← История

История · id 122237

أخبار سلاجقة الروم = مختصر سلجوقنامه

مجهولون

Полный текст (439 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والبقاع في سائر بلاده أمام السلطان. فتعجب السلطان من علوّ همّته، وبالغ في مدحه ثم قال: قبلناها وبأفضل المنن قابلناها ثم رددناها إليك، متّعك الله بها وبأمثالها. وهنالك وضعوا المائدة ثم رفعوها وتحول السلطان للحريم الملكي لرؤية شقيقته، وحين وقع نظر الملكة على جمال السلطان أكبّت بوجهها على قدم أخيها، وقالت: قد جعلت كل مالي من خدم وحشم نثارا لركاب المليك، فليتّخذ من هذه المدينة مقاما، وينتظر لطف الفعّال لما يريد ومواتاة الأقدار، فلعل المصلحة كانت في الجلاء [عن الدّيار]: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ «١». وقضى الأخ والأخت زمنا في هذه المناصحة والمحادثة، ثم توجّه إلى قصر صغير مخصص للخلوة، فدخلت الطواويس «٢» الخضر سافرة لخدمة صقر الفضاء الملكي، فلاحظها بعين القبول، واستراح ساعة مع تلك الفتيات على مخدّة الدّعة ووسادة الرّاحة. ثم انطلق بعد ذلك إلى الحفل، وأخذ يزيل عن حواشي الزمن غبار الحزن بمحاورة الغليظ الرفيع من أوتار النّغم، وأسلم زمام الطبع للمسرة والحبور. وبعد فترة من الزّمن تحرّكت نفسه للتوجّه إلى أخلاط فيمم وجهه شطر بسيط ذلك البساط. وحين علم الملك «بلبان» / بيمن قدوم السلطان، أرسل أبناءه وأشياعه للترحيب مسيرة خمسة أيام، وسار بنفسه على الأثر، وجاء مترجّلا في ركاب

стр. 37

السلطان حتى عتبة البيت، وجعل كل ما كان يملكه ابتداء من أنواع النفائس إلى الروح العزيز موطأ قدم مالكه، وأتى بمفاتيح القلاع وتفاصيل خزائن البقاع فوضعها بين يدي السلطان، وأقسم بأغلظ الأيمان أنه لم يخالجه تردد في هذا الصدد، فقال السلطان: إن مجال فتوة الملك يتسع لمثل ألف مما يقول. والمأمول أن تظل أنهار السعادة تجري- بفضل الباري- في إرم (١) مرامنا، وتبدو نهاية للحلقة المفرغة للأيام. ويرجى الاعتذار عن ما أبداه الملك من ألطاف. وبعد فترة من الإقامة هناك، توجّه نحو جانيت، ولبث بها مدّة، ثم استقل منها سفينة للسفر إلى ستنبول، وفجأة هبت ريح من مهبّ: تجري الرياح بما لا تشتهي السّفن، فتكررت حالة: وجاءهم الموج من كل مكان، فألقى بالسفينة على ساحل بحر ديار المغرب، فما كان منهم إلا أن ألقوا بمراسيهم، وحملوا الأمتعة من ذلك البلل إلى اليابسة بعيون دامعة وشفاه جافّة. وجعل السلطان يطوف مدة في تلك الأطراف، ويقابل شراسة أخلاق المغاربة بهشاشة ألطاف المشارقة، وكان آمنا من كيد نكد الأيام في كنف رعاية أمير المؤمنين عبد المؤمن (٢) ﵁، ونال حظوة تفقّده وتعهّده مّرات عديدة، وفي النهاية ولّى عنانه صوب استانبول بعد أن أذن له الخليفة.

стр. 38

ذكر وصول السلطان من المغرب إلى استانبول عدّ فاسليوس ذلك العهد مقدم السلطان مغنما كبيرا، ورأى من الواجب أن يشارك السلطان في الحكم بل يستقلّ بملك البلاد (١). وكانا في وقت الاجتماع يجلسان على العرش سويّا فيتباسطان ويتلاطفان. وفي تلك الأثناء كان هناك أحد الفرنجة معروفا بالشدّة والصّرامة، ومشهورا بالشجاعة والشهامة، فلقد كان يشنّ بنفسه هجوما على ألف مقاتل فيقاتلهم بمفرده. وكانت أعطيته تبلغ عشرة آلاف دينار كل عام. وذات يوم حدث بينه وبين أصحاب الديوان قيل وقال بسبب عطائه من الثّياب، فانطلق إلى فاسليوس وشرع يشكو ويطيل في شكواه ويرغي ويزبد بغير طائل. فأخذ فاسليوس يقول بالإفرنجية: السلطان حاضر اليوم، فتوقف عند هذا الحدّ، وغدا يتم التوصّل إلى حلّ يرضيك. لكن الفرنجي ظل على وقاحته، ولم يتراجع عن صلابة جبهته وحماقته، فضاق السلطان بالأمر وسأل تكفور: ماذا يقول هذا الأمير؟ فأجاب: ربما أهمل أهل الديوان في إيصال أعطيته. فقال السلطان: ما الذي يحمل العبيد على أن يبلغوا في جرأتهم هذا المدى. وهنا سبّ الفرنجي السلطان، فأخذ الغضب منه كل مأخذ، ولفّ منديلا على يده، وبلطمة من قبضته وجّهها تحت أذن الفرنجي أطاح به من فوق كرسيّه فاقدا الوعى. فهاج الفرنجة والروم وماجوا، وحملوا على السلطان قاصدين هلاكه. فأمر فاسليوس رجاله بردّهم على أعقابهم، ونزل بنفسه من

стр. 39

فوق العرش، وسكّن الفتنة. وأخرج الناس جميعا من القصر، واختلى بالسلطان فبدأ في تهدئته وأخذ يعمل على تسكين غضبه. كانت النار قد سرت في رأس السلطان من فرط الحميّة، فاغرورقت عيناه بالدموع، وما من نفس كان يتنفسه إلا وهو زفرة باردة تخرج من كبد مفعمة بالألم تهبّ على أطلال عمره. / قال لفاسليوس: إنك تعلم أنني ابن قلج ارسلان ومن صلب آلب ارسلان (١) وملكشاه (٢)، كان أجدادي وأعمامي يجوبون العالم من مشرقه إلى مغربه فاتحين، وكان أجدادك يبعثون بالخراج والجزية إلى دور خزائنهم، وكنت أنت تسلك نفس الطريق معي، والآن إن كنت تجيز أن يستهزأ بي على هذا النحو لا لشىء إلا لأن القضاء السماوى قد ألقاني بأرضك، فإن إخواني- وكل منهم يمتلك بلدا- إن سمعوا بهذا صاحوا بالقول المأثور: آكل لحم أخي ولا أدعه لغيري، وجيّشوا الجيوش لهذا السبب، وجعلوا من ديارك مرابض للسباع والضباع. فلم يعجل فاسليوس في الجواب حتى هدأت سورة غضب السلطان، ومن ثم دخل من باب الاعتذار والاستغفار، وقال: كل حكم يأمر به السلطان، جار على جيشي وبلادي. قال السلطان: أيكون مصداق هذا التصوّر ألا تعدل عن كل ما أقول. فأقسم فاسليوس مجدّدا بأنه لن يحيد عن أحكام السلطان.

стр. 40

قال السلطان: عليك إذن بتجهيز عدة سلاح أختارها بنفسي، وحصان يليق بالفرسان ويناسب الميدان، ويدخل الفرنجي معي في مبارزة، فإن كانت الغلبة للفرنجي تخلّصت من محنة الغربة وعنائها، وإن كان الظّفر لي استراح فاسليوس من جرأة الفرنجي وإساءته. قال فاسليوس: حاشاى أن أسمح بمثل هذا، فلو حلّ بالمليك- لا قدّر الله- مكروه في القتال بمصادمته للفرنجي فإنني سأوسم بالحماقة لأنني دفعت سلطانا لمقابلة واحد من آحاد الجند، ولن يكون بوسعي المقام هاهنا خوفا من انتقام إخوتك. فأقسم السلطان بأغلظ الأيمان أنه لو حدث من فاسليوس توقف في هذه القضية فسوف يقتل نفسه دون إبطاء. / وحين بلغ إلحاح السلطان الغاية أتوا من دار السلاح بعدّة وجهاز ملكي، فاختار السلطان عدة منها. وأخبروا الفرنجي بأن الغد يوم النّزال، فظلّ الفرنجي يهيّىء عدة القتال طيلة الليل، ثم ربط نفسه بإحكام على السّرج فوق ظهر الحصان، ودخل ساحة الميدان متأهّبا للقتال، فانقسم أهل تلك الديار من الصّغار والكبار والقارئ والأمّي، والمسلم والذمّي قسمين: فمال بعضهم نحو السلطان، وانحاز جماعة إلى الفرنجي الذي أهمّه القتال. كان الروح الأمين يسمع السلطان في كل لحظة قول الله وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (١). وكان السلطان قد وقف في القلب مع فاسليوس

стр. 41

كجبل الحديد، وتلا وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ (١). وسار إلى كل طرف كالشمس في برج الشرف، وأخذ يجول حول العساكر كالبدر الزاهر. بدأ الفرنجي بالهجوم بالسّنان، فاتقاه السلطان بالدّرع، ثم أعاد المحاولة نفسها من جديد فردّها السلطان. وفي المرة الثالثة حمل عليه السلطان، وبضربة دبوس كرأس الثور مرّغ وجه من يعبد حافر حمار عيسى فى التراب، فبلغ أنينه المقيمين بخطة أسفل سافلين، [شعر]: بضربة لم تكن منّي مخالصة … ولا تعجّلتها جبنا ولا فرقا (٢) ولم يلق حصان الفرنجي لشدة وقع الدبوس مفرّا من الفرار، ولأن الفرنجي كان قد أوثق نفسه بإحكام على الحصان فقد بقي متدليا، فاقدا الوعي ذاهلا عن نفسه، فصاح المسلمون وفاسليوس ومن حضر من التجّار وكبار الأمراء صيحة إعجاب بلغت عنان السماء. وأراد دهماء الفرنجة إثارة الفتنة/، فأمر فاسليوس بردعهم وأنزل العقوبة ببعضهم فسكن بحر الفتنة الهائج، وأخذ السلطان من الميدان إلى داره، وقدّم الهدايا الوفيرة، وأعملوا العود والرّاح طوال تلك الليلة حتى انفلاق عمود الصباح، وأوصلوا خيط الغبوق بالصبوح (٣). وفي اليوم التالى جيء بسائر آلات الطرب- التي كان يدّخرها آباء فاسليوس وأجداده- إلى قصر السلطان، ورأوا من الواجب يومئذ إحياء موات المتعة بإراقة

стр. 42

دم الدين- وهو في شرع الندماء أمر محلل، وفي أعقاب معاقرة الخمر انطلق لسان فاسليوس قائلا: إن محبّة ملك الإسلام قد تمكّنت من قلبي وروحي بحيث لا تقبل الانفصال عنهما بأي حال، ولو مرّت بي لحظة دون الأنس بوجود الجمال المبارك للمليك فإني أعّدها وبالا. غير أني أفضّل مصلحة ملك العالم على إرادة نفسي، فلو أن السلطان تكبّد المشقّة بضعة أيام- إلى أن تخمد نائرة حقد الفرنجة وغضبهم- وتوجه إلى الملك مفروزم وهو من أكابر قياصرة الروم، فلن يقصّر هذا المملوك- بكل ما يرد في دائرة الإمكان- في رفدكم، بل يؤدي بنفسه ما يوجبه تعظيم المليك من شروط (١) لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (٢). فوقعت هذه الكلمات موقع القبول من مسامع أشرف الملوك، واستصوب الأمر. وبعد بضعة أيّام ولّى وجهه مع الخدم والحشم صوب تلك الجزيرة، ولم يكن يلقي بالا لجور دورة الفلك لانشغاله بدوران الكأس والرّاح. وعندما كان الملكان عز الدين وعلاء الدين يفرغان من المكتب وتعلّم الأدب (٣) يقضيان وقتهما في صيد/ البّر والبحر. قد حان الوقت الآن للبدء بذكر سلطنة السلطان ركن الدين. …

стр. 43

ذكر أيام سلطنة ركن الدين سليمان شاه، وتقرير جانب من مناقبه الكريمة كان السلطان القاهر ركن الدين سليمان شاه ملكا لم تعل في روضة الدولة دوحة مثمرة (١) تضاهيه من أولاد السلطان قلج ارسلان بل من أحفاد سلجوق (٢). إن هو إلا دبوس ثقيل، وحلم بالغ على الرعية، عفّة بلغت الغاية، وورع بغير نهاية، في الحلم ذو وقار كالجبل، وفي الحكم كالقضاء المبرم لخالق الكون: حلو الفكاهة مرّ الجدّ قد مزجت … بقسوة البأس منه رقّة الغزل هو في أنواع العلوم ريّان، وفي التزود من بضاعتها صاد وعطشان. ومن بين ما أنتجته قريحته هذا الدو بيت الذى قاله في حق أخيه قطب الدين ملكشاه، ملك سيواس وآقسرا، بسبب ما كان بينهما من عداء: أيها القطب، أنا كقطر الدائرة فلست مشيحا برأسي عنك فطالما أنا كالنقطة فلينسلخ جلد جسدي من الكتف إن أنا لم أنشر علمك من فوق رأسي.

стр. 44

حين خرج السلطان غياث الدين من بوّابة قونية، استقبل الأعيان والأشراف السلطان ركن الدين، فاعتذروا عما كان قد بدر منهم من تطاول، فقرأ الآية الكريمة: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ (١)، من مصحف الإغضاء وسورة الإغماض،/ وضرب عن الماضي صفحا، ودخل المدينة بالطالع المسعود في ظل المظلّة الملكية الظليل، وأضفي على العرش الملكي- بعظمة قدومه- رسما وجمالا كسرويا. وبلغ به السخاء مبلغا جعله يوّزع خراج الجند لخمس سنوات كاملة- وكان قد تجمّع لديه دفعة واحدة- على الخاصّ والعامّ برأس الصولجان في وجود المبعوثين (٢)، وكان يأخذ بيد الفضلاء والشعراء والفنانين بلطف عنايته من وهدة الفقر والفاقة إلى رياض الدّعة والنّعمة، وحين أرسل إليه إمام الكلام ظهير الدين الفاريابي (٣) قصيدته المشهورة التي مطلعها: زلف سرمستش چودر مجلس پريشانى كند … جان اكر جان در نيندازد كران جانى كند [وترجمتها]: إذا ما تشوشت ذؤابته السّكرى في المحفل … إن لم يسلم الحبيب الروح، يصاب بالسّقم

стр. 45

سّلم مبعوثيه جائزة قدرها ألفي دينار وعشرة من الخيول وخمسة من البغال، وخمسة من الغلمان، وخمسا من الجوارى، وخمسين ثوبا من كل نوع. ومن عدله البالغ، أنه كان له غلام يسمى إياز، محمود السيرة، وكانت رقعة خاطره بل كان جماع قلبه يميل إلى عشق ذلك القمري الوجه مانع الحبّ، غير أن الغلام كان عائدا ذات يوم من الصيد يحمل على يده صقرا، فالتقى بعجوز كانت تحمل بيدها إناء مملوءا باللبن الخثير، ولشدة تأثير حرارة الشمس واستيلاء العطش عليه وإعواز الماء اختطف الإناء وتناول ما فيه، فركضت العجوز على الأثر إلى المدينة، ووقفت على باب قصر السلطان، وجأرت بالنواح والشكوى صائحة: إن أحد الغلمان أخذ إناء اللبن الذى كنت قد وضعته لإعداد خبز لمن أعولهم من الأيتام، ولم يعطني ثمنا. فأمر السلطان بالتحّري عن أمر تلك/ المظلومة، وهنالك حضر الغلام فقالت العجوز: ها هو ذا الخصم، فأنكر الغلام خوفا من السلطان الذي قال: إن شققنا بطن الغلام ولم يكن قد تناول اللبن فلن يكون جزاؤك إلا القتل؛ فقبلت المرأة. وفي الحال صدر الأمر إلى الجرّاح بأن يشق بطنه [قالت العجوز؛ لعلكم إن أحضرتم الجّراح فشق بطن الغلام وقلّب أمعاءه ووجدها مملوءة باللبن لزم قتل الغلام أولا وتواترت أحزان السلطان عليه بسبب ذلك، وصدق فيه المثل القائل: نحن السبب فيما يجري لنا (١). فأمر السلطان بمعاقبة الغلام في الحال، وأنعم على العجوز بألف دينار] (٢).

стр. 46

وعلى هذا النحو جرت السلطنة زمنا، ثم انبعث في سويداء قلبه هاجس الغزو، فعقد العزم على غزو الكرج. وكان سبب ذلك أن تامار ملكة الكرج- وكان لها على مملكة الأبخاز ودار الملك تفليس ما لبلقيس من حكم ونفاذ أمر ونهي- كانت قد سمعت أن للسلطان قلج ارسلان اثني عشر ولدا كل منهم يتمتع بملاحة القمر في السماء وصباحة الملك في الأرض. وكانت هي- مصداقا لقول القائل: أما النساء فميلهنّ إلى الهوى- حيثما وجدت أثر أمير جميل الطلعة فصيح اللسان أخذت تدعوه بلسان التعشّق قائلة: الأذن تعشق قبل العين أحيانا؛ وكانت تجلب الصيد المقصود إلى الشباك إما بالذّهب أو بمعسول الكلام. وكانت قد بعثت لبلاد الرّوم رسّاما، فرسم صورة كل أمير من الأمراء، فما تحركت جواذب العشق عندها إلا للملك ركن الدين سليمانشاه، فعشقت صورته، وأرسلت من ثمّ مبعوثا تطلب الزواج منه، فطرح قلج ارسلان القضية في الخلوة مع سليمانشاه وعمل على استرضائه وأخذ رأيه، ففتل سليمان حبل العتاب في ذلك الأمر/ الجلل، وقال: كيف يسمح ملك العالم أن يرسلني إلى مملكة الأبخاز- وهي مصطبة الكفر والضّلال- بهذا اليسر لتحصيل مقصد دنيويّ دنيّ، وإني لأرجو أن ينجز الله ما وعد في قوله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها (١) بفتح الأبخاز، فأحشد الجند وأذرو تراب تلك الديار في الرياح، ثم آتي بتلك الفاجرة إلى أعتاب السلطان في قيد الإسار والخسار، مأخوذة بالنواصي والأقدام. ولكم أحسّ السلطان من أعماق الروح والقلب بالسرور والارتياح لعلوّ همّة ولده، فأبدى إعجابه بما قال، وطلب إليه المعذرة.

стр. 47

ذكر عزم السلطان ركن الدين سليمانشاه غزو الكرج، والعودة من هناك على خلاف الإرادة وذكر الملك فخر الدين بهرامشاه كان ذلك الضّغن القديم قد تمكن في قلب السلطان، فلما أصابته نوبة السلطنة ولىّ وجهه شطر تلك الحدود بجيش ثقيل، وكان قد أرسل من قبل مبعوثين مسرعين إلى ملوك الأطراف وإخوته، كي يستعدوا للقتال والنّزال، فبادر مغيث الدين طغرلشاه ملك آبلستان بالانضمام إليه قبل غيره، كما أرسل كذلك إلى الملك فخر الدين بهرامشاه- وكان صهر السلطان ومن أحفاد منكوجك غازي (١) ووحيد دهره في لطف النّفس وحسن السيرة وعلوّ الهمة ونقاء الجيب وطهارة الذّيل وفرط الّرحمة والشّفقة، ولم يقم في أيام ملكه عرس ولا مأتم إلا وكان المأكل والمشرب فيه من مطبخه، أو يحضره بنفسه، وفي موسم الشتاء حين كانت الغلال والمحاصيل في الجبال/ والبرارى تحرم من إنعام الغمام، كان يأمر بحمل الحبوب في آنية ضخمة إلى الجبال والصحاري ونثرها علي الأرض لتطعم منها الطيور والوحوش بانتظام. وقد جعل «نظامي الكنجوى» (٢) كتاب «مخزن الأسرار» باسمه، وأرسله هدية إليه فأمر له بجائزة

стр. 48

قدرها خمسة آلاف دينار وخمس من البغال السّريعة السّير. فلنعد إلى أصل الموضوع؛ ولقد دعا فخر الدين أيضا- بمقتضى الرأي الأزهر- (١) بالجند لكي تأتيه من كلّ ناحية، وتوجّه في خدمة السّلطان إلى أرزنجان. أما علاء الدين سلتقي- ملك أرزن الروم- فقد أخذ يتباطأ في حشد الجند والامتثال والانقياد للأمر المطاع، فأمر السلطان بعزله وعهد بتلك المملكة إلى مغيث الدين طغرلشاه (٢)، وتوغّل من هناك في ممالك الأبخاز بجيش في عدد النجوم على خيول كالجبال، فنفر أولئك الكفرة الفجرة جميعا في جمّ غفير، وحدثت بين الجيشين مصادمات عديدة، بحيث غطّت أجساد القتلى كل مكان في صحراء المعركة، وأوشك فتح كبير أن يطلّ بوجهه من وراء ستار الغيب، وكادوا يصفون الكفار بمن ولّوا على أدبارهم (٣)، غير أن حكم وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (٤) قد اختطف زمام المرام من يد أهل الإسلام، وساخت قدم الحصان الذى يحمل المظلّة في جحر يربوع فسقطت المظلة على الأرض فلما وقعت أبصار الحشم والمقاتلين في المعركة عليها ظنوا أن العدوّ ربما

стр. 49

اقتحم القلب وحلّت بالسلطان نكبة، فألقوا باليزنيّات والمشرفيّات (١) جانبا، وتبدل الكّر بالفرّ، وأصبح الضّارب مضروبا والقاتل/ مقتولا، فصار الأسير أميرا والأمير أسيرا، (وكان ذلك على الله يسيرا) (٢). وأوقعوا بالملك فخر الدين مع جماعة من الحشم، وقبضوا عليهم، ونزل السلطان مع الملك مغيث الدين وكوكبة من الجيش في أرزن الروم، وبعد حصول الاستراحة وأسو الجراحة توجّه نحو الروم وذهب إلى قونية، وهناك أخذ يتهيأ للعودة وإعادة الدعوة، وفي أثناء ذلك انتقل إلى جوار ربه بسبب مرض ألمّ به، وكان ذلك في شهور سنة إحدى وستمائة: [شعر]: فقدناه لما تم واعتمّ بالعلى … كذاك كسوف البدر عند تمامه (٣) - نهاية الدنيا ليست سوى التراب … وليس لها من نوال إلا السمّ …

стр. 50

ذكر أيام سلطنة عز الدين قلج ارسلان ابن ركن الدين سليمان شاه حين انتقل السلطان ركن الدين إلى الجنّة دار السلام، أجمع أمراء الدولة- مثل نوح ألب وتوز بيك وكان كلاهما قد قدم من توقات المحروسة للانضمام إلى رايات السلطان فتقلدا المناصب الكبرى وصارا موضع الأسرار الملكية- أجمعوا على إجلاس عز الدين قلج أرسلان ابن السلطان على العرش ولم يكن قد ناهز بعد حدّ البلوغ، فبادروا بأداء النعمة/ التي أجزلها لهم الأب من خلال إمضاء مصالح الابن. ولقد تيسّر فتح ولاية سپرطه- وكانت من أضخم القلاع على سواحل بحر المغرب- في أيام حكم ذلك الطفل المعصوم، وبايع ملوك الإسلام وقياصرة الروم وتكافرة الدّرج (١) على الولاء له، وظلت الإتاوات والأحمال ترد إلى الخزانة من الأطراف كما كانت من قبل، وسوف نعرض لانقراض تلك الدولة في موضعه. أما مظفر الدين محمود وظهير الدين إيلي وبدر الدين يوسف أولاد ياغي بسان (٢)، فلأنهم كانوا يميلون إلى غياث الدين كيخسرو، فقد أخذوا

стр. 51

يسلكون طريق الخلاف ويتنكّبون طريق الوفاق، وكان هؤلاء الإخوة الثلاثة قادة مطاعين لدى جند الأوج، فحملوا أمراء الأطراف على الميل للسلطان، وحلفوا الأيمان، وأخذوا المواثيق والحجج، ووقع اختيارهم على زكريا الحاجب- وكان معروفا بكفاءته العالية ومشارا إليه بالبنان في فرط الّدهاء ومعرفة الألسنة واللغات- ليكون رسولهم إلى السلطان. ووضعوا تلك العهود والمكاتيب في تجويف عصا وأعطوها له، وألبسوه ثوب القساوسة، وسيّروه مزوّدا بالوعود الجميلة. فلما وصل إلى ملك الملك مفروزم، واستدل على بيت السلطان، أخذ في الطواف حول البيت، ولبث يتحين الفرصة، فرأى عند الظهيرة أن أبناء السلطان قد أخذوا في النزهة مع جماعة من الغلمان، وبدأوا- على عادة الأطفال- في بناء طاحون (١) هناك على أطراف مرج كانت حوافّه الخضراء قد نمت وربت حول صفحة وجهه كأنها شهود. فصعد زكريا عند الملك عز الدين- وكان في الحسن بغير قرين، لم يبدع مصوّر وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ (٢) مثله في/ معمل الوجود: [شعر]. - كان الزمان قد صنع في إثره شيئا فشيئا ما كان موافقا له من ناحية الحسن واختطف قبلة هي زاد الحياة الأبدية، فأسرع الأمير من فرط الغيظ والحنق

стр. 52

لحضرة السلطان، وحين جاء قال مفروزم ينبغى أن تنزلوا به العقوبة، وخوفا من امتهان الشرف، عمد زكريا الحاجب إلى نهر المعرفة ليفتحه، فأزاح طرف القلنسوة عن جبهته، وعند ذلك عرفه السلطان، غير أنه ضرب صفحا عن استقصاء الأمر في ذلك الحين، وأبدى لمفروزم عذرا مناسبا للحال، وأمر أحد خواصّه باللغة الفارسية أن يحتجزه. فلما خلا القصر من الأغيار طلب السلطان زكريا، فدخل من الباب مسرعا متبخترا كأنّما هو السعادة والإقبال، وقال: كانت نتيجة هذه الجرأة هذه القربى، قال السلطان: كيف حال أخي؟ أجاب: هو في أوج العظمة، استولى على مملكة الأبخاز وأذعنت له ولاية الكرج. ثم تبسّم في وسط الكلام. قال السلطان: ولم الضحك؟ فاقترب منه، وأفضى إليه بما حدث برمّته، ووضع أمامه الخطوط والعهود، فلما طالع المكاتبات والعهود، انهمر الدمع من عينيه بالرغم من امتلاء قلبه بالنار بسبب جور أخيه وما رآه من ظلم لا حدّ له، وأظهر الأسف على وفاته. ومن ثم استدعى الملك مفروزم، وقصّ عليه ما حدث، فأعلن الحداد ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع قال السلطان إنه قد أزمع التوجّه إلى/ الممالك الموروثة. قال مفروزم: كل ما عندي فداء لك، فلتأخذوا الأهبة للرحيل، ويسير هذا العبد أيضا في ملازمة ركاب المليك. وكان من قبل قد جعل ابنته التى زوّجها للسلطان، وابنه ملازمين للحضرة السلطانية، فبذل السلطان للجميع جميل الوعود، وارتحل.

стр. 53

وحين وصل إلى أزنيق حال فاسليوس بين السلطان وبين المسير، وقال إنني قد عاهدت ابن السلطان ركن الدين باليمين المغلّظة فلا يمكن أن أدع السلطان يتجه نحو ملكه، ولبثوا بضعة أيام في هذا القيل والقال، وفي النهاية استقر الأمر على أن يسلّم لنوّاب فاسليوس ما كان السلاجقة قد فتحوه من ولاية الروم حتى حدود قونية مثل: خوناس ولاديق وغيرهما من البقاع وأن يترك السلطان أبناءه مع زكريا كرهينة هناك، ويمّر السلطان بنفسه، فإن جلس على العرش وسلّم المواضع المذكورة لمندوبي فاسليوس انصرف الأبناء من هنا. وعلى هذا الأساس تحرك السلطان ومفروزم وسائر الخواصّ إلى نواحي الأوج. ولما انقضت بضعة أيام ذهب زكريا إلى فاسليوس وقال: إن أبناء الملوك ذوو حّس مرهف، ينتابهم الملل من الجلوس في البيت. فأذن فاسليوس بأن يركبوا للنزهة مرتين في اليوم، فيتنزهون في مروج أزنيق الأنيقة، [وأمر عددا من خواصه بملازمتهم، فغمرهم زكريا الحاجب بالإنعام والإحسان] (١)، وأخذ يستدرجهم بالإيهام والكناية إلى حيّز الدعوة، فأقسموا (٢) بالإنجيل والصليب. وذات ليلة عند صلاة العشاء ركب الأمراء، وولّوا وجوههم شطر إحدى مناطق الصيد، وفجأة بدا أمامهم خنزير بريّ واتجه نحو ممالك الإسلام خوفا من السيف والسهم، فتفاءلوا بذلك، وقالوا [شعر/]:

стр. 54

غدت الدنيا اليوم وفق مرادنا … وصار مسيّر الفلك عبدا لنا صار التفويض بملك البلاد من الله باسمنا … دون أن يمتنّ أحد بذلك علينا ثم مضوا في طريقهم يسابقون الريح الصرصر العاتية مجتازين السهول والبيداء، وحين تبدّلت ظلمة الدّيجور بكسوة النّور كانوا قد وصلوا إلى حدود بلاد الإسلام. كان السلطان لا يزال منشغلا بتدبير مهمات الأوج وتأليف أهواء الأمراء في تلك الناحية، فأرسل زكريا إلى السلطان رسولا يبلغه بألا يسلّم القلاع والبلاد، فقد تعدّى الأمر ذلك ووصل الأمراء مشمولين بالسلامة إلى التخوم كالنجوم، ولحقوا بحدود ملك الجدود، فقذف السلطان لدى سماعه هذا الخبر قلنسوة الاغتباط والسرور عاليا في هواء التوفيق. ثم فرغ من مهامّ الأوج، وسار متعجّلا نحو قونية. ذكر محاصرة غياث الدين كيخسرو بن قلج ارسلان في قونية حين علم أهل قونية بقدوم السلطان أعّدوا عدة الحرب في سترة الوفاء لابن السلطان ركن الدين سليمان شاه، وتنكّبوا عن قانون الصّلح، فحمل شيطان الغرور السلطان على أن يأمر بقطع المزارع والحدائق ببلطة الضرر وفأس البأس، وتخريب القصور والدور المحيطة بالمدينة والقريبة منها، ويشعلوا فيها النيران. فقال

стр. 55

لهم (١) السلطان قلج أرسلان إنّني أعلم أن عمّي قد وقف على قدم الانتقام وهو لن يبقي أو يحابي، وستكون نعمة كبرى لو أبقى عليّ حيّا، فلا تبددوا مصلحتكم/ بغير جدوى. فأرسلوا رسولا إلى السلطان وقرعوا باب الصلح بشرط أن يفعل مع السلطان [قلج أرسلان] ما فعله السلطان ركن الدين مع الأميرين، وأن ينصّبه ملكا على أحد الأقاليم. فإن هو أمر بصلة الرّحم، وعني بهذا الأمر أحضروا قلج أرسلان إليه، كي يشرف بالتقبيل فيحظى بالتبجيل، ومن ثمّ يدخل المليك المدينة بفأل حسن. فراق هذا الرأى للسلطان وأمر بتنصيبه ملكا على توقات حيث كان يتولاها [أبوه] السلطان ركن الدين عندما كان ملكا، وكتب منشور بذلك. وحين رأى أعيان قونية العهود والمناشير حملوا الأمير هانئ البال مسرورا إلى حضرة عمّه؛ فأرسل السلطان كلا من عز الدين وعلاء الدين للترحيب بالقدوم. وحين رأى ابن السلطان ركن الدين وجه عمه قبّل الأرض، وطلب أن يقف على قدميه معقود اليدين، فما تركه السلطان يفعل وإنما أجلسه عنده وقبّله على جبينه وأجلسه على ركبته وبالغ في استمالته، ومنحه هدية ملوكية، وأمر بأن يقيم بقلعة كاوله بضعة أيام، ينصرف بعدها سعيدا هانئا إلى توقات المحروسة.

стр. 56

ذكر دخول السلطان غياث الدين كيخسرو ابن قلج أرسلان قونية وجلوسه على عرش السلطنة وفي اليوم التالي حين طلع ملك الكواكب، دخل السلطان كأنه الشمس تحت مظلة سوداء طالما كانت ملجأ وظهيرا للعالمين- دخل مدينة قونية- التي تعدّ ساعة واحدة من الحياة فيها خيرا من ألف شهر في غيرها من البلاد- بصحبة جيوش كأنها البحر الأخضر الموّاج، وحشم كرخات المطر المتواتر، فنقل القدم من ركاب حصانه- بعد أن توقف- إلى عرش آبائه الكرام، فبلغت أنواع الأفراح أرواح الخاص والعام، واتفقت أهواء الجند والعامّة على/ محبته والولاء له: [شعر]. - حين وضع تاجا كبيرا على رأسه … ، سعد التاج به وهو أيضا سعد. - عمّر ما كان خربا في كل مكان … ، وحرّر (١) قلوب المحزونين من الحزن. وأبلغ مفروزم المنزلة العليا والمرتبة القصوى، وفوّض عز الدين كيكاوس في ملك ملطية المحروسة كما فوّض علاء الدين كيقباد في حكم مملكة دانشمند (٢)

стр. 57

بأسرها. وأرسل إلى ملوك الأطراف وسلاطينها الرسائل والمبعوثين معلنا عن مواتاة السعادة ومساعدة الإقبال. وكان الشيخ مجد الدين اسحاق قد انتقل- وقت جلاء السلطان- من بلاد الروم إلى ديار الشام. فدعاه السلطان بهذه الأبيات الرائقة: [شعر]. - صحة الذّات الطاهرة السماوية … ، هي تاج أصحاب المجلس الأخوي. - عزّ الأقران وحيد الآفاق … ، صدر الإسلام مجد الدين اسحاق. - العزيز الرفيق الأنيس … ، إن هو إلا كروح الملاك. - فليبق خالدا ليوم الحشر … ، ولتتزايد حرمته ولتعل رتبته. - لتنقطع عن كيانه أيدي الآفات … ، ولتعم عن ذاته عيون الفتن. - يا من له سيرة الولّي … ، يا من له سنّة النّبي ، لو أقول ما جرى في هذه المدة، … - وما نلته من جور الفلك الحرون ، يصبح المداد دما على سنّ القلم. … -/ أرأيت مجمع الصدور الكرام ، كيف جعله الزمان حراما، … - اختطف الملك منا ظلما ، وأسنده لا مرئ عجول لا رويّة عنده. … - لقد امتلأ قلبى- كجمشيد (١) - بغصّة ، وأصبحت في الدنيا مشرّدا،

стр. 58

- تارة في الشام وتارة في الأرمن … ، تارة أتخذ الأطلال موضعا وتارة أتخذ الدّمن، … - تارة كالحوت في البحر ، وتارة كالنّمر بالصحراء، … - تارة أتخذ ستنبول مقاما وتارة أتّخذ عسكرا (١) … ، تارة أتخذ المغرب مقاما وتارة بلاد البربر، … - ما كان لي- زمنا- بفعل الدهر إلا: السيف، وظهر الحصان، وحرب الفرنج. … - شاهدت المعارك ، أثرت الحروب … ، سدّدت الطعان ، تلقيت الضربات. … - ما كان غذائي- أحيانا- سوى الندامة والغم ، إذ استبدّ بي الحزن في أثر الصحاب. … - انقطع الصحاب عني وأبعدوا كالصقور ، وتشتتوا في الدنيا مثلي. … - ثم حين أهلّ لطف الحق بجماله ، وفت دورة الفلك أيضا. … - كنت أرى رؤى حق،/ وأخذت أرى أثر ذلك في المنام. … - وحين عزمت على الرحيل إلى بلاد الألمان (٢) جاءني مبشّر في أمان،

стр. 59

- وأخبرني بموت الخصم وفترة الملك … ، وقال: هيّا اسعد، فالملك بإزائك. -[هذه] كتب أكابر الأطراف … ، مشفوعة برسالة من خلاصة الأشراف، - قال: ما نحن جميعا إلا دعاة لك … ، انهض أيها المهدى، إنما نحن ساعون إليك. - وأخذ هاتف يدعوني كل لحظة … - على سبيل الإلهام- قائلا: عجّل وحرّك الأقدام. - فعدت إلى ساحل البحر، وما أشد ما … يثيره البحر من خوف هناك والشّتا. - مجمل القول أني قطعت البحر … ، لا أراك الله ما رأيت. - قدمت صوب برغلو … وفق المراد، وجدت ملكا. - قصد أحد المفسدين الانتقام … ، أسرج حصان الظّلم والجفاء. - ولأن الله كان معينا وحافظا وحاميا … ، فقد تضاءل موضع الجرح الكبير واضمحلّ. - وانتصر حظّنا في النهاية … ، ودانت البلاد بأسرها، -/ لزمت البلاد الطاعة لنا، ولكم … ، إنما هو اسمنا في الدنيا وهو مرادكم. - المحبوّن للخير ينصفوننا بفضلهم … ، وصدرنا مجمع أصحابنا. - هيا، فقد حان الوقت كي تنشد مكانا … هاهنا، إن كانت رأسك قد أثقلها

стр. 60

السّكر فتعال إلينا. وحين بلغت هذه اللّطائف قدوة الطّوائف سارع في القدوم وواصل السّير بالسّرى وقد زاد من أوراد الدعاء والثناء، فتحركت في السلطان أعطاف ألطافه حتى نهض استقبالا لقدومه الميمون، وبالغ في إعزاز جانبه. فأرسل الملك عز الدين لمرافقة الشيخ إلى ملطية المحروسة. وسيّر علاء الدين كيقباد مع جماعة من القضاة إلى توقات (١). وكانت قد صدرت عن السلطان بادرة عند دخول المدينة لم تلق قبولا عند أحد قطّ، وهي قتل القاضى الترمذي، وكانوا قد نصبوه بدلا للإمام أبي الليث السمرقندي. وكان السبب في مقتله ما نسب إليه من أن ممانعة أهل المدينة في وقت الحصار إنما كانت بسبب فتوى أصدرها، وقالوا إنه يقول إنه لا يجوز أن تؤول السلطنة إلى غياث الدين لما كان قد بدا منه- في السابق- من ولاء للكفّار، وأنه ارتكب ما نهي عنه الشرع في ديارهم. [لذلك استبد الغضب بالسلطان، وأمر بإنزال العقاب به] (٢)، ولشؤم إراقة دمه بغير حق لم يأكل سكان ضواحي

стр. 61

قونية ونواحيها ثمرة واحدة من المزارع والبساتين طيلة ثلاث سنوات. وفي النهاية ندم (السلطان) على ما فعل، واسترضى أهل القاضي، وطلب منهم العفو والصفح. ذكر توجه السلطان غياث الدين كيخسرو لفتح أنطاليه كان السلطان يجلس ذات يوم على العرش كعادته المعهودة وينفذ أحكام العدل، فدخل جماعة من التجّار إلى المحكمة وقد مزّقت ثيابهم، وأهالوا التراب على رؤوسهم فقالوا: أيها الملك، يا من علا نجمك، نحن جماعة من التجار عرّضنا أنفسنا للخطر طلبا لعيش العيال من وجه حلال، وقد تحمّلنا مشاقّ الأسفار، وبسبب ذلك الكسب يظل أطفالنا أصابعهم على شفاههم، وآذانهم تسترق السمع إلى قرع الباب، وعيونهم معلّقة بالطريق فلعل أبا يرى وجه ابن له أو لعل رسالة تصل من أخ لأخيه. لقد انطلقنا من ديار مصر صوب الإسكندرية، وقدمنا من هناك بإحدى السفن إلى ثغر أنطالية. فأذاقنا حكام الفرنجة العذاب وأخذوا ما كان معنا من ناطق وصامت، ما قلّ منه أو كثر بالظلم والعدوان، وسخروا منّا فقالوا: ها هوذا السلطان العادل الغازي قد جلس في قونية وبسط بساط العدل فاحملوا إليه مظلمتكم لكي يحشد الجند، فيفعل ما يشفى صدروكم (١). فأخذت السلطان رقّة لذلّتهم وافتقارهم وتأجّجت نار الحميّة فيه، فأقسم

стр. 62

بمالك الملك قائلا: لن أجلس من وقوف حتى أحصل لكم على أموالكم. فلقد ذقت مرارة الغربة، ورأيت نكاية الظالمين [شعر]: - أنا أعلم بما بكم أيها المساكين، … فما كانت قلنسوتي إلا من هذا النسيج. ثم أصدر الأوامر لأطراف الممالك لدعوة الجند، فتجمّع جند كثيرون في أقل مدة، فولّى وجهه نحو ديار الكفار بجيش جرّار مؤيدا بفضل الخالق. وبعد أن طوى بضعة مراحل معدودة، وصل/ إلى تلك الحدود، فأحاط بدائرة أنطالية من كل صوب جنود لديهم من القدرة والشجاعة ما يمكّنهم من الدخول إلى فم الأسد عند اقتحام المهالك وكأنّهم دائرة السّوء، ونصبوا المجانيق، وظلّوا شهرين متتاليين يقارعون ويحاصرون من الفجر حتى العشاء. ولأن رجال السور لم يتسرب إليهم أي نوع من الفتور، أمر السلطان بالبدء في الرمي بالسهم والقوس عوضا عن الرّمح والسّيف، وأن لا يجعلوا فرنجيا يأمن أن يتمكن من أن يلقي نظرة على مغاوير القتال من شرفات القلعة، وأن يباشر الأبطال المجرّبون الحرب، وأن ينصبوا السّلالم على القلعة، ويتبين منهم عيار الرجولة على محكّ الامتحان. وحين بلغ هذا الأمر مسامع كتائب الجند ثاروا دفعة واحدة كأنهم الجراد والنّمل، وفي أقل من ساعة واحدة نصب على كل بدن من السلالم ما كان قرينا لأوج الفلك من فرط الطّول. وكان أول من وضع قدم الصدق وحقّق الظفر رجلا يدعى حسام الدين يولق ارسلان من جند قونية القدماء، فقد قفز بسفيه ومغفره ورداء القتال الذي يرتديه على قلعة من الحجارة كأنه النّمر،

стр. 63

وألقى بنفسه بين الفرنج، فبعث عدة أفراد منهم إلى سقر، وترك الباقون القرار وأخذوا طريق الفرار. ولم يلبث مغاوير الجند أن صعدوا إلى القلعة من كل ناحية مع سيوف من الحديد كأنها الريح التي تقطع صدر الجبل، ونصبوا علم السلطان على شرفات القلعة، ثم نزلوا من بعد ذلك إلى المدينة، وباندفاع كاسح كسروا الأقفال بضرب الرمح والعمود وفتحوا الباب. ودخل باقي العساكر المدينة كالعقبان الكواسر. ولأن الفرنجة كانوا وقت الحصار قد أطالوا ألسنتهم بما لا يليق، أمر السلطان بالقتل العام ثلاثة أيام، وأن يبقى بساط أحمر مفروشا مدة طويلة (١) على بحر أخضر بدماء الكفّار، وأن تتهيأ للطّيور والأسماك/ وليمة لائقة من أشلاء أولئك الجفاة وجيفهم، ثم أمر بعد ذلك أن يجعلوا السيوف من الرقاب في القراب، وأن يخاطبوا أولئك المذعورين- وهم بقايا السيوف- بالسّبي والنّهب، فظلت أمواج النّهب وبحار الغارات في تلاطم وتصادم خمسة أيام أخرى، وفي اليوم السادس منح السلطان إمارة أنطالية لمبارز الدين أرتقش- وكان من خاصّة غلمان السلطان، وكان ملازما للركاب السلطاني في أيام الغربة، وقد حدثت هذه الحكاية والفتح في شعبان سنة ثلاث وستمائة. ثم أمر بأن يدخل مع حشمه المدينة ويعطى الأمان. وأقام السلطان هناك مدّة حتى تم ترميم الثّغرات التي كانت قد حدثت في القلعة وقت المحاصرة، ثم نصب قاضيا وخطيبا وإماما ومؤذنا ومنبرا ومحرابا، وبعد الاحتياط التام لوى العنان

стр. 64

صوب العاصمة قونية. وحين ابتعد مرحلة في الطريق عن السّواحل أمر نوّاب إيوان السلطنة بالإقامة في منطقة دودان وتحصيل أخماس الخاصّ (السلطاني)، ودعا إليه التجار الذين كانوا قد تظلموا وظلّوا ملازمين في المعركة وكان مركبهم من الإصطبل الخاصّ ومأكلهم من المطبخ الخاصّ، وطلب قائمة بالأموال (والمتاع والقماش) (١) لكي يأخذوا منها ما هو موجود في غنائم الجند (٢)، وكتب أمرا إلى الأمير مبارز الدين أن يطلب الباقي هناك ويتم تحصيل ما يبقى مفقودا من مال (السلطان) الخاص. إذ كان رفع مظلمتهم هو سبب ذلك الفتح، وما صارت الكسرة على العدو إلا لجبر حالهم. والتحق السلطان- وقد تحقق له ما أراد- بقونية. هكذا ينبغي على العظماء أن يفعلوا ما فعل. ذكر عزيمة السلطان لغزو بلاد الروم والترقي من ثمّ إلي درجة الشهادة حين رجع السلطان من غزو ثغر أنطالية، وانضمت تلك المملكة الجديدة لسيطرة مماليك السلطنة القدماء، وضع جبابرة الدهر وكبار أهل العصر رؤوسهم على خط أوامره [التزاما بها] وأقدامهم على جادة عهده وميثاقه؛ فلم يكن يجول بخاطر أى إنسان أن تنحلّ عقدة تلك الدولة وتزول شمس تلك السعادة. غير أن لاعب القدر أظهر ألعابا غريبة من وراء الستار وبيّن نقوشا عجيبة حتى

стр. 65

تحركت نواهض الهمّة وبواعث العزيمة عند السلطان لغزو بلاد الروم المسماة ب لشكري (١). وسبب ذلك- كما سبق أن ذكرنا- أنه كان يمنع السلطان من دخول بلاده أو الخروج منها لديار الإسلام. ولما تمكن [السلطان] (٢) على عرش السعادة والإقبال في هذا الوقت أخذ يتلكأ ويتمهل ويتباطأ في إرسال الإتاوات وارتسام الأوامر والخدمات. وذات يوم اختلى السلطان بأركان الدولة واستطرد في الحديث عن تدارك أمر لشكري، وقال إن لم نبادر بالهجوم لدرء فضوله وغروره فقد يؤول الأمر إلى خلل عظيم (٣). قال أكابر الدولة إن نقض العهود مذموم، وعاقبته شوم واليمين الغموس يدع البلاد بلاقع، ولا يمكن أن يكون لهذا الفكر من نتيجة سوى خراب الدّيار واضطراب أحوال الدولة، إلا أن طريق الوعد والوعيد لم يغلق في هذا الصدد، وينبغي إرسال الرسل والإعراب عن العتاب البليغ والإلحاح في المطالبة، فإن جاء من طريق الاستغفار مبديا الاعتذار وجب أن تتلى حينذاك الآية الكريمة: «لا تثريب عليكم اليوم» (٤)، أما إن أصر على النّفاق والشّقاق فينبغي أن نجعل من قول القائل/ آخر الدواء الكيّ حجة وبرهانا. وهنا قال السلطان:

стр. 66

ووضع النّدى في موضع السّيف بالعلى … مضرّ كوضع السّيف في موضع النّدى (١) فلا يفيد عسل العنّاب السكّرى حيث تلزم جراحة مبضع المثقّفات الهندى سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢). فأرسل الأوامر إلى أطراف البلاد وحرّض أمراء الجند كبيرهم وصغيرهم على نيّة (٣) الغزاة والجهاد، واستجابة للأمر الأعلى حضر إلى المعسكر العام للجيش كافة المقاتلين والضبّاط والقادة مع عدد كبير من الأتباع والأنصار وهم على أهبة الاستعداد، وساروا- على هيئه يطيح لهيبتها الأسد القابض على الأرض بمخالبه والنّسر المستولي على الآفاق بجناحيه- في ركاب السلطنة المعظّم. وحين وصلوا إلى حدود آلاشهر وهى من معظمات بلاد الرّوم- كان الجواسيس قد أبلغوا لشكري بتحرّك الرايات السلطانية فأرسل برسائل الاستغاثة إلى القبائل والعشائر وحكّام البلاد والجزائر وجمع جيشا بعدد الرمل والنّمل والمطر والحصى مما لا يعدّ ولا يحصى، وتوجه لقتال جيش الاسلام بتعبئة كاملة. فهاج جند السلطان من هذه الناحية كالبحر المائج، وكان السلطان قد وقف في القلب كالشمس المنيرة قد لبس لأمة الحرب كأنها الياقوت

стр. 67

البدخشى (١)، وعلق بساعده قوسا ذا بأس شديد كقلب الشباب وشدّ على وسطه سيفا مرصّعا بالجواهر قاطعا كأنّه دموع العاشقين، قد امتطى حصانا في قوة فيل بوسعه عبور النيّل بوثبة، يحدث ثغرة في السّبع الشداد بقفزة واحدة، ويقيم وقت الركض أرضا أخرى في السماء بتراب حوافره. / وحين شاهد (السلطان) تطاول الرّمح وتعدّى السهم ووقاحة الدّرع وسلاطة السّيف وخشونة السّنان وملامة العمود الثّقيل سلّ حسام الإباء لقطع الدعاوي وفصل الخصومات، ووصل وسط المعركة إلى قلب العدو فرأى لشكري واقفا، فامتنع عن مهاجمته بالسيف، وأمسك بسنان مستقيم فأراه منذ الضربة الأولى وجه الطامة الكبرى، وأطاح به من فوق ظهر الحصان إلى الأرض، وقال مخاطبا له على سبيل الخطاب: أي كندوس (٢)، (يعني أيها الوغد). وطلب عبيد الخاصّة السلطانية أن يفصلوا رأسه عن جسده، فحال السلطان دون ذلك، وأمر أن يضعوه فوق ظهر الحصان مرة أخرى ويطلقوه. وحين علم جيش لشكري ما حل بالملك من مصيبة انهزموا، وبحكم القدر انفصل كلّ الحرّاس والمفاردة عن السلطان، وشغلوا بسلب الأسلاب. وفجأة قابل فرنجي مغمور السلطان، فلم يلتف إليه باعتباره منصورا بالحشم. [ولم

стр. 68

يستخدم السلاح لزجره ودفعه] (١). فلما مرّ بالسلطان عطف عليه فجأة وبعث بروحه اللطيفة إلى الفردوس بضربة من حربته، وجمع عدّته وسلاحه وملبوسه وقدم على لشكري مع كوكبة من جيش [الروم الذى كانوا قد رجعوا منهزمين] (٢). فلما رأى لشكري ذلك اللباس عرفه في الحال، فسأله: من أين جئت بهذا الملبوس؟ أجاب: سلّمت صاحبه لرضوان. قال لشكري: أيمكنك الآن أن تتجه إلى ذلك المقتول وتأتيني بجثّته قال: أستطيع. فأرسل بضعة أشخاص من شجعان الجند معه ليحملوا القالب المطهّر للسلطان، ويذهبوا به إلى لشكري. فلم رآه شرع في البكاء والعويل، وأمر بسبب هذه الحالة بأن يسلخوا جلد الفرنجي وهو حي. وحين نما إلى علم الأمراء وقادة العسكر أن السلطان نال درجة الشهادة/ ظلوا حيارى قد طار صوابهم، وعدّوا الهزيمة غنيمة، وبدا في جيش لشكري انتعاش وارتياش (٣)، فوقعوا في إثر المنهزمين من أهل الإسلام، فهلك خلق كثير في تلك الملاحم بعضهم بالقتل وبعضهم الآخر بالغرق وجماعة بالخسف في الأوحال والمخاضات، [وأسروا جماعة من كبار الأمراء مثل آينه چاشنى كير وغيره] (٤)، وحملوه أسيرا إلى لشكري، وحين وقع نظر آينه على جثة

стр. 69

السلطان المباركة صرخ وصاح، وأخذ يتمسح بتراب قدم السلطان. فأمر لشكرى بفكّ قيوده، وقدّم له الغزاء. ومع أن السلطان كان قد نال درجة الشهادة فقد طيبّوه بالمسك وماء الورد، ودفنوه في مقابر المسلمين برسم العارية، ثم حملوه إلى «قونية» بعد انقشاع غمام الواقعة وسلّموه إلى رضوان في مقبرة آبائه وأجداده. ***

стр. 70

ذكر سلطنة السلطان عز الدين كيكاوس ابن كيخسرو والفتوح التي تحققت في أيامه في سنة ٦٠٨ حين اختتم كتاب أجل السلطان بالشّهادة، وانطلق من سبيل الجهاد إلى عرصات المعاد، وانخرط في سلك «أولئك هم الصدّيقون والشّهداء عند ربهم» (١) اجتمع أركان إيوان التّدبير وحفظة شرف التّاج والسّرير فقدحوا قداح الاستخارة وزناد الاستشارة؛ واستصوبوا أن يتم الاقتراع على اختيار أى من الملوك الثلاثة: «عزّ الدين كيكاوس» و «علاء الدين/ كيقباد» و «جلال الدين كيفريدون» فيسلّموا واحدا من هؤلاء الأمراء الملكيّين الثلاثة تاج الملك وسدّة الحكم. فأشار الأمير نصرة الدين [الحسن بن ابراهيم] ملك «مرعش» - وكان طومار ذكر «حاتم الطائي» قد طوي في عهد سخائه، قد زيّن بعظمة «أفريدون» (٢) وجلال «كسرى» - أشار إلى «عز الدين كيكاوس» - باعتباره أكبر الأولاد وأكرم ملوك ذوى الأوتاد. فاتفقوا جميعا على استحسان هذا الاختيار (٣) وانصرفوا مسرعين من قونية إلى قيصريّة، وجاءوا بالملك من ملطيّة إلى قيصريّة في خمسة أيّام، بل أقلّ. فخرج قادة البلاد وهم بملابس العزاء حتى «كدوك» لاستقباله، وأدخلوه المدينة في أكمل أبّهة، وأجلسوه على العرش. وبعد ثلاثة أيام خلع الخلع على الجميع وشرّفهم بتقبيل يده، وجدّد العهود

стр. 71

وقرّر المناصب. وما إن عزموا على التوجّه إلى العاصمة «قونية» حتى سمعوا فجأة بأن الملك علاء الدين قد ولّى وجهه شطر هذه الديار، فبهتوا جميعا، وتملّكهم الإحباط واستبدّ بهم العجز. ***

стр. 72

ذكر محاصرة علاء الدين كيقباد «عز الدين كيكاوس» في قيصرية حين سمع الملك علاء الدين كيقباد بخبر وفاة أبيه، دعا إليه مغيث الدين طغرلشاه ملك «أرزن الروم» - وكان عمّه وبينهما صلة نسب- كما أرسل الرّسل إلى «ليفون تكفور» واختار له «قيصريّة»، وسلك «ظهير الدين إيلي» بالوعود الجميلة في سلك مؤيّديه، واجتمع له من كل صوب جيش حاشد، واتّجه صوب قيصريّة، وثبت لمحاصرة أخيه، وانقضت مدّة طويلة في تلك المحاصرة، وهلك أمراء مشهورون من الجانبين/ وتسّرب العجز والاضطرار لأهل القلعة، واستولى الملل على المزاج اللطيف للسلطان. وبمقتضى ما كان قد جرى في السابق من عهود بين السلطان وظهير الدين [پروانه]، وما أبداه من عناية بالغة في حقه، وما كان يشهده من حال يخالف الآمال، ويرى جفاء محل الوفاء، كتب هذا «الدوبيت» - من إملاء قريحته الشعرية الموزونة- على ورقة الشكوى، وأرسل بها في الخارج عند پروانه، (شعر): أنا شمع، ذهب جسدي بسرّ القلب … ما افترّ ثغري، ليلة، إلّا عن بكاء پروانه الذى قال: ما أنا لك إلّا رفيق الغار … حتى هو، رضي بضرب عنقي واستدعى [السلطان] «مبارز الدين جاولى چاشنگير» (١) - و «زين

стр. 73

الدين بشارة» أمير آخور (١) «ومبارز الدين بهرامشاه» أمير المجلس، وكانوا يلازمونه في «ملطية» - وقال: يتراءى لي أن نفتح باب المدينة في منتصف اللّيل، وندفع بكل قوّتنا إلى الخارج مهاجمين ونلقي بأنفسنا إلى «قونية»، فندخل الصّيد المنشود إلى الشّباك بدعم من أمراء وعساكر «الأوج». وحين نما هذا الأمر إلى علم جلال الدين قيصر، وكان حاكم قيصرية وشحنتها وكان موضع ثقة السلطان الشّهيد وإعزازه لما كان يتمتّع به من دهاء وذكاء شديدين، أبدى تعلّة، وذهب إلى حضرة السلطان حين أقبل الليل، وطلب الخلوة، ثم قال: سمع الخادم أن مثل تلك الفكرة غير الصّائبة قد عرضت بخاطر ملك العالم، ويتعيّن ألا تعودوا لذكر مثل هذه الفكرة المفضية إلى انعدام الصّلاح وفقدان الفلاح. وقد راودت خادمكم هذا فكرة لو تم تنفيذها لانحلت العقدة على النحو المطلوب. فسأل السلطان: وما هي الفكرة؟ قال: لو أتعب السلطان نفسه واتجه إلى الحريم السلطاني/ وأتى لي خفية بحلية ثمينة من حلي النساء لكي أضعها الليلة حيث يتيسّر بها المطلوب. فدخل السلطان الحريم، وأخذ من أخته شقّة مما تضعه النسوة على رؤوسهن يقدر ثمنها بإثني عشر ألف دينار ذهبي. وأعطاها لجلال الدين قيصر. فخرج من المدينة في جنح الليل ومعه أحد الغلمان، وقال لحارس الباب: ترقّب عودتي، فإن سمعت صوتي افتح الباب. وانطلق إلى المعسكر الذي تعسكر فيه قوات ليفون، بحكم ما كان بينهما من صداقة. وحين بلغ طليعة جيش ليفون قال: أبلغوا تكور أن جلال الدين قيصر

стр. 74

شحنة «قيصرية» يطلب الإذن باللّقاء. فأبلغوه في الحال، فقابله «تكور» وبالغ في تعظيمه. قال جلال الدين إن عندي لك أمرا دقيقا جللا، أعرضه عليك إن خلا المكان. فأمر تكور بإخراج جملة الخدم من الخيام. قال جلال الدين: معلوم لتكور أن لا شركة له بأي وجه من الوجوه في ملك السلاجقة، فلا يلزمه أن يتعب نفسه، ويصبح شباكا لصيد يصيده غيره. فإذا كان الملك هو مغيث الدين (١) ويطلب ملك أخيه، ويريد الملك علاء الدين أن يحل محلّ أبيه، فلست أدري ما شأن تكور؟. إن الخادم من فرط محبّته للمصلحة يرى أن ينأى بنفسه عن هذه الورطة غير المفيدة، ويعمد إلى الحفاظ على ملكه وحكمه. ثم قدم له تلك الشّقّة المرصعة بالجواهر، وقال: هذه ثمنها اثنا عشر ألف دينار مصري أقدمها لك فداء لكي تجعلنا آمنين من بأسك. فإذا ما ارتحل جيشك، فإنني أتعهد إن استقر الملك/ للسلطان عزّ الدين كيكاوس بأن يرسل اثني عشر ألف مدّ من الغلال بصفة مخزون احتياطي لقلاع الأرمن، ويتعّهد السلطان أن لا يلحق بملك تكور أذى بأي وجه من الوجوه طيلة مدّة سلطنته طالما ظلّ تكور وفّيا لعهوده، وأن تتدعّم الصداقة بتجدّد الأيام. وحين سمع «تكور» هذا الكلام ورأى تلك التّحفة المرصّعة بالجواهر قبل النصائح المعقولة، وقال: إنما يطمئنّ بالي حين يذهب أحد الأمناء عندي إلى السلطان فيحلف على ما قلت برمّته، ويكتب ميثاقا. [قال جلال الدين يتعين

стр. 75

أولا على تكور أن يعهد عهدا ويكتب ميثاقا] (١) ويرسله على يد رسوله في صحبتي. ففعل تكور مثل ما قال. وولّى جلال الدين وجهه صوب المدينة يرافقه رسول تكور. فلما وصل إلى حضرة السلطان، بشّر السلطان بحصول المقصود، وأذن السلطان لرسول تكور بتقبيل يده، فقصّ عليه ما جرى. فأخذ السلطان القلم بيده وخط بالخط الأشرف ميثاقا، وصرف الرسول في جنح الليل. ولما رأى تكور الوثيقة وأبلغه الرسول بمشافهات السلطان، أمر قادة خدمه وحشمه بإعداد العدة للرحيل خفية دون ضجيج، حتى إذا ما تجاوزوا حدود «دولو» عند الغسق وضعوا الأحمال على الإبل وانطلقو بأجمعهم منصرفين، وعند انبلاج الصبح كانوا قد لحقوا بتخوم الأرمن. وفي صباح اليوم نفسه أبلغ مغيث الدين طغرلشاه وعلاء الدين كيقباد أن معسكر تكور قد خلا من الخيام «كدار ما بها أدم»، فذهب التفكير بكل واحد منهم مذهبا من هذا الحدث العجيب، وخاف بعضهم بعضا- كالذئاب- فتفرقوا أيدي سبا بحيلة جلال الدين قيصر الثعلبية الماكرة. وظنّ الملك علاء الدين أن تلك الطوائف قد اتفقت مع أخيه قلبا وقالبا وأنهم يريدون أن يزجّوا به في قيد عقال أخيه أسيرا. وقال مغيث الدين: سوف يفتك بي إخوة [السلطان] بسبب ملك أرزن الروم (٢)./ وفي اللّيلة التّالية سلك بدوره طريق الانهزام على مناكب الظّلام. وارتفعت أصوات الطّبول من المدينة برحيل خيل المحاصرين، ولما لم تكن بالملك علاء الدين قدرة على المقاومة سلك طريق «أنكورية» واستولى عليها، واستظهر بما تتمتّع به من مناعة وحصانة.
следующие страницы →