← Сира

Сира · id 122255

أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (602 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ رمى نفسه فى بئر حزنا عليه» ولكن الحديث مطعون فيه، وذكره ابن الجوزى فى الموضوعات، وفى غيره غنية عنه، وكلام الضبّ، وهو وإن اشتهر لكنّ سنده غريب ضعيف، بل قيل: إنه موضوع، والصحيح أنه ضعيف وحاصله: «أن أعرابيا طرحه بين يديه وحلف لا يؤمن به حتى يؤمن به، فكلمه النبى ﷺ فأجابه بلسان مبين يسمعه القوم»، وتكلم بكلام طويل مذكور فى الشفاء وغيره، وكلام الغزالة، وطرقه وإن ضعفت، لكن بعضها يقوى بعضا، وقول ابن كثير أنها موضوعة مردود، وحاصلها «بينما هو بصحراء، إذ سمع: يا رسول الله ثلاثا، فالتفت، فإذا ظبية مشدودة بوثاق وتألم، فقال: ما حاجتك؟ قالت (١): صادنى هذا الأعرابى ولى ولدان فى هذا الجبل فأطلقنى حتى أذهب فأرضعهما وأرجع، فقال: وتفعلى؟ فقالت: عذبنى الله. عذاب الكفار إن لم أعد، فأطلقها فذهبت ورجعت فأوثقها ﷺ فانتبه الأعرابى وقال: يا رسول الله ألك حاجة؟ قال: نعم تطلق هذه الظبية، فأطلقها فخرجت تعدو وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله» (٢)، ومنه: نبع الماء الطهور من بين أصابعه، وهو أفضل المياه، قال القرطبى: وتكرر ذلك منه فى عدة مواطن فى مشاهد عظيمة ومجموع طرقه الكثيرة الصحيحة تفيد القطع المستفاد من التواتر المعنوى قال المزنى: وهو لعدم ألفه أصلا أبلغ من نبع الماء من الحجر، لأنه مألوف فمن تلك الطرق: «أن صلاة العصر حانت فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه فأتوه بوضوء فوضع يده الشريفة، فجعل الماء ينبع من بين أصابعها من أطرافها حتى توضأوا، وكانوا ثمانين وفى رواية ثلثمائة وفى رواية: «أن ذلك كان فى غزوة تبوك، فرووا منه إبلهم ودوابهم، وتزودوا مع كثرتهم، فإنهم كانوا سبعين ألف، أو ثلاثين، أو أربعين، -أقوال-وخيلهم عشرة آلاف، وإبلهم نحو ذلك، أو أكثر»، وفى أخرى: «أنه جىء له فى قباء بقدح صغير، وضع فيه غير إبهامه لضيقه، ثم قال: هلموا للشراب فلم يزل ينبع من بين أصابعه وهم يرون حتى رووا جميعا»، ووقع ذلك بالحديبية لعطش أصابهم، فوضع رسول الله ﷺ

стр. 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يده فى الركوة، ففار من بين أصابعه كأمثال العيون، فرووا وتوضأوا، وكانوا ألفا وخمسمائة» قال جابر: لو كنا مائة ألف لكفانا، ووقع أيضا فى غزوة بواط ولم يجد ﷺ إلا قطرة غمرها وتكلم عليها بكلام قال عبادة: لا أدرى ما هو!، ثم أمر بصبها على يده، وقد بسطها فى جفنة، وقال: بسم الله ففار الماء من بين أصابعه حتى استقوا كلهم، وبقى فى جفنته كذلك» (١)، ولتكثير الماء القليل ووقوع الغيث الكثير ببركة دعائه طرق أخرى كثيرة، وفى ما يقتضى أن الماء لم يكن ينبع من بين أصابعه حقيقة، بل نظر الرائى، والأصح كما قال النووى وغيره، ودل عليه كثير من الروايات الصحيحة أنه يخرج منها حقيقة، وإنما لم يفعله من غير ماء ولا وضع إناء؛ تأدبا مع الله، إذ هو المنفرد بإنشاء المعدوم من غير أصل، وفى رواية للدارمى وغيره: «أنه لما لم يوجد شىء من ماء طلب شيئا، فبسط يده ففارت عين من تحته، فشربوا وتوضأوا»، ومنه: إحياء الموتى، أخرج البيهقى: «أن رجلا قال للنبى ﷺ : لا أومن بك حتى تحيى لى ابنتى فجاء لقبرها، فقال: يا فلانة، قالت: لبيك وسعديك، فقال ﷺ : أتحبين أن ترجعين إلى الدنيا، فقالت: لا والله يا رسول الله، إنى وجدت الله خيرا لى من أبوى ووجدت الآخرة خير لى من الدنيا» وحديث إحياء أمه حتى آمنت، رواه جماعة، وصححه بعض الحفاظ، وإن قال ابن كثير إنه منكر جدا، وروى ابن عدى وابن أبى الدنيا والبيهقى وأبو نعيم: «أن عجوزا عمياء مات ولدها، فلما عزيت به قالت: اللهم إن كنت تعلم أنى هاجرت إليك، وإلى نبيك رجاء أن تعيننى على كل شدة فلا تحملنى على هذه المصيبة، فكشف الثوب عن وجهه وطعم وطعموا»، وروى ابن أبى الدنيا: «أن زيد بن حارثة بينما هو يمشى، إذ خر فتوفى فجىء به إلى بيته، فلما كان بين المغرب والعشاء سمعوا على لسانه محمد رسول الله النبى الأمى خاتم النبيين لا نبى بعده، كان ذلك فى الكتاب الأول، ثم قال: صدق صدق ثم قال: هذا رسول الله ﷺ السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته» (٢)، وأخرج أبو نعيم عن جابر: «أنه ذبح شاة وطبخها فجاء بها النبى ﷺ ، فأكل هو وأصحابه ونهاهم عن كسر العظم، ثم جمعه ووضع يده عليه، ثم تكلم بكلام، فإذا الشاة قد قامت تنفض أذنيها» وللبيهقى: «أنه ﷺ جىء له

стр. 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بغلام يوم ولد، فقال: من أنا؟ قال: رسول الله، قال: صدقت بارك الله فيك لم يتكلم بعد حتى شئت، فكان يسمى مبارك اليمامة» وأصيبت عينا قتادة بن النعمان يوم أحد فسقطتا على وجنتيه فأتى بهما النبى ﷺ فأعادهما مكانهما وبصق فيهما فعادتا تبرقان قال الدار قطنى: هذا حديث غريب عن مالك تفرد به عمار بن منصور وهو ثقة، وأخرج الطبرانى وأبو نعيم عن قتادة: «كنت يوم أحد أتقى السهام بوجهى دون وجه رسول الله، فكان آخرها سهما ندرت منه حدقتى فأخذتها بيدى وسعيت بها إلى رسول الله، فلما رآها فى كفى دمعت عيناه، فقال: اللهم ق وجه قتادة كما وقى وجه نبيك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه وأحدهما نظرا» (١)، وفى رواية: «أنه جىء بها قال: يا رسول الله: إن لى امرأة أحبها وأخشى إن رأتنى أن تقذرنى» وبين الأولى، والتى بعدها تعارض فى العين الأخرى، وقد يجاب على تقدير صحة الروايتين: بأنهما أصيبتا، وجاء بهما فى وقتين، فحكى مرة عنهما معا وهى الرواية الأولى، ومرة أخرى عن إحداهما، وهى الرواية الثانية، وروى ابن أبى شيبة والبغوى، والبيهقى، والطبرانى، وأبو نعيم: «أنه ﷺ نفث فى عينى فديك كانتا مبيضتان لا يبصر بهما شيئا» (٢). وكان وقع على بيض حية فنفث فيهما فعادتا أحسن ما كان فكان يدخل الخيط فى الإبرة وإنه لابن ثمانين سنة وإن عيناه لمبيضتان قال ابن إسحاق: وقاتل عكاشة بن محصن الأسدى يوم بدر بسيفه حتى انقطع فأعطاه رسول الله ﷺ جزلا من حطب، فقال له: «قاتل به» فهزّه فعاد فى يده سيفا طويل القامة شديد المتن أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين وكان يسمى العون ولم يزل يشهده المشاهد مع رسول الله ﷺ حتى قتل وهو عنده وذكر القاضى عياض عن ابن وهب أن عكرمة بن أبى جهل ضرب يد معاذ بن عمرو فتعلقت بجلدة فبصق ﷺ عليها فلصقت، قال ابن إسحاق: ثم عاش حتى كان زمن عثمان ولما التقى الجمعان يوم بدر فأخذ ﷺ كف حصى فرمى به فى وجوههم وقال: شاهت الوجوه أى قبحت وتغيرت فلم يبق مشرك وكانوا ألفا أو إلا خمسين إلا ودخل فى عينيه ومنخريه منها شىء فانهزموا من ذلك على الأصح وأنه فعل ﷺ نظيره يوم حنين نزل قوله تعالى: وَمارَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اَللهَ رَمى واعلم أن جماعة ضلوا فى فهم

стр. 249

١٧٣ - حدثنا ابن أبى عمر، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابرا. قال سفيان: وحدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: «خرج رسول الله ﷺ ، وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت له شاة فأكل منها، وأتته بقناع من رطب فأكل منه، ثمّ توضّأ للظّهر وصلّى، ثمّ انصرف، فأتته من علالة الشّاة، فأكل ثمّ صلّى العصر، ولم يتوضّأ». ــ هذه الآية حيث جعلوها أصلا فى إبطال نسبة الأفعال إلى العباد ولم يبالوا بما يلزم على ذلك إذ يقال: وما صليت إذ صليت ولكن الله صلى وَمارَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ. . . إلخ والمراد أن تلك الرمية لما لم تبلغ ذلك المبلغ عادة، بيّن تعالى أن من نبيه المبدأ، ومنه تعالى الغاية، وهو الإيصال، «وانقطع يوم أحد سيف عبد الله بن جحش فأعطاء ﷺ عرجونا، فعاد فى يده سيفا فقاتل به، وكان يسمى العرجون ولم يزل يتوارثونه حتى بيع من بغاء التركى من أمراء المعتصم فى بغداد بمائتى دينار». ١٧٣ - (فذبحت شاة) أى حقيقة أو أمرت بذبحها، والجزم الثانى يحتاج لدليل. (بقناع) بقاف مكسورة فنون مهملة أى طبق من سعف النخل. (ثم انصرف) أى من صلاته أو من محلها. (علالة) بضم المهملة أى بقية. (من) تبعيضية وزعم أنها بيانية بعيد. (علالة الشاة) أى بقية لحمها، وفيه أنه ﷺ شبع من لحم فى يوم مرتين، فما مر عن عائشة من نفى ذلك إنما باعتبار علمها، كذا قيل، وهو غير جلى، إذ لا يلزم من أكله مرتين الشبع فى كل منهما، نعم فيه دليل على حل الأكل ثانيا، وإن لم ينهضم الأول، إذا أمن التخمة باعتبار عادته، أو لقلة المأكول، وقد يندب ذلك لخبر حاطب المضيف ونحوه. (ولم يتوضأ) فيه دليل على أن وضوء الأول، لم يكن مما مسته النار.

стр. 250

١٧٤ - حدثنا العباس بن محمد الدورى، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا فليح ابن سليمان، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن يعقوب بن أبى يعقوب، عن أم المنذر، قالت: «دخل علىّ رسول الله ﷺ ومعه علىّ، ولنا دوال معلّقة. قالت: فجعل رسول الله ﷺ وعلىّ معه يأكل. فقال رسول الله ﷺ : مه يا علىّ. فإنك ناقه. قالت: فجلس علىّ والنّبى ﷺ يأكل. قالت: فجعلت لهم سلقا وشعيرا فقال النّبىّ ﷺ لعلىّ: من هذا فأصب، فإنّ هذا أوفق لك». ــ ١٧٤ - (دوال) واوه منقلبة عن ألف إذ هو جمع دالية، وهو العذق من النخلة يقطع بسرا، ثم يعلق ليرطب، ويأكل رطبه على التدريج. (معلقة) أى لترطب ويؤكل من رطبها. (مه) اسم فعل بمعنى اكفف. (ناقه) هو قريب العهد بالمرض قبل أن يرجع إليه كمال صحته وقوته. (فجعلت) عطف على فقال أى بينت أمر ﷺ عليا رضى الله عنه بالترك، لأنه يضره جعلت ما لا يضره ومن ثمة أمره ﷺ بالإصابة منه لهم، أى له ولعلى ومن معهما من أهل بيتهما، وفى إرادية أى للنبى ﷺ واقتصرت عليه، لأنه الأصل والمتبوع، وزعم أنه لعلى وهم، وإنما يرجع لأهلها أى ضيفانها هو الوهم، كما هو ظاهر. (فأصب) أى أما من هذا فأصب فالفاء هى جواب شرط محذوف، وتقديم من هنا يوجب الحصر أى من هذا لا من غيره. (هذا أوفق لك) إنما منعه من ذلك، لأن الفاكهة تغير بالناقه لسرعة استحالتها، وضعف الطبيعة من دفعها لعدم القوة فأوفق معنى موافق إذ الأوفقية فى الرطب له أصلا ويصح كونه على حقيقته بأن يدعى أن فى الرطب موافقة له من وجه وإن ضره وجه آخر ولم يمنعه من السلق والشعير لأنه من

стр. 251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنفع الأغذية للناقه لما فى الشعير من التغذية والتلطيف والتليين وتقوية الطبيعة وفى هذا الحديث فوائد كثيرة فلذا أطلت الكلام فيها وفى متعلقاتها فمن ذلك أنه ينبغى الحمية للمريض والناقه بل قال بعض الأطباء: أنفع ما تكون الحمية للناقه من المرض لأن التخليط يوجب انتكاسه وهو أصعب من ابتداء المرض والحمية للصحيح مضرة كالتخليط للمريض والناقه وقد تشتد الشهوة والميل إلى ضار فيتناول منه يسيرا فتقوى الطبيعة على هضمه فلا يضر بل ربما ينفع بل قد يكون أنفع من دواء يكرهه المريض ولذا أمر ﷺ صهيبا وهو أرمد على تناول التمرات اليسيرة وخبره فى ابن ماجه قدمت على النبى ﷺ وبين يديه خبز وتمر فقال: ادن وكل فأخذت تمرا فأكلت فقال: أتأكل تمرا وبك رمد؟ فقلت: يا رسول الله أمضغ من الناحية الأخرى فتبسم ﷺ ففيه إشارة إلى الحمية وعدم التخليط وأن الرمد يضره التمر ما لم تصدق الشهوة وفى حديث الباب أيضا أصل عظيم للطب والتطبيب وأنه ينبغى التداوى فقد صح «إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء فتداووا» وفى رواية: «إن الله حيث خلق الداء خلق الدواء فتداووا» وصح أيضا: «تداووا يا عباد الله، فإن الله لم يضع داء، إلا وضع له شفاء، إلا داء واحد وهو الهرم» وفى رواية: «إلا السام» أى الموت أى: المرض الذى قدر الموت منه، وصح أيضا: «لكل داء دواء، فإذا أصاب الدواء الداء برئ بإذن الله»، وفسرته رواية الحميدى: «ما من داء إلا وله دواء، فإذا كان كذلك بعث الله ملكا ومعه ستر، فجعله بين الداء والدواء، فكل ما شرب المريض من الدواء لم يقع على الداء، فإذا أراد الله تعالى برأه أمر الملك، فيرفع الستر، ثم يشرب المريض الدواء، فينفعه الله تعالى به»، وفى رواية لأبى نعيم وغيره: «إن الله لم ينزل داء إلا أنزل شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله» وفيه إشارة إلى أن قوله «لكل داء دواء» باق على عمومه حتى تتناوله الأدواء القاتلة وغيرها وإلى أن سبب عدم الشفاء منها هو الجهل بدوائها ومن ثمة علق الشفاء فيما مر على مصادفة الدواء الداء واستفيد من هذه الأحاديث أن رعاية الأسباب بالتداوى لا تنافى التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع بالأكل ومن ثمة قال المحاسبى بتداوى المريض اقتداء بسيد المتوكلين محمد ﷺ والجواب عن خبر من استرقى واكتوى برئ من التوكل أى من توكل المتوكلين الذين من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب فجعل بعض المتوكل أفضل من بعض وقال ابن عبد البر: برئ من

стр. 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التوكل إن استرقى بمكروه أو علق شفاءه بوجوده نحو الكى، وغفل عن أن الشفاء من عند الله وأما من جعله على وفق الشرع ناظرا لرب الدواء متوقعا الشفاء من عنده قاصدا صحة بدنه للقيام بطاعة ربه فتوكله باق بحاله استدلالا بفعل سيد المتوكلين إذ عمل بذلك فى نفسه وغيره. انتهى ملخصها، على أنه قيل: لا يتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التى نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرا وشرعا فتعطيلها يقدح فى التوكل كما يقدح فى الأمر وفى قوله: لكل داء دواء تقويه لنفس المريض والطبيب وحث على طلب الدواء وتخفيف المرض فإن النفس إذا استشعرت أن لدائها دواء يزيله قوى رجائها وانبعث حارها الغريزى فتقوى الروح النفسانية والطبيعية والحيوانية أو بقوة هذه الأرواح تقوى القوى الحاملة لها فتدفع المرض وتثيره والمراد بالإنزال أنزل له دواء التقدير أو إنزال علمه على لسان الملك للأنبياء أو إلهام من يعتد بإلهامه على الأدوية المعنوية كصدق الاعتماد على الله والتوكل عليه والخضوع بين يديه من الصدقة، والإحسان والتفريج عن المكروب أصدق فعلا وأسرع نفعا من الأدوية الحسية ثم ربما تخلف الشفاء عن من استعمل طب النبوة لمانع قام به من نحو ضعف اعتقاد الشفاء وتلقيه بالقبول وهذا هو السبب أيضا فى عدم نفع القرآن لكثيرين مع أنه شفاء لما فى الصدور وقد طب ﷺ كثيرا من الأمراض كالرمد فقد صح: «الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين» وهو نبت لا ورق له ولا ساق توجد فى الأرض من غير زرع وقوله من المن قيل أى: الذى أنزل على بنى إسرائيل ومنه الترلجين وقيل: ليست منه بل مثله بجامع أن كلا يحصل من غير تكلف وبعذر ولا سقى وماؤها شفاء إما بأن يخالطه فى الكمالات، وإما بأن يشق ويوضع على الجمر حتى يغلى ماؤها ثم يجعل الميل بذلك الشىء، وهو فاتر فيكتحل بمائها، وكوجع الحلق الذى يعترى الصبيان غالبا، وتسمى سقوط اللهاة، وهى لحمة بأقصى الحلق، وصح أنه ﷺ وصف لذلك الكست وهو القسط الهندى يحل بماء، ثم يصب فى الأنف أياما وهى من غمر الخلق الذى يعتاده النساء لذلك، ومادة هذا الوجع دم يغلب عليه البلغم وفى القسط تخفيف لتلك الرطوبات وقد يكون نفعه فى هذا الدواء لخاصيته وإلا فالقسط حار، وأترجة أهل الحجاز حارة وكالإسهال فقد صح أنه وصف له العسل ثلاث مرات فيقال له: لم يزده إلا استطلاقا فوصفه فى الرابعة فقيل له ذلك فقال: «صدق الله وكذب بطن أخيك» أى: لم يصلح لقبول الشفاء وحكمة وصفه بذلك مع أنه

стр. 253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مسهل باتفاق الأطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والعادة والزمن والغذاء المألوف والتدبير وقوة الطبيعة وعلى أن من أنواع الإسهال هيضة تنشأ عن تخمة وعلاجها بأتناقهم ترك الطبيعة وفعلها فإن احتاجت لمسهل أعينت ما دام بالعليل قوة فكان إسهال ذلك الرجل من تخمة فوصف رسول الله ﷺ العسل لدفع الفضول المجتمعة فى نواحى المعدة من أخلاط لزجة تمنع استقرار الغذاء فيها وللمعدة خمل كخمل المنشفة فإذا علقت بها أخلاط لزجة أفسدتها مع الغداء فكان دواءها باستعمال ما يجلوها ولا شىء فى ذلك مثل العسل سيما إن مزج بماء حار وإن لم يفده أول مرة لأن شرط إفادة الدواء أن لا ينقص عن الداء ولا يزيد عليه فكأنه شرب منه ما لا يقئ به فأمر بمعاودة شربه فلما تكرر بحسب مادة الداء برئ بإذن الله تعالى وبين بعضهم أن العسل تارة يقبض، وتارة يسهل فإطلاق كونه مسهلا خطأ، وفى الحديث إشارة إلى أن قوله تعالى: فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ على عمومه واعتمده بعض المفسرين وشرط استعماله بنية الشفاء، ويؤيده الحديث الصحيح: «عليكم بالشفائين العسل والقرآن» وليس الطبيعة فقد روى الحميدى: «إياكم والشبرم فإنه حار وعليكم بالسنا فتداووا به فلو الموت شىء لدفعه السنا» وفى رواية: «عليكم بالسنا والسنون فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام» والسنون: العسل أو رب عكة السمن أو الكمون الكرمانى والرازيانج أو الشبث أو العسل الذى فى زق السمن أقوال. قال بعض الأطباء: آخرها أجدر بالمعنى وأقرب للصواب لأن السنا إذ دق وخلط بالعسل المخالط للسمن، ثم لعق كان أصلح لإصلاح السمن والعسل له، وإعانتهما إياه على الإسهال واستفيد من التحذير من الشبرم ما قاله بعض الأطباء من منع استعماله لخطورته وفرط إسهاله، فإنه حار يابس فى الدرجة الرابعة، ولذا لما قالت أسماء بنت عميس: «كنت أستمش بالشبرم قال: حار» رواه البخارى فى تاريخه، والمصنف وقال: غريب وابن ماجه، فى سننه، والثانية بالجيم أى: يسهل، أو بالمهملة تأكيد للأولى بهذه كذات الجنب ففى البخارى مرفوعا: «عليكم بهذا العود الهندى فإن فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب» وروى المصنف: «تداووا من ذات الجنب بالقسط البحرى والزيت» وذات الجنب إما حقيقة وهى دم حار يعرض فى الغشاء المستبطن للأعضاء وينشأ عنها خمسة أمراض: الحمى والسعال والنخس وضيق النفس والنبض المنشارى، وإما غير حقيقة: وهى ريح غليظة تعرض فى

стр. 254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نواحى الجنب تختفى بين الصفاقات والعضل التى فى الصدور والأضلاع وهذا هو المراد هنا لأن القسط وهو العود الهندى هو الذى يداوى به الريح الغليظة لأنه حار يابس قابض يقوى الأعضاء الباطنة ويطرد الريح ويفتح السدد ويذهب فضل الرطوبة وقد ينفع الأولى إذا نشأت عن مادة بلغمية سيما وقت انحطاط العلة كالاستسقاء، ففى الصحيحين أنه وصف للعرنيين لبن الإبل وأبوالها وكان بهم هذا المرض فشربوا ذلك فصحوا لأن الإبل اللقاح جلاء وتليينا وإدرارا وتلطيفا وتفتيحا للمسدد إذا كثر رعيها من نحو الشيح والقيصوم والبابونج والأقحوان والإذخر سيما إذا استعمل حار بعد حلبه مع بول الفصيل وهو حار فإنه فى [ملوحية اللبن وتقلية] (١) الفصول وإطلاقه البطن وكعرق النساء، فقد روى ابن ماجه: دواؤه ألية شاة أعرابية تذاب ثم تجزء ثلاثة أجزاء ثم تشرب على الريق فى كل يوم جزء. فهذا خاص بنحو أهل الحجاز لأنه يحدث لهم من يبس وقد يحدث من مادة غليظة لزجة فعلاجه بالإسهال وفى الألية إنضاج وتليين، وهذا المرض يحتاج إليهما، وحكمة تعيين الأعرابية خاصة مرعاها الأعشاب الحارة، وصحّ أنه ﷺ بعث لأبىّ بن كعب طبيبا فقطع له عرقا وكواه عليه وأنه حسم سعد بن معاذ لما رمى [فى أكحله] وأن أنسا قال: كوانى أبو طلحة فى زمن النبى ﷺ ، قال فى فتح البارى: ولم أر فى أثر صحيح أنه ﷺ اكتوى وإن نقل ذلك عن بعض كتب الطبرانى، وما روى أنه اكتوى يوم أحد فخلاف الكى المعهود، إذ الذى صح أن فاطمة رضى الله عنها أحرقت حصيرا وحشت به جرحه وروى الترمذى أنه ﷺ كوى سعد بن زرارة من الشوكة ولا ينافى ذلك خبر أحمد وأبى داود والترمذى عن عمران: نهى رسول الله ﷺ عن الكى فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا وروى مسلم عنه: كان يسلم على حتى اكتويت فترك ثم تركت الكى فعاد، وفى رواية: «إن الذى كان انقطع عنى رجع إلىّ» يعنى تسليم الملائكة، قيل: لأن النهى خاص بعمران لأنه كان به باسور وموضعه خطر فنهى عن كيه، فلما اشتد عليه كواه فلم ينجح، وقيل: وصفه ثم نهى عنه لشدة المدّ، وعظم خطره، إذ لا يستعمل إلا فى داء أعيىّ ولم تنحسم مادته بغيره وقيل إنما نهى عنه مع إثباته الشفاء فيه لاعتقادهم حسمه للداء بطبعه، وقيل: فعله للجواز والنهى عنه للتنزيه، وقيل: يشرع إذا فسد الجرح، أو انقطع العضو، وينهى عنه إذا كان لأمر محتمل،

стр. 255

١٧٥ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا بشر بن السرى، عن سفيان، عن طلحة ابن يحيى عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها. قالت: «كان النّبىّ ﷺ يأتينى فيقول: أعندك غذاء؟ فأقول: لا. فيقول: إنّى صائم. قالت: فأتانى يوما. فقلت: يا رسول الله، إنّه أهديت لنا هديّة. قال: وما هى؟ قلت: حيس. قال: أما إنّى أصبحت صائما. قالت: ثمّ أكل». ــ وصح: «أنه ﷺ إذا اشتكى الإنسان، أو كانت به قرحة، أو جرح أخذ من ريق نفسه بأصبعه السبابة، ثم لصق به الأرض، ثم مسح به العليل قائلا: بسم الله تربة أرضنا وريقة بعضنا تشفى سقيمنا» قيل: السر فيه، أن التراب ليبسه وبرودته يمنع انصباب المادة لمحل العلة وتجفف الجرح والريق محلل ومنضج وتعقبه القرطبى لكن يويده قول البيضاوى: قد شهدت المباحث الطبية أن الريق ينضح ويعدل المزاج وتراب الوطن يحفظ المزاج ويمنع الضرر وقد ذكروا أنه ينبغى للمسافر استصحاب ماء أرضه وترابها ليضعه فى المياه المختلفة حتى يدفع ضررها والرقى لها له آثار عجيبة لا يدركها العقل وقيل: ذلك مخصوص بأرض المدينة وريقه ﷺ ونظر فيه النووى، وروى ابن أبى شيبة «أنه ﷺ لدغته عقرب فى أصبعه وهو ساجد فانصرف وقال: لعن الله العقرب، ما تدع نبيا ولا غيره، ثم دعى بإناء فيه ماء وملح، فوضع فيه أصبعه وقرأ: «قُلْ هُوَ اَللهُ أَحَدٌ، والمعوذتين حتى سكنت»، وفى الماء والملح لذلك غاية المناسبة الطبيعية، وروى النسائى: «أنه ﷺ داوى بثرة بين أصبعى رجليه بذريرة ثم قال: اللهم مطفئ الكبير، ومكبر الصغير أطفأها عنى فطفت وأخرج جماعة: «أصل كل داء البردة» وفيه راو اختلف فى توثيقه وهى بفتح الراء كما صوبه أبو نعيم: التخمة، لأنها تبرد حرارة الشهوة، وفى حديث ضعيف: «أصل كل داء البرد وفى أخرى استدفئوا من الحر والبرد». ١٧٥ - (غذاء) هو ما يؤكل أول النهار. (صائم) فى رواية صحيحة: «إنى صائم

стр. 256

١٧٦ - حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا ــ إذن» هو صريح فى جواز نية صوم النفل من النهار، لكن إلى الزوال عند الشافعى، وأوجب ذلك التبييت فيه كالفرض لإطلاق غير من لم يبيت الصيام فلا صيام له، وكما لا فرق بين فرض الصلاة ونفلها فى وقت النية، ولا دليل فى: «إنى صائم إذن» لاحتمال إنى صائم إذن كما كنت، أو أنه عزم على الفطر لعذر، ثم تمم الصوم، ويجاب: بأن حمل إنى صائم على ما ذكر بعيد من ظاهر اللفظ فلا يعدل إليه، وح فيقيد إطلاق ذلك الخبر، والأصل تراخى رتبة النفل عن الفرض، فلا يشكل الفرق بينهما هنا، وإنما لم يفرقوا بينهما، ثم لأن الصوم خصلة واحدة، فيلزم من وقوع النية قبل الزوال انعطافها على ما قبلها، ولا كذلك فى الصلاة، وفى قوله: «إنى صائم» إشارة إلى أنه لا بأس بإظهار النوافل لحاضر كتعليمهم هنا جوازه بنية من النهار (حيس) هو التمر مع السمن أو أقط وقيل: هو مجموع الثلاثة، وقد يجعل بدل الأقط دقيق أو فتيت. (أصبحت) فيه التصريح بأنه نوى من الليل. (ثم أكل) فيه التصريح بجواز الخروج من صوم النفل، وهو مذهب الشافعى كالأكثرين، ويوافقه خبر «الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام، وإن شاء أفطر» (١) ومنعه لغير عذر أبو حنيفة، وفى رواية: «لوجب القضاء»، ومنعه مالك إلا لعذر لقوله تعالى: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٢) وأمره ﷺ بالقضاء، وجواب أن الآية محمولة على الفرض جمعا بين الأدلة والحديث مرسل، فلا حجة فيه، وعلى المتنزل: فيحمل الأمر بالقضاء على أنه للندب جمعا بين الأدلة أيضا. (هدية) فيه: حل أكله ﷺ للهدية، وروى الشيخان «أنه ﷺ كان إذا أتى بطعام سأل عنه، فإن قيل: صدقة أمرهم بأكله، أو هدية أكل معهم» (٣). ١٧٦ - (عن يوسف. . .) إلخ رواه عنه أبو داود بإسناد حسن. (هذه إدام هذه) إنما

стр. 257

أبى، عن محمد بن أبى يحيى الأسلمى، عن يزيد بن أبى أمية الأعور، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: «رأيت رسول الله ﷺ أخذ كسرة من خبز الشّعير، فوضع عليها تمرة. وقال: هذه إدام هذه. وأكل». ١٧٧ - حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا سعيد بن سليمان، عن عباد بن العوام، عن حميد، عن أنس، أن رسول الله ﷺ : «كان يعجبه الثّفل. قال عبد الله: يعنى ما بقى من الطّعام». ــ أخبره ﷺ بذلك، لأن ذلك كان طعاما مستقلا غير متعارف بالأدومة فأخبر أنه يصلح لها، وفيه دليل لما قاله أئمتنا: فيمن حلف لا يأكل إداما أنه يحنث بما يؤتدم به كالخل وسائر الإدام، وبغيره كلحم وجبن وتمر وملح وبقول كفجل وبصل، وقيل: يؤخذ من وضعها عليها أنه لا بأس بوضع الإدام على الخبز انتهى، ومحله: إن سلم بما لم يقذره بحيث يعافه غيره. ١٧٧ - (الثفل) بمثلثة مضمومة ففاء ساكنة وأكل هذا من تدبير الغذاء فإن الشعير بارد جاف، والتمر حار رطب على الأصح، فإدام خبز الشعير به من أحسن التدبير وحكمة محبته دفع ما يقع لبعضهم من إرادته من أراد رأيه، أو أنه أنضج وألذ ما بقى من الطعام، وقيل: هو هنا الثريد، وأصل الثفل ما يرسب من كل شىء وقد يطلق على نحو الدقيق والسويق، قيل: لقد أعجب المصنف بختمه بهذا الحديث إشارة إلى أنه نقل الأحاديث وما بقى منها انتهى، وفيه: ما فيه بل فى تعبيره بالثفل ما قد يخشى منه، إذ فى القاموس: الثفل ما استقرضت الشىء من كدره، وكأنه هذا هو الحاصل على تفسير الراوى، إنما ذكر هكذا من أن يتوهم منه أيضا لهذا المعنى غير المراد. ...

стр. 258

٢٧ - باب: ما جاء فى صفة وضوء رسول الله ﷺ عند الطعام ١٧٨ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبى مليكة، عن ابن عباس: «أنّ رسول الله ﷺ خرج من الخلاء، فقرّب إليه الطّعام. فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ قال: إنّما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصّلاة». ــ (باب: ما جاء فى صفة وضوء رسول الله ﷺ (عند) أى قبل وبعد. (الطعام) وهو ما قصد الطعم اقتياتا، أو تأدما أو تفكها وأما ما يقصد للتداوى، فسماه الفقهاء تارة طعاما نظرا إلى أنه يطعم أى: يؤكل، وتارة أنه غير طعام نظرا للعرف، وقد يختص الطعام بالبر، وليس مرادا هنا والوضوء فى الترجمة، قيل: غسل اليدين بدليل تقييده بعند الطعام، وقيل: حقيقته كما تدل عليه الأحاديث الآتية، وعليه ففائدة التقييد بيان أنه ليس بواجب عند الطعام، والوجه: أنه مراد به كل منهما بقاء على الأصح من جواز استعمال اللفظ فى حقيقته ومجازه، فإرادة الأول من حيث نفيه، والثانى من حيث إثباته، فكأنه قال: صفة وضوئه الشرعى عدم الوقوع وعدم الوجوب، وصفة وضوئه اللغوى الوقوع والندب، ويدل على ذلك أن الأحاديث الآتية فى الباب كلها بالمعنى الأخير فإنه بالمعنى الثانى كما سيأتى، وإن اشتمل الباب على أمرين كان تضمن الترجمة لهما أولى، وإن كانت الزيادة على ما فى الترجمة سائغة، وإنما المعيب النقص عما فيها من. ١٧٨ - (الخلاء) بالمد والفتح، وأصله المكان الخالى، وعبر بعن ذلك استحياء وتجملا. (ألا نأتيك) يحتمل أن سبب صدور ذلك منهم اعتقادهم وجوبه عند الطعام، وأجيبوا: بأن الأمر به منحصر أى أصالة فى القيام إلى الصلاة وما عداه إن ورد فيه

стр. 259

١٧٩ - حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومى، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس، قال: «خرج رسول الله من الغائط، فأتى بطعام. فقيل له: ألا تتوضّأ؟ فقال: أصلّى فأتوضّأ؟». ١٨٠ - حدثنا يحيى بن موسى، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا قيس بن الربيع، (ح) وحدثنا قتيبة، حدثنا عبد الكريم الجرجانى، عن قيس بن الربيع، عن أبى هاشم، عن زاذان، عن سلمان، قال: ــ نص كان مثله، وإلا فلا تظهر بما قررته ظهور الاستدلال بالآية، وأن الجواب مطابق للسؤال وفى نسخة: «لا نأتيك» بحذف أداة الاستفهام، والمعنى على العرض نحو ألا تنزل عندنا. (بوضوء) بفتح الواو: الماء الذى يتوضأ به. (بالوضوء) بضمهما أى: يفعله، وهذا هو الأفصح فيهما، وقيل: بالضم فيهما، وقيل: بالفتح فيهما. (إذا) ظرف الوضوء لأنها مرت كما هو واضح. (قمت) أى أردت القيام، وخرج بإنما إلى آخره الوضوء عند الطعام، فإنه ليس مأمور به حقيقة، إذ هو لا يكون إلا واجبا. ١٧٩ - (من الغائط) هو هنا، وباعتبار الأصل المكان المطمئن من الأرض يقضى فيه الحاجة، وسمى الخارج به للمجاورة كراهة لذكره باسمه، إذ من عادة العرب تجنب النطق بمثل ذلك، والكناية عنه ما أمكن. (تتوضأ) كما فى نسخة: (فقال أصلى) إنكار لما سبق نحوه من إيجاب الوضوء للأكل، وفى نسخة: بحذف أداة الاستفهام. ١٨٠ - (زاذان) بزاى ثم معجمة. (بركة الطعام) أى استمراره على الأكل وغيره،

стр. 260

«قرأت فى التوراة: إنّ بركة الطّعام الوضوء بعده. فذكرت ذلك للنّبى ﷺ ، وأخبرته بما قرأته فى التّوراة. فقال رسول الله ﷺ : بركة الطّعام الوضوء قبله والوضوء بعده». ــ وحصول منافعه له، وزوال مضاره عنه. (الوضوء) أى غسل اليدين قبله وقول بعض الشافعية: المراد به هنا الوضوء الشرعى، ليس فى محله لتصريح أصحابنا بأن الوضوء الشرعى ليس صفة عند الأكل. (الوضوء) أى غسلهما (بعده) وجعله نفس البركة للمبالغة، وإلا فالمراد أنها تنشأ عنه فينمو ويزيد بالأول، وتعظم فائدته بالثانى لاستلزامه زوال نحو الغمر المستلزم، لبعد الشيطان ودحضه، وورد بسند ضعيف: «من أكل من هذه اللحوم شيئا فليغسل يده من ريح وغيره، ولا يؤذى من حذاءه فأعده» (١) روى الطبرانى: «أنه ﷺ أتى بصحفة تفور فقال: إن الله لم يطعمنا نارا»، وأبو نعيم عن أنس مرفوعا «كان يكره الكى والطعام الحار ويقول: عليكم بالبارد، فإنه ذو بركة، ألا وإن الحار لا بركة له» (٢)، وأحمد وأبو نعيم عن أسماء: «أنها كانت إذا ثردت غطته بشىء حتى تذهب فورته، ثم تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هو أعظم بركة» (٣)

стр. 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وصح عن أبى هريرة: «أتى النبى ﷺ بطعام مسخن فقال: ما دخل بطنى طعام مسخن منذ كذا وكذا قبل اليوم» (١)، وروى أبو نعيم: «أنه ﷺ كان ينهى عن النوم على الأكل ويذكر أنه يغشى القلب»، ولذا قال الأطباء: من أراد حفظ الصحة فليمش بعد العشاء، ولو مائة خطوة ولا ينام عقبه، فإنه مضر جدا، ومما يسهل الهضم الصلاة بعد الأكل. ...

стр. 262

٢٨ - باب: ما جاء فى قول رسول الله ﷺ قبل الطعام، وبعد الفراغ منه ١٨١ - حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن راشد بن جندل اليافعى. عن حبيب بن أوس، عن أبى أيوب الأنصارى، قال: «كنّا عند النّبى ﷺ يوما، فقرّب طعاما، فلم أر طعاما كان أعظم بركة أوّل ما أكلنا، ولا أقلّ بركة فى آخره. قلنا: يا رسول الله، كيف هذا؟ قال: إنا ذكرنا اسم الله تعالى حين أكلنا، ثمّ قعد من أكل ولم يسم الله تعالى فأكل معه الشّيطان». ــ (باب ما جاء فى قول رسول الله ﷺ قبل الطعام) وهو التسمية (وبعد الفراع منه) وهو الحمد. ١٨١ - (اليافعى) نسبة إلى يافع اسم موضع إلى قبيلة من رعين (إنا ذكرنا اسم الله) استفيد منه أن سنة البسملة تحصل ببسم الله وأما زيادة الرحمن الرحيم فهى أكمل كما قاله النووى وغيره، وإن اعترضه بعض المحدثين بأنه لم ير لأفضلية ذلك دليلا خاصا، وتندب حتى للجنب والنفساء، إن لم يقصدوا بها قرآنا وإلا حرمت، وكذا تندب التسمية عند كل أمر مهم ما عدا الأذكار والدعوات ولا تندب فى مكروه ولا حرام، بل لو سمى على خمر كفر على ما فيه مما هو مبين فى محله، وهو هنا سنة كفاية فإذا سمّى أحد من الأكلين أجزأ وإن لم يسم الباقون لحصول المقصود من امتناع الشيطان من الأكل منه بذلك كما فى الحديث، نعم قد يشكل على ذلك قوله. (ثم قعد. . .) إلخ فإنه ظاهر فى

стр. 263

١٨٢ - حدثنا يحيى بن موسى، حدثنا أبو داود، حدثنا هشام الدستوائى، عن ــ أن الشيطان أكل معهم مع أنه لم يترك التسمية إلا هذا القاعد إلا أن يجاب بأنها واقعة حال محتملة لأن يكون قعوده هذا بعد انصرافهم بدليل ثم قعد فهذا الجواب متعين، وأما الجواب بأن لهذا الجائى شيطانا جاء معه، فلم يؤثر فيه تسميتهم ولا هو سمى فغير صحيح، لما علمت أن التسمية أوله إذا لم تكن متكفلة بمنع الشياطين منه إلى فراغ الآكلين، فإن قلت: قضية الحديث السابق أنه حيث بقى فى أوله امتنع الشيطان منه، وإن فرغ الأولون، ثم قعد غيرهم (١) ولم يسم، قلت: لو سلم أن ذلك قضية لكانت القاعدة أنه يستنبط من النص معنى يخصصه، وهو هنا أن المجتمعين، ومن لحقهم قبل فراغهم منسوبون للبسملة، وتابعون له فسرت إليهم بركة تقصيره، وإن فرض قيامه قبل مجىء الآخرين، لأن الأولين شملتهم بركة التسمية، فشملت من خلفهم، ومن لحقهم شملتهم بركتها تبعا، فشمل من لحقه هو أيضا وهكذا، وأما من جاء بعد فراغ الجميع فقد انقطعت نسبته عنهم، وهذا الطعام بالنسبة إليه بمنزلة الطعام الجديد، ولو أخذنا بعموم ذلك الحديث، أو إطلاقه لاقتضى أن الطعام إذا كثر وتناوبه أحد وجماعة أياما متعددة، كفت تسمية واحدة من الأولين عن جميع تلك المرات، وإن تباعد ما بينهما وكلام أئمتنا كالصريح فى خلاف ذلك، بل طال ما وقع التردد فيما لو كثر الآكلون كثرة مفرطة واتسعت خطتهم بحيث لا ينسب عرفا أولهم لآخرهم وسمى واحد حال اجتماع الجميع هل يكفى عنهم؟ ح، والذى يتجه أنه يكفى لأن انتفاء النسبة الحرفية لا تقتضى انتفاؤها حقيقة والمدار هنا ليس إلا عليها. (فأكل معه الشيطان) أى حقيقة كما عليه جمهور العلماء سلفا وخلفا من المحدثين والفقهاء والمتكلمين لإمكانه شرعا وعقلا، فإذا أثبته الشارع وجب قبوله واعتقاده، وكذا يقال فى: بال الشيطان فى أذنه، وقاء الشيطان ما أكله ونحو ذلك. ١٨٢ - (فنسى) لا ينافيه النهى عن أن يقول الإنسان نسيت، وإنما يقول: نسيت، إذ

стр. 264

بديل العقيلى، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أم كلثوم، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا أكل أحدكم فنسى أن يذكر الله تعالى على طعامه، فليقل: بسم الله أوّله وآخره». ١٨٣ - حدثنا عبد الله بن الصباح الهاشمى البصرى، حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبى سلمة، أنه: «دخل على رسول الله ﷺ وعنده طعام. فقال: ادن يا بنىّ، فسم الله تعالى، ــ الله هو الذى أنساه، لأن ذلك النهى يفهم حرمة هذا فوجب لبيان الجواز، وإنما المراد بالنهى الأدب اللفظى الذى لا حرمة فى مخالفته، وألحق به أئمتنا: ما إذا تعمد، أو جهل، أو أكره أو كان به عارض آخر، فإن قلت: يمكن الفرق بأن الناسى معذور، فأمكن أن يجعل له ما يتدارك به بخلاف المتعمد، قلت: القصد إدخال الضرر على الشيطان بمنعه أن ينال من طعامنا، ما تسببنا به، ولو نظرنا إلى العذر، لكنا نقول بامتناع مؤاكلة الشيطان مع الناس، ولم يحتج إلى أن يجعل له طريقا فلما جعل له طريقا علمنا أنه يؤاكل قبلها، وأن اللحظ هنا ليس العذر، بل ما قلناه، فظهر ما قاله أئمتنا، وإن لم أر لأحد منهم إشارة إلى ذلك (فليقل) أى أثناء الطعام وبعد فراغه، كما شمله إطلاق الحديث فقول بعض المتأخرين: لا يقول ذلك بعد فراغ الطعام، لأنه إنما شرع ليمنع الشيطان، وبالفراغ لا يمنع يرد، فإنما لا نسلم إنما شرع لذلك فحسب، وما المانع أنه شرع بعد الفراغ أيضا لقىء الشيطان ما أكله، والمقصود حصول ضرره، وهو حاصل فى الحالين. (بسم الله) أى آكل، والباء للاستعانة والمصاحبة. (أوله وآخره) أى على جميع أجزائه كما يشهد به المعنى الذى نص بدل التسمية، فلا يقال ذكره ما يخرج الوسط. ١٨٣ - (ادن) أى اقرب إلىّ أو إلى الطعام، ويؤخذ من ذلك من آدابه احترازا عن

стр. 265

وكل بيمينك وكل ممّا يليك». ــ تناوله من مكان بعيد، فإنه يشق، وربما آذى (يا بنى) تصغيره؛ للشفقة ومنه يؤخذ: أنه يسن للكبير ملاطفة الأصاغر، لا سيما على الطعام لشدة استحيائهم حينئذ. (فسم الله) الأمر فيه للندب، ويسن للمبسمل الجهر ليسمع غيره. (وكل بيمينك) أى ندبا على الأصح، وقيل: وجوبا، ويدل له ما فى مسلم: «أنه ﷺ رأى من يأكل بشماله فنهاه، فقال: لا أستطيع فشلت يمينه فلم يرفعها إلى فيه حتى مات». وورد: «أن الشيطان يأكل بشماله» (١). (وكل مما يليك) أى ندبا على الأصح وقيل: وجوبا أيضا لما فيه من إلحاق الضرر بالغير ومر بيان الشره والنهمة، وانتصر له السبكى، ونص عليه الشافعى فى الرسالة ومواضع من الأم، ويؤخذ من الحديث: أنه يندب لمن على الطعام تعليم من ظهر منه إخلال بشىء من مندوباته، وفى مختصر البويطى يحرم الأكل من رأس الثريد، والتعريس أى النزول فى الجادة على الطريق، لأنها مأوى الهوام، والقران فى التمر بل ونحو السمسم كما قاله بعض متأخرى المحدثين والأصح أن هذه الثلاثة مكروهة لا محرمة ومحل ذلك إن لم يعلم رضى من يأكل معه، وإلا فلا حرمة ولا كراهة لما مر «أنه ﷺ كان يتتبع الدباء من حوالى القصعة» (٢)، لأنه علم أن أحدا لا يكره ذلك، ولا يتقذره والجواب: أنه كان يأكل وحده مردود بأن: إنسانا كان يأكل معه على أن قضية كلام أصحابنا أن الأكل مما يلى الآكل سواء كان وحده، وفى خبر ضعيف: التفصيل بين ما إذا كان الطعام لونا واحدا، فلا يتعدى الآكل مما يليه، وأما إذا أكثر فيتعداه نعم نحو الفاكهة مما لا يقذر فى الأكل من غير ما يلى الأكل للكراهة فيه، لأنه لا ضرر فى ذلك ولا تقذر، وبحث بعضهم التعميم غفلة عن المعنى والسنة، ولما كان الحمد عقب النعم يعتدها، ويؤذن باستمرارها وزيادتها بنص ولَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (٣) أتى به ﷺ بتلك الصفات البليغة عقب الحمد، تحريضا على التأسى به فى ذلك.

стр. 266

١٨٤ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو أحمد الزبيرى، حدثنا سفيان الثورى، عن أبى هاشم، عن إسماعيل بن رياح، عن رباح بن عبيدة، عن أبى سعيد الخدرى، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله الّذى أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين». ١٨٥ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا ثور بن يزيد، حدثنا خالد بن معدان، عن أبى أمامة، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا رفعت المائدة من بين يديه يقول: الحمد لله حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه، غير مودّع، ولا مستغنى عنه ربّنا». ــ ١٨٤ - (قال: الحمد لله. . .) إلخ وختمته بقوله. (وجعلنا من المسلمين) للجمع بين الحمد على النعم الدنيوية والأخروية، وإشارة إلى أن الحامد لا ينبغى أن يجود بحمده إلى أصاغر النعم، بل يتذكر جلائلها فيحمد عليها أيضا؛ لأنها بذلك أحرى وأحق وأولى. ١٨٥ - (المائدة) فسرت بالخوان، وعليه فلا ينافى خبر أنس السابق: «ما أكل على

стр. 267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خوان»، لأنه بحسب علمه وحينئذ يكون أكثر أحواله أنه لم يأكل على خوان وفى بعض الأحيان يأكل عليه لبيان الجواز، ويحتمل أن يكون فيها مطلق السفرة إذ المائدة من الثياب اللين الناعم، وفى القاموس: المائدة الطعام، فإطلاقها على ما تجعل عليه مجاز من إطلاق الحال على المحل وح، فلا إشكال. (غير مودع) بتشديد الدال مع فتحها أى غير متروك ومع كسرها أى حال كونى غير تارك له ومعرض عنه فمآل الروايتين واحد، وهو دوام الحمد واستمراره. (ولا مستغنى عنه) بفتح النون قيل: عطف تفسير، إذ المتروك المستغنى عنه، وفيه نظر، بل فيه فائدة لم تستفد من سابقه نصا، وهى أنه لا استغناء لأحد عن الحمد أوجبه على كل مكلف، إذ لا يخلو أحد عن نعمة، بل نعم لا تحصى، وهو فى مقابلة النعم واجب كما مر جوابه، لكن ليس المراد بوجوبه أن من تركه لفظا يأثم به، بل إن من أتى به فى مقابلة النعمة أثيب عليه ثواب الواجب، ومن أتى به لا فى مقابلة شىء أثيب عليه ثواب المندوب، أما شكر المنعم بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فهو واجب شرعا على كل مكلف، ويأثم بتركه إجماعا. (ربنا) بالجر بدل من الجلالة، والقول بأنها بدل من الضمير فى عنه واضح الفساد إذ ضمير عنه للحمد كما لا يخفى على من له أدنى ذوق، والرفع خبر مبتدأ محذوف أو عكسه والنصب على النداء يحذف أداته، أو المدح، أو الاختصاص، وصح أنه ﷺ كان يقول: «اللهم أطعمت وسقيت وأغنيت وهديت وأحييت ذلك الحمد على ما أعطيت» (١) وكان ﷺ إذا أكل عند قوم لا يخرج حتى يدعو لهم، فدعى فى منزل عبد الله بن بشير بقوله: «اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم وارحمهم» (٢) رواه مسلم، وفى منزل سعد بقوله: «أفطرت عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة» (٣) رواه أبو داود، وسقاه آخر لبنا فقال: «اللهم أمتعه بشبابه، فمر عليه ثمانون

стр. 268

١٨٦ - حدثنا أبو بكر: محمد بن أبان، حدثنا وكيع، عن هشام الدستوائى، عن بديل بن ميسرة العقيلى، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أم كلثوم، عن عائشة قالت: «كان النّبىّ ﷺ يأكل الطّعام فى ستّة من أصحابه، فجاء أعرابى فأكله بلقمتين. فقال رسول الله ﷺ : لو سمىّ لكفاكم». ــ سنة، فلم ير شعرة بيضاء» (١)، رواه ابن السنى وفى خبر مرسل عند البيهقى: «أنه ﷺ كان إذا أكل مع قوم كان آخرهم أكلا» (٢) وروى هو كابن ماجه مرفوعا: «إذا وضعت المائدة فلا يقوم الرجل، وإن شبع حتى يفرغ القوم فإن ذلك يخجل جليسه وعسى أن يكون له فى الطعام حاجة» (٣). ١٨٦ - (فجاء. . .) إلخ إخبارها هنا بذلك إما من رؤيتها قبل الحجاب، أو بعده واقتصرت فى الرواية على رؤية الإناء ولا يلزم منها رؤية بدن ذلك الأعرابى، أو عن إخبارها عن النبى ﷺ . (لو سمى لكفاكم) وفى نسخة: «لكفانا» وفيه تصريح بعظيم بركة التسمية وفائدتها» والمعنى: أن هذا الطعام القليل كان الله يبارك فيه معجزة لى وكان بذلك يكفينا، لكن لما ترك التسمية انتفت البركة.

стр. 269

١٨٧ - حدثنا هناد، ومحمود بن غيلان، قالا: حدثنا أبو أسامة، عن زكريا بن أبى زائدة، عن سعيد بن أبى بردة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشّربة فيحمده عليها». ــ ١٨٧ - (ليرضى) أن لأجل أن (يأكل الأكلة) بالفتح اسم للمرة والضم اسم للقمة. (فيحمده عليها) فيه أن أصل سنة الحمد يجعل بأى لفظ اشتق من مادة: ح م د، بل بأى لفظ دل على الثناء على الله بما هو أهله، وما مر من حمده المشتمل على تلك الصفات البليغة، إنما هى لبيان الأكل. ...

стр. 270

٢٩ - باب: ما جاء فى قدح رسول الله ﷺ ١٨٨ - حدثنا الحسين بن الأسود البغدادى، حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا عيسى بن طهمان، عن ثابت، قال: «أخرج إلينا أنس بن مالك قدح خشب غليظ مضبّب بحديد. فقال: يا ثابت، هذا قدح رسول الله ﷺ ». ــ (باب ما جاء فى قدح رسول الله ﷺ ١٨٨ - (قدح خشب) الإضافة فيه للبيان أو معنى من. (غليظ مضبب) وفى نسخ: «غليظا مضببا» والأولى موافقة لرواية جامع المؤلف وكلاهما جائز وأما ترجيح الثانية، لأن الحكم على المشار إليه بجميع خصوصياته وجعل الثانية من قبيل جحر ضب خرب مما جرى على المجاورة فبعيد والفرق بين ما هنا وبين جحر ضب خرب، أوضح من أن يلتبس على مثل هذا القائل بحد رواية البخارى عن عاصم الأحول: «رأيت قدح النبى ﷺ عند أنس وكان قد انصدع فسلسله فضة» (١) قال: وهو قدح جيد عريض من نضار، قال أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ من هذا القدح أكثر من كذا وكذا، قال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال أبو طلحة: لا تغيرن شيئا صنعه رسول الله ﷺ ، فتركه واشترى هذا القدح من ميراث النضر بن أنس بثمانمائة ألف، وعن البخارى: أنه رآه بالبصرة وشرب منه، وروى أحمد عن عاصم: «رأيته عند أنس فيه ضبة من فضة» (٢) قال فى القاموس:

стр. 271

١٨٩ - حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا حماد ابن سلمة، أنبأنا حميد، وثابت، عن أنس، قال: «لقد سقيت رسول الله ﷺ بهذا القدح الشّراب كلّه: الماء، والنّبيذ. والعسل، واللّبن». ــ والنضار، والأنضر: الذهب، أو الفضة جمعه نضار بالكسر وآنضر والنضارة بالضم: الجوهر الخالص من التبر والخشب والأتل، إلا ما كان عذبا على غير ماء، أو الطويل المستقيم من الغصون، أو ما نبت منه فى الجبل، أو خشب للأوانى وبكسر، ومنه كان منبر النبى ﷺ انتهى، ولونه يميل للصفرة، وينبغى تحرى الأكل فى ذلك اتباعا له ﷺ ، فإنه إنما آثر الأكل فيه، ذلك لكمال تواضعه، وعدم تكلفه. ١٨٩ - (بهذا القدح) أى المذكور، وهو الخشب الغليظ المضبب بحديد، فالتضبيب من فعله ﷺ ، كما هو ظاهر من الإشارة أنها ترجع إلى المذكورة بجميع خصوصياته المذكورة. «سقيت» يقال: سقاه وأسقاه بمعنى فى الأصل لكن جعلوا للخبر سقى، وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً واستقاه بضده لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً. (الشراب كله) أى أنواعه كلها، وأبدل منه الأربعة المذكورة بدل البعض من الكل اهتماما بها، أو لكونها أشهر أنواعه. (النبيذ) هو ماء مغلى يجعل فيه تمر أو رطب. «وكان ينبذ له أول الليل، ويشربه أول النهار إذا أصبح يومه ذلك والليلة التى تجىء والغد إلى العصر، فإن بقى منه شىء سقاه الخادم، أو أمر به فصب» رواه مسلم. وهذا النبيذ له نفع عظيم فى القوة ولم يكن شربه بعد الأكل، خوفا من تغيره إلى الإسكار. ...

стр. 272

٣٠ - باب: ما جاء فى صفة فاكهة رسول الله ﷺ ١٩٠ - حدثنا إسماعيل بن موسى الفزارى، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، قال: «كان النّبىّ ﷺ يأكل القثّاء بالرّطب». ــ (باب ما جاء فى فاكهة) هى ما يتفكه أو يتنعم بأكله. (رسول الله ﷺ . ١٩٠ - (الفزراى) بفاء فزاى اعلم أنه ﷺ كان يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها، ولا يحتمى عنها وهذا من أعظم أسباب الصحة، فإن الله بباهر حكمته جعل فى كل بلدة من الفاكهة ما ينتفع به أهلها فى وقته لحفظ صحتهم، واستغنائهم به عن كثير من الأدوية، إذ من أكل منها ما ينبغى فى الوقت الذى ينبغى على الوجه الذى ينبغى كان له دواء أىّ دواء، ومن احتمى منها مطلقا كان ذلك سببا لبعده عن الصحة والقوة. (القثاء) بضم القاف وكسرها، وهو نوع من الخيار بالرطب، أشار ﷺ فى الخبر الصحيح إلى عمل ذلك بقوله: «يكسر حر هذا برد هذا» (١) أى لأن القثاء بارد والرطب حار، فإذا جمع بينهما حصل الاعتدال وفيه: أنه ﷺ كان مراعيا فى أكله صفات الأطعمة، وطبائعها، واستعمالها على قاعدة الطب، فإن كان فى أحد الطعامين ما يحتاج لتعديل عدّله بضده، وإن أمكن كما ذكره، وهذا أصل كبير فى المركبات من الأغذية والأدوية، وإن لم يجد ذلك تناوله على حاجة من غير إسراف وهو غير ضارح، وفى الحديث حمل أكلهما معا من غير كراهة وحمل الجمع بين إدامين وأكثر، وأن ذلك لا ينافى الكمال والزهد، سيما إن كان لمصلحة دينية، وكراهة بعض السلف له ينبغى حمله على ما فيه إسراف، أو تكبر، أو خيلاء، أو تكلف، أو مباهاة، وقيل: ليس المراد

стр. 273

١٩١ - حدثنا عبدة بن عبد الله الخزاعى البصرى، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: «أن النّبىّ ﷺ كان يأكل البطّيخ بالرّطب». ــ بجمعهما مضغهما معا، لأن ذلك غير موافق لذائقه، كما هو ظاهر، وإنما المراد جمعهما فى المعدة، لأنه انتفع بهما، أو لرد ما اشتهر أنه يضر جمع الحلو مع الخربز وليس فى محله، لأنها صرف للأحاديث عن ظواهرها لمجرد الحزر والتخمين، وكأن قائل ذلك لم يحفظ حديث أبى نعيم الآتى: «فيأكل الرطب بالبطيخ» (١) وقوله: أو لرد. . إلخ، إنما يصح إن ثبت أن ذلك الاشتهار كان فى ذلك الزمن وأنى له بذلك، إلا أن يأخذه من الاستصحاب المعكوس، وهو ليس بحجة كما هو مقرر فى الأصول: على أن الذى اشتهر، ليس بما فى كل شىء خاص بالعسل لما نقل عن بعض الأطباء أنه يضر أكله مع الخربز. ١٩١ - (البطيخ بالرطب) قال المصنف: حسن غريب، وزاد أبو داود: «يكسر حر هذا برد هذا وبرد هذا بحر هذا» والبطيخ هو الأصفر المعبر عنه فى الرواية الآتية. بالخربز مصدرها صحيح، وهو حار فليحمل هنا على نوع لم يتم نضجه، لأن فيه برودة يعدلها الرطب فاندفع، وأنه على قول من زعم أنه الأخضر محتجا بأن الأصفر فيه حرارة، على أن فى الأصفر بالنسبة للرطب برودة، وإن كان فيه بحلاوته طرافة حرارة، وفى خبر الطبرانى بسند ضعيف: «رأيت فى يمين النبى ﷺ قثاء، وفى شماله رطبا، وهو يأكل من ذا مرة ومن ذا مرة» (٢)، وفى خبر لأبى نعيم بسند ضعيف أيضا: «كان

стр. 274

١٩٢ - حدثنا إبراهيم بن يعقوب، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبى، قال: سمعت حميدا يقول-أو قال-حدثنى حميد قال وهب-وكان صديقا له-عن أنس بن مالك قال: «رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين الخربز والرّطب». ــ يأخذ الرطب بيمينه، والبطيخ بيساره، فيأكل الرطب بالبطيخ، وكان أحب الفاكهة إليه» (١) وأخرج ابن ماجه عن عائشة: «أرادت أمى معالجتى للسمنة لتدخلنى على رسول الله ﷺ ، فما استقام لها ذلك حتى أكلت الرطب بالقثاء، فسمنت كأحسن سمنة» (٢)، وفى رواية للنسائى: «التمر بالقثاء»، وروى فى فضل البطيخ أحاديث كلها باطلة، كما قاله الحفاظ، وأخرج أبو داود وابن ماجه: «قدم علينا رسول الله ﷺ فقدمنا له زبدا وتمرا وكان يحب الزبد والتمر» (٣) وأحمد: أنه ﷺ سمى اللبن بالتمر الأطيبين وفى الثيلانيات عن ابن عباس: «رأيت رسول الله ﷺ يأكل العنب فرطا» (٤) أى يضع العنقود فى فمه ثم يأخذ حبة حبة وعين جوفه عاريا منه، وفى رواية: «بالضاد» بدل الطاء، ولكن قال العقيلى: لا أصل لهذا الحديث، وروى أبو داود فى سننه عن عائشة: آخر طعام أكله رسول الله ﷺ فيه بصل، ولا ينافيه نهيه عنه كالثوم والكراث والفجل؛ لأن محله فى النيّئ، على أن الأصح أن فى هذه مكروه عليه، وليس بمحرم.

стр. 275

١٩٣ - حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن عبد العزيز الرملى، حدثنا عبد الله بن يزيد بن الصلت، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة رضى الله عنها: «أنّ النّبىّ ﷺ أكل البطّيخ بالرّطب». ١٩٤ - حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، (ح) وحدثنا إسحاق بن موسى، حدثنا معن، حدثنا مالك، عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة، قال: «كان النّاس إذا رأوا أوّل الثّمر جاءوا به إلى رسول الله ﷺ ، فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال: اللهمّ بارك لنا فى ثمارنا، وبارك لنا فى مدينتنا، وبارك لنا فى ــ ١٩٣ - (الرملى) نسبة إلى رملة، وهى مواضع، أشهرها بلدة بالشام كما فى القاموس. ١٩٤ - (جاءوا به إلى رسول الله ﷺ أى إيثارا له على أنفسهم حبا له وتعظيما لجنابه الرفيع، ونظرا إلى أنه أولى الناس بما سبق إليهم من الأرزاق، وطلبا لمزيد استدرار بركته، فيما تجدد عليهم من النّعم وينبغى أن خلفاءه مثله فى ذلك. (اللهم. . .) إلخ ينبغى الدعاء به إلى (ومدنا) لكل أخذ باكورة (وثمارنا) أى بالخير والحفظ من الآفات. (فى مدينتنا) أى تكثر الأرزاق ودوابها على أهلها، وبإقامة شعار الدين فيها، وإظهارها على غاية لا توجد فى غيرها، فهو تعميم بعد تخصيص. (فى صاعنا ومدنا) أى بحيث

стр. 276

صاعنا، وفى مدّنا. اللهمّ إنّ إبراهيم عبدك وخليلك ونبيّك، وإنّى عبدك ونبيّك، وإنّه دعاك لمكّة، وإنّى أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكّة ومثله معه، قال: ثمّ يدعو أصغر وليد يراه فيعطيه ذلك الثّمر». ــ يكفى الكيال فيها من لا يكفيهم أمثاله فى غيرها، كما هو مشاهد فالبركة فى نفس مكيالها، ويحتمل أنها فى إثارة الدينية بمعنى دوام أحكامه المتعلقة به فى نحو الزكاة والكفارات، ودوامها بدوام الشريعة والدنيوية من البركة فى نفس المكيل كما مر، وفى التصرف به فى التجارة حتى يزداد ريحها، وفى اتساع عيش أهلها، حتى صار يجىء إليها من كل الأرزاق التى بنحو الشام والعراق وغيرهما، مما منّ الله بفتحه على المسلمين استجابة لدعاء نبيه ﷺ الذى تضمنه قوله: (وإنى أدعوك للمدينة) وما دعى به إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، ذلك هو قوله: رَبَّنا. . . فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ اَلنّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَاُرْزُقْهُمْ مِنَ اَلثَّمَراتِ (١) وقد أجاب الله دعوته ذلك، ولنبينا ﷺ دعوته المحمدية فصار يجىء إليها فى زمان الخلفاء الراشدين من مشارق الأرض ومغاربها الثمرات، وزيادة رفعته عليها، استجابة لقوله: (ومثله معه) وهى شيئان: أحدهما: فى ابتداء أن المراد هو كنوز كسرى وقيصر وغيرهما وإنفاقهما فى سبيل الله على أهلهما، وأما آخر الأمر: وهو أن الإيمان يأرز إليها من أقطار الأرض وتتابع البلدان، كما تأرز الحية إلى وكرها. (ونبيك) ولم يقل: و (خليلك) وإن كان خليلا كما نص عليه ﷺ فى غير هذا الموضع بل وأرفع من الخليل، لأنه خص بمقام المحبة الذى هو أرفع من مقام الخلة لأنه فى مقام التواضع إذ هو اللائق بمقام الدعاء، وأيضا فراعى الأدب مع أبيه ﷺ على أنه أشار إلى تميزه بقوله: (ومثله معه) فى تنبيه بقوله فى مكة أنها حرام بحرمة الله من تحريم خلق السماوات والأرض على أن إبراهيم ﵇ لم يوجد ويبتدئ تحريم مكة، وإنما إظهاره فقط بخلاف محمد ﷺ فإنه الذى أوجد حرمة المدينة إذ لم يكن لها قبل دعائه بحلوله بها ذلك الاحترام الذى ترتب على وجوده ودعائه لها بذلك وشتان بين ما كان سببا لإظهار شىء موجود، إلا أنه كائن خفى، ومن كان سببا لإيجاد تحريم وتعظيم واحترام لم يكن موجودا قبل ذلك. (ثم يدعو) إنما لم يتناوله، لمزيد مكارم أخلاقه وكمال شفقته ورحمته وملاطفته لمن دون

стр. 277

١٩٥ - حدثنا محمد بن حميد الرازى، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن محمد ابن إسحاق، عن أبى عبيدة، عن محمد بن عمار بن ياسر، عن الرّبيّع بنت معوذ بن عفراء، قالت: «بعثنى معاذ بن عفراء بقناع من رطب وعليه أجر من قثّاء زغب-وكان ﷺ يحب القثّاء-فأتيته به، وعنده حليّة قد قدمت عليه من البحرين، فملأ يده منها، فأعطانيه». ــ سيما الصغار، وإشارة لعدم تلفته إليه عند تشوق النفر من إليه، لأن الباكورة يكثر تلفت الناس إليها فتركها إلى تدعيم وجودها، وتيسر لكل أحد أكلها، (أصغر وليد) لأن بينه وبينها مناسبة تامة، من حيث حدثان عهدها بالإبداع، ولأنه أرغب فيه وأكثر تلفتا وحرصا عليه. ١٩٥ - (الربيع) براء مضمومة فموحدة مفتوحة فتحتية مكسورة مشددة. (معوذ) بضم ففتح فكسر مع التشديد آخره معجمة، إذ هو عمها. (بقناع) هو بكسر القاف الطبق الذى يؤكل عليه. (أجر) بفتح فسكون جمع جر وبتثليث أوله كأدل جمع دلو، وهو الصغير من كل شىء حتى الحنظل والبطيخ ونحوه وأصله أجر، وفى نسخة: آخر بالهمزة وبالخاء المعجمة أى قناع أخر. (من قثاء زغب) بضم الزاى وسكون المعجمة جمع أزغب من الزغب بالفتح وهو صغار الريش أول ما يطلع شبه به صغار القثاء أول

стр. 278

١٩٦ - حدثنا على بن حجر، أنبأنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الرّبيّع بنت معوذ بن عفراء، قالت: «أتيت النّبىّ ﷺ بقناع من رطب وأجر زغب، فأعطانى ملء كفّه حليا-أو قالت: ذهبا». ــ ما يطلع، وروى بالضم والكسر. (حلية) بكسر أو فتح فسكون. فتخفف (١)، وبكسرها فسكون [اسم] (٢) فتشديد، لما يتزين به من نقد وغيره. (قدمت عليه) قدم بفتح الدال تقدم وبضمها صار قديما وبكسرها كما هنا عاد من السفر ففيه تجوز، (يده) فيه عظيم سخائه وجوده ﷺ ورعايته المناسبة التامة فإن المرأة أحق بما يتزين به والله أعلم. ...

стр. 279

٣١ - باب: ما جاء فى صفة شراب رسول الله ﷺ ١٩٧ - حدثنا ابن أبى عمر، حدثنا سفيان، عن معمر، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشة، قالت: «كان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد». ــ (باب صفة شراب رسول الله ﷺ أى ما جاء فيها كما صرّح به فى نسخة. ١٩٧ - (الحلو البارد) أى الماء البارد، وقيل: يحتمل أن المراد بالماء البارد الممزوج بالعسل، أو المنقوع فيه تمر أو زبيب، واستشكل ذلك بأن صريح الأحاديث منها الحديث الآتى «أنه يقول فى غير اللبن خيرا منه، وفيه زدنا منه» صفة أن اللبن كان أحبّ إليه من ذلك، ويجاب: بأن الأحبية هنا أحبية مخصوصة أى كان أحب الشراب الذى هو ماء، أو فيه ماء، وهذا كلّه لا ينافى كمال زهده ﷺ ، لأن ذلك فيه مزيد الشهود لعظائم نعم الحق، وإخلاص الشكر له من غير أن يكون فيه إشعار بتكليف ولا خيلاء ألبتة، بخلاف الأكل فلذلك كان النبى ﷺ يشرب نفس الشراب غالبا، ولا يأكل نفس الطعام غالبا، وروى أبو داود: «أنه كان ﷺ يستعذب له من نبوت اسقيا» (١) وهو بضم المهملة

стр. 280

١٩٨ - حدثنا أحمد بن منيع، أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، أنبأنا على بن زيد، عن عمر-هو ابن أبى حرملة-عن ابن عباس، قال: «دخلت مع رسول الله ﷺ أنا وخالد بن الوليد على ميمونة. فجاءتنا بإناء من لبن، فشرب رسول الله ﷺ ، وأنا على يمينه، وخالد عن شماله، فقال لى: ــ وبالقاف عين بينها وبين المدينة يومان، قال ابن بطال: واستعذاب الماء لا ينافيه الزهد، ولا يدخل فى الترفه المذموم، بخلاف تطيبه بنحو المسك، فقد كرهه مالك لما فيه من السرف، وقد شرب الصالحون الماء الحلو وطلبوه، وليس فى شرب الماء الملح فضيلة، وكان ﷺ يشرب العسل الممزوج بالماء البارد، وقال ابن القيم: وفيه من حفظ الصحة ما لا يهتدى لمعرفته إلا أفاضل الأطباء، فإن شرب العسل ويعقد على الريق: يزيل البلغم، ويغسل المعدة ويجلو لزوجتها، ويدفع عنها الفضلات، ويسخنها باعتدال، ويفتح سددها، والماء البارد رطب، ويقمح الحرارة، ويحفظ البدن، وكان ﷺ ليشرب اللبن الخالص تارة، وبالماء البارد أخرى، لأن اللبن عند الحلب يكون حارا، وتلك البلاد حارة غالبا، وكان يكسر حرها بالماء البارد، وروى البخارى: «أنه ﷺ دخل على أنصارى فى حائطه يحول الماء، فقال: «إن كان عندك ماء بات فى شن»، فقال: عندى ماء بات فى شن، فانطلق للعريش فسكب فى قدح ماء، ثم حلب عليه من داجن» (١). ١٩٨ - (فشرب رسول الله ﷺ ، وأنا على يمينه وخالد عن شماله) قيل: دلت مخالفته

стр. 281

الشّربة لك، فإن شئت آثرت بها خالدا. فقلت: ما كنت لأوثر على سؤرك أحدا. ثمّ قال رسول الله ﷺ : من أطعمه الله طعاما فليقل: اللهمّ بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرا منه، ومن سقاه الله لبنا، فليقل: اللهمّ بارك لنا فيه، وزدنا منه. قال: قال رسول الله ﷺ : ليس شىء يجزى مكان الطعام والشراب غير اللبن». ــ بعلى فى حقه وعن فى خالد أنه كأنه أقرب للنبى ﷺ من خالد وهو محتمل لصغره وقرابته، فقدم جبرا لخاطره، ويحتمل أن التخالف لمجرد التفنن فى العبارة، فهما بمعنى واحد وهو مجرد الحضور معه. (الشربة لك) أى لأنك صاحب اليمين فالحق لك، ومن ثم قال: «الأيمن فالأيمن، أو الأيمنون الأيمنون» (١) واستفيد منه تقديم اليمين ندبا ولو صغيرا مفضولا. (فإن شئت) فيه تطيب لخاطره، وبيان أن له الإيثار، وأنه لا ينافى الكمال، نعم قد يشكل على ذلك قول أئمتنا يكره الإيثار بالقرب، وقد يجاب: بأن محل الكراهة حيث آثر من ليس أولى منه بذلك، وإلا فكما هنا، وكتقديم غير الأفقه مثلا على الأفقه فى الإمامة فلا كراهة. (ما كنت) بيان لعذره فى عدم الإيثار، ودفع لما (٢) يتوهم أنه كان الأولى [له أن يمتثل] (٣) تمثيل إشارته ﷺ بإيثار خالد رضى الله عنه، وقوله: (على سؤرك) أى ما بقى منك. (أحدا) أى يفوز به غيرى، ووقع لشارح أنه قال أى «سؤر أحد» فلا يتجه إذ المطابق للتأليف أن يقول: ما كنت لأوثر بسؤرك أحدا. انتهى، وهو فى غاية الخفاء، وكان مراده أنه قصد بقوله: سؤر أحد فى غاية الركاكة؛ لأن السؤر البقية، شارح آخر قاله المتجه المطابق للتأليف أن يقول: ما كنت لأوثر بسؤرك أحدا وأنت خبير بأن فى كل من هذين نظرا واضحا، أما الأول فلأن قوله أى سؤر أحد فى غاية الركاكة، لأن السؤر البقية فيخل التقدير إلى: ما كنت لأوثر ببقيتك بقية غيرك فكون بقية الغير مؤثرة ببقيته، يحتاج لتأويل وتكلف، لا حاجة إليه، بل عليه ما حصلت أبلغيه ولا مطابقة لما قاله ابن عباس، وأما الثانى: فزعمه أنه توقف

стр. 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المطابقة لما سبقه على ما قدره ممنوع بل المطابقة حاصلة، ولو على موجود إما لأنها بمعنى الباء أو ضمن أوثر معنى أترك وسببه أن المطابقة المعنوية أولى من اللفظية فكأنه أشار بعدوله عن هذه العبارة، على مزيد المحافظة على آثاره ﷺ ، وأنه متى تمكن من ترك الاستعلاء غيره عليها قبل استحقاقه بها منعه عن ذلك. (فليقل) أى حال الأكل، فإن آخره إلى ما بعد فيه الأولى أن يكون بعد الحمد كما هو ظاهر. (لبنا) الظاهر أن يأتى بهذا، وإن كان وحده رعاية للفظ الوارد ما أمكن، وردتا منه فيه أنه لا خير من اللبن، بخلاف بقية الأطعمة [ومن ثم كان الذى يتجه أن المرأة تأتى فى دعاء الافتتاح بنحو حنيفا مسلما على إرادة الشخص رعاية للفظ الوارد. ووجه ذلك أنه يجزى مكان الطعام والشراب كما فى الحديث الآتى وليس غيره كذلك فكان خيرا من سائر الأطعمة وليس] (١) فيها خير منه، وبهذا اندفع قول بعضهم، ولا يلحق ما عدا اللبن من الأشربة به، أو بالطعام، ووجه اندفاعه أن الحديث، وكلام الأئمة صريحان فى اختصاص ذلك باللبن، لأنها كلها تسمى طعاما، ولم يستثن منه إلا اللبن. (يجزى) أى يكفى هكذا إلى آخره بيّن أن هذا الحديث روى مسندا أو مرسلا، ولم يبين حكم ذلك لشهرته وهو أن الحكم للإسناد، وإن كثرت رواية الإرسال لأن مع المسند زيادة علم، قال المصنف: وهو حديث حسن. هى خالة خالد. . . إلخ. فدخولهما عليها لأنهما محرماها وذكر يزيد استطرادا. ...

стр. 283

٣٢ - باب: ما جاء فى شرب رسول الله ﷺ ١٩٩ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا هشيم، أنبأنا عاصم الأحول، ومغيرة. عن الشعبى، عن ابن عباس: «أنّ النّبىّ ﷺ شرب من زمزم. وهو قائم». ــ (باب ما جاء فى صفة شرب رسول الله ﷺ بتثليث الشين فبالفتح جمع شارب، وبمعنى المشروب، وبالكسر المشروب وبالضم المصدر، وهو المراد فى الترجمة. ١٩٩ - (شرب) رواية الشيخين قال: أتيت النبى ﷺ بدلو من ماء زمزم فشرب وهو قائم. ورواية البخارى عن على: «أنه شرب قائما، وأن النبى ﷺ صنع مثل ما صنعت» (١). (وهو قائم) إنما فعله مع أن عادته الشرب قاعدا ونهيه عن الشرب قائما، وقوله: «لا يشربن أحدكم قائما فمن نسى فليستق» (٢)، روى ذلك مسلم لبيان أن نهيه ﷺ عن الشرب قائما ليس للتحريم، بل للتنزيه، وأن الأمر بالاستقاء ليس للإيجاب، بل للندب، وقول من قال: يسن الشرب من ماء زمزم قائما اتباعا له ﷺ ، إنما يسلم له، إن لو لم يصح النهى عن الشرب وأما بعد صحته قائما يكون الفعل مبينا للجواز فهو

стр. 284

٢٠٠ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا محمد بن جعفر، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: «رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائما وقاعدا». ــ كبوله ﷺ قائما فى بعض الأحيان لا يقال النهى مطلق وشربه من زمزم تمّ، ومضى فلم تتوارد على محل واحد، لا نقول ليس النهى مطلقا، بل هو عام، والشرب من زمزم قائما من أفراده، فدخل تحت النهى، فوجب حمله أنه لبيان الجواز ولو سلمنا أنه مطلق، لكان محمولا على التقيد، فلم يفد المقيد غير الجواز أيضا، لا يقال النبى ﷺ ميزه عن فعل المكروه، كالمحرم، فكيف يشرب قائما؟ لأنّا نقول شربه قائما لبيان الجواز، وهو واجب عليه، فلم يفعل مكروها، بل واجبا، وهكذا يقال فى كل فعل فعله لبيان الجواز مع نهيه عنه، أو عما يشمله، واعلم أن كلا من حديث نهيه وفعله المذكورين صحيح، وأن الجمع بينهما ما قررناه، وحيث أمكن الجمع بين حديثين، وجب المصير إليه، ودعوى النسخ ليست فى محلها، وتضعيف خبر النهى غير مسموع مع إخراج مسلم له، والاستدلال لعدم الكراهة بفعل الخلفاء الأربعة غير جائز على قواعد الأصوليين، مع أنه لا يقام ما صح عنه ﷺ سيما فى الشرب قائما ضرر، ومن ثمة ندب الاستسقاء منه حتى للناس، لأنه يحرك خلطا يكون القىء دواءه، قال ابن القيم: وللشرب قائما آفات منها: أنه لا يحصل به الرى التام، ولا يتسقر فى المعدة حتى يستقر الكبد على الأعضاء، وينزل بسرعة إلى المعدة، فيخشى منه أن يبرد حرارتها، ويسرع النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج، وكل هذا يضر بالشارب قائما، وعند أحمد عن أبى هريرة: «أنه رأى رجلا يشرب قائما [فقال له: قه] (١)، قال: لمه؟ أيسرك أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: قد شرب معك من هو شر منه، الشيطان» (٢). ٢٠٠ - (عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص. (عن جده)

стр. 285

٢٠١ - حدثنا على بن حجر، حدثنا ابن المبارك، عن عاصم الأحول، عن الشعبى، عن ابن عباس، قال: «سقيت النّبىّ ﷺ من زمزم، فشرب وهو قائم». ٢٠٢ - حدثنا أبو كريب: محمد بن العلاء ومحمد بن طريف الكوفى، قالا: أنبأنا ابن الفضيل، عن الأعمش، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة قال: «أتى علىّ رضى الله عنه بكوز من ماء وهو فى الرّحبة، فأخذ منه كفا فغسل يديه ومضمض واستنشق، ومسح وجهه وذراعيه ورأسه، ثمّ شرب منه وهو قائم ــ المراد جده بواسطة، أو جد أبيه وهو عبد الله الصحابى الجليل الأفضل. (عن أبيه) والأكثر عنه ومن غيره تلقيا وأخذا للعلم عنه ﷺ وح، فحديثه موصول ورواته محتج بهم وكذا احتج بهذا السند أكثر الحفاظ لا سيما البخارى، فإنه خرج له فى العذر ونقل عن أحمد وعلى بن المدينى وإسحاق أنهم احتجوا به، وإنما يكون ذلك لقرائن أثبتت عندهم سماعه من جد أبيه عبد الله، وكأنه خالف الأقلين نظرا لاحتمال الانقطاع، ويرده ما تقرر: أنه لا عبرة بهذا الاحتمال مع كون الأكثرين على خلافه وزعم أنه أخذ هذا الإسناد من صحيفة لا اعتداد بها، لم يثبت هو، ولا ما يشير إليه فلا يعول عليه، ومن ثمة أعرض المتأخرين كالمتقدمين عن ذلك، واحتجوا به. (قائما وقاعدا) أى مرة قائما لبيان الجواز ومرارا كثيرة بل هو الأكثر المعروف المستقر من أحواله ﷺ قاعدا. ٢٠٢ - (فى الرّحبة) أى رحبة مسجد الكوفة، ورحبة المسجد منه فلها أحكامه، وهى
следующие страницы →