← История

История · id 122237

أخبار سلاجقة الروم = مختصر سلجوقنامه

مجهولون

Полный текст (439 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ذكر قتل السلطان لكوبك وتشفّي صدور الناس كان فوران إعصار كوبك يتزايد كلّ يوم، وكانت صواعق عذابه الشّديد وبطشه المبيد تحرق كل ساعة بيدر عمر أحد العلماء. من أجل ذلك استبدّ الألم بالسلطان لفراق أكابر دولته، فضلا عن أن الوّساوس ساورته لأن «كوبك» كان يدخل عليه بسيف الحمائل. فأرسل غلاما من غلمان الخاص إلى «سيواس» عند «قراجة» أمير الحرس، أن «كوبك بك» أهلك أركان السلطان، وهو يدخل خلوتي الآن مجترئا بالحزام والسّيف، ويتملّكنا الذهّول لتهوره وتجبره، فعلى «قراجة» أن يأتي بأسرع ما يمكن للمبادرة بتدارك أمره. / فقدم «قراجة» في صحبة الغلام متّجها إلى حضرة السلطان حتي «قباد آباد»، ثم أطلق الغلام قبله إلى السلطان للإعلان عن قدومه، وأبدى بعض التريّث والتباطؤ. ثم نزل فجأة- في المساء- بمنزل «سعد الدين كوبك». ولم يكن «كوبك» يخشى أحدا سواه، فلما رآه سأله: هل وصلت إلى خدمة سلطان العالم؟ أجاب: كيف يتسنّى لي أن أذهب إلى خدمة السلطان وأحسب نفسي من المقرّبين إليه دون إذن من ملك الأمراء، إنّني أعد جانب ملك الأمراء المعظّم هو المعاذ والملاذ. ومن أمثال هذه الأكاذيب والأباطيل نفخ في ذلك الملعون، فلما اطمأنّ كوبك من جهته أمر فأقيم مجلس الأنس، وطربوا، وأنعم عليه تلك الليلة بأنعام وفيرة، وأخذه معه على الصباح إلى حضرة السلطنة، فدخل هو أوّلا (١)، وأعلن عن مقدمه، ثم إنه أدخله وأوصله إلى أن قبّل يد السلطان.

стр. 282

وبعد ذلك اتفق أمير المجلس مع السلطان على أنّه إذا ما حضر «كوبك» مجلس الأنس، يدفع السلطان الأنخاب لأمير الحرس فيحتسيها، ويستأذن في الخروج بحجّة الرّغبة في التبوّل، ويكون مع رفاقه مترصّدين خروج «كوبك»، فإذا خرج أعملوا فيه السيف، وخلّصوا العالم من بلائه. فشرب أمير الحرس الأنخاب وجلس في الدّهليز يترصّد خروجه، فلما خرج «كوبك» نهض واقفا احتراما له، فلما مرّ من أمامه أراد أن يضربه على قفاه بالعصا، فسقط العصا علي كتفه، فأمسك برقبة أمير الحرس، فسحب «طغان» أمير العلم سيفه وجرى خلف كوبك [فجرحه] فألقى بنفسه- خوفا على حياته- في «شرابخانة» السلطان، فلما رآه السّقاة مضرجا بدمه تجمّعوا عليه وبيد كل منهم سكّين أو سيف أو خنجر/ وانتزعوا روحه النّجسة ونفسه الخبيثة من جسده وألقوا بها في دركات الجحيم. ولما أرسلوا روحه إلى سجّين، أمر السلطان بتعليق جثته النّجسة في مكان مرتفع كي تصبح عبرة لأولى الأبصار: فجعلوا أجزاء أعضائه في قفص حديديّ، وعلّقت في حبل متدل، وكان السلطان علاء الدين قد علقّ على نفس الحبل من كان لقبه «كمال» مشرف «قباد آباد» بسبب خبث «كوبك» وسعايته، فظلت جثّة «كمال» معلّقة هناك، وكان السلطان [علاء الدين] قد غضب على «كمال» وتعجّل في عقوبته، فتملّكه الندم فور تنفيذ العقوبة، وأخذ أقرباء كمال وعشيرته يتضرّعون لإنزاله من هناك ودفنه، لكنّ السلطان كان يقول: والله لا ينزل حتى يعلّق حاسده وقاصده مكانه (١).

стр. 283

ولمّا علّقت جثّة «كوبك» على المشنقة بادر أقارب كمال، فأنزلوا جثّته المقدّدة ودفنوها. وهذه من بين الكرامات التي يحكونها عن السلطان علاء الدين. فلما تدلّى القفص من الحبل، كان عدد من النّاس قد تجمعوا لمشاهدة جثّته الممزقة إربا، وفجأة سقط القفص فأهلك رجلا. فقال السلطان: لا زالت نفسه الشّريرة تعمل عملها في هذا العالم. ولمّا فرغ السلطان من تلك المهمّة، استدعى «جلال الدين قراطاي» (وكان «كوبك» قد أبقى عليه معزولا في إحدى النواحي) واستماله وسلّم إليه «الطست خانه» وخزانة الخاصّ. وجرى إسناد نيابة السلطان إلى شمس الدين (وكان خط العزل قد رسم على صحيفة عمله حين أسندت الوزارة إلى الصاحب مهذّب الدين). ذكر وصول هودج ملكة الكرج إلى قيصرية وانتظام العقد والزفاف سبق أن ذكرنا أن «كمال الدين كاميار» حين دفع بالجيوش إلى ديار/ الكرج، كانت «رسودان» - ملكة الكرج- قد أرسلت إليه رسلا، وجرى في تلك الأثناء حديث المصاهرة حيث التمست مصاهرة الملك غياث الدين، فراقت تلك الصّلة للسلطان علاء الدين وقرنها بالقبول. فلما وصلت نوبة السلطنة إلى غياث الدين، ندب شهاب الدين المستوفي الكرماني- ولم يكن له في خبرته ودرايته ثان في العالم الفاني- لإنجاز هذه المهمّة، فلما وصل إلى هناك، كانوا قد أعدّوا كل شيء، فتوقّف عدة أيام

стр. 284

لترتيب ما تبقّى من أمور، ومن ثمّ توجه بالفأل السعيد بصحبة هودج من يشبه عهدها عهد «بلقيس» لخدمة سلطان هو أشبه ما يكون بسليمان. وحين بلغ «أرزنجان»، بعث برسول سريع على براق لكي يبشّر بوصول هودج سيّدة العالم، فأمر السلطان بأن ينهض قادة الجند ممن هم على الطّريق الذي تمر عليه الملكة للحفاوة والتّرحيب، وألّا يدعوا شرطا من شروط البشر والبشاشة إلا ويفوه حقه. وقدم السلطان بالمظّلة الجليلة إلى «قيصرية» المحروسة وأقام حفلا. فلما ظهرت دراري الثّواقب وسواري الكواكب كالمشاعل، تبختر السلطان متوجّها إلى حجلة (١) الوصال وحجرة الخلوة. فرأى قمرا يتصدّر موضعا وسرورا يحتلّ سريرا، فطوّق بساعده وحيدة الدّهر تلك، وحقّق أمنية القلب. ذكر اعتناء السلطان بدعوة الخوارزمية للعودة ذكرنا من قبل أن «قيرخان» حين أصبح مقيّدا بسبب خبث «كوبك»، وزج به في قلعة «زمندو» انطلق باقي أمراء خوارزم صوب ديار الشام، وظل «ملوك الشام» و «ديار بكر» و «ربيعة» و «مضر» و «الجزيرة» خائفين محترزين خشية ما يصدر عنهم من ركضات وسطوات وفجآت وبغتات/، وأخذوا يبعثون بالأحمال الوفيرة من كلّ صوب إلى بيت كلّ قائد منهم، ويدفعون عدوانهم عن بلادهم بالأيمان والمواثيق. غير أنهم كانوا يتوغّلون في بعض الأوقات داخل الحدود، ويحولون دون تردّد القوافل جيئة وذهابا.

стр. 285

فلما عرض الأمر على حضرة السلطان، أرسل إليهم «مجد الدين التّرجمان»، الذي كان قد نال عندهم حظوة في عهد السلطان جلال الدين، ودعاهم [في رسالته] (١) إلى العودة لبلاد الرّوم على سبيل استمالتهم وإنالتهم المقصود. فلمّا لحق بهم، وأبلغهم رسالة (٢) السلطان لزموا حسن الاستماع، ولبسوا خلع السلطان، ووضعوا الجبين على الأرض وقبّلوا حوافر الجنائب. واجتمعوا في اليوم التالي، واستدعوا الرسول، وقالوا: قد تفرّقنا بسبب واقعة «قيرخان»، وفي الطريق أرغمنا على الاشتباك مع الأمراء الذين كانوا قد جاءوا لاستردادنا، فأنزلنا بهم هزيمة نكراء، ولا زلنا إلى الآن نخوض في تيه تلك العثرة، فكيف يتسنّى لنا أن نضع أقدامنا على بساط تلك الحضرة برغم كلّ ما صدر عنّا من تجاوزات. لكنّنا نعد هذه البلاد التي ابتلعناها بالغلبة من جملة ممالك السلطان، فنتولّى تصريف أمورها إذا ما أنعمت علينا بها بمنشور سلطاني باعتبارها إقطاعا. ويكون لكم علينا أن نجعل أرواحنا فداء في مواجهة كل عدوّ تعهدون به إلينا، كما نجعل الخطبة والسّكة باسم السلطان، ولن نسمح بالقطع- أن تتعرض ممالك السلطان لأي اعتداء من جانب عساكرنا. فقرّ القرار على هذا كله، وبادروا بتغيير الخطبة والسّكة، وقد راق ذلك الرأي للسلطان. …

стр. 286

ذكر استنجاد ملوك الشام بحضرة السلطان، وانهزام الجيش الخوارزمي وفرارهم إلى حضرة «دار السلام» / واظب الخوارزميّون بعض الوقت على الالتزام بالحلف والحفاظ على العهد، ثم ما لبثوا أن انحرفوا بوسوسة الشيطان وتلبيس إبليس عن جادّة الطّاعة، وجعلوا نسيان (١) الحقوق مقّدمة لسجلّ العقوق، وعدّوا نهب البرايا وبث الفزع في نفوسهم والغارة عليهم أمرا واجبا. فاتفق ملوك الشام على تشتيت (٢) قطيعهم وتفريق كلمتهم، واستنجدوا بحضرة السلطنة خوفا من أن يلحق بهم العار. فتمّ اختيار ثلاثة آلاف فارس شهير- بأمر (٣) السلطان- من «خرتبرت» و «ملطية» و «آبلستان» و «مرعش» المتاخمة لحدود الشام لمؤازرة الشاميين ومعاضدتهم بقيادة ظهير الدين منصور الترجمان. فلحقوا بحلب في مدّة لا تجاوز ستة أيام، ومن ثمّ توجهوا إلى «البيرة» مع صاحب حلب- وكان قد أقام جسرا وأعدّ وسائل العبور- وانضمّوا إلى الملك المنصور صاحب حمص، وكانت قيادة جند الشام منعقدة له. وانطلقوا بجناح النّجاح وأخفاف التخويف وقوادم الإقدام مصممين على قتال الخوارزمية كأنهم الأفاعي المهتاجة والبلاء النّازل. وكان الخوارزميون قد دفعوا أمامهم بأرباب الحتوف وعمال السّيوف من أجل إعداد الصّفوف، فلما جاوزت الجنود «رأس العين» بمرحلتين، ظهرت فجأة كوكبة من الخوارزمية فوق أحد التلال، فتعقّبهم الرّجال الشّجعان الأشاوس

стр. 287

بخيولهم مجرّدة من السّروج، وألهب الخوارزميّة واضطربوا اضطراب الزئبق، ولم تلبث الأمواج المتلاطمة لبحر الحرب أن أطفأت شعلة «السّراج الوهّاج» (١) وبدّل الغبار المنبعث من تحت الأقدام اللّيل بالنّهار. وكان يخشى أن يفر الشّاميّون من الميدان تحت وطأة الضّغطة الخوارزمية، فباغتهم ظهير الدين منصور وعطف عليهم فجأة، فتحقّق له الظفر، وألجأهم إلى الفرار والجلاء. / وبعد أن تتابع الفرار وجد بعضهم نفسه بنواحي «بغداد». ولقد عاملهم أمير المؤمنين المستنصر بالإعزاز، وأكرم وفادتهم. وفي تلك المعركة تحقّق لكلا الجيشين: الشّامي والرّومي مالا حصر له من الأمتعة والأسلاب. وكان «شهاب الدين زندري» منشئ الحضرة الجلاليّة قد تقلد في ذلك الوقت وزارة «بركت خان» (٢)، وأصبح نائبا لقلعة «حرّان». فلما سمع بنبأ انكسار ولي نعمته فكّر في أن يغتنم فرصة ليتوجّه نحو الرّوم وينتظم في سلك مماليك تلك الدولة، «وإن أنا سلّمت القلعة لسلطان الروم فلا شك أنه يتعين عليّ الانصراف إلى دياره لأني لن أستطيع النظر في وجه «بركت» خجلا». وكان الملك المنصور قد بذل بدوره الوعود- سرّا- لشهاب الدين زندري و «جمال الدين حبش» - مجتمعين- بإمارات مقنعة ومغنية. وفجأة حملت راية «الملك الناصر» - صاحب حلب- وعلّقت فوق القلعة، فتعالت الأصوات بالدّعاء له، فلم يقل «ظهير الدين» وغيره من أمراء الروم شيئا تعظيما للقدر، وظلّوا بضعة أيام سويّا، ثم انصرف كل واحد منهم إلى ناحية.

стр. 288

ذكر فتح «آمد» على يد مماليك السلطنة وحين عاد أمراء الرّوم إلى خيامهم بعد وداع عساكر الشّام، قالوا: لئن كان أمراء الشّام قد استولوا على «حرّان» بالحيلة فسوف يلحقنا أكبر الشين وأعظم العار إن رجعنا- بجمعنا الكبير هذا- دون أن ننجز عملا. ويحسن بنا أن أن نتّجه إلى «آمد» فلعلّ الله ييسر لنا فتحها. وكتبوا بهذا المعنى مكتوبا إلى حضرة السلطنة، وطلبوا مددا من الجند ومعدات القتال، فندب السلطان في الحال «چاولي چاشني كير» مع «يوتار چاشني كير» سوباشي (١) نكيسار، مع سائر عساكر ولاية «دانشمند» (٢)، وأمرهم بالإسراع في المسير، فلحقوا بباقي الجند في أيام قلائل، وباشروا الحصار. وذات يوم عند غلبة الهاجرة، كان «فخر الدين ابن الدّيناري» - حاكم قبائل الأكراد- جالسا على طرف السّور، فسار «ناصر الدين أرسلان بن قيماز»، نائب ظهير الدين بمحاذاته، وألقى ﵇ وسأله عن الأحوال، ثم قال: إلى متى يتحمل سيدي مكابدة الحصار وعناء القتال والنّزال، إن لدى الأمير ظهير الدين كلمات يريد أن يفضي بها إليك. فأجاب: سأرسل لكم بعد صلاة العشاء رجلا ثقة شكله كذا وهيئته كذا من باب «الماء»، لكي يسمع ما يقوله ظهير الدين ويبلغه إليّ. وفي الوقت الموعود برز من البوّابة شخص في زيّ فقراء [الصّوفية]، فأخذه

стр. 289

ناصر الدين وأتى به إلى ظهير الدين وفي الحال أخلى ظهير الدين المكان ثم قال: يعلم ذوو الألباب أن تمكّن السلطان بالمال والرّجال والشّوكة والقوّة هو- دون ريب- أكبر وأعظم من سائر ملوك الدّيار، وأنه لا حاجة به إلى هذه القلعة؛ لكن الذي ينبغي أن تعلموه بيقين هو أنّ الجيش طالما جاء إلى هذا الموضع فلن ينصرف حتى ينال مبتغاه، ولو أنّ الأمير فخر الدين سلّم القلعة قبل أن يبادر إلى ذلك شخص آخر، فإن ذلك من شأنه أن يبلغ براية حكمته ذروة المعالي وشرف الشّرف. ويعهد بالمدينة إلى مماليك دولة السلطنة. وأنا ألتزم بالوفاء بكلّ مقصود لديه، وأقسم بالأيمان الغلاظ أن أحقّقه له من حضرة السلطنة (١). ثم إنه سلّم ذلك الشخص خمسين/ دينارا. فلما أبلغ الرّسول فخر الدين بما حدث، أظهر السّرور البالغ، وأخذ يتأهّب كلّ لحظة. وفي اليوم التّالي جاء الرّسول بالجواب: إنّني لا أجد في تسليم المدينة طريقا سوى أن تحرقوا الباب الحديديّ للسور الموجود على حافّة الخندق، فإذا ما تم ذلك وعملت النار عملها، قمت أنا- في ظلمة من الليل- بإنزال حبال المجانيق، لكي أرفع الجنود إلى أعلى السور، وهكذا يتمّ الفتح. شرط أن يقسم الأمير ظهير الدين على الاتّفاق الذي يقترحه والوعد الذي يلتزم به (٢) فأقسم الأمير ظهير الدين في الحال- وهو واضع يده على المصحف- أنّه لابد أن يفي بما يقول، وألا يلفّ أو يدور حول التأويل والتبديل، وألا ينقض حبل الميثاق وينكثه بأيّ وجه من الوجوه، وأن يفي بمرادات الديناري بكلّ عناية

стр. 290

واهتمام. وأن يرسل إلى الملك الصّالح (١) في «حصن كيف» أربعمائة ألف درهم نقدا برسم الفدية (٢). فلما قفل الرسول راجعا إلى المدينة وحكي ما كان قد سمعه، أعاد «ابن دينار» الرّسول من جديد قائلا له: لابد أن يسلّموك أربعمائة ألف درهم حتى تضعها في الصّندوق، وتختم عليها بالختم ثم تعود. وحين رجع الرسول إليهم وعرض الأمر عليهم انطلق الأمير ظهير الدين إلى «چاولي» وطرح عليه القضية، فأرسلا في استدعاء الأمراء بأسرهم. وجاء كل منهم بما عنده من فضّة وذهب فقدّمه، وتمّ تسليم ذلك كله إلى الرّسول فوضعها في الصناديق وختمها ثم قفل راجعا. وفي اليوم التّالي أخذ العساكر يحملون أشجار العنب الجافة حزمة حزمة إلى باب الفصيل، وجرت محاولات من أعلى السّور لردّهم على أعقابهم، إذ تمّ قصفهم براجمات الحجارة والسّهام، لكنها لم تجد نفعا. فلما غطي الباب بأكمله أضرم النفّاطون المهرة النّار فيه، فتصاعد دخان الهشيم إلى عنان السماء، واحترق الباب وتساقط ما به من حديد. فلما أسدل الظلام أستاره أدلى ابن الدّيناري بالحبال لكي يبدي الأبطال شجاعتهم ويرتقوا البرج. فوقع نزاع بين العساكر بسبب التّسابق [على الصعود] / ولفرط ما صدر عنهم من قيل وقال تنبّهت فرقة أخرى من حرس الأبراج،

стр. 291

فأمسكوا بمشعل لاستيضاح سبب هذا الهرج والمشغلة (١)، فرأوا أنّ حبال المنجنيق قد تدلّت من ذلك البرج والبدن اللّذين فوضت حراستهما إلى ابن الدّيناري، وأنّ الخيانة حلت محل الأمانة. وفي تلك اللّيلة عاد العساكر خائبين. وفي اليوم التّالي عقد أكابر المدينة اجتماعا، وقالوا إن ابن الدّيناري- وهو الركن الأوثق في الحراسة- اختار المخالفة وليس لنا من سبيل لأخذه وتوبيخه. والرأي هو أن نسلّم القلعة برضائنا كي لا تصبح الآية الشريفة: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢) وصفا لحالنا. ثم أصعدوا شخصين أو ثلاثة إلى أعلى السور. فنادوا قائلين: ابعثوا بناصر الدين نائب ملك الأمراء إلينا عند «باب الماء». فذهب ناصر الدين إليهم، وكان قاضي المدينة و «نجم الدين ابن جبير الجار» و «المقدّم جعفر المنجنيقي» وغيرهم من كبار الشّخصيات قد حضروا، فقالوا له: لو تحمّلت بعض التعب وأبلغت الأمراء السّلام لكي يتجشموا المشقّة ويأتون إلى هنا لحظة. فلمّا حضر الأمراء نزلوا من أعلى إلى أسفل، وجعلوا الباب مواربا حتى نصفه، ثم أقبلوا على الأمراء فصافحوهم وعانقوهم. وبعد القيل والقال التزم الأمير «ظهير الدين» بإنجاز مطالبهم وأكدها بأقسام القسم وأنواع الأيمان. وظهر الإصلاح الكامل بين الجانبين. وفي اليوم التّالي دخلّ كل أمير بجنده ورايته المدينة، ونصب أعلامه على سور «آمد» /، وضربوا طبول البشارات ثم إنهم ذهبوا إلى قصر السلطنة، وجعلوا النّاس يقسمون- الواحد تلو الآخر- على الولاء للسلطان غياث الدين وطاعته

стр. 292

وسارع محافظو القلاع الأخرى إلى خدمة الأكابر، وقدّموا مفاتيح القلاع وأوضحوا تفاصيلها وما بها من متاع. ثم بعث برسول مسرع إلى حضرة السلطان بهذه البشارة، فأمر السلطان بكتابة رسائل الفتح وبأن تسطّر للأمراء الأوامر مشتملة على شكر ما بذلوه من مساع. وقال السلطان: «كل ما يراه الأمراء من مصلحة تتعلّق بتلك المناطق، فإن عليهم تنفيذه على الفور دون انتظار أمر أو استطلاع رأي. لأنهم مكلّفون من قبل الحضرة بتقديم المصالح وتأخير المفاسد بتلك الديار» (١). ولقد عهد بقيادة الجيش إلى «مبارز الدين عيسى» الجاندار. …

стр. 293

ذكر خروج خوارج الباباي وانطفاء ما أشعلوه من فتنة قد نقل [إلينا] من أفواه الثّقاة أن «بابا اسحاق» الخارجي كان من منطقة «كفر سود»، من مضافات قلعة «سميساط»، وكان يدور برأسه منذ مبادئ الشباب ولوع بالرّواية واصطياد المريدين. وكان ماهرا في صنعة الشّعبذة والسّحر، وكان مشغولا دائما بدعوة الأتراك الجهلة الذين إن سمعوا- باليسير من التمويه- عن فقيه سفيه ومفتي مفتن، احتشدوا وأعلنوا الموافقة والقبول. وكان دائم البكاء، ظاهر الورع، هزيل الجسد. فلما انقضت مدّة وأقبل عليه خلق كثيرون، وصاروا من مريديه والمعتقدين فيه، جال بفكره أنّه لو خرج بذلك العدد من الأتباع لن يكون لمصباح كذبه ضياء. فتوارى فجأة عن الأنظار. وبعد مدّة ذاع صيته في بعض قرى «أماسية»، وكان أول ما وصل إلى تلك القرية يرعى الغنم لأهلها، ويظهر الأمانة والورع، ولا يقبل من أحد شيئا، وكان يقنع من القوت بالقليل كلّ يوم. وبلغ في تورعه منزلا جعل كل امرأة ورجل مقيّدين بقيد أنشوطة الاعتقاد فيه. وكان إذا أصاب أحدا ألم أو حزن، أو وقع نزاع بين امرأة وزوجها يكتب تعويذة إذا رجعوا إليه، ويعطيهم إيّاها، فيتحوّل ذلك كله في الحال إلى راحة واستقرار. ولما كثر أتباعه وأشياعه خرج من القرية، وبنى صومعة على تلّ قريب منها، وشغل هناك بالإرادة (١) والتنسّك، ولم يسمح لأحد بالدخول عليه اللهم إلّا لعدد قليل من المريدين. وكان يظهر أنه قد عزف كليّة عن الطّعام والشراب، واختار الصبر على الجوع والعطش، وأخذ يبعث بالمريدين إلى كلّ ناحية حيث

стр. 294

يتجمّع الأتراك وغيرهم حتى إنه بعث إلى الخوارزميين الذين كانوا في بلاد الشّام. وكان يقبّح حياة السلطان غياث الدين لشغله بالشّرب والمناهي، وبهذا الخداع (١) أخذ يدعو الناس إليه. فلما استقرّت القلوب على محبّته ومودّته أطلق أحد مريديه إلى «كفر سود» كما أرسل مريدا آخر إلى «مرعش». وقال: مروا المخلصين لنا بأن يركبوا خيولهم في الشّهر الفلاني واليوم الفلاني ويتوجّهوا لفتح البلاد. وكلّ من سمع اسمنا وصار معينا لهم في قمع المفسدين اجعلوه شريكا في الغنائم والأموال، أمّا من أبدى معارضة فلا تهملوا- بغير محاباة- في قتله. فذهب هذان المريدان بناء على إشارة ذلك المسنّ الضالّ إلى هاتين الولايتين، ونادوا في قبائل الأتراك وطوائفهم/، وكانوا قبل ذلك ببضع سنوات قد هيّأوا أسباب القتال، وجلسوا ينتظرون الأمر. فلما بلغهم هذا النداء اندفعوا كالنّمل والجراد، وخرجوا في يوم معيّن. كانت أول قرية أضرموا النار فيها هي مسقط رأسهم، وقد انتشروا كالدّخان الأسود في نواحي العالم، وكانوا- وفقا لحكم ذلك اللعين- يعطون الأمان لكل من سلك طريق دعواهم، أما من كان يقابلهم بالاستنكار فكانوا يبادرون بالقضاء عليه دون تفكّر ولا تردّد. وقد جمع «مظفّر الدين ابن عليشير» جماعة، وأغار عليهم، ونشب قتال عظيم بين الفريقين، فوقعت الهزيمة على مظفر الدين واستولوا على علمه

стр. 295

وطبلته، فتوجّه مظفر الدين إلى ملطية وأعدّ جيشا مرة أخرى، وجمع عددا كبيرا من الأكراد والكرميانية (١). ودفع بهم لمحاربتهم، فوقعت الهزيمة عليه ثانية. فلما تحقّق لهم النصر مرتين، تبجّحوا واجترأوا وأرسلوا من يغير على نواحي «سيواس»، فجمع أهل سيواس جمعا وانطلقوا لصدّهم، فهزموا جند سيواس أيضا، وقضوا على «أكديشباشي» سيواس وغيره من الأكابر، وحصلوا من تلك المعركة على الكثير من الأمتعة فظهر عليهم الرّونق وتمّت لهم النّعمة ثم إنهم انطلقوا صوب «توقات» و «أماسية»، فمن كان يسعى لاعتراضهم عاد مخذولا، ففسد دماغ جهالتهم دفعة وشايعهم «التّركمان» من أهل الولايات كلّها، وما وصلوا إلى أماسية إلّا وكانت شعلة استعلائهم قد أخذت في الارتفاع. وحين أبلغ السلطان، لجأ- على سبيل الاحتياط- إلى جزيرة «قباد آباد»، وأرسل «حاجي أرمغانشاه» - قائد جند أماسية- إلى تلك الحدود، فلمّا بلغ أماسية أخذ «بابا» في الحال مع/ من كان معه من المعتقدين من الصّومعة وشنقه ودلاه من البرج، وعزم بمن معه من الجند على قتال [من تجمع منهم حول «أماسية» حيث أخذوا ينتظرون قدوم البابا] (٢)، فجرى بينهم الكثير من

стр. 296

النّزاع والقتال، وفي النّهاية قتلوا «أرمغانشاه» فنال بذلك الشّهادة. وكثيرا ما قالوا لأولئك المدبرين إن من تقتدونه قد صلب، لكنّ ذلك لم يجد شيئا وإنّما كانوا يقولون «بابا» رسول الله، ويتهافتون في مقابل السّيف والسّنان «كالفراش في النّار والأوزّ في التيّار» (١). وأخذ السلطان يرسل من «قباد آباد» - بتتابع الرسل المسرعين- طالبا العساكر التي كانت قد ذهبت نحو «أرزن الرّوم» لحراسة الثغور، فجاء العساكر مسرعين، ووزّعت معّدات القتال على الجيش، وبلغوا «قيصرية» في يوم وليلة. وكان أولئك المخاذيل قد اجتمعوا في صحراء «ماليه» من ولاية «قيرشهر»، وتقدّم «بهرامشاه» الجاندار، «وابن الكرجى» و «فردخلا» زعيم الفرنجة في المقدّمة، بينما تبعهم الأمراء الكبار بجيش كثيف. وفجأة جاء الخبر بأنّ الخوارج يستعدون للقاء القتال من الغداة. فأرسل لأمراء الطّلائع بأن لا يتعقّبوا الخوارج إن لم يظهروا، وألا يتحركوا بل عليهم بالتوقف. وفي اليوم التّالي لبس الجند لأمة الحرب، وأخذوا ينتظرون بقيّة الجيش الجرّار. وفجأة برز الخوارج من أحد التّلال واتّجهوا صوب الجند وقد شرعوا سيوفهم وتركوا عنان خيولهم (٢)، وكان الفرنجة في الصفّ الأول، فثبتوا ولم تؤثّر فيهم سيوف الخوارج أو سهامهم، فارتدّوا على أدبارهم ثم تمهلوا لحظة وعاودوا الهجوم، وهنا بادرت أفواج جند السلطان بعلاج أدمغتهم الفاسدة بالرّمح الثقيل

стр. 297

والخنجر القاطع، وبهجمة تصيد الأرواح أطاحوا بأربعة آلاف رجل من الخوارج، فلجأ بعض أولئك المدبرين إلى الأحمال والأطفال والعيال/، [فأقاموا ساترا من الأمتعة، كي يطلقوا من ورائه بالسهام] (١)، وأخذوا بما معهم من أقواس شديدة يلصقون الرجل في الشّجرة بالسّهم، فأحاط بهم الجند من كل ناحية، ورفعوا الحجب والسّواتر من أمام أولئك الكفرة (٢)، فشتّتوا شملهم وبدّدوا جمعهم ثم أعملوا فيهم السيوف إعمالا، وأجروا الدّماء أنهارا في الصّحراء من أتباع الشيطان أولئك ولم يبقوا على كبير أو يحابوا شابّا. وحين وصل الجيش الكبير، كان أمراء الطّلائع قد فرغوا من الأمر برّمته، ولم يبقوا على أحد حيّا إلّا الأطفال ذوي السنتين أو الثلاث. وسيّروا في الحال الرّسل إلى حضرة السلطنة، وقسّموا نساء الخوارج وأطفالهم وأمتعتهم فيما بينهم بعد إفراز خمس الخاصّ، وعادت العساكر- وفقا للحكم- إلى الأوطان، بينما لحق الأمراء بحضرة السلطنة. …

стр. 298

ذكر اهتمام السلطان بانتزاع ملك «ميّافارقين» من قبضة تملّك «الملك الغازي» بسبب نشر مظلّة الفتح لما دانت البلاد والممالك- التي كان يقصدها ويتمنّاها السلطان علاء الدين- لغياث الدين، وامتثل أصعب الملوك قيادا لحكمه حملته نخوة الاستعلاء على أن ينشر الرّاية المنصورة، تشبّها بأعمامه الكرام [الذين كانوا سلاطين العصر وقادة الدّهر] (١). ولأن سلاطين الرّوم قد اصطلحوا على أنهم طالما لم يصبحوا مالكين لملك ميّافارقين ولم يغدوا قاهرين للطّغاة المردة في تلك الدّيار، فلا بد لمظلّتهم أن تبقى مغلقة أبدا. ومن ثّم دعا العساكر إلى قيصرية المحروسة، واستنجد بصاحب «حلب» وملوك «الموصل» و «ماردين» و «الجزيرة». وكان الملك الغازي قد علم بالأمر قبل ذلك فنهض لتداركه بما له من بصيرة ثاقبة، فدعا إليه الخوارزميّين الذين خلصوا إلى «بغداد» بعد معركة «رأس العين» ولاذوا بحمى «المستنصر بالله» /، وكان زعيمهم ابن أخت السلطان جلال الدين وكان قد انضمّ إليهم قادما من «شيراز» بقوات شرفيّة، كما استدرج الغازي أتراك الكرميانية (٢) بالمال والآمال إلى قيد طاعته. وأتم الاحتياط للخندق والسّور والمجانيق والعرّادات، واستعدّ للقتال. وحين وصلت عساكر الرّوم إلى تخوم «آمد» وحدودها وانضمّ إليهم جند الشّام بقيادة «الملك المعظّم»، توجّهوا صوب «ميّافارقين» تنفيذا للحكم. فلمّا

стр. 299

بلغوها نزلوا حول المدينة وكانت المناوشات تقع بين الطّرفين كلّ يوم. وهطلت أمطار غزيرة، فأغرق السّيل خيام جند الرّوم والشّام، وأخذوا يتساقطون في الأوحال. وذات يوم أعدّ الملك الغازي الصفوف، وعزم على الحرب، وركب عساكر الروم، وأبلغ عساكر الشام، [فلبسوا سلاح الحرب جميعا، وجاءوا إلى المعركة، وانضمّوا إلى عساكر السلطان] (١)، كان الخوارزميون في الجهة اليمنى فأزاحوا الجبهة اليسرى من عساكر الرّوم- وكانت من ولاية دانشمند- وألجأوهم إلى الخيام. وبسبب الصّدمة التي ألحقها جند الموصل وملطية- وكانوا يمثلون ميمنة جيش السلطان- تراجعت ميمنتهم من الأتراك والكرميانيّة حتى حافّة الخندق، فجرت الدّماء سيولا بدل الماء. وفي تلك الأثناء انطلق من قلب جيش الغازي صوب الروميين شخص بفرسه ومعه سلاح ثقيل ويمسك بيده رمحا مستقيما (٢)، فبرز له رجل يقال له «دمرتاش» وهو غلام «ظهير الدين التّرجمان»، وأطاح به من فوق الحصان بضربة واحدة. وفي التوّ أسرع فارس من جيش الغازي وأعان ذلك الشّخص على ركوب الحصان، وبقي هو واقفا، فأجلسه «دمرتاش» على كفل الحصان، وأتى به إلى «الملك المعظم» و «چاولى» في قلب الجيش، فأراد الملك المعظّم أن يتسلّمه (٣) /، قال «مبارز الدين» إنه فداء للملك. وفي الحال أعطاه الملك المعظّم تشريفة

стр. 300

وسمح له بالرّكوب، ثم أجلسه إلى جانبه، وسأله عن أحواله بحرارة ومودة (١)، وسمح له بالانصراف نحو معسكر الملك الغازي. وما إن بلغ معسكر الغازي راكبا حتى عادت جند الخوارزمية إلى الخيام، وهدأت نار الحرب. وبعد فترة من الوقت جاء القاضي وعدد من الأكابر من قبل الملك الغازي. وفي تلك الأثناء حين استفسر من الملك المعظّم عن أمر الفارس الذي سقط على الأرض، والأسير الذي وقع بيد «دمرداش»، تبين أنّ من سقط على الأرض كان هو الملك الغازي، ومن أسر كان «أستاذ الدّار» (٢) عنده (٣). وكان فحوى الرّسالة أن الملك يبعث السّلام للجميع، ويقول: قد كانت حلقة الإخلاص لحضرة السلطنة في أذن روحي على الدوام. وقد حمل أخي [المرحوم] (٤) «مظفّر الدين الأشرف» غاشية السلطان «علاء الدين» على كتفه صورة ومعنى، وأنا أحسب نفسي في هذه البقعة مملوكا لتلك العتبة [فإن كان غرض السلطان منصرفا إلى أن ينتزع منّي هذه المدينة فلا بدّ أنه سيعطيها يوما لشخص آخر، وأنا على أتم استعداد للقيام بالخدمة التي يتوقع السلطان أن يؤدّيها ذلك الشّخص الآخر] (٥)، حقّا ما أشدّ ما تألّمت القلوب وتحسّرت الأفئدة

стр. 301

على الغرض الذي من أجله نشرت المظّلة المنصورة، [فلن يرضى مخلوق عن ذلك]، وإنما هي سبّة أمد الدّهر. إنني استحلفكم بالله أن تعدلوا عن هذه الفكرة، وألا تدهموا بيت فقير بوهم مموّه واصطلاح خاطئ، وإلا فإنني سوف أفدي البيت القديم بروحي. وفي تلك الأثناء جيء إلى السلطان الأعظم والملك المعظّم وسائر قادة الأمم الذين كانوا قد قدموا لمحاصرة «ميّا فارقين» بالأوامر المطاعة من قبل دار الخلافة، بأن ينتهوا عن المحاربة والمحاصرة، ولهذا السبب مال «الملك المعظّم» إلى إصلاح حال الملك الغازي، وحمل الأمراء على وقف القتال في هذا العام. ولما كان الأمراء قد أصابهم الملل بسبب التّساقط المستمرّ للأمطار، رضوا بمصالحة القاضي، فجعلهم القاضي يقسمون على ما يوافق رأيهم ونيّتهم، ودخل رسل الملك المعظّم وأمراء السلطان المدينة/، فجعلوا الملك الغازي يقسم بدوره. وفي اليوم التّالي ارتحلت الجيوش، وجاءت إلى «آمد». وهناك أقيمت حفلة ملكية على شرف «الملك المعظّم». ثم إنّهم افترقوا من الغداة، حيث اتّجه هو إلى «الشّام»، بينما قدموا هم إلى «ملطية». ***

стр. 302

ذكر حدوث الفتور فى بلاد الروم كانت فاتحة الوهن ومقدّمة الفتور أنّ الشّلل تسرّب إلى مزاج «جرماغون نوين» (١)، فوصل من حضرة [الخان الأعظم]- بعد فترة من الوقت- أمر بإسناد قيادة الجيش وزعامته إلى «بايجو قرتشي». وكان يريد أن يحدث تجديدا. في الدّولة القاهرة، لكي يروج سوقه ويعلو أمره ويزدهر. فاختار ثلاثين ألف فارس تتريّ من القادة المشهورين، وانطلق بهم صوب «أرزن الروم». وبمجرّد وصولهم شرعت المجانيق والعرادات في العمل على جوانب السّور، وتتابعت حرب الحجارة ليل نهار كأنها القضاء المبرم. فأخذ «سنان الدين ياقوت» قائد الجيش و «أستنكوس» قائد قوّة الفرنجة في الخروج للقتال بأعداد كبيرة من الجند، وكانوا يبدون الكثير من الجسارة والبأس. ولو لم يكن «شرف الدّويني» (٢) - وكان شحنة المدينة- قد فعل ما فعل من غدر ودونيّة لكان من الممكن أن ينصرف جيش المغول عن المدينة بسبب هجوم الشّتاء، ولحظي بضعة آلاف من الآدميين بالنّجاة من ضرب سيوفهم، لكنّ «الدّويني» الدون- بسبب ما كان يكنّه من حقد وضغينة لقائد الجيش- أرسل خفية رسالة إلى «بايجو»: إذا أعطيت الأمان على حياتي وحياة أتباعي فإنني أرفع المحاربين في البرج الذي وكلت إليّ حراسته، لكي يهبطوا ويكسروا أقفال البوّابة بالعمود الحديديّ.

стр. 303

فكتب «بايجو» مكتوبا/ وفقا لملتمس الدّويني، وفي الليلة التي وجد فيها الفرصة رفع مائتي محارب تامّ السلاح إلى البرج، فانطلقوا نحو البوّابة وكسروا الباب، ودخل الجيش المدينة وتمّ إخبار الأمير سنان الدين وأستنكوس، فتقاطروا مع الجند على ذلك الباب لسدّه، وأخذوا يعملون سيوفهم التي ظلت تقطر دما حتى الصّباح. وعند الفجر كانت المدينة قد امتلأت بالمغول، وحل البلاء العامّ، وبقيت النسوة الطّاهرات من حرم الأمم أسرى في يد كلّ غريب، وتمرّغ الأطفال الأعزّة في تراب المهانة، ولم يبق لأحد أبدا مجال للهرب أو وسيلة يمسك بها، وكسفت الشمس من الحرارة المنبعثة من نار السّيف، وخسفت مرآة القمر من الآهات الطالبة للنّجدة. فلمّا فرغ الجيش من النّهب والغارة، شرعوا في أخذ الأسرى، فأخرجوا النّساء والرّجال والكبار والصغار من المدينة، وقسّموهم فيما بينهم، وأبقوا على من كان يصلح للعمل حيّا، ثم انهالوا على الباقين فجعلوهم طعمة للسيوف ومضغة للحتوف. وأخرجوا الأمير «سنان الدين ياقوت» وابنه مقيّدين عاريي الرّأس، وكوّموا ما يملكه من جواهر وأحجار كريمة ومقتنيات ذهبيّة في الميدان. وقال له «بايجو»: ما بالك لم تتخذ جندا وعندك كلّ هذا المال، فما الفضّة البيضاء إلّا لليوم الأسود. فأجاب: إذا كان رزقك يسعى إليك، فكيف يتسنى لي التصرّف فيه. فأمر بأن يقتلوا ابنه أمام عينيه، فقتلوه، ثم استداروا إليه. وسلكوا طريق «مغان» بكنز هائل [من الغنائم].

стр. 304

وفي ذلك الحين لحقت جند السلطان «بأرزنجان» فلما سمعوا أنّ عساكر المغول فتحوا «أرزروم»، ولم يدعوا في تلك الديار ديّارا، بادروا بإنهاء هذا الخبر الفاجع لمسامع الحضرة السلطانية، فاستولى الاضطراب على خاطر/ العاهل. وأمر بأن تعود العساكر إلى أوطانها، وأن يحضر الأمراء بأسرهم إلى الحضرة، لكي ينشغلوا بتدارك الأمر متفّقين. ***

стр. 305

ذكر محاربة «السلطان غياث الدين» لجيش المغول في «كوسه داغ» كانت خلاصة فكر أركان الدّولة في حضرة السلطنة أن يوجّهوا الدعوة لملوك الدّيار، حيث يبعثون إلى «الملك الغازي» برسول، ويبدون الاعتذار عن مهاجمتهم ل «ميّافارقين»، وأن يمنحوه دون إبطاء- وبتوقيع السلطان «أخلاط» - وكانت ملكا لأخيه [الأشرف]. وأن يرسلوا الصّاحب «شمس الدين الإصفهاني» مع خزانة إلى «الشّام» لطلب نجدة من العساكر. وأن يبعثوا بخزانة أخرى إلى «السّيسي» (١)، لكي يجيّش جيشا من الفرنج بخلاف الجيش المعهود. ووفقا لهذه الفكرة بعثوا إلى «الملك الغازي» بعشرة آلاف دينار من السّكة العلائيّة، ومائة ألف درهم، ومنشور بملكية «أخلاط»، كما أرسلوا الصّاحب «شمس الدين» بمائة ألف دينار وآلاف الدراهم، وبخزانة أخرى أضعاف هذه إلى «السيسي». وكانت الرّسالة المرسلة مع الرّسل جميعا تقول: إنّه لو حدث في هذه القضية إهمال وخرج الأمر من اليد، والعياذ بالله، لن يفيد العضّ على الشّفة وتقليب اليد. ومن المتيقن أن النّكبة إن حلّت بدولتنا فسوف يزج بكم في حلقة الهوان والصّغار. وحين طالع «الملك الغازي» منشور ملكية «أخلاط» وأودعوا الأموال بخزانته شغل بتوزيع المال وجمع الرجال وهو يقول: سمعا وطاعة. وما إن وصل

стр. 306

الصّاحب شمس الدين إلى «الشّام» حتى جعل فقراء الأبطال في تلك البلاد يتنسّمون رائحة الاستغناء، ورعى صاحب «سيس» تأسيس قواعد الولاء/. ووصلت الرّسل إلى حضرة السلطنة. وما حلّ أول الرّبيع إلا وتجمع للسلطان سبعون ألفا فارس من القدماء والمرتزقة ترافقهم- وفقا لأمر السلطان- النّساء والأطفال والأمم، وبلغوا سيواس، وتوقّف السلطان زمنا انتظارا لانضمام عساكر الأطراف ووصول «الملك الغازي» و «الصّاحب شمس الدين» وجيش «سيس» [وكان يقضي وقته في لعب الكرة والصّيد وشرب الخمر] (١). ووصل «ناصح الدين الفارسي» من قبل الشام مع ألفي فارس تنفيذا لما كان قد استقرّ عليه الرّأي من أن يلازموا الخدمة السلطانية في كلّ عام وقت الحرب. فلمّا طال الانتظار عن الحدّ، وتواتر وصول الأخبار بأنّ «بايجو» قد عقد العزم على الحرب يصاحبه جيش كالنّمل والجراد من قوّات غير نظامية من «خراسان» و «العراق» و «فارس» و «كرمان». واتفق من كان من أركان السلطنة بصيرا بتجارب الخطوب وخبيرا بعواقب الأمور على أنّه ينبغي التوقّف في «سيواس» بغية انتظار المدد، لأن الارتكاز عليها لمقابلة خمسين ألف فارس هو أقرب إلى الصّواب. أما الشباب الغمر (٢) الذين لم يقيض لهم طيلة عمرهم أن يشهدوا القتال ومصارع الرّجال، فقد أخذوا يمانعون في ذلك، وصاح «نظام الدين سهراب

стр. 307

ابن مظفر الدين»، و «شبلاش»، و «غريب وثاقباشى» (١) - «عليهم بما يستحقون»: إلى متى التماس العلّة حبّا في الحياة بينما أهل «أرزنجان» و «أرزروم» يتعرّضون للتّلف ويصبحون علفا لسيوف المغول؟ كان من الواجب علينا أن نتقدّم حتى نبلغ «تبريز» و «نخجوان»، وكان من الضّروري أن يجري القتال هناك، أمّا الآن فلا يسمح بالتقدم لمرحلة واحدة بعد «سيواس»، بسبب استيلاء الخوف والرّعب. فاغترّ السلطان بذلك الخلط، وأمر بالمسير في اليوم التّالي/ فتدفّق سيل من ثمانين ألفا من المحاربين، وسلكوا طريق «كوسه داغ»، التي أصابت الأفئدة بألف لهب من النّار (٢). فلمّا بلغوها وجدوا الكثير من المروج والعديد من الأنهار والمواضع الحصينة، بحيث لا يكون لأي جيش غريب طريقا من أيّة ناحية إلّا من خلال الممرّ. فحطّوا رحالهم هناك. وظلّوا كلّ يوم ينتظرون وصول المدد. وفجأة جاءهم الخبر بأنّ «بايجو» قد وصل بأربعين ألف فارس إلى صحراء «آقشهر أرزنجان». فلما سمع أولئك الشّباب الجهلة- الذين كانوا أخصّ خواصّ السلطان- هذا الخبر (٣)، استبدّ بهم الفرح والسّرور لفرط جهلهم وحماقتهم، وقالوا ما أحسنه من مغنم سنحصّله من المغل. قال «الصّاحب مهذب الدين» «وظهير الدّولة ولد كرجي» لا ينبغي التشويش بالأراجيف، ولا يصحّ إثارة الاضطراب في الجيش بغير فائدة. إنما نحن في هذا

стр. 308

الموقع بمنجاة من غارات العدو، وهذا في حد ذاته أصل عظيم معتبر. كما وصل الخبر بأن «تكور» يتقدم للانضمام إلينا بثلاثة آلاف مقاتل من الفرنج، وهذا بدوره مدد كبير. فشرع «ابن مظفر الدين» في الهذيان قائلا إن الخائف مخيف. ولو أنني أعطيت ألف عنان من الفرنج، وكان الله معهم- فبوسعي حينذاك أن أنقض على المغل وأنال الظّفر. فأجاب «ظهير الدولة»: قد بقي أمر الملك، في مثل هذه الحالة، معلقا بشعرة. ولا ينبغي لمثل هذا اللفظ- الذي تؤذي رائحة تهافته [وقذره] (١) مشام الناس جميعا- أن يقال في حضرة السلطنة بخاصة، فما هو إلا قول يفضي إلى خراب «الشام» و «الروم» وتلزم الكفارة عنه بالصدقة. والباري- تعالي- يقول: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (٢) والمشاورة مقدمة علي المساورة (٣). وليس من شك أنني خائف، باعتبار أنني أخاف الله- تعالى وتقدس. وهنا أطلق ولد مظفر الدين- لفرط سورة الخمر- لسانه بالسب والفحش/ فعاتب الصاحب في ذلك الباب، فأجابه قائلا: إنك لا تستطيع أن تعيش من عمل آخر سوى الحساب والكتاب. [فلما سمع كبار رجال الدولة هذا النوع من الجسارة في حضرة السلطان من «ابن مظفر الدين»، ولم ينهه السلطان عنها] (٤) خرجوا من عنده مشتتي الفكر حيارى، وشرعوا في البكاء والنواح

стр. 309

علي زوال الملك ورواحه. كان اليوم التالي هو الجمعة السادس من المحرم سنة ٦٤١، فأمر «ولد مظفر الدين» الجيش بالركوب، وارتفعت أصوات الطبول والدفوف. ورغم أن الأمراء كانوا غاضبين لما حدث بالأمس، لكنهم ذهبوا إلى الدهليز، وأخذوا في الممانعة، فعاد «ولد مظفر الدين» ثانية إلى السفه والعته، وأطلق لسانه بالشّتم والذّم. وسعى «ولد الكرجي» و «وليّ الدين پروانه» و «ناصح الدين الفارسي» - بسبب ما استولى عليهم من تطّر وتحيّر- إلى حتوفهم مع ثلاثة آلاف فارس من الفرنج والروم، فزحفوا نازلين في تلك الممرات التي لا قبل للأيائل الجبلية بالسير على وهادها وبقاعها. فلما نظر «بايجو» ورأى أنهم يهبطون- دون تبصّر- من فوق ذلك الموضع الحصين، التفت إلى أمراء جيشه وقال: هؤلاء يتأتى منهم إلا الفرار، إنني أرى رأسا تحت السّيف. وينبغي اليوم أن نصبر حتى يدخلوا في ممرّ صعب فلما هبطت المقدمة بأكملها، وسدت المداخل والمخارج بسبب ازدحام العساكر، أسرع «بايجو» صوبهم من المكان الذي كان رابضا فيه، وفي الهجمة الأولى قاتل جيش الروم قتالا مريرا، حتى تعبت الجنود، وارتد جيش المغل. فظنو أنهم ربما ولّوا الأدبار. فأرسلوا إلى السلطان بخبر مفاده أن العدوّ هزم، وضربوا طبول البشارة. وفي هذه الأثناء رجع «بايجو» وأمر بأن يمطر الجيش بالسهام، فأبادوا هذا الجانب من الجيش. أما ولد «شلوه» (١) فقد نكّس أعلامه/ بسبب ما استبد به

стр. 310

من الروع، ولاذ بالفرار. بينما استنقذ «ناصح الدين الفارسي» نفسه مع عدّة أشخاص من المعركة، وجاء عاري الرأس إلى حضرة السلطان، فرفع حجاب الهيبة والوقار، وقال بمواجهة السلطان كلاما غليظا، حيث قال: هل يمارس أحد سلطة الحكم بمثل هذا الرأي والتدبير، وبمثل أولئك القرناء الدون المدابير، ويذهب لمقاتلة العدو، ويعرّض الملك والملة للتبدد والضياع، ويهيل التراب على رأس الإسلاميين وسائر طوائف الآدميين؟! ثم انطلق من ساعته مع أهله سالكا طريق «حلب». وحين رأى السلطان أن قضية الهزيمة قد انعكست، ونال الأمراء والجند درجة الشهادة، وضع عباءته على وجهه وشرع في البكاء، وظل راكبا حصانه لا يتحرك حتى صلاة العشاء حتى تم تسريح حرمه ومعظم الخزائن الشريفة إلى «توقات». وجاء «جاولي چاشني گير» إلى الحضرة فارّا من المعركة [وأخذ يسرد على مسامع السلطان تقريرا عن حالة الفوضى وفقدان الانضباط، وشؤم تعجل ابن مظفر الدين وارتياع ابن شلوه] (١)، وقال السلطان: ما الصواب في رأيك يا أخي (٢)؟ أجاب: قد جاوز الأمر الشفة الجافّة والعين الدامعة، إنك لم تكن تلقي بالا إلى كلام المماليك وقت التّدبير فما الذي بقي في هذه الساعة من تدبير؟. قال السلطان: قد عهدت إليك بزمام الملك، فأفعل ما تعرفه وتقدر عليه دون إبطاء أو توان.

стр. 311

ودخل السلطان الخيمة، ثم لم يلبث أن انصرف إلى [توقات] (١) عن طريق «لابد خانه»، وفي الطريق قام «فخر الدين ارسلان دغمش» و «شمس الدين خاص اغز» و «تركري چاشني گير» بتبديل ملابس السلطان على سبيل الاحتياط، وأطلقوا العنان لخيولهم فلم يتوقفوا حتى بلغوا «توقات چاي». ولما انصرف السلطان، ظلت فرقة من الجيش واقفة وهي تمسك أعنة خيولها حتى مضى من الليل ثلثاه. فلما ارتقى المغل الجبل ورأوا العساكر تقف بكل مكان، صاحوا ثم اشعلوا النيران. ولم يكن بوسعهم اقتحام معسكر/ السلطان كما لم يكن أمامهم مجال للعودة إلى ثكناتهم. فلما طال التوقف بالطّليعة، ولم تر مددا يأتيها من أي مكان، اتجهت صوب المعسكر، فوجدت الأمتعة في مكان، والرفاق والأصحاب قد ذهبوا، فما لبث أفرادها أن ولوا الأدبار بدورهم. عند الفجر حين أنعم المغل النظر في معسكر السلطان، ورأوا الأحمال والأمتعة لا تزال مكانها. ظنّوا أن الجيش ربما يكون قد كمن لهم، فأخذوا يطوفون حول الخيام مدة يومين، فلما تحقق لديهم أن الجيش قد ولى الأدبار دخلوا المعسكر، وحازوا من الأموال ما لا يدركه الحصر، ثم توجهوا صوب «سيواس». كان الإمام الرباني «نجم قير شهري» هو قاضي «سيواس»، بيد أنه كان في «خوارزم» عند استيلاء المغل عليها ونكبة «السلطان محمد» (٢). وكان قد مثل

стр. 312

بين يدي [الخان الأعظم] حينذاك، فمنحه مرسوما ملكيا وعملة تذكارية. فخف القاضي لاستقبال المغل مع المرسوم والهدايا والتقدمات، فتعرف عليه «بايجو» وحين عرض الأمر الملكي والعملة قبلهما «بايجو» ووضعهما على رأسه، ثم وهبه المدينة. وقد تركوا بوابة «أرزنجان» وحدها مفتوحة، وأغلقوا باقي البوابات، حتى دخل بعض الجند المدينة فأغاروا مدة ثلاثة أيام. وفي اليوم الرابع أغلقوا ذلك الباب بدوره، ولم يعودوا يسببون قلقا أو إزعاجا. ثم إنهم انطلقوا إلى «قيصرية». ***

стр. 313

ذكر خراب «قيصرّية» وهلاك المحصورين بها وعندما سمعت والدة السلطان غياث الدين ذلك غادرت في التوّ واللّحظة «قيصرية» والتجأت إلى «سيس» (١). ولما هرب ملك الزهاد «صمصام الدين قيماز» الجامه دار (٢)، و «فخر الدين اياز الأعرج» من المعركة انتهي بهما المطاف إلى هناك (٣)، وبذلا جهدا بليغا في ترتيب معدات الحصار والدفاع وإحكام الأبراج والأبدان./ فلما وصل جيش المغل شمل كل ما وجده خارج السّور بالنّهب والحرق والإغراق. وفي اليوم التالي طاف «بايجو» راكبا مع أمراء جيشه حول المدينة، ونصب ثلاثة مجانيق على برج بوابة «سيواس» - وهو الذي كان اعتماد أهل المدينة كله علي حصانته- وألزموا الأسرى وأولئك الذين يلبسون الصوف (٤) بسحب المنجنيق، فتواصل القصف خمسة عشر يوما على التوالي، وظهرت في البرج ثغرات فاحشة. وعزم جيش المغول على الرجوع لوفرة ما غنموه، على أن يرجئوا تنفيذ المهمة إلى العام القابل، لكن ولد «خازوك» - وكان «أكدشباسي» المدينة- أرسل في الليل رسولا إلى «بايجو» طالبا الأمان، فلما تم له ذلك خرج- في

стр. 314

الليل أيضا- من فتحة المجري، وذهب إلى معسكر المغل، ووصف أحوال ضعف المدينة وقوّتها بالتّفصيل. فلما علم الأمراء بالأمر ورأوا أن الشخص الذي يسبغ عليه «بايجو» ولايته يحظى بالعناية البالغة، انضم إليه «أياز الأعرج» سوباشي المدينة- ومن ثم لم يبق بها إلا «صمصام الدين». وهنا رجع «بايجو» عن قرار الرجوع. وذات يوم أمر بأن يلبس الجيش كله لأمة الحرب، وأن توضع السلالم على ذلك البرج الذي كانت قد فتحت فيه ثغرات بقصف المنجنيق (١). فصعدو على السلالم، وأذاقوا كل من رأوه شربة السيف، ثم نزلوا وكسروا قفل البوابة. فدخل الجيش بأسره المدينة، وأمسكوا بأمير العارض وكل أفراد الجيش، وحملوهم إلى صحراء المشهد. وبعد النهب والقتل أضرموا النار في سائر البيوت. فلما فرغوا من المدينة وأهلها، غادروها إلى خارجها، وفي صحراء المشهد أجهزوا علي الأسري الذين كانوا قد أمسكوا بهم من قبل، وقسموا الأطفال والعيال فيما بينهم/ ثم سلكوا طريق العودة، وكانوا يقتلون في الطريق كل من كان ينتابه التّعب وتعييه الحيلة على مواصلة السير. …

стр. 315

ذكر توجّه الصاحب «مهذّب الدين» إلى «بايجو» وإقرار الصلح لما مني الجيش بالهزيمة، انتهى المطاف بالصاحب «مهذّب الدين» إلى «أماسية» فسمع أن جيش المغل قد أخضع قيصرية عن طريق الحصار، ثم رجع (١) فطلب «فخر الدين» قاضي «أماسية»، وقال له: طالما أن أمر السلطنة قد وصل إلى هذه المنزلة السافلة بسبب حداثة عهد السلطان وجهله، وأن بحر الفتنة- الذي كان يموج ويتلاطم- قد هدأ؛ فإنه لو حدث إهمال في تدارك الأمر، لكان ذلك ضربا من الكفر. والرأي عندي أن الطريق مملوء بالسهام والسّيوف. إلا أنه يتعين علينا أن نتجنب التفكير في العواقب، بل ننطلق في إثر المغل، ونأخذ في طرق باب الصّلح والهدنة. فاستحسن القاضي ذلك الرأي، وأثنى علي الصاحب ثناء جميلا. وبادر الإثنان- على السّوية- بإعداد الهدايا والتقدمات المتنوّعة ثم وضعا القدم- بفضل الله في طريق الخوف والرّجاء- وانطلقا. وبعثا قبلهما برسل إلى القائد «بايجو»، فأعرب هو غيره من أمراء الجيش عن دهشتهم لتلك البسالة (٢) والجرأة. ثم إنّ الصاحب والقاضي لحقا ببايجو في حدود «أرزن الروم»، وقدّما الحدمات، وأخرجا اليد البيضاء في استعطافه واستمالته، فشملهما «بايجو» بالعطف واللطف وأخذا يتحركان مع جيش المغول كلّما تحرك مرحلة في أثر مرحلة، فلما بلغوا «مغان»، وهي معسكر «جرماغون»، انطلق «بايجو» للمثول

стр. 316

بين يديه، واستدعي الصاحب مهذب الدين والقاضي فخر الدين، وسألهما: ما الذي دعاكما إلى الحضور؟ أجاب الصاحب قائلا، ليجعل الله- تعالى- الإيلخان الأعظم خالدا أبد الزمان، وليعلم القائد أن الله إن كان قد أعان في هذه الكرة دولتكم، فظفرت على/ سلطان الإسلام، فلا ينبغي أن يكون ذلك مدعاة للغرور، فما قتل في الحرب- كما هو معلوم لديكم- أكثر من ثلاثة آلاف فارس. ومع هذا كله هلك من جند المغل عدد كبير. وفي أطراف بلاد الروم مائة ألف مثل أولئك الفرسان بكامل سلاحهم وعدتهم. على أن ملك الروم لا ينعقد له نظام إلا بسلاطين سلجوق، ولا يطمئن للرّعايا بال إلا بالانقياد لهم. فلو أن القائد راعى مصلحة الإيلخان فلا سبيل إلا أن يشفع مصالحة السلطان بالقبول. لأن العظماء الذين مضوا وتركوا لكم الملك قد قالوا: ينبغي طلب الرّضا ممن يقرع باب الصّلح ويدخل من باب العجز والاضطرار. لقد تمّ عرض ما من شأنه أن يؤدي إلى فراغ بال القائد، وراحة الملك والرعية أما إن كان يقع للقائد رأي غير هذا، فليأمر به. فلمّا سمع «بايجو» المفاوضات إشار إلى امرأة من نساء «جرماغون» كانت تتولى أمر إفهامه الكلام لكي تصيح بما تضمّنه في أذن جرماغون، فلمّا أصغي إليها، وبحكم أنه كان كثيرا ما سمع عن العادات الكريمة للسلطان المرحوم علاء الدين [وكان يثني عليه، ولا يفتأ يقول: ليت أن علاقة تبعية تنشأ بين السلطان والخان الأعظم لكي تبقى ولايته سالمة من معرّة الجيش ومضرّته، فمن الخسارة أن تخرب مثل تلك المملكة والسلطنة التي قد زينت بالعدل والإنصاف بصدمة صولة المغل، وأن تصاب قواعد السلطنة بالوهن] (١). ومن ثمّ أومأ وأشار

стр. 317

- انطلاقا من هذه الرغبة الصادقة- إلى أنه يقبل الصّلح. فبدأ «بايجو» - بمشورة «جرماغون» - في وضع أساس التبعية وقال: ما المقدار الذي يتقرر وصوله كل عام من ملك الروم إلى الإيلخان وقادة الجيش؟ فخرج الصاحب من الاجتماع وتشاور مع القاضي، ثم سجل بقلمه مقادير مفصّلة من الذهب والخيول والبغال والأفراس والأبقار والأغنام، وأرسل بيانا بها إلى خدمة القائد، وبيّن أن كلّ سنة يأتي المبعوثون إلى ملك الرّوم لطلب هذا المقدار، وبعد أن نسلمه إليهم يأتون به إلى هنا. فرضي «بايجو» ببعضه/ وعدّ البعض الآخر قليلا، فزاد [الصّاحب] (١) شيئا على كل ما كان موجودا، الأمر الذي رضي به «بايجو». ثم إنه استدعي الصّاحب، وبشره بإتمام مرامه. فأخذ الصّاحب بتلابيب «بايجو» تأكيدا للعهد والميثاق، وتم إرساء بنيان الصّلح بموافقة أمراء الجيش بأسرهم. ثم إن الصّاحب عاد إلى حضرة السلطنة بصحبة الصّدر الكبير «فخر الدين البخاري»، حيث شغل بسدّ الثّلمة وترميم الثّغرة. …

стр. 318

ذكر عودة الصّاحب شمس الدين من [ناحية] الشّام إلى حضرة السلطان حين ذهب الصّاحب «شمس الدين» إلى «حلب» لطلب الجند، جمع طوائف من الأجناد لم يكن عددهم ليدخل في حيز التعداد والحصر ودفع لهم جميعا أرزاق ستة أشهر مقدما. وأخذ يتحين الفرصة للرحيل اليوم وغدا. وفجأة سمعوا خبر انكسار الجيش وانهزام السلطان وتفرق الجموع، ففترت النيات رغما عنها، وانكسرت القلوب بسبب ردّ صحاح الدراهم والدنانير، وقد استرد بعضها بطريق التساهل، وحين سمع جماعة بالأمر تفرقوا في أرجاء العالم يركضون متعجّلين والذّهب في أكياسهم (١). وجاء أكابر بلاد الروم وأعيانهم من قيصرية وملطية وسائر الأصقاع عن طريق «سيس» إلى «حلب» فمدّ أرامنة «سيس» - أباد الله حالهم وأفنى رجالهم- يد الغدر والغارة إلى اللاجئين المسلمين، وقبضوا على والدة السلطان ثم سلموها بعد ذلك إلى المغل، وأخذ يسبون النبي ﵇. [ولحق المسلمون- بكلّ وسيلة كانت- بحلب وما جاورها] (٢) فنشأ للروميين هناك تجمع كبير. ووصل الخبر بأن السلطان قد لحق بقونية سالما من معركة «كوسه داغ»، وأن جيش المغل توجه إلى «مغان»،/ وأن الصاحب «مهذّب الدين» انطلق في إثره بهدف افتتاح أبواب المصالحة. وأن الخلائق خرجوا من المسارب والمهارب. ومن هنا صمم الصاحب «شمس الدين» وسائر أكابر الروم على الرجوع، [لكنه

стр. 319

كان خائفا] (١) بسبب ما جرى منه من تباطؤ في اصطحاب الجند، وسعاية الحسّاد الذين كانوا قد وجدوا مجالا في ذلك الوقت للطعن فيه (٢)، فضلا عن الأكراد والأتراك الذين كانوا موجودين على الطريق. ومن ثم كان يفكر في دعوة الملك «مسعود» صاحب «آمد»؛ فجاء في صحبته إلى «ملطية». فاستبشر «جاولي چاشني كير» بقدوم الصّاحب، وحال بينه وبين صحبة الملك «مسعود» - لما كان يلازمه من نحس وإدبار. فأرسل إليه الصّاحب- شاء أم أبى- (٣) حسام [الدين] چوبان الملطي فقال له: في وقتنا هذا ظهر الفتور في المملكة، وليس من المؤكد ما الذي سيطل بوجهه من وراء ستار الغيب، والمصلحة هي أن يعود الملك. ومتى وصل الصاحب لخدمة السلطان، وخاطبه في الأمر فإن الأمر يصدر من حضرة السلطنة باستدعاء الملك، ويتحدّد الإقطاع. فلما سمع الملك «مسعود» هذه الرسالة، أطال لسانه بالعتاب، وعاد إلى الشام- وهو نادم سادم (٤) - عن طريق «آبلستان». وتوجه الصّاحب لخدمة الأعتاب السلطانية، وكان قد أرسل «چاشني كير» قبله، فأخبر بقدوم الصّاحب، وبادر بذكر خوفه وهيبته، وأنه يلتمس التعطّف. فلما بلغ الصّاحب «منزل أبروق» دفعوا إليه بمنشور الوزارة وأمر باستمالته على أكمل وجه. فقال بعد المطالعة: رغم أن هذا يدل على غاية التلطف والتكريم من جانب السلطان، فإن صدور أمر بعزل الصاحب «مهذّب الدّين» في

стр. 320

الوقت الذي ألقى بنفسه في خضم البلاء والعناء من أجل مصالح المسلمين أمر ليس صائبا. فلمّا لحق بالحضرة تمّ تفويض الحلّ والعقد له في الأمور كلها/، غير أنه لم يشرع- بأي وجه من الوجوه- في مباشرة الأمور المتعلّقة بوظائف الوزارة. ذكر عودة الصّاحب مهذّب الدين من خدمة «بايجو نوين» في هذه الأثناء قدم أصحاب البشارات بما ينبئ عن وصول الصّاحب وحصول المآرب. فلحق في أعقابهم بخدمة العتبة السلطانية، وحكى ما حدث من أحداث وإيجاب. وكان السلطان يأمر كل لحظة بتشريفة جديدة ويثني ثناء لا مزيد عليه. وبعد ذلك جاوز شأن الصاحب قلّة شواهق الكمال وذروة الجلال. وأرسل إليه هو والصّاحب شمس الدين في يوم واحد من حضرة السلطنة دواة الوزارة وسيف النيابة الذهبي، وأمر له بإقطاعات وفيرة. فلم يقبل الصّاحب مهذب الدين إلا أربعين ألف درهم، ولم يأخذ لنفسه أكثر من ذلك. ***
следующие страницы →