنه لا يجوز أن يكون جنساً مخالفاً لسائر العلوم.
فإذا ثبت هذا وأنه علم، فلا يجوز أن يكونَ كل العلوم ضَروريِّها وكسبيِّها؛ لأننا قد علمنا عُقلاءَ عِدةً خالين من العلوم الكَسبية النَظرية، ولا يجوز أن يكون كل العلوم؛ لأنه لو كان كذلك لكانَ كلُّ مَن فقد العلمَ بالمُدرَكات بعدمِ إدراكه لها غيرَ عاقل.
ولا يجوز أن يكونَ هو علمَ العالم بوجود نفسه وما عنده من لذةٍ وألم، وصِحة وسقم؛ لأنه لو كان كذلك لكان الأطفالُ والبهائمُ والمجانينُ عُقلاءَ لعلمهم بذلك من نفوسهم. فلم يَبق إلا ما ذكرنا، وأنه بعض العلوم الضرورية، وهو علم بوجوب واجباتٍ، واستحالةِ مُستحيلاتٍ، وجَواز جائزاتٍ (١)، فهذه العلوم التي يَختص بها العقلاء.
وبيان هذه الجمل، مثل العلم بأن الضَدين لا يَجتمعان، وأن الائنين أكثرُ من واحد؛ وأن المعلوم لا يَخرج عن أن يكون مَوجوداً أو غيرَ موجودٍ، وأن الموجودَ لا يَنفك عن أن يكون عن أولٍ أو لا عَن أولٍ، ومن ذلك حُصول العلم عن الأَخبار المتواترة، فمن حَصَلت له هذه العلوم عُدَ عاقلًا.
стр. 57
فصل
والفَهم: العِلم بمعنى القول عند سَماعه، ولذلك لم يوصف البارىء به؛ لأنه لم يَزل عالماً، وقد يُفهم الخطأ كما يُفهم الصواب، وُيفهم الكذب كما يُفهم الصدق. ولا سَبيل إلى النقض على المخالفين في الحق إلا بعد فَهم باطلهم، كما لا سبيل إلى اتباع مذهب أهل الحق، إلا بعد فهمه من أنهم (١) على الحق.
فصل
وإذا ثبت أنه (٢) من بعض العلوم، فلا يَقبلُ الزيادةَ والنقصانَ؛ لأن العلم الكَسبي لا يقبل الزيادة، والضّروري أولى أن لا يقبل الزيادة، وما ورد في ذلك، فإنما هو من باب قولهم: فُلانٌ أعلم من فلان.
بمعنى أن معلوماته أكثر، كذلك أعقل؟ بمعنى أأن، تجاربه أكثر.
والتجارب قد تَجوزَ فيها قوم، فقالوا: هي (٣) عقلٌ ثانٍ، وقالوا في المشورة: عَقلُ غَيرك مُنضمٌ إلى عَقلك. فهذا مَجاز، والحقيقة لا تَقبل التزايد، كقولنا: حَياة، وإرادة، وعِلم، وأمر، وقيامٌ بالنفس، وحصولٌ في المكان، فهذا كله لا يَقبل التزايد.
وكذلك العِلم والعَقل بعض العلوم، فلم يقبل ما لا تقبله العلوم.
стр. 58
فصل
واختَلف أهلُ العلم في التَّحسين، والتَّقبيح، والِإباحة، والحَظْر، هل هي من قضاياه؟.
فذهب أصحابُ الحديث وأهلُ السنة والفُقهاءُ إلى أن لا تَحسين ولا تَقبيح، ولا إباحة ولا حظر، إلا من قِبَل الشرع، وذهبَ كثير من المتكلّمين إلى، أن التَّحسين والتَّقبيح من قضايا العقل (١)، وإليه ذهبَ أبو الحَسن التَّميمي (٢) - من أصحابنا- على ما حُكي عنه، والمُعوَّل على تَقبيح الشرعِ وتَحسينِهِ. والعَقل محكومٌ عليه لا حاكم في هذه القضايا.
والدلالة على ذلك بحَسَب هذا الكتاب، وأنه أصولُ فِقه لا أصول الدين، أنَّ القائلين بتَقبيح العقَل- كالبَراهمة (٣) - قبحوا إيلام الحيوان وإتعابه، وحَسنوا منه ما لا يمكن دفع الأضرّ عنه والألم إلا به، وهو الأقل الذي يضطر إليه لدفع الأكثر، كالفَصد، والحِجامة، وقَطع المُتآكلِ، وأجمعوا على تَقبيح ما استغني عنه.
стр. 59
ثم إن الشرع أباحَ الِإيلام لا مَوقوفاً على هذا، إذ لا ضرورة إلى الِإيلام بل هو غني عنه، وأجمعنا على أن الشارع يؤلم من غير حاجةٍ، وأن ذلك حَسن، فبطل تحسين العَقل وتقبيحه.
فصل
ومحله القلب (١)، لقوله تعالى: (﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ﴾ [الحج: ٤٦]، وقال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ﴾ [الحج: ٤٦]، وقال عُمر في ابنِ عباس: لَه لِسانٌ سَؤولٌ، وقَلبٌ عَقول (٢). وإضافَة العَرب الشيءَ إلى الشَيءِ إما لكونه هُوَ هُو، أو مَكانَه، وليس القلبُ عقلاً بإجماع، لم يَبْقَ إلا أنه مَحلُّ العَقل ، بإضافَة الشيء إلى محله، ومن خَلَقَ العقلَ أعلمُ بمحله ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤]، فلا الْتِفات إلى قولِ من يَقُول: [إن محلَّه في الرأس] (٣).
стр. 60
فصل
ولما حَدَّدنا الفِقهَ بعلم الأحكام الشرعية ، فلا بُدَّ بَعد بيان العلوم وطُرُقِها أن تُحَدَّ الأحكامُ جُملةً، ثم يُحَدَّ كل واحدٍ على حِدته.
فالأحكام: القَضايا، فهي ها هنا قضايا الشرعِ.
وحكمُ العِلَّة والقِياس: قضاءُ الشرع المُسْتَنْبَط، فيمتازعن أحكام الشرع الثابتة بالظواهر والنظر بهذا الوصف.
فمنها: الإباحة (١): إطلاق الشرع.
وقيل: إذنُ الشرع بالمباح المأذونِ فيه شَرعاً.
وقيل: إتمام مالَه فِعله، وكلُّ مُباحٍ حَسن.
وقيل: ما لا ثوابَ في فعله ولاعِقابَ على تركه.
الأولُ أصح؛ لأنه لا يدخل عليه فِعل الصبيان والمجانين، إذ لا يوصَفُ الشرع بأنه أطلقَ أو اذنَ في أفعالهم.
والتحديد بنَفي العِقاب يَبطُل بفِعْلِ الصغار والمجانين، فإنه لا ثوابَ فيه، ولا عقابَ عليه، وليسَ بموصوفٍ بالِإباحة، وكذلك خَطا العقلاء وما يصدر عنهم غفلةً، ومعَ نزع ذهولٍ، وحالَ الإِغماء.
و الحَظْرُ: مَنع الشرع، فالمحظور (٢): ما مَنعَ منه الشرع، وأصله: المنع، ومنه سُمي المُحتَظِر: مُحتظراً؛ إذ جَعلَ حول إبلهِ أو مَتاعه
стр. 61
- في الجملة- مانعاً من العَوْسَج (١). وسُميت الحَظيرةُ بذلك من المَنع.
وقيل: ما في فِعله عقاب.
و الواجب في أصل اللغه (٢): الساقِط، من قولهم: وَجبَ الحائط، ووَجبتِ الشمس. والِإيجابُ: الإِسقاط، وهو الإِلزام، وها هنا هو إلزام الشرع.
وقد قيل: ما في فِعله ثَوابٌ، وعلى تركه عِقاب. ولا يُحتاج إلى ذِكر الثواب، بل إذا رُسِم برَسْم كفى قولُنا: ما في تركه عِقاب.
وقيل: ما لا يجوز تركه (٣).
والحَدُّ هو الأول (٤)، وهذه رسومٌ بِمُتَعلّقات وأحكام، فالثواب والعقاب أحكام الواجب. والإِيجاب شَيء وأحكامه شئٌ آخر، والتَّحديد بمثل هذا يأباه المُحقِّقون، حيث أبَوْا أن يَحدّوا الأمرَ بما كانَ المُمْتَثِل له طائعاً، والمُتَأبِّي عنه عاصياً، فإن هذه أحكام ومُتعلقات، وإنما حَدّوه باستدعاء الأعلى من الأدنى فِعلاً.
و الفَرضُ في أصل اللغة: التأثير، مِن فرْضَة القَوس، وفُرْضَة
стр. 62
النهر (١)، وهو ها هنا عِبارة عما ثَبت إيجابُه بنَصٍ أو دليلِ قَطع (٢).
و النَّدبُ ، قيل: هُو الحثّ على الفِعل في الأصل. وها هنا: هو الحثُّ على طاعةِ الله، ولا يَجوز أن يكونَ الحثُّ حَداً للندب، وهو آكَدُ من الاسْتِدْعاءِ، ومُجرد الاستدعاء يَقتضي الإِيجاب، فكيفَ يَقتض ي الحثُّ ما دونه، وهو النَّدب؟.
وقيل (٣): ما في فعله ثواب، ولَيس في تركه عقاب.
ومن جعله أمراً حقيقة، قال: هو استدعاء أو اقتضاءُ الأعلى الأدنى بالفعل على وَجه الأولى، أو على وجه لا ياثم بتركه.
وقيل (٣): الاستدعاءُ يَتضمن التَخيير بينَ الفِعل والترك لا إلى بَدل.
وأصله في الفُغة: الدُعاء. قال الشاعر:
لا يَسْألونَ أَخاهُم حينَ يَنْدُبُهمْ ... للنائِباتِ على ما قَالَ بُرهانا (٤)
وُيريد (٥): حين يدعوهم. وهو بالحث أنصع تحديداً من الدعاء
стр. 63
والاقتضاء، لكن لا بد من تَقييده بالتَّخيير بين الفِعل والترك (١).
وأما الكَراهةُ، والمَكْروهُ: فإنه استِدعاءُ التركِ على وجهٍ لا مَأْثَم في فِعله، وهو مِن مَرتبة النَهي المُطلق الحاظر بمنزلة الندب من الإيجاب (٢).
و المَشكوك: قيل: ليس بحكمٍ، وقيل: حُكم (٣)، كما قال أبو حنيفة، وأحمد في رِوايةٍ في الجِمار (٤)، والصحيح عندي أنه ليسَ بمذهب، وإنما هو مُترددٌ في النَفس بين أمرين لا يَرْجَحُ إلى أحدهما، وها هنا يكون التَردد بين حُكمين، والمُتَردد في طريق الطلب، والشاك في الجِمار، يَنبغي أن لا يكون له مَذهبٌ فيه.
و" الوَقف ": قيل: مَذهب. لأنه يُفتي به، ويدعو إليه، وُيناظِر عليه، ويجب على القائل به إقامةُ الدليلِ عليه.
وقيل: الوقوف ليس بمذهب (٥)، وإنما هو جُنوحٌ عن التَّمذهُب،
стр. 64
والأول أصح.
فصل
ولما قَدَّمنا ذكر الأصول التي تَنبني عليها هذه الأحكام وَجب بَيانها، وهي الأَدلة التي تَستند إليها.
ف الدليل: هو المُرْشِدُ إلى المطلوب (١).
و الدالُ: هو الناصِبُ (٢) للدلالة.
و المُستَدِلُّ: هو الدالُّ، وقيل: الدالُّ هو الدليل. والمُستَدِل: هو الناصب للدليل.
والاستدلال: طَلبُ المدلول (٣).
وقال قوم: الدليل هو الفاعل للدلالة. وليسَ بصحيحٍ؛ لأن اللهَ سُبحانه خَلقَ الدلائل، ولا يُطلق عليه اسم دَليل.
وقال قوم: الدليل: ما نُظر فيه، فأَوجب النَظرُ فيه العِلمَ، فهو الدليل، وما أوجبَ النظرُ فيه ظَناً- والظنُّ: تَغليبُ أحد المجوَّزَين، وقيل: العِلَّةُ لأحدِ المُجوَّزَين أو المُترددَين في النًفس مِن غير قَطعٍ- فهو الأمارة، وفرقوا بين (٤) الأمارة والدلالة بموجباتها، فما أفضى بالناظر
стр. 65
فيه إلى الظن فهو أمارة، وما أفضى به إلى العلم فهو دلالة.
فالأول من الأصول- وهي الأدلة التي انْبنَتْ (١) عليها أحكام الفقه- هو: الكِتاب. ودلالته ستة أقسام: ثَلاثة من طَريق النُّطق، وثَلاثةٌ من جهة المعقول من اللَّفظ، فالتي (٢) من جِهة النطق: نَصٌ، وظاهِرٌ، وعُموم. والمعقول: فَحوى الخِطاب، ودَليل الخِطاب، ومَعنى الخطاب.
فالنص: ما بَلغ من البَيان غايته، مأخوذٌ (٣) مق مِنَصَّةِ العَروس (٤).
وقيل: ما لا يَحتَمِل التَّأويل. وقيل: ما استَوى ظاهِرُه وباطنه.
وقيل: ما عُرِف مَعناه من لَفظِه (٥).
والظاهر: ما ترددَ بين (٦) أمرين. وقيل: ما احتمَل أمرين، وهو في أحدهِما أظهر (٧).
стр. 66
والعموم: ما شَمل شَيئين فَصاعِداً شمولًا واحداً.
وقيل: ما عَمَّ شيئين على وجهٍ واحدٍ. ولايجوز أن يقال في حَد عموم: عَمَّ؛ لأنه مصرَّفٌ من اسمٍ بَعدُ ما علمناه، وقد أفسدنا ذلك في قولِ من قال في عِلم: مَعرفة المعلوم (١).
فصل
فالنصُّ: كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢]، وكقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]. وحُكمه أنْ يُصارَ إليه ويُعملَ به، ولا يُترك إلا بنصٍّ يُعارِضه.
فصل
وأما الظاهر: فهو كل لَفظٍ تَردَّدَ بين أمرين، هو في أحدهما أظهر.
فهو في الألفاظ بمنزلة الظنَ المتردد في النَفس بين أمرين، وهو في أحدهما أظهر. وهو ضَربان: ظاهرٌ بوضع اللغة، وظاهرٌ بوضع الشرع.
فالظاهر بوضع اللغة؛ كالأمر يَحتمل النَّدب والإِيجاب، لكنه في الإِيجاب أظهر (٢)، والنهي يحتمل التَنزيهَ والحظْرَ، وهو في الحَظر أظهر، وكسائر الألفاظ المحتملة لمعنَيين وهو في أحدهما أظهر.
стр. 67
وحُكمه أن يُحمل على أظهر مُحتَمليه، ولا يُصار إلى غيره إلا بدليل.
وأما الظاهرُ بِوَضْعِ الشرع؛ كالأسماء المنقولة من اللُّغة إلى الشرع، على قولِ من أثْبَتَ نَقلها، كالصلاةِ في الأصل اسم للدعاء، ونُقلت في الشرع إلى هذه الأفعال المخصوصة، والحجِ اسمٌ للقَصد، وفي الشرع: اسمُ هذه المناسك والأفعالِ المعروفة، وغير ذلك من الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع.
وحكمه أن يُحمل على ما نُقِل إليه في الشرع، ولا يُحمل على غيره إلا بدليل.
وقال قوم: ليسَ في الأسماء شيءٌ منقول، بل كل اسم زِيدَ عليه مَعاني مع بَقائِه على أصله (١)، كما زيدت الطهارة إلى الصلاة، ولم تَصِر زيادةً على الصلاة بل مَضمومة إليها مَزيدة عليها. فعلى هذا القول لا تُحمل على غير موضوعها من اللُّغه إلا بدلالة (٢).
فصل
فاما العموم ؛ فألفاظه أربعة (٣):
أسماء الجموع؛ كالمسلمين والمشركين والأبرارِ والفُجارِ.
والاسم المُفرد إذا عُرِّف بالألف واللام؛ كالرجل والمرأة،
стр. 68
والمسلم والمشرك.
وقال بعض العُلماء: لا يكون هذا من الفاظ العموم (١). والأول أصح.
والأسماء المبهمة كـ"مَن" فيما يَعقل، و"ما" فيما لا يَعقل، و"اي" في الجميع، و"حيث" و"أين" في المكان، و"متى" في الزمان، والنَّفي في النكرات، كقوله: لا رَجلَ في الدار، ولا يُقتَل مُسلم، ومارأيتُ رَجلًا، وما أشبهه، فحكمُ هذا أن يُعملَ به وُيصارَ إليه ولا يُخص إلا بدليل (٢).
وأما مَعقول اللَّفظِ؛ فثَلاثة أيضاً: فَحوى الخِطاب ، ودليل الخطاب، ومعنىْ الخطاب.
فأما الفَحوى؛ فقد اختلِف فيه، فجعله أصحابنا وجماعة من الأصوليين من جُملة النُّطق.
وقال قومٌ: هو من مَعقول اللَّفظ؛ وهو أن يَنص على الأعلى، وُينبه على الأدنى، كما نَبَّه على الائتمان على الدّينار بالائتمان على القِنْطار، ونَبَّه بنفي الائتمان على القنطار بنفي الائتمان على الدينار (٣)،
стр. 69
ونَبه بالنهي عن التَّأفيف على ما أدنى منه من الأذايا (١)، وكنهي النبي ﷺ عن التضحية بالعَوراء (٢) تَنبيهاً على العمياء، فحكم هذا عندنا حكم النَص على مامضى.
وأما دَليل الخِطاب: فهو تَعَلق الحكم على أحَدِ وَصْفَي الشيء، وعلى شَرطٍ أو غاية، فَيدل على أن ما عَداه بخلافه؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وكقوله ﵇: "في سَائمةِ الغَنمِ زَكاة" (٣)، فَيدل على أن غيرَ الحامل لا نَفقةَ لها، وغيرَ السائمة لا زَكاة فيها، وفي ذلك خِلافٌ يأتي إن شاء اللهً في مَسائل الخلاف.
وأما معنى الخِطاب: فهو القِياس، وله مَوضغ يَخًصُّه، لكن قَدمناه
стр. 70
مع ذكرنا الأدلة.
وحَدُه: هو جَمعٌ بَين مُشْتَبِهَيْن بالنظر لاستخراج الحكم.
وقيل: هو حَمْلُ فَرع على أصل بعلةٍ جامعة، وهذا فيه نَوعُ تخصيصٍ بقياسِ العِلة.
والأَجْودُ أن يمال: شَرائطه مُؤثّرة، وإجراء حُكم الأصل على الفَرع.
وهو على ضُروب يأتي ذكر ها في مَكانه إن شاء الله.
فصل
فأما السنَّة، فدلالتها من ثلاثة أوجه: قَول، وفِعل، وإقْرار.
ف القول ضَربان: مُبتدأ، وخارِج على سَبب.
فالمبتدأ ينقسم إلى ما انقسم إليه الكتاب من النَّص، والظاهر، والعموم.
فالنص؛ كقوله ﵊: "في أرَبعينَ شاةً، شاةٌ" (١) وما أشبهه، فحكمه أن يُصارَ (٢) إليه وُيعملَ به، ولا يترك إلا لنص مثله.
وأما الظاهر؛ كقوله ﵊: "حُتَيهِ، ثُم اقْرُصِيه، ثم اغسِليه بالماء" (٣)، "صُبوا على بَولِ الأعرابي ذَنوباً مِن ماء" (٤)، فَيُحمَلُ
стр. 71
على الوجوب، ولا يُصرف إلى الاستحباب إلا بدليل.
وأما العموم؛ كقوله: "مَن بَدَّلَ دينَهُ فاقْتُلوه" (١)، فيُحمل على العُموم ممن يَعقل من الرجال والنساء، إلا ما خَضه الدليل.
والخارج على سبب، ضَربان: مُستَقل (٢) دون السبب؛ كقوله - جَوابَ قَولهم: إنك تَتوضأ من بئر بُضاعة، وهي تُطرح فيها المحائِضُ، ولحومُ الكلاب، وما يُنْجي الناسُ-: "الماءُ طَهورٌ لا يُنجسه شَئ" (٣). فحكمه أن يُصارَ إليه كما يصار إلى المبتدأ، ولا يخص ولايُقصرعلى سَببه، وقد ذهب بَعض العلماءإلى قَصْره على سَببه الذي وَرَد فيه (٤)، وليسَ بشيء.
والضرب الذي لا يَسْتقل دونَ سَببه، كما رُوي: أن أعرابياً قال:
стр. 72
جامعتُ في نَهارِ رَمضان، فقال: "اعْتِقْ رَقَبَة" (١)، فَنَصُّ قوله مع السبب كالجملة الواحدة، فكانه قال: إذا جامعتَ فأعتِق رَقَبة.
فصل
وأما الفِعل، فَضربان:.
أحدهما: ما فَعله على غَيرِ وجه القُربة؛ كالمشي، والنوم، والأكل، فيدل على الجواز، وهذا يُشير إلى أصل، وأن أَفعالَه في الأصل الاقتِداءُ به، ولا تختص به إلا أن تَقومَ دِلالةُ تخصيصِ ذلك به.
والثاني: ما فَعَله على وجه القُربة، فهو على ثَلاثةِ أضرب: أن يكون امتثالًا لأمبر فيُعتبر بذلك الأمر، فإن كان واجباً فهو واجب، وإن كان الأمر نَدْباً فالفِعل نَدب.
والضرب الثاني: أن يكون ما فَعله بياناً لِمجملٍ فيُعتبر بالمُبَيّن، فإن كان واجباً، فهو واجب، وإن كان ندباً فهو نَدب.
والثالث: أدأ يكون مُبتدأ، ففيه مذاهب:
أحدها: أنه يَقتضي الوجوب ولا يُصرف إلى غيره إلا بدليل.
والثاني: يَقتضي النَّدب، ولا يُصرف عنه إلا بدليل.
والثالث: أنه على الوقف، ولا يُحمل على واحدٍ منهما إلا بدليل.
стр. 73
فصل
وأما الِإقرار؛ فضربان: إقرارٌ على قَولء، وإقرارٌ على فِعل.
فالقول؛ مثل ما روي أنه سَمع رجلًا يَقول: الرجل يجد مع امرأتهِ رَجلًا، إن قَتل قَتلتموه، وإن تكلَّم جَلدتمهوه، وإن سكتَ سَكتَ على غَيظ، أم كيف يصنع (١)؟، فكأنَه لما سكتَ، قال ذلك.
والثاني: أن (٢) يَرى من يَفعل شيئاً، فيسكت عَنه، مثل ما روي أنه رأى قَيسَ بن قَهْدٍ يُصلي رَكعتي الفَجر بعد الصبح، فلم يُنكر عَليه (٣)، فكأنه فعلَ هذا أو أجازه نطقاً. وقراره لأبي بكرٍ الصديق على الاجتهاد بحضرته، وقوله: إن أقررتَ أربعاً رَجَمكَ رسول الله (٤).
وهذا، وإن كان قَولاً فَقد صَدَرَ عن اجتهادِ القَلب.
стр. 74
فصل
وأما الِإجماع: فهو اتّفاق فُقهاء العَصر على حكم الحادثة، وقال قَومٌ: عُلماء. وذلك حَدٌ بالمشترك، فإنّ اتفاقَ النحاةِ، وأهلَ اللغة، والمفسرين ليس بِحُجة، وإن كانوا عُلماء، ولايعتد بقَولهم في حادثة (١).
والمُجمع على كونه إجماعاً: ما اتَفَقَت فَتْواهم فيه نطقاً.
واختلف العلماء في فَتوى بَعضهم أو فِعله، وسكوتِ الباقين من غيرِ نكيرٍ، مع انتِشار ذلك فيهم. فقيل: حجة وليس بإجماع. وقيل: هو إجماع (٢).
وإنما أَخرتُ ذكر الِإجماع لأن ما تَقدم يَصلح أن يكونَ دليلاً يَستند إليه الِإجماع، وإن كانَ بعضُ ما تقدمَ دون الإِجماع.
والإِجماعُ في رتبة النَّص، وإن كانَ حكمه أن يُعمل به ويُصار إليه، فلا يَجوز تركه بحال، ويتأكد على النَّص بمرتبة؛ وهي (٣) أن
стр. 75
النص وإن كانَ قول المعصوم في خَبره وحُكمه، لكنه يَصح أن يَرِدَ مثله بحيثُ يُعارضه ويقضي عليه بالنسخ؛ لأنه في عَصر نزول الوحي، فيقضي الأخرُ على الأول. فأما الِإجماع، فإنه مَعصوم عن الخطأ، مَحفوظٌ عن المُعارضة والنسخ، إذليس له مِثله فيَقضي عليه.
وأما تَخصيصُه بالصحابة، أو بأهلِ المدينة، أو بأهل البيت، فَعلى خلافٍ بين الناس، وسَيأتي في مسائل الخِلاف من الكتاب (١) إن شاء الله، ونُبَيَّنُ الصحيح عندنا في ذلك.
فصل
وأما قَولُ الصحابي الواحد إذا لم يَنتشِر بينَ الباقين، فهل هُو حجة؟ على خلاف، فَبعضهم ذكر أنه حُجةٌ بنفسه، وبعضهم جَعله حُجةً مع قياس ضَعيف، وبعضهم قال: ليس بحجةٍ، وإنه كقولِ واحدٍ من سائر المجتهدين. وسياتي ذلك في الخلاف من الكتاب (١) إن شاء الله.
وحكمه إذا قيل: حُجة، أن يُعمل به، وُيصار إليه، وهل يَجوز أن يُخَصَ به العُموم، ويُصرفَ به ظاهر السنة والكتاب؟ على خلاف بين الناس. وهو على قول من جَعله حُجة، مِمّا يَفتقر أن يَستند إلى دلالةٍ، كالقياس لا بد له من دلالةٍ وشاهدٍ يَشهد بصحته. والِإجماع أيضاً لا بُد أن يَستند إلى دلالةٍ من أحد الدلائل المتقدمة، وإذا جاءَ