على الوجوب، ولا يُصرف إلى الاستحباب إلا بدليل.
وأما العموم؛ كقوله: "مَن بَدَّلَ دينَهُ فاقْتُلوه" (١)، فيُحمل على العُموم ممن يَعقل من الرجال والنساء، إلا ما خَضه الدليل.
والخارج على سبب، ضَربان: مُستَقل (٢) دون السبب؛ كقوله - جَوابَ قَولهم: إنك تَتوضأ من بئر بُضاعة، وهي تُطرح فيها المحائِضُ، ولحومُ الكلاب، وما يُنْجي الناسُ-: "الماءُ طَهورٌ لا يُنجسه شَئ" (٣). فحكمه أن يُصارَ إليه كما يصار إلى المبتدأ، ولا يخص ولايُقصرعلى سَببه، وقد ذهب بَعض العلماءإلى قَصْره على سَببه الذي وَرَد فيه (٤)، وليسَ بشيء.
والضرب الذي لا يَسْتقل دونَ سَببه، كما رُوي: أن أعرابياً قال:
стр. 72
جامعتُ في نَهارِ رَمضان، فقال: "اعْتِقْ رَقَبَة" (١)، فَنَصُّ قوله مع السبب كالجملة الواحدة، فكانه قال: إذا جامعتَ فأعتِق رَقَبة.
فصل
وأما الفِعل، فَضربان:.
أحدهما: ما فَعله على غَيرِ وجه القُربة؛ كالمشي، والنوم، والأكل، فيدل على الجواز، وهذا يُشير إلى أصل، وأن أَفعالَه في الأصل الاقتِداءُ به، ولا تختص به إلا أن تَقومَ دِلالةُ تخصيصِ ذلك به.
والثاني: ما فَعَله على وجه القُربة، فهو على ثَلاثةِ أضرب: أن يكون امتثالًا لأمبر فيُعتبر بذلك الأمر، فإن كان واجباً فهو واجب، وإن كان الأمر نَدْباً فالفِعل نَدب.
والضرب الثاني: أن يكون ما فَعله بياناً لِمجملٍ فيُعتبر بالمُبَيّن، فإن كان واجباً، فهو واجب، وإن كان ندباً فهو نَدب.
والثالث: أدأ يكون مُبتدأ، ففيه مذاهب:
أحدها: أنه يَقتضي الوجوب ولا يُصرف إلى غيره إلا بدليل.
والثاني: يَقتضي النَّدب، ولا يُصرف عنه إلا بدليل.
والثالث: أنه على الوقف، ولا يُحمل على واحدٍ منهما إلا بدليل.
стр. 73
فصل
وأما الِإقرار؛ فضربان: إقرارٌ على قَولء، وإقرارٌ على فِعل.
فالقول؛ مثل ما روي أنه سَمع رجلًا يَقول: الرجل يجد مع امرأتهِ رَجلًا، إن قَتل قَتلتموه، وإن تكلَّم جَلدتمهوه، وإن سكتَ سَكتَ على غَيظ، أم كيف يصنع (١)؟، فكأنَه لما سكتَ، قال ذلك.
والثاني: أن (٢) يَرى من يَفعل شيئاً، فيسكت عَنه، مثل ما روي أنه رأى قَيسَ بن قَهْدٍ يُصلي رَكعتي الفَجر بعد الصبح، فلم يُنكر عَليه (٣)، فكأنه فعلَ هذا أو أجازه نطقاً. وقراره لأبي بكرٍ الصديق على الاجتهاد بحضرته، وقوله: إن أقررتَ أربعاً رَجَمكَ رسول الله (٤).
وهذا، وإن كان قَولاً فَقد صَدَرَ عن اجتهادِ القَلب.
стр. 74
فصل
وأما الِإجماع: فهو اتّفاق فُقهاء العَصر على حكم الحادثة، وقال قَومٌ: عُلماء. وذلك حَدٌ بالمشترك، فإنّ اتفاقَ النحاةِ، وأهلَ اللغة، والمفسرين ليس بِحُجة، وإن كانوا عُلماء، ولايعتد بقَولهم في حادثة (١).
والمُجمع على كونه إجماعاً: ما اتَفَقَت فَتْواهم فيه نطقاً.
واختلف العلماء في فَتوى بَعضهم أو فِعله، وسكوتِ الباقين من غيرِ نكيرٍ، مع انتِشار ذلك فيهم. فقيل: حجة وليس بإجماع. وقيل: هو إجماع (٢).
وإنما أَخرتُ ذكر الِإجماع لأن ما تَقدم يَصلح أن يكونَ دليلاً يَستند إليه الِإجماع، وإن كانَ بعضُ ما تقدمَ دون الإِجماع.
والإِجماعُ في رتبة النَّص، وإن كانَ حكمه أن يُعمل به ويُصار إليه، فلا يَجوز تركه بحال، ويتأكد على النَّص بمرتبة؛ وهي (٣) أن
стр. 75
النص وإن كانَ قول المعصوم في خَبره وحُكمه، لكنه يَصح أن يَرِدَ مثله بحيثُ يُعارضه ويقضي عليه بالنسخ؛ لأنه في عَصر نزول الوحي، فيقضي الأخرُ على الأول. فأما الِإجماع، فإنه مَعصوم عن الخطأ، مَحفوظٌ عن المُعارضة والنسخ، إذليس له مِثله فيَقضي عليه.
وأما تَخصيصُه بالصحابة، أو بأهلِ المدينة، أو بأهل البيت، فَعلى خلافٍ بين الناس، وسَيأتي في مسائل الخِلاف من الكتاب (١) إن شاء الله، ونُبَيَّنُ الصحيح عندنا في ذلك.
فصل
وأما قَولُ الصحابي الواحد إذا لم يَنتشِر بينَ الباقين، فهل هُو حجة؟ على خلاف، فَبعضهم ذكر أنه حُجةٌ بنفسه، وبعضهم جَعله حُجةً مع قياس ضَعيف، وبعضهم قال: ليس بحجةٍ، وإنه كقولِ واحدٍ من سائر المجتهدين. وسياتي ذلك في الخلاف من الكتاب (١) إن شاء الله.
وحكمه إذا قيل: حُجة، أن يُعمل به، وُيصار إليه، وهل يَجوز أن يُخَصَ به العُموم، ويُصرفَ به ظاهر السنة والكتاب؟ على خلاف بين الناس. وهو على قول من جَعله حُجة، مِمّا يَفتقر أن يَستند إلى دلالةٍ، كالقياس لا بد له من دلالةٍ وشاهدٍ يَشهد بصحته. والِإجماع أيضاً لا بُد أن يَستند إلى دلالةٍ من أحد الدلائل المتقدمة، وإذا جاءَ
стр. 76
قولُ (١) صحابي آخر بخلافه، رُنجَحَ بينهما ترجيحُ الأدلة.
فصل
وأما استِصحاب الحال ، فهل هو دَليلٌ أم لا؟ فالعلماءُ المحققون على القول بأنه دليل، وخالف كونَهُ دليلاً بعضُ من لا يُعتمد (٢).
وهو ضَربان: استِصحابُ حالِ العَقلِ في إبراءِ الذمة، وإخلاءُ الساحةِ من حقٍ لم تَقم به دِلالةُ الشرع، وهو دليل يَفزع إليه المجتهدُ عند عدم الأدلة.
وصورته: قولُ المستدل في مَسالةِ نَفي وُجوب الديةِ الكاملةِ في قَتل الكِتابي (٣): الأصلُ براءةُ ذِمةِ هذا القاتل من الزائد على الدية، فمُدعي الزيادةَ على هذا المقدار عليه الدليل.
والضرب الثاني: استصحابُ حالِ الإجماعِ، وفيه خلافٌ بين العُلماءِ، فبعضهم لا يجعلُهُ دليلاً، وبعضهم جعلَه دليلاً، فمن لم يجعلْهُ دليلاً اعتمد على أن الخِلاف المسوغ مَنعَ مِن بقاء الاجماع،
стр. 77
إذا لا يسُوغُ (١) اجتهاد مع الإجماع، ولا سُلطان للإِجماع مع حدوث التَسويغ، فالبَقاء على حالٍ قد استحالت لا وجه له.
ومثاله: قول من ذَهب إلى المنع من الخُروج عن الصلاة لرؤية الماء (٢): الأصلُ انعقاد صَلاته بالإجماع، فلا يزول عن القول بصحتها إلا بدليل. فليس بتمسكٍ صحيح، لأن الإجماع انعقد على انعقاد صلاةٍ لم يرَ فيها الماء، فلا يَبقى إجماع لموضع الخِلاف (٣).
стр. 78
فصول
في بيان حدود، ورسوم، وخصور، لا يُستَغنى عن بيانها، لحصولها مُبددة في الكتاب، واستناد الأبواب والفصول إليها، واعتمادنا في هذا الكتاب عليها.
فصل
في النظر: وهو الأصل في تَحصيل هذا الأمر، والطريق إليه. وهو: اسم مشترك يَقع على الرؤية بالبصَر، قال سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وعلى الانتظارِ للمنتَظِر، والتَّوقع له ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥].
وهو ها هنا: التأفُل والتفكُر والاعتبار بمعرفة الحق من الباطل، والفَصل بين الحجة والشُبهة، وهو فِكرة القلب، وتأمله، ونَظرهُ المطلوب به علمُ هذه الأمور، وغلبةُ الظنَ لبعضها، وقد يصيب الناظرُ فيها وقَد يُخطىءُ، وكِلاهما نظرٌ منه، وقد ينظر في شُبهٍ وفي دَليل، وقد يَصل بنظره إلى العِلم تارةً إذا سَلَكَ فيه المسلكَ الصحيحَ ورتّبه على واجبه ومقتضاه، وقد لا يَصل إليه إذا قَصَّر وغَلِط وخَلط فيه، أو نظر فيما هو شبهة وليس بدليل.
стр. 79
فصل
وللنظر آلة، وغَرض:
فالاَلة: هي المطلوب من أجل غيره.
و الغَرضُ: هو المطلوب من أجله في نَفسه.
فالغرضُ، كالمعرفةِ باللهِ ورسولِه، فإنَّ حاجةَ المكلًفِ إلى ذلك مُناسبة، إذ كانَت المعرفة بالله ورسوله فَريضة واجبة، ولا يوصَل إليها إلا بالبُرهان، والبُرهان آلة يُتوصل به إلى حصول المعرفة.
والغَرض في الجدل- بعد النظر المختص بالِإنسان- هو إظهارُ الحق من الباطل، وتَحديدُ السؤال والجواب هو الآلةُ لذلك، وكذلك تَحديدُ الإِلزامِ والانفصالِ، وكذلك تحديدَ القِياس والبرهان، وكذلك علم الاتفاق والاختلاف.
والغرض في النحو: مَعرفة الصواب في تَصرّف الكلام والإِعراب، وتحصيلُ الشواهدِ آلةٌ لذلك، وكذلك الأصولُ المتفقُ عليَها، وكذلك القياسُ في النحو آلة.
والغَرض في الفقه: إصابةُ الحق في الفُتيا، ومعرفةُ الأصول من الكتاب والسُنة والِإجماع آلة.
وكذلك الغَرض في علمِ الكلام: إصابةُ الحقِّ في أصل الديانات (١)، وذلك خَمسةُ أَضْرُبٍ: مَعرفةُ اَلله تعالى، ثم مَعرفة ما يَجوز عليه مما لايجوز عليه، ثم مَعرفةُ الرسولِ، ثم معرفة ما يَجوز عليه مما لا يجوز، ثم معرفةُ أصل الفُتيا من الإجماع، والاجتهاد بِحُجَّةِ
стр. 80
العقل آلة لجميع ذلك.
وكذلك الجدَلُ آلة، وكل آلةٍ للجدل (١) آلة لعلم الكلام؛ من تَحديد السؤال والجواب، والِإلزام، والانفصال، والقياس، والبُر هان، والاتفاق، والاختلاف.
والغَرض في الجملة على ضَربين: إصابة نِفعٍ، وإزالةُ ضَرَر، وكلُّ لَذَّة ليسَ عليها تَبِعة في دُنيا ولا اَخرة؛ فهي غرض، وكل سَلامة من أَلمٍ (٢) هي غَرض، إلا أن يؤدي إلى نفعٍ هو أوفر وأعظم، أو ألمٍ هو أشد وأكبر.
فصل
وقد يَظفَر الطالبُ- وهو الناظر- بدليلٍ هو آلة لحكيمٍ، ثم يكون على نَظره لطلب آلةٍ أُخرى في طَيِّ تلك الآلة تكون لغرض اَخر، وهو حكم تَعديةٍ للحكم.
مثال ذلك: ظَفرهُ بالنصِّ على تَحريم التَفاضل في (٣) الأعيان الستة (٤)، فَقد ظَفِر ببادِرة النُطق بتحريم التفاضل فيها، وينظر نَظراً ثانياً
стр. 81
في عِلة ذلك الحكم لِيُعَدي إلى غَير الأعيان حكمَ الأعيان، فيكون طَلبه الثاني لعلّةِ الحكم، وتكون تَعديته بحسَب العِلّة، فإن كانَ الكيلَ عَدَّى إلى كل مَكيل، وإن كانَ الطُّعْمَ عَدَّى إلى كل مَطعوم، وإن كانَ القوتَ عَدَّى إلى كل مُقتات، وإن لم يَظهر له ما يَصلح أن يكونَ علَّته وَقف على المنصوص عليه، كوقوف أصحاب الشافعى رحمة الله عليه على الثَّمَنيَّةِ في الذهب والفِضةِ، فلم يَتعدَّواَ بالنص مَوزوناً غيرَهما مع ثبوت صِحة العِلَّة الواقفَةِ عِندهم، وأنه يكفي في التعليل إفادةُ العِلّة، وأنه ثبت مُعلَّلًا بعلةٍ تقف على المحل، والكلام في ذلك يأتي شافياً في مَسائل الخِلاف (١) إن شاء الله.
فصل
وتَتفاوت (٢) أذهانُ المجتهدين في التَّعدية والجُمود على محلِّ النص، فقد يُقْدِم على التَّعدية مُقْدِم لقُصوره عن الخَصيصة التي توجب وقوفَ الحكم على مَوضعِ النص، وقد يَجمُدُ عن التعدية مُقَصر لَم يَنكشف له وجه التَّعدية والِإلحاق، وهذه مَزَلّة، قدام، وبيان مَقادير الرجال في إلحاق الأشباه بالأشباه، وقطع المُتَّحِدات عن التعدية والإِلحاق.
стр. 82
مثال ذلك: قَطْعُ اصحاب أبي حَنيفة النَّبيذَ عن الخمر (١) ومرادَ الخمرِ بالتحريم عنها مع استوائَهما في الاشْتِداد والإِطراب (٢).
ومثلُ قَطْع أصحابنا وأصحاب الشافعي للجماعِ في نَهار رمضان عن الأكلِ في إيجابَ التكفير (٣)، مع استوائهما في الهَتك بالمقصود المَرغوب.
ومثلُ قَطْعِ أصحاب مالكٍ وأصحابِنا جِماعَ الناسي في رمضان عن أَكله وشربِه، مع تَساويَ إسقاط الحَرَج والمُؤاخَذة فيهما (٤).
ومثلُ قَطْعِ أصحابِ أبي حَنيفةَ كَفارةَ الطهار، بنَفي اعتبار الإيمان في رَقبتها عن كَفارة القَتل، مع تساويهما في مِقدار الصوم وتتابُعهِ فيهما (٥).
وقَطْعِ أصحاب أبىِ حَنيفة وأصحابنا- فىِ إحدى الروايتين- قَتلَ العمدِ عن قَتلِ الخَطأ فىِ إيجاب الكفَارة رَأساً (٦).
стр. 83
وما ذاك كله إلا لتفاوتهم في قوة النظر في الإلحاق والقَطع.
فصل
فالنظرُ الأول: في فَهم مخارج كلامِ الشارع.
والنظرُ الثاني: في استخراج العِلَل إن كانت، وإسقاط التعليل إن لم يكن.
والنظر الثالث: في الجَمْع والقَطع.
فالأول؛ مثل ما رَوى أصحابُ أبي حنيفةَ، عن النبي ﷺ : "لا رِبا في دَارِ الحَرب" (١)، وادَّعَوا أن المُرادَ به نَفيُ حُصولِ الرِّبا. وفَهِم أصحابُنا، وأصحابُ الشافعي نَفيَ الحكم نَهياً لا رَفعاً إلحاقاً بقوله: "لا جَلَبَ ولا جَنَب ولا شِغَار" (٢). وقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾
стр. 84
[البقرة: ١٩٧]، وكأن المفهوم من مُراده: لا تَرفُثوا، ولا تَفسُقوا، ولا تجلبُوا ولا تجنبوا في حال السِّباق، ولا تشاغروا في باب النكاح، وكذلك: لا تُرْبوا في دارِ الحرب، وإنما خَضَها بالنهي لِئلا يَظنوا أنها دار إباحةٍ تُبيح المحظور من الرِّبا، وتَوهم أولئك: لا ربا، بمعنى دار إباحة، فلا يَحرم فيها الربا (١).
ومثال ذلك الثاني (٢): استخرافي أصحابنا والشافعيةِ التعليلَ من النَّهي عن شُربِ الخمرِ، وإيجاب العُقوبَةِ عليها بأنها ذات شِدَّة مُطرِبة، وتَعديتُهم بهذه العلّة للحكم إلى ما قامت به الشَدة وهي الأنْبذة (٣).
والنظر الثالث؛ في الجَمع والقَطع، وقد بانَ في الفصل الأول (٤)،
стр. 85
مثَلُ إلحاقِ الطعام بالمَنصوصات أو إلحاق المكيلات بها من حيث فى مَكيلات، وقَطع الطعام عنها، أو إلحاق المُقتات بها، وقَطع المكيلات والمَطعومات عن المُقتاتات.
فصل
والنظر الذي نحن فيه يُثمر العِلمَ إذا كان صَحيحاً واقعاً مَوقعه، مُستَوفاة شُروطه، لا من طَريق التولد، لكن من جهة جَرْي العَادة، بأن اللهَ يُحدث العِلم عَقيبه، على ما بَيَّنا مِن فَساد القَول بالتولد (١).
فصل
ولا نقول: إن النظرَ الفاسدَ يتضمنُ الجهلَ والشلك ولا يُثمرهما، وإنما يفعل الجاهل والشاكّ الجهلَ والشكَّ مبتدئاً به، لا عَن شيءٍ تَضمنه هو طريقٌ له. والدّلالة على ذلك أنه لو كان الفَاسد من النظر، أو النَّظر في الشبهة طَريقاً للجهل لم يَقع بَعده الشكّ والظنّ. ولو كان طريقاً للشكِّ والظنِّ لم يقعِ الجهلُ بل كان يَقعُ ما هو طريقٌ إليه خاصةً. ألا ترى أنَ النظرَ الصَّحيحَ لما كان طريقاً للعلم، لم يقع عقيبه أو بَعده الجهلُ، ولا غَيرٌ من أغيارِ العلمِ في الجملة. وأيضاً فإن العالم قَد يَنظرُ في الشبهةِ كما يَنظرُ فيها الجاهلُ، ولا يقع له الجهل، ولا يَخرج عن العِلم، وقد يَقصدُ إلى إفسادِ النَّظر فيقعُ فاسداً، كما يَقع ممن لايَقصد، فلا يتولَّد له جَهل ولاشكٌ، ولايخرج به عن كونه عالماً بحال المنظور فيه، فتبيانُ صحيحِ النظر في الأدلة طريقٌ للعلم،
стр. 86
وفاسدُ النظر في الشبهة ليسَ بطريقٍ للجهل والشك والظنِّ وغَلبةِ الظن.
فصل
و الدلالةُ على صِحةِ النظرِ ، وكونِهِ طَريقاً إلى العلم بحال المنظورِ فيه، قَولُه تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، وَجميعُ آياتِ الحثِّ على النظر في دَلائل العِبَر، مثل قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ [العنكبوت: ٢٠]، ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢١]، وَمُحالٌ ان يُحيلَنا على النظر حَثاً لنا على إثبات ما وَراءَ المشاهدات، وليسَ بطريق العلم.
وأيضاً: فإن حُصول العلم بحالِ المنظور فيه عقيبَ صحيحِ النَّظر، دلالة على أنه طريق، إذ لو لم يكن طَريقاً لم يحصل عَقيبه.
وأيضاً: فإنه لا يَخلو أن يكون النَظر صَحيحاً أو فاسداً، فإن كانَ صَحيحاً فهو ما نَقوله، وإن كانَ فاسداً فلا يَخلو أن يكون فَساده مَعلوماً ضرورةً، فيجب أن يَشترك في ذَلك العُقلاء، إذ الضرورات من العلوم لا يَختلف فيها كل من تَتَجه نحوه العلوم الضرورية. أو يكون مَعلوماً بطريق الاستدلال والنظر، فقد صح لنا مَعرفةُ شيءٍ من المعلومات بالنظر، فما بالكم جَحدتم أن يكون النظر طَريقاً؛! وهذا إثبات لما نَفَيتُموه، وكُل أمر لا يمكن نَفيه إلا بإثباته واجب لا مَحالة.
فإن قيل: أتعلمون صحةَ النظر ضرورةً أم بدليل، فإن كان ضرورةً وَجب أن نَشْرَكَكُم في العلم وكل مَنْ خالفكم، وذلك باطل، وإن كانَ
стр. 87
بنَظرٍ فبماذا ثَبت صحة النظر الثاني؟
قيل: نَعلمه بحدوث العلم لنا بحال المنظور فيه عند صحيح النظر، وذاك أمرٌ بَيِّنٌ لكَ أيها السائل عند سؤالك لنا عن دَليلِ كلَ مَسألة تسألنا عنها، فنريك كيف دليل تلك المسألة، وكيف صَحَّ حصولُ العلم، فكلُّ نظرٍ حصلَ عنده علمٌ، فإنما حَصل لأنه نَظرٌ صحيحٌ، وطريقٌ إليه، وكلُّ ما لَيست هذه حاله فليسَ بصحيح.
وجواب ثانٍ: وهو أنّا نَعلم صِحة النظرِ بضربِ من النظرِ، داخل في جُملة النًظر، وهو النظر الذي به عَلمنا فسادَ قول من قال: لا أعلم شيئاً إلا بدَرْك الحاسًة، أو بالضرورة المبتدأة في النفس، وبالتًقليد، ولا وَجه سِوى ذلك إلا النَّظر، وهذا ليس بنَقضٍ لما أصلْناه، ومثلة نقضٌ لمذهبِهم إذ (١) استدلوا على فسادِ النظرِ بضَربٍ من النظر.
فصل
وهذا النظر واجبٌ بما قَدمناه من الأدلة السمعيةِ، وهي صالحة للِإيجاب حَسب ما صلحت لإِثبات صِحة النظر، ولأن الله- سبحانه- قد أوجب عَلينا اعتقادَ الحق واجتنابَ الباطل، فيما اختلف فيه أهل الِإسلام من الأحكام، وقد ثبتَ أنه لا يُعلم ذلك ضرورةً، لاختلافِ العقلاء فيه، والضّرورات يَتفق عليها العقلاء. فلا يُفزع إلا إلى العِلم بصحةِ الصحيح وفسادِ الفاسد، ولا طَريق إلى ذلك إلا النظر، وما لا يَحصل الواجبُ إلا به فَواجبٌ.
стр. 88
فصل
في بيان ما يَحتاج إليه النظرُ الذي هو طريقُ العلمِ بالمنظورِ فيه .
فأولُ ما يقال في هذا: إن النظر لا يكونُ طريقاً للعلم حتى يكونَ صحيحاً، ولا يكونُ صحيحاً حتى يكون واقعاً على وَجهين يحتاج إليهما، أحدهما يرجع إلى النَّظر نفسِهِ، والآخر يَرجع إلى صِفةِ فاعِلهِ.
فالوجه الذي يَرجع إليه؛ هو أن يكون نظراً في دليلٍ ليس بشُبهة (١)، وأن يكونَ نظراً في حكم غيرِ مَعلومٍ للناظرِ بضرورةٍ أو دَليلٍ؛ لأن ما حَصل مَعلوماً من أحد الوَجهين لم يَصحَّ طلبُ العلمِ به.
وَيسوغ أن ينظر في طَريق الأدلة عليه، وهل هي أدلة أم لا. ولكن ليسَ ذلك من طلبِ العلمِ بالمدلولِ عليه في شَيء.
وأما ما يَرجع إلى الفاعل للنظر، فأمران:
أحدهما: أن يَكون كاملَ العَقلِ (٢)، وقَد سبق مِنا ذكر العقل وما هو (٣)، وليس من كماله أن يكونَ موجباً وحاظِراً، ومُحَسناً ومُقبحاً كما يقول من خَالفَنا، وإن كانَ لأصحابنا فيه خلاف.
والأمر الآخر: أن يكونَ عالماً بحصول الدليل، وبالوجه الذي
стр. 89
بحصوله عليه صارَدليلًا ومتعلقاً بمدلوله، غيرَظانً ولا مُتوهمٍ لذلك (١)، فإنه إن لم يَعلم هذين الأمرين لم يصل بنظره إلى العِلم.
فصل
في بيان الوجوه التي مِنْ قِبَلها يَحصل خَطأ الناظرِ في نظره لتُجتَنب .
اعلم أن الخَطأ يَدخل علي النَاظرِ من وجهين:
أحدهما: أن ينظرَ في شبهةٍ ليست دليلًا، فلا يصلُ إلى العلم.
والآخر: أن يَنظر نظراً فاسداً، وفسادُ النظر يكون بوجوه: منها: أن لا يَستوفِيَه، ولا يَستقصيَ فيه، ولا يَستكمِلَة، وإن كان نَظراً في دليل.
ومنها: أنِ يَعدِل عن التَّرتيب الصحيح في نظره، فَئقَدَّم ما حَقه أن يُؤخَّر، وئؤخَّر ما مِن حَقِّه أن يُقَدم (٢).
ومنها: أن يَجهل بعضَ صِفاتِ الدليلِ التي لا يَتم كوُنه دليلًا على الحكم إلا بحصولها، وحصولِهِ عليها، وحصولِ علم المستدلِّ بها.
ومنها: أن يَضم إلى وَصف الدليل وَصفاً يُفسده، نحو أن يقول: إنما يدل خَبر النبي ﷺ على تحريم الخَمر؛ لأنه خَبرٌ عن تحريم
стр. 90
الخمر. فإن ذلك يُؤدي إلى أن يكون خبرهُ عن تَحريم المَيْتةِ والدَّم ليسَ بدالٍّ على تَحريمها؛ لأنه ليس بخبرٍ عن تحريم الخَمر، ولو لمَ يَدل خَبره عن الميتة والدم على كونهما حَرامَين، لما دلَّ خبره (١) عن كونِ الخَمر حَراماً على كونهِ حراماً، ولبطلت دلالةُ جميعِ أخباره عن سائر الأحكام.
فهذه الزيادةُ وأمثالُها في أدلة العقلِ والسمعِ مُفسدةٌ للاستدلال (٢)، وجَهلُ الناظرِ ببعض صفات الدليل التي يحتاج إلى عِلمها نُقصان مِنه، ومُفسدٌ للنظرِ فيه، وصورة ذلك أن يسمعِ المكلًفُ خَبرَ النبي ﷺ عن تَحريم الخمر، ولا يعلمَ مع ذلك أنه خبر لرسولِ الله، فلا يَعلم- لجهله قَصدَ الله سُبحانه- كونه دَليلًا. وكذلك لو شاهدَ ما يظهر على يده من إحياء الميت، وقَلب العصا ثُعباناً، وفَلقِ البَحر، ولم يعلم أنه من فِعل الله سُبحانه مقصودَاً به إلى تَصديقه، لم يَعلم كونه دلالة على ثبوته في أمثال هذا. وهذه جملة ما يُدخِل الخَطأ والتخليطَ على الناظر.
فصل
في القول في أحوال الأمور المنظور فيها، والمُستَدلِّ [بها] (٣) على الأحكام.
وهي على ضَربين:
стр. 91
منظور فيها يوصِلُ النظرُ الصحيحُ فيها إلى العلمِ بحقيقةِ المنظورِ فيه (١)، وما هذه حالُه مَوصوف بأنه دليل على قَولِ جميع مُثبتي النظر، وباتفاق الأصوليين والفقهاء.
وقد دخل في ذلك جميعُ أدلة العقول المتوصل بها إلى العلم بحقائقِ الأشياءِ وأحكامِها، وسائر القضايا العقلية، ودخل فيه جميعُ أدلةِ السمْعِ الموجبة للعلم والقَطع من نصوصِ الكتاب والسنةِ، ومَفهومِها ولحنها، وإجماع الامة، والمتواتر من الأخبار، وافعالِ الرسول ﵊ الَواقعةِ موقعَ البيان، وكل طريق من طُرق السمع يوصل النظر فيه إلى العلم بحكم الشرع دون غَلبة الظن.
والضرب الآخر: امرٌ يوصِل النظر فيه إلى الظن وغالب الظن، ويوصَفُ هذا الضرب بأنه أمارةٌ على الحكم (٢)، وُيخَص بهذه التسمية للفَرق بينه وبين ما يُؤدي النظر فيه إلى العِلم والقطع. وهذا تواضع وليس من مُوجب اللغة؛ لأن أهلها لا يُفرقون بين الأمارة والدّلالة والسمة والعلامة (٣).
ومرادنا بقولنا في هذا الضرب الذي يَقع عند (٤) النظر فيه غالب الظن: إنه طريق للظن، أو موصل أو مؤدٍ إليه، أنه مما يَقع الظن عنده مبتدأً لا أنه طريق كالنظر في الدليل القاطع، الذي هو طريق للعلم
стр. 92
بمدلوله، وإنما نَتجوَّز بقولنا: يُوصل وُيؤدي، وإنه طريق للظن (١).
وهذا الضرب الذي يُؤدي النقر فيه (٢) إلى الظن، ضَربان: فمنه: ما لا أصلَ له مُعين، نحو الظن والاجتهاد في جَزاء الصيد، وقِيَمِ (٣) المِثْلِ، وأُروشِ الجنايات، وقِيمَ المُتلَفات، ونَفقات الزَوجات، والاجتهاد في عَدالة الأئمة والقُضاة والشهود وأمثال ذلك، مما لا أصل له مُعَين يُردُ إليه وُيقاسُ (٤) عَليه، كقياس النبيذ على الخمر، والأرز في تَحريم التَّفاضل على البُر بعلةٍ جامعةٍ بينهما؛ لأن النَبيذ أصلاً هو الخَمر، والأرز أصلاً هو البُرُّ، بخلافِ ما نحن فيه.
ومُحقِّقو نُفاةِ القِياس يُقِرون بصحة هذه الأمارات، ووُجوب الحكم بما يُؤدي النظرُ والاجتهادُ فيها إليه.
فصل
واتفق أهل العلم أجمع على أن هذه الأمارات عَقلية من حيث كان الرجوعُ فيها إلى العادات المعقولة، وإلى القِيم المعروفة، وإلى مُماثلة الصور المنظورة، وقَدر الحاجات في الأقوات، وما يُعرف به من الأحوال عَدالةُ الأئمة والقُضاة والوُلاة والشهود ظاهراً، فكل هذا عَقلي، والحكم المعلَّق عَليه شرعي، من إيجاب النَّفقة، وقِيَم الأرش، وجَزاء الصيد، والحكم بالشّهادة، وما جَرى مجرى ذلك.
стр. 93
فصل
والضربُ الآخر: نَظرٌ فيما له أصلٌ مُعين، فمنه ما يوصَف بأنه قِياس، وهو الاستدلال على ثُبوت الحكم في الفرع بعلةِ الأصل بعد ثُبوته وقيام الدلالة على تَعليله، إما بنصٍ على علته يُوجب العلم بها، وإما استثارةٍ لها، تقتضي غلبة الظن لكونها علة، ثم وجوب الحكم بأنها علة الأصل بعدَ حصول الظن لذلك.
وقد تقدم تحديد القياس (١)، وهو نَفس حَمل الفرع على حكم الأصل (٢) بالوجه الجامع بينهما من علةٍ أو دِلالة أو شُبهة، على خلافٍ يأتي ذكره إن شاء الله.
فالقياس نَتيجةُ الاستدلالِ على العلّة والعلم بها، وسنذكر في باب أحكام العلل (٣) - إن شاء الله- تَفصيلَ طُرق الأَدلة والأمارات على صحة العلة من التقسيم والمقابلة والطَردِ والجَرَيان- عند من رَأى ذلك دَليلاً- إلى غير ذلك.
ومنه أيضاً: الاستِدلال بأصلِ مَعنىً مِن لُغةٍ أو حكمٍ ثابتٍ في الشرع على المراد، مثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أنه زَمن الحَيض أو
стр. 94
الطُّهر، وهل العَفو إلى الزوج أو الوَلي؛ وذلك من باب الاجتهاد الذي يَسوغ الاختِلاف فيه، وليسَ هو من باب حَمل الفَرع على الأصل بالعِلة.
فصل
وقد زعم قوم أن الاستِدلالَ على الحكم ومَوضع الحكم ليس بقِياس، وأنه استِدلال، وأنه لكونه استدلالًا جازَ إثباتُ الحدود والكَفارات به، لا مِن حيث كونه قياساً (١). وهؤلاء قوم امتنعوا من الاسم، وأعطوا المعنى، لأنه إذا حُقَقَ عليهم خَرج كلامهم المُسمى استدلالًا قِياساً مَحضاً.
ومثال ذلك: قولهم بوجوب الكفارة في رَمضان من الجنس الأَكل، لكن لاختصاصه بأنه تَناوله مقصود (٢)، حصل به الهتك لصَوم عين رمضان، على وَجهٍ حصل به مأثمُ الإِفساد والهَتك، ولا شُبهة حصَلت قبل خُروجِ اليوم، مع كون الصوم مُسْتَحَقَاً وقت الإِفساد، ولا مَفْزَع لهم في جَميع ذلك ولا مُستند إلا إلى الوَطء، فاشبه -بهذه الخصائص- الأكلُ عامِداً الوطءَ (٣)، فهل هذا إلّا محضُ القياسِ؟! ومَحصول هذا رَدُ الأكل إلى الوَطء بمعانٍ جامعةٍ وأوصافٍ مؤثرة.
وكذلك رَدُ الأرُزِّ على البُر، والنَبيذِ على الخَمر بالمعنى، فإن
стр. 95
التَحريم فيها لم يجب للجنس، وإنما وَجبَ لمعنىً يشتركان فيه، ولا فَضل بين (حمل)، (١) الأكل على الوَطء بهذه الخصائص، وبينَ حَمل الأرُزِّ علىِ البُر بالخِصيصة الجامعة بَينهما.
فقد بان هذا، وسَنُبين فيما بعد- إن شاء الله (٢) أن المطلوب بطرق الاجتهاد في الشرعيات الظن- لثبوت الحكم- وغالب الظن، فإذا جازَ إثبات الحدود والكفارات بمثل هذا الاستدلال وهو مُوجب لغالب الظنّ دون العِلم بجواز الخِلاف والاجتهاد فيه، صَحَّ أيضاً وجازَ إثباتها بطريق القياس على العِلَّة، لأنه أقوى وأثبت من هذه الطريقة، فلا وَجهَ لفَرقِهم في ذلك بين استِدلالٍ (٣) وقِياس يوجبان غالبَ الظنّ دون العِلم، ولا بقي فرقٌ سوى تسمية هذا قِياًساً وهذا استِدلالاً، ولا وَجه للتعويل في الفَرق على اختِلاف الاسم.
وأما قَولهم: إننا نُعمِل القِياس في مَوضعِ الحدِّ والكَفارة، ولا نُعمِله في إثباتهما. فإنه قَول خِلوٌ عَن مَعنى؛ لأن موضعهما إذا لم يَكن معلوماً بطريقٍ تُوجِبُ العلم، وصَح أن نَجعل القِياس موضعاً لهما، جازَ أيضاً أن نُثبتَهما بقياسٍ لا يُوجِب العلم، ونحنُ نَستقصي ذلك في مسائل القِياسَ الخِلافية لنا ولَهم (٢)، إن شاء الله.
стр. 96
فصل
وجميعُ أحكام الأمارات والعِلل الشرعية ثابتة بالسمع دونَ العَقل؛ لأن العقل لا يوجب حُكْماً من أحكام العبادات والعُقود على ما نَدُلُّ عليه من بَعدُ، إن شاء الله.
فصل
في شَرح ما يُعلَمُ بالعقل دون السمع ، وما لا يُعلَم إلا بالسمع دون العَقل، وما يَصِحُّ أن يُعلم بهما جَميعاً.
اعلم أن جميعَ أحكام الدِّينِ المعلومة لا تَنفكُّ من ثَلاثة أقسام: قسم منها: لا يَصحُّ أن يُعلم إلا بالعَقل دون السمع.
القسم الثاني: لا يَصحُّ أن يُعلم بالعَقل، بل لا يُعلم إلا من جِهة السمع.
القسم الثالث: يَصحّ أن يُعلم عَقلاً وسَمعاً.
فأما ما لا يصحُّ أن يُعلم إلا بالعقل دون السمع؛ نَحو حُدوث (١) العالَم، وإثبات مُحدثِه سُبحانه، وإثبات وَحْدانِيّتِه سبحانه، وإثبات صِفاته الواجبة له (٢)، وإثبات الرسالة وتَجويزها عليه سُبحانه، وكل ما يتعلق على هذه الجملة مما لا يصحُّ أن يُعلم التوحيدُ والنُبوةُ إلا به.
والدلالة على ذلك أن السَّمع إنما هو عِبارة عن كلام الله، وما هو مَرويّ عمّن يُعلم أنه رسولُه المُخبرُ عنه، وإجماع مَن أخبر رسوله أنه
стр. 97
لا يُخطىء في قَوله، ولن يصح أن نَعرف أن القولَ قولُ اللهِ ورَسولِه وخَبره ممن لا يُخطىء إلا بَعد أن نعرفَ الله؛ لأن تلك الجُملَ كلَها فرعٌ لِإثبات، اللهِ سُبحانه، ومُحالٌ أن يعلَمَ وصفَ اللهِ أو رسولَ اللهِ مَن لا يَعرفُ الله، كما أن من المُحالِ أن يَعرفَ كلامَ زيدٍ ورسولَ زيدٍ من لا يعرفُ زيداً، فوجبَ أن يكونَ العِلمُ بالله وبرسولِهِ من المعلوم عَقلًا لاسَمعاً.
ولا يجوز أن يَقول قائلٌ: إنني أعرفُ اللهَ ورسولَه بسمعٍ عن قولِ الله وقولِ رسولِه. لأنه ليس لنا مُخبِرٌ نعلمُ صِدْقَهُ ضرورةً، لما ثَبت من الدلاله على أنه ليس للمُخْبِرِ طَريقٌ غيرَ الطريقِ التي تُثبت لنا العلمَ، ولا يَجوز أيضاً أن يكونَ صدقُهُم في الإِخبار عن التوحيد والنُّبوة مَعلوماً بدليلِ العَقل؛ لأنه يوجِب أن يكونَ ذلك الدليل، هو الدليل الذي به نعلم ثبوت التوحيدِ والنبوة، دون خَبر المُخبرِ عَنهما، وإنما يكون خبره عنهما تَنبيهاً عَليهما، وهي الدَلالةُ دون قولِهِ، فثبتَ أنَ العلم بهذه الجُملة وما لا يَتم ويَحصل إلا به مُدرَكٌ بقضية العقل من حيث لا مجالَ للسمع فيه.
على أن المخبِرَ عن ذلك لا يَخلو أن يكونَ عالِماً بصحة ما أَخبر عنه بنظر أو بخَبر؛ فإن كانَ يَعلمُهُ بالنظر صَحَ ما قُلناه، وإن كان يَعلمُهُ بخبرِ مُخبرٍ آخر ثم كذلك الثاني، وجب إثباتُ إخبار مُخبِرين لا نِهاية لهم، وذلك مُحال.
فصل
وأما ما يُعلمُ بالسمْعِ من حَيثُ لا مَساغَ للعقلِ فيه، فنحوُ العلم
стр. 98
بكون فعل التكليف حَسناً وقَبيحاً، أو حَلالَاَ وحَراماً، وطاعةً وعِصياناً، وقُربةً، واجباً ونَدباً؛ وعَقداً ماضياً نافِذاً، أو تَمليكاً صَحيحاً، وكونه (١) أداءً وقضاءً، ومُجزِئاً وغيرَ مُجزىءٍ، وتحريم كلِّ مُحرمٍ من فِعله على مراتبه، وسندل على ذلك في مَسائل الخلاف (٢)، إن شاء الله.
فصل
فأما ما يصح أن يُعْلَمَ بالعقلِ تارةً وبالسمع أخرى ؛ فهو (٣) كل حكمٍ -وقَضية- عقلي، لا يُخِل (٤) الجهلُ بهما بالعلم بالتوحيد والنُبوة، نحو العِلمِ بجوازِ رُؤية اللهِ سبحانه بالأَبصار (٥)، وجوازِ الغُفران
стр. 99
للمذنِبِين غيرِ الكفار (١)، والعلم بصحة التَّعبد بالعَمل بخبر الواحد، والقِياس في الأحكام، وأمثالِ ذلك مما إذا جَهله المكلَّف صَحّ مع جَهله به أن يَعرف الله ونُبوةَ رُسُله ﵈، وهذه جُملة كافية في هذا الباب، إن شاء الله.
стр. 100
<رأس>فصل في معنى التكليف، وقصدِ الفقهاءِ بوصفِ الشخصِ أئه مُكلَّف.
</رأس>
اعلم أن حَدَ التكليفِ: إلزام ما عَلى العَبد فيه كُلفَةٌ ومَشقَّةٌ، إما في فِعله أو تَركِه، كقول (١) القائل: كَلَّفتُك (٢) عظيماً، وكلَّفتُ زَيداً أمراً شاقاً، وأمثال ذلك، والفقهاءُ يَستعملون ذلك على ثَلاثةِ معاني:
فوجهٌ منها: ما قُلناه وحَدَّدناه، وهو الأصل الجامع، وهو المطالبة بالفِعل أو الاجتناب له، وذلك لازمٌ في الفَرائض العامّة، نحو التَوحيد والنُّبوة والصلاة، ومَا جَرى مجرى ذلك، لكلِّ عاقلٍ بالغ مع اختلافِ فَرائضهم في أمورٍ لا يَعم فَرضها.
والوجه الثاني: أن يَقولوا للعبدِ: مُكَلفٌ ومُخاطَب، على تأويل أنَّ عليه فيما سَها ونامَ عنه ولَم يقع منه في حال السكرِ والغَلبة فرضاً (٣) يلزمه، على تأويل أن طَلاقَه نافذٌ واقع، وحَدَّه واجبٌ، وضَمان جِنايَته في ذِمته لازمٌ، ومن ماله مأخوذٌ، وأمثال ذلك، وإنما يُخاطَب بذلك قبلَ زوالِ عقلِهِ وبَعدَه، فيقال له: إذا نَسيتَ صلاةً ونمتَ عنها في وقتٍ لو كنتَ ذاكراً لها (٤) ويقظاناً لزمَتك، فقد وجب عليك قَضاؤها وفعل مِثلها،
стр. 101
كما يقال للحائض: إذا طَفرتِ فعليكِ قَضاءُ الصيام الذي لم تُخاطَبي به بسببِ عَرَضٍ أزال تَكليفَه عَنك.
والوجه الثالث: أن يَقولوا: إن الطفل مُخاطَبٌ ومُكلَّف، وكذلك العَبد والمريض. يَعنون بذلك؛ أنهم إذا فَعلوا ما لا يَجب عليهم فِعله، نابَ مَنابَ ما يجب عليهم ووَقع موقعَه، ولذلك قالوا: المريض الذي يُجهدُه الصيامُ والقِيامُ إلى الصلاة ولا يَجب ذلك عليه، مخاطَبٌ بِهما إذا فَعلَهما. يعنون بذلك: أنهم إذا فَعلوا ما لا يَجب عليهم فِعله، نابَ مَناب ما يجب عليهم وَوقع مَوقِعَه. ويقولون: العبدُ مُخاطبٌ بالجُمَعِ إذا حَضرها وفَعلها. يَعنون بذلك؛ أنها نائِبةٌ مَناب ما يجب عليه وإن لم تكن مِن فَرضه. وكذلك من تَكلًف الحج باستطاعة بَدَنِه وإن لم يَجد زاداً ولا راحلةً، تكلًف الحج بمعنى أنه نائبٌ عن فَرضِهِ إذا وجد ذلك، وإن لم يكن ما فَعله من مُكلًفه، على قولِ من جَعل الاستطاعةَ: الزادَ والراحلةَ (١).
وكذلك قولهم: إن الطفل مُكلفٌ بالصلاة (٢) إذا فَعلها بشروطها قبل البلوغ، وفي الوَقت. يَعنون بذلك: أنها نائبة مَناب ما يجبُ عليه، وإن لم تكن من فَرضه، فيجب تَنزيل فَرائِضِهم على هذه الوجوه.
فإن قيل: ليس يَنضبط الحدُّ بما ذَكرتم، فإنً إفطارَ العيد (٣) من أيام التًشريق، والطيبَ، والاغتِسالَ، وأخذَ الزينةِ من اللِّباس للجُمع
стр. 102
والأعياد، وإزالة الأنْجاس، هذه كلها من جُملة تكاليف الشرع، وهي مُساعدةٌ للطبع، ومُلائمةٌ للنفْس، فلا تَكْلِفة (١) فيها، فَبطلَ أن يكونَ تكليفُ الشرع مأخوذاً من الكُلفَة والمشقَة.
قيل: لا يَخرج؛ لأن كل من أخرجَ الأمرَ والنهيَ عن مَشيئته المُطْلَقَة إلى دخولٍ تحت رسمٍ، فإنه (٢) تكليف، حتى إنه يحْسُنُ أن يقول العربي: كنتُ بنِيّةِ الصوم، فَكَلَّفني صَديقي الإِفطارَ، وكنتُ على شَعث السفر فَكَلفني دخولَ الحَمام. فإلزامُ الرسم تَكليفٌ وإن وافَق الطبعَ، وإلزامُ الطبيب من جهة العِلاج أَكلَ (٣) المُرُورَةِ وشُربَ الشَرْبَة الحُلوة، كتكليفِ الحِمية من حَيث إنه رسمٌ وحدٌّ يوجب الاتَباع.
واعلم- وفقك اللهُ- انَ أفعالَ العُقلاءِ على ضَربين: ضَربٌ منها: لا يصحُّ دخوله تحتَ التكليف، وهي ما يقع منهم حالَ الغَفلةِ والسَّهوِ والنومِ والغَلبةِ بالسُّكْر، وكلِّ ما يَقع عن عُزوب العقل (٤) والتمييز.
وقال جماعة من الفُقهاء: إن العاقلَ مُكلَفٌ في هذه الأحوال تَكليفاً ما، ولربما كَشَفَ تحقيقُ الكلام بين من خالفَنا في ذلك عن عبارةٍ دونَ أن يكونَ تحتها معنى، مثل قولهم: يَلزمه عند إفاقته وتَذكُره
стр. 103
قَضاءٌ وغُرمٌ وطَلاقٌ وحَدّ. وهذا فارغ من المعنى الذي قَصدناه.
والدلالة على إبطال القَول بتكليف العازِب العقل، أو الذِّكر من الساهي والذاهل، ما هو ساهٍ عنه، وذاهلٌ عنه؛ أنَ اللهَ سبحانه إنما كلَّف من كلَّفه فِعلاً، أنْ يقعَ ذلك الفعلُ منه على وَجه التَقربِ إليه والطاعةِ له، أو كلفه اجتناباً يقع منه على وَجهٍ بقصدِ التقرب، ولا يَصح أن يقعَ التقرُّبُ إليه بالفعلِ أو التَركِ إلا بَعد أن يَقَع وهو عَالمٌ به حتى يصح القَصدُ إليه دونَ غيره، والساهي لا يَصح أن يكونَ مع سهوهِ عالماً، فكيفَ يصحُ أن يكونَ بالفعلِ أو التَّركِ متقرباً؟ فثبتَ بهذا أنه غيرُ داخلٍ تحتَ التَكليف.
وأيضاً لو قيل للساهي: اقصِدِ التقرُّبَ بفعلِ ما أنتَ ساهٍ عَن فعله، أو التقربَ بالاجتناب له، لوجب أن يقصدَ إلى إيقاعِ ما يَعلمُ أنه ساهٍ عنه أو اجتنابهِ، وعَلمُه بأنه ساهٍ عنه ينقض كونه ساهياً عنه، ويعودُ فيخرجُ -بهذا- العلمُ عن كونه ساهياً عنه، ولو دَفعه وخرج عنه، لاستحال كونه ساهياً عنه مع كونِه عالماً به.
وأما الدلالة على إحالةِ تكليفِ النائمِ والسكران، والمغلوب على عقلِهِ بالإِغماء، فهو الدليل الذي دل على نَفي تكليف البهيمة، وَالطفل الذي لا يعقل، والمجنون، لاشتراكِ جميعهم في زوال العقل والتمييز، بل قد عُلِم أن الطفلَ والمجنون والبهيمة، أقربُ إلى العِلم والقصد إلى كثيرٍ من الأفعال من المغلوب والنائم والسكران، فإن الطفلَ والمجنونَ يَظهر من قُصودهم واتباعِ ماَ يُرام منهم بالمُداراةِ والإِشارةِ، فِعلاً لما
стр. 104
يُصوَّب لهم، وتَرْكاً لما يُنهون عنه بنوعِ من اللُّطف والسَّوق إلى ما يُراد، كالترغيب لهم في بعضِ الأفعالِ؛ كالأخذِ والتناولِ والحَبْو والمشي، والاجَتناب، مثل: تزهيدهم في الرضاع وقُربان الثَدي عند الفِطام.
والبهائم فمعلوم تعليمُها وتَلَقّفُها كل صِناعة تَصلح لها بحسبها، كتعليم الجَوارحِ الاقتِناصَ، والكلب الاصطيادَ، والِإمساكَ علينا والاشْتِلاء إذا اشْلَيناه (١) والكَف إذا زَجًرناه، وحيوانِ الحرثِ والسَّقي كالبَقَر والجِمال. كلُّ ذلك تَلقُفٌ للأعمال وإثباتُ صُوَرِها في القُلوب حِفظاً وذِكراً، وهذا معدوم في حق النائم والمغلوب والسكران، فإذاً قد بانَ أنهما سَواء، فوجب تساويهما في نَفي التكليف لقيام العِلّة فيهما، وهي زوال العقل والتمييز. نعم وفي الطفل والمجنون والبهيمِ من التجنُّب والتحرُّزِ من المُضارِّ، ما ليسَ في السَّكران والنائم، فقد تحقَّق الأولى في نفي تكليف السكران والمغلوب والنائم.
فإن قيل: إلا أنَّ الناسيَ يُذكًر، والغافلَ يُنَبه، والنائمَ يوقَظ، وذاكَ القَدْر من الإِيقاظِ والتنبيه الذي يَحسُنُ من غيره له لأجل تَهيُّئه لذلك وكون محله قابلًا، فلا يُنكَر أنْ يُخاطبَ هو ان يفعلَ في نَفسِهِ من الإِيقاظِ والتذكرِ ما يفعلُهُ غَيرُه فيه.
قيل: هذا باطِلٌ بالصبي يُؤمَرُ وليُّه بأمرِهِ بالصلاةِ وضَربهِ، ولا يدل على أنً المعنى الذي فيه لقبول الأدب يوجبُ عليه ويكلفَ في نَفسه ما كلّفه الوليُّ في حَقه، ولأن الولًى مُتَيقظٌ لأمرِهِ، والساهي والنائمُ
стр. 105
والناسي غيرُ مُتَيقظٍ لأمره.
<رأس>فصل في ذكر ما تعفَق به مَن أدخلهم في التكليف من الفُقهاء.
</رأس>
قالوا: كيف تُخرجونهم من التكليف، وقَد أجمعت الأمة من الفقهاء- وهم العُمدة في هذا- على أنَ أفعالَهم وتروكَهم في حكمِ أفعالِ العقلاءِ، وهم ماخوذون بها ومؤاخَذون عليها أخذَ التَكليف؛ من ذلك: إيجابُ قَضاءِ الصلواتِ على السكرانِ والنائمِ، وقَضاءِ الصوم على الذاهلِ عن نِيّته والناسي لها في وقتِها (١) المأخوذِ عليه، علىَ اختِلافهم فيه، ومؤاخذتُهم بغرامات ما يقعُ منهم من الجنايات، وهذا هو حُكم التكليف والدخول تحته، فبمَ ينفصلون عن هذا؟
قيل: قد بَينا أنهم في زوال العقل كالمجانين والأطفال والبهائم، وأنهم أسوأ حالًا، فامتنع التكليف.
وأما وجوب الغَرامة والقَضاء، فذلك وجب بفرض مبتدأ، ولله سُبحانه أن يبتدىءَ خِطابَ العاقلِ ويلزِمَه ما شاء من العبادات، فما يُحقَق التكليف إلا عند عودتهم (٢) إلى إفاقتهم (٢) وعقلهم (٢)، وإيجابُ ذلك في حالِ إفاقتهم (٢) لا يوجب تكليفَهم (٢) حالَ زوالِ عقلهم (٢)، ولو أننا لم نجعل فَواتَ الصلوات وإتلافَ المالِ حالَ السُّكر والإِغماءِ سَبباً لِإيجاب ما وجب حال إفاقتهم (٢)، لكان جائزاً صحيحاً بإجماعِنا،
стр. 106
فَعُلم بذلك أَنَّ التكليفَ حصل بعد عَودِ العقلِ وحصولِ الإِفاقة.
وقد تكون التكاليفُ بعد حُصول أسبابِ سبقت، لا من جهةِ المكلفِ ولا من فِعله رأساً، ولا كَسْبَ له فيها؛ كَإيجاب الاغتسال على الحائضِ بعد انقِطاعِ الدم، وإن كانَ جريُ الدمِ ليس من كَسبها، فأوجبَ (١) الغُسلَ مستنداً إلىَ ذلك، وكذلك وجوبُ قَطع القُلْفَة التي وُجدت من خَلقِ اللهِ سبحانه، فتناولَ التكليفُ إزالتَها وقَطعَها بعد البلوغِ بنفسِهِ، وقبلَ البلوغِ خِطاباً لوليّه، فَلسنا نمنعُ أمثالَ هذا، وإنما نمنعُ الخِطاب لهم (٢) في حالِ الغَيْبة، وزَوالِ العقلِ.
ولأنه قد يكونُ فِعلُ البهيمة، وقَتلُ الخطأ، وحُكم الحاكم، وفُتيا المُفتي، أسباباً لوجوب أفعالٍ على غيرِ الفاعلينَ لها، لا لأن فعلَ البَهيمةِ وفعلَ قاتل الخطإِ داخلانِ تحتَ تكليفِ العاقلةِ وصاحب البهيمةِ، لكن جاءَ الشرعُ بذلك تحكماً منه، ولم يلجئنا (٣) ذلك أَن نقولَ بدخولِ هذه الأفعالِ تحت التكليفِ، فبطلَ أن يكونَ وجوبُ القَضاءِ لحكايةِ ما مضى من العباداتِ الواجبةِ في الأزمانِ الماضيةِ في حالِ الغَلبَة والسّكر والصَغر، وجوباً يدل على تَقدم التكليف.
فأما توهّم من تَوهم أن حدَّ السكران إنما وَجب عليه بسببِ أَدْخَلَه على عقلِهِ وهو السُّكر، فإنه باطلٌ، لأن السّكر من فِعل اللهِ تعالى وليس من كَسْبِ العَبْدِ وَمقدوراتِه مباشَراً ولا مُتولداً (٤)، فأما استحالةُ ابتدائِهِ
стр. 107
لفعلِ السُّكر في نفسهِ فباطلٌ باتفاقٍ، وأما امتناعُ كونِهِ مولِّداً لفِعل السُّكرِ بسببِ كان منه فظاهرُ البطلانِ، لأنه لم يكن منه إلا الشرب، وشُربه للماء وسائرِ المائعاتِ من جنسِ شُربه الخمرَ العَتيق، فلو ولَّد أحدُ الشُربين لولد الآخر، لأن الشيء إذا ولدَ عند أصحاب التولُّد وَلَد مثله، ولو ساغ القولُ بأن الشرب يُولَد السُّكرَ، لساغ أن يقال: إن الأكلَ والشربَ يولدان الشَبعَ والريَّ، وأن الوَجْبةَ (١) تولَد الموتَ، وكل هذا باطل.
وأصلُ القول بالتوليد عند أهلِ السنةِ باطل، خِلافَ المعتزلةِ (٢) وأهلِ الطبع، فإنه لا تَوتُدَ في فعلِ اللهِ سبحانه ولا فعلِ الخلقِ، فسقط ما طلبوه، ولا يسُوغ أيضاً لأحد أن يقولَ: إن السُّكْر إنما وجب وتولَّد عن ذاتِ الشراب؛ لأنه جِسم من الأجسام، والأجسامُ لا تُولَد شيئاً، ولأنه لو تولَد السُّكر عن ذات الشراب، لكاَنَ فِعلًا لله سبحانه؛ لأنه فاعل الجِسم الذي هو الشرابُ، وإذاً لم يُحد السكرانُ لسببٍ كانَ منه وأمرٍ أدخله على نفسه.
ولو قيل: إنما حُدَّ لأنه شَربَ، وانه قد أجرى اللهُ العادةَ بفعل السكرِ عندَ تَناولِهِ. لكان ذلك أولى، إلا أنه لم يكن محدوداً إلا على
стр. 108
شَيءٍ فعله مع العقل لا مع زوال العقل، لأنه يَشرب وهو عاقل مُميز.
فصل
ومما تَعلَّقوا به علينا في نَفي تَكليف السكران، قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، ونهيه للسكارى عن الصلاةِ وقُربانِها، إثباتُ تَكليفٍ لهم وصَرفُ خطابِ إليهم، وذلك مُبطل لما أصلتم من نَفي الخِطاب لهم والتَكليف.
قيل: إذا تأملتُم الأدلّةَ التي تَقدَمت، رأيتم أنها صارفةٌ لها عن ظاهرها، ووجبَ بتلك الأدلةِ أن نتاولها على وجهٍ يوافقُ تلك الأدلةِ الصحيحةِ، والتأويلُ لها ينصرفُ إلى وجوهٍ عدة:
منها: أن السكْر الذي صَحَ صرفُ الخطاب نحو صاحبهِ؛ هو السُّكر الذي يحصلُ معه نَوعُ تخليطٍ في الكلامِ، ولا يُزيل العقلً زَوالًا يمنع فَهم الخطاب، وذلك ليسَ بمانعٍ عندنا، فهو كالنُعاس بالإِضافةِ إلى النوم، ولا يَمنع شيئاً من التَكليف، ولهذا علامة نَذكُرها؛ وهي (١) نَشوةٌ يتحرك مَعها بتصفيق وإنشادٍ ورَقصٍ، كانَ يتماسك عنه حالَ صَحوهِ قبل النَشوة، ويراه قَبيحاً من نَفسِه وغيرِه، فهذا إذا نُبه تَنبه، وإذا فُزِّع فَزِع، وَيجتنِبُ المضارَّ ويَتطلَّبُ المنافعَ، فهذا يَحسُن أن يُقال له: يا هذا، لا تقرب المسجد ولا تَدخل في الصلاة، حتى تَتماسكَ وتَصحو عن هذه النَشوة.
ويحتمل: لا تَشربوا شُرباً يؤدي بكم إلى حالٍ تدخلوا بها
стр. 109
المساجد والصلوات، مثل قول القائل: لاتَدخل الصلاةَ ذاهلًا ولا ساهياً. بمعنى: تَيقَظ وادخُلْ، ولا تَدخل الصلاةَ عَطشاناً. أي: اشرب وادخُل. كذلك ها هنا، المراد به: لا تَشرب شُرباً يؤدي بك إلى التَخليط وتَدخل الصلاة. فكأنه قال: لا تشربوا شُرباً يؤدي بكم إلى التَّخليط. وهذا كان في أوقات الشُرب قبل النَسخ.
وقد قيل: لا تَقربوا الصلاةَ وأنتُم سُكارى من النوم والاستثْقال (١)، حتى تَستيقظوا استيقاظاً يَزول معه ثِقَل النوم، ويكمُلُ مَعه تَمييزكُم لما تَقولون، ونَشاطكم فيما تَعملون.
ويحتمل أنه قال للصُحاة: لا تَقربوا الصلاةَ وقد شَرِبتم شُرباً، عساكم تجوزون تَخليطَ الأقوال في صَلاتكم (٢).
وقد قيل: إن رَجلاً تَقدم في الوَقت الذي كانت مُباحة، فَخلَّط في سورةِ الكافرين، وأقام الفاتِحة وأعمال الركعة، فَنزلت (٣). ومن أقامَ أكثرَ أقوالِ الصلاةِ وأفعالِها لا يكونُ خارجاً عن حَيِّز التكليف (٤).
فصل
واعلم أن المُكره داخلٌ تحت التَكليف، على أنَ فيه اختلافاً بينَ الناس؛ وذلك أنَّ المكره لا يَكون مُكرهاً إلا على كَسبه وما هو قادرٌ
стр. 110
عليه؛ نحو المكره على الطَلاق والبَيعِ وكلمةِ الكُفر، وكل ذلك إذا وَقع فهو كَسبٌ لمن وَقع منه، وواقع مع عِلمه به وقَصده إليه بِعَينه، فيصحّ لذلك تَكليفه، كتكليف ما لا إكراه عليه فيه.
وزعمت القَدَريًة (١) أنه لا يصحُ دخولُهُ تحتَ التكليف؛ لأنه لا يَصح منه غير ما أكره عليه.
وهذا قولٌ باطلٌ من وجهين:
أحدهما: أنه قَد يصح منه خِلاف ذلك؛ لأنه عندهم قادرٌ على ما أكره عليه وعلى ضِده وتَركه، فلو شاءَ فَعَلَ ضِده والانصرافَ عنه، ولتحمل الضرر وكفَّ عنه، فسقط ما قالوه. وغاية ما فيه أنه يشق عليه، ويتكلًف ما يُضاده ويَثقل، وهذا مما يجانسُ التَكليفَ، فأما أن يُضادّه فلا؛ لأن التكلفَ أبداً إنما هو لفعلِ ما يَثقل وَيشق.
الوجه الثاني: أنه ليس كل من لا يَصح منه الانصراف عن الفِعل يمتنع تَكليفُه؛ لأن القادرَ عندنا على الفِعل من الخَلق لا يصحُ منه الانصرافُ عن الفعل في حال قدرتِهِ عليه، لوجوب وجودِها مع الفعل وإن كان ذلك يصح منه، بمعنى صحِة نيته (٢)، وأنه لا يصح كوُنه قادراً على ضِده بدلاً منه، ومع ذلك فإن تكليفَه صَحيح.