← Сира

Сира · id 122255

أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (602 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

موهب، فقال: عن أم سلمة). ــ بالصفرة» (١) فهذا دليل مذهبنا، أن الخضاب بغير السواد سنة، ويوافقه خبر أبى داود: مرّ رجل على النبى ﷺ قد خضب بالحناء فقال: «هذا أحسن» فمر آخر خضب بالحناء والكتم، فقال: «هذا أحسن» فمر آخر خضب بالصفرة، فقال: «هذا أحسن من هذا كله» (٢)، وما فى الصحيحين: أنه لما جىء بأبى قحافة يوم الفتح للنبى ﷺ ، ورأسه، ولحيته كالثغامة بياضا، فقال النبى ﷺ : «غيروا هذا بشىء، واجتنبوا السواد» (٣) قول القاضى عياض منع الأكثرون الخضاب مطلقا، وهو مذهب مالك لما روى من النهى عن تغيير الشيب، ولأنه ﷺ لم يغير شيبه، فأجاب عنه النووى: بأن ما مرّ عن ابن عمر وغيره، لا يمكن تركه ولا تأويله، قال فالمختار: أنه ﷺ صبغ فى وقت، وتركه فى معظم الأوقات، فأخبر كلّ ما رأى، وهو صادق، وهذا التأويل كالمتعين للجمع به بين الأحاديث، ومذهبنا: ندب خضب الرجل والمرأة بنحو حمرة، أو صفرة، وتحرم عليها خضابه بالسواد، إلا الرجل لحاجة الجهاد، وقيل: يكره (٤). (موهب) بفتح الهاء، قيل: وكسرها ورد بأنه سهو.

стр. 107

٤٦ - حدثنا إبراهيم بن هارون، قال: أنبأنا النضر بن زرارة، أنا أبى جناب، عن إياد بن لقيط، عن الجهذمة امرأة بشير ابن الخصاصية (١). قالت: «أنا رأيت رسول الله ﷺ يخرج من بيته ينفض رأسه، وقد اغتسل، وبرأسه ردع من حنّاء. أو قال: ردغ. شكّ فى هذا الشّيخ». ــ ٤٦ - (زرارة) بزاى وراءين. (بشير) بفتح أوله سماه به النبى ﷺ تغييرا لاسمه زخما (أنا) قدمت أسند إليه ليفيد تفرده بهذه الرواية، (جناب) بجيم مخففة ثم موحدة بوزن سحاب، وفى نسخ: جباب بمعجمة فموحدة، وفى أخرى: خباب بمهملة فموحدة وخاء خلاف الصواب. (الخصاصية) بخاء معجمة وصادين مهملتين وتحتية مخففة اسم أمه، وهى صحابية، وخطأ صاحب القاموس تشديدها ردا على ابن الأثير وغيره، لأنه ليس فى كلام العرب فعّالية بالتشديد، وفى التخطئة بذلك نظر لأن هذا من الأعلام وقد يقع

стр. 108

٤٧ - حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا عمرو بن عاصم، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا حميد، عن أنس، قال: «رأيت شعر رسول الله ﷺ مخضوبا» قال حماد: وأخبرنا عبد الله بن محمد ابن عقيل، قال: «رأيت شعر رسول الله ﷺ عند أنس بن مالك مخضوبا». ــ فيها ما لا يوافق الأوزان المعروفة (١). ثم رأيت بعضهم ذكر نحو ذلك، فقال ما حاصله: الذى لم يوجد مشددا الخصاصية مصدرا، أما إذا كان الأصل بالخصيص أى الفقير، والياء بالنسبة، فلا مانع منه، لأن التعويل فى ذلك على النقل لا العقل، عن أم سلمة أى بدل أبى هريرة فى الطريق الأولى، وزعم شارح خلاف ذلك، وفيه صرف اللفظ عن ظاهره بمجرد الرأى، ولا مدخل له هنا. (ردع) بمهملتين مع سكون الأولى وفتحها (٢) أو قال: (ردغ من حناء) بالمد وهو اللطخ من نحو الحناء والزعفران إذا لم يعم كل المحل، أما الردغ بالمعجمة وفتح الدال المهملة وسكونها أيضا فهو الطين والوحلة، وقال جماعة: هو بالمهملة الصبغ وبالمعجمة الطيب الكثير قيل: الذى وسخ (٣). ٤٧ - (عبد الله بن عبد الرحمن) أبو محمد الدارمى الحافظ المتقن صاحب المسند أخرج له المصنف فى «مسنده»، وأبو داود، نسبة لبنى دارم قبيلة. (الشيخ) يعنى شيخه المذكور أول المسند وفى بعض التصريح باسمه هنا أيضا. (مخضوبا) مرّ فى الأحاديث الصحيحة عن أنس. «أنه ﷺ لم يختضب» ولعل أنسا أراد بالنّفى الأكثر من أحواله، وبالإثبات إن صح عنه الأقل منها.

стр. 109

٧ - باب: ما جاء فى كحل رسول الله ﷺ ٤٨ - حدثنا محمد بن حميد الرازى، حدثنا أبو داود الطيالسى، عن عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبى ﷺ قال: «اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر، وينبت الشّعر». وزعم «أنّ النّبىّ ﷺ له مكحلة يكتحل منها كلّ ليلة ثلاثة فى هذه وثلاثة فى هذه». ــ (باب ما جاء فى كحل رسول الله ﷺ ٤٨ - روى أحمد وابن ماجه الخبر مثل ما رواه المصنف فى الحديث الأول. (عباد) بمهملة فموحدة مشددة. (بالإثمد) أى دوموا على استعماله وهو حجر الكحل المعروف، وقيل: كحل أصبهانى أسود. (يجلو البصر) أى يدفع الجواد الرديئة المنحدرة من الرأس إليه. (وينبت الشعر) أى هدب العين لأنه يقوى طباقها. (وزعم) الضمير لابن عباس، كما هو ظاهر من السياق، فلا يزاد بالزعم موضوعه المتبادر منه، لأنه قد يستعمل بمعنى قال، كقول أم هانئ عن أخيها علىّ للنبى ﷺ يوم الفتح: زعم ابن أمى أنه قاتل فلان وفلان، لاثنين من أصهارها أخبرتهما، أو لمحمد بن حميد على ما حرره بعضهم وح فالزعم باق على معناه إلى ضعف حديثه، بإسقاط الوسائط بينه وبين النبى ﷺ . (كل

стр. 110

٤٩ - حدثنا عبد الله بن الصباح الهاشمى البصرى، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن عباد بن منصور. (ح) وحدثنا على بن حجر، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا عباد بن منصور، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: «كان رسول الله ﷺ يكتحل قبل أن ينام بالإثمد ثلاثا فى كلّ عين». وقال يزيد بن هارون فى حديثه: «إنّ النّبىّ ﷺ كانت له مكحلة يكتحل منها عند النّوم ثلاثا فى كلّ عين». ٥٠ - حدثنا أحمد بن منيع، أخبرنا محمد بن يزيد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن جابر-هو ابن عبد الله-قال: قال رسول الله ﷺ : ــ ليلة) حكمة كونه فى الليل أنه أبقى فى العين وأمكن فى السراية إلى طبقاتها. (ثلاثة) متوالية. (فى هذه) أى اليمنى. (وثلاثة) كذلك (فى هذه) أى اليسرى وآثر الثلاثة رعاية للأوتار، ومن ثمة روى أبو داود «من اكتحل فليوتر» (١)، ولأنه متوسط بين الإقلال والإكثار وخير الأمور أوساطها ٤٩ - (ح وحدثنا) جرت عادة المحدثين أنه إذا كان للحديث أكثر من إسناد كتبوا صورة «ح» مفردة بعد انتهاء الأول وابتداء الثانى، وهكذا إشارة إلى القول من إسناد آخر، وينطق القارئ بلفظها ويقول «ح» بالقصر، والمغاربة يقولون عندها: الحديث، وبعضهم يكتب بدلها «صح».

стр. 111

«عليكم بالإثمد عند النّوم، فإنّه يجلو البصر وينبت الشّعر». ٥١ - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، وينبت الشّعر». ٥٢ - حدثنا إبراهيم بن المستمر البصرى، حدثنا أبو عاصم، عن عثمان بن عبد الملك، عن سالم، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالإثمد فإنّه يجلو البصر، وينبت الشّعر». ــ ٥١ - (خثيم) بخاء معجمة فثاء مثلثة. ٥٢ - (المستمر) اسم فاعل من الاستمرار. (عليكم) اسم فعل بمعنى الزموه، وهو للندب إجماعا. ...

стр. 112

٨ - باب: ما جاء فى لباس رسول الله ﷺ ٥٣ - حدثنا محمد بن حميد الرازى، حدثنا الفضل بن موسى، وأبو تميلة، وزيد بن حباب، عن عبد المؤمن بن خالد، عن عبد الله بن بريدة، عن أم سلمة، قالت: «كان أحبّ الثياب إلى رسول الله ﷺ القميص». ــ (باب ما جاء فى لباس رسول الله ﷺ ٥٣ - (تميلة) بفوقية مضمومة ففتح فسكون ففتح. (حباب) بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة (أحبّ) اسم كان كما هو المشهور وروى بنصبه خبرا لها، ورجح بأنه وصف فهو أولى بكونه حكما، وإما بترجيحه بأنه أنسب بالباب المنعقد، لإثبات أقوال البابين، فكان جعل القميص موضوعا وإثبات الحال له أولى من عكسه سهو، لأن ذلك إنما يقال لو كان المبوب هو الناطق كان ومعمولها، أما إذا كان الناطق بذلك أم سلمة، فلا يتأتى هذا التوجيه.

стр. 113

٥٤ - حدثنا على بن حجر، حدثنا الفضل بن موسى، عن عبد المؤمن بن خالد، عن عبد الله بن بريدة، عن أم سلمة، قالت: «كان أحبّ الثياب إلى رسول الله ﷺ القميص». ٥٥ - حدثنا زياد بن أيوب البغدادى، حدثنا أبو تميلة، عن عبد المؤمن بن خالد، عن عبد الله بن بريدة، عن أمه، عن أم سلمة، قالت: «كان أحبّ الثياب إلى رسول الله ﷺ لبس القميص». ــ ٥٥ - يلبسه حال من الإشعار لأجله يحب أى يحبه المشبه له لا لنحو إهدائه (القميص) لأنه أستر للبدن من الإزار والرداء فهو أحبها إليه لسياق «الحبرة أحبها إليه» كما يأتى، أى رداء، فلا تنافى بين الحديثين، إذ ذاك لوصفه وهيئته، وهذه لجنسها ولطافتها، إذ ذاك أحب المخيط، وهذا أحب غيره، وأخرج الدمياطى «كان قميص رسول الله ﷺ قطنا قصير الطول والكمين» (١) وفى القاموس: القميص معلوم، وقد يؤنث، ولا يكون إلا من القطن، وأما من الصوف فلا (٢)، وكأن حصره المذكور للغالب، وبه يعلم أن القميص الذى كان الأحب إلى رسول الله ﷺ هو المتخذ من القطن لا الصوف، لأنه هو الذى يؤذى البدن، ويدر العرق، ورائحته يتأذى بها، وهو أصح حاصل ما أشار إليه الترمذى أى فغير واحد روى عن عبد المؤمن، فإنه روى هذا الحديث، عن أبى بريدة عن أمه بريدة، عن أم سلمة، وأن هذه الرواية التى فيها زيادة أمه أصح من رواية إسقاطها، واحتاج الترمذى لقوله هكذا قال، زيادة آه مبالغة فى الإيضاح والبيان لكون تلك الزيادة مقصودة. قال فى جامعه بعد رواية هذا الحديث: إنه حسن غريب تفرد به عبد المؤمن.

стр. 114

٥٦ - حدثنا عبد الله بن محمد بن الحجاج، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنى أبى عن بديل-يعنى: ابن ميسرة-العقيلى، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: «كان كمّ قميص رسول الله ﷺ إلى الرّسغ». ــ ٥٦ - (معاذ) بضم الميم. (بديل) بضم الموحدة وفتح المهملة وسكون التحتية-يعنى ابن صليب-، ردّ به على من زعم أنه ابن ميسرة بفتح فسكون التحتية ففتح المهملة، لكن انتصر بعضهم لهذا الزاعم، بأن ما قاله هو الصواب (١). (العقيلى) بضم العين. (إلى الرسغ) بالصاد عند أبى داود والمصنف وبالسين عند غيرهما وهما لغتان صحيحتان وهو منتهى الكفّ عند المفصل وحكمة الاقتصار عليه أنه متى جاوز إليه شق على لابسه ومنعه سرعة الحركة والبطش، ومتى قصر على الرسغ، تأذى الساعد ببروزه للحر والبرد، فكان جعله إلى الرسغ أمرا وسط، وخير الأمور أوساطها، ومن ثمة كان الأولى لنا نجرى ذلك فى أكمامنا ولا ينافى هذه الرواية أسفل من الرسغ، لاحتمال أن يكون له قمصان أحدهما: إلى الرسغ، والآخر أنزل منه، والمراد بذلك التقريب لا التحديد.

стр. 115

٥٧ - حدثنا أبو عمار-الحسين بن حريث-حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير، عن عروة بن عبد الله بن قشير، عن معاوية بن قرّة، عن أبيه، قال: «أتيت رسول الله ﷺ فى رهط من مزينة لنبايعه، وإنّ قميصه لمطلق-أو قال: زر قميصه مطلق-قال: فأدخلت يدى فى جيب قميصه فمسست الخاتم». ــ ٥٧ - (قرة) بضم القاف وفتح الراء المشددة. (فى) بمعنى مع كقوله تعالى: اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ. (رهط) بسكون الهاء وقد تحرك اسم جمع لا واحد له من لفظه وهم عشيرة الرجل وأهله ومن الرجال ما دون العشرة وقيل: إلى أربعين، وفى القاموس من ثلاثة إلى عشرة أو ما دون العشرة ولا ينافى التعبير بالرهط رواية أنهم أربعمائة، لاحتمال أن الأربعمائة تفرقوا جماعات وأن قرة كان فى جماعة قليلة منهم. (مزينة) قبيلة وأصله اسم امرأة (١). (قميصه) قيل: على حذف مضاف للتصريح به من الكلمة الأخرى الآتية انتهى، ولا يحتاج لذلك، بل يقال: قميص مطلق أى: غير مزرورة أزراره (مطلق) أى غير مزرورة (أو) للشك من مغايرة (٢)، فيه: حل لبس القميص، وحل الزر فيه، وحل إطلاقه وسعة الجيب بحيث تدخل اليد وأن طرفه كان مفتوحا بالطول، لأنه الذى تتخذ له الأزرار عادة، وإدخال اليد من حق الغير لمس بدنه تبركا وكمال شفقته ورأفته وتواضعه ﷺ (فمسست) بكسر السين الأولى وفتحها، وحكى كخلت (الخاتم) أى خاتم النبوة، والظاهر أن قرة كان يعلم الخاتم، وأنه إنما قصد بذلك زيادة التبرك به، فلأجل ذلك اغتفر ﷺ له هذا الفعل، الذى تقتضى العادة بالانفكاك عنه فى الكبير بحضرة الناس.

стр. 116

٥٨ - حدثنا عبد بن حميد، حدثنا محمد بن الفضل، حدثنا حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك، قال: «إن النّبىّ ﷺ خرج وهو يتّكئ على أسامة بن زيد، عليه ثوب قطرى قد توشّح به، فصلى بهم». قال عبد بن حميد، قال محمد بن الفضل: سألنى يحيى بن معين عن هذا الحديث أول ما جلس إلىّ، فقلت: حدثنا حمّاد بن سلمة، فقال: لو كان من كتابك، فقمت لأخرج كتابى، فقبض علىّ ثوبى ثم قال: أمله علىّ فإنى أخاف أن لا ألقاك، قال: فأمليته عليه ثم أخرجت كتابى فقرأت عليه. ــ ٥٨ - (يتكئ) أى لكونه متكئا. (عليه ثوب) جملة حالية من ضمير خرج أو يتكئ بناء على ما ذهب إليه جماعة من النحاة أنه يكنى فى الجملة الاسمية الواقعة، ولا ضمير فيها يرجع لصاحب الحال، وهذا الحديث يؤيدهم وكأن الجمهور لم يطلعوا عليه وجعلوا من تغيير بعض الرواة لكن هذا لا يصار إليه، وإلا لارتفعت الثقة بسائر الروايات، ولم الاستدلال بحديث نظرا لذلك الاحتمال. (قطرى) بكسر القاف فسكون ضرب من البرود فيه حمرة وأعلام مع خشونة، وقيل: من حلل جياد يحمل من البحرين، إذ فيها بلد اسمها قطر بالتحريك فكسر (١)، والياء للنسبة، وسكنوه على خلاف القياس. (توشح به) أى تغشى به بوضعه على عاتقه، وقيل: المراد أنه جعله على عاتقه الأيمن وألقى طرفيه على الأيسر كما يضطبع المحرم، وقيل: خالف بين طرفيه وربطهما بعنقه، ويرد الثانى: تصريح الأئمة بكراهة الصلاة مع الاضطباع، لأنه دأب أهل الشطارة، فلا يناسب الصلاة المقصود منها التواضع. (أول ما جلس) أى أول زمان جلوسه. (أو) للتمنى أو للشرط، وجوابها محذوف أى كان أحسن لما فيه من زيادة التثبت والاحتياط (فقبض علىّ ثوبى) أى لشدة حرصه على الفائدة فتوهم فواتها. (أمله) بتضعيف اللام وتخفيفها من أمللت الكتاب وأمليته بإبدال اللام ياء إذا ألقيته على الكاتب ليكتب، ويقال: مللته أيضا، فيه كمال التحريض على تحصيل العلم والتنفير من

стр. 117

٥٩ - حدثنا سويد بن نصر، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن إياس الجريرى، عن أبى نضرة، عن أبى سعيد الخدرى، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا استجدّ ثوبا سمّاه باسمه. عمامة أو قميصا أو رداء. ثمّ يقول: اللهمّ لك الحمد كما كسوتنيه، أسألك خيره، وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشرّ ما صنع له». (٥٩_) م-حدثنا هشام بن يونس الكوفى، أخبرنا القاسم بن مالك المزنى، عن الجريرى، عن أبى نضرة، عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى ﷺ . نحوه. ــ طول الأمل، سيما فى الاستباق إلى الخيرات. ٥٩ - (الجريرى) بضم الجيم وبراءين نسبة لجرير مصغرا أحد آبائه. (استجد ثوبا) أصله صيره جديدا والمراد هاهنا لبس ثوبا جديدا. (سماه) يؤخذ من هذا أن تسمية ذلك ونحوه باسم خاص سنة، وهو ظاهر، ولم أر لأصحابنا فيه كلاما، وعجيب قول بعضهم المراد بسماه أن يقول: هذا ثوب هذه عمامة مثلا، ثم يقول بعد التسمية وهو سنة عند اللبس: (كما) وينبغى أن تكون الكاف هنا بمعنى على، أو للتعليق، أو ما مصدرية أى (لك الحمد) على كسوتك لى إياه، وهذا لكون الحمد على النعم أفضل منه، لا فى مقابلة شىء، لأن الأول واجب، والثانى مندوب كما مر جوابه، أنسب بالسياق والمعنى، ومن جعلها بمعنى مثل فى محل رفع على الابتداء أو (أسألك خيره) أى مثل ما كسوتنيه من غير حول منى ولا قوة، أوصل إلىّ خيره وقنى شره وقيل: المراد تشبيه الحمد بالنعمة فى المقدار، وفيه نظر، وقيل: للاختصاص أى لك الحمد

стр. 118

٦٠ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنى أبى، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: «كان أحبّ الثياب إلى رسول الله ﷺ يلبسه الحبرة». ــ مختصا بك مثل تخصيصك إياى بالكسوة، وفيه تكلف ثم رأيت بعضهم ذكر نحو ما ذكرت وزيادة، فقال: الكاف للتعليل كما جوزه صاحب المغنى، أو لتشبيه الحمد بالنعمة، أى: لك الحمد على قدر إنعامك بالكسوة، أو اختصاص الحمد لك كاختصاص الكسوة إبقاء، ولك الحمد منّا على الكسوة منك لنا يعنى: أنك كسوتنا لا لغرض، بل لفقرنا وحاجتنا فحمدك لا لغرض، بل لاستحقاقك ذلك منا لغناك، أو للمبادرة كما فى قولهم سلم، كما تدخل على ما فى المغنى، أو كما بمعنى الظرفية الزمانية كأنا على ما نقل عن الإمام الغزالى، ويحتمل أن تتعلق كما بقوله أسألك. (ما صنع له) أى لأجله من خير كجبلة وصلاح نية صانعه، أو شر لضد ذلك والخير فى المقدمات يستدعى الخير فى المقاصد، وكذلك الشر وشراء هذه، وإنما يلبس علينا صلواتنا قوم لا يحسنون الطهور، ونظير اللام هنا اللام فى حديث وخير ما بنيت له إذا أشرف إنسان على بلد، فزعم أن اللام هنا للعاقبة أى لخير ما يترتب على خلقه من العبادة به، وشر ما يترتب عليه من نحو التكبر والخيلاء به تكلف غير محتاج إليه، نعم قرب ذلك بعضهم بقوله: المعنى أسألك ما يترتب على خلقه من العبادة به، وصرفه فيما فيه رضاك، وأعوذ بك من شر ما يترتب عليه مما لا ترضى به من الكبر والخيلاء، وكونى أعاقب عليه لحرمته. (نحوه) من الفرق بينه وبين مثله. ٦٠ - (يلبسه) خرج به نحو ما يفرشه ونحوه، وهو حال. (الحبرة) بكسر ففتح ثياب من كتان أو قطن محبرة أى مزينة محسنة، وثوب حبرة بتنوينها وصفا، وبحذفه على الإضافة، وهو الأكثر، وفيه: حل لبس الحبرة بل ندبه وإن كان مخططا، نعم لبس المخطط فى الصلاة مكروه، فلبسه له فيها أن يثبته لبيان الجواز، وقيل: الحبرة ما كان موشيا مخططا، وهو برد يمان يصنع من قطن، وكان أشرف الثياب عندهم، قيل: ولونه أخضر، لأنه لباس أهل الجنة ويردّه تفسير جمع للحبرة بأنها ضرب من البرود فيه حمرة.

стр. 119

٦١ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن عون بن أبى جحيفة، عن أبيه، قال: «رأيت النّبىّ ﷺ وعليه حلّة حمراء، كأنّى أنظر إلى بريق ساقيه» قال سفيان: «أراها حبرة». ــ ٦١ - (بريق ساقيه) بياضهما ولمعانهما وبريق مصدر، خلافا لمن وهم فيه، وفيه: ندب تقصير الثياب، ولبسهما إلى أنصاف الساقين، وقد أخرج المصنف أنه ﷺ قال لبعض أصحابه: «ارفع إزارك، فإنه أنقى وأتقى» قال: يا رسول الله إنها بردة، فقال: «أما لك فىّ أسوة؟» (١) وإزاره إلى نصف ساقيه. وللطبرانى: «كل شىء لمس الأرض من الثياب فى النار» (٢) وللبخارى: «ما أسفل الكعبين من الإزار فى النار» (٣) أى: محله فيها فيجوز به عنه للمجاورة وللطبرانى: «إزرة المؤمن-أى بالكسر: اسم للهيئة-إلى أنصاف الساقين، وليس عليه حرج فيما بينه وبين الكعبين، وما انفصل من ذلك ففى النار» (٤) وهذا محله إن قصد به الخيلاء للتصريح بذلك فى روايات أخر كخبر أصحاب السنن وغيرهم: «الإسبال فى الإزار والقميص والعمامة من جرّ منهما شيئا خيلاء» (٥). الحديث، ولخبر البخارى: «بينما رجل يمشى فى حلة تعجبه، مرجل جمته، إذ خسف

стр. 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة» (١). والحاصل: أنه يندب للرجل إلى نصف ساقيه، ويجوز إلى كعبيّه، وما زاد إن قصد به خيلاء حرم، وإلا كره، ويندب للمرأة ما يسترها، ويجوز لها تطويله ذراعا بذراع الآدمى، وابتداؤه من أول ما يمس الأرض على الأوجه لخبر أم سلمة الظاهر فى أن لها أن تجر على الأرض ذراعا، ومتى قصدت به خيلاء أثمت كالرجل، وإسبال القميص، والأكمام، والعمامة بأن يطول عذبتها، فيه: هذا التفصيل، نعم حدث للناس اصطلاح بتطويلها فصار لكل قوم شعار مخصوص بها لا يعرفون بغيره ح، لا كراهة فى التطويل بقصد ذلك، أما مع الخيلاء، فحرام مطلقا اتفاقا، (أراها) وفى نسخة نراه بتأويلها بالثوب. (حبرة) أى أظنها مخططة وهذا الظن لا يفيد حرمة الأحمر ألبتة، لأنه لم يبين له مستندا يصح الاستدلال به وتقييدها فى بعض الروايات بالحبرة، لا يقتضى أنها كذلك دائما، وأما قول ابن القيم: غلط من ظن أنها حمراء بحيث لا يخالطها غيرها، وإنما الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود، كسائر البرود اليمنية، وهى معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط، وإلا فالأحمر البحت منهى عنه أشد النهى ففى البخارى «النهى عن المآزر الحمر» وفى مسلم: «إن هذين الثوبين معصفرين لباس أهل النار فلا تلبسهما» (٢) ومعلوم أنه إنما يصبغ صباغا أحمر، وفى جواز لبس الأحمر من الثياب والجوخ وغيرهما نظر، وأما كراهتهما فشديدة، فكيف يظن به ﷺ أنه لبس الأحمر القانى؟ وإنما وقعت الشبهة فى لفظة الحلة الحمراء. انتهى، كلام ابن القيم هو الغلط، لأن حمل الحلة على ما ذكره، لا يشهد له لغة ولا شرعا، فإن زعم أنه عرف ذلك الزمن، قلنا له: أين دليلك على ذلك من كلام أنه جواز وليس عام؟ وليس النهى عن المعصفر لمجرد الحمرة بل لما فيه من التشبيه بالنساء لأنه من زينتهن وحليهن، وليس فى لبسه ﷺ الأسمر القانى محذور، لأنه لبيان الجواز، فهو واجب عليه، وإن نهى عنه، وقد قال النووى: أباح المعصفر جميع العلماء، ومنهم من كرهه

стр. 121

٦٢ - حدثنا على بن خشرم، حدثنا عيسى بن يونس، عن إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن البراء بن عازب قال: «ما رأيت أحدا من النّاس أحسن فى حلّة حمراء من رسول الله ﷺ ، أن كانت جمّته لتضرب قريبا من منكبيه». ــ تنزيها، وحمل النهى عليه، لكن أشار البيهقى إلى أن مذهب الشافعى حرمته كالمزعفر وصح. «أنه ﷺ أمر بحرق المعصفر» لكن روى أبو داود «أنه ﷺ كان يصبغ بالورس والزعفران ثيابه حتى عمامته» (١) لكن يعارضه ما فى الصحيحين أنه ﷺ : «نهى عن المزعفر» كذا قيل وفيه نظر، بل قضية ما مر فى الأحمر، حمل النهى على التنزيه، وفعله ﷺ على بيان الجواز، اللهم إلا أن يجاب: بأن أحاديث لبسه الأحمر مقاومة فى الصحة لأحاديث نهيه عنه، فحمل على كل حالة، وليس حديث لبس المزعفر مقاوما لحديث النهى عنه، على أن الذى لبسه لم يكن فيه إلا لمجرد أثر، فهو لا يسمى مزعفرا، إلا باعتبار ما كان، كما يعلم مما يأتى قريبا، فقدم حديث النهى عليه، وأبقى النهى فيه على حقيقته من أنه للتحريم، وروى الدمياطى «كان ﷺ يلبس برده الأحمر فى العيدين والجمعة» (٢) ولعله فعل ذلك فى الجمعة فى بعض الأحيان، لبيان الجواز فيها، وإن لبس البياض فيها أفضل، لا واجب. ٦٢ - (ما رأيت) الحديث تقدم شرحه، ومنه أنه أحسن ليس المراد منه ظاهره وفى (حلة حمراء) لبيان الواقع لا للتقييد، وفى الصحيحين: «رأيته ﷺ فى حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه».

стр. 122

٦٣ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا عبيد الله بن إياد، عن أبيه، عن أبى رمثة، قال: «رأيت النّبىّ ﷺ وعليه بردان أخضران». ٦٤ - حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا عبد الله بن حسان العنبرى، عن جدتيه: دحيبة وعليبة، عن قيلة بنت مخرمة، قالت: «رأيت النّبىّ ﷺ وعليه أسمال مليّتين كانتا بزعفران، وقد نفضته» وفى الحديث قصة طويلة. ــ ٦٣ - (بردان) البرد نوع من الثياب مخطط معروف، والبردة: الشملة المخططة، وقيل: كساء أسود مربع صغير. (أخضران) قيل: ذو خطوط خضر، وفيه نظر، لأن فيه إخراج اللفظ عن ظاهره، فلا بد له من دليل نظير ما مر فى حلة حمراء، وروى أبو داود: «رأيته ﷺ يطوف بالبيت مضطبعا ببرد أخضر» (١). ٦٤ - (دحيبة) بضم أوله وفتح ثانيه المهملتين فتحتية فموحدة. (وعليبة) هو كذلك، واعترض بأن صوب هاتين: دحيبة وصفية بنتى عليبة، ويرد بأن هذا لا ينافى أن دحيبة جدته، وأن أمها عليبة جدته، وأنه رواه عنها فصح ما قاله الترمذى، وكون دحيبة لها أخت اسمها صفية ليس الكلام فيه بوجه. (أسمال) جمع سمل بسين مهملة وميم مفتوحة وهو الثوب الخلق والمراد بالجمع ما فوق الواحد على أن الثوب الواحد قد يطلق عليه أسمال باعتبار اشتماله على أجزاء وحينئذ فلا إشكال فى إضافته إضافة

стр. 123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بيانية. (مليتين) تصغير ملاة بالضم والمد لكن بعد حذف ألف اللام يقال ملئة، وهو كما فى القاموس: كل ثوب لم يضم بعضه لبعض بخيط من نسيج واحد، وفى النهاية: هى الأزرار، وفى الصحاح: هى الملحفة، فلا تنافى لصدقها على التعريف الأول لكل من هذين. (كانتا بزعفران) أى مصبوغين. (وقد نفضته) بالفاء أى الأسمال لون الزعفران أى لبسه حتى لم يبق من لون الأصفر إلا الأثر الذى لا يؤثر، فلا ينافى لبسه لهذين ما مر من صحة نهيه ﷺ عن لبس المزعفر، وأصل النفض بالتحريك لينتفض الغبار. كنى به هنا عن اللبس المذهب للون الزعفران؛ لأنه من لوازمه، فربما أنه الظاهر، وقد نفض أى: ذهب بعض لونه غفلة مما قررته، وفى القاموس: نفض اللون: أى ذهب دون غيره، ونفض الثوب صبغه: زال معظم صبغه، وفى بعض النسخ: «وقد نفضتا» بالبناء للمجهول. (قصة طويلة) رواها الطبرانى بسند لا بأس به، وتركها لعدم مناسبتها لما هو فيه، وهى: «أن رجلا جاء فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال: «السلام عليك ورحمة الله وبركاته» (١) وعليه أسمال مليتين قد كانتا بزعفران فنفضتا، وبيده عسيب نخلة قاعد القرفصاء، فلما رأيته أرعدت من الغرقد فنظر إلىّ، فقال: «وعليك السكينة» فذهب عنى ما أجد من الرعب» ولا ينافى ما تقرر من إيثاره بذاذة الهيئة، ورثاثة الملابس، وتبعه على ذلك السلف الصالح على ما اختاره جماعة من متأخرى الصوفية وغيرهم، لأن السلف لما رأوا أهل اللهو يتفاخرون بالزينة والملابس، أظهروا لهم برثاثة ملابسهم، حقارة ما حقره الحق مما عظمه الغافلون، والآن قد قست القلوب، ونسى ذلك المعنى، فاتخذ الغافلون رثاثة الهيئة حيلة على جلب الدنيا فانعكس الأمر وصار مخالفهم فى ذلك يعد متبعا للسلف، ومن ثمة قال العارف بالله: أبو الحسن الشاذلى قدس الله سره لذى رثاثة أنكر عليه جمال هيئته: يا هذا، هيئتى هذه تقول: الحمد لله، وهيئتك هذه تقول: أعطونى من دنياكم، ويؤيد ذلك ما صح أنه ﷺ قال: «إن الله جميل يحبّ الجمال» (٢)، وفى رواية «نظيف يحب النظافة» وروى أصحاب السنن:

стр. 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «رآنى النبى ﷺ وعلىّ أطمار» (١)، ورواية النسائى: «ثوب درن» فقال: «هل لك من مال؟» قلت: نعم قال: «من أىّ المال؟» قلت: من كل ما آتى الله من الإبل والشاة، قال: «فكثر نعمته وكرامته عليك» وفى السنن أيضا: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» (٢) أى لإنبائه عن الجمال الباطن وهو الشكر على النعمة، ومن ثمة قال تعالى: ذلِكَ خَيْرٌ إشارة إلى لباس التقوى، وكما أن الله يحب الجمال فى القول والفعل والهيئة، يبغض القبيح فى ذلك، وقد ضل فى هذا المقام فريقان: قوم ذهبوا إلى أن الله يحب كل مخلوق، وأنهم كذلك، نظرا لأنه تعالى الخالق لها، ولقوله تعالى: أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (٣) وهؤلاء قد عدموا الغيرة لله وعطلوا أحكاما كثيرة، كإنكار المنكر، وإقامة الحدود، وقوم قالوا: ذم الله جمال الصورة بقوله فى المنافقين: وَإِذارَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ (٤) وفى مسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (٥) وحرم الله الحرير والذهب، وهما من أعظم جمال الدنيا، وفى الحديث «البذاذة من الإيمان» وذم تعالى السرف، وهو كما يكون فى المطعوم يكون فى الملبوس وفصل النزاع أنه الجمال فى الهيئة، إما محمود، وهو ما أعان على طاعة، ومن ثمة كان ﷺ يتجمل للوفود، فهو نظير لبس آلة الحرب للقتال، والحرير والخيلاء فى الحرب، فإن ذلك محمود لمصلحة نصر الدين وإهانة أعدائه، وإما مذموم، وهو ما كان للدنيا والخيلاء وإما متجرد عن الأمرين، وهو ما خلا عن هذين القصدين، والمقصود من هذا الحديث: أن الله يحب من عبده، أن يجمّل

стр. 125

(٦٥) -حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالبياض من الثّياب، ليلبسها أحياؤكم، وكفّنوا فيها موتاكم، فإنها من خيار ثيابكم». ــ لسانه بالصدق، وقلبه بالإخلاص والمحبة، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار النعمة عليه فى لباسه وذاته، بفعل جميع خصال الفطرة. ٦٥ - (عليكم) معشر الأمة. (بالبياض) أى بالبياض البالغ فى البياض حتى كأنه عين البياض، يرشد إليه بيانه بقوله (من الثياب) وهو المراد أيضا فى قوله الآتى: «البسوا البياض» (من خيار ثيابكم) سيأتى فى الحديث بعده تعليل خيريتها بأنها أطهر أى: لأنها تحكى ما يصل إليها من النجاسة عينا وأثرا وإن قل بخلاف غيرها، فإنه لا يحكى كل ما يصل إليه، فكانت تلك أطهر وأطيب أى لدلالتها غالبا على عدم الكبر والخيلاء، وعلى التواضع والتخشع، ولهذه الأطيبية التى فيها ندب إيثارها على غيرها فى المحافل كحضور الجمعة، وعند دخول المسجد، ولقاء الملائكة، ومن ثمة كانت الأفضل فى الكفن، لأن الميت بصدد مواجهتهم، ولذلك تأكد إكثار الطيب، والبخور فيه، وبما قررته فى معنى أطهر وأطيب اندفع قول بعضهم: أنه من عطف أحد المترادفين على الآخر مبالغة، وقول آخر: أطهر لأنه لم يخالطها لون يحتمل النجاسة، وأطيب أى: أحسن من الطيب وهو الحسن ووجه اندفاعه: أنه إن نظر لاحتمال النجاسة، فهو موجود فى الأبيض كغيره، على أن ذلك لا ينظر إليه، فقد صرح أئمتنا بأن من البدع المذمومة غسل الثوب الجديد قبل لبسه، فلا نظر لذلك الاحتمال، وحمل أطيب على ما ذكره فى غاية الركاكة، ويلزمه أن غير الأبيض خلقه كالأبيض فى الأطهرية، وهو مخالف لسياق الحديث، وقول آخر أطهر أو لأنها تغسل من غير مخافة على ذهاب لونها.

стр. 126

٦٦ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبى ثابت، عن ميمون بن أبى شبيب، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : «البسوا البياض، فإنّها أطهر وأطيب، وكفّنوا فيها موتاكم». ٦٧ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبى زائدة، ثنا أبى، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، قالت: «خرج رسول الله ﷺ ذات غداة وعليه مرط من شعر أسود». ــ ٦٦ - (أطيب) أى ألذّ لأن لذة المؤمن فى طهارة ثوبه، وفيه من الركاكة ما لا يخفى، وإنما كان الأفضل فى يوم العيد لبس الأرفع قيمة، وإن كان غير أبيض، لأن القصد فى ذلك اليوم إظهار مزيد الزينة وإيثار النعمة، وهما بالأرفع قيمة أليق، وقول بعضهم: لم يقل: خير ثيابكم لئلا يلزم تفضيله الأصفر، وقد علمت أن فضله، غلط فاحش، لأن الأصفر لا فضل له ألبتة بل المزعفر والمعصفر حرام، كما مر مبسوطا، وقد جاء عن ابن عمر: أن الأصفر كانت أحبّ الثياب عنده، لا دليل فيه كما زعمه، لأن هذا بفرض محبته مذهب صحابى، وليس بحجة عندنا. ٦٧ - (زكريا) بالمد والقصر وفيه زكرى بتشديد الياء وتخفيفها. (ذات غداة) لفظ ذات مزيد للتأكيد. (مرط) بكسر فسكون أى كساء. (من شعر) وفى نسخة: «شعر»

стр. 127

٦٨ - حدثنا يوسف بن عيسى، حدثنا وكيع، حدثنا يونس بن أبى إسحاق، عن أبيه، عن الشعبى، عن عروة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه. «أنّ النّبىّ ﷺ لبس جبّة روميّة ضيّقة الكمّين». ــ بالإضافة، واستعماله فى الشعر مجاز، إذ صريح كلام القاموس: أنه حقيقة فيما نسج من صوف، أو خز، والصوف والوبر خلاف الشعر، كما فيه أيضا، وقضية تفسيره المرط بالكساء حقيقة فى الرداء فمعنى كونه عليه أنه تردى به، وقضية كلام غيره أنه خاص بالإزار وخمار المرأة فعليه استعماله فى الرداء مجاز، وعلى كل من القولين فليس فى الحديث أنه اشتمل به اشتمال الصماء خلافا لمن وهم فيه. وروى الشيخان: كان له ﷺ كساء ملبد يلبسه، ويقول: «إنما أنا عبد، ألبس كما يلبس العبيد» (١). وكان ﷺ يلبس الصوف وسبب ذلك: أنه لم يكن يقتصر من اللباس على صنف بعينه، ولم تطلب نفسه الشريفة الغالى منه، لأن المباهاة فى الملابس والتزين بها، إنما هى من سمات النساء والمحمود للرجل: نقاوة الثوب، والتوسط فى جنسه وعدم إسقاطه لمروءة لابسه، ومن ثمة: اقتصر ﷺ على ذلك مما تدعو ضرورته إليه، ورغّب عما سواه، فكان يلبس غالبا الشملة والكساء الخشن والأردية والأزر، ويقسم أقبية الديباج المخصوفة والمخوصة بالذّهب فى أصحابه. وأخرج أبو نعيم: «من كرامة المؤمن على ربه ، نقاوة ثوبه، ورضاه له باليسير»، وله أيضا: أنه ﷺ رأى رجلا وسخة ثيابه فقال: «أما وجد هذا شيئا ينقى به ثيابه». ٦٨ - (لبس) أى فى بعض أسفاره (جبة) قيل: هى ثوبان بينهما قطن، إلا أن تكون

стр. 128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من صوف، فقد تكون واحدة غير محشوة. (ضيقة الكمين) أى بحيث أنه أراد أن يخرج ذراعيه الشريفين منهما لغسلهما فعسر عليه، فأخرجهما من ذيلهما، وغسلهما، قيل: فيه ندب اتخاذ ضيق الكم فى السفر، لا فى الحضر، لأن أكمام الصحابة كانت بطاحا واسعة انتهى. وإنما يتم ذلك إن ثبت أنه تحراها للسفر، وإلا فيحتمل أنه لبسها ليدفأ بها من البرد، أو لبيان حل ما نسجه الكفار، أو لغير ذلك وما نقل من الصحابة من اتساع الكمين، مبنى على توهم أن أكمام جمع كم، وليس كذلك، بل جمع كمة، وهى ما يجعل على الرأس كالقلنسوة وكأن قائل ذلك، لم يسمع قول الأئمة: من البدع المذمومة اتساع الكمين. ***

стр. 129

٩ - باب: ما جاء فى عيش رسول الله ﷺ ٦٩ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، قال: «كنّا عند أبى هريرة رضى الله عنه وعليه ثوبان ممّشّقان من كتّان، فتمخّط فى أحدهما. فقال أبو هريرة: بخ. بخ. يتمخّط أبو هريرة فى الكتّان. لقد رأيتنى وإنّى لأخرّ فيما بين منبر رسول الله ﷺ وحجرة عائشة رضى الله عنها مغشيا علىّ، فيجئ الجانى فيضع رجله على عنقى، يرى أنّ بى جنونا، وما بى جنون، وما هو إلا الجوع». ــ (باب ما جاء فى صفة عيش رسول الله ﷺ كما قال فى القاموس الحياة والطعام وما يعاش به، ويأتى أواخر الكتاب هذا الباب بزيادات أخر، وسيأتى ثمة بيان حكمة ذلك مع الرد على من أبدى لذلك ما لا يجدى. ٦٩ - (أيوب) أى السختيانى نسبة إلى بيع السختيان، أى الجلود، أو عملها (سيرين) وهو مولى أنس كاتبه على عشرين ألفا، فأداها وعتق، وكان له ستة أولاد، كلهم بخباء محدثون (ممشقان) مصبوغان بالمشق بالكسر، وهو المغرة وقيل: الطين الأحمر قيل: وفيه مخالفة لحديث النهى عن لبس الأحمر، ومرّ ما يدفع ذلك، وأن النهى للتنزيه لا للتحريم، فلا إشكال (بخ بخ) بإسكان آخره وكسره غير منون فيهما وبكسر الأول منونا، وإسكان الثانى وبضمهما منونين وتشديد آخرهما، وهى لتفخيم الأمر وتعظيمه فى الخير، وقد تستعمل للإنكار، فى صحته هنا نظر، (يتمخط) جواب عما أفهم قول: بخ، الكلام للقسم والجملة حال من أبى هريرة بتقدير القصة، فيتحد زمان الحال أو عامله. (رأيتنى) إنما اتصل الضميران، وهما لواحد حملا لرأى البصرية على القلبية. (وإنى) الجملة حال من مفعول رأيت. (لأخر) لأسقط مغشيا علىّ. (يرى) إلخ أى

стр. 130

٧٠ - حدثنا قتيبة، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعى، عن مالك بن دينار قال: «ما شبع رسول الله ﷺ من خبز قطّ، ولحم إلا على ضفف». قال مالك بن دينار: «سألت رجلا من أهل البادية: ما الضفف؟ فقال: أن يتناول مع الناس». ــ تلك كانت عادتهم بالمجنون حتى يفيق (وما هو) أى الغشى الحاصل. (إلا الجوع) أى غشيته، ولدلالة هذا الحديث على ضيق عيش رسول الله ﷺ ، إذ لو كان عنده شىء لما حصل لأبى هريرة ذلك، ذكره المصنف فى هذا الباب المعقود لبيان صفة حياته وما اشتملت عليه من الفقر والضيق بالغالب، وأما الباب الآتى بعد أبواب، فهو لبيان أنواع المأكولات التى كان ﷺ يتناولها تارة ويتركها أخرى، فالمقصود من البابين مختلف. ٧٠ - (الضبعى) بفتح المعجمة وفتح الموحدة، وبالعين المهملة منسوب إلى قبيلة بنى ضبيعة، كجهينة. (إلا على ضفف) بمعجمة وأصله الضيق والشدة وأراد به هنا لازمها وهو أنه ﷺ لم يأكل خبزا ولحما وحده بل مع الناس كما أفهمه قوله: (قال مالك) إلى آخره والاستثناء منقطع، ووجه أن أكله مع الناس يستلزم عدم الشبع لما علم من إيثاره لأصحابه، وجميل أحواله معهم وحمله بعضهم عن الاتصال، فقال: معناه لا يشبع إلا فى الضيافات والولائم، ثم حمل الشبع فى حقه على أنه كان يأكل بثلثى بطنه وعليه، فقيل: المراد أنه ما شبع من أحدهما، كما أفهم توسعا قط بينهما، أو منهما معا، لما جاء أنه لم يجتمع عنده غداء، ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف، وسيأتى لذلك بقية. ...

стр. 131

١٠ - باب: ما جاء فى خف رسول الله ﷺ ٧١ - حدثنا هناد بن السّرىّ، حدثنا وكيع، عن دلهم بن صالح، عن حجير بن عبد الله، عن ابن بريدة، عن أبيه: «أن النّجاشى أهدى للنّبىّ ﷺ خفّين أسودين ساذجين فلبسهما ثمّ توضّأ ومسح عليهما». ــ (باب ما جاء فى خفّ رسول الله ﷺ ٧١ - (دلهم) بفتح الدال وسكون اللام وفتح الهاء. (حجير) بضم المهملة مصغرا. (النجاشى) بكسر أوله وفتحه وبتخفيف الياء، فهى أصلية نسبة وتشديدها، والأول فيهما أصح، وهو أصحمة بالحاء المهملة ملك الحبشة توفى سنة تسع فأخبرهم بموته يومه وخرج بهم فصلى وصلوا معه عليه. (ساذجين) [أى مفتوحتين] (١) أو لا تشبيه فيهما يخالف لونهما أو لا شعر عليهما (فلبسهما) يحتمل أن الفاء لمجرد التفريع أى: لبسهما عقب وصولهما إليه، وح فيؤخذ منه أن الأولى للمهدى إليه بما أهدى لأجله، وهو ظاهر كان فيه تآلف أو نحوه، وإلا فلا معنى له، وفيه: أنه ينبغى قبول الهدية، بل يتأكد، إذا كان فيه تآلف للمهدى على اشتراط لفظ فى قبولها، بل يكفى مجرد البعث والأخذ (ومسح عليهما) أى بعد كمال وضوئه، كما دلت عليه الروايات الصحيحة وفيه: أن الأصل فى الأشياء المجهولة الطهارة، وجواز مسح الخفين وهو إجماع من يعتد به، وما ورد عن بعض الأئمة مما يخالف ذلك مؤول وقد روى المسح عليهما نحو ثمانين صحابيا، ومن ثمة قال بعض الأئمة: إن أحاديثه متواترة، وأخشى أن يكون إنكاره كفرا.

стр. 132

٧٢ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبى زائدة، عن الحسن ابن عياش، عن أبى إسحاق، عن الشعبى قال: قال المغيرة بن شعبة: «أهدى دحية للنّبىّ ﷺ خفّين فلبسهما». وقال إسرائيل: عن جابر، عن عامر: «وجبة، فلبسهما حتّى تخرّقا. لا يدرى النّبىّ ﷺ أذكّى هما أم لا». ــ ٧٢ - (عياش) بمهملة ففتحتين ثم معجمة «وقال: إسرائيل» هو من كلام الترمذى، فإن كان من قبل نفسه، فهو معلق، لأنه لم يدركه، أو من قبل شيخه قتيبة (فلبسهما) أى الخفين والجبة كذا قيل وقضية «أذكّى هما» أن ضميرهما للخفين فقط إلا أن يقال أنه للجبة أيضا باعتبار شعره، وزعم أن الخرق، إنما يقال للخف لا للجبة عجب (١). (أذكى هما) أى تزكية شرعية وهذا التركيب نظير: قاسم الزيدان أى هل هما من مذبوح (أم لا) ونفى الصحابى درايته ﷺ لتصريحه له بذلك أو لأنه أخذها من قرينة، أنه لم يقل هل هو من مذبوح، أو غيره وعلى كل، فالحديث دليل واضح على طهارة الأشياء المجهولة الأصل، ولو نحو شعر شك ذبح أصله أم لا، وهو معتمد مذهبنا، خلافا لمن أطال فى رده، كما رددته عليه فى شرح العباب وزعم أن فيه دليلا على طهارة المدبوغ، يحتاج إلى ثبوته أنهما كانا مدبوغين، وليس فى الحديث ما يدل على ذلك. ...

стр. 133

١١ - باب: ما جاء فى نعل رسول الله ﷺ ٧٣ - حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو داود الطيالسى، حدثنا همام، عن قتادة، قال: قلت لأنس بن مالك: «كيف كان نعل رسول الله ﷺ ؟ قال: لهما قبالان». ــ (باب ما جاء فى نعل رسول الله ﷺ وهو ما وقت به القدم من الأرض، وأفرد الخف عنه بباب لتغايرهما حرفا، بل لغة، إن جعلنا من الأرض قيدا فى النعل، وكان ابن مسعود هو صاحب النعلين، وكان يلبسه نعليه إذا قام، وإذا جلس جعلهما فى ذراعيه حتى يقوم، وهو هذلى توفى بالمدينة سنة اثنين وثلاثين. ٧٣ - (كان) القياس كانت لأنها مؤنثة، إلا أنه لما كان تأنيثها غير حقيقى، ساغ تذكيرها باعتبار الملبوس (لهما) أى لكل منهما بدليل رواية البخارى: «لها»، بالإفراد، قيل: وظاهره أنها كانت من طاق واحدة، وهو ممدوح، إذ العرب كانت تتمادح برقة النعال، ويجعل ذلك من لباس الملوك. انتهى. وفيه نظر، وبتسليمه، فسيأتى فى مخصوفتين بما يرده إلا إن ثبت أنه كان له نعل من طاق واحدة، ونعل من أكثر، على أن اللائق بأحواله العلية، مخالفته للملوك ولزيهم، فلا يكون ذلك فى حقه مما يتمدح به «قبالان» بتثنيته القبال بالكسر، وهو زمام النعل أى: السير الذى بين الأصبعين الوسطى والتى تليها، وذكر بعضهم: أنه كان يضع أحد الزمامين بين الإبهام والتى تليها، والآخر بين الوسطى والتى تليها، ويجمعها إلى السير الذى بظهر قدمه، وهو الشراك، وسيأتى أن الشراك كان مثنى، وأن عثمان وحّد القبال، وجوابه بهذا؛ إما لأنه فهم أنه مراد السائل، أو أنه بين له أن هذا أخص أحوال النعل التى سئل عنها.

стр. 134

٧٤ - حدثنا أبو كريب: محمد بن العلاء، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس: «كان لنعل رسول الله ﷺ قبالان مثنّى شراكهما». ٧٥ - حدثنا أحمد بن منيع، ويعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبو أحمد الزبيرى، حدثنا عيسى بن طهمان، قال: «أخرج إلينا أنس بن مالك نعلين جرداوين لهما قبالان». فقال: فحدثنى ثابت بعد عن أنس: «أنّهما كانتا نعلى النّبىّ ﷺ ». ــ ٧٤ - (الحذّاء) بالذال المعجمة. (مثنى) بضم ففتح، أو بفتح فسكون وتنوين آخره مع تشديده، قيل: مثنى كرمى وليس فى محله، لأن هذا من المثنى، وهو رد الشىء إلى شىء، ولا يصح ذلك على هذا هنا. (شراكهما) بتثنية شراك، وهو أحد سيور النعل يكون على وجهها. ٧٥ - (جرداوين) أى لا شعر فيهما. (قال) أى ابن طهمان. (بعد) أى بعد إخراج أنس النعلين إلينا.

стр. 135

٧٦ - حدثنا إسحاق بن موسى الأنصارى، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك، حدثنا سعيد بن أبى سعيد المقبرى، عن عبيد بن جريج، أنه قال لابن عمر: رأيتك تلبس النعال السبتية، قال: «إنّى رأيت رسول الله ﷺ يلبس النّعال الّتى ليس فيها شعر، ويتوضّأ فيها، فأنا أحبّ أن ألبسها». ٧٧ - حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبى ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبى هريرة، قال: «كان لنعل رسول الله ﷺ قبالان». ــ ٧٦ - (السبتية) بالكسر جلود بقر تدبغ مطلقا أو بالقرظ وهو ورق السلم ويجلب من اليمن سميت بذلك، لأن شعرها قد سبت عنها أى حلق وأزيل إذا لبست القطع، قيل: وسيأتى الكلام يفيد أن ابن عمر لم يكن حين التخاطب لابسها، فسئل عن وجه الترك، ويرد: بأن الترك حين السؤال لا يدل على الترك مطلقا، وعلى الترك فيحتمل تركه لعذر، كعدم وجدانها. ووجه السؤال: أنها نعال أهل النعمة والسعة، ومن ثمة لم يلبسها الصحابة، كما أفاده خبر البخارى أن السائل قال له: «رأيتك تفعل أربعة أشياء لم يفعلها أصحابنا» ومنها هذه (أحب أن ألبسها) أى اقتداء برسول الله ﷺ ، ولعل ترك الصحابة إن فرض صحته الاستغراق، وأن ما نفاه السائل هو الواقع وإلا فالأمر محتمل أنه لم ينفه، إلا باعتبار علمه، إنما هو لأنهم لم يبلغهم فيه شىء، وابن عمر امتاز عنهم بحفظ ذلك عن رسول الله ﷺ ، فكانت الحجة فيما قال وفعل، لا فى تركهم.

стр. 136

٧٨ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن السدى، قال: حدثنى من سمع عمرو بن حريث، يقول: «رأيت رسول الله ﷺ يصلّى فى نعلين مخصوفتين». ــ ٧٨ - (مخصوفتين) من خصفت النعل خرزتها فهو نعل خصيف بمعنى مخصوف، والخصف: الضم والجمع، أو النعل ذات الطرق، وكل طراق منها خصفة بسكون الصاد، والطرق بالتحريك: ثنى القربة، والجمع أطراق، وهو إثناؤها إذا ثخنت وتثنت، وطرق بين النعلين أى خصف أحدهما فوق الأخرى وهذا الحديث، وإن كان فى سنده مجهول لكن صح «أنه ﷺ كان يخصف نعله» (١) أى: يضع طاقا فوق طاق، فيستفاد منه أن لكل واحدة من نعليه طاقين أو أكثر.

стр. 137

٧٩ - حدثنا إسحاق بن موسى الأنصارى، حدثنا معن، حدثنا مالك، عن أبى الزناد، عن الأعرج، عن أبى هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمشينّ أحدكم فى نعل واحدة، لينعلهما، أو ليحفهما جميعا». ــ ٧٩ - (لا يمشين أحدكم فى نعل واحدة) وفى نسخة: «واحد» ويحتاج لتأويل، ولا يكفى فيه كون تأنيثها غير حقيقى، فيكون ذلك لقلة المروءة لما فيه من التشويه والمثلة، ومخالفة الوقار، وتمييز إحدى خبار حقيه، وذلك يؤدى إلى اختلاف المشى وضعفه، وفيه إيقاع غيره فى الإثم لاستهزائه به، وقد أرشد النبى ﷺ إلى أن الإنسان ينبغى له أن يحترز من إيقاع غيره فى الإثم ما أمكنه، بأمره من أحدث فى الصلاة بالقبض على أنفه، ليوهم الناس أنه رعف، حتى لا يخوضوا فى عرضه فيأثموا، قال ابن العربى: ولأن ذلك من مشية الشياطين، فحال غيره، ولما فيه من المشقة والخبط فى المشى، لأن المنتعلة أرفع من الأخرى، فيخشى منه العثار، فى محله لغير ضرورة، وإلا فلا كراهة، كما هو ظاهر، وعليه يحمل ما روى أنه ﷺ ربما فعله، والخف والمداس فى ذلك كالنعل، وفى نسخة: «واحد» بتقدير ملبوس، ونوزع فيه بما لا يجدى وفى أخرى: «يمشى» وهو خبر بمعنى النهى، (لينعلهما) أى [الإلباس وهو موجود فى كل من الفعلين أو النعلين] (١) القدمين فيصح أن يكون من نعل ويتعين حينئذ أنه من نعل أى ليلبسهما به، ومعنى المجرد فليلبس نعليهما، ونعل كفرح بمعنى لبس، وكنع بمعنى أنعل، وفى رواية: «فليخلعهما» لا تعين الضمير للنعلين، لاحتمال أن فيه حذف مضاف أى: ليخلع نعليهما (أو ليحفهما) من الإحفاء، وهو الإعراض عن النعل والخف ومن الحفى وهو المشى بلا خف ونعل، والتعدية: مجازية والأصل ليحف بهما فحذف الجار اختصارا، أو يقال ضمن المجرد معنى المتعدى بلا حذف ولا ينافى كراهة المشى فى

стр. 138

٨٠ - حدثنا إسحاق بن موسى، حدثنا معن، عن مالك، عن أبى الزبير، عن جابر: «أنّ النّبىّ ﷺ نهى أن يأكل-يعنى الرّجل-بشماله، أو يمشى فى نعل واحدة». ــ نعل، وأقر به فعل جمع من الصحابة له لاحتمال أنه لعذر، وقول ابن سيرين: لا بأس به، يرده صريح السنة وألحق بعضهم بذلك إخراج أحد اليدين من الكم، وإلقاء الرداء على أحد المنكبين، ولبس نعل فى رجل وخف فى أخرى فيه نظر، أما الأولان فلأنهما من دأب أهل الشطارة، كما صرح به الأئمة، فلا وجه للكراهة فيهما، والكلام فى غير الصلاة، أما فيها فيكره المشى، وقياسه الأول، وفى من لا تختل مروءته بذلك، وإلا فلا شك فى كراهة ذلك له، بل تحريمه عليه، لأنه تحمل شهادة، لأن من تحملها يحرم عليه تعاطى خارم مروءته وأما الثالث: فلأن من العلل السابقة تميز إحدى الرجلين، وأنها مشية الشياطين، وفيه مثلة وتخبط فى المشى، وغير ذلك، وكل ذلك يقتضى عدم الكراهة هنا. فائدة: يكره التنعل قائما لخبر فيه، قيل: وهو محمول على نعل محتاج فى لبسها إلى إعانة اليد، لا مطلقا. ٨٠ - (بشماله) فالأكل بها من غير ضرورة كراهة تنزيه، وذكر الرجل لأنه الأصل والأشرف، لا للاحتراز عن المرأة، بل هى كذلك. (أو) هى للتقسيم، وزعم أنها للشك، وهم فاحش، فكل، ما قبلها، وما بعدها منهى عنه على حدته. وحملها على الواو يفسد المعنى، لإبهامها أن المنهى عنه اجتماعهما، وليس كذلك، وقيل: للشك، وقيل: بمعنى الواو وليس كذلك، بل هو على حد وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (١).

стр. 139

٨١ - حدثنا قتيبة (ح) وحدثنا إسحاق بن موسى، حدثنا معن، حدثنا مالك، عن أبى الزناد، عن الأعرج، عن أبى هريرة: أن النبى ﷺ قال: «إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشّمال، فلتكن اليمنى أوّلهما تنعل، وآخرهما تنزع». ٨٢ - حدثنا أبو موسى: محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، حدثنا أشعث-بن أبى الشعثاء-عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة، قالت: «كان رسول الله ﷺ يحبّ التّيمّن ما استطاع، فى ترجّله، وتنعّله، وطهوره». ــ ٨١ - (فليبدأ) مر توجيهه بأن الاشتغال من باب التكريم ومنه ما قصد منه به زينة، أو نظافة من غير مباشرة مستقذر، وكل ما كان كذلك يبدأ فيه باليمين، وخلعه بضد ذلك، وكل ما هو كذلك، يبدأ فيه باليسار كالخروج من المسجد، ودخول الخلاء، والسوق والاستنجاء، وتناول الأحجار له، ومس الذكر، والامتخاط وتعاطى المستقذر ونحوه نحو الثوب والخف والسراويل كالنعل فيما ذكر، ومن زعم أن تقديم اليمين، إنما هو لكونه أقوى من اليسار فقد أخرج الأمر إلى أنه إرشادى لا شرعى، وهو باطل مخالف للسنة وكلام الأئمة (أولهما) ذكر بتأويل العضو، وهو متعلق بتنعل الذى هو خبر تكن، أو مبتدأ خبره تنعل، والجملة خبر (وآخرهما تنزع) فائدته: أن الأمر بتقديم اليمين فى الأول يقتضى تأخر نزعهما، لاحتمال إرادة نزعهما معا، فمن زعم أنه للتأكيد للاستغناء عنه فقد وهم، وكذلك من تكلف له معنى غير ما قلته، فلم يخرجه به عن التأكيد، فقد أتى بمايمجه السامع، فلا يعول عليه. ٨٢ - (ما استطاع) أى مدة دوام قدرته على تقديم اليمنى، احتراز عما احتيج

стр. 140

٨٣ - حدثنا محمد بن مرزوق-أبو عبد الله-حدثنا عبد الرحمن بن قيس- أبو معاوية-حدثنا هشام، عن محمد، عن أبى هريرة قال: «كان لنعل رسول الله ﷺ قبالان وأبى بكر وعمر رضى الله تعالى عنهما، أوّل من عقد عقدا واحدا عثمان رضى الله عنه». ــ لليسار، لعارض باليمنى، فإنه لا كراهة فى تقديمها ح، ولو فيما هو من باب التكريم. (وطهوره) بضم أوله وفتحه. ٨٣ - (قبالان) وصل به وهو أجنبى بين متعاطفان إشارة إلى الاهتمام، وأنه المقصود بالإخبار (وأبى بكر وعمر) أى اتخذا قبالا. (واحدا عثمان) وكان وجهه بيان أن اتخاذ القبالين قبل ذلك لم يكن لكونه قبال واحد، ولا لمخالفته الأولى، بل لأن ذلك كان هو الواقع والمعتاد، ولم يتبين ذلك إلا بفعل عثمان إذ لو ترك ذلك، وهم منه كراهة الاقتصار على قبال واحد، وأنه خلاف الأولى لأنه خلاف ما كان عليه رسول الله ﷺ وصاحباه. ...

стр. 141

١٢ - باب: ما جاء فى ذكر خاتم رسول الله ﷺ ٨٤ - حدثنا قتيبة بن سعيد، وغير واحد، عن عبد الله بن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب عن أنس بن مالك، قال: «كان خاتم النّبىّ ﷺ من ورق، وكان فصّه حبشيّا». ــ (باب ما جاء فى ذكر خاتم رسول الله ﷺ مر فيه فتح التاء وكسرها، ويقال فيه خيتام وخاتام وخيتوم، وفى نسخة زيادة بين فى ومجرورها، ولعلها تحريفة من ناسخ، إذ تراجم الكتاب قاضية بحذفها، لأنه لم يوجد لها فيها نظير ولا حكمة فى تميز هذا الباب بها على بقية الأبواب. ٨٤ - (عن أنس) أى أخرجه الشيخان عنه أيضا (من ورق) أى فضة، فيه: حل اتخاذ الخاتم الفضة للرجال والنساء، وهو إجماع، بل يندب بشرط عدم الإسراف فيه بالنسبة لعرف اللابس، وإن بلغ مثقالا، خلافا لمن اشترط نقصه عنه كما يأتى، وكرهت طائفة لبسه مطلقا، وهو شاذ، وجزم بعض الشراح من الشافعية به لعدم إلمامه بكلام الفقهاء، نعم ثبت «أنه ﷺ لما اتخذ خاتما من ورق، فاتخذوا مثله، طرحه فطرحوا خواتيمهم» (١)، وهذا يدل على عدم ندب الخواتم، وأجاب البغوى: بأنه إنما طرحه خوفا عليهم من التكبر والخيلاء انتهى. وأقول: يحتمل أنهم بالغوا فى الإسراف فى قدره، فأشار إليهم ليطرحوها ثم رأيت بعضهم أجاب عنه: بأنه وهم من الزّهرى راويه، وأن الذى لبسه يوما ثم ألقاه، خاتم ذهب كما ثبت ذلك من غير وجه عن ابن عمر،

стр. 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأنس، أو خاتم حديد عليه فضة، فقد روى أبو داود بسند جيد «أنه كان له خاتم حديد ملوى عليه فضة» (١) فلعله الذى طرحه، وكان يختم به ولا يلبسه وقال الخطابى: يكره للنساء، لأنه من شعار الرجال فإن لبسته صفرته بنحو زعفران، وما قاله من الكراهة ضعيف ومر أوائل الكتاب قول جمع من أصحابنا: الأولى لها أن لا تلبس البياض ولا الفضة، لما فى التشبيه بالرجال، وأن تغيره بما أمكن من نحو زعفران ونحوه. وقالت طائفة: يكره إذا قصد به الزينة، وآخرون: يكره لغير ذى سلطان للنهى عنه لغيره، رواه أبو داود والنسائى، لأن سبب اتخاذه ذلك كما يأتى، وردّوه بأن هذا هو أصل حكمة الاتخاذ لكنه ﷺ استدام لبسه، ولبسه أصحابه معه، وأقرهم عليه وخبر النهى إلا لذى سلطان، نقل ابن رجب عن بعض أصحابه عن أحمد أنه ضعفه، قال شيخ الإسلام الشرف المناوى: وتحصل السنة بلبس الخاتم ولو مستعارا أو مستأجرا والأوفق للاتباع لبسه بالملك واستدامته، ويجوز للرجل لبس خواتم، ويكره لبس أكثر من خاتمين قاله الدارمى من أصحابنا، وفيه نزاع وخلاف، ليس هذا محل بسطه (فصه) بتثليث أوله، ووهم من جعل الكسر لحنا، وهو ينقش فيه اسم صاحبه أو غيره. (حبشيا) أى فصا من جزع، أو عقيق، إذ معدنهما بالحبشة كاليمن وهذا فى ما قيل أن معدنهما باليمن وهى من الحبشة ويؤيده فى خبر «وكان فصه من عقيق»، وقيل: كان لونه حبشى، أى أسود وسيأتى فى رواية: «وإن فصه منه»، وهى رواية البخارى، ومن ثمة قال ابن عبد البر: إنها أصح [فقدمت] ولكنّ الوجه الجمع بأن له خاتمين أحدهما فصه حبشى، والآخر فصه منه، وكان يلبس كلا فى وقت على ما يأتى وجمع أيضا بأن معنى حبشيا أن صائغه حبشى، فلا ينافى أنه منه، وأيد بأنه إنما اتخذه لحاجة [فالتعدد بعيد إذ لا حاجة إليه]، وبأنه جاء أن نسبته حبشى منسوب إلى صانع من الحبشة، مرّ هذا كله غفلة عن الخبر السابق «أن فصه من عقيق» لكن إنما يتم ذلك إن ثبت الحديث، وجمع أيضا: بأن معنى: «وفصه منه» أى موضع فصه منه، فلا ينافى كون فصه حجرا وهو فى غاية الركاكة، إذ لا يتوهم أن موضع فص الخاتم من غيره، حتى يحترز الراوى بقوله «فصه» عن ذلك، وإنما يتم إن عهد ذلك الزمن أنهم كانوا تارة يتخذون موضع الفص من الخاتم، وتارة يتخذون من غيره.

стр. 143

٨٥ - حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن أبى بشر، عن نافع، عن ابن عمر: «أنّ النّبىّ ﷺ اتّخذ خاتما من فضّة، فكان يختم به ولا يلبسه». ٨٦ - حدثنا محمود بن غيلان، قال: حفص بن عمر بن عبيد (الطنافسى)، ثنا زهير (أبو خيثمة)، عن حميد، عن أنس بن مالك، قال: «كان خاتم النّبىّ ﷺ من فضّة، فصّه منه». ــ ٨٥ - (يختم به) أى الكتب التى يرسلها للملوك (ولا يلبسه) أى دائما، بل فى بعض الأوقات، للأخبار الآتية: «كان يلبسه فى يمينه» (١) ولخبر: «كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه» (٢)، وزعم أن المراد: ولا يلبسه حالة الختم به ليس فى محله، لأن لبسه حالة الختم بعيد لا يحتاج لنفيه، وعلى أن له خاتمين، فيحتمل أن أحدهما كان يلبسه، والآخر كان يلبسه ليتأسى به فيه، إذ الصواب كما مر أن لبسه مندوب، ولو لمن لم يحتج إليه لختم ولا لغيره. ٨٦ - (الطنافسى) منسوب إلى الطنافس، جمع طنفسة، بضم الطاء والفاء، وكسرها وفتح الفاء: السباط الذى له خمل، أو الثياب وحصير من سعد قدره ذراع. (خيثمة) بفتح المعجمة وسكون التحتية وفتح المثلثة (منه) أى من بعضه فليس بحجر على ما مرّ.

стр. 144

٨٧ - حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنى أبى، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: «لمّا أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى العجم، قيل له: إنّ العجم لا يقبلون إلا كتابا عليه خاتم. فاصطنع خاتما، فكأنّى أنظر إلى بياضه فى كفّه». ٨٨ - حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصارى، حدثنى أبى، عن ثمامة، عن أنس بن مالك قال: «كان نقش خاتم رسول الله ﷺ محمّد سطر، ورسول سطر، والله سطر». ــ ٨٧ - (لما أراد) أى حين رجع من الحديبية (إلى العجم) أى إلى عظمائهم أو ملوكهم. (قيل له) قائل ذلك، قيل: من العجم، وقيل: من قريش. (يكتب) أى أراد أن يكتب الرواية السابقة «لا يقبلون» أى لا يعتمدون (عليه خاتم) أى وضع عليه خاتم وقيل فيه حذف مضاف أى: عليه نقش خاتم، والأول أولى وأظهر، وسبب اعتمادهم لعدم الثقة بما فيه، أو أنه ترك منه شعار تعظيمهم، وهو الختم، أو الإشعار بأن ما يعرض عليهم، ينبغى أن لا يطلع عليه غيرهم. وعن أنس: «أن ختم كتاب السلطان، أو القضاة سنة متبعة». (فاصطنع خاتما) بأن يعمل. (فكأنى. . .) إلخ إشارة إلى أنه من فضة وأنه متيقن اتخاذ النبى ﷺ له. ٨٨ - (ثمامة) بضم المثلثة وتخفيف الميم. (محمد) خبر كان على الحكاية أو اسمها، ونقش هو الخبر، أى مدلول نقشه محمد، أو نقش نفس محمد، وقيل: خبرها

стр. 145

٨٩ - حدثنا نصر بن على الجهضمى، أبو عمرو، حدثنا نوح بن قيس، عن خالد بن قيس، عن قتادة، عن أنس بن مالك: «أنّ النّبىّ ﷺ كتب إلى كسرى وقيصر والنّجاشىّ، فقيل له: إنّهم لا يقبلون كتابا إلا بخاتم، فصاغ رسول الله ﷺ خاتما، حلقته فضّة، ونقش فيه: محمّد رسول الله». ــ محذوف أى ثلاثة أسطر، كما صرحت رواية البخارى. (سطر) قيل: أسفل، وهو خبر مبتدأ محذوف، أى هو سطر، وهو جملة معترضة. (ورسول) بالتنوين وعدمه على الحكاية. «سطر» قيل: أوسط. (والله) بالرفع والجر. (سطر) قيل: أعلى ليكون اسم الله أعلى، وزعم أن هذا يخالف الوضع القرآنى وهم، لأن الوضع هنا يخالف الوضع، ثم على تقدير إذ ذاك فى سطر واحد، وهذا فى سطور ثلاثة، ومع تحقق المخالفة رعاية تعظيم اسم الله أولى بأن يخرج فعله عليها ما أمكن، وزعم أن تقديم محمد لفظا يستدعى تقديمه وضعا ليس فى محله، إذ تقديم الجلالة لفظا غير ممكن بخلافه وضعا، وموجب هذا الزعم، وما قبله الغفلة عن كونه كان يقرأ من أسفل، نعم قال بعض المحققين من الحفاظ: قول بعض الشيوخ كانت الجلالة أعلى السطر، ومحمد أسفلها، لم أر التصريح به فى شىء من الأحاديث، بل رواية الإسماعيلى يخالف ظاهرها ذلك، فإنه قال: محمد سطر، والسطر الثانى رسول، والسطر الثالث الله، قال: وهذا ظاهر رواية البخارى الموافقة لرواية المصنف المذكورة، لكن لم تكن كتابته على الترتيب العادى، فإن ضرورة الاحتياج إلى أن يختم به يقتضى أن تكون الأحرف المنقوشة مقلوبة، ليخرج الختم مستويا، وخبر: «أنه كان نقشه لا إله إلا الله» واه، وفيه: حل نقش الخاتم باسم الله، وباسم صاحبه، وقول بعضهم: يكره نقش اسم الله، ضعيف. ٨٩ - (كتب) أى أراد أن يكتب ليوافق الرواية السابقة. (كسرى) بفتح أوله وكسره وهو علم على كل من ملك العجم. (وقيصر) علم على كل من ملك الروم. (والنجاشى) علم على كل من ملك الحبشة، وفرعون لكل من ملك القبط، والعزيز
следующие страницы →