← История

История · id 122237

أخبار سلاجقة الروم = مختصر سلجوقنامه

مجهولون

Полный текст (439 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بين يديه، واستدعي الصاحب مهذب الدين والقاضي فخر الدين، وسألهما: ما الذي دعاكما إلى الحضور؟ أجاب الصاحب قائلا، ليجعل الله- تعالى- الإيلخان الأعظم خالدا أبد الزمان، وليعلم القائد أن الله إن كان قد أعان في هذه الكرة دولتكم، فظفرت على/ سلطان الإسلام، فلا ينبغي أن يكون ذلك مدعاة للغرور، فما قتل في الحرب- كما هو معلوم لديكم- أكثر من ثلاثة آلاف فارس. ومع هذا كله هلك من جند المغل عدد كبير. وفي أطراف بلاد الروم مائة ألف مثل أولئك الفرسان بكامل سلاحهم وعدتهم. على أن ملك الروم لا ينعقد له نظام إلا بسلاطين سلجوق، ولا يطمئن للرّعايا بال إلا بالانقياد لهم. فلو أن القائد راعى مصلحة الإيلخان فلا سبيل إلا أن يشفع مصالحة السلطان بالقبول. لأن العظماء الذين مضوا وتركوا لكم الملك قد قالوا: ينبغي طلب الرّضا ممن يقرع باب الصّلح ويدخل من باب العجز والاضطرار. لقد تمّ عرض ما من شأنه أن يؤدي إلى فراغ بال القائد، وراحة الملك والرعية أما إن كان يقع للقائد رأي غير هذا، فليأمر به. فلمّا سمع «بايجو» المفاوضات إشار إلى امرأة من نساء «جرماغون» كانت تتولى أمر إفهامه الكلام لكي تصيح بما تضمّنه في أذن جرماغون، فلمّا أصغي إليها، وبحكم أنه كان كثيرا ما سمع عن العادات الكريمة للسلطان المرحوم علاء الدين [وكان يثني عليه، ولا يفتأ يقول: ليت أن علاقة تبعية تنشأ بين السلطان والخان الأعظم لكي تبقى ولايته سالمة من معرّة الجيش ومضرّته، فمن الخسارة أن تخرب مثل تلك المملكة والسلطنة التي قد زينت بالعدل والإنصاف بصدمة صولة المغل، وأن تصاب قواعد السلطنة بالوهن] (١). ومن ثمّ أومأ وأشار

стр. 317

- انطلاقا من هذه الرغبة الصادقة- إلى أنه يقبل الصّلح. فبدأ «بايجو» - بمشورة «جرماغون» - في وضع أساس التبعية وقال: ما المقدار الذي يتقرر وصوله كل عام من ملك الروم إلى الإيلخان وقادة الجيش؟ فخرج الصاحب من الاجتماع وتشاور مع القاضي، ثم سجل بقلمه مقادير مفصّلة من الذهب والخيول والبغال والأفراس والأبقار والأغنام، وأرسل بيانا بها إلى خدمة القائد، وبيّن أن كلّ سنة يأتي المبعوثون إلى ملك الرّوم لطلب هذا المقدار، وبعد أن نسلمه إليهم يأتون به إلى هنا. فرضي «بايجو» ببعضه/ وعدّ البعض الآخر قليلا، فزاد [الصّاحب] (١) شيئا على كل ما كان موجودا، الأمر الذي رضي به «بايجو». ثم إنه استدعي الصّاحب، وبشره بإتمام مرامه. فأخذ الصّاحب بتلابيب «بايجو» تأكيدا للعهد والميثاق، وتم إرساء بنيان الصّلح بموافقة أمراء الجيش بأسرهم. ثم إن الصّاحب عاد إلى حضرة السلطنة بصحبة الصّدر الكبير «فخر الدين البخاري»، حيث شغل بسدّ الثّلمة وترميم الثّغرة. …

стр. 318

ذكر عودة الصّاحب شمس الدين من [ناحية] الشّام إلى حضرة السلطان حين ذهب الصّاحب «شمس الدين» إلى «حلب» لطلب الجند، جمع طوائف من الأجناد لم يكن عددهم ليدخل في حيز التعداد والحصر ودفع لهم جميعا أرزاق ستة أشهر مقدما. وأخذ يتحين الفرصة للرحيل اليوم وغدا. وفجأة سمعوا خبر انكسار الجيش وانهزام السلطان وتفرق الجموع، ففترت النيات رغما عنها، وانكسرت القلوب بسبب ردّ صحاح الدراهم والدنانير، وقد استرد بعضها بطريق التساهل، وحين سمع جماعة بالأمر تفرقوا في أرجاء العالم يركضون متعجّلين والذّهب في أكياسهم (١). وجاء أكابر بلاد الروم وأعيانهم من قيصرية وملطية وسائر الأصقاع عن طريق «سيس» إلى «حلب» فمدّ أرامنة «سيس» - أباد الله حالهم وأفنى رجالهم- يد الغدر والغارة إلى اللاجئين المسلمين، وقبضوا على والدة السلطان ثم سلموها بعد ذلك إلى المغل، وأخذ يسبون النبي ﵇. [ولحق المسلمون- بكلّ وسيلة كانت- بحلب وما جاورها] (٢) فنشأ للروميين هناك تجمع كبير. ووصل الخبر بأن السلطان قد لحق بقونية سالما من معركة «كوسه داغ»، وأن جيش المغل توجه إلى «مغان»،/ وأن الصاحب «مهذّب الدين» انطلق في إثره بهدف افتتاح أبواب المصالحة. وأن الخلائق خرجوا من المسارب والمهارب. ومن هنا صمم الصاحب «شمس الدين» وسائر أكابر الروم على الرجوع، [لكنه

стр. 319

كان خائفا] (١) بسبب ما جرى منه من تباطؤ في اصطحاب الجند، وسعاية الحسّاد الذين كانوا قد وجدوا مجالا في ذلك الوقت للطعن فيه (٢)، فضلا عن الأكراد والأتراك الذين كانوا موجودين على الطريق. ومن ثم كان يفكر في دعوة الملك «مسعود» صاحب «آمد»؛ فجاء في صحبته إلى «ملطية». فاستبشر «جاولي چاشني كير» بقدوم الصّاحب، وحال بينه وبين صحبة الملك «مسعود» - لما كان يلازمه من نحس وإدبار. فأرسل إليه الصّاحب- شاء أم أبى- (٣) حسام [الدين] چوبان الملطي فقال له: في وقتنا هذا ظهر الفتور في المملكة، وليس من المؤكد ما الذي سيطل بوجهه من وراء ستار الغيب، والمصلحة هي أن يعود الملك. ومتى وصل الصاحب لخدمة السلطان، وخاطبه في الأمر فإن الأمر يصدر من حضرة السلطنة باستدعاء الملك، ويتحدّد الإقطاع. فلما سمع الملك «مسعود» هذه الرسالة، أطال لسانه بالعتاب، وعاد إلى الشام- وهو نادم سادم (٤) - عن طريق «آبلستان». وتوجه الصّاحب لخدمة الأعتاب السلطانية، وكان قد أرسل «چاشني كير» قبله، فأخبر بقدوم الصّاحب، وبادر بذكر خوفه وهيبته، وأنه يلتمس التعطّف. فلما بلغ الصّاحب «منزل أبروق» دفعوا إليه بمنشور الوزارة وأمر باستمالته على أكمل وجه. فقال بعد المطالعة: رغم أن هذا يدل على غاية التلطف والتكريم من جانب السلطان، فإن صدور أمر بعزل الصاحب «مهذّب الدّين» في

стр. 320

الوقت الذي ألقى بنفسه في خضم البلاء والعناء من أجل مصالح المسلمين أمر ليس صائبا. فلمّا لحق بالحضرة تمّ تفويض الحلّ والعقد له في الأمور كلها/، غير أنه لم يشرع- بأي وجه من الوجوه- في مباشرة الأمور المتعلّقة بوظائف الوزارة. ذكر عودة الصّاحب مهذّب الدين من خدمة «بايجو نوين» في هذه الأثناء قدم أصحاب البشارات بما ينبئ عن وصول الصّاحب وحصول المآرب. فلحق في أعقابهم بخدمة العتبة السلطانية، وحكى ما حدث من أحداث وإيجاب. وكان السلطان يأمر كل لحظة بتشريفة جديدة ويثني ثناء لا مزيد عليه. وبعد ذلك جاوز شأن الصاحب قلّة شواهق الكمال وذروة الجلال. وأرسل إليه هو والصّاحب شمس الدين في يوم واحد من حضرة السلطنة دواة الوزارة وسيف النيابة الذهبي، وأمر له بإقطاعات وفيرة. فلم يقبل الصّاحب مهذب الدين إلا أربعين ألف درهم، ولم يأخذ لنفسه أكثر من ذلك. ***

стр. 321

ذكر توجّه الصّاحب الإصبهانى لخدمة صاين خان من بحر الخزر حين استرد السلطان غياث الدين زمام التدبير بهذين الشيخين الفريدين العبقريّين، تراءى لهما أن ترسل الرسل إلى خدمة [الخان] (١) الذي استولى على صحراء القفجاق بالسيف البتّار، لكي تتم إشادة وإعلاء بنيان السلطنة- الذي أصابه الخلل بسبب سوء تدبير المدابير- بتعاون بناء من جانب أولئك الملوك الفاتحين. فعرضوا هذه الفكرة الثّاقبة على الآراء العالية لحضرة السلطنة (٢)، وبعد الثّناء والاستحسان وقعت قرعة الاختيار على واحد من هذين الرجلين الكبيرين الشهيرين. لكن السلطان قال: لما كان الصّاحب «مهذّب الدين» لم ينفض إلى الآن عن كاهله غبار السفر، فإن على النائب «شمس الدين» أن يتصدّى لأداء المهمة/، فوضع النّائب رأسه على الأرض في الحال، وامتثل أمر السلطان. فأصدر السلطان أمرا لأمناء الخزانة، لكي يتركوا يد النائب «شمس الدين» مطلقة في كل ما يريد. واختار هو بدوره من التحف والطّرف والجواهر والنفائس كل ما رآه لائقا، واتجه نحو الطريق بملازمة «فخر الدين» قاضي «أماسيه»، و «مجد الدين محمد الترجمان». فلما وصل إلى الحضرة، وعرض الهدايا

стр. 322

والتقّدمات حظيت على الفور بالقبول، وتم تقسيمها في الحال على الخواتين والأمراء الملكيين. وقد تفضل فبالغ في إكرامهم، فصاروا موضع حسد الناس وغبطتهم، ومنح السلطان جعبة سهام، وقربانا وسيفا، وقباء، وقلنسوة مرصعة، وأمرا ملكيا، وجعله نائبا من قبله في البلاد، وحرر بذلك كله أمرا ملكيا، ووهب الملازمين تشريفة خاصة، وندب «سانقسون قرجي» لرد الزّيارة. ثم إنّهم ودّعوا الخدمة، وانطلقوا إلى بلاد الروم من طريق «شماخي» و «شروان». فزادت سعادة السلطان بوصولهم. ولما كان الصّاحب «مهذّب الدين» قد انتقل إلى جوار الحق- تعالى- أرسل للنائب «شمس الدين» قبل وصوله إلى الحضرة بمنشور الوزارة مضافا إلى إمارة «قيرشهر»، وهو أمر لم يتحقق لأي وزير من وزراء الروم، وتعجل النّائب في إدراك شرف المثول. وتوجه الصّاحب في صحبة الرسل [إلى خدمة السلطان] (١)، وكان كلما وصل إلى مدينة ومر بها أقام أهلها الأفراح، ونصبوا الزينات. وقد مثل بين يدي السلطان في قرية «قرايوك» من أعمال «آقشهر» قونية، فعرض القضايا التي كانت قد جرت في الذهاب والإياب الواحدة تلو الأخري، ولدى استماع السلطان لأداء الرسالة/، وحسن القيام، وتيسير المرام [تضاعف ما كان لديه من ثقة في كمال حصافة الصّاحب «شمس الدين» وفرط فصاحته ووفرة دهائه] (٢). وأعطاه سيفا ذا غمد ذهبي، وقال: كل من يتجاوز حكمة يشقه بذلك السيف نصفين، ولا شئ عليه [ثم إن الصّاحب وسائر الزعماء ورجال الدولة والأكابر] (٣) جاءوا في حشد ضخم مع الرّسل إلى قونية، فردّوا من هناك بتكريم وصلات لا حصر لها.

стр. 323

ذكر توجّه الصّاحب شمس الدين والأمراء وإغراء العساكر لغزو «سيس» حين انتشر في كل البلاد خبر اجتماع العساكر للتوجّه إلى ولاية الكافر، أخذ الخاص والعام يتسابقون في ذلك الأمر واجتمعوا بنية الغزاة في «قونية» المحروسة، ولحقوا «بأراكلية» بقلب قويّ وعزم صادق. وهناك تخففوا من الأثقال. وأحاطوا فجأة كالبحر الأخضر بسور طرسوس، ونصبوا المجانيق. وأخذ الأمراء الكبار يشنون الهجمات بجنود جرّارة في أطلال الأرمن ودمنها، وكل ما كانوا يعثرون عليه إمّا يحتفظون به لأنفسهم أو يرسلوه إلى البلاد. وأحرقوا الأشجار والمزارع، ولم يجيزوا الإبقاء على شئ بأي وجه من الوجوه، وأحدثوا بضرب المنجنيق ثغرات واسعة في الإيوان والقصر وأسوار الدور والقصور في «طرسوس»، ولو أنهم ظلوا على جهادهم يوما واحدا آخر، لكان قد تحقق لهم الظّفر. لكن الحسد المتأصل لديهم حملهم على الخذلان، فكانوا يقولون: نستولي نحن على الولاية، ويكون الاسم للصاحب «شمس الدين» [فأخذوا في إبداء المماطلة والتراخي] (١)، وفجأة فتحت السماء بالأعزل (٢) والطّاب من السحاب، وأخذت تمطر ليل نهار حتى تعذّر على الجيش بأسره التردّد إلى الخيام.

стр. 324

كما وصل الأمر من الأعتاب السلطانية إلى الصّاحب: أن تعال إلينا، فما حدث إنما كان بسبب المياه التي تجمعت بفعل المطر. قال الصاحب [للأمراء] لا يجوز ترك الأمر مبتورا/، وأرى أن تتصالحوا مع هذا الكلب العقور، وتلزموه بأداء الخراج، وأرسل ليلا إلى «تكور» في السر بزعم أن الأمراء لا علم لهم بشئ، وقال له: كنت دائما أرعى جانبك، وحلت بين السلطان وبين دخول بلادك بضع مرات، وكنت أدافع عنك هذه المرة أيضا. ولكن لأن البحر كان مائجا ورياح السخط عاصفة بسبب أنكم ارتكبتم كل رذيلة وسوء خلق وقت انكسار الجيش في «كوسه داغ»، وما تركتم مجالا لعذر، فقد اضطررت لتجريد الحملة، والأمر هيّن عندي لأنني لو أردت لاستخلصت [المدينة] في ساعة واحدة. أليس من الأفضل لتكور أن يتقدم بقدم الاستغفار، ويقرع باب الصلح، ويرسل الأحمال إلى الخزانة، لكي أتوسط وأزيل غبار الوحشة من البين؟. فلما سمع «تكور» هذه الرسالة دبّت فيه الرّوح، وأجاب، ثمّ أرسل رسولا إلى الأمراء بطلب الأمان، وسلّم قلعة «براكنارا» مع بضعة قلاع أخرى لمماليك السلطان، وسيّر خراج الماضى والمستقبل مع الهدايا. وارتحل الأمراء والعساكر، فبلغوا «أراكلية» بألف حيلة [وبعد عناء شديد] وبقيت الأمتعة والأحمال في الأوحال. فلما لحقوا بخدمة الأعتاب السلطانية، كانت قد مضت سبعة أيام على انتقال السلطان إلى رياض الآخرة، فانهمكوا في العزاء والبكاء. وبعد ثلاثة أيام جرت المشاورة بينهم. ***

стр. 325

ذكر جلوس السلطان عز الدين كيكاوس على سرير السلطنة فكّر الصّاحب «شمس الدين محمد» مع رفاقه الأربعة: «جلال الدين قراطاي»، و «خاصّ أغز»، و «أسد الدين روزبه» أمير الجامدارية، و «فخر الدين بكر بروانه»: أي الأمراء الثلاثة يجلسونه على عرش السلطنة: عزّ الدين كيكاوس، أم ركن الدين قلج أرسلان، أم علاء الدين كيقباد؟ فوجدوا عز الدين كيكاوس قد امتاز على أخويه الآخرين بحسن الطلّعة وجمال الأبّهة وعلوّ مرتبة السنّ، فقصروا الكلام، ومدوا الأيمان للمبايعة، وحلفوا بالأيمان الغلاظ على متابعة حكمه، وحملوهم من قلعة «برغلو» إلى «التونتاش» من أعمال «آقشهر قونية»، ووضعوا كرسيين ملكيين على يمين العرش ويساره، فجعلوا مكان ركن الدين قلج أرسلان على اليد اليمنى، وعلاء الدين كيقباد على اليد اليسرى. واتخذ الصاحب شمس الدين، وخاص أغز مكانين عن يمين السلطان ويساره، وأجلسوه على عرش القيادة، ونثروا الدينار. ثم إنّهم اتجهوا إلى «قونية»، وهناك أجلسوا السلطان مكان آبائه الكرام، واستقر الرأي على أن تكون الوزارة للصّاحب «شمس الدين»، والنيّابة «لقراطاي» وملك الأمراء «لخاص أغز»، والأتابكية «لأسد الدين روزبه»، والحجابة (١) «لأبي بكر العطار». وسطّر «شمس الدين محمود الطغرائي» المعروف ببابا منشورا باسم كلّ منهم، فحصلت له بتلك الكتابة نعمة وفيرة، فنقده «شمس الدين خاص أغز» مبلغا قدره خمسين ألف درهم.

стр. 326

وبعد إحكام قواعد الملك والدّولة نهضوا جميعا بتسيير أحكام الملك، وكانوا يتداركون أمور الجمهور بالّاتفاق فيما بينهم، ولكن بسبب المصاهرة التي حدثت حين زوج «خاص أغز» كريمته «لمبارز الدين بيرم»، ابن أخت «أسد الدين روزبه» / وما كان بين الخاص وروزبه من اتفاق كلي، فقد كثر رجوع معظم الناس إليهما في جلائل الأمور، ولم يكن هناك من أمر يبرمه الصّاحب و پروانه ما لم يكونا راضيين عنه. فاندلعت نار الحسد في باطن «نصرت» أمير العدل، وأبي بكر پروانه. ومع أن الصاحب لم يكن يلقي إلى ذلك بالا ويشغل أوقاته [بعد الفراغ] من الديوان بمطالعة الكتب ومجالسة العلماء والزهاد، وكان يريد أن يدفع استبدادهما واستقلالهما بالأمر على أحسن وجه، وألا يجعل عرضهم مضغة لكل شامت وحاسد من أجل تحصيل ما فسد من أغراض، لكن «نصرت» أمير العدل بما اشتمل عليه من خبث النفس وفساد الاعتقاد، كان يختلق للصاحب كل لحظة حديثا مزعجا وخبثا مهيجا من قبل «خاص اغز» و «روزبه»، ويشفع ذلك كله [بالأيمان الكاذبة] (١) ويبلغه في نفس اليوم إلى مسامع الصاحب. إلى أن وصل الأمر بالصّاحب وما له من طبع ألوف- بمرور الأيام- فأظهر نفورا من (٢) خائفا متوهما، وهو ما رضي أن يعيش في تلك البلاد إلّا سالما آمنا، ومن ثمّ عزم على المسير للعمل في خدمة السلطان «ركن الدين قلج أرسلان»

стр. 327

- الذي كان قد فوّض في عهد أبيه في التوجه إلى حضرة [الخان الأعظم القبجاق] (١) فأعدّ عدة السفر. وذات يوم تسلل «نصرت» امير العدل- مع پروانه إلى بيت الصّاحب، وقالا: قد اتضح للقاطنين في ربوع البلاد- كالنهّار السّاطع المبين- أن السلطان «غياث الدين» قد فوض- في أوقات حياته وسكرات مماته وصاية الأولاد وكفاية الرعايا والبلاد لرأي الصاحب الثاقب، ولما كان الصاحب قد أزمع على الرحيل الآن/ فإنّه إنّما يعطّل بذلك مسند الوزارة- الذي هو بمحياة الرائع كالسماء الرابعة التى تتيح للشمس أن تتجلى وتظهر- فتبقى بذلك مصالح الخلق مهملة، وتحل النكبة بالملك والدولة، فيظهر بذلك اختلاف الكلمة وافتراق الجماعة ويكون ذلك بسبب إهمال الصاحب. فإن كان الذي يحمله على ذلك تفرد «الخاص أغز» و «روزبه» فإن من اليسير علينا دفع ذلك إن تلقينا إذنا من حضرة الوزارة. فرضي الصاحب بعزل الخاصّ وروزبه واعتقالهما، ووكل ذلك التنكيل لپروانه وأمير العدل. فقالا: ينبغي ألا يعدل عن ما نراه صوابا، إذ لابد لنا أن ندعوهما إلى قصر الصّاحب للعيادة، ونقيّدهما في الخلوة، ونبعث بهما إلى حيث يأمر الصاحب. فرضي الصّاحب بذلك كله. …

стр. 328

ذكر احتيال پروانه وأمير العدل واغتيال الخاصّ أغز وروزبه في قصر الصّاحب حين انصرف «أبو بكر پروانه» وأمير العدل من عند الصّاحب، شرعا في دعوة قادة السّفلة في «آقشهر» و «آبكرم» - وكانوا على الدّوام يزحفون هاربين في شقوق ما للحدائق من أسوار، خشية قادة الشّرطة بالمدينتين، فأمنّاهم بالقسم المغلّظ، بل وعداهم بالإقطاعات والتّشريفات، وأخذاهم فأخفياهم بالّليل في غرف الخدم التي كانت تحيط بساحة قصر الصّاحب، بطريقة لم يطّلع عليها مخلوق، وجرى الاتفاق على أنه متى جاء الأميران لخدمة الصاحب، وتحقّقت الخلوة، نطق «نصرت» بكلمة «قوزى» (١)، فيثب السّفلة الأنجاس خارجين من المكامن، ويقضون على الأميرين. فلمّا اكتمل ذلك التّدليس والتّلبيس، كان الصّاحب قد تمارض قبل ذلك ببضعة أيام، واستلقى على الفراش، وذات يوم في الصّباح الباكر ذهب «نصرت» إلى خدمة «الخاصّ أغز» /، وقال له: منذ بضعة أيام والوزير ملازم للفراش، ويشتدّ به المرض كلّ يوم، وقد اهتمّ الأكابر بالسّؤال عنه وعيادته، فلو أنّك تفضّلت بتكبّد شئ من المشقّة في الذّهاب إليه اليوم، فلعلّه إن كان عنده أمر أو وصيّة فيعرضها (٢) عليك، وهو مالا يخلو من فائدة. قال «الخاصّ أغز»: رأيت الليلة أحلاما ساءتني، فأنا بسببها متوتّر مضطرب، كما أن حساب الرّزق على أساس التّنجيم والأحلام أمر مذموم. ولكن لنرجئ

стр. 329

العيادة إلى الغد، ولنرفع اليوم كؤوس الشّراب [برغم دورة الفلك الجائر] (١) فدفع «نصرت» كلّ تعلّة، وحمله على أن يرسل إلى «أسد الدين روزبه» فيستدعيه إليه، وانطلق كلاهما بالحواشي والحشم. فلما اقتربا استبق «نصرت» زاعما أنه سيعلن عن [مقدمهما] (٢) ودخل الحجرات، وزاد السفّاكين ترغيبا، وشجّعهم، ثم عاد ووقف على الباب مرحّبا. وبخداعه لم يسمح لكلّ واحد منهما إلّا أن يحمل معه جرموقا (٣) عند دخولهما على الصّاحب. فلمّا دخل الأميران كلاهما، أحكم نصرت إغلاق الباب، وانطلق أمامهما إلى خدمة الصّاحب في الحمّام، فلمّا دخلا شرعا بعد السّلام والتحيّة في السّؤال وإبداء التّعاطف، وهنا نطق «نصرت» - وفقا للاتفاق المسبق- بكلمة «قوزي»، فوثبوا جميعا من المكامن والمخابئ إلى الباب، ووقفوا أمام. الصّاحب بالحربة والسّيف البتّار، وأخذوا في ضرب «الخاصّ أغز» وأمير الجامدار. وكان أغز يصيح: يا مولاي الصّاحب، هذا الصّنيع ليس من باب الوفاء والمروءة، ولا ينتظر صدوره منكم، وكان كلما صاح تلقّى المزيد من الضّربات. فلما أراقوا دم هذين الكبيرين اللبيبين/ فصلوا الرّأس عن الجسد، وعلّقوهما من فوق الجوسق الخشبيّ الذي كان قد تمّ تركيبه للزّينة على بوّابة «السلطان»، فلما رأى المتعلّقون بهما والحشم ذلك، فّروا، وتسللوا إلى الأركان الخربة، وانطفأ كل ما كان لأغز وروزبه من صولة وصلابة وسهم

стр. 330

حسم (١) في أقلّ من ساعة واحدة، وامّحت كلمة وجودهم من صحائف الزّمان، (بيت) فكانت لوعة ثمّ استقرّت … كذاك لكلّ سائلة قرار كان «شمس الدين الخاصّ أغز» غلاما روميّ الأصل، غير أنّه كان ذا فضل وافر وعبارة باهرة وخطّ كسمط الجواهر، إن فاض عطاؤه ما كان يقيم للسحاب وزنا، بل كان يعدّ حاتم [الطائيّ] بخيلا. قد أنشأ رسالة في مناظرة الصبح والخمر، ويمكن الاستدلال على فضله بتلك [الرسالة] والفصل. أمّا روزبه، فمع أنه لم يكن متأدّبا، إلّا أنه كان فريدا في كفاءته وخبرته وعفّته وديانته. أجل؛ ثم إنّ «نصرت» أطلق السّفلة والأوباش على دورهم، وأسلمها لريح الغارة؛ وركب الصّاحب، وأجلس السلطان، وطاف حول الخندق بالمظلّة والرّاية، ونزل الدّيوان، وأرسل النّاس في طلب أقارب القتيلين ومن يتعلّقون بهما، فحبس بعضهم ثم قتل، بينما أمر الصّاحب بإطلاق بعضهم. وعند صلاة العشاء لم يبق فى دورهم وديارهم ديّار. …

стр. 331

ذكر استدعاء الصّاحب «لشرف الدين محمود الأرزنجاني»، وسبب تبدّل العداء بالصّداقة حين وقف «الصّاحب شمس الدين» من تلك المكيدة- بمقتضى النّصيحة القائلة: «اللبيب من/ وعظ بغيره» - على خبث عقيدة «أبي بكر پروانه» و «نصرت المجنون»، ولأن الصّاحب لم تكن له صلة قرابة بأحد لا بزوجة أو ابن أو قريب، فقد جعله ذلك كلّه يشعر بخوف دائم من غدرهما ومكرهما في «قونية». وذات يوم أسرّ بالأمر «لشمس الدين بابا الطّغرائي»، وأخذ يبحث معه عن وسيلة ينير بها- بمصقل تجربته- مرآة فكره التي أصابها الصّدأ. أجاب «الطّغرائي»: فليأمر الصّاحب الأعظم- إن شاء- بإرسال أمر من جناب الوزارة لاستدعاء «شرف الدين محمود» - قائدة قوة أرزنجان- كما يستصدر باسمه منشورا بتولي منصب ملك أمراء الروم، ويبعث بذلك كلّه إليه. وحين يتم حضوره إلى الأعتاب، وتتوالى أنواع الاصطناع من حضرة الوزير، يتعيّن عند ذاك الشّكوى من «پروانه» وأمير العدل، أحيانا بالتّعريض وأحيانا أخرى بالكناية، ويترقّب الصّاحب ماذا يكون جوابه في هذا الصدد، فإن وقع الجواب مطابقا لمصلحة مماليك الصّاحب وإرادتهم، فيجوز عندئذ مصارحته بالأمر، وبهذه الوسيلة يمكن العثور على مخرج ومخلص عن طريقه. فبدا هذا الرّأي موافقا للصّاحب، وفي الحال كتب أمرا متضمّنا الألطاف متجاوزا الأوصاف، وأرسله إليه خفية على يد «سابق أولاقجي». وما إن طالع [شرف الدين] رسالة الصّاحب حتى التمعت أسارير مسرّته، وولّى وجهه بجمع

стр. 332

كبير وجند كثيرين صوب خدمة العاهل. وحين سمع الصّاحب وسائر الأركان خبر قدومه، رأوا من الواجب المبادرة باستقباله، وجعله الصّاحب بأصناف الألطاف سغبا (١) لإحسانه ومملوكا مذعانا له. فلمّا مضت مدّة على هذا الحال، جرى على لسان الصّاحب ذات يوم في أثناء التنزّة قوله: إن من رأينا/ أن يتحرّك موكب السلطنة إلى «سيواس»، و پروانه وأمير العدل لا يرضيان بذلك، ولا يريدان مفارقة مدينتهما ومواطنيهما [ومعظمهم أقاربهم وأتباعهم] (٢). وذلك أمر يستوجب انفعال الخاطر انفعالا تامّا بمؤامرتهما التي أهلكا بها الأميرين. فلم تعد لي ثقة بأفعال هذه الجماعة وأقوالها وباطنها، وعالم السّر والعلانية شاهد على أن رضائي لم يكن مقرونا بإراقة دم (٣) هذين الشّهيدين، لأنني كنت قد وقعت بينهم «كالشّعرة البيضاء في الّلمّة السوداء» (٤)، وظللت محروما من إسعاد المجير وإنجاد المشير، ولقد غلت مراجل فتنهم وإحنهم، وما تابعت مرادهم، إلالفرط الاضطرار، واستسلمت لسوء الذّكر في الدّارين، وحرمت من مصاحبة الأمراء الذين كانوا قد نشأوا ونموا منذ عهد الطّفولة في حجر تربيتنا، وكانوا يرون الدّنيا بعيوننا نحن، وما ذلك إلا بسبب خبث هذين المشؤومين ووشايتهما. وفي أثناء الكلام جرت قطرات العبرات على وجنتيه الكريمتين، فأخذت

стр. 333

الأمير «شرف الدين» رقّة لسلامة نفس الصّاحب وصدق نفسه، وأجاب قائلا: إذا كان الصّاحب الأعظم قد حزم أمره على أن ينطلق موكب السلطنة إلى «قيصرية» و «سيواس» فمن ذا الذي يجرؤ على أن يضع يد الردّ على صدر مراد مماليك حضرته. ولئن كان مولاي قد ظل متوقّفا في المسير إلى الآن، فما ذلك إلّا بسبب غيبتي. أمّا بعد أن أمسكت يد الاعتصام مني بالعروة الوثقى لسرج الصّاحب الأعظم المبارك، وتشبّثت بها، فإنّ كلّ ما يأمر به ويراه يشمّر هذا المملوك عن ساعد الجدّ لتنفيذه وتحقيقه بالقلب والرّوح. وحين سمع الصّاحب هذه الكلمات من «شرف الدين» سكن قلبه الجامح وهدأ/ ثم أعلن أمرا بالطغراء (١) بتلك القضية، وزاد تمكّنه. وقال: لا شك أنّ الشّمس (٢) حين تصل إلى الشّرف يظهر وبال الخصم منقلبا. وذات يوم حين تصادف أن خلا الثلاثة ببعض تشاوروا في كيفية البدء في إبادة هذين الشرّيرين الخبيثين. قال «شرف الدين»: لن يتحقق ذلك ما دام كلاهما موجودا في هذه المدينة. قال الصّاحب: إن كلّ همّتنا منصرفة- وفقا لقرار السلطان «غياث الدين» - إلى تسيير الملك «ركن الدين» إلى خدمة [الخان الأعظم] (٣)، ولقد كنّا قبل هذا قد تصدّينا لتلك المهمّة فلنجعل «نصرت» أمير العدل ملازما له في خدمة ركابه، ومتى وقعت الفرقة بينهما على هذه الصورة، فربما يلوح وجه ما نسعى إليه. فقال الإثنان: نعم الرأي. وفي اليوم التّالي حضروا إلى الديوان، فساق الصّاحب الكلام إلى أن قال:

стр. 334

يتعيّن إيفاد الملك «ركن الدين» بأسرع ما يمكن، حتى لا تتلف المهمّات التي جرى إعدادها منذ مدّة طويلة. وكل من يقع اختياركم عليه من بين الحاضرين يسير في خدمته. قال: كل من يشير إليه الصّاحب ينهض بهذه المهمة. قال الطّغرائي: [لا أحد يليق بملابسة هذه المهمّة الدقيقة أفضل من أمير العدل] (١). قال پروانه: ليس هناك من يفضله، ومن ثمّ ألزم أمير العدل والتزم. وبعد بضعة أيام انطلق في خدمة الملك ركن الدين- نافذ الأمر- نحو «سيواس». فلمّا أصبح وصولهم إلى «سيواس» أمرا معلوما، سلك الصّاحب «وشرف الدين» و «الطغرائي» - أثناء التنزّه في خدمة السلطان في أحد الأيام- طريق «آقسرا». وأرسلوا رسولا إلى «قراطاي» لكي يؤمّن البيوتات والخزائن، ثم يحملها ويلحق بحضرة السلطنة بسرعة. فلما رأى «پروانه» هذا الأمر أصابه الذّهول وصرخ قائلا:/ لماذا تغادرون فجأة على هذا النحو دون سبب واضح، ودون مشورة؟ وغلبته الأوهام بحكم المثل القائل «الخائن خائف» [وتصور أن يكيدوا له كيدا في الطريق ويتآمرون عليه] (٢)، فطلب الإذن بالعودة، وأعدّ عدّة السّفر لكي يعود أدراجه. فلمّا جاء إلى المدينة دعى إليه «الأخيان» (٣) والشّباب، واستغاث بهم،

стр. 335

فأجابوا قائلين: إن الصّاحب حاكم الملك وكافل مصالح السلطان «عز الدين» بوصيّة السلطان «غياث الدين». والسلطان- وهو مالك الملك- في يده. ولن نستطيع أن نعلن العصيان للسلطان ونظهر كفران النّعمة (١) بسبب ما أثير بينكما من غبار. وفي تلك الأثناء أرسل «شمس الدين يوتاش» لقيادة قوّة «قونية»، فخف «الأخيان» والأعيان جميعا لاستقباله. فلما عاين «پروانه» كساد سوقه، حاول أن يحمل ابنه على التوجّه إلى «سيس»، فلم يسمع كلامه، وأعرض عنه كلّ ذويه. فأخذ هو وابنه يبحثان- نادمين سادمين- عن ملجأ في المزارع، لأن «يوتاش» كان قد سدّ كلّ الطرّق، وأقام عليها الحرّاس. وحين وصل الصّاحب إلى «سيواس» أمر بأن ينال أمير العدل جزاء خبثه ومكائده فهو الذي فكّر في إهلاك الأميرين الشّهيدين، وأرسله مخذولا مكبّلا إلى قلعة «هاويك»، ثم أوفد من قبله أحد كفاة الديوان- وكان موصوفا بالصّرامة- لتدارك أمر «پروانه» وابنه في قونية. فلما بلغها من ناحية «برزك» أمسك- لكفاءته- بپروانه وابنه، وأرسله إلى قلعة «دارنده». بينما حمل ابنه إلى «كاخته». فانطفأت بهذه الوسيلة جمرات الفتن من عراض البلاد، وقضيت المهمّات وفق مقتضى خواطر [أنصار الصّاحب] /، واتفق الصّاحب و «شرف الدين» سويا كالماء والراح، وصرف الملك «ركن الدين» إلى خدمة [الخان الأعظم] (٢) وفق العادة والسنة الملكية. وجعل في خدمته القاضي «كمال الدين الختني» و «عزّ الدين محمد شاه» - وكان في ذلك الوقت مشرف الممالك- و «بهاء الدين يوسف بن نوح الأرزنجاني». غير أن المحبّة والمصافاة بين الصّاحب «وشرف الدين» قد انتهت إلى عداء ومجافاة، وتبدّل الأنس بالوحشة.

стр. 336

ذكر التّوتر الذى وقع بين الصّاحب الإصفهاني وشرف الدين الأرزنجاني كان السّبب في ذلك أن المتعاقلين (١) من أهل الفضول تكلّموا- رغبة في ترويج سوقهم- عن تزويج الصّاحب بوالدة السلطان. وسارعوا- في التوّ والّلحظة- بنقل الأمر من مجرّد الفكر إلى حيّز العمل، فتمّت مراسم النّكاح ونثر السّكر دون أن يكون «لشرف الدين» أدنى علم بذلك. فأنف «شرف الدين» وبقيّة أمراء الرّوم من هذا الأمر، ولمعت آثار تلك الأنفة على جباه الحميّة عندهم. وفتل «شرف الدين» أسباب العتاب مع الصّاحب في ذلك الباب وعدّ المؤاخذة عن ذلك أمرا لازما. ولم يشأ أن يقبل أيّا من الأعذار التي كان يبديها الصّاحب. إلى أن تناهى إلى سمع الصّاحب ذات يوم أن «شرف الدين» قد غضب على حفيد ملك «أخلاط» - وكان والحالة هذه منخرطا في زمرة أمرائه- وأنّه أجرى عليه حكم الإعدام. فبدا الانفعال على الصّاحب بذلك المقال، ووجّه لشرف الدين توبيخا كاملا على أنه بادر بهدم وجود إنسان، وما هو إلا بنيان الله، سيما وأنّه ابن ملك من الملوك «وأنه إنّما أصبح خادما لك بسبب ما جرى عليه من جور دورة الفلك. وإن الرضا بذلك إنما يبعد عن الدّيانة والمروءة». فتوجّس «شرف الدين» خيفة من ذلك. وذات يوم بينما هو في أثناء التنزّة سلك بدوره طريق «أرزنجان»، وحرصا من الصّاحب على ألا يتفاقم العداء أوفد «تاج الدين سيمجوري» مع «نظام الدين أستاد الدار» إلى «شرف الدين». فلما لحقا به أجاب «شرف الدين» - لفرط تنمّره- بإجابات يعدّها ذوو العقول من

стр. 337

باب خرافات أرباب السّفاهة والحماقة (١). مجمل القول أنّه تمّ الاتّفاق معه في حضور «نجم الدين» قاضي «سيواس» وغيرهم من الأكابر على أن يتلقى ثلاثمائة ألف درهم من أموال الخاصّ إضافة إلى قيادته لجند «أرزنجان» و «نكيسار» (٢). وذلك لكي يقيم على حدود البلاد ويراقب الصّادرات والواردات. وتعاهدوا جميعا على ذلك كلّه، وحطّموا قارورة الخلاف. ثم ولّوا وجوههم شطر أعتاب السلطان. لكنّهم ما إن رجعوا حتى كان «شرف الدين» قد سلك طريق العصيان والتمرّد، وحشد الجند، وجاء إلى «نكيسار». فلما علم الصّاحب بنقضه [للعهد] أرسل «شمس الدين يوتاش» بجيش كبير لمحاربته، فألحق به الهزيمة في «خروقي» من أعمال نكيسار، ففرّ إلى قلعة «كماخ»، وتحصّن بها فأرسل الصّاحب كلّ قادة الجند لمحاصرته. وتمكّنوا بالمكر والخداع من أن يجعلوا أهل القلعة يتوجّسون خيفة منه. فلما أصبح معلوما «لشرف الدين» ما كان من اتفّاق كلمة الأمّة، أرسل رسالة إلى الأمراء الذين جاءوا في طلبه، وطلب الأمان، ووسّطهم لكي يلتمسوا الأمان لحياته من الصّاحب، الذي كتبوا إليه كتابا بهذا المعنى. فأصدر الصّاحب صحيفة المتلمّس جوابا لذلك الملتمس، فغرّه ذلك، ونزل من القلعة وسار مع الأمراء. فلما/ وصلوا إلى «چپنوق» لحق بهم رسول مسرع من قبل الصّاحب، وطلب منهم أن «يفصلوا رأس شرف الدين عن جسده، ثم يرسلوا بها إلينا». فسلّمه الأمراء إلى الرّسول فقتله وأبلغه درجة الشّهادة، وفصل رأسه عن جسده، ووضعه في كيس، وعلّقه في مسمار بمنزل كان قد نزل به بقرية «چپنوق».

стр. 338

وبعد مدة تصادف أن قتل الصّاحب فبلغ درجة الشّهادة في «قونية»، فأرسلت رأسه إلى «سيواس»، فعلّق بنفس المسمار بذلك البيت. أجل؛ ولمّا فرغ بال الصّاحب من تشويش «شرف الدين» أرسل أمرا بأن يتمّ خنق «پروانه» في قلعة «دارنده» وابنه في «كاخته» بوتر القوس. فأصبح الصّاحب منذ ذلك الحين مرفّه البال كليّة من الخصوم. ***

стр. 339

ذكر استقلال الصّاحب شمس الدين في مسند الجلال حين التقت مواكب هيبة الصّاحب في مدارج التّوفيق بالسّعادات السماوية، وأمسك بالبلاد بكفّ ضبطه وتدبيره، عمد إلى تقسيم أوقاته وتوزيعها، وترتيب لذّاته الجسمانية والروحانية. كان إذا حلّ الثّلث الأخير من اللّيل جلس على مسند الوزارة (١)، ثم يبدأ الحفّاظ في القراءة بالتّناوب فيتمّون جزءا من الأجزاء الثلاثين بألحان تنعش الأرواح وأصوات تزيل الغمّ والحزن. فإذا ما أذّن المؤذّن: قد قامت الصلاة، أدّاها الأصاغر والأكابر في القصر جماعة. فإذا ما أداها حق أدائها على سبيل الوجوب كان قابض الدّيوان يأتي إليه بالمنشورات والأوامر التي كانت قد كتبت بالأمس، فيطالعها ويصلحها ثم يوقّعها. ثم يأذن للأمراء بالدّخول للسّلام. ويضع من ثمّ القلنسوة على رأسه، ويلبس أحيانا عباءة صوفيّة مخيطة الذّهب قد بثّت على أرجائها حبّات من نفائس الأثواب العتابيّة والقطنيّة والنّسيج، فيتلفّع بها (٢) ثمّ يركب/ ويشرع في التنزّه، ومتى عاد مدّ الخوان السلطاني، ثم أقيم ديوان على أفضل ما يكون من الأبّهة والجلال. فيجلس المترجمون والمنشئون عن اليسار واليمين، كلّ على قدر مرتبته، ويتكئ الصّاحب وحده في ركن من أركان العرش، ويجلس «قراطاي» و «شمس الدين بابا» على ركبتيهما من بعيد في خدمته، ويقف أمير السّيف الذّهبي على الصفّة وقد علّق

стр. 340

سيفه في حمائله، فيفصلون في دعاوى [المظلومين] (١). وحين يهمّ الصّاحب بمغادرة الدّيوان إلى مقر إقامته يمدّ الخوان السلطاني، ثم ينتشرون بعد رفعه. وينال الصّاحب قسطا من الراحة ثم يعود متبخترا إلى الصّفة، فيطلب مولانا «تاج الدين التّبريزي»، ويبحثان سويا في أنواع العلوم، ويؤدون صلاة الظّهر في جماعة، ثم يدخل «ولي الدين الخطّاط التّبريزي»، فيأخذون في تجويد الخطّ حتى صلاة العصر. وبعد صلاة العصر كان يمضي إلى الميدان، حيث يتنزّه حتى تصفرّ الشّمس، ثم يعود إلى بيته. وبعد أن يصلي العشاء ينعقد المحفل، وينشغلون حتى منتصف اللّيل بسماع قصائد الفضلاء- الذين أتوا للانتجاع من مختلف البقاع- بالفارسية، والعربية، والخطب، والرّسائل. ويجري البحث في أنواع العلوم سيّما التّواريخ. عاش على هذه الوتيرة سنتين وفجأة فرّقت عين الأيّام اللامّة سلك تلك الرّاحة وبدّدتها. وجاء الخبر بأنّ رجلا يدعي «تركي أحمد» قد خرج في ناحية «الأوج»، وأنّه ينتسب إلى السلطان «علاء الدين» ويزعم أنه ابنه، فدفع الصّاحب بالمجنّدة وقادة الجند لدفع ذلك الخارجي، فلما التحم الجيشان، وتحقّق لدى الأمراء ما يتمتّع به الخارجي من قوة وشوكة، عمدوا إلى إيقاف القتال تعللا ومماطلة، وأرسلوا رسولا مسرعا إلى الصّاحب طالبين المدد، فأرسل الصّاحب المفاردة والمرتزقة في صحبة «خطير الدين» أمير العدل. وكان قد سبق للصّاحب أن رفع

стр. 341

الخزائن والأموال للبلاط الخاني في صحبة «أبي بكر الجويني» أمير العارض (١)، فخلا بذلك قصره- وفقا للحكم السّماوي- من الحماة والحرّاس. وفي هذا الوقت نفسه وصل الخبر بأنّ الملك «ركن الدين» قد عاد من خدمة [الخان الأعظم]، وأنه منحه السلطنة. وأن الأمراء الملازمين لموكبه قد خامرتهم فكرة التّآمر على الصّاحب، وأنّ أحكاما صدرت بالنفاذ في هذا الصّدد. وأن «صارم الدين الپسارو» [الخازن] و «فخر الدين سيواستوس» [غلام والدة السلطان غياث الدين] (٢) سيلحقان بهم ومعهما مرسوم بالقبض على الصّاحب. وأرسل جلال الدين قراطاي وابن الطوسي إلى الصّاحب: حتى ولو وصل مثل هذا الحكم فإننا نعدّ سيدنا الصّاحب حاكما وقدوة لنا. إلا أنّه ينبغي عليه أن يتفضّل من الآن فصاعدا بترك التبوّش (٣)، ويأتي إلى الدّيوان بغلام أو غلامين أحدهما «دواتدار» (٤) والآخر «سرموزه دار» (٥). ففرّ الاطمئنان من قلب الصّاحب وزايله الهدوء بسبب تلك الرّسالة، وأيقن في قرارة نفسه أن الحسّاد والأضداد يسعون للقبض عليه وإهلاكه. فلبس تشريفة «صاين خان»، ونصب بضعة غلمان كان يمتلكهم على الباب والسّور. وأرسل

стр. 342

«قراطاي» «تاج الدين سيمجوري» - وكان من ثقاة النّواب عنده- خفية إلى الصّاحب بأن يلقي بنفسه- بكل طريقة ممكنة- إلى إحدى المزارع، ومن هناك يلحق بجيشه الذي كان قد أرسل به إلى «الأوج». / فتصوّر الصّاحب تلك النصيحة مشوبة بالغرض والحيلة، ولم يبرح البيت. وفي اليوم التّالي أمر و «ولد الطوسي» إخوان (١) «قونية» بأن يقتحموا بيت الصّاحب ومعهم السّلاح وكتيبة من المفاردة وغلمان الحرس السلطاني، وأن يلازموا الصّاحب ويحضروه برسم التّوكيل. فلمّا وصل الرّسل من قبل الخان الأعظم، وأتوا بالأوامر الخاصّة بقيد الصّاحب وقتله، استدعي الصّاحب للذّهاب إلى قصر السلطنة [ليسمع حكم الخان] (٢) فأبى، وانتهى به الأمر إلى الرّكوب مضطرا. فلمّا وصل إلى باب القصر أمر بفتح سلسلة كانت مغلقة لتعترض الدّاخلين بخيولهم، فرفضوا فحنى ظهره ومرّ. فلما وصل إلى الدّهليز ألزمه «سيف الدين قيبه» [أمير العدل في تلك الأيّام] بدخول البيت الذي كان على الناحية اليسرى، ولمّا دخل أرسل «ولد الطّوسي» الكتاب والحساب إلى قصره، لنقل كلّ ما كان له إلى قصر السلطنة. وفي تلك الليلة نفسها أعدموا الصّاحب في القلعة بدار المخازن. وكان قد سأل أمير دار العدل في الطريق: إلى أين نحن ذاهبون؟ أجاب: إلى حيث أرسل الصّاحب الآخرين، وحيث سيرسلنا نحن مستقبلا. فوضع الصّاحب قلبه على

стр. 343

الموت وقدمه في الطريق، وخلا في تلك الدّار للتّبتل والانقطاع، وأخذ يستدرك ما فات من العبادات والدّعوات، وهيهات (١)، وأنشأ الأبيات التالية في تلك الأيام: (شعر) - حين عبرت الشّمس من أحد نصفي برج السرطان، … نظرت بكلّيتها نحو المرّيخ فوجدته في التّربيع - أرسل الثّور متاعه إلى الأسد (٢) … ثم ارتحل نحو زحل رغبة في الانتقام -/ صار المرّيخ مطوّقا بحلقة في العقرب. … فتسامر القمر بما حدث مع الأفلاك - وألقى المشتري بنظرة قاسية على الزهرة، … فمرّت على النار المحرقة كالسهم. - زايل التفاؤل عقلي من تلك الرؤية المضطربة، … وأثّر الإدبار في رأسي بتلك الحركة المنعكسة - لم يجل أبدا بخاطري أن يكون … بوسع سيارات الفلك أن تخاطر على هذا النحو - لكن حين حمّ القضاء انتكست السعادة، … وهو أمر لا يمكن دفعه بسيف أو بدرع

стр. 344

- كلّ سهم انطلق من قبضة القدر، … كيف يتسنّى- بالتدّبير- منه الحذر - انظر عدل الفلك وإنصافه، أي فتن أثار ظلما … وأيّ شر- في أقلّ مدّة- صنع. - أسلم متاعي للغارة، وأحال قلبي … على كبدي ليسدّ رمقه من القوت. - أسال عروق الياقوت- تفنّنا- من عينيّ، … وجعل وجنتيّ كأسين من الذّهب - هذان خلخالان بقدميّ هما نتاج لسعيه … وما تبقّى من البدن أحكمه بأثقل قيد - تنبّه أيّها القلب الحائر، ما بكاؤك من الفلك؟ … وإلى متى تطعن على هذه الشّمس وهذا القمر؟ - ما كانت إلّا غفلتك أنت، والسّيئات الكثيرة … / التي حين جاوزت الحد أثّر فيك الذنب، - وما يصنع الفلك؟ ومن النّجم؟ وما الشّمس؟ … إنما كان أمر الله، أحاله للقدر. - حين أخرج الفلك من أذى البلاء صنفا آخر، … صوّب على أهل الفضل مائة سهم من العناء.

стр. 345

ثم إنهم سمحوا لأقارب المقتولين (١) بأن يعذّبوه ثلاثة أيام، وفي اليوم الرّابع فصلوا رأسه- الذي كان مستودع اللّطائف السّبحانية (٢) - فاتصلت روحه الطّاهرة بسكان القدس. فلمّا حمل الرسل رأسه إلى السلطان «ركن الدين» في «سيواس» حلّ الخراب والخسران بأمراء الرّوم القدماء «كطرنطاي» و «سراج الدين ابن بجه»، و «تركري» و «شجاع الدين ابن القزويني» و «بيجار»، الذين كانوا قد أجابوا دعوة الصّاحب. وبعث القاضي جمال الدين الختني (٣) برسالة إلى «قونية» عند السلطان «عزّ الدين» مضمونها أن الخان قد تفضّل علينا بسلطنة البلاد، وأنه أرسل في ذلك الباب أمرا امبراطوريا ناطقا، كما سيّر معنا ألفي فارس مغوليّ لتأديب المعارضين، فإن انقدتم للحكم وعددتم «ركن الدين» سلطانا، فعليكم بمقابلة [رسولنا]. فلمّا بلغ القاضي «جمال الدين» «قونية»، وكان رجلا أهلا للمهمّة سهّل الأمر، فسمعوا الأمر الخاني الذي أتى به معه، وقرّروا له قضاء قونية، وعيّنوا نائبا له، وأصبح ملكه نافذا في الممالك كلّها.

стр. 346

وأجمعوا على أن يكون الإخوة الثّلاثة سلاطين، وألا يقدّم «ركن الدين» / الأصغر على «عزّ الدين»، وأن تكون السكّة وكذلك الخطبة باسم الثلاثة جمعيا. وحين رجع القاضي جمال الدين [من خدمة السلطان عزّ الدين] (١) وقال إن «قراطاي» وسائر الأمراء لا يعترفون بركن الدين سلطانا، وأن رأيهم قد اجتمع على أن يكون الإخوة الثّلاثة سلاطين ويجلسون على عرش واحد، وأن يردّوا المغول الذين أتوا بهم، وافق أمراء «ركن الدين» على تسريح المغول، وردّوا قوّاتهم ردّا جميلا، ثم عزموا على التوجّه إلى «قيصرية». ولأنّهم كانوا قد سئموا تحكّمات «بهاء الدين الأرزنجاني» فقد بادروا إلى عزله، ووضعوا [دواة] (٢) الوزارة لدى «نظام الدين خورشيد»، وأعطوا «إمارة الأمراء» (٣) «لولد بجّه»، و «ملطية» «لطرمطاي» و «سيواس» «لتركري». ثم إنّهم جاءوا بحشد كبير إلى «قيصرية»، وأرسلوا أمرا بعزل «القاضي عزّ الدين الرّازي» - الذي أصبح فيما بعد «الإصبهاني الوزير»، فامتثل الأمير «جلال الدين» ذلك الأمر، وبعث به إلى بيته. فلمّا لحق السلطان «ركن الدين» بآقسرا، رجع الأمراء عما كانوا قد اتّفقوا عليه مع «القاضي الختّني»، ولم يرضخوا لأن تكون السلطنة شركة، وتحرّكوا من «قونية» في خدمة ركاب السلطنة. فلما وصلوا إلى «كاروانسراي سلطان» كان قد تحصّل لهم عشرة آلاف رجل، ونما ذلك إلى علم أمراء ركن الدين،

стр. 347

فانطلقوا بسبب النّخوة والغرور، حتى بلغوا «خان السلطان قلج ارسلان» (١). [وكانوا يستحقرون السلطان عز الدين وجنده وأمراءه] (٢). وفي صباح ذات يوم ركب جند السلطانين، وغرقوا حتى آذانهم في السّلاح، كان أمير المقدمّة من هذا الجانب «أرسلان دغمش» بينما كان أمير الجاندارية «نور الدين يعقوب»، ومن جانب ركن/ الدين «طرنطاي» و «تركري». فلما اقترب الجيشان، اصطفّوا صفوفا [متقابلة] (٣)، وشرعوا ينتظرون أن يتردّد الرسل بين الأخوين، ويقرّران الصلح. وفجأة شنّ بضعة جنود من عساكر «طرمطاي» هجوما، فدفعتهم العساكر العزّ دينية، فلما رآهم بقية جند «طرمطاى» ولّوا الأدبار، وبقي «طرمطاي» وحيدا، فلا جرم أن ألقي القبض عليه. وحمل «تركري» - وكان في المسيرة- فقبض عليه هو الآخر. فصعد السلطان «ركن الدين» بالمظلّة والراية على مرتفع. وما إن وقع نظر «أرسلان دغمش» عليه حتى انطلق بحصانه صوب ذلك المرتفع، فالتقى بالقاضي الختّني، فأمر بقتله وإبلاغه درجة الشهادة، ثم مضى. وحين وصل إلى خدمة السلطان، نزل وقبّل الأرض، وبحكم أنه كان أمير الاصطبل أمسك بعنان السلطان وسار به بين الجند إلى السلطان «عزّ الدين». فقام السلطان و «قراطاي» وسائر الأمراء باستقباله، فلما التقيا احتضنه السلطان وبكى بكاء حارّا لفرط رقّته، وأمسك بيده وانطلق بأخيه وهما يتحدّثان إلى الخيمة الملكية، وأحضر الخوان، وضربوا عن الماضي صفحا، ولم يقتلوا

стр. 348

أحدا من الجند، وإنّما كانوا يجرّدونهم من السّلاح والعتاد. وقبضوا على الأمراء المجرمين في «كاروانسراي سلطان»، وفي اليوم التّالي توجّهوا إلى «قونية». ***

стр. 349

ذكر الأمير جلال الدين قراطاي وأيّام نفاذ حكمه رغم أن الأمير «جلال الدين قراطاي» كان غلاما من أصل رومّي، لكنّه كان متّصفا بكرائم الأوصاف: سيّدا وحصورا (١)، وكان مع قيام الليل/ وصيام الدّهر يمتنع عن أكل اللحوم والتلذّذ بالمنكوح والمطعوم. كان ذا حلم تام كدين الإسلام، وشفقة عامّة تشمل الخاصّ والعامّ. حين رجع من حرب «آقسرا»، وكان مسند الوزارة عاطلا من جلال وزير عالم عامل، كلّف وألزم بالوزارة الإمام المعظّم «نجم الدين النخجواني» فالتزم بالوفاء بما طلب منه، لكن بشرط ألّا يزيد راتب «الجامكيّة» (٢) المخصّص له من بيت المال عن درهمين في اليوم الواحد، وأن يقاس عليه في سداد رواتب «الجامكية» للأمراء وسائر الأركان. ولأن [رجال الرّوم] (٣) لم يعد بوسعهم مقاومة الخصوم، [فلا يصحّ أن تتعرّض أموال بيت مال المسلمين للتّلف والسّرف بغير استحقاق، ولتوضع الأموال لتهيئة أسباب استرضاء جيش المغول الذى أنيط به استبقاء الملك والدّولة] (٤). فشعر الأمراء بغصّة لهذا القول الذي كان له تأثير كضرب السّهام. فشمّر الأمير «جلال الدين» عن ساعد الجدّ (٥) وأرضاه بأربعين ألف درهم- وكان

стр. 350

يمثّل «جامكيّة» أعفّ الوزراء وهو «مهذّب الدين»، وأن يكتفي سائر الأمراء- كلّ على حدة- بنصف ذلك المبلغ. فحضر الإمام «نجم الدين» إلى الدّيوان، وشرع في تمشية أمور الوزارة. وابتعث- بموافقة الأمير جلال الدين- «يوتاش بكلربكى» (١) و «أرسلان دغمش» لدفع المعارض الذى كان قد خرج بطرف «الأوج». فلما وصلوا إلى الأوج، وأوقعوا ب «أيوز ملك الخارجي» ما يستحقّه من عقاب، ثم عادوا وصل جماعة من الرّسل قادمين من خدمة «صاين خان» لتقصّي الحقائق حول الصّاحب شمس الدين [الإصفهانى] والاعتراض على قتله. ونظرا لما كان يتمتّع به «شمس الدين الطّغرائي» من بلاغة في البيان وعذوبة في القول، تمّ اختياره للتوجّه لخدمة «صاين خان» مع أموال وافرة لدفع الاعتراضات وجواب التساؤلات. وحين باشر القاضي «نجم الدين» / الوزارة فترة من الوقت ورأى أنّ الأمور لا تسير على النّحو الواجب، ترك الوزارة، وانطلق صوب «حلب»، وصمّم «الصّاحب الطّغرائي» على الارتحال، وعمد الأمير «رشيد الدين الجويني» و «شجاع الدين رئيس البحر» و «نجيب الدين المستوفي» و «خطير الدين السّجاسي» - وكانوا أتباع الصّاحب الإصفهاني- فدفعوا «ببهاء الدين الأرزنجاني» و «صارم الدّين الپسارو» - وكانا قد باشرا قتل الصاحب- إلى بلاط المغول

стр. 351

مقيّدين بالدوشاخه (١) بمقتضى الأمر المغولي، وهناك انكشف أمرهما. ثم إنّه تمّ إسناد الوزارة «لشمس الدين الطّغرائي»، والنّيابة «لشجاع الدين رئيس البحر»، والاستيفاء «لنجيب الدين دليخاني» وإمارة العارض «لرشيد الدين الجويني»، وقيادة حرس «حرملو» «لخطير الدين زكرّيا»، وجرى الحصول على أوامر مغولية بذلك ورجعوا من ثمّ وقد تحقّقت مراداتهم. وفي نفس اليوم الذي مثلوا فيه أمام السلطان جاءوا معهم بالخلعة التي كان الخان الأعظم قد حمّلها لهم إلى كلّ من السلطان و «جلال الدين قراطاي» فألبسوهما الخلعتين، وأسمعوهما الأوامر المغولية المتعلّقة بهما، فقرنت بالقبول والإذعان. وبادر «نظام الدين خورشيد» - وكان نائبا- إلى تقبيل الأرض على منصب «الحجوبية» (٢)، وباشر كل شخص منهم عمله. ونظرا لأن ملك الأمراء «شمس الدين يوتاش بكلربكى» وسائر أمراء الرّوم القدماء لم يشهدوا إلا ما يمارسه الآخرون من تحكّم، فإنّهم أبدوا نفورهم من جلب الأوامر المغولية بتنصيبهم، وبدأ ملك الأمراء حربا في قاعة العرش مع رئيس البحر في حضور السلطان، وباشر طعن سنان اللّسان؛ كما أبدى اعتراضات بالغة على الصّاحب الطغرائي؛ ولما كانت هذه المشاجرة متّفقة مع

стр. 352

ميول «قراطاي» و «أرسلان دغمش» و «نظام الدين خورشيد» فقد لزموا الصّمت والسّكوت. ووجم أصحاب/ «الصّاحب الطّغرائي» وأصابهم التبلّد، وانصرف كلّ منهم منفردا إلى بيته، فانطلق شجاع إلى «سينوب»، ورشيد الدين إلى «ملطية»، وخطير الدين إلى «حرملو» بينما بقي الصّاحب والمستوفي (١) وحدهما. وكان بينهما من قديم انبساط ومودّة، وكانا يفرطان في المزاح، وذات ليلة في أثناء المعاقرة (٢) صدر عن الصّاحب لفظ تضايق منه «نجيب الدّين» أشدّ المضايقة، ودارت بينهما مخاصمة وعربدة فاحشة، انتهت إلى الخصام وبلغت حدّا جعل «نجيب الدين» يذهب عند «قراطاي» ودبجّ فصولا في القدح فيه، وأفشى أوجه الغدر التي كان قد مارسها لهدم قواعد السلطنة. فعقد اجتماع بدار الحكم في اليوم التالي، وادّعى عليه على ملأ من الناس كلّ ذلك حرفا بحرف، وأثبته بالحجج والبراهين، فلم يحر جوابا، وألزم. حتى إنّ الأمير «جلال الدين» أوصل خطاب السّباب له إلى قاف وطا (٣) ورفع دواة الوزارة ليضربه بها، فمنعه الأمراء الآخرون من ذلك. وانتهى ذلك الاجتماع بهذا الخصام. وأخذ أمر الصّاحب «الطّغرائي» في التراجع. وتصادف في تلك الأيّام أن وقع نزاع بين «معين الدّين سليمان ابن الصاحب مهذّب الدين» و «طرمطاي» حول قيادة جند «أرزنجان»، وقد حمل

стр. 353

الاثنان القضية إلى «بايجو نوين»، وكان «بايجو» يميل كلّية إلى جانب «معين الدّين» بسبب ما كان بينه وبين الصّاحب مهذّب الدين من صداقة. فانتهز الصّاحب «الطّغرائي» صلة قرابته له، وبأنه كان ربيبا لأبيه «مهذّب الدين» وقد كبر في حجره، ولاذ به من كيد «نجيب الدين المستوفي». وكتب بخطّه رسائل مترجمة مطوّلة في قضايا مختلفة والمعلومات التى ترد مع خصوم حضرة السلطنة إلى «بايجو»، وما يقول فيها وكيف يجيب عنها (١)، وأعطاها للرّسل. فأبلغ أحد الغلمان ذلك الأمر «لصمصام الدين قيماز» أمير العارض/، فنصب «صمصام الدين» أناسا على المراصد لكى يأتوا بالرّسائل، وحملها إلى الأمير جمال الدين. ولمّا لم يكن في الديوان أحد يترجم الرّموز ويحلّها، فقد تمّ استدعاء الإمام «زين الدين» ولد تاج الدين الوزير- وهو من زهّاد العلماء- بسبب ما كان بينه وبين «صمصام الدين» من تحالف، وسلّموه الرّسائل، فحلّها، ونقلها بعبارة واضحة. فلمّا وقف الأمير «جلال الدين» على فحواها، توجّه إلى حضرة السلطنة، واستدعى الأمراء، وجيء بالصّاحب «الطّغرائي»، وتمّ إبراز الرسائل المترجمة والمحلولة- وكان بعضهما بخطّ «زين الدين» وبعضها بخطّه هو. فلما رأى الخطّ وقع في الخطّ، وشرع الأمير «جمال الدين» في توجيه السّباب من جديد. وأشار إلى أمير العدل لكي يتحفّظ عليه بأحد البيوت بقصر السلطنة، وأرسلوه من هناك بعد ثلاثة أيّام أو أربعة إلى «أنطاكية» حيث سجنوه. وفجأة اختفي من ساحة الدّيوان والحضرة «أثير الدين» الملقّب بالمنجّم، والذي كان من بين أتباع الصّاحب «الطّغرائي» ولم يكن له نظير في الدّهاء

стр. 354

والمكر. ولمّا كان لأركان الديوان اطلاع تام على ما في جبلّته من تحايل وكانوا يخشون أن تصدر عنه فتنة كبيرة، فقد طيّروا الأوامر إلى كلّ ناحية بالقبض عليه، وبحثوا كثيرا. لكنهم ما وجدوا شيئا. ثم إنّه شوهد بعد مدّة عند «بايجو نوين»، وكان قد أعطى مالا للجّمالين العاملين في خدمة بعض رسل المغول حتّى أوصلوه في صناديق الأحمال إلى حدود «أرّان»، فلما لحق «ببايجو» أبلغه بالأحوال على نحو ما أراد هو ووفق ما تقتضيه مصلحته، وقبل أن يتحمل أموالا كثيرة، وبالغ في البذل (١) حتى أرسل «بايجو» «علاء الدين علي بك» و «جمال الدين درزي الساوجي» لحضرة السلطنة لاستخلاصه (٢)، ووفقا لحكم «بايجو» أطلقوا سراحه من حبس «أنطاكية»، وأتوا به إلى «قونية» /، وبعد مدّة بعث في صحبة الرسولين إلى «بايجو»، ولم يلبث أن لحق به في الطّريق «رشيد الدين» أمير العارض. وسوف نذكر ما آل إليه حاله فيما بعد. …

стр. 355

ذكر وزارة القاضي عزّ الدين محمد الشهيد الرازي ﵀ كان الصّاحب القاضي «عزّ الدين محمد الرازي» لما عرف به من علوّ الهمّة وفرط الفصاحة وكمال الديانة، يلحظ في نظر السلاطين وخلفاء العهد بعين الرّأفة ويحظى بكل احترام. كان كفؤا للأمور العظام وتدارك المهامّ الجسام وإنارة حدود الإسلام. ولم يكن هناك من أحد سواه تسند إليه الوساطة والسّفارة إلى دار السّلام. كانت القشّة في محكمة قضائه ومجلس حكمه في أمان من تعرّض جاذبة القش (١)، وذوائب الحسان من أرض الخطا ساكنة بمنأى عن تشويش ريح الصبا بسبب يمن رأيه الصّائب. كان في السّخاء والكرم بحر خضمّ، وفي القلب والفكر كله لام ونعم: إن الألي طلبوا مداه تأخّروا … عن غاية فيها النّياق رهان فلمّا صدرت عن الصّاحب «الطّغرائي» تلك البوادر (٢)، وتغير عليه خاطر جلال الدّين «قراطاي» وسائر الأمراء، لم يكن يستحقّ مسند الوزارة أحد في البلاد كلّها سوى القاضي «عزّ الدين»، وبدا للأمير «جلال الدين» وكبار رجال السلطنة بعامة أن إجلاسه على مكانة الحكم والمنزلة أمر لازم، إذ فلم تك تصلح إلّا له … ولم يك يصلح إلّا لها وبالاتفاق والاختيار، بعد التشاور والاختبار وضعوا زمام مرام الخاصّ والعامّ في كفّ كفايته، وكان هو يسير في تمشية تلك المهمّة على سبيل/ الوجوب ووفق مقتضى الرأي المرضيّ الحسن.
следующие страницы →