ذكر السّبب فى حادث هلاك السلطان ركن الدين
قبل أن تدخل حصّة السلطان عزّ الدين من ملكه في تصرّف ديوان سلطنة «ركن الدين»، أخذ «معين الدين پروانه» يستشير خواصّه في إضافة ذلك الشّطر إلى هذا النّصف،/ فقال «ولد الخطير شرف مسعود» - وكان من آحاد منشئيه- متى تحقّقت هذه الأمنية منحني سيّدي قيادة جند «نكيدة»، فاستجاب «پروانه» لملتمسه متفائلا بذلك، على أمل أن يثبت «شرف» عند عرضه [على الخان] ما اخترعوه من تهم للسلطان عزّ الدين، فراح وجاء عدّة مرات حتى نال «أليجاق» الأذن من جانب الخان للتوجّه إلى «قونية» وقيّد السلطان عزّ الدين.
ولما اختار السلطان «عزّ الدين» الغربة خوفا من بأس الخان دون ذنب جناه، ولجأ ثانية إلى «لشكري»، تم إسناد قيادة جند «نكيدة» «لولد الخطير» وفاء بالوعد السّابق، فبلغت رتبته في ذلك الاجتباء من الثّرى إلى الثّريا، ومن السّمك السّماك. فلما مضت عدّة سنوات على ذلك، عجز وعاء وسعه وإناء قدرته عن تحمّل الجاه والثّروة، ولأنّ الرّتبة كانت بغير موضع، والدّرجة خارج الاستحقاق والموقع، مدّ رجله لأعلى من درجته، وأخذ يصدر عنه من الأقوال والأفعال ما يناسب أصله ونسبه، وأمه وأباه. فأعرب أعيان الأطراف عن استيائهم لإمارته، وشرع من استعداهم عليه ومن جعلهم يشكون منه يرفعون القصص ويعرضون الغصص على الدّوام.
وما من أمر كان يصدر من أعتاب السلطان بإزالة ذلك العدوان، إلا وأعرض عن الانقياد له والإذعان، وواصل المضيّ في طريق التفرّد والتّمرد.
стр. 387
ولم يكن السلطان يقول شيئا مراعاة لخاطر «پروانه»، وذات ليلة قال السلطان في خلوة مع ندمائه- وكانوا جميعا أتباع پروانه: ينبغي تحرير «نكيدة» من شرف. [ويعهد بها إلى من يكون متحلّيا بالشّفقة والعدل والمروءة والحدب على الرعّية] (١)، وربما قال في وقت من الأوقات بتملّك «سينوب» على سبيل الندامة، وهو إنما يريد أن يمنح مدينة كلما أدّى خدمة للسلطنة./ لقد أمسك «پروانه» وأشياعه بأسنانهم في ملكنا القديم، وهم يحتقروننا (٢)، ويتركوننا بغير نصيب من نصاب الملك، ولو استمر الأمر على هذا النحو لن يبقى لنا في المملكة حكم. فجدير بنا أن نذهب إلى خدمة الخان، ونعرض عليه استيلاء الظلّمة وشحّ المنال (٣).
فنقل أولئك الجاحدون هذا المعنى بالنّقير والقطمير إلى «ابن الخطير». ولما كان فتّانا غمّازا ذا كيد عظيم فقد استأذن في السفر إلى أولاده، وأجلس «پروانه» على النار (٤)، فكانا يتّجهان سويّا إلى الصّحراء ويفكّران حتّى قرّ رأيهما في النّهاية على التآمر ضدّ السلطان بمساندة المغل.
وفي اليوم التالي أعدّ «پروانه» لقادة المغل وإمرائهم أموالا جمّة، وأرسلها بصحبة «شرف»، وأرسل رسالة مضمونها أن السلطان استبدّت به الرّغبة في التحالف مع الشاميين والشروع في التمرّد، وكنت أنا أحول دون ذلك، الأمر الذي جعله يعقد العزم على القضاء علينا، ومتى فرغ من أمر قتلي سيجمع
стр. 388
الجموع لاستئصال شأفتكم، فإن بادرتم بتدارك الأمر قبل أن تنتقل الفكرة من حّيز القوة إلى الفعل، لكانت في ذلك مصلحة عظيمة.
فأعرض معظم أمراء المغل عن ذلك وأحجموا عنه، حتى حمل «ينال يارغوجى» (١) - وكانت بينه وبين «پروانه» صداقة- أمراء المغل على التحرّك لتفحّص الحال نحو «آقسرا». كما اتجه إليها «پروانه» بعساكره وعسكر «نكيدة» وأتباع «ولد حاجا» [الجمّال] (٢) - وكان من سفلة ومجاهيل التّرك المرتزقة/ وانتشله پروانه من الحضيض فكان في ذلك كالزّمان محبا للأنذال مربيا للجهّال.
ثم أرسلوا في طلب السلطان رسولا إلى «قونية» لإخباره بأنّ أمر الخان قد صدر بشأ إحدى المهامّ الدّقيقة، وأنه لابدّ من حضوره لسماع ذلك الحكم، فاتّجه السلطان من «قونية» إلى «آقسرا»، ويوم لحق بهم كان تاج الدين معتزّ هو الذي أقام الضّيافة، فتجرّع السلطان فيها كؤوسا ثقيلة، فلما أثّرت سورة الخمر وارتفع جلباب الحياء، فتل أمراء المغل حبال العتاب مع السلطان، وأغلظوا له في الخطاب قائلين: لأيّ سبب تقصد قتل «پروانه»، وما التّقصير الّذي فعله في خدمتك لكي يستأهل منك هذا التّفكير المستهجن؟
أجاب السلطان: لا علم عندي بما يقوله الأمراء، وما جرت كلمة على لساننا أبدا في هذا الصّدد لا في حالة الصحو ولا في حالة السّكر. ولو قدّم الأمراء استكشافا شافيا، لأصبح من المؤكد أن يخجل النّاقل. فردّ الأمراء: طالما أنّ هذه الحكاية لم تتكرر، ولم يبلغ الأمر هذا المبلغ، فإنّك لو سلّمتنا تلك الفئة الجافية الذين قاموا بالتّحريض على هذا الغدر فإنّ عقابهم سيتم وفقا لقانون
стр. 389
«الياسا» (١)، ولكانت نجاة السلطان أمرا ميسورا، أما إن أهملت فلن نبقي أو نذر. قال السلطان: سأفكّر في هذ الأمر، وأطرحه غدا على الأمراء. وبلغت تلك الجلسة نهايتها بذلك القول.
وفي يوم الأربعاء الثاني من جمادى الأولى سنة ٦٦٤ فارق السلطان المدينة؛ وكانت نوبة الضيافة على السلطان في ذلك اليوم، فشغل بالصّيد مع الأمراء وتناول وجبة معهم/، وكان جند المغل قد غرقوا في السّلاح، وأحاطوا بالسلطان من بعيد. فلما دخل الخيمة دعا إليه المغول، ووضع الخوان ثم رفع، وقدّم السقاة الخمر. فشعر السلطان بالملل من الزّحام، والحرّ في الخيمة التي جلسوا فيها، فأعطى قميصه «للجامه دار» (٢) فرأوه قد ربط حول خصره بضعة خناجر، فاستلّوها واحدا واحدا لمشاهدتها، وبدأوا في توجيه العتاب إليه، فقالوا:
بالأمس اتفقنا على أن تسلّمنا أصحاب سعاية «پروانه»، لكنّك لم تفعل، فشرع في الاعتذار، ولم يقبلوا عذره، وفي أثناء الحوار دسّوا السمّ في قدحه، فلما تجرّعه لم يلبث طويلا حتى ظهر تغيّر كامل في مزاجه الكريم، ولما غلب السمّ في أعماق العروق واستولى الاضطراب على الرّوح، خرج للتبوّل، وطلب حصانا فركبه واتجه صوب المدينة، فلحقوا به وأعادوه.
وبعد مدّة خرج أمراء المغل مع «پروانه»، وبقي ضياء وشرف ابنا الخطير مع عدد من المغل، وأسدلوا باب الخيمة، وخلعوا عنه عباءته وأخذوا في توجيه الرّكلات إلى مثل ذلك السلطان، ولشدّما صاح واستغاث، لكن لم يكن ثمّت
стр. 390
أثر للرقّة والرحّمة، وفي النّهاية بعثوا بروحه إلى الجنان بوتر القوس.
فلما فرغوا من القضاء عليه، توجه المغل لمعسكرهم الشتوي، وجاء الأكابر بأسرع ما يمكن إلى «قونية».
ذكر سلطنة غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان
حين وصل أركان الدّولة إلى «قونية» المحروسة، أجلسوا السلطان غياث الدين- وكان قد تيتّم عن أبيه وهو ابن سنتين ونصف- على عرش السلطنة/، ثمّ أقسموا على الولاء له ونصرته. وباشر كلّ من الصّاحب [فخر الدين على] و «پروانه» مصالح الدولة متعاونين فيما بينهما بالكفالة والكفاية، فنشأ السلطان وكبر في حجر تربيتهما ورعايتهما كالغصن على شاطئ الماء الزّلال. وأخذ يزيّن المنشورات والأوامر زمنا بالتوقيع بقالب خشبي، فلمّا فارق مرحلة الطّفولة إلى حدّ الصبا، ووضع القدم في دائرة فهم الأشياء وحفظ الأسماء أتوا له بأستاذ لكي يشغل بالتعليم.
***
стр. 391
ذكر اعتزال الصاحب فخر الدين واعتقاله بقلعة «عثمان جوق»
أرسل السلطان «عزّ الدين» من ديار الغربة رسالة تتضن صورة الحال وقلّة المال إلي الصّاحب «فخر الدين» - الذي كان من قبل وزيرا لسلطنته. فظهرت الشّفقة في باطن الصّاحب على العادة السّابقة، وتداول في الأمر مع «پروانه»، وأرسل إليه رسائل السلطان، فأخذت «پروانه» رقّة من مطالعة رسالة السلطان، واحتفظ بالرّسائل عنده بعد أن تصفّحها.
وفي اليوم التّالي اتفّق للصّاحب أن التقى «بپروانه» فسأله على أي نمط ينبغي أن يكتب جواب السلطان عزّ الدين، وهل يمكن إرسال شيء إليه أو لا، وبخاصة في هذه الحالة التي أحاطت فيها العسرة بأيامه وأمسك العوز فيها بتلابيبه.
أجاب «پروانه»: «إن حال السلطان شبيه بحال السلطان «طغرل»، وكان حين انزعج من جور الأمراء، وأخذ يطوف مشرّدا في أطراف البلاد بسببهم، أرسل إلى ملك الأرمن هذا «الدّوبيت» يستميحه فيه:
/ تكرّم اليوم يا من أنت للكرم جناح … فلقد أصبح الموت حلالا لنا من الفقر والعوز
سوف يتحسّن حالي بالنّجم غدا … ولن أتلقى الجوهر من كفّك بتذلّل
فلمّا طالع الأرمني هذا الدّوبيت، لم يدر قطّ ولو دورة واحدة حول المروءة ولم يرشح إناء سخائه، وظلّ على بخله وشحّه، فارتجل السلطان هذا الدّوبيت
стр. 392
من فرط الغضب:
أيها القلب، لئن كنت واقعا في هوى الأرمن … فأكون امرأة لو لم أخل ساحتك من الحزن (١)
ويا أيها الفلك، إن لم أتحايل لأطرد … الثور من البيدر كنت أنا في البيدر (٢)
وغدا اسم ملك الأرمن من أجل ذلك البخل سمرا يسمر به النّاس. وفي مثل هذه الأوقات تكون رعاية وليّ النعمة شرطا لازما من شروط المروءة. ولو كان قد بعث إليّ بكتاب في هذا الصدد، لكنت قد بذلت كل ما في ملكي».
وحين نال الصاحب الإذن من «پروانه» أرسل إلى السلطان رسالة جوابيّة مع بضعة أثواب ومشربة ذهبية وزنها خمسمائة مثقال وطرائف أخرى.
وبعد مدة بدأ الأضداد السّعاية بين «پروانه» والصّاحب، وحثّوا پروانه على حبسه وإذلاله وقيده والتّنكيل به، لكنّه كان يخشى ويحتاط من ناحية الأمير «تاج الدين حسين» / ولد الصّاحب، وكان لا نظير له في قيادة الجند والطّعن بالخنجر والافتتان بالحياة العسكرية والسخاء. فقال شرف «ولد الخطير»: أنا أكفيكم أمره فأدعوه إلى وليمة في بيتي، فإن عزم على الخروج منعته.
стр. 393
وفي اليوم التّالي، ذهب الصّاحب و «پروانه» والأمير تاج الدين «وولد الخطير» للنّزهة في خدمة موكب السلطان، فلما نزل السلطان بعد أن قام بجولته قال «الشّرف» لتاج الدين إنّ في رأسي خمارا من شراب الأمس، ولديّ صحن أو اثنان من حساء السّماق (١)، وهو ما لا يمكن علاج آلام من يعاني من أثر الخمر إلّا به. فلو تجشم مولاي المشقّة وتفضّل معي لكي نتناوله سويا، ونبادر بتبديد الخمار، فلن يكون ذلك ببعيد عما عوّدتم هذا المملوك عليه من تلطّف.
ولفرط ما كان عليه من سلامة قلب أجاب ولد الصّاحب دعوته، وذهب إلى بيته، ودخل معه من باب الملاطفة، ثم شرعوا في المزاح والمطايبة. وبعد رفع المائدة أزمع ولد الصّاحب الخروج، فكشف «الشّرف» نقاب الحياء، وقال: ليس مسموحا لك من جانب الأمير «پروانه» بمبارحة هذا المكان. قال ولد الصاحب: المروءة مع الإخوان والرّفاق تقتضيك ألا تفعل هذا. فلم يجد ذلك شيئا، ورضي مذعنا بالقضاء، وهدأ. فسطّر «ولد الخطير» في الحال على ورقة: «قضي الأمر»، وبعث بها إلى الديوان عند «پروانه» فورا.
وقام «پروانه» على الفور من مقدّمة الصّفة حيث كان قد جلس مع الصّاحب و «أرسلان دغمش» و «طرمطاي»، وجاء بجنب الصّفة، وأرسل الرّسالة التي كان السلطان «عزّ الدين» قد بعث بها إلى الصّاحب على يد أحد الأكابر لكل من «أرسلان دغمش» و «طرمطاي» و «الصّاحب»، وقال:
كيف يمكن العيش مع من يفكر في المكر بمولاه والغدر به ويناصر معارضيه./
стр. 394
قال الصّاحب: عندما وصلت إليّ هذه الرسالة أرسلتها إليك في الحال، وذكرت ما كان من مشافهات في الوقت المناسب، فلا ذنب لي في هذه القضية، وليكن بعد ذلك ما يأمر به الله ومولاي.
وجرى احتجاز الصّاحب في بيت من حجرات قصر السلطنة مدة من الزّمن، ومن ثمّ أرسل إلى بيت أمير العدل، وصرف «شمس الدين ولد صدرو» إلى أمراء المغل وقادتهم لإطلاعهم على هذه القضية، وبعثوا معه بأموال كثيرة للتّحقير من شأن «فخر الدين» الوزير وتعظيم وزره، ومن أجل ذلك منح «ولد صدور» قيادة قوة «آمد».
ولمّا سمع أمراء المغل قالوا: مهما كان الجرم الذي صدر عنه كبيرا فلا يجب الاستعجال في إبطال حشاشته والقضاء عليه طالما لم تعرض القضية على حضرة [الإيلخان] (١)، وإنما كونوا قريبين منه، ولا ترتكبوا أي خطأ، وبالغوا في حراسته.
فلما عاد «ولد صدور»، أرسل الصّاحب إلى قلعة «عثمان جوق»، وأطلق سراح ابنه بكفالة «ولد الخطير» بشرط أن يلازم «پروانه» في السفر والحضر. وسوف يرد فيما بعد ما آل إليه حال كل منهما.
…
стр. 395
ذكر تبديل المناصب فى ديوان سلطنة بلاد الروم
حين بعث بالصّاحب «فخر الدين» إلى قلعة «عثمان جوق»، أعطيت الوزارة «لمجد الدين محمد بن الحسن» المستوفي الأرزنجاني، الذي لم يكن له من ثان في أنواع الفضائل في العالم الفاني، وأسند الاستيفاء للصدر المعظّم «جلال الدين محمود المشرف»، والإشراف «لظهير الدين متوح بن/ عبد الرّحمن» - وكان من أحفاد «أبي يوسف»، والنّظارة «لزين الدين أحمد الأرزنجاني»، وكان كلّ منهم يقوم بعمله على أحسن وجه وبقدر الإمكان.
فلمّا نزل الصّاحب «فخر الدين» من قلعة «عثمان جوق»، وذهب إلى خدمة [الخان] (١) وطرحت الحكايات للمناقشة، طلع الصّاحب من تلك الفرية نقيّ السّاحة والعرض، وأمر [الخان] بأن [يذهب] (٢) إلى بيته، وأن يتدخل في الأمور السلطانية والأشغال الدّيوانية.
غير أن الصّاحب ظلّ فترة من الوقت مقيما ببيته ملازما لداره، وشغل بضبط الأملاك والعقارات وعمارة الأوقاف، ولمّا انقضت مدة على العزل وتسلل السّأم والملال إلى نفسه من تسلّط الأراذل، اتّجه- أنفة منه وإباء- إلى ديوان «آباقا» (٣)، فأسندت إليه الوزارة من جديد، وفوّضت إلى ابنيه قيادة
стр. 396
قوّات «لاديق» و «خوناس» و «قرا حصار دوله» وأعاد «آباقا» الأب وابنيه إلى الروم قانعين مغتبطين.
فلما عاد إلى مباشرة الوزارة، أسندت «الأتابكية» (١) إلى الصّدر مجد الدين، وكانوا جميعا يلازمون [الأمير المعظّم برقواغا] (٢) الذي كان قد جاء لحكم مملكة الروم.
…
стр. 397
ذكر بعض أوصاف الأتابك مجد الدين وخاتمة أمره
كان الصّدر المعظّم فريد العالم «مجد الدين محمد بن الحسن الأرزنجاني» نادرة الأيام في أنواع الفضائل والآداب والتبحّر في فنون الحساب. كان خطّه في غاية الجودة وعبارته في غاية اللّطف والذّوق، وكانت رواتب مبرّاته في حق الخاصّ والعام من أهل الإسلام- سيّما في شأن السّادات والأئمة- متتابعة متواترة كشعاع الشمس وقطرات السّحاب، وكان قد ألمّ إلماما كافيا بقرض الأشعار ونقدها وسبك الرّسائل عربيّها وعجميّها. وعند وفاته كان أيقظ عقلا وأسلم وعيا.
كلّ من مّر على بابه في أيّام حياته أو ألقى عليه سلاما/ حظي بإنعام منه في حالة [الوصيّة] (١)، ودعا إليه وهو في النّزع الأخير الخدم والحشم فودّعهم جميعا بوجه بشوش ضاحك، ثم ولىّ وجهه صوب دار القرار.
ومن بين رسائله رسالة قد كتبها في جواب ملك السّادة، سالك سبيل السّعادة، مالك أزمّة العارفين، حجّة الأولياء في العالمين، شرف الملة والحقّ والدين: الحسين العلوي الطباطباي الشيرازي (٢)، أدام الله على كافة المسلمين بركته، [ونوردها] (٣) لكي يستدل على وفور بلاغته، [وهذه هى] (٤):
أمّا الخطاب المبارك لمولانا ملك السّادات، فلك السّعادات، افتخار العترة
стр. 398
الطاهرة، وليّ الكرامة الظّاهرة، علم الهدى، معلّم الورى، شرف الملّة والدين، حجّة الإسلام والمسلمين، أبّد الله فضله وأفضاله، فكان يتيمة بحر السعادة، فغدا تميمة نحر الإرادة، وحظيت آثار الأنامل (١) الشّريفة بالتّعظيم والتّبجيل بزينة حدقة الفضل ونور حديقة القول والفعل على سبيل التيمّن والتبرّك، فوصل إلى مشامّ الرّوح من مطاويها وفحاويها نسيم الروض النّاسم، لا بل نفحات مكارم أخلاق أبي القاسم- ﵇ ما كرّت المواسم.
إن هو إلا زمن ولىّ في سعود تلك السّعادة العظيمة وجهه صوب الأفول، وتعرضت غصون تلك النّعمة والنّعيم لوصمة الذبول، فإذا به الآن قد طلع ونفع (٢) بحسن التفات المولوي ويمن نظره. كان هذا البيت من الحماسة يجول بخاطري فى اليقظة والمنام:
عسى الأيّام أن يرجعن … قدما كالّذي كانوا
وكانت عين البصيرة برغم ذلك لخيال الجمال المبارك ناظرة ولسان السّريرة/ له مسامرة. وكان تكرار هذا البيت وإعادته يعدّ نوعا من تسلّي الضّمير والخاطر:
وعدتني الأيام منك بوصل … آه (٣) لو كانت (٤) تصدق الأحلام
إلّا ووصل الآن الصّدر «صلاح الدين» أنجز الله وطره كما أحسن ستره، وأبلغ بخطور الحضور المبارك إلى هذه النّاحية، فأنهى بشرى مباركة، فنشأ في
стр. 399
الضمير: هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ (١)، والمأمول أن تقرأ عمّا قريب عند نوال شرف الخدمة قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا (٢). وما ذلك على الله بعزيز.
…
стр. 400
ذكر تشرف الملكة المعظمة سلجوقي خاتون ابنة السلطان ركن الدين بتزوج ابن الخان وعصيان ولد الخطير
حين صدر الرّأي العالي والأمر النّافذ بأن تدخل واحدة من بنات السلطان ركن الدين في حبالة تزوّج إمبراطور العالم، وأن يجاوزوا بشارة الرّاية السلجوقية بسبب ذلك الافتخار كوكب «العيّوق»، شرع السلطان غياث الدين كيخسرو وأمراء سلطنته في ترتيب جهاز الملكة ليل نهار ببال منشرح وآمال منفسحة، وأتمّوها. وفوّضوا أمر الإعداد للصّدر «كمال الدين ابن الرّاحة» حتى أعدّ لكل شيء عدّته في أيّام قلائل.
ومضى الصّاحب و «پروانه» و «أمين الدين ميكائيل» نائب الحضرة سائرين على الأقدام في خدمة الهودج السلطاني، وصرفوا السلطان «غياث الدين» وبصحبته الأتابك «مجد الدين» و «جلال الدين المستوفي» و «طرمطاي بكلربكي» إلى «قيصرية».
وعند/ الوداع أسرّ «معين الدين پروانه» إلى «تاج الدين كيو» - قائد جنده- و «سنان الدين ولد أرسلان دغمش» قائلا: إننى لا أتفرّس آثار الخير- بأيّ وجه من الوجوه- في حركات أولاد الخطير الزّنجاني وسكناتهم، ولا شكّ أنّه ستصدر عنهم فتنة عظيمة وبلاء وبيل، ولو لم تكن الفرصة سانحة لأداء هذه المهمة الدقيقة لكنت أمحو صدأ وجودهما من مرآة الوجود بمصقل [السّيف] اليماني المصقول، رغم أني أنا الذي انتشلتهما من الحضيض، إلّا أنّه يجب أن تنتهزا سويا الفرصة في آناء الليل وأطراف النّهار، وأن تلزما جانب الحيطة
стр. 401
والحذر فتعملا بكلّ وسيلة وحيلة على قتلهما، وتعدّا المسارعة في إهراق دم الأخوين أمرا واجبا.
فالتزما أمام الأمير «پروانه» بإنجاز هذه المهمّة، لكن التّصوير كان في معمل القدر على خلاف تصوّرهما. ذلك أنه حين لحق موكب السلطنة «بقيصرية» توجّه «شرف الدين ولد الخطير» مع جماعة من جند الرّوم وعكسر المغل نحو «آبلستان» لحراسة الثّغور، ونزل «بيكارباشي»، وفجأة أغارت عليهم من أحد الممرّات كتبية من جند الشام وأخذوا معهم جانبا من قادة جند الرّوم مثل «روم راي» و «تركري» و «سيف الدين أبو بكر الجامدار»، و «سيف الدين قراسنقر»، ولما كان ولد الخطير وحرّاس المغل كثيرين، فقد رجعوا ونزلوا «كاروانسراي قراطاي» على أن ينزلوا من الغد بصحراء قيصرية.
فجاء «تاج الدين كيو» و «سنان الدين» من هناك في الحال إلى قيصرية، وذهبا عند «ولد پروانه»، وأعاد على مسامعه ما كانا قد سمعاه من/ أبيه من حكم حين قاما بتوديعه، فأقسم الثّلاثة متّفقين على تنفيذ هذه المهمّة بحيث إذا جاء الأخوان أمام ولد پروانه- على أن يكون حضورهما بالقصر السلطاني- فعليهم حينذاك ألّا يتوانوا عن قتلهما.
غير أنّ شخصا من ملازمي «ولد پروانه» أبلغ هذا السّر لضيا [ولد الخطير]، فسيّر ضيا في الحال رسولا إلى أخيه، وكشف عن القضيّة، فأمر أتباعه بأن يلبسوا السّلاح جميعا، لكي يعملوا سيوفهم دون إبطاء في «تاج الدين كيو» صباح الغد بعد المعانقة.
وفي اليوم التّالي ذهب ضيا لاستقبال أخيه، وأعاد على مسامعه الحكايات،
стр. 402
فاشتعلت نائرة غضبهما معا. وركب «ولد پروانه» في ذلك اليوم على اعتبار أن ولدي الخطير سيذهبان إلى خدمته- كعادتهما- وعليهما غبار السفر (١).
وتقدّم «تاج الدين كيو» و «سنان الدين» مع عدد قليل ممن كان معهم من الرّجال للاستقبال، [فلمّا التقوا] (٢) قال «الشّرف» معاتبا «كيو»: ماذا كان يحدث من نقصان لو تقدّم ولد مولانا لاستقبالنا؟ قال «كيو»: إن كان لديه عذر فليتجاوز عنه ملك الأمراء، ويتّجه إليه حتى يشعر هو بالخجل. فتحقّق لدى «الشّرف» بهذا الجواب حديث المؤامرة.
وعند ذاك تقدم «ضيا» بزعم معانقة «تاج الدين كيو» - إذ أنه لم يكن قد رآه من مدة طويلة- واستلّ السّيف خفية من غمده، وشقّ به يد «كيو» اليمنى، فامتشق «كيو» حسامه بيده اليسرى وأخذ يطعن كلّ من كان يصادفه، ولما كانت الضّربة التي وجّهها إليه «ولد الخطير» قد أثّرت فيه تأثيرا كبيرا فقد انكفأ على وجهه، ففصلوا رأسه في الحال عن جسده، وربطوها في مؤخرة سرج «ضيا»، كما استشهد هناك أيضا الأمير «سنان الدين».
/ وحين أصبح عصيان ولدي الخطير أمرا ظاهرا، [واشتعلت نار الغدر والخيانة، وتطاير شرر الشرّ] (٣) نشأ الهرج في داخل المدينة وخارجها، وانطلق «الشّرف» بالأعلام وبمن كان معه من الجند إلى صحراء المشهد، وتوقّف هناك، وأرسل إلى المدينة من يأتي إليه بالسلطان. وبعد كثير من التمنّع والإباء اضطرّ الأتابك و «طرمطاي» والمستوفي إلى إركاب السلطان، ثم جاءوا به إلى
стр. 403
«الشّرف».
وفي اليوم التّالي انطلقوا إلى «نكيدة»، فلمّا بلغوها، أرسل «الشّرف» أخاه «ضيا» إلى بلاد الشام للإخبار بالحال وطلب النّجدة بالرّجال، وألزم «الأتابك مجد الدين» و «جلال الدين المستوفي» و «سيف الدين طرمطاي» ليصرفا إخوتهم وأبناءهم في صحبة «ضيا». وتشكّل في «نكيدة» لوجود السلطان جمع كبير وحشد هائل. وكانت الخيلاء والحماقة التي تملّكت «الشّرف» تتزايد بمرور الأيام، فأخذ يمارس التكبّر الفاحش على أكابر الدولة، ويكيد كلّ وقت بالأتابك [والمستوفي] (١) - فكانا حين يعلمان بالحال يرسلان الكثير من المال، ويجعلان الخزانة وقاية لنفسيهما.
وفي كلّ يوم كان يظهر رسل مزيّفون من طريق الشام بأن «الفندقدار» (٢) سيصل في اليوم الفلاني بجيش كثيف، وأخذوا يضربون البشارات بهذه الأكاذيب، وعاشوا زمنا بين هذه الحالة وتلك الحيلة.
стр. 404
ذكر وصول هودج الملكة وعودة الأمراء وسكون فتنة أولاد الخطير
وحين لحق الصّاحب و «پروانه» والنّائب بخدمة [الخان] (١) وحملوا العروس بكلّ عزّ وجلال من منصة الجلوة إلى حجلة الوصال، وقوي ظهر سكان ديار الرّوم بتلك الصّلة، حظي الصّاحب و «پروانه» بمزيد من العطف واللّطف- يربو على المعهود- من جانب الحضرة الخانية، وأضاف فرضة من ديار الأرمن إلى ممالك السلطان، وتوجه الصّاحب و «پروانه» صوب المملكة وهما في غاية السعادة والانشراح.
فلما بلغا حدود/ «أرزن الروم»، سمعا بخبر عصيان ولدي الخطير، فعرضا صورة الحال في الحال على حضرة [الخان]، فصدر الأمر النافذ بأن يتوجّه ولد الخان الفاتح بنفسه و «تودون بهادر» و «توقو آغا» مع جيش جرّار إلى الرّوم لدفع فتنة ولدي الخطير.
كان «ولد الخطير» قد مضى في طريق الجنون كعادته القديمة، فشرع في توزيع الولايات على أناس دون ومارقين فسقة، وأزاح نقاب الحياء عن طالع الوفاء، [وترك التحفّظ والاحتشام كليّة] (٢)، لكنّه كان يحترز من قبل أركان الدولة، ولذلك كان يتحصّن تارة في «نكيدة» وتارة في «دولو»، ويبثّ الحيرة في من كان يتّبعه من الناس مضطرّا (٣).
стр. 405
وفجأة أبلغه الجواسيس بأن «پروانه» قد وصل بجند لا حصر لها في خدمة ولد الخان، واتخذ الحيطة لحفظ الجوانب وسدّ المهارب وحراسة المسارب. فلما سمع «ولد الخطير» هذا القول ارتجف واضطرب كما يرتجف ورق الصفصاف، واسودّت الدنيا أمام عينيه خوفا من جيش المغل. فجاء إلى دهليز السلطنة، ودعا إليه الأمراء وقال: إنني لا أرى مصلحة ولا رأيا في تدارك سوء أفعالي إلّا الفرار إلى بعض معاقلي، انصرفوا أنتم في خدمة موكب السلطنة إلى «پروانه». ثم ودّع الأمراء، وسلك طريق قلعة «لولوه» مع بضعة نفر من جنده فلما اقترب من القلعة أذن لأهله وودّعهم، وصعد مع أحد الغلمان إلى القلعة، فقيّده محافظ القلعة في الحال، وأبلغ الأمر للأعتاب السلطانية.
أجل، حين ذهب شرف الدين إلى القلعة أركب أركان السّلطنة السلطان عند صلاة العشاء/ وانطلقوا مسرعين، فبلغوا «دولو» في منتصف الليل، فأمضوا بقية اللّيل في الميدان، وفي الصّباح أشعل لهم «پروانه» - بطلعته الغرّاء- الشمّعة المضيئة للعالم، فدبّت فيهم الحياة من السّعادة. وكان السلطان قد خلد إلى النوم، فلم يدعهم يوقظوه، وقال: إنما نتحمّل نحن كل هذه المشقّة من أجل راحة ذاته (١) الشريفة. ووضع هو بدوره رأسه على الوسادة.
فلما ارتفع النّهار قبّل «پروانه» يد السلطان، وانطلقوا سوّيا إلى خدمة أمراء المغل، فلما التقى بهم السلطان، أنشأ «پروانه» فصولا في باب براءة السلطان من ذلك العصيان، وجعلها مقبولة في مقاعد السّمع. وبادر أمراء المغل بتسلية خاطر السلطان. ولما كشف «پروانه» عن أمر اعتقال «شرف» الخائن سرّوا بذلك سرورا بالغا، وبعثوا «بسيف الدين جالش» وكتيبة من فرسان المغل
стр. 406
والمسلمين إلى القلعة لاستمالة محافظها واستنزال «شرف». فأتى «جالش» «بشرف الدين ولد الخطير» إلى أمراء المغل بغلّ الذلّ، فأحذوه للتحقيق والسؤال، وقتلوا «ولد قلاوز» أمير الصّيد و «سنجر» الجامدار و «قيبة» الخادم وكان سبب الفتنة وهو الذي سلّم السلطان لولد الخطير، وتمّ التحقيق مع الأمراء الآخرين الذين كانوا قد تبعوه مضطرّين، وحددوا جرم كل واحد منهم بعد تفحّص الأحوال.
وكان الصّاحب و «تداون بهادر» قد بقوا في الخدمة لدي ولد الخان في أطراف آبلستان لحراسة الممرّات. فلما رجع ولد الخان وعزم على التوجه إلى البلاط الخاني، وعاد «توقو» بدوره إلى البلاد، أتوا «بولد الخطير»، وجرّوه للتّحقيق/ فأخذ لفرط دهشته وغاية حيرته يجيب عن الأسئلة إجابات متناقضة، وفي نهاية الأمر نفّذوا فيه حكم «الياسا» (١)، وبعثوا بيده ورجله ورأسه وسائر أعضائه ففرّقوها في مختلف الدّيار لكي يعتبر الجاحدون وكافرو النعمة وينزجر الخدم الغدّارون.
ثم إنّهم توجّهوا بعد ذلك للمشتى. وفي ذلك الشّتاء ظل أمراء الروم ملازمين للمغل من الصّباح إلى المساء بسبب هذه القضايا، وكانوا يقضون أوقاتا عسيرة من الخوف واعتراض صروف (٢) الأيّام. فلما انتهت هذه الحكاية، وانقشع عنهم عتاب التّحقيق والطّلب، ورغب النّاس في الراحة والاستقرار، ظهرت حالات عجيبة تجعل الولدان شيبا من حجاب القدر، وتبدّل الاحتراق
стр. 407
بالعرس، والترّح بالفرح، والمأتم بالارتياح، والغمّ بالسرور. وتزلزلت المملكة وتخلخلت قواعد السلطنة، وأدّت الحركة غير الصائبة التي أتى بها «فندقدار» صاحب الشام إلى أن تصل آلاف الجرعات المسمومة الفتّاكة لمذاق الخاصّ والعامّ ويفعل الله ما يشاء.
***
стр. 408
ذكر خروج الفندقدار من ناحية الشّام
حين عمد من يزينّون الدّنيا بقدرة اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها (١) فحملوا متاع ملك السّيارات من حانوت الحوت إلى منزل الحمل، ووضعوا صيت مقدم الربيع على لسان السّوسن والبلبل الهزّار، أخذت الأخبار تترى من ناحية «سيس» بأن جيشا كبيرا يتّجه من جانب الشّام إلى بلاد الرّوم، فتمّ تدوين الأوامر من حضرة السلطنة إلى الأطراف، لكي يتجمّع الجيش في ضواحي «قيصرية».
فتحرّك جند المغول وجيش السلطان برعاية وقيادة كل من «تودون نوين» و «توقو آغا» و «معين الدين پروانه» من/ «قيصرية»، وسلكوا طريق «آبلستان». فلما بلغوا جبل «هورون» قال أصحاب الأخبار إن جيش الشام سينزل غدا عند الصّباح في صحراء «آبلستان». فاتّخذ الجيشان الرّومي والمغلي احتياطهما. وانطلقوا- في اليوم التالي- للهجوم نازلين من الجبل.
فلما رأى «الفندقدار» آثار الغبار في الجوّ تحرّك على الفور، وحين وصل إلى الصحراء رأى الجيش قد اصطفّ صفوفا، وتواجه الجيشان. كانت طيور المغول رباعية الأجنحة قد انطلقت طائرة من جوف الأقواس «الشّدفية» (٢)، فضاقت الأرض من ثلاث جهات على الشاميين. وشن «تودون» و «توقو» هجمات متواصلة، ومزّقوا الصفوف، ولم يتركوا أثرا من آثار الشجاعة والبأس إلا فعلوه. ثم انتهى الأمر بانتصار جيش الإسلام، وسقط توقو وتودون، ووضع
стр. 409
القائدان المغوليّان ومن معهم من الأبطال رؤوسهم على سرير الموت. وكان ما لا بدّ له أن يكون: وقُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (١).
وولى «پروانه» الأدبار منهزما بقلب كالشّمع حين يذوب في النّار، ونزل «قيصرية» بعد يومين. وكان الصّاحب قد أركب السلطان، وأخذا يتجولان في صحراء المشهد وقد ركبتهما الأفكار والغصص. فإذا «بپروانه» يصل فجأة مع بضعة نفر كانوا قد خرجوا- ذاهلين عن أنفسهم- من تلك الورطة سالمين.
وساروا جميعا من هناك مع الصّاحب والسلطان والأمير «پروانه» في الطريق إلى «توقات».
وعقب انصرافهم جاء جيش الشام إلى «قيصرية»، وضربوا خيامهم في صحراء المشهد. ودخل «فندقدار الشّام» المدينة يوم الجمعة الخامس عشر من ذي القعدة سنة ٦٨٥، وجلس على العرش، وجعل الخطبة والسكّة باسمه.
ونظرا لأنّه كان قد تحرك بناء على العهد والاتفاق الذي كان قد أبرمه مع «پروانه» ثم رأى هاهنا خلافه، كما أنّ أحدا من أمراء الروم لم يبادر بالانضمام إليه، وأخذت دوابّ جيشه تتساقط وتنفق لانعدام العلف، فضلا عن أنه كان يخشى هجوم الجيش المغلي الفاتح؛ فقد نادى بنداء «العود أحمد» ثم ما لبث أن عاد أدراجه.
فلمّا بلغ دمشق بعث به بعض غلمانه مسموما إلى العالم الآخر.
…
стр. 410
ذكر سبب حركة ركاب المسيطر على العالم سلطان وجه الأرض «الإيلخان الأعظم» إلى حدود بلاد الرّوم (١)
حين لحق السلطان «غياث الدين» والصّاحب «فخر الدين» و «معين الدين پروانه» بتوقات، أطلقوا على الفور «سيف الدين أربكي» إلى أعتاب [الإيلخان] للإخبار بالحال. فلما وصل إلى هناك وأفضى بما حدث، تحرّك الإيلخان بنفسه، وانطلق جيش جرّار قوامه أكثر من خمسين ألف فارس، قد سلّوا سيوفهم متجهين إلى بلاد الروم والشّام، [بينما اشتدّ لهيب الحميّة والحماية الإيلخانية] (٢).
فلمّا بلغوا حدود «أرزنجان» اتجهوا صوب «آبلستان» عن طريق «دفركي»، وبينما كان أهل «دفركي» جالسين التفتوا فجأة فإذا بفارس يركض هابطا بمحاذاة القلعة، تتبعه فرقة كبيرة من الجند. فتقدّم نفر من الأعيان لإفساح الطّريق للإيلخان، فقوبل إفساحهم بالقبول، وأسبغ عليهم من عطفه، ثم أمر بجماعة الفضوليين الذين كانوا قد أقدموا على اغتيال [غلام] (٣) أولاد «تاج الدين زيرك» فنفّذ فيهم حكم «الياسا». وكان أحد المقيمين في «دفركي» قد نال من قبل ذلك جزاء سوء أدبه، حيث أنّه جاء لمشاهدة الإيلخان من شرفات القلعة وهو يحمل قوسا وسهاما، ثم صدر الأمر النّافذ بهدم
стр. 411
قواعد القلعة.
ثم سيق ركاب من به يسكن العالم ويهدأ نحو «آبلستان»./ وهناك أدرك السلطان «غياث الدين» والصّاحب «فخر الدين» و «معين الدين پروانه» السّعادة والشّرف بتقبيل الأرض. فلما لحقوا بأرض المعركة التي جرت مع الشاميين، ورأوا من قتلى جند المغول تلالا فوق تلال، ماج بحر غضبه ثم أمر بتنفيذ حكم «الياسا» في كل المتخلّفين. غير أنّ صاحب الدّيوان- ﵁ سكّن هذا الغضب، فأنقذ مائة إنسان وأربعة من شرك الموت. وصار القاضي «عزّ الدين الأرموي» و «فخر الدين كوچكي» و «نور الدين ولد قراجه» و «زين الدين حفيد هود» فداء لبقيّة الخلق ونالوا درجة الشهادة.
ولما تعذّر توغّل المغل في ديار (١) الشّام تعذّرا تاما- لأن الشمس كانت قد تحّولت إلى برج الأسد (٢)، أرسل [الإيلخان] رسلا بأن «الفندقدار» يغير كلّ مرّة على قوّات الحراسة التابعة لنا على الغفلة، ثم يفرّ إلى مخبئة. فإن كان يزمع الحرب، ولا يريد أن يضع رأسه في دائرة طاعتنا فسوف يمزّق إربا، وسوف يشهد بنفسه ما يجري عليه من أسباب الخذلان وشقاء الغريب.
ثم إن ابن الإيلخان حاكم العالم توجّه إلى «قونية» لقمع «القرامانيين» و «جمري»، وكانوا قد جلسوا على العرش بها، وصدر الأمر بأن يكون الصّاحب ملازما لركابه الملكي، وأن يكون پروانه ملازما للموكب الأعلى
стр. 412
[للإيلخان نفسه]. بلغوا حدود «كوغونيه» و «كماخ» فجاء الأمر «لپروانه» باستسلام قلعة [كوغونية] (١)، واستنزال محافظها، وكانت ملكا له، فلمّا ذهب إلى هناك، واستدعى المحافظ، أبدى مقاومة شرسة، فرجع «پروانه» خائفا خائبا لخدمة [الإيلخان]، فتزايد بتلك المقاومة ما كان لديه من غيظ بسبب خذلان «تودون» و «توقو».
/ واختار على «پروانه» موكلين بحيث لم يكن بوسعه أن يتوقّف في موضع أو يتخلّف فيه دون مراقبتهم (٢). فلما وصلوا «آلاطاغ»، كان الرّسل الذين أرسلوا إلى الشام قد عادوا من عند «الفندقداري»، وأتوا معهم بالرّسائل الّتي كان «پروانه» قد أرسلها إليه لإغرائه وإخراجه، وبعثها على يد الرسل برا وبحرا. فأبلغ هؤلاء الرّسل رسائل بليغة مسمومة لاستئصال حياة «پروانه». على أن نسوة «تودون» و «توقو» وأولادهما كانوا- قبل ذلك- يبالغون كل يوم للتأليب على «پروانه» والتّحريض على قتله. ورغم أن [الإيلخان] كان يتوقّف في سؤاله عن قتل السلطان «ركن الدين» فإن هذا الأمر كان الرّكن الأعظم عنده، وكان يسلك طريق «يمهل ولا يهمل» لمصلحة ما.
فلمّا وصلت الرّسائل والكتب من جانب «الفندقدار»، لم يبق بعد مجال للإهمال والإمهال. واعترف بذنبه، فنفّذ فيه حكم «الياسا».
…
стр. 413
ذكر محاسن أوصاف معين الدين پروانه تغمّده الله برحمته
كان الأمير الشّهير «معين الدين سليمان بن علي الديلمي» طودا أشمّا وبحرا خضما في الرّزانة والدّراية والكفاية. وكانت خلواته مملوءة دائما بالعلماء والأتقياء والزّهاد والعبّاد. وكانت رواتب صلاته في كل البلاد من كل فجّ على كلّ يتيم وأرملة كالشّمس المشرقة وكفيض البحار التّي لا تحدّها حدود.
ومع أن حادث السلطان ركن الدين ينسب إليه إلا أن ربّ العالم عالم بأن أسّ ذلك الكيد ومنشأ ذلك الشّر لم يكن سوى الطّينة القبيحة والجبلّة الرذلة للزنيمين اللّئيمين ولدي الخطير الزنجاني، ولم يكن هناك من جان جاحد إلّا هما. ويشهد على براءة ساحة «پروانه» من ذلك معشر الجنّ والأنس وفق قول الله تعالى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا (١).
أجل، وحين بلغ خبر استشهاده سمع جميع الأمم، كان الحنين يتجاوز في مأتمه الفلك الأعلى، وأنشأ صاحب الدّيوان الأعظم شمس الدين (٢) - رحمة الله عليها- هذين البيتين [بالعربية]، فقال:
لمّا رأيت خروج التّرك من سبأ … مغافضا ما لهم عقل ولا دين
أنشدت مكتئبا ما قيل في قدم … مضى سليمان وانحلّ الشياطين
стр. 414
ذكر سيطرة القرامانيين وتسلّط جمري
حين شرع «ابن الخطير» بالجهر بالعصيان، وأخذ لفرط ما به من حماقة يصدّق خيالات جنونه، واختار موكب السلطنة وأركان الدولة موافقته مضطرّين، فانصرفوا عن قيصرية إلى «نكيدة»، وأخذ ينجذب إليه كلّ من كان في طينته وجبلّته كفران النّعمة ومخالفة أسرة «قلج أرسلان» الحاكمة، بمقتضى القول: «وشبه الشيء منجذب إليه».
وبالنظر إلى أن «شرف» كان يستروح هواء الشّام وكان له ولوع وشغف تامّ «بالفندقداري»، فقد اجتمع له في «نكيدة» جمع حاشد من كل فئة وطائفة (١).
أما أولاد «قرامان» فقد كان أبوهم في ابتداء حاله من فحّامي التّركمان بنواحي الأرمن، وعرف بقمر الدين، وكان يأتي بالفحم من تلك الجبال- بصفة مستمرة- إلى «لارنده» ويكسب بذلك قوت عياله وأطفاله. وفي وقت الضّعف والاضطراب الذي حدث ببلاد الرّوم عندما توغّل «بايجو» فيها سنة ٦٥٤ (٢) انتهز قرامان الفرصة وشرع- مع أبناء جنسه- في السّرقة/ وقطع الطّرق، وانتقل من مرتبة السّير على الأقدام إلى ركوب الخيل.
ثم إن السلطان «عزّ الدين» حين فارق البلاد، ودخل شطرا المملكة في تصرّف السلطان «ركن الدين» استدرج «قرامان» إلى فخّ طاعته بعد أن أغراه بالآمال والوعود، وأمّره وأعطاه منصبا وإقطاعا كبيرا (٣). فحصل له بذلك الكثير
стр. 415
من المال والمتاع، فلمّا استغنى تسلّلت التّخاليط الفاسدة إلى دماغه هو وأخيه «بونسوز». وكانا في كل حين- رغم كونهما في قيد الطّاعة- يقطعان الطّريق بحكم المثل: «الحرفة لا تنسى». وكان السلطان «ركن الدين» يشتدّ به الغضب لذلك ويزمع على إنزال العقاب والزجر بهما، لكنه لم يكن يفعل شيئا إذ كانت لهما دار في ولاية الأرمن وكان يتوقى عصيانهما وتمرّدهما.
ولما توفي «قرامان»، وحضر أخوه «بونسوز» - وكان أمير حرس السلطان «ركن الدين» بملازمة العبوديّة لأعتاب [الخان]، حبسه السلطان، وأرسل أولاد «قرامان» - وكانوا ما يزالون أطفالا- إلى قلعة «كاوله»، وبعد وفاة السلطان أخذوا ينقلونهم ويحوّلونهم من قلعة إلى أخرى في أنحاء البلاد. ثمّ أطلقهم «پروانه» بعد مدّة من الحبس.
ولم تلبث تلك الثعابين الصّغيرة أن أصبحت بمرور الأيام حيّات هائلة، فمارسوا بأيديهم تخريب البلاد وتعذيب العباد، وكانوا يظهرون حقدهم على السلطان «ركن الدين» بمخالفة ابنه. وحين سمعوا بميل «ولد الخطير» إلى الشاميين انضمّوا إليه، فسلّم ذلك الجاهل قيادة قوة «أرمينيا» إليهم بعد أن كان قد عهد بها إلى «بدر الدين إبراهيم ولد القاضي الختّني».
ولما تمّ القضاء على «شرف» بمنطقة «كدوك»، وتناقصت الفتن وهدأ التّوتّر، أرسل «پروانه» فرقة من العساكر «لأرمينيا» لتأديب أولاد قرامان،/.
فعجزت تلك القوة عن قمعهم بسبب صعوبة الممّرات، بل وقع الكثيرون منهم أسرى مقبوضا عليهم. فتزايدت شوكة أولئك الخوارج.
ولما اتّفق في العام التّالي «للفندقدار» أن تغلّب على جيش التّتار، ووصلت
стр. 416
تلك الصّيحة لسمع نائب السلطنة «أمين الدين ميكائيل» وأولاد الصّاحب الذين كانوا قد ذهبوا إلى «لارنده» لدفع الخوارج، جاءوا إلى «قونية» للاحتياط للعاصمة. ونظرا لأنّ السلطان والصّاحب كانا في العبودية ملازمين لموكب [الإيلخان]، ولم تكن أحوالهما معلومة، سار أولاد الصّاحب من قونية إلى «قراحصار» وبقي الأمير النّائب «وبهاء الدين» ملك السّاحل- وكان من التابعين لقونية- بالمدينة.
فلما رأى أتراك [قلعة] (١) «أرمناك» وأولاد قرامان «قونية» خالية، دعوا التّركمان من الولاية إلى الغارة. وذات يوم أخذ «محمد بك» - وكان قائدا لهم وذا شأن بينهم في ثقافته وثباته- أخذ يقول لبعض جلسائه على سبيل التمنّي: أما وأنّه لم يتمخّض أمر عن «الفندقدار» فلو كان يقع بأيدينا سلطان سلجوقي، فإن أحدا لن يطاولنا أبد الزمان. ولو أننّا أرسلنا إلى ملك الرّوم رسولا، وطلبنا أحد أولاد السلطان «عزّ الدين» الذين بقوا عنده رهائن معوزين فأجاب مطلبنا لكان من المتيقّن أن يتجاوز شأننا في أوج العظمة ذروة الأفلاك.
وفي تلك الأيام كان هناك شخص «جمري» (٢) سوقيّ الطّريقة حرفوشا، كان يتنقّل دائما بين قبائل التّرك وينسب نفسه إلى السلطان عزّ الدين. فرآه في الطريق ذات يوم ذلك الشّخص الذي كان قد سمع كلام «محمد بك»، وكانت له سابق معرفة بالجمري، فأخذه وذهب به إلى «محمد بك» قائلا:
ها هو ذا ابن السلطان «عزّ الدين»، ولقبه واسمه: غياث الدّين سياوش، وأنه
стр. 417
تعلّم الخطّ على يديّ في تلك الدّيار.
وحين سمعوا هذه الشهادة من تقيّ الشقيّ، صدّقوها، وبايعوا الجمري على السلطنة، وأبدلوا بملابسه الصّوفية الخشنة ملابس مخيطة بالذّهب والنسيج، وانطلقوا إلى «قونية» مع التّركمان من ذوي الأحذية المزوّدة بأربطة السّاق الطّوال (١).
فلما وصلوا إلى صحراء «فليوباد»، أرسلوا رسولا إلى النّائب قائلين: إن ولد السلطان «عز الدين» معنا، وشهد على صحة نسبه ثقاة، فينبغي أن يتقدم النّائب بأسرع ما يمكن لتقبيل اليد، وإن كان لديه أدنى شك فما عليه إلّا أن يرسل بواحد من كبار رجال القصر القدماء لكي يتحقّق من أمر هذا الملك ببصيرة ثاقبة، [فإن وجده صادقا في انتسابه فلا مناص لنا ولكم من الانقياد له والامتثال لأمره] (٢)، وأما إن كان ما يقوله كذب فلن نتوقف قط في إنكاره [وإبطال زعمه] (٢).
وظلّ الرّسل يتقدّمون الواحد تلو الآخر لترديد هذا المعنى، ولكن قلما التفت إليهم النائب بل أمر بقتلهم وتكبيلهم. وحين رأى أولاد قرامان أن النائب ثابت على الإنكار مصرّ عليه، توجّهوا إلى المدينة بجيش كبير. فذهب «أمين الدين» ومعه من كان بالمدينة من جنود لمقابلة «الجمري» «ومحمد بك»، ولما لم يكن بوسعهم المقاومة، فقد ارتدّوا إلى المدينة منهزمين، ووصل التّركمان إلى حافّة الخندق، وأضرموا النّار في بوّابة «اسب بازار» و «چاشني كير».
стр. 418
وتحالف معهم جماعة من السّفلة و [الإخوان] (١)، وأمدّوهم بعيدان الحطب (٢) والقشّ. فلما احترقت البّوابة اندفع التّركمان إلى داخل المدينة، ولما أبلغوا النّائب بتلك الجرأة، ركب لدفعهم حتى وصل إلى البّوابة، وحين رآهم يحرقون الباب وأن الأمر يتجاوز حدّ التدارك، عدّ الفرار لازما فتحنّك بشال العمامة (٣) وأخذ يركض هنا وهناك، ويقول بصوت عال لخداع الأتراك/: أين النّائب؟ وأخذ يكرّر ذلك.
حتى إذا وصل إلى باب قصره نزل، ودخل من البّوابة متلصّصا واختفى ببيت أحد أتباعه.
وانتشر التّركمان المفسدون في المدينة كالجراد المنتشر، فحطموا أبواب الأنزال (٤) - وكانت مخازن لتجار الدّيار والأمصار- كما حطّموا أبواب قصور الأمراء وبيوتهم بالعصىّ والبلط، وجمعوا الأمتعة وربطوها رزما وملأوا الأكياس بالنّقود، وظهرت للعيان من جديد حكاية الغزّ واستيلائهم على نيسابور (٥).
وفي اليوم التالي أتوا «بالجمري» فأدخلوه المدينة، وأجلسوه في دار الحكم
стр. 419
على العرش.
وكان النّائب قد انتهز الفرصة ووثب خارج المدينة، عازما على التوجّه إلى «توقات» - وكانت مجمع مواكب السّلطنة وأمراء الدولة، غير أنّهم أمسكوا به في الطريق قرب «خان قيماز»، وجيء به إلى «محمد بك»، فعذّبوه، ووجدوا على رباط إزاره عقدة، ففكّوها، فوجدوا بداخلها أقصوصة من ورق مختوم بالشّمع، تشتمل على بيان الكنوز ومواضع الخزائن، فأوثقوا يديه في الحال، ثمّ انطلقوا مسرعين إلى المدينة، وأخذوا- مسترشدين بتلك الورقة- يحفرون المواضع، ويحملون على الجمال والبغال أموالا دون مكابدة أيّ عناء، ثم إنهم أبلغوا النائب منزلة الشهادة مع «بهاء الدين» ملك السواحل.
فلمّا فرغوا من أمر النّائب، جعلوا أخلاط المدينة وأعيانها يقسمون على مبايعة «الجمري» بالسلطنة، فخشي أهل المدينة على أرواحهم فبايعوا، فلما تمّ ذلك طلبوا من مقبرة السلاطين المظلّة والرّاية الخاصّة بالسلطان علاء الدين تبرّكا. ولهذا السبب لم يعاملوا أهل القلعة معاملة أهل المدينة سواء بسواء، [إذ قرنوا سؤال أهل القلعة بدفع الشرّ ورفع الأذى والضّرر بالإيجاب] (١)، فأنزلوا إليهم [المظلّة والرّاية] (١) من فوق السور.
/ وفي اليوم التّالي (٢) طاف «جمري» حول المدينة بكل زينة وأبهّة، وبعد نزوله أقاموا الدّيوان، وكتبوا الأوامر إلى الأطراف، وقررّوا أنهم لا يتكلّمون من الآن فصاعدا إلا باللّغة التّركية؛ وإن هي إلا بضعة أيّام حتى سارت الأمور وفق
стр. 420
مرادهم (١). وتم إسناد الوزارة «لمحمد بك»، كما أسندوا مناصب الدّيوان لكلّ خسيس وضيع. وانتهى أمرهم إلى الصّلح مع أهل القلعة على أربعين ألف درهم. وبعد أداء المال فتح باب القلعة يوم الخميس العاشر من ذي الحجة سنة ٦٧٦، ودخل «جمري» القلعة وجلس على عرش السّلاجقة، وحضر القضاة والأمراء والحفّاظ، وأقاموا محفلا، ثمّ ذهب «جمري» إلى المسجد الجامع حين حان وقت الصّلاة، فخطبوا خطبة باسمه، وضربوا السّكة بلقبه.
وطلب «محمد بك» يد بنت السلطان «ركن الدين» لجمري، فرضيت أمّها «غزيلبا» بشرط إمهالها أربعة أشهر، لترتيب عدّة الجهاز من حليّ وثياب بما يناسب بنات السلاطين (٢)، فأعطوها المهلة وفقا لملتمس الوالدة.
ثم إنهم توجّهوا إلى «آقشهر» مشاة وركبانا، وذهبوا لمحاربة أولاد الصّاحب.
…
стр. 421
ذكر محاربة جمري لأولاد الصاحب ونكبتهم في تلك المعركة
حين سمع أولاد الصّاحب بأن جمري فتح «قونية»، وأنه قتل «أمين الدين» النائب «وبهاء الدين» ملك السّاحل، وأنهم شملوا المدينة بالغارة العامّة، ولم يبقوا على صغير أو كبير، استعرضوا جنودهم ووزّعوا خمسين ألف درهم (١) على الأتراك والكرميانية، وجاءوا إلى مكان يقال له «چاي دكرمان».
فلما سمعوا أن «جمري» و «محمد بك» وصلا إلى «آقشهر» بجند كثيرين، ارتحلوا عن «چاي دكرمان» بأقصى ما يمكن من سرعة حتى بلغوا «آقشهر» عند صلاة العشاء. وانطلقوا لمقابلة جمري في/ «قرية قوز آغاج»، وكان الخوارج قد نزلوا بقرية «ألتونتاش»، فلبسوا لأمة الحرب في الحال، ودفعوا بالمشاة أمامهم، فلما أصبح النّهر حائلا بينهم أراد محمد بك أن يعبره لمحاربة ولد الصّاحب، فأخذ أحد الأتراك بعنان حصانه، [ومنعه من العبور] (٢)، فاصطف محمد بك مع جنده صفوفا على حافّة النّهر، ولبث ينتظر ما سوف يحدث.
فحمل الأمير تاج الدين الابن الأكبر للصّاحب- لفرط ثقته بنفسه ولأنه لم يكن يعير الأتراك اهتماما- حمل على «محمد بك» ووصل إلى منتصف النّهر، فانطلق محمد بك هو الآخر بحصانه إلى النّهر حاملا معه رمحا، وطالت
стр. 422
المقاومة والمقارعة بينهما، وفي نهاية الأمر سقط الأمير «تاج الدين» من فوق حصانه وسط الماء، فأسرع التّركمان إليه واحتزّوا رأسه. ولم يخفّ لنجدته في تلك الساعة أحد من بين الجند الذين رغدوا بالعيش في ظلّ فضله ورأفته، اللهمّ إلا أحد الخدم، وانقلب الأتراك الكرميانية على أعقابهم- وهم على الدوام صورة بلا معنى- وتفرّق ما تبقّى من الجند.
ووقعت للخوارج من تلك المعركة أموال جزيلة. وانتهى المطاف بالأمير «سعد الدين خواجه يونس» إلى «سفر يحصار»، فأمسك به أهل المدينة، وسلّموه «لجمري» و «محمد بك»، فطيّبا خاطره في أوّل الأمر، وقرّرا أن يدفع دية قدرها مائة وأربعين ألف درهم، فرضي بقرارهما، وأطلق الرسّل لطلب المال، غير أنّ هذين الغدّارين عدلا عن اتفاقهما، وقتلا «خواجه يونس» شهيدا.
ثم إنهم توجّهوا لمحاصرة «قراحصار دوله» فلمّا عجزوا عن فتحها رجعوا إلى «قونية» / وأشاعوا في النّاس أن «جمري» سيتوجّه إلى «أرزن الروم» لمحاربة المغل. فنزلت العساكر بصحراء «فيلوباد»، وكان «جمري» و «محمد بك» يدخلان المدينة كل صباح، ويذهبان عند المساء إلى «فليوباد».
وفي تلك الأثناء وصل الخبر بأن السلطان «غياث الدين» والصّاحب «فخر الدين» يتقدّمان في خدمة ابن الخان الأعظم بجيوش طبقت شهرتها الآفاق.
فاضطرب التّرك اضطراب الزئبق، وأخفوا الخبر، وجمعوا كلّ ما كانوا قد حصلوا عليه من غاراتهم على قونية وآقشهر وغيرهما وحمّلوه على الجمال
стр. 423
والبغال، وأرسلوه إلى «فيلوباد» (١)، ثم خرجوا في إثره من المدينة. ولو كان سراة قونية قد علموا بأن ولد الخان الأعظم في طريقه إلى الوصول، لما أتيح لأي من الخوارج الخروج من المدينة.
فلما وثبوا خارج المدينة، ظلّوا سائرين بخيولهم طوال الليل، وما أصبح الصّباح حتى كانوا قد بلغوا «سرخوان» - والمسافة بينها وبين «قونية» بالنسبة للرّاكب مرحلتان كبيرتان.
ونزل الصّاحب في خدمة ولد الخان، بينما انطلق الجيش في أعقابهم، فعثر الجند على المدعو «چيلاق» - وكان قائدا لقوة «آقشهر»، كما عثروا على أمير حرسهم- وكانوا قد قلّدوه قيادة قوة «آبكرم»؛ فقتلوهما، وأسروا النساء والأطفال. ثم إنهم انطلقوا بعد بضعة أيام [عائدين إلى «قونية»، فلمّا تحقّق سكان «قونية» وأكابرها من ذلك خرّبوا عقود البّوابات، ثم خلعوا الأبواب من الدّاخل ونصبوا المجانيق، وعمّروا الشّرفات التي كان «بايجو نوين» قد خرّبها واستعدّوا للمحاصرة والدّفاع] (٢).
فلمّا علم «جمري» و «محمد بك» / بعودة ابن الخان والجند، قفلوا راجعين إلى «قونية» بحشد كبير، وأرسلوا رسولا بأن يفتح باب المدينة، لكي يدخل الجيش ويتسّوق. فنهض «قاضي القضاة في العالم: «سراج الملة والدين أبو البنا محمود الأرموي» ﵁ لتحريض أهل المدينة على دفعهم ومقاومتهم، وأصدر فتوى بهذا الشأن، وصعد بنفسه على السّور، وأطلق
стр. 424
عليهم سهما. فلما وصل هذا الخبر إلى خدمة [الإيلخان] أعرب عن رضاه عن قاضي القضاة ومنحه مرسوما وعملة.
ولما يئس الأتراك من أخذ المدينة عمدوا إلى المناطق الواقعة خارجها فأغاروا عليها، وأحرقوها، وخرّبوها، ثم انصرفوا سالكين الطريق إلى «أرمينيا».
***
стр. 425
ذكر دخول صاحب الدّيوان (١) بلاد الرّوم وضبط أحوال المملكة
لمّا كان اضطرام جمرات الفتن واضطراب سكرات المحن يتزايد مع تواتر الأيام (٢) بسبب هجوم الخصوم، وأخذ كل من اتّخذ التمرد حرفة والفساد فكرة يشنّ الغارات على النّاس من الجبال والأحراش، وصار هذا الأمر معلوما لدى الحضرة الإيلخانية، نفذ الأمر الأعلى بأن يتوجّه صاحب ديوان الممالك- أعلى الله درجته- إلى بلاد الرّوم لاستمالة الرعيّة وعمارة الولاية وضبط الممالك وتنقيح حسابات أبواب المال والأملاك، وإصلاح الفاسد، وإرغام الحاسد، وتأليف الشارد ودفع المعاند. ووفقا للحكم تحرّك الصّاحب حتى بلغ شاطئ بحر المغرب من ناحية «لارنده»، وصمّم على دفع الجمري والقرامانيين. فلمّا لحقوا بتلك الحدود أسروا حشدا هائلا من أتراك «الأرمناك»، وحصل الجيش الجرّار على مواش كثيرة. ولمّا كان/ الشتاء قد بادر بالهجوم، وتعذّر عبور الممرات بسبب تراكم الثّلوج، فقد آثروا الرّجوع، وعزم «كهوركا» وصاحب الديوان على اتّخاذ معسكر شتوي.
ثم توجّه السلطان «غياث الدين كيخسرو» والصّاحب نحو «قونية»، وشغلوا بالإعداد للعودة إلى مقارعة أولاد قرامان، وانطلقوا مع كتيبة من جيش المغل كانت معهم صوب أولئك المخاذيل. فلمّا وصلوا إلى صحراء «موت آوا» تقدّم خمسون من المغل وخمسون من المسلمين كطليعة لهم.