الكتاب: أخبار سلاجقة الروم - تعريب
المؤلف: مجهول - من أهل القرن السابع الهجري
تعريب: محمد سعيد جمال الدين
عدد الأجزاء:١
الناشر: المركز القومي للترجمة - القاهرة
الطبعة: الثانية - ٢٠٠٧م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
مقدمة الطبعة الثانية
لولا كتاب «الأوامر العلائية» الذى ألّفه حسين بن محمد الرّغدى المعروف بابن البيبى باللغة الفارسية فى القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى، لضاع تاريخ دولة من أهم الدولة الإسلامية، هى دولة «سلاجقة الروم»، التى مكّنت للحضارة الإسلامية من التوطن والاستقرار فى بلاد الروم (آسيا الصغرى)، والتى ظلت لقرون عديدة متطاولة- ومنذ أيام الصراع الذى قام بين الفرس والروم فى عهد الإمبراطوريتين الساسانية والروم الشرقية- موضع تنازل دائم لا تخضع لإحداهما فترة حتى تعود بعدها إلى الإمبراطورية الأخرى.
وحين سيطر السلاجقة على إيران فى النصف الأول من القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى واصلوا التوسّع غربا حتى اصطدموا بالروم الشرقيين على مشارف تلك المنطقة وألحقوا بهم هزيمة منكرة وأسروا إمبراطورهم فى معركة فاصلة تعرف بموقعة «ملازگرد» (سنة ٤٦٣ هـ/ ١٠٧١ م) كانت بمثابة تمهيد لحسم هذا النزاع الطويل لصالح السلاجقة بصورة نهائية وقاطعة.
ولم يضيّع السلاجقة وقتا، وإنما تحركوا بسرعة لفرض الأمر الواقع؛ فأسسوا فى سنة ٤٧٠ هـ/ ١٠٧٨ م دولة فى آسيا الصغرى عرفت بسلاجقة الروم، ظلت تتوسع بالتدريج حتى شمل نفوذها بلاد الأرمن والقوقاز والروس.
واستمرت دولة سلاجقة الروم نحو قرنين ونصف انتشرت فيها مظاهر الحضارة الإسلامية، واستقرت فى تلك المنطقة حتى انتقل الدّور من هذه الدولة إلى دولة أخرى ناشئة فتيّة برز دورها المؤثر فى الأحداث الجارية فى المنطقة حين أخذ نجم دولة سلاجقة الروم فى الأفول، وظل يتوارى رويدا رويدا حتى غاب وراء الأفق البعيد.
стр. 3
ولولا كتاب «الأوامر العلائية» الذى ألفه ابن البيبى فى ذكر أخبار هذه الدولة ووقائعها لمحيت صفحتها من الوجود، ولم يبق لها من أثر.
لقد ألّف ابن البيبى كتابه بأمر من «الصاحب علاء الدين عطا ملك الجوينى» حاكم العراق بعد انقضاء الخلافة العباسية فى بغداد (ت ٦٨١ هـ/ ١٢٨١ م)، كان الصاحب «عطا ملك» رجلا يعرف ما للتاريخ من أهمية وقيمة فى اكتساف المعرفة، وفى تحقيق التواصل بين الأجيال المتعاقبة، بل كان هو نفسه أول من ألّف فى تاريخ المغول حين أخرج كتابه القيّم «جهانگشاى» - أى فاتح العالم- باللغة الفارسية فى ثلاثة أجزاء، معتمدا على روايات شفهية موثقة من شهود عدول، وعلى وثائق فائقة القيمة، بهدف التعريف- بطريقة موضوعية وبنظرة حيادية- بهؤلاء الأقوام (المغول) الذين برزوا فجأة على مسرح الأحداث ولم يكن أحد يعرف من أمرهم شيئا.
ويبدو أن الصاحب عطا ملك خشى على أخبار دولة سلاجقة الروم أن تضيع وتندثر، فكلّف ابن البيبى بتدوين تاريخها حين رآه جديرا بالنهوض بهذا العمل بحكم قربه من مصادر صنع القرار فى بلاط السلاجقة ومراقبته للأحداث الجارية أمام عينيه من كثب، واطّلاعه على الوثائق والأسانيد المهمة، فامتثل ابن البيبى للأمر.
لكن الميل إلى إظهار القدرة على البلاغة غلبت ابن البيبى وهو يدوّن تاريخ تلك الدولة، فبالغ فى استخدام المحسّنات البديعية والصور البيانية، وبذلك احتجبت الأحداث التاريخية وكادت أن تختفى تماما وراء هذا الركام الهائل من المحسنات والصّور، فضلا عن أن المؤلف حشد كتابه بالعديد من الشواهد والأشعار العربية؛ مما أدى إلى تضخم حجم الكتاب، وجعل قراءته مهمة صعبة عسيرة.
ورأى رجل- عاش فى عصر ابن البيبى وما زال اسمه مجهولا حتى الآن- أن يختصر الكتاب ويهذّبه، فحذف ما فيه من حشو وزوائد، واقتصر على مجرد توصيف الوقائع وبيان الأحداث التاريخية، مستخدما الألفاظ نفسها التى استخدمها ابن البيبى، وأطلق ذلك الرجل المجهول على عمله هذا عنوان «مختصر سلجوقنامه».
стр. 4
كان هذا المختصر هو الذى قمت بترجمته إلى العربية، استنادا إلى طبعة «ليدن» بهولندا، سنة ١٩٠٢ م، والتى توفّر على إخراجها المستشرق الهولندى «هوتسما».
وهذه هى الطبعة الثانية من الترجمة، كانت الطبعة الأولى قد صدرت عن مركز الوثائق والدراسات الإنسانية بجامعة قطر- الدوحة- سنة ١٩٩٥ م، ثم نفدت منذ سنوات؛ مما حدا بالمركز القومى للترجمة فى مصر أن يعيد طبع هذه الترجمة ضمن إصدارات المشروع القومى للترجمة، وفى مناسبة انعقاد ندوة «ترجمة المصادر التاريخية فى اللغات الشرقية»، وهى الندوة التى عقدها المجلس الأعلى للثقافة يومى ٢٦ و ٢٧ أبريل سنة ١٩٠٦ م.
ولا يسعنى إلا أن أنوّه بالجهد المشكور والعمل المبرور الذى ينهض به المركز القومى للترجمة ممثلا فى مديره الأستاذ الدكتور/ جابر عصفور من أجل تزويد المكتبة العربية بترجمات لأمهات الكتب التى ألفت باللغات الشرقية بعامة واللغة الفارسية بخاصة.
والله ولىّ التوفيق محمد السعيد جمال الدين
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
بهذا المجلّد نقدّم للمكتبة العربيّة- لأوّل مّرة- ترجمة لأوفى مصدر في تاريخ دولة سلاجقة الرّوم، وأعني به كتاب «مختصر سلجوقنامه» الذي يعدّ تلخيصا واختصارا لكتاب «الأوامر العلائية في الأمور العلائية» لابن البيبي مؤرّخ تلك الدّولة الفتيّة التي نشأت في آسيا الصّغرى في منتصف القرن الخامس الهجري، وظلّت قائمة لا تزعزعها الخطوب والمحن التي توالت عليها من كلّ جانب: من الصّليبيين في الغرب، والمغول في الشرق، وغيرهم، ولا تصرفها الأحداث الجسام التي منيت بها عن التشبّث بما تستطيع من الأقاليم في تلك البلاد، وأخذت تطاول الزّمن حتى شاء لها القدر ألّا تسلم الرّاية في النّهاية إلّا بعد أن مهّدت لقيام الدّولة العثمانية في آسيا الصغرى، واتّساع رقعتها بعد ذلك حتى شملت أوربا وبلاد الشام ومصر والبحر الأبيض المتوسّط وشمال إفريقيا.
كانت دولة سلاجقة الرّوم قد نشأت في أعقاب الهزيمة التي ألحقها السّلاجقة الأتراك بالإمبراطورية البيزنطية في سنة ٤١٣ هـ (١٠٧١ م) في موقعة «ملازكرد»؛ وبانهيار الجيش البيزنطي وتراجعه السّريع أمام السّلاجقة انفتح لهم سبيل السيطرة على آسيا الوسطى وجعلها قاعدة للنّفوذ والتوسّع في بلاد الأرمن والقفقاز والرّوس.
стр. 6
واندفع السّلاجقة في اجتياحهم- عند ذاك- لمنطقة آسيا الصغرى حتى بلغوا «نيقية» على ساحل بحر «مرمرة» فاتّخذوها عاصمة لدولتهم التى أسّست في سنة ٤٧٠ هـ (١٠٧٨ م) كجناح من أجنحة الإمبراطورية السّلجوقية العظمى التي كانت تتمركز في إيران. وقد أطلق على هذا الجناح اسم «سلاجقة الروم».
ثم ما لبثوا- بعد بضعة أعوام- أن نقلوا عاصمتهم إلى «قونية» تحت الضّغط المتواصل للحملات الصليبية.
كان «سليمان بن قتلمش بن إسرائيل بن أرسلان بن سلجوق» قد أبلى بلاء حسنا فى معركة «ملازكرد» وفتوحات الأناضول، فأصدر السلطان ملكشاه (ت: ٤٨٥ هـ- ١٠٩٢ م) قرارا بتنصيبه ملكا لذلك الجناح الشّمالي الغربي من الإمبراطورية، وما لبث «سلاجقة الرّوم» أن استقلوا بدولتهم التي تعاقب أبناء سليمان بن قتلمش على عرشها حتى انقضت في النهاية سنة ٧٠٨ هـ (١٣٠٩ م) بوفاة آخر سلاطينها غياث الدين مسعود الثالث.
كانت الدّولة السّلجوقية الكبرى قد انقسمت بعد وفاة السلطان ملكشاه إلى عدّة دول مستقلّة، سمّيت كلّ واحدة منها باسم المنطقة التي تسيطر عليها، فكانت هناك دولة سلاجقة إيران والعراق، وسلاجقة كرمان، وسلاجقة الرّوم.
واحتفظ لنا التاريخ بتسجيل للوقائع والأحداث التي جرت في كل دولة من تلك الدّول (١).
стр. 7
أولا: الكتاب
أمّا دولة سلاجقة الرّوم فلا نجد مصدرا عني بأخبارها بقدر ما عني كتاب «الأوامر العلائيّة في الأمور العلائيّة» لحسين بن محمد بن علي الجعفري الرّغدي المعروف بابن البيبي، والذي أتمه بأحداث سنة ٦٧٩ هـ، قبل زوال تلك الدولة بنحو ربع قرن. فلقد خصّ «ابن البيبي» سلاجقة الرّوم دون غيرهم بكتابه، وسجّل ما رأى وسمع من الوقائع والأحداث التي جرت منذ أواخر عهد السلطان قلج أرسلان الثاني (ت: ٥٨٨ هـ) خامس سلاطين السّلاجقة حتى سنة ٦٧٩ بداية عهد السلطان غياث الدين مسعود.
ولم يتمكّن المؤلف من تسجيل أحداث الفترة الأولى من ظهور دولة السّلاجقة في آسيا الصغرى وتأسيسها على يد «سليمان بن قتلمش» لأن المصادر التي قد أرّخت لذلك العصر قد أعوزته، ولم يكن بوسعه- كما أشار في مقدّمة كتابه- الاعتماد في التأريخ لتلك الفترة على «أقوال النّقلة وأقاصيص السّمّار لبعد عهدهم» من تلك الأحداث، فضلا عما في أقوالهم من تباين واختلاف.
ولذلك حرمت الفترة التي تسبق عهد السلطان «غياث الدين كيخسرو» أبي السلطان «علاء الدين كيقباد» من تسجيل تاريخيّ وتوثيقيّ مفصّل يضارع ما حظيت به أحداث الفترة التّالية من تاريخ تلك الدّولة.
ومع أنّ عنوان كتاب «الأوامر العلائية» - الذي هو أصل هذا المختصر- عربي، فإن الكتاب مؤلّف باللغة الفارسية شأنه في ذلك شأن العديد من الكتب
стр. 8
التّاريخية القيّمة التي ألّفت بتلك اللّغة، واختار لها مؤلّفوها عناوين عربية، مثل:
«جامع التّواريخ» و «روضة الصّفا» و «حبيب السّير» وغيرها.
وما اختار «ابن البيبي» هذا العنوان لكتابه إلا لأنّه- كما صرّح هو-:
«جاء متضمّنا لمقامات عزائم السلطان الأعظم علاء الخلق والدين كيقباد- أنار الله برهانه- برمّتها، فمن أجل ذلك سمي بالأوامر العلائيّةّ في الأمور العلائيةّ».
ولا يعني هذا اختصاص الكتاب بالتأريخ لعهد السلطان علاء الدين كيقباد وحده، بل يشتمل على تاريخ سلاطين تلك الدّولة- ومن بينهم السلطان علاء الدين نفسه- من سنة ٥٨٨ إلى سنة ٦٧٩؛ غير أن السلطان علاء الدين كان شامة بينهم، بل واسطة العقد فيهم، ولعلّ هذا هو السبب في أن المؤلّف عنون الكتاب باسمه.
وإذا تأمّلنا عنوان الكتاب وجدنا مؤلّفه يكرّر كلمة «العلائيّة» مرّتين:
الأوامر العلائية في الأمور العلائية، فهل الكلمة في كلتا الحالتين منسوبة إلى السلطان علاء الدين كيقباد؟ أم أنّ هناك «علاء الدين» آخر نسب إليه شطر العنوان؟
إذا نظرنا إلى خاتمة الكتاب وجدنا المؤلّف يشير إلى أنّ الكتاب قد تمّ تأليفه بمقتضى الحكم المطاع «للجناب الأعلى ملك الوزراء أبي المعالى عطا ملك بن محمد- أعلى الله شأنه» (١). فما ألّف الكتاب إذن إلّا بناء على أوامر صدرت
стр. 9
إليه من «علاء الدين عطا ملك الجويني» حاكم العراق من قبل المغول والمؤرّخ الفارسي المعروف (ت ٦٨١ هـ- ١٢٨١ م).
فأوامر علاء الدين عطاملك قد صدرت للمؤلّف بالتأريخ للأمور التي جرت في عهد السلطان علاء الدين كيقباد، ومن هنا جاء عنوان الكتاب:
«الأوامر العلائية في الأمور العلائية».
وقد حظيّ الكتاب منذ زمن تأليفه بشهرة واسعة بين الناس، بيد أنّه كان يحمل في طيّاته بعض عوامل القصور الذّاتي التي حالت دون انتفاع النّاس واستفادتهم به على نطاق واسع، ومن أهم هذه العوامل:
١ - ضخامة حجم الكتاب؛ إذ تقع النّسخة الوحيدة التي عثر عليها منه في ٧٤٤ صفحة من القطع الكبير.
٢ - الأسلوب الذي ألّف به. نعم، لقد أحسن مؤلّفه التأليف وأجاد التّصنيف، وحقّق الوقائع والأحداث، لكنّه ساق ذلك كله بأسلوب ينطوي على الكثير من المبالغة والإغراق في استخدام المحسّنات البلاغية والبديعيّة، وحرص على إظهار التمكّن من استعمال أساليب الصّنعة اللّفظية من سجع، وجناس، وطباق وتشبيه ونحوه فبدا المؤلف وكأنه لا يرمي إلى بيان الوقائع التاريخية فحسب، بل يسعى كذلك إلى إظهار مهارته في الكتابة وبراعته في الإنشاء.
٣ - كثرة استخدام الكلمات والشّواهد العربيّة التي قد تبدو صعبة على من لا يلمّ إلماما كافيا بالعربيّة وآدابها من قرّاء الفارسية.
стр. 10
ولا شكّ أن العاملين الثّاني والثّالث قد ساعدا على تضخّم حجم الكتاب حتى بلغت عدّة صفحاته نحو سبعمائة وخمسين صفحة من القطع الكبير (١)، الأمر الذي أدّى بالضّرورة إلى ندرة النّسخ المتاحة أمام المثقّفين المعاصرين للمؤلّف للإفادة به.
هذه العوامل الثّلاثة مجتمعة هي التي حفزت أحد الأدباء في عصر المؤلّف نفسه على النّهوض بتلخيص الكتاب وتهذيبه وتخليصه مما به من فضول وحشو زائد، والاقتصار منه على القدر المناسب من الاستشهادات العربيّة والفارسيّة، والتّركيز- قدر الإمكان- على سياقة الأخبار التاريخيّة دون إطناب أو إطالة، لكي تكون هذه الثّروة النّادرة من المعلومات التّاريخية بمتناول كلّ إنسان.
ولقد أتمّ هذا الأديب الفاضل- والذي ظل اسمه مجهولا لا يعرف إلى وقتنا هذا- عمله الهام في نحو أربعة عشر شهرا، حيث بدأ التّلخيص في شعبان سنة ٦٨٣، وأتمّه في شوّال سنة ٦٨٤ هـ (وكان «ابن البيبي» نفسه لا يزال على قيد الحياة) وأطلق على كتابه اسم «مختصر سلجوقنامه»، وكتب في مقدّمته أنّ جماعة من إخوانه لما اشتكوا من كبر حجم كتاب «الأوامر العلائية»: «وبقوا محرومين من مطالعته والإفادة منه تعهّد هذا العبد الضّعيف … أن يفي .. بمقاصد الكتاب ومغازيه دون إطناب في الأوصاف وإغراق في التّشبيهات، كي يكون كلّ إنسان قادرا على تحصيل نسخة وتحقيق المطلوب، فيصل نفعه لعموم الخلق».
стр. 11
ولقد التزم صاحب هذا المختصر بما تعهّد به من الوفاء بمقاصد الكتاب الأصلي ومغازيه فلم يحذف من موضوعات الكتاب شيئا وإنّما حافظ على التّسلسل الموضوعي الذي انتهجه ابن البيبي، وفي المرّة التي عدل فيها عن اختصار أحد الفصول، أتى بنبذة عن مضمونه في الفصل الذي يليه مباشرة، للدّلالة على التزامه بما تعهّد به منذ البداية (١).
وكان أهمّ ما حرص عليه صاحب المختصر، هو الاحتفاظ بألفاظ «ابن البيبي» وعباراته نفسها، فقلّما استخدم ألفاظا وعبارات من عنده، ولذلك جاء المختصر بمثابة صورة مصغّرة من كتاب «الأوامر العلائية» وإن كانت تنزع في أسلوبها إلى البساطة والسّهولة متى قورنت بأصلها الأوّل.
وإمعانا في التيّسير على القارئ عمد صاحب المختصر إلى الأبواب التي أوردها «ابن البيبي» شعرا في «الأوامر العلائية» وبخاصّة عند ذكره لحروب السلطان علاء الدين كيقباد (٢) فحوّل تلك الأبواب إلى نثر سهل لا صنعة فيه.
وكانت نتيجة هذا الجهد كلّه أن خرج ذلك الأديب- المجهول الهويّة- على النّاس بهذا المختصر الذي يبلغ عدد صفحاته في أصوله الفارسيّة ٣٣٧ صفحة من القطع المتوسّط، أي أنّه اختصر من كتاب «الأوامر العلائية» أكثر من نصفه، وأطلق عليه اسم «مختصر سلجوقنامه»؛ وهو الذي نقدّم ترجمته العربية اليوم بعنوان رئيسي هو «أخبار سلاجقة الروم» لتقريب موضوعه إلى القرّاء العرب.
стр. 12
وواضح أنّ المختصر كان- من حيث عناية النّاس به واهتمامهم بالانتفاع بمادتّه- أوفر حظا من الكتاب الأصلي نفسه. ففي القرن التّاسع الهجري نقل أحد الأدباء الأتراك كتاب «مختصر سلجوقنامه» إلى التّركيّة، وقدّمه حوالي سنة ٨٢٧ هـ إلى السلطان العثماني مراد الثّاني، وهو أمر لم يتح لكتاب «الأوامر العلائيّة» نفسه، فيما نعلم.
وفي العصر الحديث عثر المستشرق الهولندي المعروف «م. هـ. هوتسما» (المتوفّى سنة ١٩٤٣ م) على نسخة من هذا المختصر في «المكتبة الوطنّية بباريس» تحت عنوان: «تواريخ آل سلجوق، وهذا المجلّد مشتمل على مختصر سلجوقنامه، وأصله تأليف «ناصر الملّة والدين يحيى بن محمد المعروف بابن البيبي». وقام «هوتسما» بطبع الكتاب- معتمدا على هذه النسخة الوحيدة- بمطبعة «بريل» في «ليدن» بهولندا سنة ١٩٠٢ م (١)، ونفدت نسخ هذه الطبعة بعد نشرها بزمن يسير، وأصبح من المتعذّر العثور على نسخة منها.
حتى قام الدكتور «محمد جواد مشكور» - الأستاذ بجامعة طهران- فى سنة ١٩٧١ م بتصوير طبعة «هوتسما» وضمّنها كتابه «أخبار سلاجقة روم» الذي جمع فيه- إلى جانب المختصر- الكثير من النّصوص التّاريخية الفارسية عن تلك الدّولة وزوّدها بالعديد من الهوامش والتّعليقات الضّافية والتي أفاد في كتابة العديد منها بكتاب «الأوامر العلائية» بعد طبعه في تركيا سنة ١٩٥٦ م.
стр. 13
وكان الأستاذ «عدنان صادق أرزي» قد عثر على نسخة خطّية وحيدة لكتاب الأوامر العلائية بمكتبة «آيا صوفيا» في استانبول نسخت في سنة تأليفها (سنة ٦٧٩ هـ) وقدّمت لغياث الدين كيخسرو الثّالث، فقام الأستاذ عدنان إرزي بطبع هذه النّسخة نفسها بحيث تكون مطابقة للمخطوط الأصلي بطريقة «الفاكسميل»، ونشرها بأنقرة سنة ١٩٥٦ (١).
ثانيا- مؤلّف الأوامر العلائية (٢)
هو الأمير ناصر الدين حسين بن علي الجعفري الرّغدي، المعروف بابن البيبي، من أدباء القرن السّابع الهجرى ومؤرّخيه.
وقد عرف المؤلف بابن البيبي نسبة إلى أمّه «بي بي» المنجّمة التي كانت تتمتّع بقدر كبير من النّفوذ في عهد السلطان «علاء الدين كيقباد». ويصل نسبها القريب إلى اثنين من كبار الفقهاء في عصر السّلاجقة في خراسان، فأبوها «كمال الدين السّمناني» رئيس الشّافعية في نيسابور، وجدّها لأبيها الإمام الربّاني «محمد بن يحيى» رئيس الحنفيّة في نيسابور، والذي قتل في فتنة الغزّ بخراسان سنة ٥٤٨ هـ (أوائل سنة ١١٥٤ م).
وفي بلاط السلطان جلال الدين خوارزمشاه، عملت «بي بي» وزوجها مجد الدين، وكان من سادات «جرجان». وحين سافر أحد أمراء السلطان «علاء الدين كيقباد» في سفارة لبلاط السلطان جلال الدين خوارزمشاه وجد
стр. 14
هذه السّيدة مسموعة الكلمة عند جلال الدين لمهارتها في أحكام النجوم، فلمّا عاد الأمير إلى مليكه حكى له حكاية هذه السّيدة على سبيل التندّر.
وكانت «بي بي» فاتحة خير لكلّ من زوجها: مجد الدين محمّد، وابنها ناصر الدين حسين مؤلّف كتاب الأوامر العلائية.
ولم يمرّ وقت طويل حتى قتل السلطان جلال الدين، فدعيت «بي بي» المنجّمة وزوجها للعمل في خدمة «علاء الدين كيقباد». فلما أثبتت مهارتها في علم النجوم وموافقة أحكامها -غالبا- للقضاء والقدر، طلبت إلى السلطان تعيين زوجها «مجد الدين محمّد التّرجمان» رئيسا لديوان الإنشاء الخاصّ بالسلطان، فتحقّق لها ما أرادت وأصبح زوجها من الملازمين الدّائمين للسلطان في الحضّر والسّفر، وبلغ من ثقة السلطان به أنّه لم يكن يرى أحدا أصلح منه لحمل الرّسائل إلى البلاطات الكبرى كبغداد والشّام والخوارزميين، والإسماعيلية، والمغول، ولذلك لقّب مجد الدين بلقب «التّرجمان» وتوفي سنة ٦٧٠ هـ.
أمّا مؤلّف الأوامر العلائيّة (الذي يعدّ هذا المختصر صورة مصغّرة من كتابه) فلا نكاد نعرف عنه إلّا معلومات ضئيلة للغاية، فقد منح لقب الأمير، حين صار أميرا لديوان الإنشاء بعد اعتزال أبيه للعمل، فيما يبدو، وكان يلقّب بأمير ديوان «الطّغرا» حيث كان يتولى كتابة المراسيم والأوامر السلطانية ويمسك أختام السلطنة، وقد تزوّج ناصر الدين حسين من ابنة أمير الأمراء «كمال الدين كاميار» الذي حظي بمكانه بارزة لدى السلطان «علاء الدين كيقباد» بعد أن تيسّر للسلطان- بفضل كفاءته وخبرته- الاستيلاء على أرمينيا وبلاد الكرج وأجزاء من بلاد الشّام، غير أنّ كمال الدين لم يلبث أن قتل في أوائل عهد
стр. 15
السلطان «غياث الدين كيخسرو» سنة ٦٣٤ هـ.
هذا هو مجمل لما ورد من أخبار المؤلّف، وهو يدلّنا على مدى ما لديه من مؤهّلات تمكّنه من مراقبة الأحداث من كثب، وتسجيلها باعتباره شاهد عيان لها.
على أننا إذا تأمّلنا كتاب «الأوامر العلائيّة» وجدنا مؤلّفه من كبار أدباء الفرس، ومن أصحاب اللّسانين العربي والفارسي، بل ينظم الشعر بكلتا اللغتين، وله اطّلاع واسع عميق بالعربيّة وآدابها.
والحقّ أن «علاء الدين عطاملك الجويني» - وهو المؤرّخ الثّبت وصاحب المدرسة التوثيقية في كتابة التّاريخ عند الفرس- لم يكن ليعهد إلى ابن البيبي بكتابة تأريخ لسلاجقة الرّوم إلا إذا كان قد أنس فيه القدرة وأيقن أنه يمتلك عدّة النّهوض بأعباء هذا العمل الكبير، فهو بحكم منصبه في ديوان سلاجقة الرّوم قادر على الاطلاع على الوثائق التاريخيّة الهامّة، مراقب للأحداث والوقائع، مطّلع على ما يحاك من مؤامرات القصور ويدبّر فيها من دسائس، فضلا عن مكانة أبيه «مجد الدين الترّجمان» وأمّه «بيبي المنجّمة» في بلاط السّلاجقة، مما أتاح له فرصة سماع الكثير من الأحداث التي لم يشهدها بنفسه من أقرب المصادر وأوثقها. لقد عاش ابن البيبي وتربى في كنف هذه الدّولة، وتبوّأ مركزا يقرّبه من سلاطينها «فخط في هذا المجلد ما جرى من الأمور في السّنين والشّهور في بلاد الرّوم مما قد رأى وسمع» (١). وبفضل هذا التثبّت جاء الكتاب سجلا ناطقا لكل مظاهر الحياة السّياسية، والعسكرية، والاقتصادية والاجتماعية، والثّقافية والمعمارية، والحضارية بعامّة في دولة سلاجقة الرّوم.
стр. 16
ثالثا- هذه الترجمة
وقد اعتمدت في نقل كتاب «مختصر سلجوقنامه» إلى العربية على نسخة المستشرق الهولندي «هوتسما»، والتي نشرها في ليدن سنة ١٩٠٢ م.
غير أني صادفت منذ الوهلة الأولى صعوبات جمّة في التّرجمة، لامتلاء تلك الطّبعة بكلمات وعبارات محّرفة أو مصحّفة غير مستقيمة المعنى ولا واضحة الغرض، يحتاج إصلاحها إلى وقت طويل وفحص في المعاجم غير قليل، وتحوّط من الخطأ، وتفهّم لما يقتضيه السّياق من المعاني والأغراض، ومعرفة بأساليب الكتابة الفارسيّة ومصطلحاتها في ذلك العصر. وبدا لي نقل الكتاب في ظلّ هذا التّحريف والتّصحيف أمرا بعيد المنال،
إلى أن يسّر الله- لي الحصول على نسخة مصوّرة من كتاب «الأوامر العلائية» وهو أصل هذا المختصر، فعمدت إلى مقارنة المختصر بالأصل، وأمكن من خلال المقارنة إصلاح المحرّف والمصحّف من الكلمات، وتكميل النّاقص من الجمل، وتحقيق الأعلام وضبطها، وضبط الملتبس من الألفاظ، وإيضاح الغامض من العبارات. وقد نبّهت على ذلك كلّه في حواشي الترجمة، وأشرت اختصارا إلى كتاب الأوامر العلائية بالحرفين أ. ع.
وأودّ أن أنبه إلى أنّ صاحب هذا المختصر لم يستطع منذ البداية أن يتخلّص من إسار طريقة «ابن البيبي» في الكتابة، وإنما سايره كلّ المسايرة، وحذا حذوه وتابعه فنقل عباراته بنصّها- كما أسلفنا، واقتصر جلّ عمله على حذف الفقرات التي رآها لا تضيف كثيرا إلى توصيف الوقائع وبيان الأحداث التاريخيّة، واكتفى من العبارات بما يعين على أداء المعنى دون إطناب فاستبعد بذلك سائر العبارات التي تؤدي المعنى نفسه. ولم يتدخّل في تغيير ما انتقاه من عبارات
стр. 17
الأصل إلا لماما، ولم يضف من عنده شيئا، اللهم إلا بعض العبارات الإنشائية في عديد من المواضع (١)؛ ولذلك ظلّت مسحة من التكلّف والحلية اللفظية عالقة بالأسلوب، ولقد كان ذلك- على كلّ حال- طابع العصر.
ولقد حاولت- ما استطعت- أن أحافظ على أسلوب الكتاب وأن أنقل في التّرجمة كلّ ما يرمي المؤلّف إلى بيانه، لكى تصبح هذه التّرجمة صورة صادقة للنصّ الفارسي. وأثبتّ أرقام صفحات الأصل الفارسي في الهامش الجانبيّ للصفحات لكي يتيسّر بذلك الرّجوع إلى الأصل عند الحاجة.
أما الآيات القرآنية التي وردت في المتن فقد رددتها إلى مواضعها من كتاب الله العزيز، وأشرت في الهوامش إلى ما اشتمل عليه المتن الفارسي من نصوص وأمثال وعبارات عربيّة. أما الأشعار العربيّة فقد استطعت ردّ بعضها إلى قائليها من شعرائنا العرب، من الذين جرت أشعارهم مجرى الأمثال في آداب الأمم الإسلاميّة بعامّة والأدب الفارسي بخاصّة.
ثم عمدت في الحواشي إلى التّعريف بالمجاهيل وبعض الأعلام، وشرح بعض صور التّعبير المألوفة في الفارسية لتقريبها إلى القارئ العربي، وزوّدت المجلّد بخريطة تفصيلية تشتمل على معظم أسماء الأقاليم والمدن الواردة بالتّرجمة، ثم ذيّلته بفهارس للأعلام والأماكن والشعوب والطوائف (١).
وأرجو أن تكون التّرجمة بذلك قد نالت حظّها من العناية.
стр. 18
وبعد، فإن هذا العمل- الذي يمثّل إضافة حقيقية للمكتبة العربية هي في أمسّ الحاجة إليه لندرة الأعمال التي تعالج موضوعه- ما كان يمكن أن يخرج بهذه الصّورة لولا التّشجيع الذي لقيته من جامعة قطر ممثّلة في مديرها الفاضل الأستاذ الدكتور عبد الله جمعة الكبيسي، والأستاذ الجليل الدكتور عثمان سيّد أحمد مدير مركز الوثائق والدّراسات الإنسانية، والأستاذ الكريم الدكتور عادل حسن غنيم رئيس وحدة بحوث التّاريخ والوثائق، وسائر الإخوة الأفاضل أعضاء الوحدة، فجزاهم الله عن العلم وأهله خير الجزاء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،
محمد السعيد جمال الدين
القاهرة:
ضحوة الإثنين ٢٤ ربيع الثاني ١٤١٤ هـ ١١ أكتوبر ١٩٩٣ م
стр. 19
المصادر والمراجع التي رجعنا إليها في تحقيق الكتاب وتحرير حواشيه
أولا: المصادر العربية:
- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لمحمد فؤاد عبد الباقي.
- أطلس التاريخ الإسلامي، للدكتور حسين مؤنس.
- الأعلام للزركلي.
- تاج العروس، لمحب الدين السيد محمد مرتضى الزبيدي.
- تاج اللغة وصحاح العربية، لأبي نصر إسماعيل بن حمّاد الجوهري.
- تاريخ الأدب في إيران، لإدوارد براون، ترجمة الدكتور إبراهيم الشواربي.
- دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة الجديدة بالإنجليزية.
- ديوان الحماسة، لأبي تمّام حبيب بن أوس الطائي، طبع فرايتاج.
- الشّرق الإسلامي في عهد الإيلخانيين، للدكتور فؤاد عبد المعطي الصيّاد، طبع مركز الوثائق والدراسات الإنسانية، جامعة قطر.
- صبح الأعشى في كتابة الإنشا، لشهاب الدين أبي العباس أحمد القلقشندي.
- صحيح البخاري، للإمام أبي جعفر محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري.
- عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، لبدر الدين محمود العيني، (عصر سلاطين المماليك)، تحقيق الدكتور محمد محمد أمين.
стр. 20
- علاء الدين عطاملك الجويني، حاكم العراق بعد انقضاء الخلافة العباسيّة في بغداد، للدكتور محمد السّعيد جمال الدين.
- القاموس المحيط، لمحمد بن يعقوب الفيروز آبادي.
- الكامل في التاريخ، لعز الدين على بن أبي الكرم، المعروف بابن الأثير، طبع أوربا.
- كشّاف اصطلاحات الفنون، للتّهانوي.
- معجم الأسرات الحاكمة، لزامباور.
- معجم البلدان، لياقوت الحموي (شهاب الدين أبو عبد الله).
- معجم الدّولة العثمانية، للدكتور حسين مجيب المصري.
- معجم شواهد العربية لعبد السّلام هارون، طبع مصر.
- المعجم الوسيط، أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
- المعرّب من الكلام الأعجمي، لأبي منصور موهوب الجواليقي.
- مفرّج الكروب في أخبار بني أيّوب، لجمال الدين محمد بن واصل.
- النّجوم الزّاهرة في ملوك مصر والقاهرة، لجمال الدين أبي المحاسن يوسف، ابن تغري بردي.
- نهاية الأرب فى فنون الأدب، لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النّويري.
- وفيات الأعيان، للقاضي أبي العباس شمس الدين، ابن خلّكان.
стр. 21
ثانيا: المصادر الفارسية:
- الأوامر العلائية لناصر الحسين بن محمد الرّغدي المعروف بابن البيبي، النسّخة المصوّرة عن مخطوط آيا صوفيا رقم ٢٩٨٥ - نشر عدنان إرزي، أنقرة.
- برهان قاطع، لابن خلف التبريزي.
- تاريخ أدبيات در إيران، للدكتور ذبيح الله صفا.
- تاريخ جهانگشاي، لعلاء الدين عطا ملك الجويني، تحقيق محمد بن عبد الوهّاب القزويني، طبع ليدن.
- تاريخ گزيده، لحمد الله بن أبي بكر المستوفي القزويني، باهتمام إدوارد براون.
- تاريخ مغول، لعبّاس إقبال.
- حبيب السّير، لغياث الدين بن حسام الدين الحسيني المعروف ب «خواندامير».
- راحة الصّدور، لمحمد بن علي بن سليمان الراوندي، تصحيح محمد إقبال.
- روضة الصّفا، لمير محمد بن سيد برهان الدين (مير خواند).
- فرهنك ادبيات فارسي دري زهراى خانلري.
- فرهنك انكليسى فارسي لاشتاين جاس.
- فرهنك جديد لفريدون- كار.
- فرهنك عميد لحسن عميد.
- لغت نامه دهخدا لعلي أكبر دهخدا.
стр. 22
بداية النص المحقق
стр. 23
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[تقديم]
ربّ تمّم وأعن
بعد حمد البارى والسلام الدائم المتواصل على السيد المختار، ﵇ وعلى آله الأخيار.
فإنّه لا يخفي على من يطالع هذه الأوراق أن كتاب «سلجوق نامه» كتاب عديم النّظير فقيد المثل، من منشآت الصّدر العلّامة نادرة الزمان مالك الطّغرا (١) ناصر الملّه والدين يحيى بن محمد، المعروف بابن البيبي، دامت فضائله. وقد استخدم فيه أسلوبا بارعا وساق فيه الكلام على وجه لا قدرة لصاحب صنعة على مجاراته ومباراته.
غير أن جماعة الإخوان لما اشتكوا من كبر حجمه وبقوا محرومين من مطالعته والإفادة منه تعهّد هذا الضّعيف والتزم- مع قلّة البضاعة في الصّناعة- أن يفي- في أجزاء معدودة- بمقاصد الكتاب ومغازيه دون إطناب في الأوصاف وإغراق في التّشبيهات، كي يكون كلّ إنسان قادرا على تحصيل (٢) نسخة وتحقيق المطلوب، فيصل نفعه لعموم الخلق. والله وليّ ذلك.
стр. 24
مقدمة
قد اعتذر مؤلّف الأصل في الدّيباجه أوّلا، فقال إنّ كيفية وصول السّلطان سليمان بن قتلمش بن اسرائيل إلى السّلطة، وأحوال أمرائه الكبار كالأمير منكوجك، والأمير أرتق، والأمير دانشمند ليست من الأمور المحقّقة. ومن المتعذّر تماما وجود الكتب التي أرّخت لذلك العصر، وليس بالإمكان- بسبب (١) اختلاف الرّوايات- الوثوق بأقوال النّقلة وأقاصيص السّمّار لبعد عهدهم.
/ ومن ثمّ فقد بدأ [المؤلّف] من عهد دولة السّلطان غياث الدين كيخسرو، والد السلطان علاء الدين كيقباد.
ذكر تنصيب السّلطان قليج ارسلان للأمير غياث الدين كيخسرو وليّا للعهد
حين تبّدلت حلّة شباب السّلطان السّعيد قليج ارسلان الأرجوانية برداء المشيب القشيب، ووصل مركب الحياة الكاملة البهيج، وحلّ وقت الوداع وتفرّق الاجتماع، استدعى [السّلطان] غياث الدّين كيخسرو، وكان أصغر الأولاد، وقد اختصّ من بين إخوته الأحد عشر بشرف ملازمة أبيه، وقال له:
يا بنىّ، اعلم أنّه قد دنا ارتحالي من هذا الفناء، وها أنذا أتأهّب للتزوّد بزاد طريق المعاد. وأنت بحمد الله بشرى الثّمار في حديقة الملك، ونوّار روضة الألطاف الإلهيّة. ما أسعد العرش بأن يجلس عليه مثلك؛ وليس لنا أن نؤثر أحدا عليك.
стр. 25
وأنا ما اخترتك على الإخوان إلا لما رأيته فيك من لياقة للملك؛ إنني أنصبك على رأس الخلق، وما الخلق إلا ودائع الحقّ، وأنا إنما أعهد بالملك إليك وبالرّوح لرضوان (١). «يا بنيّ لا تشرك بالله إن الشّرك لظلم عظيم .... يا بنيّ أقم الصّلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إنّ ذلك من عزم الأمور، ولا تصعّر خدّك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحبّ كلّ مختال فخور» (٢).
يا بنيّ، إنما يسأل الملوك عن العدل: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلّكم تذكّرون» (٣) الدنيا فرّارة ما قرت لأحد أبدا، إنما هي كسجم السحاب ليس له من دوام، وبكاؤها كابتسام البرق لا يصدر عن رضا وارتياح، إن أضحك ساعة أبكى سنة، وإذا أتى بسيّئة/ جعلها سنّة.
فلمّا وعظه بتلك الوصايا البليغة، أمر فاجتمع أركان الحضرة وأعيان السّلطنة. ولما رأى صفّة الديوان غاصّة بالخاصّ والعامّ قال: قد بلغت شمس إقبالي درجة الزّوال، ومعلوم أنّ الملك لا يبقى بلا مالك، كما لا تبقى المدينة بغير مدبّر، شعر:
- يمضي واحد ويحلّ محلّه آخر … لا يدع الله الدنيا بغير حاكم.
стр. 26
وإنّ ابني كيخسرو ذا الوجه الّذي يشبه وجه «منوتشهر» (١) إنما يتحلّى بالآداب السّلطانية، وهو في حلبة هذا المضمار يتمتّع بالسّبق والبروز على إخوانه، وعلى ملوك سائر الديار. ولقد منحته ولاية العهد، وفتحت أمامه باب هذه الدّولة، وأجريت حكمه في الولاية والرعيّة طالما كنت على قيد الحياة، وجعلته وارثا للتاج والخاتم، ونحّيت نفسي جانبا. إنّما عليكم أن تبايعوه، وأن يتبين منكم رسوخ القدم- كالصّخرة الصّماء- على محبّته والولاء له.
فما لبث أعيان الدولة- بعد البكاء والعويل والسّكوت الطّويل- أن رأوا أن الانقياد لأوامر السّلطان من أوجب الواجبات، وقالوا: السلطان غياث الدين بطلنا، وهو عندنا في الظاهر والباطن والغيبة والحضور سواء، نسلك طريق الغلظة والحدّة- كالسّيف والسّنان- مع خصوم دولته. وأضافوا إلى تلك المواثيق من الحلف والأيمان ما لا يمكن لتأويل أن ينقضه عند أهل الإيمان.
وبعد الحلف على درء المخالفة ونصب راية الموافقة، وإحكام أحكام النّصرة والمعاضدة، أقروّه على السلطنة [شعر]:
- جلس السلطان مبارك القدم بيمن القدوم … فوق عرش السّلطنة في بسيط خطّة الرّوم.
ووقف قادة الأطراف بجوار العرش يمينا ويسارا، وجعل ما لا حصر له من الدّرهم والدينار نثارا، ووصلت الخلع والتّشريفات الثمينة من خزانة السلطنة/ إلى طبقات الأمراء والكبراء، فازداد بذلك النّوال ميل الكافّة، وقضوا في السّرور والطّرب أياما عشرة، ولم يدعوا في شرعة اللهو والطّرب من بقيّة إلا جرعة السّاقي.
стр. 27
ثم ما لبث أن التفت إلى عمارة البلاد والأمصار، ونقلت الأخبار إلى أطراف المملكة. وكانت هذه الحكاية في سنة ثمان وثمانين وخمسماية.
ذكر اجتماع الإخوان بالملك ركن الدين وتحريضه على التمّرد
حين بلغ الخبر مسامع الإخوان تحرّكت بواعث الحسد- عند كل منهم- في باطن الجسد، وجلس كلّ أخ على نار، مع أن كلا منهم كان مستحوذا على إقليم ومستوليا على مملكة؛ فكانت توقات مع توابع ركن الدين سليمانشاه، ونكيسار مع مضافات ناصر الدين بركيا رقشاه بينما تولى آبلستان مغيث الدين طغرلشاه، وقيصرية نور الدين سلطانشاه، وسيواس وآقسرا قطب الدّين ملكشاه، وملطيّة معزّ الدّين قيصر شاه، وأراكلية سنجر شاه، ونكيده ارسلانشاه، وأماسية نظام الدّين أرغون شاه، وأنكورية محيى الدّين مسعود شاه، وبرغلو غيّاث الدّين كيخسرو.
ولم يكن يعود من أعمال تلك الدّيار على ديوان سلطنة الوالد شىء قطّ قلّ أو كثر، بل كانوا يقدمون على أبيهم مرة واحدة في السّنة، ويعودون بعد تحقّق المقصود.
مجمل القول أن الملوك حين تحرّكت فيهم نوازع الغلبة وبواعث السيطرة، تجمعوا عند ركن الدّين سليمانشاه، وكان أخاهم الأكبر، وأخذوا في تفنيد رأي أبيهم وتوهين فكره، وذهبوا إلى أنه إنما تيمّم ببقايا الزّبال مع وجود الماء الزّلال، وتشبّث بحيلة الثعلب الأعرج رغم أن صولة الفهد على أهبة الاستعداد [بيت]:/
стр. 28
- لن نرضى بما حكم الأب … كيف نزيل هذا الشّنار ونمسح هذا العار.
وذكروا من هذا النوع من الكلام المغشوش (١) ما يشبه العهن المنفوش.
ونظرا لما كان يتمتع به الملك ركن الدين من دهاء وعقل أجاب بقوله:
إن سيّد العالم- خلّد الله أيّامه- حاكم موفّق، كل ما يأمر به ويقوله إنما يذعن له الفلك رغبا ورهبا. ولما كانت ذاته الشريفة هي السبب في تكوين طينتنا نحن فإن عدم ارتسام أحكامه وامتثال أمره مفض إلى العقوق ومؤدّ لنكران الحقوق: [شعر]:
- لا أبيع رضاه بملك ما في الأرض جميعافما لتراب الكثيب الفاني ذلك المقدار.
سيّما وأن سيماه الكريمة قد تغيّرت .. ومعين ترفه ونعيمه قد تكدّر، فالنهوض لنقض أحكامه- وهو ما يجعله مضغة في الأفواه وأضحوكة للأشباه- أمر بعيد عن الرأي السديد. إن غياث الدين وإن كان صغير السن (٢) قد التحق بمدرسة: «وعلّمناه من لدنّا علما» (٣)، وأتقن فيها استيعاب الآداب الملوكية، وأخرجها من القوة إلى الفعل، «والله يؤيد بنصره من يشاء» (٤). وحين سمع الإخوة هذه النصائح نبذوا ما كان قد تسلل إلى رؤوسهم من هواجس سوداوية،
стр. 29
وآب كل منهم إلى ملكه خاسرا خائبا.
وفي أثناء هذه الحالات وصل الخبر بأن السلطان «قلج ارسلان» قد التحق بدار الجنان، وجلس غياث الدين منفردا على مسند الملك، واستوى على العرش.
ذكر سماع السلطان ركن الدين وفاة أبيه، وصرف همّته لانتزاع الملك من قبضة أخيه
حين علم الملك ركن الدين في شهور سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بوفاة أبيه أشعل القلب بنار احترق بها لفراقه، وبعد شرائط العزاء ولوازم البكاء دفع برسل مسرعين إلى أعوانه وأعضاده حيث تتجمّع الأجناد في الأغوار والأنجاد.
وغادر بنفسه توقات دون أن يصطحب معه جندا، وما كاد يصل إلى آقسرا حتى لحق به جيش ضخم جدا، فبلغ الجميع «قونية» في خدمة ركاب مظلّته الملكية، فشهر أهل «قونية» درع المقاومة في وجوههم، وظل ستون ألفا من حملة الأقواس طيلة أربعة أشهر، وبصورة يومية، مشتبكين في الطّعان والنّزال مع عساكر الملك ركن الدين. وفي النهاية أرسلوا رسولا إلى الملك واصطلحوا على أن ينطلق السلطان غياث الدين مع أبنائه وأتباعه وأشياعه إلى أية ناحية يرتضيها خاطره، ويصل سالما إلى مقصده، ثم يدخل الملك المدينة من بعد ذلك فيبايعه أهلها على الولاء له. فأبرم العهود وفقا لما التمسوه، وأرسلها. فعرضت جميعا في حضرة السلطان، ووقعت منه موقع الحمد والاستحسان، وأمر بأن يذهب اثنان آخران من أهل المدينة ممن لهم علم بظواهر الأمور وبواطنها، إلى حضرة الملك
стр. 30
بهدف التأكيد، وأن يحصلوا على وثيقة ورسالة خطّية منه مؤكّدة بأقسام القسم والأيمان الغلاظ.
ففعلا ذلك في الحال وحين طالع السلطان العهود آثر تسكين روع القلب وجيشان النفس (١)، واختار الجلاء مضطرّا.
ذكر جلاء غياث الدين كيخسرو والوقائع التي شاهدها فى غربته
في سنة ست وتسعين وخمسمائة، عند صلاة العشاء، وقد ظهرت الكواكب الدرارى في/ الدّغل اللازوردى للقبة الزرقاء كأنّها الزهور النّديّة، غادر السلطان المدينة في كوكبة من الخواصّ وسلك طريق آقشهر قاصدا «ستنبول».
ولفرط الاستعجال واضطراب الحال عرض للملك عز الدين كيكاوس والملك علاء الدين كيقباد ما أدى إلى غيابهما عند ذاك عن خدمة أبيهما، ولم ينتبه لهما السلطان، وانطلق مسرعا من المدينة.
فلما وصل إلى قرية لاديق من أعمال قونية استخفّ رعاياها بغلمانه وخواصّه، وجرحوا بعضهم، وعرّضوا الأمتعة للتّلف، فحزن السلطان لذلك وسلك طريق «لا رنده» وكتب- متعجلا- رسالة تتضمن العتاب إلى أخيه، وشكا مما لحق بعرق السلطنة النجيب من إهانة وإذلال.
وحين دخل ركن الدين المدينة في اليوم التالي، وجلس على العرش، سلّم
стр. 31
الرسل الرسالة، فهاج وماج من فرط الغضب، غير أنه كظم غيظه كسبا للوقت، وصاح في الرسل قائلا: مثل هذا يجب أن يحلّ بمخالفي الدولة، والمخلّفين من أنصارها (١). ثم أومأ خفية إلى بعض أفراد حاشيته بأن يعملوا على تهدئة خواطرهم (٢). وأمر بأن ينادى في الناس بأن كل من أغار على أخي السلطان وألحق الأذى والضرر بمن معه، عليه أن يتقدّم ويعدّ ذلك سببا للتقرّب والزّلفى.
فاغترّ أولئك المجاهيل بهذه المغريات، وبادر كل منهم يستبق غيره حتى تجمّعوا بأجمعهم في الديوان وقد أحضر كل منهم بصحبته كل ما كان قد استلبه، وهو يقصد بذلك أن يروّج سوقه. فأسلم السلطان كل فوج إلى جماعة، واستدعى الملكين (٣) وأجلسهما على العرش فوق ركبتيه، وأبدى عطفه وحدبه عليهما، وخيّرهما بين الإقامة والارتحال، فاختارا السفر واللحاق بأبيهما، وتحدّرت رغما عنهما/ العبرات مدرارا على وجنتيهما كحّبات الرمّان. فأخذت السلطان رقّة لهما، وسيّرهما مع أهلهما بمودّة صادقة وقد زوّدهما بالخلع النفيسة من الأحزمة المرصّعة وما يوافقها ويجانسها.
ثم أمر بصلب الجناة العصاة من شرفات سور المدينة وسلب كسوة الحياة من أبدانهم المرتعشة، وإضرام النار في القرية، ولذلك ظل اسم «سوخته» (٤) يطلق على «لاديق» إلى وقتنا هذا. وقال السلطان: هذا ما لابد أن يلحق بمن يستخفّ بالسلاجقة من جزاء وعقاب.
стр. 32
ظل السلطان في مكانه لا يبرح إلى أن وصل ابناه، فلما وصلا عرضا ما لقياه من عطف عمّهما. وتقدّم رسل السلطان ركن الدين بأعذار واهية (١)، فاستمع إليها السلطان غياث الدين بحسن الإصغاء، ثم أعادهم مكرّمين معزّزين من حيث أتوا، وشرع هو في دخول ممالك الأرمن التي كانت في ذلك الوقت ملكا لليفون تكفور.
ذكر وصول السلطان غياث الدين لأرمينيا
حين جاء ليفون الخبر بقدوم السلطان، خفّ للاستقبال إجلالا كما يخفّ الظمآن للماء الزّلال، فلما ألقى نظرة على المظلّة المباركة، نزل من فوق جواده، وأصبح الجسد كلّه لسانا ناطقا بالترحيب بالسلطان.
واتفق للسلطان أن توقّف شهرا هناك، ثم انطلق موليا وجهه شطر آبلستان.
وبلغ الملك مغيث الدين ابن قلج ارسلان [ملك آبلستان] (٢) الغاية (٣) في ما تقتضيه الأخوّة من ولاء وخدمة. فأحضر قاضي المدينة وأئمتها في خلاء فسيح، وأقرّ بأن ملك آبلستان وتوابعه- كما ولّانيه أبي- أشهد على نفسى أنا طغرلشاه بأنه ملك سيّدى وأخي السلطان غياث الدين كيخسرو، ثم قدّم الصكّ/ لحضرة السلطان في الاجتماع العام. فقال السلطان:
стр. 33
قبلناه، ثم رددناه إليه بشهادة الحاضرين. وتوجه إلى ملطيه بعد بضعة أيام.
فلما بلغ الخبر الملك معز الدين قيصر شاه استعد للضيافة والاستقبال، وذهب في جملة من الاقارب والأتباع للترحيب، فلما رأى السلطان من بعيد، ترجل وسارع بتقبيل اليد، واعتذر عن غدر أخيه واجلائه له من بلاده، وخلوّ سرير السلطنة من جلال السلطان وأبهّته، وأظهر التفجّع والتوجّع، ثم انطلق به إلى المدينة بكل تكريم وتعظيم، ووضع قصر السلطنة بكل ما فيه من متاع البيوتات تحت تصّرف نوّاب السلطان وحجّابه، وأخذ يبدي ولاءه كل يوم بصنف من صنوف الإبداع الحسنة. وذات ليلة تقدم- أثناء المنادمة- إلى السلطان فقال وقد جثا على ركبتيه: يجول بخاطرى أن أذهب بإذن السلطان عند والد زوجتي: الملك العادل، وليقنع السلطان برقعة ملطية هذه، حتى تنقضي أيام البؤس والنّحس، وعند ذاك أعود أنا إلى هذه الديار ويجلس السلطان وفق مراده، على عرش السلطنة فقال السلطان (١) وقد تبسّم لقوله: إن الملك العادل سلطان عاقل، والأجدر بي أنا، بسبب مصاهرتك (٢) أنت له، أن
стр. 34
أذهب إليه وأرى بماذا يشير عليّ، فليبق الملك مكانه، وليترقب ما سيأتي به اللاعب بالأفلاك من حجاب الغيب من صور.
وعزم من بعد ذلك على التوجّه إلى حلب، فأخرج معزّ الدين من حريمه قلنسوة قيمتها خمسون ألف دينارا وسلّمها لخازن السلطان؛ وزوده- فوق ذلك- من الأمتعة بما لا حصر له.
ذكر التحاق السلطان بملك الشام
حين أصبح معلوما لملوك الشّام أنّ صبح الفلك الملكي قد أشرق على ديارهم/، أرسلوا الأنزال والأحمال لاستقباله، وانطلق الجيش كلّه والناس أجمعون نحوه، وترجّلوا ونالوا شرف تقبيل اليد، وتغنّوا:
قدمت قدوم البدر بيت سعوده (١)
ثم قالوا قدم سلطان العالم إلى بيته وقاعدة ملكه، ونحن إنما نضع كلّ ما لدينا لدفع وحشة الخاطر الأشرف طالما كان في الأجل تأخير وفي جعبة الإمكان سهم، وتالله ليحمينّ حمى نفسه من مداخلة الأفكار المزعجة، وليجعل من أسباب تسكين القلب المحزون قول أمير المؤمنين كرّم الله وجهه:
إن للمحن غايات، وسبيل العاقل أن ينام عنها حتى يتجاوزها، ونظم قابوس الذى قاله زمن انتكاس راية دولته (٢):
стр. 35
وفي السماء نجوم غير ذي عدد … وليس يكسف إلا الشمس والقمر
وطوال تلك المدة كان كل ملك يقيم ضيافة للسلطان ويعرض من التّقدمات ما يليق بالوليمة. وفجأة بدا للسلطان أن يتوجه إلى «آمد»، فسارع الملوك إلى تقديم الخدمات بقدر الإمكان، ولزموا ركاب السلطان بضعة أيام برسم الوداع، ثم انقلبوا عند ذاك عائدين بالتشريفات القيّمة.
وحين وصل إلى حدود آمد، أرسل الملك الصالح (وكان صهر السلطان، إذ بنى بكريمة من أولاد قلج أرسلان) أرسل أبناءه مع جملة الحشم للاستقبال، وكان قد زين قصر السلطنة بما تزدان به القصور من خزائن/ ومعدات وغلمان وجوار، ثم تهيأ هو للاستقبال بعد يومين مع كوكبة من الخواصّ، وحين وقع بصره على المظلّة المباركة ترجّل، [فأمر السّلطان الحجّاب] أن يتقدموا مسرعين وأن يجعلوا الملك يمتطي صهوة حصانه من جديد. فلما اقترب عزم على الترجّل من جديد، فأقسم السلطان عليه ألا يفعل، وأن يقبّل اليد وهو على ظهر الحصان.
وحين اقتربوا من المدينة ترجّل الملك الصّالح وأمسك بعنان فرس السلطان، وجعل يسير في الرّكاب الميمون. فلما شارفوا باب القصر نثر أبناء الملك الصالح أطباقا مملوءة بالدّنانير، ولما جلس على العرش بسط الملك الصالح مفاتيح القلاع
стр. 36
والبقاع في سائر بلاده أمام السلطان. فتعجب السلطان من علوّ همّته، وبالغ في مدحه ثم قال: قبلناها وبأفضل المنن قابلناها ثم رددناها إليك، متّعك الله بها وبأمثالها.
وهنالك وضعوا المائدة ثم رفعوها وتحول السلطان للحريم الملكي لرؤية شقيقته، وحين وقع نظر الملكة على جمال السلطان أكبّت بوجهها على قدم أخيها، وقالت: قد جعلت كل مالي من خدم وحشم نثارا لركاب المليك، فليتّخذ من هذه المدينة مقاما، وينتظر لطف الفعّال لما يريد ومواتاة الأقدار، فلعل المصلحة كانت في الجلاء [عن الدّيار]: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ «١».
وقضى الأخ والأخت زمنا في هذه المناصحة والمحادثة، ثم توجّه إلى قصر صغير مخصص للخلوة، فدخلت الطواويس «٢» الخضر سافرة لخدمة صقر الفضاء الملكي، فلاحظها بعين القبول، واستراح ساعة مع تلك الفتيات على مخدّة الدّعة ووسادة الرّاحة. ثم انطلق بعد ذلك إلى الحفل، وأخذ يزيل عن حواشي الزمن غبار الحزن بمحاورة الغليظ الرفيع من أوتار النّغم، وأسلم زمام الطبع للمسرة والحبور.
وبعد فترة من الزّمن تحرّكت نفسه للتوجّه إلى أخلاط فيمم وجهه شطر بسيط ذلك البساط.
وحين علم الملك «بلبان» / بيمن قدوم السلطان، أرسل أبناءه وأشياعه للترحيب مسيرة خمسة أيام، وسار بنفسه على الأثر، وجاء مترجّلا في ركاب
стр. 37
السلطان حتى عتبة البيت، وجعل كل ما كان يملكه ابتداء من أنواع النفائس إلى الروح العزيز موطأ قدم مالكه، وأتى بمفاتيح القلاع وتفاصيل خزائن البقاع فوضعها بين يدي السلطان، وأقسم بأغلظ الأيمان أنه لم يخالجه تردد في هذا الصدد، فقال السلطان: إن مجال فتوة الملك يتسع لمثل ألف مما يقول. والمأمول أن تظل أنهار السعادة تجري- بفضل الباري- في إرم (١) مرامنا، وتبدو نهاية للحلقة المفرغة للأيام. ويرجى الاعتذار عن ما أبداه الملك من ألطاف.
وبعد فترة من الإقامة هناك، توجّه نحو جانيت، ولبث بها مدّة، ثم استقل منها سفينة للسفر إلى ستنبول، وفجأة هبت ريح من مهبّ: تجري الرياح بما لا تشتهي السّفن، فتكررت حالة: وجاءهم الموج من كل مكان، فألقى بالسفينة على ساحل بحر ديار المغرب، فما كان منهم إلا أن ألقوا بمراسيهم، وحملوا الأمتعة من ذلك البلل إلى اليابسة بعيون دامعة وشفاه جافّة.
وجعل السلطان يطوف مدة في تلك الأطراف، ويقابل شراسة أخلاق المغاربة بهشاشة ألطاف المشارقة، وكان آمنا من كيد نكد الأيام في كنف رعاية أمير المؤمنين عبد المؤمن (٢) ﵁، ونال حظوة تفقّده وتعهّده مّرات عديدة، وفي النهاية ولّى عنانه صوب استانبول بعد أن أذن له الخليفة.
стр. 38
ذكر وصول السلطان من المغرب إلى استانبول
عدّ فاسليوس ذلك العهد مقدم السلطان مغنما كبيرا، ورأى من الواجب أن يشارك السلطان في الحكم بل يستقلّ بملك البلاد (١). وكانا في وقت الاجتماع يجلسان على العرش سويّا فيتباسطان ويتلاطفان.
وفي تلك الأثناء كان هناك أحد الفرنجة معروفا بالشدّة والصّرامة، ومشهورا بالشجاعة والشهامة، فلقد كان يشنّ بنفسه هجوما على ألف مقاتل فيقاتلهم بمفرده. وكانت أعطيته تبلغ عشرة آلاف دينار كل عام. وذات يوم حدث بينه وبين أصحاب الديوان قيل وقال بسبب عطائه من الثّياب، فانطلق إلى فاسليوس وشرع يشكو ويطيل في شكواه ويرغي ويزبد بغير طائل. فأخذ فاسليوس يقول بالإفرنجية: السلطان حاضر اليوم، فتوقف عند هذا الحدّ، وغدا يتم التوصّل إلى حلّ يرضيك. لكن الفرنجي ظل على وقاحته، ولم يتراجع عن صلابة جبهته وحماقته، فضاق السلطان بالأمر وسأل تكفور: ماذا يقول هذا الأمير؟
فأجاب: ربما أهمل أهل الديوان في إيصال أعطيته. فقال السلطان: ما الذي يحمل العبيد على أن يبلغوا في جرأتهم هذا المدى.
وهنا سبّ الفرنجي السلطان، فأخذ الغضب منه كل مأخذ، ولفّ منديلا على يده، وبلطمة من قبضته وجّهها تحت أذن الفرنجي أطاح به من فوق كرسيّه فاقدا الوعى. فهاج الفرنجة والروم وماجوا، وحملوا على السلطان قاصدين هلاكه. فأمر فاسليوس رجاله بردّهم على أعقابهم، ونزل بنفسه من
стр. 39
فوق العرش، وسكّن الفتنة. وأخرج الناس جميعا من القصر، واختلى بالسلطان فبدأ في تهدئته وأخذ يعمل على تسكين غضبه. كانت النار قد سرت في رأس السلطان من فرط الحميّة، فاغرورقت عيناه بالدموع، وما من نفس كان يتنفسه إلا وهو زفرة باردة تخرج من كبد مفعمة بالألم تهبّ على أطلال عمره.
/ قال لفاسليوس: إنك تعلم أنني ابن قلج ارسلان ومن صلب آلب ارسلان (١) وملكشاه (٢)، كان أجدادي وأعمامي يجوبون العالم من مشرقه إلى مغربه فاتحين، وكان أجدادك يبعثون بالخراج والجزية إلى دور خزائنهم، وكنت أنت تسلك نفس الطريق معي، والآن إن كنت تجيز أن يستهزأ بي على هذا النحو لا لشىء إلا لأن القضاء السماوى قد ألقاني بأرضك، فإن إخواني- وكل منهم يمتلك بلدا- إن سمعوا بهذا صاحوا بالقول المأثور: آكل لحم أخي ولا أدعه لغيري، وجيّشوا الجيوش لهذا السبب، وجعلوا من ديارك مرابض للسباع والضباع.
فلم يعجل فاسليوس في الجواب حتى هدأت سورة غضب السلطان، ومن ثم دخل من باب الاعتذار والاستغفار، وقال: كل حكم يأمر به السلطان، جار على جيشي وبلادي. قال السلطان: أيكون مصداق هذا التصوّر ألا تعدل عن كل ما أقول. فأقسم فاسليوس مجدّدا بأنه لن يحيد عن أحكام السلطان.
стр. 40
قال السلطان: عليك إذن بتجهيز عدة سلاح أختارها بنفسي، وحصان يليق بالفرسان ويناسب الميدان، ويدخل الفرنجي معي في مبارزة، فإن كانت الغلبة للفرنجي تخلّصت من محنة الغربة وعنائها، وإن كان الظّفر لي استراح فاسليوس من جرأة الفرنجي وإساءته.
قال فاسليوس: حاشاى أن أسمح بمثل هذا، فلو حلّ بالمليك- لا قدّر الله- مكروه في القتال بمصادمته للفرنجي فإنني سأوسم بالحماقة لأنني دفعت سلطانا لمقابلة واحد من آحاد الجند، ولن يكون بوسعي المقام هاهنا خوفا من انتقام إخوتك.
فأقسم السلطان بأغلظ الأيمان أنه لو حدث من فاسليوس توقف في هذه القضية فسوف يقتل نفسه دون إبطاء.
/ وحين بلغ إلحاح السلطان الغاية أتوا من دار السلاح بعدّة وجهاز ملكي، فاختار السلطان عدة منها. وأخبروا الفرنجي بأن الغد يوم النّزال، فظلّ الفرنجي يهيّىء عدة القتال طيلة الليل، ثم ربط نفسه بإحكام على السّرج فوق ظهر الحصان، ودخل ساحة الميدان متأهّبا للقتال، فانقسم أهل تلك الديار من الصّغار والكبار والقارئ والأمّي، والمسلم والذمّي قسمين: فمال بعضهم نحو السلطان، وانحاز جماعة إلى الفرنجي الذي أهمّه القتال.
كان الروح الأمين يسمع السلطان في كل لحظة قول الله وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (١). وكان السلطان قد وقف في القلب مع فاسليوس