← Сира

Сира · id 122255

أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (602 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

١٤٦ - حدثنا قتيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، قال: سمعت النعمان بن بشير، يقول: «ألستم فى طعام وشراب ما شئتم، لقد رأيت نبيّكم ﷺ وما يجد من الدّقل ما يملأ بطنه». ــ لأكثر البدن، ورواية مسلم عن جابر: «أخذ رسول الله ﷺ بيدى ذات يوم إلى منزله فأخرج إليه فلقا من خبز فقال: «ما من أدم» فقالوا: إلا شىء من خل، فقال: «نعم الإدام الخل» (١) قال جابر: فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من النبى ﷺ واستفيد من مدحته أنه أدم فاضل جيد، ومن الاقتصار عليه فى الأدم مدح الاقتصاد فى المأكل ومنع النفس من أملاذ الأطعمة وشهواتها المفسدة للدين والبدن وما ذكرته من مستفادة هذين من الحديث أولى من اقتصار القاضى كالخطابى على الثانى، ومن اعترض النووى عليهما بأن الحديث إنما يفيد الأول والثانى معلوم من قواعد أخر، ثم الثناء عليه بذلك إنما هو بحسب مقتضى الحال الحاضر لا لتفضيله على غيره خلافا لمن ظنه، لأن سبب الحديث أن أهله قدموا له خبزا فقال: «ما من أدم؟» فقالوا: ما عندنا إلا خل فقال: (نعم الإدام الخل) جبرا أو تطيبا لقلبه من قدمه، لا تفضيلا له على غيره إذ لو حضر نحو لحم أو عسل أو لبن لكان أحق بالمدح منه وبين ﷺ بقوله: «ما من أدم» أن أكل الخبز مع الأدم من أسباب حفظ الصحة بخلاف الاقتصار على أحدهما، واستفيد من كونه أدما أن من حلف لا يأكل أدما حنث به وهو كذلك لقضاء العرف بذلك أيضا. ١٤٦ - (ألستم) إلى آخره الاستفهام فيه للإنكار والتوبيخ، ولذا عقبه بقوله «لقد».

стр. 212

١٤٧ - حدثنا عبدة بن عبد الله الخزاعى، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «نعم الإدام الخلّ». ١٤٨ - حدثنا هناد، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أيوب، عن أبى قلابة، عن زهدم الجرمى، قال: ــ (فى طعام وشراب) أى متنعمين فيهما بمقدار. (ما) أى الذى (شئتم) من السعة والإفراط، أو ما مصدرية، وزعم أنها للتقرير بعد متكلف. (رأيت) الظاهر أنها هنا بصرية، وقوله: (وما يجد) جملة حالية وقيل علمية فتلك مفعول ثانى ودخلت الواو إلحاقا له، بخبر كان على رأى الأخفش. (نبيكم) أضافه إليهم ليحثهم على الاقتداء به والإعراض عن الدنيا ومستلذاتها ما أمكن، فلذا لم يقل نبى ونبيكم، وأما قتل خالد رضى الله عنه مالك بن نويرة لما قال له كان صاحبكم يقول كذا فقال: صاحبنا وليس بصاحبك، ثم قتله فهو ليس لمجرد هذه اللفظة، بل لأنه بلغه عنه أنه ارتد، وقال ذلك عنده بما أباح له الإقدام على قتله. (الدقل) ردىء التمر ويابسه وما ليس له اسم خاص. ١٤٨ - (زهدم) بفتح أوله المعجم فأتى بنائب الفاعل ضمير أبى موسى وزعم أنه دجاج غلط فاحش. (فتنحّى) أى تباعد. (رجل) روى حديثه الشيخان أيضا، وسيأتى

стр. 213

«كنّا عند أبى موسى الأشعرىّ، فأتى بلحم دجاج، فتنحّى رجل من القوم. فقال: مالك؟. فقال: إنّى رأيتها تأكل شيئا نتنا، فحلفت ألا آكلها. قال: ادن، فإنّى رأيت رسول الله ﷺ يأكل لحم الدّجاج». ١٤٩ - حدثنا الفضل بن سهل الأعرج البغدادى، حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن ابن مهدى، عن إبراهيم بن عمر بن سفينة، عن أبيه، عن جده قال: «أكلت مع رسول الله ﷺ لحم حبارى». ــ أنه من تيم الله أحمر كان من الموالى، وزعم أنه زهزم وأنه عبر عن نفسه برجل ليس فى محله، لأن زهدم فى الرواية الآتية بينه بصفته ونسبه. (نتنا) أى من القاذورات فتوهم حرمتها لذلك، أو أتاها بطبق. (فحلف أن لا يأكلها) فبين له أبو موسى: أنه ينبغى له أن يأكل منها اقتداء بالنبى ﷺ ويكفر عن يمينه، فإن هذا خير له من بقائها عليها، فإن قلت: لعله فهم أن جنسها جلالة، وهى تحرم، ويكره أكلها على الخلاف فيه، فكيف يؤمر بالحنث؟ ح قلت: لا يلزم من ذلك كونها جلالة، لأن هجره أكل القذر لا يستلزم التغير الذى حصوله شرط فى تسميتها جلالة، حتى يجرى ذلك الخلاف فيها، نعم لو قيد يمينه بالجلالة لم يندب الحنث فيها، قيل: وكذا لو كان الحلف بالطلاق، فلا يندب الحنث، لأنه أبغض الحلال إلى الله، أو بالعتاق وهو محتاج إلى ثمن الرقيق. انتهى. والأول محتمل أكثر من الثانى، إذ ظاهر كلامهم أن العتق قربة مطلقا، نعم إن كان احتياجه إليه لنحو دين لا يرجو له وفاء، حرم الحنث لأنه ح يحرم عليه عتقه. ١٤٩ - (حبارى) طائر معروف كبير العنق، رمادى اللون شديد الطيران جدا يقع على

стр. 214

١٥٠ - حدثنا على بن حجر، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن القاسم التميمى، عن زهدم الجرمى. قال: «كنّا عند أبى موسى الأشعرىّ. قال: فقدّم طعامه، وقدّم فى طعامه لحم دجاج وفى القوم رجل من بنى تيم الله، أحمر كأنّه مولى. قال: فلم يدن. فقال له أبو موسى: ادن فإنّى رأيت رسول الله ﷺ أكل منه. فقال: إنّى رأيته يأكل شيئا فقذرته، فحلفت ألا أطعمه أبدا». ١٥١ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو أحمد الزبيرى وأبو نعيم، قالا: حدثنا سفيان، عن عبد الله بن عيسى، عن رجل من أهل الشام يقال له: عطاء، عن أبى أسيد، قال: قال رسول الله ﷺ : «كلوا الزّيت، وادّهنوا به، فإنّه من شجرة مباركة». ــ الذكر، والأنثى، والواحد، والجمع، وأنها ليست للإلحاق قال الجوهرى: ولا للتأنيث، وصوب غيره: أنها للتأنيث بدليل أنها غير منصرفة معرفة كانت أو نكرة، ولحمها بين لحم الدجاج والبط، وروى الشيخان: «أنه أكل لحم حمار الوحش، ولحم الجمل، سفرا وحضرا ولحم الأرنب» ومسلم: «أنه أكل دواب البحر». ١٥٠ - (تيم الله) هم حى من بنى بكر، وتيم الله معناه عبد الله. ١٥١ - (أسيد) بفتح فكسر، لا ضم وفتح خلافا لمن زعمه، أنصارى. (كلوا الزيت) مناسبة للترجمة أن الأمر بأكل يستدعى أكله منه. (مباركة) كثيرة المنفعة، أو لأنها تنبت

стр. 215

١٥٢ - حدثنا يحيى بن موسى، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «كلوا الزّيت، وادّهنوا به، فإنّه من شجرة مباركة». (_١٥٢) م-حدثنا أبو داود سليمان بن معبد المروزى السنجى، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم عن أبيه عن النبى ﷺ نحوه ولم يذكر فيه عن عمر. ١٥٣ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن بن ــ فى الأرض المقدسة التى بارك الله فيها للعالمين، وقيل: بارك فيها سبعون نبيا منهم إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، ويلزم من بركة هذه الشجرة بركة ما يخرج منها من الزيت وكيف لا وفيه من الأكل والدهن، وفيهما نعمتان عظيمتان أشار إليهما بقوله: «كلوا الزيت وادهنوا به». فربما أسنده، وربما أرسله بيان للمراد بالاضطراب (١) هنا إذ هو مخالف روايتين أو أكثر إسنادا ومتنا مخالفة لا يمكن الجمع بينهما ما لم تترجح إحداهما بنحو كثرة طرق إحدى الروايتين أو لكونهما أصح أو أشهر أو رواتها أتقن أو معهن زيادة على ما هنا فإن إحداها المسند معه زيادة علم على المرسل سيما والمرسل أسنده مرة فوافق إسناد غيره له دائما وهو أبو أسيد فى الرواية السابقة. ١٥٢ م- (السنجى) بكسر أوله المهمل فنون فجيم منسوب إلى السنج قرية من أعمال مرو وذكره أولا وثانيا إشارة إلى أنه قد يقع فى كلام المحدثين ذكر نسبه فقط وقد يقع ذكر نسبه واسمه ونسبته أكثر. ١٥٣ - (الدباء) هو اليقطين بالمد على الأشهر ويجوز القصر وكان سبب محبته ﷺ

стр. 216

مهدى، قالا: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: «كان النّبىّ ﷺ يعجبه الدّبّاء، فأتى بطعام، أو دعى له. فجعلت أتتبّعه، أضعه بين يديه لما أعلم أنّه يحبّه». ١٥٤ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حفص بن غياث، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن حكيم بن جابر، عن أبيه، قال: «دخلت على النّبىّ ﷺ فرأيت عنده دبّاء يقطّع. فقلت: ما هذا؟ قال: نكثّر به طعامنا». ــ له ما فيه من زيادة العقل والرطوبة المعتدلة، وما كان يلحظه من السر الذى أودعه الله فيه إذ خصه بالإنبات على أخيه يونس ﵇ حتى وقاه وتربى فى ظله، فكان له كالأم الحاضنة لفرخها. (أو) شك من أحد رواته لكن ظاهر السياق أنه من أنس. (أتتبعه) فيه أن الطعام إذا اختلفت أنواعه يجوز مد اليد إلى ما لا يليه وأنه يجوز للضيفان أن يناول بعضهم بعضا ومحل ذلك عندنا إن لم يخص بعضهم بنوع أعلى، وإلا لم يجز لغيره مد يده إليه، ولا لمن خص به أن يناول شيئا لمن لم يخص أما من خص بالأسفل فما له أن يناول منه من خص عملا بالقرائن المحكمة فى مثل ذلك (لما أعلم) أى أعطى أو للذى أعلمه. ١٥٤ - (غياث) بمعجمة مكسورة فتحتية ثم مثلثة. (يقطع) بالبناء للمفعول مع التضعيف. (نكثر) بالنون والتضعيف أيضا هذا ما فى كثير من الأصول وفى بعضها نقطع بالبناء للمفعول من القطع ويكثر مسند إلى. (طعامنا) فيه أن الاعتناء بأمر الطبخ وما يصلحه لا ينافى الزهد. (ما هذا) أى ما فائدته لا حقيقته وإن كان الأصل فى ما لأنه لا يجهل حقيقته، ويجر فيبنى للفاعل أو المفعول فيه انتهى، وليس فى محله، لأنه يحتمل أن حال أبى أسيد مشهور، فاكتفى عن ذلك فيه لشهرته أو أنه حفظ ذلك فى هذا دون ذلك فبين ما عرفه وسكت عما لا يعرفه.

стр. 217

١٥٥ - حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة، أنه سمع أنس بن مالك يقول: «إنّ خيّاطا دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه. قال أنس: فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطّعام. فقرّب إلى رسول الله ﷺ خبزا من شعير، ومرقا فيه دبّاء وقديد. قال أنس: فرأيت النّبىّ ﷺ يتتبّع الدّبّاء حوالى القصعة، فلم أزل أحبّ الدّبّاء من يومئذ». ــ ١٥٥ - (خياطا) لا يعرف له اسم، لكن فى رواية: «أنه كان من مواليه ﷺ ». (لطعام) قيل: كان ثريدا وقديدا، أو لحم مملوح مقدد أى مجفف فى الشمس، وفى السنن عن رجل: «ذبحت لرسول الله ﷺ شاة ونحن مسافرون فقال: أملح لحمها، فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة» (١). (قال أنس. . .) إلخ رواه مسلم أيضا وزاد. «أنها كانت تعجبه» وقدمه المصنف. (يتتبع الدباء) من (حوالى القصعة) بفتح اللام وسكون التحتية أى جوانبها، أما بالنسبة دون جوانب البقية أو مطلقا ولا يعارضه نهيه ﷺ عن ذلك لأنه للتقذير والإيذاء وهذا منتف فيه ﷺ إذ كانوا يودون منه ذلك، فتبركهم بإغماره حتى بصاقه ومخاطه يدلكون بها وجوههم وبوله ودمه يشربهما بعضهم، وفى الحديث فوائد منها: أنه يندب إجابة الدعوة، وإن قل الطعام أو كان المدعو شريفا، والداعى دونه لحرفة، أو غيرها، وأن كسب الخياط ليس بدنى، وأنه تسن محبة الدباء لمحبة رسول الله ﷺ ، وكذا كل شىء كان يحبه ذكره النووى، ومؤاكلة الخادم، وبيان ما كان عليه ﷺ من عظيم التواضع والتلطف والترفق بأصاغر الصحابة وتعاهدهم بالمجىء إلى منازلهم، وفى رواية: «صحفة» وهى ما تسع ضعفى ما تسع القصعة وقيل: هما واحد.

стр. 218

١٥٦ - حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقى، وسلمة بن شبيب، ومحمود بن غيلان، قالوا: حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن عائشة قالت: «كان النّبىّ يحبّ الحلواء والعسل». ــ ١٥٦ - (يحب الحلواء والعسل) رواه البخارى أيضا، وهى بالقصر فتكتب بالألف كل ما فيه حلاوة، فالعسل تخصيص بعد تعميم، وقال الخطابى: يختص بما دخلته الصنعة، وقال ابن سيده: هى ما عولج من الطعام الحلو، وقد تطلق على الفاكهة، وفى كتاب فقه اللغة للثعالبى: أن حلواه ﷺ التى كان يحبها هى الجيع بالجيم كعظيم، وهى تمر يعجن بلبن، وفيه: أن محبّة أنواع الأطعمة النفيسة اللذيذة لا تنافى الزهد، لكن من غير قصد وتكلف لتحصيلها، ومن ثمة قال الخطابى: لم تكن بمحبته ﷺ للحلواء على كثرة التشهى لها وشدّة نزع النفس، وإنما كان ينال منها إذا أحضرت إليه نيلا صالحا، فيعلم بذلك أنها تعجبه، ولم يصح أنه ﷺ رأى السكر، وخبر «أنه ﷺ حضر مالك الأنصارى، فجاءت الجوّارى معهن الأطباق عليها اللوز والسكر، فأمسكوا أيديهم فقال ﷺ : «ألا تنتهبون؟» قالوا: إنك نهيت عن النهبة، قال: «أما العرسان فلا» قال معاذ: فرأيته يجاذبهم ويجاذبونه» (١) غير ثابت كما قاله البيهقى فى سننه، وشنع على احتجاج الطحاوى به لمذهبه أن القتار غير مكروه، وقضائه على الأحاديث الصحيحة الناهية عن النهبة القول فى ذلك جدا فى كتاب المعرفة (٢)، وبين أن فيه

стр. 219

١٥٧ - حدثنا الحسن بن محمد الزعفرانى، حدثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرنى محمد بن يوسف، أن عطاء بن يسار أخبره، أن أم سلمة أخبرته: «أنّها قرّبت إلى رسول الله ﷺ جنبا مشويا، فأكل منه، ثمّ قام إلى الصّلاة وما توضّأ». ــ ضعيفين ومجهولا وانقطاعا، وأخرج الطبرانى فى رياضه: «أن أول من خبص فى الإسلام عثمان قدمت إليه عير تحمل دقيقا وعسلا فخلطهما» (١) وصحّ: «أن عيرا قدمت فيها جمل عليه دقيق حوارى وسمن وعسل، فأتى بها النبى ﷺ ، فدعى فيها بالبركة، ثم دعى ببرمة فنصبت على النار، وجعل فيها من العسل والدقيق والسمن، ثم عصد حتى كاد نضج، أو كاد ينضج، فقال ﷺ : «كلوا هذا شىء تسميه فارس الخبيص» (٢). ١٥٧ - (أم سلمة. . .) إلخ صححه المصنف. (جنبا) قال شارح: من شاة، ورد بأنه لا دليل لهذا التقييد. (مشويا) بين بذكر هذا عقب الحلواء والعسل أن هذه الثلاثة أفضل الأغذية، وأنفعها للبدن والكبد والأعضاء، ولا ينفر منها إلا من به علّة، أو آفة واللحم سيد طعام أهل الجنة، وروى ابن ماجه وغيره بسند ضعيف: «هو سيد الطعام لأهل الدنيا والآخرة» (٣)، وله شواهد: منها عند أبى نعيم عن على رضى الله عنه مرفوعا:

стр. 220

١٥٨ - حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن سليمان بن زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: ــ «سيد طعام أهل الدنيا اللحم، ثم الأرز» (١)، ومنها عند أبى الشيخ عن ابن السمعانى: سمعت علماءنا يقولون: كان أحب الطعام إلى رسول الله ﷺ اللحم، ويقول: «هو يزيد فى السمع وهو سيد الطعام فى الدنيا والآخرة» (٢) قال الزهرى: وأكله يزيد سبعين مرة، قال الشافعى: أكله يزيد فى العقل (٣). وعن على «أنه يصفى اللون ويحسن الخلق، ومن تركه أربعين يوما ساء خلقه». (وما توضأ) فيه دليل لمذهبنا: أنه لا يجب الوضوء مما مسته النار، ويوافقه الخبر الصحيح: «كان آخر الأمرين من فعل رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار» لكن اختار النووى من حيث الدليل وجوب الوضوء من لحم الإبل للحديث الصحيح فيه، وهو خاص فيقضى به على العام، ورد: بما ذكرته فى شرح العباب، وعلى المذهب، فيسن الوضوء منه كل ما مسته، اختلف فى النقص فيها كمس الأمرد والشعر والظفر والسن والميتة والنوم، ولو مع التمكن، وغير ذلك من الفروع الكثيرة المقررة فى محلها. ١٥٨ - (شواء) بكسر أو ضم أوله المعجم، وبالمد، ويقال فيه: شوى كفتى، قيل:

стр. 221

«أكلنا مع رسول الله ﷺ شواء فى المسجد». ١٥٩ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا وكيع، حدثنا مسعر، عن أبى صخرة: جامع بن شداد، عن المغيرة بن شعبة، قال: «ضفت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فأتى بجنب مشوىّ، ثمّ أخذ الشّفرة، فجعل يحزّ، فحزّ لى بها منه. قال: فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فألقى الشّفرة، فقال: ماله، تربت يداه؟ قال: وكان شاربه قد وفى. فقال له: أقصه لك على سواك، أو قصّه على سواك». ــ المراد لحما ذا شوى انتهى، وليس فى محله، لأن الشواء ليس مصدرا بل اسم اللحم المشوى فى النار. (فى المسجد) فيه: دليل لجواز أكل الطعام فى المسجد جماعة وفرادى، ومحله إن لم يحصل منه ما يقذر المسجد وإلا حرم. ١٥٩ - (مسعر) بكسر فسكون. (ضفت مع رسول الله ﷺ أى نزلت أنا ورسول الله ﷺ ضيفين على رجل وزعم أن المراد جعلته ضيفا لى حال كونى معه غير صحيح؛ لأن معنى ضفت لغة ما قدمناه. (الشفرة) السكين العريضة. (فحز لى بها منه) أى من ذلك الجنب فيه كخبر البخارى: «أنه احتز من كتف شاة فى يده، فدعى الصلاة فألقاها والسكين التى يحتزّ بها، ثم قام للصلاة ولم يتوضأ» (١) دليل لحل قطع اللحم بالسكين والنهى عنه وأنه من صنع الأعاجم والأمر بنهشه، فإنه أهنئ وأمرئ. قال أبو داود والبيهقى: ليس بالقوى، أو مخصوص باللحم غير المشوى انتهى، والتخصيص إنما هو على فرض صحته. ولم يصح، فلم يكره ذلك مطلقا، نعم الأمر بالنهش، وأنه أهنئ وأمرئ، له شاهد أخرجه المصنف بلفظ: «انهشوا اللحم نهشا، فإنه أهنئ

стр. 222

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأمرئ» (١). وقال: لا نعرفه إلا من حديث عبد الكريم، وعبد الكريم هذا ضعيف، لكن له طريق أخرى فهو حسن، وغاية ما فيه أن النهش أولى، أو محمول على ما مر، أو على الصغير والاحتراز على الكبير لشدة لحمه، وإنما جزّ للمغيرة تواضعا منه ﷺ ، وإظهار المحبة له ليتألفه لقرب إسلامه وحملا لغيره على أنه وإن جلّت مرتبته فلا تمنعه جلالته عن مثل ذلك لأصحابه بل لأصاغرهم. (بلال) هو أبو عبد الرحمن كان يعذب فى ذات الله، واشتراه أبو بكر رضى الله عنه، وأعتقه، وهو أول من أسلم من الموالى شهد بدرا وما بعدها، ومات بدمشق سنة ثمان وعشرين من غير عقب. (يؤذنه) من الإيذان وهو الإعلام، وفى نسخة: بالهمز وتشديد الدال، وهو خاص استعمالا بالإعلام بوقت الصلاة، (تربت يداه) أى وصلت التراب من شدة الفقر، هذا أصل معناها، وجرت فى ألسنة العرب غير مراد بها ذلك، بل مجرد اللوم، كأنه ﷺ كره تأذينه حين الاشتغال بالطعام مع بقاء وقت. (قال) أى المغيرة (وكان شاربه) أى بلال. (قد وفى) أى طال. (فقال) أى النبى ﷺ . (له) أى لبلال. (أقصه لك) أى لأجل قربك منى أو لنفعك. (على سواك، أو قصه أنت على سواك) شك المغيرة فى أى اللفظين صدر من النبى ﷺ قيل ورد: «أنه ﷺ رأى رجلا طويل الشارب، فدعى بسواك وشفرة، فوضع السواك تحت شاربه ثم حزّه» فيه دليل لما قاله النووى: أن السنة فى قصّ الشارب أى لا يبالغ فى احتفائه، بل يقتصر على ما يظهر به حمرة الشفة وطرفها، وهو المراد بإحفاء الشوارب فى الحديث، وما تقرر فى حمل (٢) الحديث هو ما دل عليه ظاهره، وقيل: ضمير له للمغيرة وعدل به عن لى التفاتا، وقيل: ضمير قال الأول لبلال وفيه التفات أيضا، والثانى للنبى ﷺ ، وقيل: ضمير شاربه للنبى ﷺ وضمير قال الأول للمغيرة، والثانى للنبى ﷺ قال للمغيرة: أقص لك شاربك للتبرك به، وفى ذلك كله من التكلف ما لا يخفى، واعلم أن الناس اختلفوا: هل الأفضل حلق الشارب أو قصه؟ قيل: الأفضل حلقه لحديث فيه، وقيل: الأفضل القص، وهو ما عليه الأكثر، بل رأى مالك تأديب الحالق، وما مرّ عن النووى قيل: يخالفه قول الطحاوى عن المزنى والرّبيع أنهما

стр. 223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كانا يحفيانه ويوافقه قول أبى حنيفة وصاحبيه: الإحفاء أفضل من التقصير، وعن أحمد: كان يحفيه شديدا ورأى الغزالى ﵀ وغيره: أنه لا بأس بترك السبالين اتباعا لعمر رضى الله عنه وغيره، ولأن ذلك لا يستر الفم، ولا يبقى فيه غمر الطعام، إذ لا يصل إليه وكره الزركشى إبقاءه لخبر صحيح عن ابن حبان، وذكر لرسول الله ﷺ المجوس فقال: «إنهم يوفرون-يوفون-سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم» (١) وكان يجزّ سباله، كما تجزّ الشاة والبعير، وفى خبر عند أحمد: «قصّوا سبالكم، وأوفروا لحاكم» (٢). تتمة: فى خبر ضعيف «أنه كان ﷺ لا يتنور، وكان إذا كثر شعره-أى شعر عانته- حلقه» (٣) وصحّ لكن أعلّ بالإرسال «أنه كان إذا طلى عانته طلاها بعانته فطلاها بالنورة وسائر جسده» (٤)، وخبر: «أنه دخل حمام الجحفة» موضوع باتفاق أهل المعرفة وإن زعم الدّميرى وغيره وروده، وفى مرسل عند البيهقى: «كان ﷺ يستحب أن يأخذ من أظفاره وشاربه يوم الجمعة» (٥) وله شاهد موصول سنده ضعيف، روى البزار. «كان ﷺ يقلم أظفاره، ويقص شاربه يوم الجمعة قبل الخروج إلى الصلاة» (٦)، وروى النووى

стр. 224

١٦٠ - حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبى حيان التيمى، عن أبى زرعة، عن أبى هريرة قال: «أتى النّبىّ ﷺ بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهش منها». ١٦١ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، عن زهير-يعنى: ابن محمد- عن أبى إسحاق، عن سعيد بن عياض، عن ابن مسعود، قال: ــ كالعبادى: «من أراد أن يأتيه القنا على كره فليقلم أظفاره يوم الخميس»، وفى حديث ضعيف: يا على قص الأظفار وانتف الإبط، واحلق العانة يوم الخميس، والغسل، والطيب، واللباس يوم الجمعة» (١). قيل: ولم يثبت فى كيفيته، ولا فى تعيين يوم شىء، وما يعزى من النظم فى ذلك لعلى رضى الله عنه، أو لغيره باطل (٢). ١٦٠ - (حيان) بمهملة فتحتية. (تعجبه) لسرعة نضجها مع زيادة لينها وبعدها عن مواضع الأذى. (الذراع) هو من المرفق إلى أطراف الأصابع وزعم أنه الساعد ليس فى محله. (فنهش) بمهملة أو معجمة أى أخذ اللحم بأطراف أسنانه، وقيل: هو بالمهملة ما ذكر وبالمعجمة تناوله بجميع الأسنان كما فى النهاية وعبارة غيره فأتناولها بالأضراس، وهذا لكونه أكثر أحواله فأدل على التواضع أحب وأولى من القطع بالسكين. ١٦١ - (وسمّ فى الذراع) أى فى فتح خيبر أى جعل فيه سم قاتل لوقته، فأكل منه

стр. 225

«كان النّبىّ ﷺ يعجبه الذّراع. قال: وسمّ فى الذّراع. وكان يرى أنّ اليهود سمّوه». ــ ﷺ لقمة، فأخبره جبريل بأنه مسموم فتركه ولم يضره ذلك السم. (وكان يرى أن اليهود سموه) لأن المرأة التى سمته لم تسمه إلا بعد أن شاورت يهود خيبر فى ذلك فأشاروا عليها به، واختاروا له ذلك السم القاتل لوقته وقد دعاها ﷺ وقال لها: «ما حملك على ذلك؟» فقالت: قلت: إن كان نبيا لم يضره السم، وإلا استرحنا منه، فعفى عنها بالنسبة لحقه، فلما مات بعض أصحابه الذين أكلوا معه منها، وهو بشر بن البراء، قتلها فيه» (١) وبهذا جمع الأخبار المتعارضة فى ذلك كخبر البخارى «أنه ﷺ لما فتح خيبر فسألهم عن أبيهم فقالوا فلان قال: «كذبتم»، بل أبوكم فلان، فصدقوه، ثم قال لهم: من أهل النار؟ قالوا: نكون فيها يسيرا، ثم تخلفوننا فيها، قال: اخسئوا فيها، فو الله لا نخلفكم فيها أبدا، ثم قال لهم: هل جعلتم فى هذه الشاة سما؟ قالوا: نعم، قال: «فما حملكم على ذلك»؟ فذكروا نحو ما مرّ عن المرأة»، وكخبر أبى داود: «أن يهودية سمت شاة مصلية، ثم أهدتها إليه ﷺ ، فأكل منها وأكل معه رهط من أصحابه فقال ﷺ : «ارفعوا أيديكم وأرسل إليها، فقال: سميت هذه الشاة، قالت: من خبرك؟ قال: هذه الذراع قالت: نعم، قلت: إن كان نبيا لم يضره السم، وإلا استرحنا منه، فعفى عنها، ولم يعاقبها، وتوفى أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم ﷺ على كاهله من أجل الذى أكل من الشاة» (٢) ولخبر الدمياطى: «جعلت زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم تسأل أى الشاة أحب إلى محمد؟ فيقولون لها: الذراع فعمدت إلى عنز لها فذبحتها وصلتها ثم عمدت إلى سم قاتل يقتل عن ساعته وتشاورت يهود فى سموم فاجتمعوا لها على ذلك فسمت الشاة وأكثرته فى الذّراعين والكتف فوضعت بين يديه ﷺ ، ومن حضر من أصحابه فيهم: بشر بن البراء، وتناول ﷺ الذراع، فانتهش منها، وتناول بشر عظما، فلما ازدرد ﷺ لقمة ازدرد بشر ما فى فيه وأكل القوم، فقال

стр. 226

١٦٢ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مسلم بن إبراهيم، عن أبان بن زيد، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبى عبيد، قال: «طبخت للنّبىّ ﷺ قدرا، وقد كان يعجبه الذّراع، فناولته الذّراع، ثمّ قال: «ناولنى الذّراع». فناولته. ثمّ قال: «ناولنى الذّراع». فقلت: يا رسول الله: وكم للشاة من ذراع؟ فقال: «والّذى نفسى بيده، لو سكتّ لناولتنى الذّراع ما دعوت». ــ ﷺ : «ارفعوا أيديكم فإن هذه الذراع تخبرنى أنها مسمومة» (١) وفيه أن بشرا مات وأنه دفعها إلى أوليائه، فقتلوها، وأنه لم يعاقبها، وأجاب السهيلى: بما مرّ أنه تركها أولا لأنه كان لا ينتقم لنفسه فلما مات بشر قتلها فيه، وأيده البيهقى احتمالا، وعند الزهرى: أنها أسلمت فتركها، ولا ينافى ما مر لأنه تركها لإسلامها ولكونه لا ينتقم لنفسه فلما مات بشر فلزمها القصاص بشرطه، فدفعها إلى أوليائه فقتلوها قصاصا. وإسلامها رواه سليمان التميمى فى مغازيها وأنها استدلت بعدم تأثير السم فيه على أنه نبى. ١٦٢ - (عن أبى عبيد) رواه أحمد عن ابن رافع أيضا ولفظه: «أنه أهديت له شاة فى قدر، فدخل ﷺ ، فقال: «ما هذا؟» قال: شاة أهديت لنا قال: ناولنى الذراع، فناولته، فقال: ناولنى الذراع الآخر، فناولته، فقال: ناولنى الذراع الآخر، فقلت: يا رسول الله إنما للشاة ذراعان، فقال ﷺ : أما إنك لو سكت لناولتنى ذراعا ما سكتّ. . .» (٢) الحديث. (قدرا) أى طعاما فى قدر (فناولته الذراع) ظاهر السياق أنه لم يطلبه أول

стр. 227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مرة، وإنما ناوله بلا طلب لعلمه بأنه يعجبه. (وكم للشاة من ذراع) الظاهر أنه استفهام استبعاد أو تعجب لا إنكار، لأنه لا يليق فى هذا المقام. (بيده) أى بقوته وقدرته وإرادته وهذا من أحاديث الصفات، وفيها المذهبان المشهوران: التأويل إجمالا وهو تنزيه الله عن ظواهرها مع تفويض التفصيل إليه سبحانه، وهو مذهب السلف أى أكثرهم، وإلا فمالك وغيره من أكابرهم قد أولا تفصيلا حديث النزول وغيره، والتأويل تفصيلا هو مذهب الخلف أى أكثرهم، وإلا فجمع منهم اختاروا الأول، وبما قررته علم أنه لا خلاف بين الفريقين، لأنهم جميعا متفقون على التأويل، وإنما اختار السلف عدم التفصيل، لأنهم لم يضطروا إليه لقلة أهل البدع والأهواء فى زمانهم، والخلف التفصيل لكثرة أولئك فى زمانهم والإجمال لا يغنيهم، فاضطروا إلى التفصيل، وقد زل فى هذا المقام قدم جماعة من الحنابلة وغيرهم ممن كانوا أكابر أئمة زمنهم فأفضى بهم الأمر إلى تضليل الخلق، ومن أول السلف، فاتسع الخرق عليهم إلى أن ضلوا وأضلوا أسأل الله العفو والعافية فى الدين والدنيا والآخرة (١). (لو سكت) عما قاله وامتثل

стр. 228

١٦٣ - حدثنا الحسن بن محمد الزعفرانى، حدثنا يحيى بن عباد، عن فليح بن ــ أمرى. (ما دعوت) أى ظلت مدة دوام طلبه، لأن الله سبحانه خلق فيها ذراعا بعد ذراع معجزة وكرامة له ﷺ وشرف وكرم، وإنما منع كلامه تلك المعجزة، قيل: لأنه شغل النبى ﷺ عن التوجه إلى ربه بالتوجه إليه إلى جواب سؤاله، وأقول: يحتمل أن سبب معارضته لتلك الكرامة برأيه مع خشونة قوله: «وكم ذراع؟» ما كان ينبغى عدم إيراده لما فيه من عدم تفويض أمر نبيه إلى ربّه فمنعه هذا التعرض الغير اللائق من مشاهدة هذه الكرامة الجليلة، لأن شهودها فيه نوع تشريف لمن اطلع عليها، وذلك التشريف لا يليق، إلا بمن كمل تسليمه حتى لم يبق فيه أدنى حظ ولا إرادة. ١٦٣ - (ما كانت الذراع) هذا بحسب ما فهمته عائشة، وإلا فالذى دلت عليه ظواهر

стр. 229

سليمان، قال: حدثنى رجل من بنى عباد، يقال له: عبد الوهاب بن يحيى بن عباد، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة رضى الله عنها قالت: «ما كانت الذّراع أحبّ اللّحم إلى رسول الله ﷺ ، ولكنّه كان لا يجد اللّحم إلا غبّا، وكان يعجل إليها، لأنّها أعجلها نضجا». ــ الأحاديث السابقة وغيرها أنه كان يحبه محبة غريزية طبيعية سواء فقد اللحم أم لا، وكأنها أرادت بذلك تنزيه مقامه الشريف أن يكون له ميل إلى شىء من الملاذ، وإنما سبب المحبة سرعة نضجها فيقل الزمن فى الأكل ويتفرغ لمصالح نفسه والمسلمين، وعلى الأول، فلا محذور فى محبة الملاذ بالطبع لأن هذا من كمال الخلقة، وإنما المحذور المنافى لكمال [التفاوت] (١) النفس ومناها فى تحصيل ذلك وتأثيرها لفقده، ومما كان يحبه ﷺ الرقبة على ما ورد عن ضباعة بنت الزبير «أنها ذبحت شاة فأرسل إليها أن أطعمينا من شاتك، فقالت: ما بقى عندنا إلا الرقبة، وإنى لأستحى أن أرسل بها فقال لرسوله: ارجع إليها فقال: أرسلى بها، فإنه هادية الشاة، وأقرب الشاة إلى الخير وأبعدها عن الأذى» (٢) أى فهى كلحم الذراع، والعضد أخفها على المعدة، وأسرع هضما، ومن ثمة ينبغى أن يؤثر من الغذاء ما كثر نفعها وتأثيره فى القوى وخف على المعدة، وكان أسرع انحدارا عنها، وهضما، لأن ما جمع ذلك أفضل الغذاء، وورد بسند ضعيف «أنه ﷺ كان يكره الكليتين لمكانهما فى البول» (٣)، (لأنها) أى الذراع وتأنيثها بكونها قطعة من الشاة. (أعجلها) أى اللحوم المفهوم من قوله: «لا يجد اللحم» لأنه مفرد محلى بأل فهو فى معنى الجمع.

стр. 230

١٦٤ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو أحمد، حدثنا مسعر، قال: سمعت شيخا من فهم، قال: سمعت عبد الله بن جعفر يقول: سمعت رسول الله ﷺ قال: «إنّ أطيب اللّحم لحم الظّهر». ١٦٥ - حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب، عن عبد الله بن المؤمل، عن ابن أبى مليكة، عن عائشة رضى الله عنها، أن النبى ﷺ قال: «نعم الإدام الخلّ». ١٦٦ - حدثنا أبو كريب: محمد بن العلاء، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن ثابت أبى حمزة الثمالى، عن الشعبى، عن أم هانئ، قالت: ــ ١٦٤ - (الظهر) أى لأنه ألذ، وإنما آثر الذراع، لأنه انضم إلى محبته الغريزية التى لا تعلل بما مر من عدم احتياجه إلى طول زمن فى أكله، ووجه مناسبة هذه الترجمة أن أطيبيته تقتضى أنه ﷺ ربما يتناوله فى بعض الأحيان. ١٦٦ - (قالت. . .) إلخ فى سنده ضعيف وهو ثابت المذكور. (لا) أى ليس شىء عندنا

стр. 231

«دخل علىّ النّبىّ ﷺ فقال: أعندك شىء؟ فقلت: لا، إلا خبز يابس وخلّ. فقال: هاتى. ما أقفر بيت من أدم فيه الخلّ». ١٦٧ - حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة الهمذانى، عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه، عن النبى ﷺ ، قال: «فضل عائشة على النّساء كفضل الثّريد على سائر الطّعام». ــ فليست لا التى لنفى الجنس. (إلا خبز يابس) فما بعد الاستثناء استثناء مفرغا مما قبلها الدال عليه التقدير المذكور، وبهذا يندفع ما نقل عن ابن مالك أن فى الحديث شاهد على جواز إبدال ما بعد إلا من محذوف، اللهم إلا أن يريد بالمحذوف ما ذكرناه، وهو الظاهر، فلا اعتراض عليه، وعدلت إلى هذا عن الجواب الأنسب بالسياق، وهو «خبز يابس وخل» إقامة لعذرها وإظهارا لحقارة ما عندها فى بيت رسول الله ﷺ ، ومن ثمة طيب خاطرها بقوله: (ما أقفر. . .) إلخ أى: ما خلا من الإدام ولا عدم أهله الأدم والقفار الطعام بلا إدام من القفر، وهو الأرض الخالية من الماء. (من أدم) متعلق بأقفر. (فيه الخل) صفة لبيت، ولم يفصل بينهما بأجنبى من كل وجه، لأن أقفر ما حل فى بيت وصفته، وفيما فصل به بينهما، فقول حنشول الطيبى: فيه فصل بأجنبى أى من بعض الوجوه، وهو لا يضر خلافا لما يوهمه كلامه، ويصح كونه حالا منه، لأنه موصوف تقديرا، أى بيت من البيوت، قال الطيبى: أو لأنه نكرة سلط عليه نفى عام وذلك مسوغ لمجىء الحال منها، وهذا أولى وأحسن، وفى هذا الحديث: الحث على عدم النظر إلى الخبز والخل بعين الاحتقار، وأنه لا بأس بسؤال الطعام ممن لا يستحى السائل منه لصدق المحبة والعلم بود المسئول لذلك. ١٦٧ - (على النساء) أى حتى آسية، وأم موسى فيما يظهر، وإن استثنى بعضهم

стр. 232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ آسية، وضم إليها مريم، وفيما قاله محتمل لحديث: «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران» (١) وفى رواية لابن أبى شيبة بعد مريم بنت عمران «وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد» (٢) فإذا فضلت فاطمة، فعائشة أولى، وذهب بعضهم: إلى تأويل النساء بنسائه ﷺ ليخرج مريم، وأم موسى، وحواء، وآسية، ولا دليل له على هذا التأويل فى غير مريم، وآسية، نعم يستثنى خديجة، فإنها أفضل من عائشة على الأصح لتصريحه لعائشة بأنه لم يرزق خيرا من خديجة، وفاطمة أفضل منها، إذ لا يعدل ببضعته أحد، وبه يعلم أن بقية أولاده كفاطمة، وأن سبب الأفضلية: ما فيهن من البضعة الشريفة، ومن ثم حكى ابن السبكى عن بعض أئمة عصره: أنه فضل الحسن والحسين على الخلفاء الأربعة، من حيث البضعة، لا مطلقا، فهم أفضل منهم علما ومعرفة، وأكثر ثوابا، وآثارا فى الإسلام (الثريد) هو بفتح المثلثة أن يثرد الخبز بمرق اللحم، وقد يكون معه اللحم. (على سائر الطعام) من جنسته بلا ثريد، لما فى الثريد من النفع، وسهولة مساغه وتيسير تناوله، وأخذ الكفاية منه بسرعة، ومن أمثالهم: الثريد أحد اللحمين وروى أبو داود: «أحب الطعام إلى رسول الله ﷺ الثريد من الخبز والثريد من الحيس» (٣)، وفى حديث: «سيد الإدام اللحم» (٤) قضيته، بل صريحه: أن سيد الأطعمة اللحم، والخبز، ومرق اللحم فى الثريد قائم مقامه، بل ربما يكون أولى منه كما ذكره الأطباء فى مفاد اللحم بالكيفية التى يذكرونها فيه، قالوا: هو يفيد الشيخ إلى صباة، وروى الطبرانى فى الأوسط: «أن جبريل أطعمنى الهريسة يشدّ بها ظهرى لقيام الليل»، ورد: بأنه موضوع.

стр. 233

١٦٨ - حدثنا على بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصارى، أبو طوالة، أنه سمع أنس بن مالك قال: قال رسول ﷺ : «فضل عائشة على النّساء كفضل الثّريد على سائر الطّعام». ١٦٩ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة رضى الله عنه: «أنّه رأى رسول الله ﷺ توضّأ من أكل ثور أقط. ثمّ رآه أكل من كتف ثمّ صلّى ولم يتوضّأ». ــ ١٦٩ - (توضأ) قيل بغسل فمه وكفيه. (من ثور أقط) بالمثلثة أى من أجل أكل قطعة عظيمة من أقط ففى القاموس: الثور: القطعة من الأقط أى فالإضافة بيانية، وهو لبن مجمد بالنار وحمل الوضوء على ما ذكره فيه نظر وما المانع من حمله على الوضوء الشرعى وهو ﷺ كان يتوضأ مما مسته النار، ثم نسخ ذلك كما مر، فسلم إن ثبت أن الوضوء بعد النسخ، كان لحمله على الاستحباب اتجاه تام، وعلى غسل ما ذكر بعض اتجاه، وعليه ففيه دليل لمذهبنا: أنه يندب غسل اليدين بعد الطعام، إلا إن لم يعلق بها شىء ألبته، وكذا قبله، إلا إن تيقن نظافتها، وكان وحده، وإلا فيظهر أنه يسن غسلهما مطلقا تطيبا لخاطر جليسه، ومن العجيب قول بعضهم: يحتمل أن يكون الثور الأقط: من البعير فيكون الوضوء منه دون الشاة انتهى فإن إرادته من لبن البعير لأنه يشمل الناقة

стр. 234

١٧٠ - حدثنا ابن أبى عمر، حدثنا سفيان بن عيينة، عن وائل بن داود، عن ابنه وهو بكر بن وائل، عن الزهرى، عن أنس بن مالك، قال: «أولم رسول الله ﷺ عن صفيّة بتمر وسويق». ــ فلبنه لا يفارق لبن الشاة، وإن أراد أنه من لحمه خالف تفسيره المذكور فى القاموس وغيره. (ولم يتوضأ) أى الوضوء الشرعى، وعدم وجوبه، هو ما ذهب إليه جمهور الصحابة، وغيرهم، وأوجبته فرقة: لحديث الوضوء مما مسته النار، وردّه الجمهور، لأنه منسوخ بما صحّ عن جابر «أنه ﷺ ترك الوضوء مما مست النار آخر الأمرين من فعله ﷺ (١)، أو يحمل الوضوء على غسل الفمّ واليدين، قيل: وأجمع من بعد الصدر الأول على عدم الوجوب. ١٧٠ - (أولم) من الولم وهو الاجتماع، والوليمة: طعام يصنع عند عقد النكاح، أو بعده، ويحتمل أنها إذا فعلت بعده يشترط قربها منه، بحيث تنسب إليه عرفا، ويحتمل استمرار طلبها، وإن طال الزمن، قياسا على ما قالوا فى العقيقة من بقائها إلى البلوغ مطالبا بها الأب، ثم ينتقل الطلب إلى الولد نفسه، وهى سنة مؤكدة، والأفضل فعلها بعد الدخول، اقتداء به ﷺ ، والإجابة إليها واجبة بالشروط المقررة فى محلها، وبقية الولائم سنة، وقال أهل الظاهر وبعض السلف: واجبة. (صفيّة) بنت حيى من نسل هارون أخى موسى ﵉ اصطفاها رسول الله ﷺ من سبى خيبر ورواية البخارى: «أنه تزوج بها وكان قد قتل زوجها؛ كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق، وكانت عروسا، فذكر له جمالها فاصطفاها لنفسه، فخرج بها حتى بلغ سد الصهباء، حلت له، أى طهرت من الحيض، فبنى بها، فصنع حيسا فى نطع صغير، ثم قال لأنس: آذن من حولك وكانت تلك وليمته عليها قال: ثم خرجنا إلى المدينة، فرأيت النبى ﷺ يحوى لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره، فيضع ركبتيه، وتضع صفية رجلها على ركبتيه حتى تركب»، وفى رواية: «أنها صارت إلى دحية، ثم للنبى ﷺ فجعل عتقها

стр. 235

١٧١ - حدثنا الحسين بن محمد البصرى، حدثنا الفضيل بن سليمان، حدثنا فائد-مولى عبيد الله بن على بن أبى رافع-مولى رسول الله ﷺ قال: حدثنى عبيد الله بن على، عن جدته سلمى: «أنّ الحسن بن علىّ، وابن عبّاس، وابن جعفر. أتوها، فقالوا لها: اصنعى لنا طعاما ممّا كان يعجب رسول الله ويحسّن أكله. فقالت: يا بنىّ، لا تشتهيه اليوم. ــ صداقها»، وفى رواية: «فأعتقها وتزوجها»، وفى رواية أنه قال له: «خذ جارية من السبىّ غير مأذون»، وفى رواية لمسلم: «أنه اشتراها منه بسبعة أرؤس» (١) وإطلاق الشرك هنا مجاز، ورواية: «سبعة» لا تنافى رواية البخارى: «خذ جارية من السبى غيرها»، لأن النفى فيها ما ينفى الزيادة فلعله قال له هذا أولا، ثم أكمل له سبعة، وحكمة أخذها منه: أنها بنت بعض ملوكهم فلقلة نظيرها فى السبى، وكثرة نظراء دحية، خشى من تغير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العلية ارتجاعها منه، واختصاصه بها، فإن ذلك من رضاء الجميع، وليس ذلك من الرجوع فى الهبة من شىء، وكانت رأت قبل أن القمر سقط فى حجرها فتأول بذلك قال الحاكم، وكذا جرى لجويرية أم المؤمنين. (٢) ١٧١ - (ويحسن أكله) من الإحسان، فى نسخة، ومن التحسين فى أخرى، (يا بنى)

стр. 236

قال: بلى. اصنعيه لنا. قال: فقامت فأخذت شيئا من الشّعير فطحنته، ثمّ جعلته فى قدر، وصبّت عليه شيئا من زيت، ودقّت الفلفل والتّوابل فقرّبته إليهم، فقالت: هذا ممّا كان يعجب رسول الله ﷺ ويحسّن أكله». ١٧٢ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو أحمد، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزى، عن جابر بن عبد الله، قال: ــ التصغير للشفقة، وأفردت مع أن الحق الجمع، إما إيثار الخطاب أكثرهم أو لأنهم لما اتحدت طلبتهم صاروا بمنزلة شخص واحد (لا تشتهيه اليوم) أى لاتساع العيش، وذهاب ضيقه الذى كان أولا. (والتوابل) جمع تابل أبزار الطعام وروى المصنف، وقال: حسن غريب «أنه ﷺ أكل السلق مطبوخا بالشعير، وأكل الخزيرة» بمعجمة مفتوحة فزاى مكسورة فتحتية فراء قال القرطبى: كالعصيدة، إلا أنها أرق، وابن فارس: دقيق يخلط بشحم، والجوهرى: كالقتبى لحم يقطع صغارا، ويصب عليه ماء كثير، فإذا نضج در عليه دقيق، وقيل: هى بالإعجام من النخالة، وبالإهمال من اللبن «وأكل الكباث» رواه مسلم (١) وهو بفتح الكاف، وتخفيف الموحدة وبمثلثة آخره: النضيج من ثمر الأراك وقيل: ورقه (٢)، فى نهاية ابن الأثير «أنه كان يحب جمار النخل» (٣)، وروى أبو داود: «أنه ﷺ أتى بجبنة فى تبوك فدعى بسكين فسمى وقطع». ١٧٢ - (نبيح) بضم النون وفتح الموحدة. (العنزى) بفتح المهملة والنون منسوب إلى

стр. 237

«أتانا النّبىّ فى منزلنا، فذبحنا له شاة. فقال: كأنهم علموا أنّا نحب اللّحم». وفى الحديث قصة. ــ عنزة حى من ربيعة. (فقال) أى النبى ﷺ . (لهم) أى لجابر وأهل منزله. (كأنهم علموا أنّا) يحتمل أنها للجمع، أو للتعظيم. (نحب اللحم) أى فأضافونا به، وقصد بذلك تأنيسهم، وجبر خواطرهم دون إظهار الشغف باللحم والإفراط فى محبته، وفيه: إرشاد المضيف إلى أنه ينبغى له أن يثابر على ما يحبه الضيف إن عرفه، والضيف إلى أن يخبر بما يحبه، حيث لم يوقع المضيف فى مشقة. (وفى الحديث قصة)، هى «أن جابر فى غزوة الخندق قال: انكفأت إلى امرأتى، فقلت: هل عندك شىء، فإنى رأيت بالنبى ﷺ جوعا شديدا؟ فأخرجت جرابا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن أى شاة بينة فذبحتها أى: لنا، وطحنت أى: زوجتى الشعير حتى جعلنا اللحم فى البرمة، ثم جئته ﷺ وأخبرته الخبر سرا له، وقلت: تعال أنت، ونفر معك، فصاح يا أهل الخندق: «إن جابرا صنع سورا» أى بسكون الواو بغير همز: طعاما يدعو إليه الناس، واللفظة فارسية فجئ هلا (١) بكم أى: هلموا مسرعين، فقال ﷺ : «لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجىء، فجاء فأخرجت له عجينا فبصق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك [ثم قال: «ادع خابزة لتخبز معك، واقدحى» أى اغرفى. «من برمتكم ولا تنزلوها»، وهم ألف، فأقسم بالله! لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا] (٢) وإن برمتنا لتغطّ-أى تغلى ويسمع تغطيطها-كما هى، وإن عجيننا ليخبز كما هو» (٣) رواه البخارى ومسلم، ورويا أيضا (٤): «أن أبا طلحة عرف الجوع فى صوت رسول الله ﷺ ، فأرسل له مع أنس أقراصا من شعير فوجده فى المسجد-أى المعد للصلاة فيه حين حاصره الأحزاب فى غزوة الخندق-قال: «أرسلك أبو طلحة»؟ قلت: نعم، فقال لمن معه: «قوموا»

стр. 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فانطلق وانطلقت بين أيديهم، فأخبرت أبا طلحة، فأعلم أم سليم بذلك مع أنه لا شىء عندهم فقلت له: الله ورسوله أعلم، فتلقاه أبو طلحة فلما جاء معه، قال: «هلمى يا أمّ سليم ما عندك؟» فأتت بذلك الخبز، فأمر به ففتّ وعصرت عليه أم سليم عكة فأدمته، ثم قال فيه ﷺ ما شاء الله أن يقول، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن، ثم لعشرة، وهكذا حتى أكلوا كلهم وشبعوا، وكانوا سبعين، أو ثمانين»، وفى رواية لمسلم: «ثم أكل ﷺ وأهل بيته ثم ترك بقية»، وفى رواية للبخارى: «ثم أكل فجعلت أنظر هل نقص منها شىء»، وفى رواية: «ثمانية» بدل عشرة، وهى تدل على تعدد القصة، وكان حكمة ذلك العدد: أن تلك القصعة لا تسع أن يجلس عليها أكثر من ذلك، وفى رواية: «أنه لما انتهى إلى الباب قال لهم: اقعدوا، ثم دخل»، وفى أخرى: «أنه قال: هل من سمن؟ فقال: أبو طلحة: قد كان فى العكة شىء، فجعلا يعصرانها حتى أخرج، ثم مسح ﷺ القرص، فانتفخ وقال: بسم الله، فلم يزل يفعل ذلك والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص فى الجفنة يتسع»، وفى أخرى: «أن أبا طلحة لما بلغه أنه ليس عند النبى ﷺ طعاما أجر نفسه بصاع من شعير ثم جاء به»، وفى رواية: «أنه رآه يقرئ أصحاب الصفة سورة النساء، وقد ربط بطنه حجرا»، وفى أخرى: «أنه وجده مضطجعا يتقلب ظهرا لبطن»، وهذا كله صريح فى تعدد القصة، وأول الحديث الأول يقتضى أن أنسا أرسل بالخبز ليأخذه ﷺ فيأكل، لكنه لما رأى كثرة الناس استحى، وظهر له أنه يدعوه وحده إلى منزله ليحصل المقصود من إطعامه، ويحتمل أنه قيل له: «افعل ذلك إذا رأيت كثرة»، وفى رواية لأبى نعيم وأصلها عند مسلم: «أنهم أصابهم مجاعة فى غزوة تبوك، فقال عمر: يا رسول الله ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادعو الله لهم عليها بالبركة، فقال: نعم، ففعلوا فاجتمع شىء يسير، ثم قال: خذوا شيئا فى أوعيتكم، فما تركوا فى العسكر وعاء إلا ملوه وفضلت فضلة. وروى الشيخان: «أن أم سليم صنعت له ﷺ وهو عروس بزينب حيسا من سمن وتمر وأقط، وجعلته فى ثوب، ثم أرسلته إليه مع أنس، فقال: ادع من لقيته، فاجتمع زهاء ثلاثمائة، فوضع النبى ﷺ يده على تلك الحيسة، وتكلم بما شاء الله، ثم جعل يدعو عشرة عشرة يأكلون منه، ويقول لهم: اذكروا اسم الله عليه، وليأكل كل رجل مما يليه، وأكلوا كلهم حتى شبعوا، فقال: يا أنس ارفع، فرفعت، فما أدرى حين وضعت، فكان أكثرهم حين

стр. 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رفعت» (١) وروى مسلم: «أنه أطعم رجلا وسقا من شعير، فأكلوا منه مدة حتى كالوه، فأخبر النبى ﷺ فقال: «لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم» (٢) قال النووى: وإنما ذهب لما كالوه؛ عقوبة لهم، لأن كيله معناه التسليم، ومتضمن للتدبير وتكلف للإحاطة بأسرار الله، وصحّ «أنه ﷺ أتى بقصعة من لحم، فتعاقبوها من غدوة حتى الليل يقوم قوم ويقعد آخرون وقال رجل لسمرة هل كانت تمد؟ قال: ما كانت تمد إلا من السماء» ومعجزاته ﷺ كثيرة، ولا بأس بالكلام على شىء منها، وما يتعلق بها، فإن إخلاء هذا الكتاب منها غير لائق إذ هى أخصّ الشمائل كلّها وأكملها، واعلم أن أعظم معجزاته وأشهرها، وأعمها: القرآن، والكلام فى وجوه إعجازه، وما اشتمل عليه مما يناسب ذلك مستوفى فى كلام المفسرين والأصوليين، وأما غيره فمنه ما وقع التحدى به، وهو طلب المعارضة والمقابلة، ومنه ما وقع بدون طلب، ولا ينافى تسميته معجزة أن التحدى شرط فيها، لأنا نقول هو شرط فيها فى الجملة، لا فى كل من جزئياتها، وبها يرد ما أورد على مشترط ذلك كالباقلانى بما شنع به جمع عليه، وأطالوا، وهى ما قبل نبوته كقصة الفيل، والنور الذى خرج معه حتى أضاء له قصور الشام، وأسواقها، وحتى رؤيت أعناق الإبل ببصرى، ومسح الطائر لفؤاد أمه حتى لم تجد ألما لولادته والطواف به فى الأفاق، وغيض ماء بحيرة ساوة، وخمود نار فارس، وسقوط شرفات إيوان كسرى، وما سمع من الهواتف الصارخة بنعوته وأوصافه، وانتكاس الأصنام وخرورها لوجهها من غير دافع لها من أمكنتها إلى سائر ما نقل من العجائب فى أيام ولادته، وأيام حضانته وبعدها إلى أن بقاه الله؛ كإظلال الغمام أى فى السفر، وشق الصدر، وهذا القسم لا يسمى معجزة حقيقية، لتقدمه على التحدى جملة وتفصيلا، وإنما يسمى إرهاصا أى تأسيسا للنبوة، وهذا ما عليه أهل السنة، وقالت المعتزلة: لا يجوز تقديم المعجزة إلى الإرسال، وبما قررته يعلم أن الخلاف لفظى، وأما بعد موته، وهو غير محصور إذ كل خارق وقع لخواص أمته، إنما هو فى الحقيقة له، إذ هو السبب فيه وأما من حين نبوته إلى وفاته، وهذا هو الذى الكلام فيه فمنه: انشقاق القمر لما طلب منه

стр. 240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كفار قريش آية على صدقه، والدليل على وقوعه ظاهر الآية، وأجمع أهل السنة عليه، وهى من أمهات معجزاته وخواصها، إذ ليس فى معجزات الأنبياء ما يقاربه لأنه ظهر فى الملكوت الأعلى خارجا عن طباع هذا العالم، فلا حيلة فى الوصول إليه، وقد حقق التاج السبكى: أن انشقاقه متواتر، ذكر فى الصحيحين «أنه انشق فرقتين حتى رأوا حراء بينهما، فقالوا: هذا سحر كما سألوا السحار فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فسألوهم، فأخبروا بذلك» (١) وفى رواية لمسلم: «أخبرهم بانشقاقه مرتين» (٢)، وفى رواية لأبى نعيم: «فصار قمرين» (٣) ولهذا المراد برواية مسلم مرتين، وأما ما اقتضاه كلام الحافظ أبى الفضل العراقى: من الإجماع على أنه انشق مرتين، فتعقب بأن ذلك لم يجزم له أحد من علماء الحديث، فضلا عن الإجماع، فالوجه أن مرتين بمعنى فرقتين جمعا بين الروايات، وفى البخارى عن ابن مسعود: «ونحن بمنى» (٤) ولا يعارضه قول أنس: «أنه كان بمكة» (٥) لأن المراد أنه كان بها لا بالمدينة، وقد أنكر جمهور الفلاسفة ذلك، لإنكارهم الخرق والالتئام فى الأجرام العلوية، وهؤلاء كفار، وتقرير بطلان مذهبهم فى الأصول، وأنكره أيضا بعض الملاحدة محتجين بأنه لو وقع لم يخف على أحد من أهل الأرض، ولم يختص بأهل مكة، ورد: بأنه وقع ليلا لحظة وقت النوم والغفلة والنوم، فلا مانع من خفائه على من بعد فى ذلك الإقليم، وليس هو دون الكسوف الذى يظهر بمحل دون آخر، على أنه لولا إخبار المنجمين به قبل وقوعه، لربما خفى على أكثر أهل الأرض، وحكمة قدم بلوغ معجزة من معجزاته غير القرآن تواتره أن نظير ذلك فى الأمم السابقة، أعقبت هلاك من كذب بها وهو ﷺ رحمة عامة، فكانت معجزته غير عامة لئلا يعاجل المكذبون بما عوجل به من سبقهم، وحكى البدر

стр. 241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الزركشى عن شيخه العماد ابن كثير: أن ما حكى «أن القمر دخل فى جيبه ﷺ وخرج من كمه» فليس له أصل، ومنه: رد الشمس، لخبر «لما كان رأسه ﷺ فى حجر على رضى الله عنه حتى غربت، ولم يصلّ العصر، فدعا ﷺ بردها حتى صلاها» وحديثها صححه الطحاوى وعياض، وأخرجه جماعة منهم الطبرانى بسند حسن (١)، وأخطأ من جعله موضوعا كابن الجوزى، وقد ذكرت فى ذلك زيادة فى شرح العباب أول الصلاة، ومنه: تسبيح الحصى فى كفه، ثم بكف أبى بكر، ثم عمر، ثم عثمان رضى الله عنهم أجمعين، حتى سمع الحاضرون فأخذوه، فلم يسبح معهم، وهذا وإن اشتهر، لكن سنده ضعيف، نعم فى البخارى عن ابن مسعود: «كنا نأكل الطعام مع النبى ﷺ ، ونحن نسمع تسبيح الطعام» (٢) ومنه: تسليم الحجر عليه أخرج مسلم: «إنى لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علىّ قبل أن أبعث، إنى لأعرفه الآن» (٣) وهذا الحجر قيل: الأسود، وقيل: الذى بزقاق المرفق المشهور بمكة، وذكر الفارسى ما يقويه، وصح عن على «كنت أمشى مع النبى ﷺ بمكة فخرجنا فى بعض نواحيها فما استقبله حجر ولا شجر، إلا قال: السلام عليك يا رسول الله»، ومنه: تأمين أسكفة الباب وحوائط البيت ثلاثا على دعائه للعباس، ونفيه أن يسترهم كسترة أباهم علاة، رواه البيهقى، وابن ماجه، ومنه: ما صح من كلامه مع أحد لما صعده هو وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فضربه برجله وقال: «اثبت أحد، فإنما عليك نبى وصديق وشهيدان» (٤) وسبب الرجف مما حصل له من الطرب والفرح، ومن ثمة صح: «أحد يحبنا ونحبه» قال الخطابى: كنى به عن أهل المدينة، وأجراه البغوى على ظاهره، وهو الأصح، إذ لا بعد

стр. 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فى محبة الجمادات للأنبياء والأولياء، ومن ثمة سمع حنين الجذع لما فارقه، وخرج النسائى، والترمذى، والدار قطنى: أن هذه القصة وقعت بعينها فى بر مكة، ومسلم أنها أيضا وقعت بحرا لكن بزيادة على وطلحة والزبير، وهؤلاء الثلاثة شهداء أيضا، وفى رواية له: «إبدال علىّ» بسعيد، وفى رواية للترمذى: أنه كان عليه العشرة إلا أبا عبيدة، وهذه الاختلافات محمولة على أنها قضايا تكررت، ونازع فيه بعض الحفاظ لاتحاد مخرجها، ثم قوى احتمال التعدد بروايات صحيحة ذكرها، ومنه: كلام الشجر وسلامه عليه، وأخرج البزار وأبو نعيم: «لما أوحى إلىّ جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله» (١) وأحمد، والدارمى: «أنه ﷺ لما خضبه أهل مكة بالدعاء، فحزن فجاءه جبريل، فقال: أتحب أن أريك آية؟ قال: نعم، فأمره بدعاء شجرة، فجاءت تمشى حتى قامت بين يديه، فقال: مرها فلترجع إلى مكانها، فأمرها فرجعت إليه، فقال ﷺ : حسبى حسبى» (٢)، وورد بسند جيد: «أن أعرابيا سأل النبى ﷺ آية، فدعى شجرة فأقبلت تشق الأرض فقامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا فشهدت، ثم رجعت إلى منبتها» (٣) وروى البزار: «أنها تمايلت حتى قطعت عروقها، ثم جاءت فسلمت فقال الأعرابى: مرها فلترجع إلى منبتها فرجعت فدلت عروقها فيه فاستقرت، فقال الأعرابى: ائذن لى أن أسجد لك فقال: لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» (٤) وصح: «أن أعرابيا قال: بم أعرف أنك رسول الله؟ فدعى له عذقا من نخلة فجاء إليه، ثم أمره بالرجوع فعاد فأسلم الأعرابى» (٥)

стр. 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وروى البغوى: «أنه نام فجاءته شجرة فغشيته، ثم رجعت لمحلها، فلما استيقظ ذكر ذلك له فقال: هى شجرة استأذنت ربى أن تسلم علىّ فأذن لها» (١)، وروى مسلم: «أنه ﷺ نزل بواد فسيح، فلم ير ما يستره لقضاء حاجته، ثم شجرتان فجر بعض أحدهما وقال: انقادى على، فانقادت، ثم فعل بالأخرى ذلك، فلما توسط بينهما قال: التئما على بإذن الله فالتئمتا» (٢)، ومنه: حنين الجذع بالمعجمة. «وحنينه»: شوقه وانعطافه الدال عليها أصواتها المسموع منه كما فى الأحاديث. قال التاج السبكى: وحنينه متواتر، لأنه ورد عن جماعة من الصحابة أى نحو العشرين، من طرق صحيحة كثيرة تفيد القطع بوقوعه. . . (٣) [وبينما، ثم قال: ورب متواتر عند قوم غير متواتر عند آخرين، وتبعه بعض الحفاظ فقال: وقد نقل انشقاق القمر نقلا مستفيضا] (٤) يفيد القطع عند من يطلع على طرق الحديث دون غيرهم، وجرى [فى الشفاء على] (٥) أنه متواتر، وقال البيهقى: قصة حنينه من الأمور الظاهرة التى نقلها الخلف عن السلف، وعن الشافعى: أنها أعظم فى المعجزة من إحياء الموتى، وحاصل قصته أن المسجد كان مسقوفا على جذع النخل، وكان ﷺ يخطب إلى جذع منها، فجعل له منبر ثلاث درجات، فلما رقاه سمع لذلك الجذع صوت كصوت الناقة التى انتزع منها ولدها حتى تصدع وتنشق فنزل وضمه إليه، فجعل يئن أنين الصبى الذى يسكن، ثم رجع للمنبر، وهذا دليل على أنه تعالى خلق فيه الحياة والعقل والشوق لا من جهة سماع صوته إذ الصوت لا يستلزم حياة ولا عقلا كما هو مذهب الأشعرى بل من جهة أن الشوق المعنوى دون الطبيعى [البهيمى] (٦) الذى يستلزمهما، واطلاع الصحابة على حياته أنه حنين صريح فى إثبات الشوق المعنوى

стр. 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ له، ويؤيده قول جابر: كانت تبكى على ما كان يسمع من الذكر عندها، ومن ثمة عامله ﷺ معاملة المشتاق، فالتزمه كما يلتزم المغيب أهله وأعزته، ليبرد غليل شوقهم إليه، وفى رواية صحيحة: «أنه خار حتى ارتج المسجد لخوائره، وأنه ﷺ قال: «والذى نفس محمد بيده، لو لم ألتزمه لما زال هكذا حتى تقوم الساعة حزنا على رسول الله» (١)، فأمر به ﷺ فدفن، وفى رواية للبيهقى: «أنه خيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة» (٢)، وفى أخرى للدارمى، قال له: «إن شئت أردك إلى حائطك تنبت كما كنت عليه، وإن شئت أغرسك فى الجنة، فتأكل أولياء الله من ثمرك»، ثم أصغى له قال: تغرسنى فى الجنة فتأكل منى أولياء الله، وأكون فى مكان لا أبلى فيه فسمعه من يليه فقال رسول الله ﷺ : «قد فعلت»، ثم قال: «قد اختار دار البقاء على دار الفناء» واعلم أن القصة واحدة، فما وقع فى ألفاظها مما ظاهره التغاير إنما هو من الرواة، عند التحقيق والتأويل يرجع لمعنى واحد، ومنه: سجود الجمل له كما رواه أحمد والنسائى والبغوى والطبرانى وله سند جيد عند البيهقى وحاصل قصته: «أن الأنصار شكوا جملا لهم استصعب ومنعهم ظهره وصار كالكلب، فجاء له النبى ﷺ ، فلما نظر إليه أقبل نحوه حتى خر ساجدا بين يديه فأخذ بناصيته أذل ما كان قط، حتى أدخله فى العمل فقالوا له: نحن أحق أن نسجد لك، فقال: لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، وإلا لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها» (٣)، وصح أنه ﷺ دخل حائط أنصارى، فإذا جمل فلما رآه حن وذرفت عيناه، فمسح المحل الذى يعرف من قفاه عند أذنيه، ثم قال لصاحبه: «ألا تتقى الله فى هذه البهيمة التى ملكك الله إياها، فإنه شكى إلى أنك تجيعه وتدميه» (٤)

стр. 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وروى بسند ضعيف: «أنه ﷺ دخل حائطا فيه غنم فسجدت له، فقال أبو بكر: نحن أحق بالسجود من هذه فقال ﷺ : «لا ينبغى لأحد أن يسجد لأحد» (١). ومنه: كلام الذئب، رواه جماعة، وأخرجه جماعة من الأئمة من عدة طرق منهم: أحمد، وإسناده جيد، وذلك: «أن ذئبا أخذ شاة فانتزعها منه راعيها فأقعى فقال: ألا تتقى الله تنزع منى رزقا ساقه الله إلىّ فقال: يا عجبا ذئب يتكلم فقال له الذئب: ألا أخبرك بالأعجب من ذلك؟ محمد بيثرب يخبر الناس بأنباء ما سبق فجاء الراعى إلى النبى ﷺ فأخبره، فأمر فنودى بالصلاة جامعة ثم خرج فقال للأعرابى: «أخبرهم» فأخبرهم (٢)، وفى رواية: «أن الراعى يهودى وأنه أسلم، وأن الذئب يخبركم بما مضى، وبما هو كائن بعدكم، وأنه ﷺ صدق المخبر، ثم قال: «إنها أمارات بين يدى الساعة قد أوشك الرجل أن يخرج فما يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه بما أحدثه أهله بعده» (٣)، وذكر فى الشفاء طريقا فيها زيادة «أن الذئب قال: تركت نبيا لم يبعث الله قط نبيا أعظم منه عنده قد رأوا أنه، أمره أن يذهب إليه، ويحرس له غنمه حتى يرجع ففعلا، ثم جاء فذبح له شاة منها»، وروى ابن وهب، «أن ذئبا وقع له نظير ذلك مع أبى سفيان وصفوان بن أمية، وأنهما عجبا من إدباره عن ظبى لما دخل الحرم فقال لهما: أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم للجنة وتدعونه إلى النار»، وروى سعيد بن منصور: «أن ذئبا جاء إلى النبى ﷺ فأقعى بين يديه وجعل يبصبص بذنبه فقال ﷺ : «هذا وافد الذئاب جاء يسألكم أن تجعلوا له من أموالكم شيئا» فقالوا: ألا والله لا نفعل، وأخذ رجل حجرا رماه به فأدبر وله عواء، فقال ﷺ : «الذئب، وما الذئب؟» ومنه: كلام الحمار على ما أخرجه ابن عساكر، وأبو نعيم وفيه «أنه أسود، وأصابه يوم خيبر فكلمه بأنه من نسل ستين حمارا لم يركبها إلا نبى، وأنه كان يتعثر بصاحبه اليهودى عمدا، وكان يتوقع ركوبه ﷺ ، وأنه سماه يعفور، وكان يبعثه يستدعى أصحابه، وأنه لما توفى رسول الله

стр. 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ رمى نفسه فى بئر حزنا عليه» ولكن الحديث مطعون فيه، وذكره ابن الجوزى فى الموضوعات، وفى غيره غنية عنه، وكلام الضبّ، وهو وإن اشتهر لكنّ سنده غريب ضعيف، بل قيل: إنه موضوع، والصحيح أنه ضعيف وحاصله: «أن أعرابيا طرحه بين يديه وحلف لا يؤمن به حتى يؤمن به، فكلمه النبى ﷺ فأجابه بلسان مبين يسمعه القوم»، وتكلم بكلام طويل مذكور فى الشفاء وغيره، وكلام الغزالة، وطرقه وإن ضعفت، لكن بعضها يقوى بعضا، وقول ابن كثير أنها موضوعة مردود، وحاصلها «بينما هو بصحراء، إذ سمع: يا رسول الله ثلاثا، فالتفت، فإذا ظبية مشدودة بوثاق وتألم، فقال: ما حاجتك؟ قالت (١): صادنى هذا الأعرابى ولى ولدان فى هذا الجبل فأطلقنى حتى أذهب فأرضعهما وأرجع، فقال: وتفعلى؟ فقالت: عذبنى الله. عذاب الكفار إن لم أعد، فأطلقها فذهبت ورجعت فأوثقها ﷺ فانتبه الأعرابى وقال: يا رسول الله ألك حاجة؟ قال: نعم تطلق هذه الظبية، فأطلقها فخرجت تعدو وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله» (٢)، ومنه: نبع الماء الطهور من بين أصابعه، وهو أفضل المياه، قال القرطبى: وتكرر ذلك منه فى عدة مواطن فى مشاهد عظيمة ومجموع طرقه الكثيرة الصحيحة تفيد القطع المستفاد من التواتر المعنوى قال المزنى: وهو لعدم ألفه أصلا أبلغ من نبع الماء من الحجر، لأنه مألوف فمن تلك الطرق: «أن صلاة العصر حانت فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه فأتوه بوضوء فوضع يده الشريفة، فجعل الماء ينبع من بين أصابعها من أطرافها حتى توضأوا، وكانوا ثمانين وفى رواية ثلثمائة وفى رواية: «أن ذلك كان فى غزوة تبوك، فرووا منه إبلهم ودوابهم، وتزودوا مع كثرتهم، فإنهم كانوا سبعين ألف، أو ثلاثين، أو أربعين، -أقوال-وخيلهم عشرة آلاف، وإبلهم نحو ذلك، أو أكثر»، وفى أخرى: «أنه جىء له فى قباء بقدح صغير، وضع فيه غير إبهامه لضيقه، ثم قال: هلموا للشراب فلم يزل ينبع من بين أصابعه وهم يرون حتى رووا جميعا»، ووقع ذلك بالحديبية لعطش أصابهم، فوضع رسول الله ﷺ

стр. 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يده فى الركوة، ففار من بين أصابعه كأمثال العيون، فرووا وتوضأوا، وكانوا ألفا وخمسمائة» قال جابر: لو كنا مائة ألف لكفانا، ووقع أيضا فى غزوة بواط ولم يجد ﷺ إلا قطرة غمرها وتكلم عليها بكلام قال عبادة: لا أدرى ما هو!، ثم أمر بصبها على يده، وقد بسطها فى جفنة، وقال: بسم الله ففار الماء من بين أصابعه حتى استقوا كلهم، وبقى فى جفنته كذلك» (١)، ولتكثير الماء القليل ووقوع الغيث الكثير ببركة دعائه طرق أخرى كثيرة، وفى ما يقتضى أن الماء لم يكن ينبع من بين أصابعه حقيقة، بل نظر الرائى، والأصح كما قال النووى وغيره، ودل عليه كثير من الروايات الصحيحة أنه يخرج منها حقيقة، وإنما لم يفعله من غير ماء ولا وضع إناء؛ تأدبا مع الله، إذ هو المنفرد بإنشاء المعدوم من غير أصل، وفى رواية للدارمى وغيره: «أنه لما لم يوجد شىء من ماء طلب شيئا، فبسط يده ففارت عين من تحته، فشربوا وتوضأوا»، ومنه: إحياء الموتى، أخرج البيهقى: «أن رجلا قال للنبى ﷺ : لا أومن بك حتى تحيى لى ابنتى فجاء لقبرها، فقال: يا فلانة، قالت: لبيك وسعديك، فقال ﷺ : أتحبين أن ترجعين إلى الدنيا، فقالت: لا والله يا رسول الله، إنى وجدت الله خيرا لى من أبوى ووجدت الآخرة خير لى من الدنيا» وحديث إحياء أمه حتى آمنت، رواه جماعة، وصححه بعض الحفاظ، وإن قال ابن كثير إنه منكر جدا، وروى ابن عدى وابن أبى الدنيا والبيهقى وأبو نعيم: «أن عجوزا عمياء مات ولدها، فلما عزيت به قالت: اللهم إن كنت تعلم أنى هاجرت إليك، وإلى نبيك رجاء أن تعيننى على كل شدة فلا تحملنى على هذه المصيبة، فكشف الثوب عن وجهه وطعم وطعموا»، وروى ابن أبى الدنيا: «أن زيد بن حارثة بينما هو يمشى، إذ خر فتوفى فجىء به إلى بيته، فلما كان بين المغرب والعشاء سمعوا على لسانه محمد رسول الله النبى الأمى خاتم النبيين لا نبى بعده، كان ذلك فى الكتاب الأول، ثم قال: صدق صدق ثم قال: هذا رسول الله ﷺ السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته» (٢)، وأخرج أبو نعيم عن جابر: «أنه ذبح شاة وطبخها فجاء بها النبى ﷺ ، فأكل هو وأصحابه ونهاهم عن كسر العظم، ثم جمعه ووضع يده عليه، ثم تكلم بكلام، فإذا الشاة قد قامت تنفض أذنيها» وللبيهقى: «أنه ﷺ جىء له

стр. 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بغلام يوم ولد، فقال: من أنا؟ قال: رسول الله، قال: صدقت بارك الله فيك لم يتكلم بعد حتى شئت، فكان يسمى مبارك اليمامة» وأصيبت عينا قتادة بن النعمان يوم أحد فسقطتا على وجنتيه فأتى بهما النبى ﷺ فأعادهما مكانهما وبصق فيهما فعادتا تبرقان قال الدار قطنى: هذا حديث غريب عن مالك تفرد به عمار بن منصور وهو ثقة، وأخرج الطبرانى وأبو نعيم عن قتادة: «كنت يوم أحد أتقى السهام بوجهى دون وجه رسول الله، فكان آخرها سهما ندرت منه حدقتى فأخذتها بيدى وسعيت بها إلى رسول الله، فلما رآها فى كفى دمعت عيناه، فقال: اللهم ق وجه قتادة كما وقى وجه نبيك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه وأحدهما نظرا» (١)، وفى رواية: «أنه جىء بها قال: يا رسول الله: إن لى امرأة أحبها وأخشى إن رأتنى أن تقذرنى» وبين الأولى، والتى بعدها تعارض فى العين الأخرى، وقد يجاب على تقدير صحة الروايتين: بأنهما أصيبتا، وجاء بهما فى وقتين، فحكى مرة عنهما معا وهى الرواية الأولى، ومرة أخرى عن إحداهما، وهى الرواية الثانية، وروى ابن أبى شيبة والبغوى، والبيهقى، والطبرانى، وأبو نعيم: «أنه ﷺ نفث فى عينى فديك كانتا مبيضتان لا يبصر بهما شيئا» (٢). وكان وقع على بيض حية فنفث فيهما فعادتا أحسن ما كان فكان يدخل الخيط فى الإبرة وإنه لابن ثمانين سنة وإن عيناه لمبيضتان قال ابن إسحاق: وقاتل عكاشة بن محصن الأسدى يوم بدر بسيفه حتى انقطع فأعطاه رسول الله ﷺ جزلا من حطب، فقال له: «قاتل به» فهزّه فعاد فى يده سيفا طويل القامة شديد المتن أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين وكان يسمى العون ولم يزل يشهده المشاهد مع رسول الله ﷺ حتى قتل وهو عنده وذكر القاضى عياض عن ابن وهب أن عكرمة بن أبى جهل ضرب يد معاذ بن عمرو فتعلقت بجلدة فبصق ﷺ عليها فلصقت، قال ابن إسحاق: ثم عاش حتى كان زمن عثمان ولما التقى الجمعان يوم بدر فأخذ ﷺ كف حصى فرمى به فى وجوههم وقال: شاهت الوجوه أى قبحت وتغيرت فلم يبق مشرك وكانوا ألفا أو إلا خمسين إلا ودخل فى عينيه ومنخريه منها شىء فانهزموا من ذلك على الأصح وأنه فعل ﷺ نظيره يوم حنين نزل قوله تعالى: وَمارَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اَللهَ رَمى واعلم أن جماعة ضلوا فى فهم

стр. 249

١٧٣ - حدثنا ابن أبى عمر، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابرا. قال سفيان: وحدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: «خرج رسول الله ﷺ ، وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت له شاة فأكل منها، وأتته بقناع من رطب فأكل منه، ثمّ توضّأ للظّهر وصلّى، ثمّ انصرف، فأتته من علالة الشّاة، فأكل ثمّ صلّى العصر، ولم يتوضّأ». ــ هذه الآية حيث جعلوها أصلا فى إبطال نسبة الأفعال إلى العباد ولم يبالوا بما يلزم على ذلك إذ يقال: وما صليت إذ صليت ولكن الله صلى وَمارَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ. . . إلخ والمراد أن تلك الرمية لما لم تبلغ ذلك المبلغ عادة، بيّن تعالى أن من نبيه المبدأ، ومنه تعالى الغاية، وهو الإيصال، «وانقطع يوم أحد سيف عبد الله بن جحش فأعطاء ﷺ عرجونا، فعاد فى يده سيفا فقاتل به، وكان يسمى العرجون ولم يزل يتوارثونه حتى بيع من بغاء التركى من أمراء المعتصم فى بغداد بمائتى دينار». ١٧٣ - (فذبحت شاة) أى حقيقة أو أمرت بذبحها، والجزم الثانى يحتاج لدليل. (بقناع) بقاف مكسورة فنون مهملة أى طبق من سعف النخل. (ثم انصرف) أى من صلاته أو من محلها. (علالة) بضم المهملة أى بقية. (من) تبعيضية وزعم أنها بيانية بعيد. (علالة الشاة) أى بقية لحمها، وفيه أنه ﷺ شبع من لحم فى يوم مرتين، فما مر عن عائشة من نفى ذلك إنما باعتبار علمها، كذا قيل، وهو غير جلى، إذ لا يلزم من أكله مرتين الشبع فى كل منهما، نعم فيه دليل على حل الأكل ثانيا، وإن لم ينهضم الأول، إذا أمن التخمة باعتبار عادته، أو لقلة المأكول، وقد يندب ذلك لخبر حاطب المضيف ونحوه. (ولم يتوضأ) فيه دليل على أن وضوء الأول، لم يكن مما مسته النار.

стр. 250

١٧٤ - حدثنا العباس بن محمد الدورى، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا فليح ابن سليمان، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن يعقوب بن أبى يعقوب، عن أم المنذر، قالت: «دخل علىّ رسول الله ﷺ ومعه علىّ، ولنا دوال معلّقة. قالت: فجعل رسول الله ﷺ وعلىّ معه يأكل. فقال رسول الله ﷺ : مه يا علىّ. فإنك ناقه. قالت: فجلس علىّ والنّبى ﷺ يأكل. قالت: فجعلت لهم سلقا وشعيرا فقال النّبىّ ﷺ لعلىّ: من هذا فأصب، فإنّ هذا أوفق لك». ــ ١٧٤ - (دوال) واوه منقلبة عن ألف إذ هو جمع دالية، وهو العذق من النخلة يقطع بسرا، ثم يعلق ليرطب، ويأكل رطبه على التدريج. (معلقة) أى لترطب ويؤكل من رطبها. (مه) اسم فعل بمعنى اكفف. (ناقه) هو قريب العهد بالمرض قبل أن يرجع إليه كمال صحته وقوته. (فجعلت) عطف على فقال أى بينت أمر ﷺ عليا رضى الله عنه بالترك، لأنه يضره جعلت ما لا يضره ومن ثمة أمره ﷺ بالإصابة منه لهم، أى له ولعلى ومن معهما من أهل بيتهما، وفى إرادية أى للنبى ﷺ واقتصرت عليه، لأنه الأصل والمتبوع، وزعم أنه لعلى وهم، وإنما يرجع لأهلها أى ضيفانها هو الوهم، كما هو ظاهر. (فأصب) أى أما من هذا فأصب فالفاء هى جواب شرط محذوف، وتقديم من هنا يوجب الحصر أى من هذا لا من غيره. (هذا أوفق لك) إنما منعه من ذلك، لأن الفاكهة تغير بالناقه لسرعة استحالتها، وضعف الطبيعة من دفعها لعدم القوة فأوفق معنى موافق إذ الأوفقية فى الرطب له أصلا ويصح كونه على حقيقته بأن يدعى أن فى الرطب موافقة له من وجه وإن ضره وجه آخر ولم يمنعه من السلق والشعير لأنه من
следующие страницы →