← Сира

Сира · id 122255

أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (602 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منكبيه رجل الشعر يقطر رأسه ماء واضعا يديه على منكبى رجلين، وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا المسيح ابن مريم» (١) وفى رواية له أيضا عن ابن عمر، قالوا: وصوابه عن ابن عباس: «رأيت عيسى، وموسى وإبراهيم، فأما عيسى: فأحمر جعد عريض الصدر مضطرب، وأما موسى: فآدم جسيم سبط، كأنه من رجال الزّطّ» (٢) أى وهم جنس من السودان طوال الأجساد فى نحافة، والمضطرب: الطويل غير الشديد، وقيل: النحيف الجسم، وفسر عياض الجسيم بالزيادة فى الطول، ليوافق قوله فى الرواية الأخرى: «ضرب» أى نحيف، والآدم: الجعد الأسمر، كما مر، واستشكل برواية «أحمر» وأجيب: بأن السمرة لونه الأصلى، والحمرة لعارض تعب ونحوه (٣) (شبها) تمييز النسبة المبهمة (فإذا أقرب) وما أضيف إليه أو حال. (عروة) (٤) خبر وهذا أليق من عكسه، وزعم أن هذا أخو عبد الله بن مسعود غلط، لأن هذا هذلى، وذلك ثقفى، وكان إسلامه سنة تسع قتله ثقفى آخر وهو يصلى. (ورأيت جبريل) من باب عطف قصة على قصة، وما قيل: أن الأصح أنه من باب التغليب والمجانسة، فغير صحيح، لأن هذا عامل مستقل غير رأيت الأول، فلا توافق، وإنما غايته أنه ذكره فى سياق الأنبياء مع أنه غير نبى، لاختصاص النبوة والرسالة بالبشر، لأنه صاحب سر الوحى الذى تنشأ عنه النبوة، والجواب بأن. (ورأيت) عطف على عرض علىّ، تكلف يأباه سياق الكلام، بأن المراد من الأنبياء الرسل غير صحيح، لما تقرر أن الرسول حيث أطلق، إنما يختص ببشر من بنى آدم، أوحى إليه بالتبليغ يعنى نفسه الظاهر من السياق،

стр. 72

١٣ - حدثنا سفيان بن وكيع، ومحمد بن بشار-المعنى واحد-قالا: أخبر يزيد ابن هارون، عن سعيد الجريرى، قال: سمعت أبا الطّفيل، يقول: «رأيت النّبىّ ﷺ وما بقى على وجه الأرض أحد رآه غيرى. قلت: صفه قال: كان أبيض، مليحا مقصّدا». ــ والمعنى أنه من قول جابر، ويجوز كونه كلام من بعده تكلف غير محتاج إليه. (دحية) (١) بفتح الدال وكسرها، الكلبى الصحابى المشهور الذى كان جبريل يأتى النبى ﷺ فى أكثر الأوقات على صفته؛ لأنه كان على غاية من الجمال، بحيث إنه كان إذا دخل بلدا يبرز لرؤيته حتى العواتق من خدورهن، وعلم من الحديث: جواز تشبيه الأنبياء والملائكة بغيرهم، ووجه متابعته للترجمة: دلالة على أن نبينا كان أشبه الناس بأبيه إبراهيم، ومن ثمة أمر باتباعه فى أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً (٢) أى لتقدمه ظهورا فى هذا الوجود ولدعائه بوجود محمد ﷺ وإلا فهو أفضل وأجل من إبراهيم وسائر الأنبياء والمرسلين، لما أن أخذ الله الميثاق عليهم بالإيمان به ونصرته كما أخبر عن ذلك بقوله: وَإِذْ أَخَذَ اَللهُ مِيثاقَ اَلنَّبِيِّينَ لَماآتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ. . (٣) الآية، قيل: موسى مشبه صورة، والثلاثة بعده مشبهون معنى. انتهى. وفيه تطويل الوجه أن الكلّ مشبهون صورة. ١٣ - (الجريرى) بالجيم والراء المكررة. (أبا الطفيل) (٤) عامر بن واثلة الليثى أدرك من

стр. 73

١٤ - حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامى، ثنا عبد العزيز بن [أبى] (١) ثابت الزهرى، حدثنى إسماعيل بن إبراهيم ابن أخى موسى ابن عقبة، عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، قال: «كان رسول الله ﷺ أفلج الثّنيّتين، إذا تكلّم رئى كالنّور، يخرج من بين ثناياه». ــ حياته ﷺ ثمان سنين، وتأخر وفاته إلى سنة مائة واثنين، ولم يبق على وجه الأرض صحابى غيره وزعم أن معمر المغربى وزين الهندى صحابيان عاشا بعده إلى قرب القرن السابع ليس بصحيح خلافا لمن انتصر له وأطال بما لا يجدى (وما بقى) عطف على رأيت لا حال لفساد المعنى كما هو ظاهر. (غيرى) أى فهو الآتى بأن يقال لانحصار الأثر فيه. (أبيض مليحا) كما مرّ: «أنه كان أزهر اللون مشربا بحمرة»، وهذا غاية فى الملاحة والحسن. (مقصدا) بفتح الصاد المشددة أى: أن جميع صفاته الجليلة، كانت على غاية من الأمر الوسط، كما مر ذلك فى لون شعره وخدّه وغيرهما، كما أن شريعته وسط بين الشرائع، وأمته وسط بين الأمم، فحفظ ﷺ فى ذلك كله من محذورى الإفراط والتفريط. ١٤ - (الحزامى) بالحاء المهملة المكسورة وبالزاى. (ابن أخى) قيل: نعت لإسماعيل بدليل كتابته بالألف. (أفلج الثنيتين) من الفلج بالتحريك وهو فرجة ما بين الثنايا والرباعيات، والفرق: فرجة بين الثنايا فأريد بالفلج هنا الفرق بقرينة بنسبته إلى الثنايا والرباعيات فقط ذكره فى النهاية «إذا» هى وما دخلت عليه خبر ثان لكان. (رئى كالنور) الكاف اسم بمعنى مثل ويحتمل أنها زائدة للتفخيم، نحو مثلك لما يبخل، وأنه

стр. 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كان يرد منه نور يخرج. (من بين ثناياه) إذا تكلم لما مرّ أنه كان براق الثنايا فزيادة ذلك البرق المدلول عليه بصيغة المبالغة هى ذلك النور، كأن يرى عند كلامه ويحتمل أن يراد بذلك حقيقته من مشاهدة نور [حسى] (١) يخرج من فيه إذا تكلم معجزة له ثم هذا الحديث، وإن كان فى سنده الذى ذكره المصنف هنا مقال، إلا أن غيره خرجه كالدارمى والطبرانى. ...

стр. 75

٢ - باب: ما جاء فى خاتم النبوة ١٥ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن الجعد بن عبد الرحمن، قال: سمعت السائب بن يزيد، يقول: «ذهبت بى خالتى إلى النّبىّ ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنّ ابن أختى وجع. فمسح ﷺ رأسى، ودعا لى بالبركة، وتوضّأ فشربت من وضوئه، وقمت خلف ظهره، فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه، فإذا هو مثل زرّ الحجلة». ــ (باب ما جاء فى) شأن وقدر ولون. (خاتم النبوة) بفتح التاء وكسرها كما مر، والمراد به هنا: الأثر الحاصل له بين كتفيه، لمشابهة الخاتم الذى يختم به، وهو الطابع، وإضافته للنبوة لدلالته عليها، قيل: أو لكونه ختما عليها يختمها وما فيها أو ختم عليها لإتمامها كما تتم الأشياء ثم يختم عليه وقيل: إنه من قبيل خاتم فضة كأنه ذلك الخاتم أيضا من نبوته. انتهى. وفى ذلك كله تكلف لا يخفى. ١٥ - (حاتم) كقاسم. (الجعد) بفتح الجيم وسكون المهملة وبدال مهملة. (وجع) فى لحم القدم لكن مقتضى مسحه ﷺ لرأسه أن مرضه كان برأسه، وقد يجاب: بأنه لا مانع أن يكون به المرضان، وآثر ﷺ مسح الرأس لأنه أشرف (رأسى) ورد عند البيهقى وغيره: «أن أثر مسحه من رأس السائب لم يزل أسود مع شيب ما سواه من رأسه» (١)، وفيه: أنه ينبغى لعائد المريض مسح محل الوجع منه، إذا كان ممن يتبرك بمسحه. (ودعا لى بالبركة) أى فى العمر برعاية المقام أو فى غيره معه أو وحده. (وضوئه) بفتح الواو وهو من حيث هو ما اتخذ للوضوء بالضم، أو ما فضل منه، أو ما استعمل فيه. (وقمت خلف ظهره) أى تحريا لرؤية الخاتم، أو اتفاقا، فوقع نظره عليه. (فنظرت إلى الخاتم) لانكشاف محله أو لكشفه ﷺ له ليراه. (بين كتفيه) حال من الخاتم أو ظرف لنظرت. قال القاضى: وهو أثر شق الملكين بين الكتفين، واعترضه النووى بأن ما قاله

стр. 76

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ باطل لأن شقهما إنما كان فى صدره وبطنه انتهى (١)، ويؤيده خبر مسلم عن أنس. «فلقد كنت أرى أثر المخيط فى صدره» (٢)، وانتصر بعضهم للقاضى فأوّل عبارته بما يصححها وإن كانت تنبو عنه وهو أن سبب التغليط فهم أن بين الكتفين متعلق بالشق، وليس كذلك، بل بأثر الختم لخبر أحمد وغيره «أنهما لما شقا صدره قال أحدهما للآخر: خطه فخاطه، واختم عليه بخاتم النبوة» (٣) فلما ثبت أنه بين كتفيه حمل القاضى ذلك على أن الشق لما وقع فى صدره، ثم خيط حتى التأم، كما كان ووقع الختم بين كتفيه، كان ذلك أثر الخاتم والبينة المذكورة تقريبية، وإلا فالصحيح أنه كان عند أعلى كتفه الأيسر. قال السهيلى (٤): وسيأتى التصريح به فى خبر مسلم، أو فى رواية: «أنه كان عند كتفه الأيمن»، والأول أرجح وأشهر فوجب تقديمه. واختلفوا: هل ولد به أو وضع بعد ولادته؟ قولان: لكن فى حديث البزار وغيره بيان وقت وضعه، وكيف وضع ومن وضعه وهو «قلت: يا رسول الله كيف علمت أنك نبى؟ وبم علمت حتى استيقنت؟ قال: «أتانى اثنان وفى رواية: «ملكان» وأنا ببطحاء مكة، فقال أحدهما لصاحبه: شق بطنه، فشق بطنى، فأخرج قلبى فأخرج منه مغمر الشيطان، وعلق الدم فطرحهما، فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه الملا، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه فخاط بطنى وجعل الخاتم بين كتفى كما هو الآن، ووليا عنى، فكأنى أرى الأمر معاينة» وعند أبى نعيم: «أنه لما ولد أخرج الملك صرة من حرير أبيض فيها خاتم، فضرب على كتفيه كالبيضة» وأخرج الحاكم عن وهب بن منبه: «لم يبعث الله نبيا إلا

стр. 77

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعليه شامات النبوة فى يده اليمنى، إلا نبينا، فإن شامات النبوة بين كتفيه، وعليه فوضع الخاتم بين كتفيه بإزاء قلبه مما اختص على سائر الأنبياء». (مثل زر) بالزاى والراء. (الحجلة) بمهملة فجيم واحد الحجال، وهى نبت كالقبة لها أزرار وعرى، هذا هو الصواب كما قاله النووى، وقال بعضهم: المراد به الطائر المعروف، وزرها بيضها، وأسلم إليه المصنف وأنكر عليه العلماء لأن الزر لم يأت بمعنى البيض وحمله على الاستعارة تشبيها لبيضها بأزرار الحجال إنما يصار إليه إن ورد ما يصرف اللفظ عن ظاهره، وأما إذا لم يرد ذلك فلا ينبغى صرفه عن ظاهره المتبادر إلى هذا الخفى البعيد، ورواية: «لبيض الحمام» الآتية لا تؤيد ذلك الصرف، خلافا لمن زعمه، وكونه «كزر الحجلة» رواه البخارى وزاد: «وكان ينم مسكا أيضا» وفى مسلم: «جمع» أى: بضم فسكون. «عليه خيلان كأمثال الثآليل السود عند نفض كتفيه» أى بنون فمعجمتين أعلى كتفه، وقيل: عظم رقيق بطرفه، وقيل: ما يظهر منه عند التحرك، وسيأتى عن المصنف بعضه، وفى مسلم أيضا: «كبيضة الحمام». وفى صحيح الحاكم: «شعر مجتمع» (١) وللبيهقى: «مثل السلعة» (٢)، وللمصنف كما يأتى: «بضعة ناشزة»، وللمصنف والبيهقى: «كالتفاحة» ولابن عساكر: «كالبندقة»، والسهيلى: «كأثر المحجم القابضة على اللحم» (٣) ولابن أبى خيثمة: «شامة خضراء محتفرة فى اللحم» وله أيضا: «شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متراكبات كأنها عرف فرس» (٤)، وللقضاعى:

стр. 78

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «ثلاث شعرات مجتمعات» (١) وللترمذى الحكيم: «كبيضة حمام مكتوب بباطنها الله وحده لا شريك له، وبظاهرها توجه حيث كنت فإنك منصور» (٢)، ولابن عائذ: «كان من نور يتلألأ»، ولابن أبى عاصم: «عذرة كعذرة الحمام» (٣) أى قرطمية وقرطمتان بكسر القاف نقطتان على أصل منقاره، وفى تاريخ نيسابور: «مثل البندقة مكتوب فيها باللحم محمد رسول الله» (٤)، وروى عن عائشة: «كثنية صغيرة تضرب إلى الدهمة، وكان مما يلى القفار» قال فى فتح البارى ورواية: «كأثر المحجم، أو كشامة خضراء، أو سوداء مكتوب فيها محمد رسول الله، أو سر فإنك المنصور» لم يثبت منها شىء، وتصحيح ابن حبان ذلك وهم، وقال صاحبه الحافظ الهيثمى: إن رواية كتابة محمد رسول الله اختلط عليه، هذا خاتمه الذى كان يختم به، وقال بعض العلماء: وليست هذه الرواية، مختلفة حقيقة، بل كل شبّه بما سنح له، وتلك الألفاظ كلها مؤداها واحد، وهو قطعة لحم، ومن قال: شعر، فإن الشعر عليه متراكب عليه كما فى الرواية الأخرى. وقال القرطبى: الأحاديث الثابتة تدل على أن خاتم النبوة، كان شيئا بارزا أحمر عند كتفه الأيسر، إذا قل جعل كبيضة الحمام، وإذا كبر جعل كجمع اليد وقال القاضى: رواية «جمع الكف» تخالف «بيضة الحمام، وزر الحجلة» فتتأول على وفق الروايات الكثيرة أى كهيئة الجمع لكنه أصغر منه فى قدر بيضة الحمامة. «عذرة» هى قطعة من اللحم المرتفعة.

стр. 79

١٦ - حدثنا سعيد بن يعقوب الطّالقانى، حدثنا أيوب بن جابر، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: «رأيت الخاتم بين كتفى رسول الله ﷺ غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة». ١٧ - حدثنا أبو مصعب المدينى، أخبرنا يوسف بن الماجشون، عن أبيه، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن جدته رميثة، قالت: «سمعت رسول الله ﷺ -ولو شاء أن أقبّل الخاتم الذى بين كتفيه من، لفعلت- يقول لسعد بن معاذ يوم مات: اهتزّ له عرش الرّحمن». ــ ١٦ - (حمراء) أى مائلة إلى الحمرة فيكون فى لون بدنه، قيل: وفيه رد لرواية أنها سوداء وخضراء انتهى، ولا رد فيه، لأن حمرتها بالنسبة للون جلدها، وخضرتها وسوادها بالنسبة لما فيها وحواليها من الشعر. ١٧ - (المدينى) فى الصحاح النسبة لطيبة مدنى ولمدينة المنصور مدينى ولمدائن تسرى مدائنى وعليه فالمدينى: هنا لا يصح لأنه من طيبة نعم قال البخارى: المدينى من أقام بطيبة، ولم يفارقها، والمدنى: من أقام بها ثم فارقها، وعليه يصح ذلك. (الماجشون) بفتح الجيم وضم الشين المعجمة. (سمعت رسول الله) أى كلامه. (ولو شاء أن أقبل الخاتم الذى بين كتفيه) فيه إثبات الخاتم، وأنه بين الكتفين، أى بالمعنى الذى قدمناه، وهذا هو المقصود من سياق هذا الحديث (من) تعليلية. (يقول) بدل اشتمال من مفعول

стр. 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سمعت، أو جملة حالية تبين المحذوف الذى قدرته، وأتى به مضارعا بعد سمع الماضى، إما حكاية لحال وقت السماع، أو لاستحضار ذلك فى ذهن السامع وما ذكرته فى أن فى ذكر سمعت فلانا مضافا محذوفا والجملة بعده تبين المحذوف هو المشهور، وقيل: سمعت يتعدى لمفعولين فلا محذوف بل أولهما فلان، وثانيهما الجملة، واعترض: بأن محل تعديتها لهما إن كانت فيما يظن، وأجيب: بمنع الحصر، نعم قال الزمخشرى (١) فى «سمعنا مناديا» تقول سمعت رجلا يتكلم فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع لأنك وصفته بما يسمع وجعلته حالا عنه فأغناك عن ذكره ولولا الوصف أو الحال لم يكن فيه بد من أن تقول سمعت كلامه. انتهى، وبه يعلم عدم صحة تعديتها لمفعولين؛ لأنه إنما جاز حذف المسموع الذى هو المفعول الأول، لأنه وصف مفعولها بما يسمع، وجعله حالا عنه ولولا ذلك، لصرح به، فافهم كلاما ذكرناه (لسعد ابن معاذ) سيد الأنصار كما أخبر به النبى أى: عنه أو لأجله أو فى حقه لما حكم فى بنى قريظة عقب وقعة الأحزاب التى أصيب فيها بسهم فقطع أكحله بأن يقتل رجالهم، وتقسم أموالهم، وتسبى ذراريهم ونساؤهم، ففعل بهم ذلك، لما أنه حكم فيهم بحكم الله، كما أخبر بذلك النبى بقوله: «لقد حكمت فيهم بحكم الله» (٢)، وفى رواية «الملك» بكسر اللام «من فوق سبعة رفعه الله» كما فى رواية أخرى: «من فوق طرف الحكم» ثم انفجر به جرحه عقب ذلك، ومات، وحضر جنازته سبعون ألف ملك (يوم) ظرف ليقول، فيكون من كلام الراوى، وهو الظاهر، أو لاهتزّ، فيكون من كلامه ﷺ (اهتز له عرش الرحمن) رواه الشيخان أيضا أى: تحرك فرحا بقدوم عروجه، وإعلاما للملائكة بفضيلته وموته، لما أن الله جعله فيه تمييزا أدرك به ذلك كما قال تعالى: وَإِنَّ مِنْهالَمايَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللهِ (٣) قال النووى: وهذا القول هو ظاهر الحديث، وهو المختار، أى لأنه جسم يقبل الحركة والسكون والإدراك، وقيل: المراد بالاهتزار:

стр. 81

١٨ - حدثنا أحمد بن عبدة الضبى، وعلى بن حجر، وغير واحد قالوا: ثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن عبد الله مولى غفرة، قال: حدثنى إبراهيم بن محمد-من ولد على بن أبى طالب. قال: «كان علىّ إذا وصف رسول الله ﷺ فذكر الحديث بطوله، وقال: بين كتفيه خاتم النّبوّة، وهو خاتم النّبيّين». ــ الاستبشار والقبول، لا الحركة والاضطراب، وقيل: هذا تعظيم لشأن وفاته، وقيل: هو اهتراز نعشه وإبطاؤه برواية: «عرش الرحمن» وقيل: اهتزاز حملة العرش، ولما حمل فقال المنافقون: ما أخف جنازته، رد عليهم ﷺ بقوله كما رواه المصنف وصححه «إن الملائكة كانت تحمله» (١)، وروى أبو نعيم فى مستخرجه على مسلم: «أنه أهدى للنبى حلة حرير، فجعل أصحابه يمسونها ويعجبون من لينها، فقال ﷺ : «تعجبون من لين هذه، لمناديل سعد بن معاذ فى الجنة خير منها وألين» (٢) قال العلماء: هذه إشارة إلى عظم منزلته فى الجنة، إذ المناديل لذى الثياب، لأنه بعد الوسخ والامتهان، فإن كان ألين منها، فما بالك بغيره؟، وقال ﷺ كما عند ابن سعد، وأبى نعيم: «لما مات قبض إنسان من تراب قبره قبضة، فإذا هى مسك، سبحان الله لو كان أحد ناجيا من ضمة القبر لنجا منها، وضم ضمة، ثم فرج الله عنه». ١٨ - (فذكر) أى على وإبراهيم والأول أقرب.

стр. 82

١٩ - حدثنا محمد بن بشار، أنا أبو عاصم، أنا عزرة بن ثابت، حدثنى علباء ابن أحمر، قال: حدثنى أبو زيد: عمرو بن أخطب الأنصارى قال: «قال لى رسول الله ﷺ : يا أبا زيد، ادن منّى فامسح ظهرى، فمسحت ظهره، فوقعت أصابعى على الخاتم. قلت: وما الخاتم؟ قال: شعرات مجتمعات». ٢٠ - حدثنا أبو عمار: الحسين بن حريث الخزاعى، حدثنا على بن حسين بن واقد، حدثنى أبى، حدثنى عبد الله بن بريدة، قال: سمعت أبى بريدة، يقول: ــ ١٩ - (عزرة) بمهملة مفتوحة فزاى ساكنة فراء (علباء) بمهملة مكسورة فلام ساكنة فموحدة فالمد. (أحمر) أفعل بحاء مهملة فراء. (فامسح ظهرى) فيه حل مس ما عدا العورة من الأجنبى، مع اتحاد الجنس، ثم يحتمل أنه لحاجته إلى مسحه لعارض، أو تشريفه بمس جسده الشريف، والملامسة على خاتم النبوة، قلت: القائل علباء لأبى زيد، لا أبو زيد للنبىّ كما هو واضح. (وما الخاتم) أى وما قدره وهيئته. (شعرات مجتمعات) أى ذو شعر مجتمع، ومرّ الكلام فى ذلك بما يعلم أنه لا بد من قولنا: ذو شعرات، وإن من استبعد ذلك، غفل عن بقية الروايات الصريحة فى أنه لحم ناتئ. ٢٠ - (حريث) تصغير حرث بمهملة فراء مثلثة. (واقد) بالقاف. (سلمان الفارسى) (١)

стр. 83

«جاء سلمان الفارسىّ إلى رسول الله ﷺ حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب، فوضعها بين يدى رسول الله ﷺ ، فقال: يا سلمان، ما هذا؟ فقال: صدقة عليك وعلى أصحابك. فقال: ارفعها، فإنّا لا نأكل الصّدقة. قال: فرفعها. فجاء الغد بمثله، فوضعه بين يدى رسول الله ﷺ . فقال: ما هذا يا سلمان؟ فقال: هديّة لك. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: ابسطوا. ثمّ نظر إلى الخاتم على ظهر رسول الله فآمن به. وكان لليهود، فاشتراه رسول الله ﷺ بكذا وكذا درهما، على أن يغرس لهم نخلا، فيعمل سلمان فيه حتّى تطعم. فغرس رسول الله ﷺ النّخل، إلاّ نخلة واحدة غرسها عمر. فحملت النخل من عامها، ولم تحمل النّخلة. فقال رسول الله ﷺ : ما شأن هذه النخلة؟ فقال عمر: يا رسول الله، أنا غرستها. فنزعها رسول الله ﷺ فغرسها، فحملت من عامها». ــ هو أبو عبد الله يعرف بسلمان الخير مولى رسول الله ﷺ سئل عن نسبه فقال: أنا ابن الإسلام، وسئل على رضى الله عنه: علم العلم الأول والعلم الآخر وهو بحره ينزف، وهو من أهل البيت. قال أبو نعيم: أدرك عيسى ﵇، وقرأ الكتابين، وكان عطاؤه خمسة آلاف يفرقه، ويأكل من كسب يده، يعمل الخوص، وله مزّية فى الزهد، فإنه مع طول عمره المستلزم لزيادة الحرص والأمل كما أخبره ﷺ لم يزدد إلا زهدا. (بمائدة) باؤه للتعدية جاء وجعلها للمصاحبة بعيدة، وهو خوان عليه به طعام، وإلا لم يسم مائدة كما فى الصحاح (١). (عليها رطب) لا ينافيه الرواية الصحيحة: «أنه احتطب

стр. 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حطبا فباعه، ثم صنع به طعاما، وأتى به النبى ﷺ » (١) فى رواية إسنادها جيد: «ذلك الطعام أنه لحم جزور، وثريد فى القصعة» (٢) ولا الرواية الضعيفة: «أنه جاء بتمر» (٣) لاحتمال تعدد الواقعة. (ما هذا؟) أى الرطب إذ هو المقصود ولا المائدة فمن ثم لم يقل ما هذه. (ارفعها) أى عنى فلا ينافى رواية أحمد والطبرانى أنه قال لأصحابه: «كلوا وأمسك يده» (لا نأكل) أراد نفسه، وقرابته من مؤمنى بنى هاشم والمطلب (الصدقة) أى الزكاة، ومثلها كل واجب، ككفارة، ونذر، ولحرمة ذلك عليه وعليهم، فإنه أريد بها ما يعم المندوبة أيضا، كانت النون للتعظيم، لحرمة صدقة التطوع عليه دون قرابته، وزعم أن الامتناع عن الأكل لا يدل على التحريم، لأن الأصل فيه ذلك. (فجاء) سلمان (بمثله) أى برطب على مائدة. (ابسطوا) أى: أيديكم أى: مدوها لتناول ما جاء به، وهو بضم الهمزة، وفى بعض النسخ: «انشطوا» من النشاط (فآمن به) لما رأى من انطباق أوصافه المذكورة فى التوراة عليه. (وكان) حال من فاعل آمن. (فاشتراه) أى كاتبه، أى كان سببا لكتابة سيده اليهودى له بذلك، حتى وفاه النبى ﷺ . (بكذا وكذا درهما) قيل: أربعون أوقية من فضة، وقيل: من ذهب، والأوقية كانت إذ ذاك: أربعون درهما (فيعمل) الظاهر أنه بالنصب، ليفيد أن عمله من جملة بدل الكتابة، وما قيل: قد يروى رفعه، فيكون عمله تبرعا، ففيه نظر ظاهر (فيه) ذكره نظرا إلى ظاهر اللفظ حتى تطعم-بالبناء للفاعل، أى يدرك ثمر من أطعم النخل أدرك ثمره، وروى

стр. 85

٢١ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا بشر بن الوضاح، حدثنا أبو عقيل الدورقى، عن أبى نضرة العوفى، قال: «سألت أبا سعيد الخدرىّ عن خاتم رسول الله ﷺ ، فقال: كان فى ظهره بضعة ناشزة». ــ بالبناء للمفعول أى يؤكل ثمرها ولا يؤكل، إلا إذا أدركت من عامها الذى فيه، معجزة له ﷺ ، ويستعجل تخليص سلمان من الرق، ويزداد رغبة فى الإسلام، وفيه: ندب إعانة المكاتب، وجواز الكتابة بالمال، وغرس النخل، لكن إن قيد له مدة معلومة، ويجاب عن الحديث: بأنه حال محتملة، لأن يكون مالكه امتنع عن مكاتبته، إلا بذلك المجهول، فلذا أذن ﷺ ، على أن قولهم تعاطى العقود الفاسدة، ينبغى أن يستثنى منه الفاسد الذى يترتب عليه من الآثار المقصود منه ما يترتب على الصحيح، كالكتابة، فإن فاسدها كصحيحها فى العتق وتوابعه، فلا يبعد عن تعاطى فاسدها، لأن الأثر صحيح يقصد منه شرعا، بخلاف نحو البيع الفاسد، فإنه لا أثر له شرعا يقصد به مطلقا. ٢١ - (الوضاح) بتشديد المعجمة. (عقيل) بفتح العين. (الدورقى) نسبة لدورق بلد بفارس (١). (نضرة) المحفوظ بنون فمعجمة وضبطه بموحدة فمهملة ساكنة، وقال: إنه منسوب لمحل بالبصرة، يعنى قائله أبو عقيل، وضمير يعنى لأبى نضرة. (فى ظهره) حال من بضعة أو ظرف كان. (بضعة) خبر كان على نقصها، وهو الأولى والأنسب بالمقام ويجوز كونها تامة فيكون مرفوعا، ثم رأيت فى كلام بعضهم ترجيح الثانى، لأن المفاد على النقص، ثبوت فى ظهره بضعة، وهو ليس بمقصود فى جواب السؤال انتهى، وليس كما زعم، بل مقصود، وأى مقصود، كيف وقد زعم زاعم أنه كان من أمام لا من خلف؟ فتعين ذكر ظهره بدليل هذا الزعم (ناشزة) أى مرتفعة، ومر الكلام على ذلك.

стр. 86

٢٢ - حدثنا أحمد بن المقدام: أبو الأشعث العجلى البصرى، أخبرنا حماد بن زيد، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو فى ناس من أصحابه، فدرت هكذا من خلفه، فعرف الّذى أريد، فألقى الرّداء عن ظهره، فرأيت موضع الخاتم على كتفيه مثل الجمع، حولها خيلان كأنّها ثآليل سود، فرجعت حتّى استقبلته، فقلت: غفر الله لك يا رسول الله، فقال: ولك. فقال القوم استغفر لك رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم، ولكم. ثمّ تلا هذه الآية: وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَاَلْمُؤْمِناتِ. ــ ٢٢ - (الأشعث) بالمعجمة ثم المثلثة. (العجلى) نسبة إلى بنى عجلة. (سرجس) بمهملتين بينهما جيم مكسورة، وزن نرجس. (الذى أريد) وهو النظر إلى خاتم النبوة. (على كتفه) أى قريبا من كتفه الأيسر كما مرّ، وهذا أولى من قول بعضهم مشرفا على كتفه، والمقصود أن ارتفاعه يزيد على ارتفاع كتفه. (موضع الخاتم) هى الطابع الذى ختم به، كما مر ذلك فى بعض الروايات، ويصح أن تكون الإضافة بيانية والأول أقرب وأظهر. (على كتفيه) أى بينهما. (مثل الجمع) بضم الجيم وسكون الميم أى مثل جمع الكف، وهو صورته بعد جمع الأصابع وضمها. (حولها) أنثه باعتبار أنه قطعة لحم. (خيلان) بكسر الخاء المعجمة فسكون التحتية جمع خال، وهو الشامة على الجسد، (كأنها ثآليل سود) وهى بالمثلثة جمع ثؤلول بمثلثة مضمومة فهمزة ساكنة حيث يعلو ظاهر الجسد واحدة كالحمصة فما دونها. (غفر الله لك يا رسول الله) بالمعنى الآتى، وأتى بذلك شكرا لما فعله ﷺ معه من النعم الجليلة التى تضمنتها، إلقاؤه الرداء عن ظهره، حتى تملا برؤية ذلك الخاتم. (استغفر لك) استفهام بدليل قوله هو أو للنبى ﷺ . (فقال) إن كان الضمير له ﷺ فواضح، وإلا ففيه التفات إذ مقتضى الظاهر فقلت، وقيل: إن أريد بالقوم تلامذة ابن سرجس، لم يحتج لدعوى الالتفات انتهى، وهو

стр. 87

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ غفلة عن سياق الحديث الصريح بأن المراد بهم الصحابة. (نعم ولكم) أى واستغفر لكم، وما قيل: إن جعله إخبارا أظهر، فهو غير صحيح، بل الأظهر فيه فضلا عن كونه أظهر إذ لو كان إخبارا لخلا قوله ﷺ نعم من الفائدة، وما قيل: إن نعم قد يقال لتصديق لازم الإخبار فى مقابلته، فبعيد لا يعول عليه. (ثم تلا) أى هو والنبى ﷺ ، والثانى: معناه ظاهر، وكذا الأول لأنهم لما خصصوه بالدعاء له بيّن لهم أنه يستغفر لكل أمته، بدليل أنه أمر بذلك فى الأمة، وقد علم من شأنه، أنه يبادر إلى فعل المأمور به ما أمكنه. (لذنبك) هو من المشابهة نحو لِيَغْفِرَ لَكَ اَللهُ ماتَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَماتَأَخَّرَ (١) مما اختلف المقصود لنفى تأويله، فقال ابن عباس: إنك مغفور لك، غير مؤاخذ بذنب إن لو كان، وقال غيره: المراد ما كان من سهو أو غفلة، أو ما تقدم لأبيك آدم مما يشبه الذنب، وما تأخر من ذنوب أمتك، أو ذنوب أمته فقط، والمراد بالذنب، ترك الأولى، كما قيل: حسنات الأبرار، سيئات المقربين، وترك الأولى، ليس بذنب فى الحقيقة، لكنه مشابه له بالنسبة إلى مقام الكمّل فى ندرة وقوعه منهم، ولقد حقق السبكى هذا المقام بما حاصله: أن الآية لا تحتمل إلا وجها واحدا، وهو تشريفه ﷺ من غير أن يكون هناك ذنب، وبيّن ذلك أحسن بيان وأبلغه، ثم قال: وكيف يتخيل وقوع ذنب منه؟ وَمايَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى (٢) وقد أجمع الصحابة رضى الله عنهم على اتباعه، والتأسى به فى كل ما يفعله، من قليل، أو كثير، صغير وكبير، لم يكن عندهم فى ذلك توقف، ولا بحث حتى أعماله فى السر والخلوة، يحرصون على العلم بها وعلى اتباعها، علم بهم، أو لم يعلم، ومن تأمل أحوالهم معه، استحى من الله أن يخطر بباله خلاف ذلك. انتهى. ...

стр. 88

٣ - باب: ما جاء فى شعر رسول الله ﷺ ٢٣ - حدثنا على بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن حميد، عن أنس ابن مالك. قال: «كان شعر رسول الله ﷺ إلى نصف أذنيه». ٢٤ - حدثنا هناد بن السّرىّ، أخبرنا عبد الرحمن بن أبى الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، وكان له شعر فوق الجمّة، ودون الوفرة». ــ (باب ما جاء فى شعر رسول الله ﷺ ٢٣ - (إلى نصف أذنيه) أى فى بعض الأحيان كما مر ذلك بما فيه. ٢٤ - (ورسول الله) برفعه معطوف على أنا، ويجوز نصبه على أنه مفعول معه. (من إناء واحد) فيه جواز غسل الرجل، وزوجته من إناء واحد لكن إن كان بالاغتراف باليد، فلا بد من نية الاغتراف، كما بين فى محله وفى: أن فضل ماء المرأة طهور. (فوق الجمة) أى لم يصل لمحلها وهو المنكبان. (وأنزل من الوفرة) أى من محلها وهو

стр. 89

٢٥ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا أبو قطن، حدثنا شعبة، عن أبى إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: ««كان رسول الله ﷺ مربوعا، بعيد ما بين المنكبين، وكانت جمّته تضرب شحمة أذنيه». ــ شحمة الأذن وهذه الرواية بمعنى رواية أبى داود: «فوق الوفرة ودون الجمة» أى أطول من الوفرة وأقصر من الجمة فهما، وإن اختلفا فى التعبير بالفوقية، والدونية، إذ الأولى باعتبار المحل والثانية باعتبار الرتبة والقلة والكثرة، إلا أن مآلهما إلى معنى واحد، نعم فى نسخ هنا «فوق الجمة، ودون الوفرة» وهذه عكس رواية أبى داود، وجمع بينهما بما يؤول إلى ما تقرر، وهو أن المراد بفوق، ودون منهما بالنسبة إلى المحل تارة، وإلى الكثرة والمقدار أخرى، فقوله: «فوق الجمة» أى: ارتفع فى المحل وقوله: «دون الجمة» أى: فى القدر، وكذا العكس قيل: وهو جمع جيد لولا أن المخرج فى الحديث متحد انتهى، ويرد: بأنه إذا أوّل الفوق والدون بما ذكر، لم يؤثر فيه اتحاد المخرج. ٢٥ - (منيع) بفتح فكسر. (أبو قطن) بقاف فمهملة مفتوحتين قدرى لكنه صدوق. (تضرب شحمة أذنيه) أى معظمها يصل إلى شحمة أذنيه وبقيتها إلى المنكبين كما مر بيان ذلك، كان لاختلاف الأوقات، والجهاد ومع بيان اللّمة والجّمة والوفرة.

стр. 90

٢٦ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا وهب عن جرير بن حازم، قال: حدثنى أبى، عن قتادة قال: قلت لأنس: كيف كان شعر رسول الله ﷺ ؟ قال: «لم يكن بالجعد ولا بالسّبط، كان يبلغ شعره شحمة أذنيه». ٢٧ - حدثنا محمد بن يحيى بن أبى عمر، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبى نجيح، عن مجاهد، عن أم هانئ بنت أبى طالب (١)، قالت: «قدم رسول الله ﷺ مكّة قدمة وله أربع غدائر». ــ ٢٦ - (جرير) بفتح الجيم فكسر. (حازم) بمهملة فزاى. ٢٧ - (أم هانئ) بكسر النون وبالهمزة، واسمها فاختة وقيل: الظاهر أنها قدومه فى فتح مكة، ولأنه حينئذ اغتسل، وصلى الضحى فى بيتها، وقدماته إلى مكة أربع متفق عليها: فى عمرة القضاء والفتح، ولما رجع من حنين دخلها لما اعتمر من الجعرانة، وفى حجة الوداع. (وله أربع غدائر) بمعجمة فمهملة جمع غديرة، وهى الذؤابة.

стр. 91

٢٨ - حدثنا سويد بن نصر، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن ثابت البنانى، عن أنس: «أنّ شعر رسول الله ﷺ كان إلى أنصاف أذنيه». ٢٩ - حدثنا سويد بن نصر، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهرى، حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس: «أنّ رسول الله ﷺ كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رءوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رءوسهم، وكان يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشىء، ثمّ فرق رسول الله ﷺ رأسه». ــ ٢٨ - (أنصاف أذنيه) جمع لما فوق الواحد، وأراد بالنصف مطلق البعض على حد حديث: «تعلموا الفرائض، فإنها نصف العلم» (١)، وذلك البعض متعدد أكثر من اثنين لما مر، أنه تارة إلى نصف الأذن، وتارة إلى دونه، وتارة إلى فوقه، كما فى الحديث، روى مسلم نحوه. ٢٩ - (يسدل) بضم الدال وكسرها. (شعره) أى يترك ناصيته على جبهته. (يفرقون) بضم الراء وكسرها من الفرق بفتح فسكون، وهو جعل الشعر فرقتين كل فرقة ذؤابة قصد السدل، وهو مطلق الإرسال والمراد هنا ما مر من إرساله على جبينه، وجعله كالقصة، وقيل: سدله من ورائه غير أن يجعل فرق. (وكان يحب. . .) إلى آخره لا

стр. 92

٣٠ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، عن إبراهيم بن نافع المكى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، عن أم هانئ، قالت: «رأيت رسول الله ﷺ ذا ضفائر أربع». ــ شاهد فيه لتعبده قبل النبوة بشريعة موسى أو عيسى لأن هذه المحبة إنما هى بعد البعثة وقبلها، لم يثبت فيه شىء، فكان الأصح أنه لم يكن متعبدا بشريعة نبى، بل كانت عبادته الفكر، وإنما أثر محبة موافقة ما فعله أهل الكتاب على ما فعله المشركون، لأن أولئك لشريعتهم أصلا، بخلاف هؤلاء لأنهم أهل أوثان، فلا يعتد بما هم عليه، ثم رأيت فى كلام بعضهم ما يدل على أنه لاستئلافهم كما تألفهم باستقبال قبلتهم، وفيه نظر، فإن مشركى العرب أولى بالتأليف منهم، واستقبال قبلتهم عن وحى، والكلام فيما لم ينزل عليه فيه شىء، وفى حديث ما يدل على أن تلك المحبة، إنما كانت قبل اشتهار الإسلام، فلما فتحت مكة، واشتهر الإسلام أحب مخالفتهم، (ثم فرق) فيه دليل على أن الفرق أفضل، لأنه الذى رجع إليه ﷺ وإنما جاز السدل، خلافا لمن قال: نسخ السدل، فلا يجوز فعله، ولا اتخاذ الناصية للخبر السابق «إن انفرقت عقيقته فرق» إلى آخره، إذ هو صريح فى جواز السدل، وزعم نسخه يحتاج لبيان ناسخه وأنه متأخر عن المنسوخ، ويحتمل رجوعه إلى الفرق باجتهاد، وعليه فحكمة عدوله عن موافقة أهل الكتاب هنا، أن الفرق أقرب إلى النظافة، وأبعد عن الإسراف فى غسله، وعن مشابهة النساء، ومن ثمة كان الذى يتجه أن محل جواز السدل، حيث لم يقصد به التشبيه بالنساء وإلا حرم من غير نزاع. ٣٠ - (ضفائر أربع) هو بمعنى غدائر السابقة، والضفر: بفتح الشعر أو غيره، والضفيرة: العقيقة، وفيه: حل ضفر الشعر حتى للرجال، وليس مما يختص بالنساء، إلا باعتبار ما اعتيد فى أكثر البلاد فى هذه الأزمنة المتأخرة، ولا اعتبار بذلك. ...

стр. 93

٤ - باب: ما جاء فى ترجّل رسول الله ﷺ ٣١ - حدثنا إسحاق بن موسى الأنصارى، حدثنا معن بن عيسى، ثنا مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «كنت أرجّل رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض». ــ (باب فى ترجل رسول الله ﷺ ٣١ - (أرجل) أى أسرح، وأنظف، وأحسن، وعبر فى الترجمة بالترجيل، ليبين أنه بمعنى الترجيل الذى دل عليه أرجّل المذكور، ولأن الترجيل مشترك بين الترجيل، وجعل الشعر جعدا بالعمل المذكور، كذا قيل، وهو مردود: بأن ترادفهما يعلم من مجيئهما فى الحديث، والترجل مشترك بين هذا والمشى راجلا، فالصواب: أنه إنما آثره؛ لأنه الأكثر فى الأحاديث. (وأنا حائض). فيه: دلالة على طهارة يدها، وسائر ما لم يعتبر دم من بدنها، وهو إجماع، وعلى أنه لا تكره مخالطتها، ولا استعمال معجونها [ومطبوخها] (١) ونحوه الاضطجاع معها، والشرب مما تشرب منه، وعلى أنه ينبغى للمرأة أن تتولى خدمة زوجها بنفسها فى سائر الأحوال، ومجانبتها حال الحيض طريقة لليهود-لعنهم الله-.

стр. 94

٣٢ - حدثنا يوسف بن عيسى، حدثنا وكيع، حدثنا الربيع بن صبيح، ثنا يزيد ابن أبان-هو الرقاشى-عن أنس بن مالك، قال: «كان رسول الله ﷺ يكثر دهن رأسه، وتسريح لحيته، ويكثر القناع، حتّى كان ثوبه ثوب زيّات». ٣٣ - حدثنا هنّاد بن السرى، حدثنا أبو الأحوص، عن الأشعث بن أبى الشعثاء، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة، قالت: «إن كان رسول الله ﷺ ليحبّ التّيمّن فى طهوره إذا تطهر، وفى ترجّله إذا ترجّل، وفى انتعاله إذا انتعل». ــ ٣٢ - (يزيد) ضعفوه فالحديث معلول. (أبان) بكسر النون مشددة أو بفتحها تخفيفا بالصرف، بناء على أنه فعال، وعدمه على أنه أفعل، وقاعدة أن الأصل الصرف يرجح الأول. (الرّقاشى) بتخفيف القاف وبالشين المعجمة. (دهن) بفتح الدال مصدر بمعنى استعمال الدهن. (وتسريح) عطف على دهن لا على رأسه، خلافا لمن وهم فيه. (القناع) هو خرقة تلقى على الرأس بعد استعمال الدهن، لتقى العمامة من وسخه. (حتى) غاية، ليكثر (ثوبه) هو ذلك القناع. (زيات) أى بائع زيت أو صانعه. ٣٣ - (إن كان) مخففة من الثقيلة أى أنه وضميرها للشأن، ويجوز عملها على قلة وإهمالها هو الأكثر. (التيمن) أى الابتداء باليمين. (فى طهوره) بفتح أوله وهو الماء الذى يتطهر به ففيه حذف مضاف، أى استعماله وضمه، وهو بالفعل، وهذا بالنسبة ليديه بعد غسل الوجه دونهما أول الوضوء ولرجليه دون نحو خديه وأذنيه، لغير نحو

стр. 95

٣٤ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام بن حسان، عن الحسن البصرى، عن عبد الله بن مغفل، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن التّرجّل إلا غبا». ــ أقطع وكالطهور وما ذكر من سائر ما هو من باب التكريم كالأخذ والعطاء وليس نحو الشرب، ودخول البيت، ونحو المسجد، وحلق الرأس، وقص الشارب، وترجيل الشعر، والاستياك بالنسبة للفم، وكذا اليد على نزاع فيه والكحل، وتقليم الأظفار، فيبدأ اليد بسبابته اليمين، ثم وسطاها، ثم بنصرها وخنصرها، ثم إبهامها، ثم بخنصر اليسرى فبنصرها فوسطاها فسبابتها فإبهامها، وفى الرجل، فيبدأ بنخنصر اليمنى، وهكذا على التوالى إلى أن يختم بخنصر اليسرى، قياسا على التخليل فى الوضوء، ولدخول المسجد، والخروج من الخلاء، فيبين فيه الابتداء باليمين، بخلاف غيره. فإن كان لا شرف فيه ولا خسة، أو فيه خسة، فالسنة فيه البدأة فيه باليسار، وأما فى الأخير فاتفاق، وأما فيما قبله فعلى كلام فيه سنة فى شرح العباب. ٣٤ - (حسان) الظاهر أنه للمبالغة فى الحسن فيصرف فإن كان من الحسن كان فيه زيادة الألف والنون والعلمية فلا يصرف ونظيره قيل لبعضهم أتصرف عفان، قال: نعم إذا هجوته أى لأنه من العفونة، لا إن مدحته أى لأن معنى الحديث (الترجل) مثله الأدهان (إلا غبا) مثله ورود الإبل الماء يوما وتركه يوما، ثم استعمل فى فعل ذلك وقتا وتركه وقتا، لأن إدامته تشعر بمزيد الإمعان فى الزينة والترفه، وذلك إنما يليق بالنساء،

стр. 96

٣٥ - حدثنا الحسن بن عرفة، قال حدثنا عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن أبى خالد، عن أبى العلاء الأودّى، عن حميد بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب النبى ﷺ : «أن النّبىّ ﷺ كان يترجّل غبا». ــ لأنه ينافى شهامة الرجال. فوائد: ورد بسند ضعيف «كان ﷺ لا يتنور، وكان إذا كثر شعره» (١) أى شعر عانته. «حلقه»: لكن صح أنه ﷺ «كان إذا بدأ بعانته فطلاها بالنورة» (٢) وأعل بالإرسال، وخبر أنه ﷺ «دخل حمام الجحفة» (٣) موضوع باتفاق الحفاظ، وإن وقع فى كتابه أنه بصرى وغيره منها ولم تعرف العرب الحمام ببلادهم، إلا بعد موته ﷺ .

стр. 97

٥ - باب: ما جاء فى شيب رسول الله ﷺ ٣٦ - حدثنا محمد بن بشار، أخبرنا أبو داود، أخبرنا همام، عن قتادة قال: قلت لأنس بن مالك: «هل خضب رسول الله ﷺ ؟ قال: لم يبلغ ذلك. إنما كان شيبا فى صدغيه، ولكن أبو بكر رضى الله عنه خضب بالحنّاء والكتم». ــ (باب ما جاء فى شيب رسول الله ﷺ ٣٦ - (هل خضب رسول الله ﷺ ؟) أى هل غيّر بياض شعر رأسه ولحيته. (لم يبلغ ذلك) أى حد الخضاب وهو الشيب المفهوم من السياق ومن ثم قال: (إنما كان) أى شيبه. (شيبا) أى قليلا، وإنما كان ما يخضبه شيئا كما فى نسخة. (فى صدغيه) والصدغ ما بين العين والأذن، وروى مسلم عن أنس روايات أخر «كان فى لحيته شعرات بيض لم ير من الشيب إلا قليلا لو شئت أن أعد شمطات كن فى رأسه، ولم يخضب، إنما كان البياض فى عنفقته، وفى الصدغين، وفى الرأس نبذ» (١) بضم ففتح، أو بفتح فسكون أى شعرات متفرقات، وقوله: «لم يخضب» إنما قاله بحسب علمه لما يأتى مبسوطا فى الخضاب. (والكتم) وهو بفتحتين نبت أو ورق كورق الآس يخلطه مع الوسمة، وقال الأزهرى (٢): نبت فيه حمرة، ويؤيد الأول ما خرجه مسلم. «أن أبا بكر كان يخضب بالحناء والكتم وعمر بالحناء وحده» (٣). فهو مشعر بأن أبا بكر، كان يجمع بينهما دائما، لا بالكتم الصرف الموجب للسواد الصرف، لأنه مذموم، انتهى.

стр. 98

٣٧ - حدثنا إسحاق بن منصور، ويحيى بن موسى، قالا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: «ما عددت فى رأس رسول الله ﷺ ولحيته إلا أربع عشرة شعرة بيضاء». ــ ٣٧ - (إلا أربع عشرة شعرة بيضاء) لا ينافى رواية ابن عمر الآتية: «إنما كان شيبه نحوا من عشرين شعرة بيضاء» (١) وذلك لأن الأربع عشرة نحو العشرين، لأنها أكثر من بضعها، ومن زعم أنه لا دلالة لنحو الشىء على القرب منه فقد وهم، نعم روى البيهقى عن أنس نفسه. «ما شانه الله بالشيب، ما كان فى رأسه ولحيته، إلا سبع عشرة، أو ثمان عشرة بيضاء» (٢) وقد يجمع بينهما بأن أخباره اختلفت، لاختلاف. الأوقات، وبأن الأول إخبار عن عدة، والثانى إخبار عن الواقع، فهو لم يعد إلا أربع عشرة، وأما فى الواقع فكان سبع عشرة أو ثمان عشرة، وروى البخارى عن أبى جحيفة «كان رسول الله ﷺ أبيض قد شمط» (٣)، ومسلم عنه: «رأيت رسول الله، وهذه منه بيضاء» (٤) ووضع الراوى بعض أصابعه على عنفقته، ومرّ فى خبر أن أنس أول الكتاب الجمع بين خبر «لم يشنه الله بالشيب» (٥) وخبر «أن الشيب وقار ونور كان

стр. 99

٣٨ - حدثنا محمد بن المثنى، أخبرنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت جابر بن سمرة، وقد سئل عن شيب رسول الله فقال: «كان إذا دهن رأسه لم ير منه شيب، وإذا لم يدهن رئى منه شىء». ٣٩ - حدثنا محمد بن عمر بن الوليد الكندى الكوفى، حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك (١)، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «إنّما كان شيب رسول الله ﷺ نحوا من عشرين شعرة بيضاء». ــ إذا دهن» (٢) الحديث أخرجه مسلم، والنسائى عن جابر أيضا بلفظ: «كان قد شمط مقدم رأسه ولحيته» (٣). ٣٨ - (وكان إذا ادهن) لم يتبين، وإذا أشعث رأسه تبين، وكان كثير شعر اللحية، وإنما لم يتبين عند الادهان، لأن الشعر يجتمع فيه، فينظر البياض لقلته فى السواد، بخلافه عند الادهان، فإن الشعر حينئذ يتفرق، فيظهر الأبيض من غيره.

стр. 100

٤٠ - حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام، عن شيبان، عن أبى إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت. قال: شيّبتنى هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون، وإذا الشّمس كوّرت». ــ ٤٠ - (شبت) كان حكمة السؤال عن ذلك، أن مزاجه ﷺ اعتدلت فيه الأمزجة والطبائع الأربعة، وإسدالها مستلزم لعدم الشيب ولو فى أوانه، فكان شيبه بالنظر لذلك، كأنه تقدم على أوانه، فسئل عن حكمته. (هود) بالصرف أى فى سورة هود، وبتركه على أن هذا الاسم علم السورة. (والواقعة) أى لأن هذه السورة من أهوال يوم القيامة وتباين أحوال السعداء والأشقياء، والأمر بالاستقامة، كما أمر مما يليق بعلى كماله، ورفيع جلاله الذى لا يمكن البشر أن يحمله، ومن ثمة لما نزل: اِتَّقُوا اَللهَ حَقَّ تُقاتِهِ (١) ضجّوا حتى نزل: فَاتَّقُوا اَللهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ (٢) ومن غير ذلك، مما لا يستوجب بعضه، إلا ديوان حافل بما يوجب سلطان الخوف والحزن، سيما على أتباعه وأمته لعظم

стр. 101

٤١ - حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا محمد بن بشر، عن على بن صالح، عن أبى إسحاق، عن أبى جحيفة، قال: قالوا: «يا رسول الله، نراك قد شبت. قال: قد شيّبتنى هود وأخواتها». ــ رأفته، ورحمته بهم، ودوام الفكر فيما يصلحهم، وتتابع الغم فيما يؤلمهم، أو يصدر عنهم، واشتغال القلب والبدن بأحوالهم ومصالحهم الظاهرة والباطنة، وهذا كله مستوجب لضعف قوى البدنية، وضعفها مستلزم لضعف الحرارة الغريزة، وبضعفها يسرع الشيب، ويظهر قبل وقته وأوانه، لكن لما كان عنده ﷺ من انشراح الصدر، واتساع القلب، وتوالى أنوار اليقين والقرب، ما يسليه كل هم وحزن، لم يقدر ذلك، إلا أن يستولى إلا على قدر يسير من شعره الشريف ليكون فيه مظهر الجلال والجمال، وليتبين أن جماله ﷺ غالب على جلاله بل لا نسبة بينهما فى وصفه فى كتابه بالرءوف الرحيم، ولم يوصف بالجبار، إلا فى الزبور، وإشارة إلى ما ذكرته، واستنبطته وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (١). ٤١ - (وأخواتها) لعلها المفصلة فى الحديث السابق، وكأن وجه تخصيص هذه السورة بالذكر مع أنه فى بعض السور غيرها، ما فى بعضها مما مر وزيادة، أنه ﷺ حال إخباره بذلك، لم يكن أنزل عليه مما يشتمل على ما مرّ غيرها.

стр. 102

٤٢ - حدثنا على بن حجر، قال: أنبأنا شعيب بن صفوان، عن عبد الملك بن عمير، عن إياد بن لقيط العجلى، عن أبى رمثة التيمى-تيم الرباب-قال: «أتيت النّبىّ ﷺ ومعى ابن لى. قال: فأريته، فقلت لمّا رأيته: هذا نبىّ الله ﷺ وعليه ثوبان أخضران، وله شعر قد علاه المشيب، وشيبه أحمر». ٤٣ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا سريج بن النعمان، أخبرنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب قال: قيل لجابر بن سمرة: ــ ٤٢ - (إياد) بكسر الهمزة فتحتية، ثم دال مهملة. (لقيط) (١) بفتح فكسر. (رمثة) براء مكسورة فميم ساكنة. (الرباب) (٢) بكسر الراء، وتخفيف الموحدة الأولى، وهم خمس قبائل من جملتهم: تيم، غسلوا أيديهم فى ربب، وتحالفوا عليهم، فصاروا يدا واحدة. (فأريته) أى جعلت. (وله شعر) أى قليل لما مر أن شيبه، لم يبلغ عشرين شعرة. (علاه المشيب) أى صار إليه البياض بأعلى ذلك الشعر القليل أى بمنابته، وما قرب منها. (وشيبه أحمر) أى وذلك البياض صبغ بحمرة، فتوافق ما مر عن ابن عمر «أنه تخالطه حمرة فى أطراف تلك الشعرات» لأن العادة، أول ما يشيب أصول الشعر، دون الشعر، إذا قرب شيبه صار أحمر، ثم أبيض واندفع بهذا التقدير ما لبعضهم هنا من الإشكال، وخلط بعضهم فى الجواب بما لا يجدى. ٤٣ - (مفرق رأسه) الظاهر أنه كما مر، أى مقدمه (إذا ادهن) بفتح الدال وضمها

стр. 103

«أكان فى رأس رسول الله ﷺ شيب؟ قال: لم يكن فى رأس رسول الله ﷺ شيب إلا شعرات فى مفرق رأسه إذا ادّهن واراهنّ الدّهن». ــ أى متدهن لجمعه الشعر، أو لخلطه بالطيب روى مسلم: «كان إذا دهن، لم يتبين» (١) أى الشيب، وإذا أشعث تبين، قال شارحه: لأنه عن الادهان يجمع شعره، ويختفى شيبه لقلته، وعند عدمه يتفرق شعره فيظهر شيبه، ومر ذلك قريبا. ...

стр. 104

٦ - باب: ما جاء فى خضاب رسول الله ﷺ ٤٤ - حدثنى أحمد بن منيع، حدثنا هشيم، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن إياد بن لقيط، قال: أخبرنى أبو رمثة، قال: «أتيت النّبىّ ﷺ مع ابن لى. فقال: ابنك هذا؟ فقلت: نعم، أشهد به. قال: لا يجنى عليك ولا تجنى عليه. قال: ورأيت الشّيب أحمر». (قال أبو عيسى: هذا أحسن شىء فى هذا الباب وأفسر؛ لأن الروايات الصحيحة أنه ﷺ لم يبلغ الشيب. وأبو رمثة اسمه رفاعة بن يثربى التميمى). ــ (باب ما جاء فى خضاب رسول الله ﷺ قال فى القاموس (١): الخضاب ككتاب، وهو ما يختضب به أى يلون به، وجعله غيره مصدر كالخضب بمعنى التلوين، وهو بعيد. ٤٤ - (هشيم) بضم ففتح. (مع ابن لى) حال أى كائنا معه و (ابنك) حذف منه همزة الاستفهام ومن ثم أظهرت فى رواية أخرى، وفى تأخير هذا إشكال، لأن الظاهر أن السؤال إنما هو من ابنه، وهذا والمطابق له أهذا ابنك، لا عن هذية ابنه المطابق له فى المتن وجوابه أن هذا مبتدأ مؤخر بقرينة السياق الشاهدة، بأن المعهود ولذا قال ابنك هذا، أى المعهود هنا (أشهد به) أى كن شاهدا عليه يا رسول الله ويصح كونه فعلا مضارعا أى اعترف وأقرّ به، إما لأن أحدا كان يشك فى ذلك، أو لبيان أنه مستلزم لجنايته على ما اعتاده الجاهلية من مؤاخذة الوالد ولده بجناية الآخر، ومن ثم رد عليه النبى ﷺ بقوله: (لا يجنى عليك) إلى آخره أى لا تؤاخذ بذنبه، ولا يؤاخذ بذنبك، ومن ثمة قال أئمتنا: إن أبا الجانى وفرعه لا يتحملان عنه شيئا من الدية بخلاف بقية

стр. 105

٤٥ - حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا أبى، عن شريك، عن عثمان بن موهب، قال: «سئل أبو هريرة: هل خضب رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم». (قال أبو عيسى: وروى أبو عوانة هذا الحديث، عن عثمان بن عبد الله بن ــ العاقلة، ويؤيده الرواية الأخرى: «لا يؤخذ الرجل بجريرة ابنه»، وفى رواية أخرى: «وبر الوالد» أى: من التحمل مع العاقلة (أحمر) أى من الخضاب، وبقربه من المشيب كما مر. (قال أبو عيسى: هذا. . . إلخ) معناه أن كلام هذا الراوى دال على أن المراد بالحمرة المعنى الثانى فى الخضاب، وعلى أنه أراد بالشيب مقدمته، وهى الحمرة وحينئذ فيوافق الروايات الصحيحة «أنه ﷺ لم يبلغ الشيب فلم يخضب» كذا قيل، وليس بظاهر، لأن الترمذى، قال بالخضاب، بدليل سياقه للأحاديث الآتية، ولأن هذا لو كان مراده، لم يسق هذا الحديث فى هذا الباب أصلا، بل كان يقتصر على سياقه فى الباب قبله فإن فيه ثم كونه أحمر أيضا، فكان الاقتصار عليه ثمة أولى، وذكر كونه أحمر لا يضر، لأن المراد حمرته الذاتية التى هى مقدمة للشيب، فذكره له بتمامه فى البابين، يدل على أن له مناسبة بكل منها تقريرها أن فيه إثبات الشيب المناسب للباب السابق، وأنه كان أحمر أى بالخضاب وهو المناسب لهذا الباب. وأما الروايات الصحيحة: «أنه لم يشب» فمعناها لم يكثر شيبه، مع أنه كان يستره بالحمرة فى بعض الأحيان. ٤٥ - (قال: نعم) يوافقه ما فى الصحيحين عن ابن عمر «أنه رأى النبى ﷺ يصبغ

стр. 106

موهب، فقال: عن أم سلمة). ــ بالصفرة» (١) فهذا دليل مذهبنا، أن الخضاب بغير السواد سنة، ويوافقه خبر أبى داود: مرّ رجل على النبى ﷺ قد خضب بالحناء فقال: «هذا أحسن» فمر آخر خضب بالحناء والكتم، فقال: «هذا أحسن» فمر آخر خضب بالصفرة، فقال: «هذا أحسن من هذا كله» (٢)، وما فى الصحيحين: أنه لما جىء بأبى قحافة يوم الفتح للنبى ﷺ ، ورأسه، ولحيته كالثغامة بياضا، فقال النبى ﷺ : «غيروا هذا بشىء، واجتنبوا السواد» (٣) قول القاضى عياض منع الأكثرون الخضاب مطلقا، وهو مذهب مالك لما روى من النهى عن تغيير الشيب، ولأنه ﷺ لم يغير شيبه، فأجاب عنه النووى: بأن ما مرّ عن ابن عمر وغيره، لا يمكن تركه ولا تأويله، قال فالمختار: أنه ﷺ صبغ فى وقت، وتركه فى معظم الأوقات، فأخبر كلّ ما رأى، وهو صادق، وهذا التأويل كالمتعين للجمع به بين الأحاديث، ومذهبنا: ندب خضب الرجل والمرأة بنحو حمرة، أو صفرة، وتحرم عليها خضابه بالسواد، إلا الرجل لحاجة الجهاد، وقيل: يكره (٤). (موهب) بفتح الهاء، قيل: وكسرها ورد بأنه سهو.

стр. 107

٤٦ - حدثنا إبراهيم بن هارون، قال: أنبأنا النضر بن زرارة، أنا أبى جناب، عن إياد بن لقيط، عن الجهذمة امرأة بشير ابن الخصاصية (١). قالت: «أنا رأيت رسول الله ﷺ يخرج من بيته ينفض رأسه، وقد اغتسل، وبرأسه ردع من حنّاء. أو قال: ردغ. شكّ فى هذا الشّيخ». ــ ٤٦ - (زرارة) بزاى وراءين. (بشير) بفتح أوله سماه به النبى ﷺ تغييرا لاسمه زخما (أنا) قدمت أسند إليه ليفيد تفرده بهذه الرواية، (جناب) بجيم مخففة ثم موحدة بوزن سحاب، وفى نسخ: جباب بمعجمة فموحدة، وفى أخرى: خباب بمهملة فموحدة وخاء خلاف الصواب. (الخصاصية) بخاء معجمة وصادين مهملتين وتحتية مخففة اسم أمه، وهى صحابية، وخطأ صاحب القاموس تشديدها ردا على ابن الأثير وغيره، لأنه ليس فى كلام العرب فعّالية بالتشديد، وفى التخطئة بذلك نظر لأن هذا من الأعلام وقد يقع

стр. 108

٤٧ - حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا عمرو بن عاصم، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا حميد، عن أنس، قال: «رأيت شعر رسول الله ﷺ مخضوبا» قال حماد: وأخبرنا عبد الله بن محمد ابن عقيل، قال: «رأيت شعر رسول الله ﷺ عند أنس بن مالك مخضوبا». ــ فيها ما لا يوافق الأوزان المعروفة (١). ثم رأيت بعضهم ذكر نحو ذلك، فقال ما حاصله: الذى لم يوجد مشددا الخصاصية مصدرا، أما إذا كان الأصل بالخصيص أى الفقير، والياء بالنسبة، فلا مانع منه، لأن التعويل فى ذلك على النقل لا العقل، عن أم سلمة أى بدل أبى هريرة فى الطريق الأولى، وزعم شارح خلاف ذلك، وفيه صرف اللفظ عن ظاهره بمجرد الرأى، ولا مدخل له هنا. (ردع) بمهملتين مع سكون الأولى وفتحها (٢) أو قال: (ردغ من حناء) بالمد وهو اللطخ من نحو الحناء والزعفران إذا لم يعم كل المحل، أما الردغ بالمعجمة وفتح الدال المهملة وسكونها أيضا فهو الطين والوحلة، وقال جماعة: هو بالمهملة الصبغ وبالمعجمة الطيب الكثير قيل: الذى وسخ (٣). ٤٧ - (عبد الله بن عبد الرحمن) أبو محمد الدارمى الحافظ المتقن صاحب المسند أخرج له المصنف فى «مسنده»، وأبو داود، نسبة لبنى دارم قبيلة. (الشيخ) يعنى شيخه المذكور أول المسند وفى بعض التصريح باسمه هنا أيضا. (مخضوبا) مرّ فى الأحاديث الصحيحة عن أنس. «أنه ﷺ لم يختضب» ولعل أنسا أراد بالنّفى الأكثر من أحواله، وبالإثبات إن صح عنه الأقل منها.

стр. 109

٧ - باب: ما جاء فى كحل رسول الله ﷺ ٤٨ - حدثنا محمد بن حميد الرازى، حدثنا أبو داود الطيالسى، عن عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبى ﷺ قال: «اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر، وينبت الشّعر». وزعم «أنّ النّبىّ ﷺ له مكحلة يكتحل منها كلّ ليلة ثلاثة فى هذه وثلاثة فى هذه». ــ (باب ما جاء فى كحل رسول الله ﷺ ٤٨ - روى أحمد وابن ماجه الخبر مثل ما رواه المصنف فى الحديث الأول. (عباد) بمهملة فموحدة مشددة. (بالإثمد) أى دوموا على استعماله وهو حجر الكحل المعروف، وقيل: كحل أصبهانى أسود. (يجلو البصر) أى يدفع الجواد الرديئة المنحدرة من الرأس إليه. (وينبت الشعر) أى هدب العين لأنه يقوى طباقها. (وزعم) الضمير لابن عباس، كما هو ظاهر من السياق، فلا يزاد بالزعم موضوعه المتبادر منه، لأنه قد يستعمل بمعنى قال، كقول أم هانئ عن أخيها علىّ للنبى ﷺ يوم الفتح: زعم ابن أمى أنه قاتل فلان وفلان، لاثنين من أصهارها أخبرتهما، أو لمحمد بن حميد على ما حرره بعضهم وح فالزعم باق على معناه إلى ضعف حديثه، بإسقاط الوسائط بينه وبين النبى ﷺ . (كل

стр. 110

٤٩ - حدثنا عبد الله بن الصباح الهاشمى البصرى، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن عباد بن منصور. (ح) وحدثنا على بن حجر، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا عباد بن منصور، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: «كان رسول الله ﷺ يكتحل قبل أن ينام بالإثمد ثلاثا فى كلّ عين». وقال يزيد بن هارون فى حديثه: «إنّ النّبىّ ﷺ كانت له مكحلة يكتحل منها عند النّوم ثلاثا فى كلّ عين». ٥٠ - حدثنا أحمد بن منيع، أخبرنا محمد بن يزيد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن جابر-هو ابن عبد الله-قال: قال رسول الله ﷺ : ــ ليلة) حكمة كونه فى الليل أنه أبقى فى العين وأمكن فى السراية إلى طبقاتها. (ثلاثة) متوالية. (فى هذه) أى اليمنى. (وثلاثة) كذلك (فى هذه) أى اليسرى وآثر الثلاثة رعاية للأوتار، ومن ثمة روى أبو داود «من اكتحل فليوتر» (١)، ولأنه متوسط بين الإقلال والإكثار وخير الأمور أوساطها ٤٩ - (ح وحدثنا) جرت عادة المحدثين أنه إذا كان للحديث أكثر من إسناد كتبوا صورة «ح» مفردة بعد انتهاء الأول وابتداء الثانى، وهكذا إشارة إلى القول من إسناد آخر، وينطق القارئ بلفظها ويقول «ح» بالقصر، والمغاربة يقولون عندها: الحديث، وبعضهم يكتب بدلها «صح».
следующие страницы →