← Сира

Сира · id 122255

أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (602 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واسطة، وعن ربيعة بواسطة مالك، ووقع هنا لبعضهم خبط وزلل، فاحذره، [وأنه إلى آخره، هذا من مفعولى حدث لاقتضائه ثلاث مفاعيل] (١)، سمعه أى: ربيعة أنسا، و (يقول) بدل أو حال كما سيأتى مبسوطا فى باب خاتم النبوة (كان) لا تفيد التكرار، كما نقله فى شرح مسلم عن المحدثين (٢) أو الأكثرين من الأصوليين، وقال ابن الحاجب: تفيده، وكذا ابن دقيق العيد، لكن قال: عرفا، وهو واضح، وليس المراد أنها تفيد مطلقا، بل فى مقام يقبل ذلك، وتكلفّ بعضهم لإفادتها له [هنا] (٣) بما يمجه السامع. (ليس) رجح ابن الحاجب: أنها [هنا] (٣) لنفى مضمون الجملة فى الماضى فعليه تكون لحكاية حال ماضية قصد بها دوام نفيها (٤)، ورجح غيره: أنها لنفى مضمونها حالا، وهو المناسب هنا. (بالطويل البائن) بالهمز ووهم من جعله بالياء أى المفرط طولا مع اضطراب القامة. (ولا بالقصير) بل كان إلى الطول أقرب، كما رواه البيهقى، ويوافقه خبر البراء. «كان ربعة وهو إلى الطول أقرب» (٥)، وخبر عبد الله ابن الإمام أحمد «ليس بالذاهب طولا وفوق الربعة» (٦) ولا ينافى ذلك وصفه بالربعة فى الخبر الآتى لأنها أمر نسبىّ، بدليل خبر البيهقى وغيره، عن عائشة، وكان ينسب إلى الربعة أى لأن من وصفه بالربعة أراد الأمر التقريبى، ولم يرد التحديد ومن ثم قال ابن أبى هالة: «كان أطول من المربوع وأقصر من المشذّب» (٧) بمعجمتين مفتوحتين ثانيهما مشددة، وهو البائن الطول فى نحافة، وهو موافق للخبر الآتى «لم يكن بالطويل الممغط» (٨) ولا ينافى ذلك

стр. 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كله وصفه بالمتردد فى الخبر الآتى خلافا لمن وهم فيه، لأن الربعة قد يسمى قصيرا مترددا بالنسبة للطول. وورد عند البيهقى، وابن عساكر: «لم يكن يماشيه أحد من الناس، إلا طاله ﷺ ، ولربما اكتتفه الرجلان الطويلان فيطولهما، فإذا فارقاه نسب ﷺ إلى الربعة» وفى خصائص ابن سبع: «كان إذا جلس يكون كتفه أعلى من الجالس». (ولا بالأبيض الأمهق) أى الشديد البياض الخالى عن الحمرة والنور كالجص، بل بياضه مشرب بحمرة كما فى روايات أخر يأتى بعضها، وهذا هو المراد بما عند مسلم عن أنس: «كان أزهر اللون» (١)، وبما عنده أيضا: «كان أبيض مليح الوجه» (٢) وبما عند المصنف كما يأتى: «كان أبيض مليحا» ورواية: «أمهق ليس بأبيض» مقلوبة، أو وهم كما قاله القاضى عياض، أو موجهة على تقدير ثبوتها، بأن المهق قد يطلق على الخضرة، وأريد بها هنا السمرة فى الرواية الآتية، وبما قررته علم أن النفى فى (ولا بالأبيض الأمهق) إنما هو المقيد فقط (ولا بالآدم) أصله آدم أفعل صفة مهموز الفاء، أبدلت ألفا أى ليس بالشديد الأدمة: أى السمرة، وإنما يخالط بياضه الحمرة، والعرب قد تطلق على كل من كان كذلك أسمر ومن ثم صح عن أنس: «أنه كان أسمر» وسيأتى قريبا، ومما يؤيد الجمع رواية البيهقى عن أنس أيضا: «كان أبيض بياضه إلى السمرة» (٣) وعن ابن عباس: «كان جسمه ولحمه أحمر إلى البياض» فثبت بمجموع الروايات أن المراد بالسمرة حمرة تخالط البياض، وبالبياض المثبت فى روايات معظم الصحابة، ما يخالطه الحمرة، وإن وصف فى رواية: «بأنه شديد الوضح» وفى أخرى سندها قوى: «بأنه شديد البياض» لإمكان حمل شدته على الأمر النسبى، فلا ينافى كونه مشربا بها وبالمنفى ما لا تخالطه هى، وهذا الذى تكرهه العرب وتسميه أمهق، وأن توهم القاضى رواية: «ليس بالأبيض ولا بالآدم» غير صواب بل معناهما صحيح ظاهر كما تقرر، وأما الجمع بأن المشرب منه بحمرة، وإلى السمرة ما برز للشمس كالوجه والعنق، والأزهر الأبيض ما تحت الثياب، فمردود بأن أنسا لملازمته له وقربه منه، لا يخفى عليه أمره حتى يصفه

стр. 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بغير صفته الأصلية الملازمة له، فتعين حمل السمرة فى روايته على الحمرة التى تخالط البياض كما مر على أنه سيأتى فى وصف عنقه الشريف أنه أبيض لكأنما صيغ من فضة مع أن العنق بارز، وورد ذلك أيضا أن تأثير الشمس فيه ينافى ما ورد أنه كان يظله سحابة، وهو غفلة إذ ذاك كان إرهاصا متقدما على النبوة، وأما بعدها فلم يحفظ ذلك، كيف وأبو بكر رضى الله عنه قد ظلل عليه بثوبه لما وصل المدينة؟ وصح «أنه ظلل بثوب وهو يرمى الجمرات فى حجة الوداع» (١). تنبيه: قال أئمتنا: يكفر من قال كان النبى ﷺ أسود أو غير قرشى أو توفى أسودا (٢) لأن وصفه بغير صفته نفى له وتكذيب به، ومنه يؤخذ أن كل صفة علم ثبوتها له بالتواتر كان نفيها كفرا للعلة المذكورة، وقول بعضهم: لا بد فى الكفر من أن يصفه بصفة تشعر بنقصه كالأسود هنا، فإن لون السواد لون منقوص، فيه نظر، لأن العلة [كما علمت] (٣) ليست هى النقص، بل ما ذكر فالوجه أنه لا فرق، فإن قلت: لونه ﷺ أشرف الألوان، ولون أهل الجنة كذلك، فلم لم تكن ألوانهن البياض المشرب بالحمرة؟ بل بالصفرة كما قاله جمهور المفسرين فى قوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤) يشبههن ببيض النّعام المكنون فى عشه، ولونها بياض به صفرة حسنة (٥)، قلت: اللون واحد وإنما اختلف ما شبه به، وحكمته والله أعلم أن المشرب بالحمرة ينشأ عن الدم وصفائه، واعتدال جريانه فى البدن وعروقه، وهو من الفضلات الجيدة التى تنشأ عن أغذية هذه الدار فناسب المشوب فيها، وأما المشوب بالصفرة التى تورث البياض صفاء وصقالة (٦)،

стр. 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فلا ينشأ عادة عن غذاء من أغذية هذه الدار فناسب أن يختص المشرب به فى تلك الدار، فظهر أن المشرب فى كل من الدارين بما يناسبها، فإن قلت: من عادة العرب مدح النساء بالبياض المشوب بصفرة كما وقع فى لامية امرئ القيس، وهذا يدل على أنه فاضل فى ألوان الدنيا أيضا، قلت: لا نزاع فى أنه فاضل، وإنما النزاع فى أنه أفضل الألوان فى هذا الدار، وليس كذلك بل الأفضل المشرب بحمرة، كما تقرر أن لونه ﷺ أفضل الألوان، ولا ينافى ذلك قول جمع من أصحابنا: الأولى للمرأة أن لا تلبس البياض ولا الفضة، لما فيه من التشبه بالرجال، وأن تغيره بما أمكن من زعفران ونحوه لأن البياض لم يؤمر بتركه من حيث ذاته، بل لما فيه من التشبه بالرجال، فصبغه بالزعفران لم تؤمر به، إلا لتحاكى الذهب اللائق بها (ولا بالجعد القطط) بفتح الطاء الأولى وكسرها (ولا بالسبط) بسكون الباء وكسرها أى شعره ليس نهاية فى الجعودة، وهى: تكسّره الشديد، ولا فى السبوطة، وهى: عدم انكساره أصلا، بل كان وسط بينهما، فكان فيه بعض جعودة، كما صحّ عن أنس من طرق منها: «أنه كان شعره بين شعرين لا رجل سبط، ولا جعد قطط» (١) ولا ينافى ذلك رواية: «كان رجلا» (٢) أى: بفتح فكسر، ليس بالسبط، ولا الجعد لأن الجعودة (٣) أمر نسبى فحيث أثبتت أريد بها الأمر الوسط بين السبوطة والجعودة، وحيث نفيت أريد بها السبوطة، ثم رأيت بعضهم فسر الرّجل بالمتكسر قليلا وهو الموافق لما ذكرته (بعثه) -خبر ثان لكان-الله رحمة للعالمين، وكافة للخلق أجمعين يوم الإثنين لخبر مسلم «وأنزل علىّ فيه» (على) جعلتها بمعنى فى أولى من إبقائها على ظاهرها (رأس أربعين سنة) أى: أول سنة أربعين من مولده إذ رأس الشىء أعلاه ولكن رواية أحمد الآتية، وحكاية الأقوال المذكورة بعد، ظاهرتان فى أن المراد بالرأس هنا، آخر سنة أربعين، ولا بعد فيه، إذ الرأس كما يطلق على الأول، يطلق على الآخر، قيل: وأربعين يوما، وقيل: وشهرين، وقيل: وعشرة أيام، وقيل: لسبع عشرة خلت من رمضان، وقيل: لسبع، وقيل: لأربع وعشرين.

стр. 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال ابن عبد البر: لثامن عشرة من ربيع الأول، سنة إحدى وأربعين من الفيل، وقيل: أول ربيع، وقيل: فى رجب، فجاءه جبريل وهو بغار حراء، فقال له: «اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فغطه [حتى بلغ منه الجهد ثم قال له: «اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فغطه] (١) كذلك ثم عاد، وأعاد فقال: اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ حتى بلغ مالَمْ يَعْلَمْ (٢) وما نافية [فى الكل] (١) والأولى للامتناع، والثانية نافية، والثالثة استفهامية، وكرر اللفظ ثلاثا، ليستفرغ تمام قوته فيتم [تمام] (٣) توجهه له، ليظهر له الشدة، والاجتهاد فى هذا الأمر، فيتنبه إلى ثقل ما سيلقى إليه، وابتدئ قبل ذلك بالرؤيا الصادقة «فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح» (٤) كيلا يفاجأه الملك، ويأتيه صريح النبوة بغتة فلا تقبلها قوى البشرية، فبدئ بأول خصال النبوة وتباشير الكرامة، ثم فتر الوحى ثلاث سنين، فيما جزم به ابن إسحاق، ليذهب عنه ما وجد من الروع، وليزيد تشوقه إلى العود، ثم نزل عليه ياأَيُّهَا اَلْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ (٥) والقول بأنها أول ما نزل، قال النووى: باطل، وفى تاريخ أحمد وغيره عن الشعبى: أنزلت عليه النبوة، وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشىء ولم ينزل عليه القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين، قرنت بنبوته جبريل، فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة، وكذا رواه ابن سعد والبيهقى، ومنه يؤخذ أن اجتماع إسرافيل به، كان فى مدة فترة الوحى، ليؤنسه ويقويه على تحمل أعباء ما سينزل عليه، وبان بما تقرر أن نبوته كانت متقدمة على رسالته، وبه صرح أبو عمر وغيره، وعليه يحمل قول

стр. 41

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صاحب (١) الأصول الصحيح عند أهل العلم بالأثر أنه بعث على رأس ثلاث وأربعين سنة. انتهى. فكان فى «اقرأ» نبوته وفى «المدثر» رسالته بالنذارة والبشارة والتشريع، لأن هذا قطعا متأخر عن الأول، وحكمته تضمن تلك الآيات، من أقراء أطوار الآدمى من الخلق والتعليم والإفهام، فناسب تقديمه رعاية للترتيب الطبيعى، بذكر ما أسدى إليه ﷺ من العلم والفهم والحكمة والنبوة، فى معرض تعريف عباده بما أسدى إليهم من نعمة البيان الفهمى، والنطقى، والخطّى، ثم أمره تعالى بأن يقوم ويكشف عن ساق الجدّ والاجتهاد فى تبليغ عباده ما حباه به من وحيه وشرعه. (فأقام بمكة عشر سنين) رسولا، وثلاث عشرة سنة نبيا ورسولا، كما تقرر على رواية أن عمره خمس وستين سنة، يكون أقام بها خمس عشرة سنة وأول ما وجب الإنذار والدعاء إلى التوحيد، ثم فرض الله من قيام الليل ما ذكره أول سورة المزمل، ثم نسخه بما فى آخرها، ثم نسخه بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء بروحه وجسده، يقظة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به منه إلى فوق سبع سموات، ثم رأى ربه بعين رأسه على الأصح (٢)، ثم أوحى إليه ما أوحى [فسمع كلامه] (٣) وإنما اختص موسى بالكليم (٤)، لأنه سمعه وهو فى الأرض، وكان مما أوحاه الله إلى نبيه أن فرض عليه الصلوات ثم انصرف من ليلته إلى مكة، فأخبر بذلك، فصدقه أبو بكر وسائر المؤمنين، فكان ذلك بعد المبعث بخمس سنين، كما رجحه النووى، واحتج له بما يرده أن خديجة ماتت قبل فرض الخمس، فيلزم موتها قبل الإسراء، وموتها قبل الهجرة بثلاث سنين، فلزم أنه بعد المبعث بأكثر من سبع سنين، وعليه فكان قبل الهجرة بسنة، وادعى ابن حزم فيه الإجماع، وقيل: لسنة وخمسة أشهر، وقيل: لسنة وثلاثة أشهر، ولما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده له، خرج ﷺ إلى منى، فلقى ستة من الأنصار فآمنوا به عند عقبتها، فقال لهم: «تمنعون ظهرى حتى أبلغ رسالة ربى» فواعدوه الموسم القابل، فجاء منهم اثنى عشر، فأسلموا وبايعوه، ثم انصرفوا إلى المدينة، فأظهر الله

стр. 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإسلام بها، ثم قدم عليه منهم العام القابل سبعون، أو خمسة، أو وثلاثة وامرأتان، فأسلموا وبايعوه على أن يمنعوه مما يمنعوا منه نساءهم، وعلى حرب الأحمر والأسود، وبعث عليهم اثنى عشر نقيبا، ثم أمر ﷺ من معه بالهجرة إليهم، وأقام ينتظر الإذن فى الهجرة، فأذن له عقب العقبة الثالثة بهلال شهر ربيع الأول فيما قال ابن إسحاق، فخرج من مكة يوم الخميس، ومن الغار ليلة الإثنين ومعه أبو بكر، فقدماها يوم الإثنين لاثنى عشرة خلت من شهر ربيع الأول كما فى الروضة، وفيه اختلاف طويل، وأمر ﷺ بالتاريخ، فكتب من حين الهجرة، وقيل: إن عمر أول من أرّخ، وجعله من المحرم وأقام ﷺ بقباء أربعا وعشرين ليلة وأسس مسجدها، وخرج منها ضحى الجمعة، فأدركته فى الطريق فصلاها فى المسجد المشهور، ثم توجه على راحلته بعدها للمدينة، وأرخى زمامها، فناداها أهل كل دار إليهم للقوة والمنعة، وهو يقول: «خلوا سبيلها، فإنها مأمورة» (١) فسارت تنظر يمينا وشمالا إلى أن بركت بمحل باب المسجد، ثم سارت وهو ﷺ عليها، إلى أن بركت بباب أبى أيوب ثم ثارت وبركت مبركها الأول، وألقت عنقها بالأرض، وصوتت من غير أن تفتح فاها فنزل عنها وقال: «هذا المنزل إن شاء الله» (٢) واحتمل أبو أيوب رحله وأدخله بيته فأقام عنده سبعة (٣) أشهر، ثم اشترى محل مسجده من بنى النجار أخوال جده عبد المطلب بعشرة دنانير، أداها أبو بكر من ماله، ثم بناه وسقفه بالجريد [وجعلت عمده خشب النخل وكان ﷺ ينقل اللّبن معهم فى بنائه] (٤) وجعلت قبلته للمقدس، وطوله مائة ذراع، وعرضه نحو ذلك، وبنى بيوتا إلى جنبه باللبن، ثم تحول إليها من دار أبى أيوب، ثم أذن له فى القتال بقوله : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا بعد أن نهاه عنه فى نيف وسبعين آية فبعث ﷺ من شوال على رأس ثمانية أشهر البعوث والسرايا واستمر ﷺ على مجاهدة الأعداء وتبليغ الأحكام والأنباء (وبالمدينة عشر سنين) حتى دخل الناس فى دين الله أفواجا وأكمل الله له العزّ ولأمته دينهم، وأتم عليه وعليهم نعمته [فتوفاه الله] (٥) بعد أن أعلمه باقتراب

стр. 43

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أجله بسورة إِذاجاءَ نَصْرُ اَللهِ وَاَلْفَتْحُ (١) إذ هى آخر سورة نزلت بمنى يوم النّحر فى حجة الوداع وقيل: قبل وفاته بثلاثة أيام، وكان ابتداء مرضه أواخر صفر، فكانت مدته ثلاثة عشر يوما، وأشار فيه إشارة ظاهرة بخلافة أبى بكر، بثنائه عليه على المنبر بما فهم دون بقية الصحابة من قوله: «إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده فاختار ما عنده» (٢) إنه يعنى نفسه، فبكى وقال: فديناك يا رسول الله، بآبائنا، وأمهاتنا، فقابله بقوله: «إن من أمنّ الناس علىّ فى صحبته، وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام» (٣) ثم قال: «لا يبقى فى المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبى بكر» (٤) ثم أكد هذا بأمره صريحا أن يصلى بالناس فرجع وهو يقول: «مروه فليصلّ» (٥) وأذن له نساؤه أن يمرض ببيت عائشة لما رأين من حرصه على ذلك فدخل بيتها يوم الإثنين (وتوفّاه الله) حين اشتد الضحى يوم الإثنين كالوقت الذى دخل فيه إلى المدينة فى هجرته ورأسه الشريف بين سحرها ونحرها، أى فيما بين حنكها وصدرها، وروايات: ورأسه فى حجر علىّ فيها ضعف. واختلف [الناس] (٦) فى عمره ﷺ ، ففى رواية أنس هذه أنه توفى (على رأس ستين سنة) وفى أخرى: «خمس وستين» وفى أخرى: «ثلاث وستين» وهى أصحها وأشهرها

стр. 44

٢ - حدثنا حميد بن مسعدة البصرى، حدثنا عبد الوهاب الثقفى، عن حميد، عن أنس بن مالك قال: «كان رسول الله ﷺ ربعة، ليس بالطّويل ولا بالقصير، حسن الجسم، وكان شعره ليس بجعد ولا سبط، أسمر اللّون، إذا مشى يتكفّأ». ــ عند العلماء، وردّوا الأولى إليها بأن راويها اقتصر على العقود، وألغى الكسر، ولا ينافيه التعبير برأس، لأنه رأس باعتبار العقود، وهذا أولى من الجواب، بأن لفظة: رأس مقحمة، والثانى: بأن راويها حسب سنتى المولد والوفاة، وسيأتى لكل من المولد والوفاة والسنّ مزيد فى بابه. وتوفاه الله (وليس) جملة حالية من مفعول توفّاه الله وجعله معطوفا يفسر المعنى، خلافا لمن وهم فيه، فتأمله! (فى رأسه ولحيته) بكسر اللام، ويجوز فتحها (عشرون شعرة بيضاء) وسيأتى فى باب شيب رسول الله ذكر الروايات المختلفة فى ذلك مع الجمع بينها، ونفى الشيب فى رواية، المراد به نفى كثرته، لا أصله، وسبب قلة شيبه، أن النساء يكرهنه غالبا ومن كره من النبى ﷺ شيئا كفر، ومن ثم صح عن أنس: «ولم يشنه الله بالشيب» وأما خبر: «إن الشيب وقار ونور» فيجاب عنه بأنه وإن كان كذلك لكنّه يشين عند النساء غالبا كما تقرر، وبأن المراد بالشين المنفى فيما مر عن أنس الشين عند من يكرهنه، لا مطلقا لتجتمع الروايتان، وأما أمره ﷺ لهم لما رأى أبا قحافة ورأسه ولحيته كالثغامة [بيضاء] (١) هى بالفتح: نبت بالجبل يبقى إذا يبس بياضا، بتغييره وكرهه، ولذلك قال: «غيّروا الشيب» فلا يدل على أنه شين مطلقا، بل بالنسبة لما مرّ، وفى تغييره مصلحة ما بالنسبة للجهاد وإرهاب الكفّار، وبالنسبة لوقوع الألفة بين الزوجين، والجمع بين الأحاديث ما أمكن، أسهل من دعوى النسخ، وإن أيدها منع الأكثرين للتغيير، لأن الصحيح من مذهبنا أنه بنحو الحناء سنة إذ خبره فى الصحيحين، ولا يمكن تأويله كما سيأتى. ٢ - (البصرى) بتثليث الباء. (ربعة) بفتح فسكون، وقد تحرك وتأنيثه باعتبار النفس،

стр. 45

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولذلك استوى فيه المذكر والمؤنث، إذ يقال فى جمع كل منهما ربعات: بالسكون، والتحريك شاذ. (ليس بالطويل) أى البائن. (ولا بالقصير) أى المتردد كما يأتى، وهذا بدل من ربعة، أو عطف بيان له. (حسن الجسم) هو بمعنى رواية: «بادن متماسك» (١) أى: معتدل الخلق، متناسب الأعضاء والتركيب، كأن أعضاءه يمسك بعضها بعضا. (وكان شعره ليس بجعد ولا سبط) جعد وسبط هنا وصفا للشعر وفيما مرّ وصفا لذاته، لبيان أن كلا منهما يوصف بذلك (أسمر اللون) مرّ ما فيه فراجعه فإنه مهم! والمعنى: لونه أسمر، فالإضافة هنا من إضافة الصفة للموصوف، فاندفع ما قيل إسناد: «أسمر اللون» غير ظاهر، إذ لا يثبت للون لون. (إذا مشى يتكفأ) بالهمز وتركه تخفيفا: أى تكفأ كأنما ينحط من صبب وسيأتى، وصححه البيهقى، والتكفؤ بالهمز: الميل إلى سنن الشىء أى إلى قدام كالسفينة فى جريانها. وعند البزّار: «إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها» (٢) وسيأتى عند المصنف «وما رأيت أحدا أسرع فى مشيه. . .» الحديث، وعند ابن سعد: «كان إذا مشى مشى مجتمعا» (٣) أى قوى الأعضاء غير مسترخ فى المشى، وفى رواية: «كان إذا مشى تقلع» (٤) أى رفع قدمه عن الأرض ارتفاعة واحدة، كأنها تتقلع منها وهى نفى الاختيال فى المشى، وفى أخرى: «إذا زال زال تقلعا، ويمشى هونا ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب» (٥) وفى أخرى: «إذا زال زال قلعا» أى: قالعا رجليه من الأرض، والانحدار من الصبب، والتقلع من الأرض متقاربان أى: كان يستعمل

стр. 46

٣ - حدثنا محمد بن بشار (يعنى العبدى)، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبى إسحاق، قال: سمعت البراء بن عازب، يقول: «كان رسول الله ﷺ رجلا مربوعا، بعيد ما بين المنكبين، عظيم الجمّة إلى شحمة أذنيه، عليه حلّة حمراء، ما رأيت شيئا قطّ أحسن منه». ــ التثبت، ولا يظهر منه استعجال ومبادرة، «وذريع المشية» معناه: واسع الخطوة، فالتقلع: الارتفاع من الأرض بجملته، كحال المنحط فى الصبب، وهى مشية أولى العزم والهمة، والشجاعة، وهى أعدل المشيات، وأروحها للأعضاء، فكثير يمشى قطعة واحدة، فكأنه خشبة محمولة فهى مذمومة، كالمشية بانزعاج كالجمل الأهوج، إذ هى علامة خفة عقل صاحبها، لا سيما إن أكثر الالتفات حال مشيته يمينا وشمالا، قيل: وروى يتكفأ بقلب همزته ألفا ولا وجه له. ٣ - (بعيد) بفتح فكسر، وقيل: بالتصغير، وهو غريب، وفى صحته نظر. (ما بين المنكبين) أى عريض أعلى الظهر وهو مستلزم لعرض أعلى الصدر ومن ثمة وقع عند ابن سعد: رحيب الصدر، والمنكب: مجمع عظم العضد والكتف. (عظيم الجمّة) وهو بضم الجيم وتشديد الميم، ما سقط من شعر الرأس على المنكبين، واللّمة بكسر اللام هى على الأصح: ما جاوز شحمة الأذن ووصلت المنكبين لم لا ودونهما الوفرة إذ هى ما نزل من شحمة الأذن (إلى شحمة أذنيه) متعلق بعظيم لبيان أن عظم جمته وكثرتها وتكاثفها ينتهى إلى شحمة أذنيه وفى رواية: «كان شعره بين أذنيه وعاتقه» (١) وفى أخرى فى الصحيحين: «إلى أنصاف أذنيه» (٢) وفى أخرى عند المصنف وغيره: «فوق الجمّة ودون الوفرة» (٣) وفى رواية: «إن انفرقت عقيصته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة

стр. 47

٤ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن أبى إسحاق، عن البراء بن عازب قال: «ما رأيت من ذى لمّة فى حلّة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ له شعر يضرب منكبيه، بعيد ما بين المنكبين، لم يكن بالقصير ولا بالطّويل». ــ أذنيه إذ هو وفرة» (١) وفى أخرى: «كان إلى أذنيه»، وفى أخرى: «يضرب منكبيه» (٢) وفى أخرى: «إلى كتفيه، أو منكبيه» (٣) وجمع بينها بأن ما يلى الأذن هو الذى يبلغ شحمتها، وما خلفها هو الذى يضرب منكبيه أو بأن ذلك لاختلاف الأوقات، فكان إذا ترك تقصيرها بلغت المنكب، وإذا قصرها كانت إلى الأذن أو شحمتها أو نصفها، فكانت تطول وتقصر بحسب ذلك (عليه حلة) هى بضم الحاء إزار ورداء بردا وغيره، ولا تكون إلا من ثوبين، ولو ظهارة وبطانة، وإن كانا من جنسين، خلافا لمن اشترط اتحاد جنسيهما (حمراء) أفرده رعاية للفظ، وإشارة إلى أن الثوبين بمنزلة ثوب واحد، للاحتياج إليهما معا، والحديث صحيح، وبه استدل إمامنا الشافعى على حل لبس الأحمر، وإن كان قانيا، وحمله على ذى الخطوط، سيأتى رده مع بسط الكلام على ذلك فى لباسه ﷺ (ما رأيت شيئا قط أحسن منه) يعنى: مثل حسنه إذ أفعل قد يراد به أصل الفعل إثباتا ونفيا، وإن قرن بمن، خلافا لما يوهمه كلام غير واحد، ومن ذلك قولهم: العسل أحلى من الخلّ، والصيف أحرّ من الشتاء. ٤ - (ابن غيلان) بفتح الغين المعجمة. (سفيان) أى الثورى. (البراء) بتخفيف الراء وبالمد، وقيل: بالقصر. (ما رأيت من ذى لمّة) إلى آخره، مرّ شرحه جميعا! و (من) زائدة لتأكيد المنفى، وللتنصيص على استغراقه لجميع الأفراد (أحسن) صفة لذى لمة، أو حال منه، إن كانت رأى بصرية وهو الظاهر، وإن كانت علمية كان مفعولا ثانيا لها.

стр. 48

٥ - حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو نعيم، حدثنا المسعودى، عن عثمان ابن مسلم بن هرمز، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن على بن أبى طالب قال: «لم يكن النّبىّ ﷺ بالطّويل ولا بالقصير، شثن الكفّين والقدمين، ضخم الرأس، ضخم الكراديس، طويل المسربة، إذا مشى تكفّأ تكفّوا كأنّما ينحطّ من صبب، لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ ». ــ ٥ - (أبو نعيم) أى بضم ففتح، وهو الفضل بن دكين بضم الدال المهملة. (ابن جبير) بالتصغير. (مطعم) كمسلم. (شثن) بالنصب خبر لكان محذوفة، أو بالرفع خبر لمبتدأ محذوف، وهو بالثاء المثلثة. (الكفين والقدمين) أى غليظهما فى خشونة على ما قاله الأصمعى، ولا ينافيه خبر الطبرانى: «فأخذت بيده، فإذا هى ألين من مس الحرير» (١) وفى البخارى عن أنس «ما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كفّ رسول الله ﷺ » (٢) وفى رواية: «سبط الكفين» بتقديم السين أى: لينهما، وفى أخرى: «أردفنى خلفه فى سفر فما مسست شيئا قط ألين من جلده ﷺ »؛ لأن المراد: اللين فى الجلد والغلظ فى العظام، فاجتمع له نعومة البدن وقوته، وقيل: الخشونة باعتبار عمله فى

стр. 49

٥ م-حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا أبى عن المسعودى، بهذا الإسناد نحوه بمعناه. ــ الجهاد، ومهنته أهله، واللين باعتبار أصل خلقته، على أن التحقيق تفسير الشثن بالغلظ من غير قصر، ولا خشونة، ولما فسره الأصمعى بما مرّ، قيل له: إنه ورد فى صفته ﷺ : «أنه لين الكفّ» فآلى على نفسه أن لا يفسر شيئا فى الحديث، وتفسير أبى عبيدة له بالغلظ مع القصر مردود بما صح «أنه كان سائل الأطراف» (١)، وفى رواية: «أنه كان عبل الذراعين» (١) أى ضخم الذراعين «رحب الكفين» (١) وورد من طرق: «أنه ﷺ مسح بيده الشريفة وجهه، أو وجه وصدر غير واحد من أصحابه، فصار محل يده غرة سائلة كغرة الفرس، وكان لا يمسح بها شيئا إلا برئ ومسح رأسا، فكان ما مرت يده عليه أسود وشاب ما سواه»، وصح أنه مسح رأس ولحية أبى زيد الأنصارى ثم قال: «اللهم جمّله» (٢) فبلغ بضعا ومائة سنة، وما فى لحيته بياض ولا فى وجهه تغير (ضخم الرأس) وفى رواية: «عظيم الهامة» (٣) وصفه بذلك ورد عن غير على رضى الله عنه من طرق صحيحة وهو دال على كمال القوة الدماغية من الحواس الباطنة، وبكمالها يتميز الإنسان على غيره (ضخم الكراديس) أى: رءوس العظام، وهو بمعنى جليل المشاش الآتى (طويل المسربة) وهى بفتح فسكون فضم خط الشعر بين الصدر والسرة وفى رواية: «ذو مسربة» وفى أخرى عند البيهقى: «له شعرات من سرته تجرى كالقضيب ليس على صدره، ولا على بطنه غيره» وعند الطيالسى والطبرانى: «ما رأيت بطنه إلا ذكرت القراطيس المثنى بعضها على بعض» (٤) وفى رواية: «مغاضن البطن» أى: واسعة وقيل مستوية مع الصدر (إذا مشى) مرّ تفسيره. (لم) إما استئناف أو خبر بعد خبر. (نحوه بمعناه) تأكيد، وإلا فنحوه لا يقال، إلا لما وافق المعنى فقط، وأما الموافق معنى ولفظا فيقال مثله.

стр. 50

٦ - حدثنا أحمد بن عبدة الضبّى البصرى، وعلى بن حجر، وأبو جعفر محمد ابن الحسين، وهو ابن أبى حليمة، والمعنى واحد. قالوا: حدثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن عبد الله مولى غفرة، قال: حدثنى إبراهيم بن محمد من ولد على بن أبى طالب-رضى الله عنه-قال: كان علىّ إذا وصف رسول الله ﷺ قال: «لم يكن رسول الله ﷺ بالطّويل الممغّط، ولا بالقصير المتردد، وكان ربعة من القوم، لم يكن بالجعد القطط، ولا بالسّبط، كان جعدا رجلا، ولم يكن بالمطهّم ولا بالمكلثم، وكان فى وجهه تدوير، أبيض مشرب، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، أجرد، ذو مسربة، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى كأنّما ينحطّ فى صبب، وإذا التفت التفت معا، بين كتفيه خاتم النّبوّة، وهو خاتم النّبيّين، أجود النّاس صدرا، وأصدق النّاس لهجة وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبّه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ ». ــ ٦ - (عبدة) بفتح فسكون. (الضبى) نسبة لبنى ضبة بالمعجمة كحبة قبيلة من عرب البصرة. (حجر) بمهملة مضمومة فجيم ساكنة. (والمعنى واحد) جملة حالية من الفاعل، أو المفعول أى حال كون المعنى فى أحاديثهم واحد، أو الأحاديث حال كونها بحسب المعنى الواحد، وفى نسخ بحذف الواو صفة لمفعول حدثنا أى الأحاديث المعنى فيها واحد. (غفرة) بضم الغين المعجمة، وسكون الفاء والراء. (محمد) ابن الحنفية أمة لعلى حصلت له من سبى بنى حنيفة، قيل: من سخافة عقول طائفة من الرافضة أنهم يعتقدون فى محمد هذا الألوهية، مع أن أبا بكر رضى الله عنه هو المعطى عليا رضى الله عنه أمة فلولا إعطاؤه له لخيفة كونه الإمام الأعظم، لكان آلههم دعيا (من

стр. 51

قال أبو عيسى: سمعت أبا جعفر محمد بن الحسين يقول: سمعت الأصمعى يقول فى تفسير صفة النبى ﷺ : الممغط: الذاهب طولا-وقال: سمعت أعرابيا يقول فى كلامه: ممغط فى نشابته أى: مدها مدا شديدا-والمتردد: الداخل بعضه فى بعض قصرا-وأما القطط: فالشديد الجعودة-والرجل: الذى فى شعره حجونة، أى تثن قليل-وأما المطهم: فالبادن الكثير اللحم-والمكلثم: المدور الوجه-والمشرب: الذى فى بياضه حمرة-والأدعج: الشديد سواد العين- والأهدب: الطويل الأشفار. والكتد: مجتمع الكتفين وهو الكاهل، والمسربة: هو الشعر الدقيق الذى كأنه قضيب من الصدر إلى السرة، والشثن: الغليظ الأصابع ــ ولد) بفتحتين اسم جنس، أو بضم فسكون جمع ولد، ومن تبعيضية أو بيانية، والأولى أولى، لأن البيانية تشعر بالحصر، وولد علىّ لم يحصر فى محمد، ويصح أن يكون لإبراهيم، إذ الولد يشمل ولد الولد حقيقة، كما عليه الأكثرون ومجازا كما عليه الباقون. (الممغط) هو بتشديد الميم الثانية، قيل: والمحدثون يشددون الغين، المتناهى فى الطول، فهى بمعنى «المشذب» فى رواية، «والبائن» فى أخرى، وأمغط النهار إذا امتد، ومغطت الحبل إذا مددته، وأصله منمغط قلبت نونه الدالة على المطاوعة ميما، وأدغمت فى الميم، ويقال بالعين المهملة بمعناه. (المتردد) الذى يتردد بعض خلقه على بعض فهو كالقصير مجتمع. (رجلا) بفتح فكسر أى: يتكسر شعره قليلا. (ولم يكن بالمطّهم) هو المنتفخ الوجه، وقيل: الفاحش السمن، وقيل: النحيف الجسم، وهو من الأضداد، وفسره المصنف بما يأتى (ولا بالمكلثم وكان فى وجهه تدوير) أى: لم يكن شديد تدوير الوجه بل كان فى وجهه تدوير [أى لم يكن شديد تدوير الوجه تدوير] (١) مع السهولة وهو أحلى عند العرب، وفى رواية: «كان أسيل الخدين» (٢) أى: مستطيلهما مع عدم ارتفاع الوجنة وهذا هو الحامل لمن سأل أكان وجهه مثل السيف؟ كما سيأتى الكلام عليه. (أبيض مشرب) بتخفيف الراء وتشديدها، ومر الكلام على ذلك مستوفى (أدعج العينين) أى: شديد سواد حدقتهما، كما فى رواية علىّ أيضا: «كان أسود الحدقة» (٣)

стр. 52

من الكفين والقدمين، والتقلع: أن يمشى بقوة، والصبب: الحدور، تقول: انحدرنا فى صبوب وصبب، جليل المشاش: يريد رءوس المناكب، والعشيرة: الصحبة، والعشير: الصاحب، والبديهة: المفاجأة، يقال: بدهته بأمر أى: فجأته. ــ (أهدب الأشفار) أى طويلها كثيرها، وهى جمع شفر بضم أوله وقد تفتح شعر العين، أو منابت الشعر المحيط بها، ففيه حذف مضاف أى شعر الأشفار (جليل المشاش) أى رءوس العظام، كالمرفقين، والركبتين والمنكبين. (والكتد) وهو بفتحتين، أو فتح فكسر مجتمع الكتفين أى: عظم ذلك كله، وهو دال على غاية القوة والشجاعة (أجرد) أى غير أشعر وهو من عم الشعر جميع بدنه، فالأجرد: من لم يعمه الشعر، فيصدق بمن فى بعض بدنه شعر، كالمسربة، والساعدين، والساقين، وقد كان له ﷺ فى ذلك شعر، وقيل: أجرد أى: ليس فيه غل ولا غش، فهو على أصل الفطرة، فنور الإيمان يزداد فيه (ذو مسربة) مرّ الكلام فيه. (فى صبب) أى من صبب كما فى الرواية الآتية. (وإذا التفت التفت معا) فلا يسارق النظر وقيل: لا يلوى عنقه يمنة ولا يسرة، إذا نظر إلى الشىء، وإنما يفعل ذلك الطائش الخفيف ولكن كان يقبل جميعا ويدبر جميعا (بين كتفيه خاتم النبوة) سيأتى الكلام عليه. (خاتم النبيين) بكسر التاء بمعنى أنه ختمهم أى جاء آخرهم فلا نبى بعده، أى: لا يتنبأ أحد بعده، ونزول عيسى آخر الزمان، إنما هو بشريعة محمد ﷺ ، حكما مقسطا، عاملا بها، مصليا إلى قبلته، مستمدا من القرآن والسنة وبفتحها، بمعنى أنهم ختموا به، فهو الطابع والخاتم لهم. (أجود الناس صدرا) أى قلبا تسمية للشىء باسم محله، أو مجاوره، أى جوده بالسجيّة والطبع، لا بالتكلف والسمعة، وقيل: من الجوّدة، أى أحسنهم قلبا لسلامته من كل غش ودنس، كيف؟ وقد صحّ: «أن جبريل شقّه، واستخرج منه علقة، وقال: هذا حظّ الشيطان منك، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم» (١) وصح أيضا: «ثم استخرجا قلبى، فشقاه، فأخرجا منه علقتين سوداوين، ثم غسلا جوفى بماء وثلج، ثم قلبه، ثم ذرأ السكينة فيه، ثم ختم أحدهما عليه بخاتم النبوة» (٢)، وفى رواية عند البيهقى: «جاءانى فى صورة كوكبين، معهما ثلج، وبرد، وماء بارد، فشق أحدهما من صدره، ومج الآخر بمنقار فيه» (٣)، وفى أخرى عند عبد الله بن أحمد من رواية المسند، وسندها صحيح، كما قاله بعض المحققين من المحدثين: «جاءاه بصحراء، وهو ابن عشر حجج،

стр. 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فأضجعاه لقفاه ثم شقا بطنه، وأحدهما يأتى بالماء فى طست ذهب، والآخر يغسل جوفه، ثم صدره، ثم قلبه، فقال له الآخر: أخرج الغلّ والحسد منه، فأخرج شبه العلقة فنبذ به، ثم قال: أدخل الرأفة والرحمة عليه، فأدخل شيئا كهيئة الفضة، ثم أخرج ذرورا فذر عليه، ثم نقر إبهامى، ثم قال: اغد، فرجعت علام أغد به من رحمتى للصغير، ورقتى على الكبير» (١) وفى رواية لأبى نعيم: «فاستخرج حشوة جوفى فغسلها، ثم ذر عليها ذرورا، ثم قال: قلب وكيع-أى داع-فيه عينان تبصران، وأذنان تسمعان، وأنت محمد رسول الله المقفى، الحاشر، قلبك سليم ولسانك صادق، ونفسك مطمئنة، وخلقك قيم، وأنت قيم» (٢) وإنما خلقت تلك العلقة فيه تكملة لخلقه الإنسانى، إذ هى من جملة أجزائه، ثم استخرجت منه بأمر ربانى طرا بعد الدلالة على مزيد الاعتناء به، والمبالغة فى تطهيره من الرذائل والنقائص. وإنما اختلفت تلك الروايات لوقوع الشق مرارا أربعة: عند حليمة، ثم وهو ابن عشر، ثم عند مناجات جبريل له بغار حراء، ثم عند الإسراء، ورواية خامسة لا تثبت، والواقعة فى طفولته من الإرهاص لا المعجزة، لاشتراط مقارنتها للنبوة على الأصح، وحكمة النص فى الآية على شرح الصدر دون القلب: أن الصدر محل الوسوسة، كما فى سورة الناس فإزالتها وإبدالها بدواعى الخير هى الشرح، فهو راجع للمعرفة والطاعة، لأنه لما بعث للأحمر والأسود، من إنسى وجنى، أخرج تعالى من قلبه جميع الهموم، فاتسع لجميع المهمات من غير قلق ولا ضجر. (وأصدق الناس لهجة) بفتحتين أو بفتح فسكون، أى لسانا، أى: كان لسانه أصدق الألسنة، فيتكلم بمخارج الحروف على ما هى عليه، بما لا يقدر عليه أحد، إذ هو أفصح الخلق، وأعذبهم كلاما وأسرعهم أداء، وأحلاهم منطقا، كأن كلامه يأخذ بمجامع القلوب، وقد قال ﷺ : «أنا أفصح العرب، وإن أهل الجنة يتكلموا بلغة محمد ﷺ » (٣) وقال له مرة: يا رسول الله: ما لك أفصحنا، ولم تخرج إلا من بين

стр. 54

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أظهرنا؟ قال: «كانت لغة إسماعيل، قد درست، فجاءنى بها جبريل فحفظتها» (١) رواه أبو نعيم، وحديث: «أنا أفصح من نطق بالضاد» (٢) لا أصل له، لكن معناه صحيح وفى حديث ضعيف عن على أنه قال للنبى ﷺ ، وقد رآه يكلم العرب بلسان ما تفهم أكثره؟ فقال: «إن الله أدبنى فأحسن تأديبى ونشأت فى بنى سعد بن بكر» (٣). (وألينهم عريكة) أى طبيعة فهو مع الناس على غاية من السلامة والمطاوعة وقلة الخلاف والنفور. (وأكرمهم عشرة) فى صحبة ومخالطة، وفى نسخة: «عشيرة» أى قوما من جهة أبيه وأمه، وعند الطبرانى وغيره: «خرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح من لدن آدم، إلى أن ولد فى أبى وأمى، ولم يصبنى من سفاح الجاهلية شىء» (٤) وعند أبى نعيم: «لم يلتق أبواى قط على سفاح، ولم يزل الله ينقلنى من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا لا تتشعب شعبتان، إلا كنت فى خيرتها» (٥). وعند ابن مردويه: أنه ﷺ قرأ: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ بفتح الفاء، وقال: «أنا أنفسكم نسبا وصهرا» (٦) أى حسبا «ليس فى آبائى من لدن آدم سفاح بل نكاح»، وعند

стр. 55

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبى نعيم، والطبرانى عن عائشة عنه ﷺ عن جبريل قال: «قلبت مشارق الأرض ومغاربها، فلم أر رجلا أفضل من محمد، ولم أر بنى أب أفضل من بنى هاشم» (١). قال بعض الحفاظ: لوائح الصحة ظاهرة على صفحات هذا المتن، وعند الطبرانى «إن الله تعالى اختار خلقه، فاختار منهم بنى آدم، فاختار منهم العرب، فلم أزل خيار من خيار الأرض، من أحب العرب، فبحبى أحبهم، ومن أبغض العرب، فببغضى أبغضهم». (من رآه بديهة) أى مفاجأة. (هابه) أى خافه، لما كان يظهر عليه من عظيم الجلالة والمهابة والوقار. (ومن خالطه معرفة) أى لأجل حصول معرفته، فحصلت له. (أحبه) لكمال حسن معاشرته وما هو عظيم تألفه. (ناعته) واصفه. (لم أر قبله ولا بعده مثله) للزوم هذا الوصف له وظهوره عند من له أدنى بصيرة فلما لم يخف، كان كل واصف ملزوما بأن هذا القول يصدر عنه، وإن لم يصدر عنه التصريح به غفلة وذهولا، فأرى هنا علمية أى لم أعلم مماثلا له فى وصف من أوصاف الكمال، كيف وهو سيد النبيين وأشرف المرسلين وخيرة الله من خلقه أجمعين؟ واعلم أنها سواء كانت علمية، أو بصرية مشكلة بما يأتى عن على نفسه، وبقول أبى بكر رضى الله عنه وقد حمل الحسن، وهو يقول: بأبى شبيه النبى ليس شبيها بعلى، وعلى رضى الله عنه يضحك، ويقول أنس: كان-يعنى الحسين رضى الله عنه-أشبههم برسول الله ﷺ من الحسن، وقوله أيضا: لم يكن أحد أشبه بالنبى من الحسن، -روى هذه الثلاثة البخارى (٢)، نعم إن حمل النفى فى كلام علىّ على عموم الشبه، والإثبات فى كلام أبى بكر وأنس على نوع منه، زال الإشكال، ثم ما ذكره أنس فى الحسن والحسين رضى الله عنهما فيه تناف، إلا أن يحمل ما قاله فى الحسن على أن أحدا غيره لم يشبه النبى ﷺ لأنه كان أشد شبها به من الحسين، وما قاله فى الحسين على ما بعد موت الحسن، أو

стр. 56

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إن كان كلا أشد شبها به فى البعض، لرواية المصنف، وابن حبان عن على رضى الله عنه قال: الحسن أشبه ما بين الرأس إلى الصدر، والحسين أشبه ما كان أسفل من ذلك. وقد عدّوا ممن شبهه غيرهما: فاطمة، وإبراهيم ولديه ﷺ وإبراهيم بن الحسن ابن الحسين بن على، ويحيى بن القاسم بن محمد بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين، وكان يقال له الشبيه، قالت النسابة: وكان ليحيى هذا موضع خاتم النبوة شامة قدر بيضة الحمام، شبه خاتم النبوة، وكان إذا دخل الحمام، ورآه الناس حملوا على النبى، وازدحموا عليه يقبّلون ظهره تبركا، وكذا وصف بالشبه: جعفر بن أبى طالب، لما صح عند المصنف أنه ﷺ قال: «أشبهت خلقى وخلقى» (١) وابنه عبد الله، وقثم بن العباس وأبو سفيان بن الحارث ومسلم بن عقيل بن أبى طالب، والقاسم بن عبد الله بن محمد بن عقيل وهؤلاء من بنى هاشم، والسائب بن يزيد المطلبى جد إمامنا الشافعى، وعبد الله بن عامر بن كرز بضم ففتح، وابن ربيعة بصرى، وجّه إليه معاوية، وقبل بين عينيه وأقطعه قطيعة، وكان أنس إذا رآه يبكى، وعلى بن على بن عبادان بن رفاعة الرفاعى بصرى من أتباع التابعين، والمراد به التشبيه فى جميع هؤلاء الشبه فى البعض، وإلا فجملة محاسنه منزهة عن الشريك، كما أفاده الإمام صاحب البردة. وسمعت الأصمعى إلى آخره، مر جميعه قال: الظاهر أنه راجع الأصمعى، واحتمال رجوعه للمصنف، أو شيخه محمد بعيد جدا. (فى كلامه) أى فى أثنائه. (ممغط) ليس هذا من المادة التى الكلام فيها، وهى الممغط فذكره لبيان أن المادتين، تقاربتا لفظا ومعنى. (فى نشابته) أى سهمه. (الرجل) بفتح فسكون، أو كسر وصف صاحب الشعر به مجاز والحقيقة وصف نفس الشعر المذكور به. (حجونة) بمهملة فجيم أصله الاعوجاج. (مجتمع) بضم الميم الأولى وفتح الثانية. (الكاهل) فسره غيره بأنه مقدم الظهر من العنق، والمعنى واحد، النشابة: السهم، والقضيب: السيف، وقيل: العود والحدور ضد الصعود، يتعدى ولا يتعدى، والعشير: يطلق أيضا على الزوج كما فى حديث «ويكفرن العشير».

стр. 57

٧ - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا جميع بن عمير بن عبد الرحمن العجلى إملاء علينا من كتابه قال: أخبرنى رجل من بنى تميم من ولد أبى هالة زوج خديجة، يكنى أبا عبد الله، عن ابن لأبى هالة، عن الحسن بن على رضى الله عنهما قال: سألت خالى هند بن أبى هالة-وكان وصّافا-عن حلية النبى ﷺ ، وأنا أشتهى أن يصف لى شيئا منها أتعلق به، فقال: ــ ٧ - (جميع بن عمير) بالتصغير (١) وثقه ابن حبان (٢) وضعفه غيره، وفى نسخ: عمر وهو تحريف، وما فى الأحاديث الطوال للحافظ أبى موسى المدينى صريح فى أن المحرف جميع بن عمير، لا جميع بن عمر، قال: وهذا الطريق عزيز لأجل رواية الأخ الأكبر الحسن بن على، عن الأصغر الحسين بن على أنه منهم يعرف بجميع، وهو ابن عمر بن عبد الرحمن يكنى: أبا بكر، ويقال: أبو جعفر، كوفى يعرف بهذا الحديث، وبحديث آخر له، وسمى فى التابعين، اسمه جميع بن عمير أكثر حديثا من هذا وأشهر، وقد قيل فى هذا الحديث: عن جميع، عن يزيد بن عمرو عن أبيه، عن الحسن، والأشهر، عن جميع عن يزيد بن عمر بضم العين، عن ابن أبى هالة. انتهى. وفى ترتيب ثقات العجلى لشيخ الإسلام تقى الدين السبكى ما نصه: جميع بن عمر

стр. 58

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العجلى، كوفى لا بأس به يكتب حديثه، وليس بالقوى انتهى. (إملاء) أى إلقاء، وهو مصدر حدثنا من غير لفظه، أو تمييز أو حال أى ممليا (علينا من كتابه) أى لنكتبه، وإيثاره للكتاب لزيادة الاحتياط أو لنسيان بعض المروى (خديجة) أم المؤمنين رضى الله عنها كانت تدعى فى الجاهلية الطاهرة وكانت تحت أبى هالة بن زرارة التيمى فولدت له ذكرين هندا وهالة، ثم تزوجها عتيق بن خالد المخزومى، فولدت له أنثى تسمى هند، ثم تزوجها النبى ﷺ ، وله خمس وعشرون سنة ولها أربعون، ولم ينكح قبلها، ولا عليها حتى ماتت، وهى أول من آمن، قيل: مطلقا وقيل: من النساء، وجميع أولاده منها، إلا إبراهيم، فمن مارية (يكنى: أبا عبد الله) أى ويسمى بيزيد بن عمر، وهذا صفة لرجل، لا لزوج، وهو مجهول، فالحديث فيه علل، (عن الحسن) (١) أبى محمد سبط رسول الله، ولد فى رمضان سنة ثلاث من الهجرة ومات سنة تسع وأربعين، ولما قتل أبوه بالكوفة بايعه بعد الموت أربعون ألفا، ثم سلم الأمر إلى معاوية، تحقيقا لما أخبره به ﷺ عنه بقوله: «إن ابنى هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٢). (وكان) حال من [مفعول] (٣) سأل. (عن حلية) تنازعه سأل ووصافا لتضمنه معنى مخبرا، والحلية: الهيئة والشكل. (وأنا) حال من فاعل سأل (شيئا) تنويه

стр. 59

«كان رسول الله ﷺ فخما مفخّما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذّب، عظيم الهامة، رجل الشّعر، إن انفرقت عقيقته فرقها، وإلاّ فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفّره، أزهر اللون، واسع الجبين، أزجّ الحواجب، سوابغ فى غير قرن، بينهما عرق يدرّه الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمّله أشمّ، كثّ اللّحية، سهل الخدين، ضليع الفم، مفلج الأسنان، دقيق المسربة، كأنّ عنقه جيد دمية فى صفاء الفضّة، معتدل الخلق، بادن متماسك، سواء البطن والصّدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرّد، موصول ما بين اللّبّة والسّرّة بشعر يجرى كالخط، عارى الثّديين والبطن ممّا سوى ذلك، بشعر الذّراعين والمنكبين وأعالى الصّدر، طويل الزّندين، رحب الرّاحة، شثن الكفّين والقدمين، سائل الأطراف-أو قال: شائل الأطراف-خمصان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعا، يخطو تكفيّا ويمشى هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنّما ينحطّ من صبب وإذا التفت التفت معا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السّماء، جلّ نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدر من لقى بالسّلام». ــ للتعظيم، أو للتنكير، أو للتعليل، وهو الأنسب بالسياق. (أتعلق به) أى أعيه وأحفظه. (فخما مفخما) أى عظيما فى نفسه معظّما فى الصدور والعيون عند كل من رآه (يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر) لأنه كان أحسن الناس وجها، وأحسنهم خلقا كما فى الصحيحين عن البراء، وعند المصنف، وغيره عن أبى هريرة. «ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ ، كأن الشمس تجرى فى وجهه» (١) شبه جريانها فى فلكها بجريان الحسن فى وجهه، أو جعل وجهه مقرا، وكأن الشمس يبالغ فى تناهى التشبيه، وفى النهاية «كان إذا سر، فكأن وجهه المرآة، وكأن البدر يرى بشخصه فى وجهه لشدة نوره

стр. 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وصفائه» وأثر ابن هالة ذكر القمر لأنه يتمكن من النظر إليه، ويؤنس من شاهده من غير أذى يتولد عنه، بخلاف الشمس، لأنها تغشى البصر، وتؤذى، وليلة البدر، لأن القمر فيها فى نهاية إضاءته وكماله، ثم تشبيه بعض صفاته بنحو القمر، والشمس إنما جرى على عادة الشعراء والعرب، أو على سبيل التقريب والتمثيل، وإلا فشىء يعادل شيئا من أوصافه إذ هى أعلى وأجل من كل مخلوق. (أطول من المربوع) أى الحقيقى ومر تسمية ربعة مع الجواب عنه (وأقصر من المشذب) بفتح معجمتيه مع تشديد ثانيهما، وهو البائن طولا فى نحافة، فعلم أنه كان بينهما وهو بمعنى ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير المتردد. (عظيم الهامة) أى الرأس والجمع هامات (إن انفرقت عقيقته) بقافين شعر رأسه الشريف وروى عقيصته أى شعره المعقوص، أى انشقت بنفسها من المفرق، فصارت فرقتين. (فرقها) أى أبقاها على انفراقها، وإلا إن لم تنفرق بنفسها، فلا يفرقها بل يتركها معقوصة، وحينئذ فقد تجاوز (شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره) أى جمعه ويصح أن يكون تجاوز من مدخول النفى أى إن انفرق شعره بعدما عقصه فرق أى ترك كل شىء فى منبته، وإلا ينفرق، بل استمر معقوصا، كأن موضعه الذى يجمع فيه حذاء أذنيه: (فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره) وسيأتى للمصنف، وفى مسلم نحوه «أنه ﷺ كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رءوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رءوسهم، وكان يحب موافقة أهل الكتاب، فيما لم يؤمر فيه بشىء، ثم فرق رسول الله ﷺ ، وسدل الشعر: إرساله، والمراد هنا: إرساله على الجبين واتخاذه كالقصة، وأما فرقه فهو فرق بعضه من بعض ويجوز الفرق والسدل لكن الفرق أفضل لأنه الذى رجع إليه ﷺ (أزهر اللون) أى أبيضه بياضا نيرا لأنه مشرب بحمرة وليس بأمهق كما مرّ (واسع الجبين) أى واضحه وهى بمعنى «صلت الجبين» فى رواية، «عظيم الجبهة» فى أخرى، (أزج الحواجب) أى الحاجبين أى مقوسهما، مع كثرة شعرهما وطوله فى ظرف، وامتدادهما ودقتهما مع طول. (سوابغ) أى كاملات. (فى غير قرن) بالتحريك أى اتصال أسنهما، وهذا مخالف لما فى خبر أم معبد وغيرها من: «أنه أزج أقرن» أى: مقرون الحاجبين، قال ابن الأثير: والأول أصح انتهى. وكان بين حاجبيه فرجة دقيقة لا تبين، إلا لمتأمل، فهو غير أقرن فى الواقع، وإن كان أقرن حسب الظاهر عند من لم يتأمله، لأنهما سبغا حتى كاد يلتقيان. (بينهما عرق يدره الغضب) أى يمتلئ الضرع لبنا

стр. 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذا در، أو يحركه الغضب ويظهره (أقنى العرنين) هو أول الأنف حيث يكون فيه شمم، وأوله هو ما تحته، مجتمع الحاجبين، والقنى فى الأنف طوله ودقة أرنبته، مع جدب فى وسطه، وفى رواية: «أقنى الأنف» (١) أى: سائل مرتفع وسطه له أى: العرنين، إذ هو الأقرب والأنسب بالسياق، أو للنبى ﷺ ، لأنه الأصل. (ويعلوه نور يحسبه من) ينظر إليه. (لم يتأمله أشم) أى مرتفع قصبة الأنف، مع استواء أعلاها، لعلو نور العينين، وهو فى الحقيقة غير أشم، وإنما موجب ظن كونه أشم، عدم التأمل. (كث اللحية) بفتح الكاف أى غير دقيقها ولا طويلها. (سهل الخدين) أى سائلهما من غير ارتفاع فى وجنتيه، وذلك أحلى عند العرب كما مر، وروى البزار والبيهقى: «كان أسيل الخدين» (٢)، وهو بمعنى ما تقرر. (ضليع الفم) رواه مسلم عن جابر أيضا أى: واسعه، ولسعته كان يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، والعرب تمتدح به، وتذم بصغر الفم، وقال شمر: عظيم الأسنان وقيل: شدتها وتمامها، وقال الجوهرى: الضلع والضلاعة: القوة، وذلك دليل على الفصاحة. (مفلج الأسنان) أشنب، وشنبها: رونقها وماؤها، وقيل: رقتها، وتحريزها، وفلجها: تفريقها، وقيل: تفريق الثنايا. والرباعيات، وفى رواية لابن سعد: «مبلج الثنايا بالموحدة»، وفى أخرى لابن عساكر: «براق الثنايا»، وسيأتى «كان أفلج الثنيتين، إذا تكلم رؤى كالنور يخرج من بين ثناياه». أخرج أحمد وغيره: «أنه ﷺ شرب من دلو فصب فى بئر ففاح منه مثل رائحة المسك» (٣)، وأبو نعيم «أنه بزق فى بئر بدار أنس فلم يكن بالمدينة بئر أعذب منها»، وللبيهقى: «أنه كان يوم عاشوراء يتفل فى أفواه رضعائه» ورضعائه: ابنته فاطمة، ويقول: «لا ترضعوهم إلى الليل، فكان ريقه يجزئهم» (٤)، والطبرانى: «أن نسوة مضعن

стр. 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قديدة مضغها فصمن، فلم يوجد لأفواههن خلوف، وأنه مسح بيده، وبها ريقه ظهر عتبة وبطنه، فلم يشم أطيب منه رائحة»، وابن عساكر: «أن الحسن اشتد ظماؤه، فأعطى لسانه فمصه حتى روى، وبصق يوم حنين بعينى على، وهما رمد فبرئ» (دقيق المسربة) بضم الراء، وصفها بالدقة للمبالغة، إذ هى الشعر الدقيق، وأما بفتحها، فواحدة المسارب وهى المراعى (كأن عنقه جيد دمية) أى صورة مصورة من عاج وقوة فشبه العنق بجيدها من حيث الهيئة والشكل، إذا مصورها يبالغ فى تحسينها ما أمكنه، ولما كان هذا التشبيه يوهم أنه تشبيه لبياضها أيضا، دفع ذلك بقوله: (فى صفاء الفضة) فعنقه ﷺ بلغ الغاية القصوى من حيث الهيئة والشكل ومن حيث اللون، إذ غاية ما يشار لتلك الأنوار الساطعة من لونه بصفاء الفضة (معتدل الخلق) فى جميع أوصافها لأن الله معه حماه خلقا وشريعة، وأحدّ من غائلتى الإفراط والتفريط، وقد مرّ نحو ذلك فى نحو لونه وقدمه وشعره، ما يوضح ذلك. (بادن) ضخم البدن لا مطلقا، بل بالنسبة لما مرّ من كونه: «شثن الكفين، والذراعين، جليل المشاش، والكتد»، ولما كان إطلاق البادن يوهم الإفراط فى السمن المستدعى لرخاوة البدن، وعدم استمساكه، وهو مذموم اتفاقا، استدرك، ونفى ذلك بقوله: (متماسك) أى يمسك بعضه بعضا، لما اشتمل عليه من الاعتدال للقام، وبلوغ الغاية فى تناسب الأعضاء والتركيب ﷺ . (سواء البطن والصدر) كناية عن أنه خميص الحشى، أى ضامر البطن وهى أعنى الكناية عند البيانيين، الانتقال من الملزوم إلى اللازم مع جواز إرادة الملزوم، وبهذا الأخير، فارقت المجاز، إذ فيه لا يجوز إرادة الحقيقة معه، إلا عند الفقهاء كالشافعى، ومن تبعه (أنور المتجرّد) بفتح الراء ما زال عنه الثياب إذ الأنور المشرق، والمتجرد الذى نزع ما كان عليه، تقول العرب: فلان حسن المجردة والمجرد، والمتجرد، والعرية، والعرى، والكل بمعنى واحد. (اللبة) النقرة التى فوق الصدر. (والسرة بشعر) متعلق بموصول. (مما سوى ذلك) الخط أى ليس فى ثدييه وبطنه شعر، وما تحت إبطيه لا شعر فيه أيضا، على ما زعمه القرطبى، وقد ردّه شيخ الإسلام: أبو زرعة بأن ذلك لم يثبت بوجه من الوجوه، والخصائص لا تثبت بالاحتمال، ولا يلزم من ذكر أنس وغيره:

стр. 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بياض إبطيه أن لا يكون له شعر، فإنه إذا نتفت بقى المكان أبيض، وإن بقى فيه أثر، وحسن الترمذى خبر: «كنت أنظر إلى عفرة إبطيه إذا سجد» والعفرة بياض ليس بالناصع، لما قال الهروى وغيره (١)، ولكن كلون عفرة الأرض وهو وجهها، فأثر الشعر هو الذى جعل المكان أعفرا فلو خلى عنه جملة لم يكن أعفرا، نعم الذى نعتقده، أنه لم يكن لإبطه رائحة كريهة، بل كان نظيفا طيب الرائحة، كما ثبت فى الصحيح. (بشعر الذراعين والمنكبين) وأعلى: أى أن شعر هذه الثلاثة غزير وكثير. (طويل الزندين) أى عظيم الذراعين إذ الزند موصل عظم الذراع فى الكف، وهما زندان الكوع والكرسوع. (رحب الراحة) واسع الكف حسا ومعنى. (سائل الأطراف) بالمهملة ممتدها وهى الأصابع امتدادا معتدلا بين الإفراط والتفريط. (أو) للشك. (شائل الأطراف) أى مرتفعها، وهو يؤل لما قبله من شالت الميزان إذا ارتفعت إحدى كفتيه. (خمصان الأخمصين) قال ابن الأثير: الأخمص من القدم الموضع الذى لا يلتصق بالأرض منها عند الوطئ، والخمصان: البالغ منه أى أن ذلك الموضع من أسفل قدميه شديد التجافى عن الأرض وقال ابن الأعرابى: إذا كان خمص الأخمص بقدر لم يرتفع جدا، ولم يستو أسفل القدم جدا، فهو أحسن ما يكون، وإذا استوى، أو ارتفع جدا فهو مذموم، والمعنى على هذا الأنسب بأوصافه، إذ هى فى غاية الاعتدال أن أخمصه معتدل الخمص، بخلاف الأول، ووقع فى حديث أبى هريرة: «إذا وطئ بقدمه، وطئ بكلها، ليس له أخمص» (٢) أى: غير معتدل لا ينافى الأنسب المذكور. (مسيح القدمين) أى أملسهما لينهما، فليس فيهما تكسر، ولا تشقق، فمن ثم كان (ينبو عنهما الماء) أى يرتفع ويسيل سريعا لملاسهما ولينهما، ومر «أنه كان غليظ أصابعهما»، وروى أحمد وغيره: «أن سبابتهما كانتا أطول من بقية أصابعهما»، وللبيهقى: «كانت خنصره من رجله متظاهرة» قال بعض الحفاظ: وما اشتهر من إطلاق أن سبابته كانت أطول من وسطاه غلط، وإنما ذلك خاص بأصابع رجليه. (قلعا) بالفتح مصدر بمعنى الفاعل أى: قالعا لرجله من الأرض، وبالضم إما مصدر أو اسم بمعنى الفتح، أو بفتح فكسر، وهو

стр. 64

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بمعنى رواية: «كأنما ينحط من صبب» إذ الانحدار من الصبب، والتقلع من الأرض متقاربان، والمعنى أنه كان يستعمل التثبت، ولا يتبين منه حينئذ استعجال، أو مبادرة شديدة. (يخطو تكفيا) بالياء والهمزة، أى: مائلا إلى سنن المشى. (ويمشى هونا) نعت لمصدر محذوف أى: مشيا هونا، أو حال أى: هينا فى تؤدة وسكينة، وحسن سمت ووقار وحلم، لا يضرب بقدمه، ولا يخفق بنعله، أشرا وبطرا، ومن ثم قال ابن عباس فى قوله: وَعِبادُ اَلرَّحْمنِ اَلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى اَلْأَرْضِ هَوْناً (١) بالطاعة والعفاف والتواضع (٢)، وقال الحسن: إن يجهل عليهم لم يجهلوا (٣). قال بعض المفسرين: وذهبت طائفة: إلى أن هونا، مرتبط بقوله تعالى: عَلَى اَلْأَرْضِ بمعنى أن المشى هو الهون، يشبه أن يتناول هذا على أن يكون أخلاق ذلك الماشى هونا مناسبة لمشيه فيرجع الأمر إلى نحو ما مر، فالثناء عليهم ليس من حيث صفة المشى فقط إذ ربّ ماش هونا رويدا وهو ذئب أطلس (٤)، وقال الزهرى: سرعة المشى تذهب بهاء الوجه، يريد الإسراع الخفيفة، لأنه أقل بالوقار، والخير فى الأمر الوسط، وسرعة مشيه ﷺ كما فى قوله هنا (ذريع المشية) أى واسع الخطوة وكانت برفق وتثبت دون عجلة وهوج، وإسراع عمر رضى الله عنه جبلة لا تكلف وقوله: (وإذا التفت. . .) إلخ، أراد أنه لا يسارق النظر، وقيل: لا يلوى عنقه يمنة ولا يسرة، إذا نظر إلى الشىء، وإنما يفعل ذلك الطائش الخفيف ولكن كان يقبل جميعا، ويدبر جميعا، لما أن ذلك أليق بجلالته ومهابته، وخفض طرفيه، لكثرة تناقله، وتفكره فى صالح أمته، وفى أمور الآخرة والرسالة وكثرة نظره إلى الأرض لكثرة حيائه وتأدبه مع ربه. (جل نظره) أى أكثره. (٥) (الملاحظة) مفاعلة من اللحظ، وهو النظر بشق العين الذى يلى الصدغ وأما الذى ينظر فى جملة الأنف، فالموق والماق. (يسوق أصحابه) أى يمشون بين يديه، وهو خلفهم، ويقول: «خلوا ظهرى للملائكة». (ويبدر) أى يبادر، وفى نسخة: «ويبدأ». (من لقى)

стр. 65

٨ - حدثنا أبو موسى محمد بن المثنّى، وحدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سمّاك بن حرب، قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: «كان رسول الله ﷺ أشكل العين، منهوس العقب». قال شعبة: قلت لسماك: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم. قلت: ما أشكل العينين؟ قال: طويل شق العين. قلت: ما منهوس العقب؟ قال: قليل لحم العقب. ــ من أمته. (بالسلام) لمزيد كرم أخلاقه، وعلى تواضعه، وفى أفعاله هذه من تعليم الأمة، وحملهم على محاسن الأخلاق، ومن كيفية المشى، والالتفات والنظر إلى الناس، وخفض الطرف، وسوق الأصحاب، والمبادرة بالسلام، ما لا يخفى على الموفقين لفهم أسرار أحواله العادية وغيرها، نسأل الله أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه. ٨ - (قلت: ما أشكل العينين؟ قال: طويل شق العين) اعترضه القاضى عياض وغيره: بأن هذا وهم، وغلط ظاهر، بل الصواب أن الشكلة: الحمرة تكون فى بياض العين، وهذا محمود محبوب، وللبيهقى عن على رضى الله عنه: «كان ﷺ عظيم العينين، أهدب الأشفار، مشرب العين بحمرة» (١)، وأما الشهلة: فإنها حمرة فى سوادها، لا طول شق العين خلافا لمن وهم فيه. تنبيه: روى البخارى والبيهقى: «أنه ﷺ كان يرى بالليل فى الظلمة، كما يرى بالنهار فى الضوء» (٢)، وروى الشيخان: «ما يخفى علىّ ركوعكم وسجودكم، إنى لأراكم من وراء ظهرى» (٣) وهذا من جملة خوارق العادات له، إذ الرؤية فى حق المخلوقات تتوقف

стр. 66

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [اتفاقا] (١) على حاسة ومقابلة وشعاع، ولكن خالق البصر فى العين، قادر على خلقه فى غيرها، وكما أنه أطلق باطنا على ما بين يديه وما خلفه من علوم الأولين والآخرين، التى بين مدركات القلوب، كذلك خلق الله ظاهرا على ما أمامه وما خلفه من مدركات العيون، وقيل: كان له بين كتفيه عينان كسم الخياط يبصر بهما ولا يحجبهما الثياب، وقيل: كانت صورهم تنطبع فى قبلته، فكانت له كالمرآة بواسطة ما يقع عليها فى نور وجهه الشريف، وردّ: بأنه لم يصح فى ذلك شىء، ولا مجال للرأى فيه، فالأولى حمله على الإدراك من غير آلة معجزة له ﷺ وقيل: المراد بالرؤية: العلم بوحى وإلهام، ورد: بنحو ما تقدم، ولا ينافى ذلك خبر: «إنى لا أعلم ما وراء جدارى» إن قلنا: إن له أصلا، وهو ما أشعر به كلام شيخ الإسلام فى تخريج أحاديث العراقى، لكنه صرح فى غيره أنه لا أصل له، أى وإن ذكره ابن الجوزى، لأنه لم يذكر له سندا، وذلك لأنه فى غير الصلاة وما مر فيهما على أنهما لم يتواردا على محل واحد، بناء على ما مرّ من أنه يدرك ما وراء ظهره ببصره معجزة له، لأن نفى العلم هنا عن المغيبات، وذلك مشاهدة ولا ينافى إخباره بكثير من المغيبات، ووقعت كما أخبر لأن نفى العلم هنا ورد على أصل الوضع، وهو أن علم الغيب مختص بالله، وما وقع فيه للنبى فبوحى، أو إلهام، ولما ضلت ناقته، طعن بعض المنافقين فى نبوته، فقال: «إنى لا أعلم، إلا ما علمنى ربى، وقد دلنى ربى عليها، وهى فى موضع كذا، حبستها شجرة بخطامها» فوجدت كما أخبر، فاتضح أنه لا يعلم ما وراء جداره، ولا غيره إلا بوحى، أو إلهام، وعند السهيلى: «أنه كان يرى فى الثريا اثنى عشر نجما» وفى الشفاء: «أحد عشر نجما»، وكما أن بصره جاوز العادة ظاهرا وباطنا كما تقرر، كذلك سمعه، فقد روى المصنف: «إنى أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط»، وفى رواية: هى نعيم تسمعون ما أسمع؟» قالوا: ما نسمع من شىء، قال: «إنى لأسمع أطيط السماء». (منهوس العقب) بالمهملة عند الجمهور ويروى بالمعجمة وهو بمعنى ما ذكره سماك.

стр. 67

٩ - حدثنا هناد بن السّرىّ، حدثنا عبثر بن القاسم، عن أشعث-يعنى: ابن سوار-عن أبى إسحاق، عن جابر بن سمرة، قال: «رأيت رسول الله ﷺ فى ليلة إضحيان، وعليه حلّة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو عندى أحسن من القمر». ١٠ - حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرّؤاسىّ، زهير، عن أبى إسحاق، قال: سأل رجل البراء بن عازب: «أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السّيف؟ قال: لا، بل مثل القمر». ــ ٩ - (ابن سوار) بوزن غفار روى له مسلم وغيره (عن جابر) الحديث الصحيح عنه، وعن البراء كما قاله البخارى، وبه يرد قول النسائى إسناده لجابر خطأ. (ليلة إضحيان) بكسر الهمزة، وبالضاد المعجمة والألف والنون زائدتان، وهو صفة لليلة، وتركت التاء منه، لأنه من خواص أوصاف المؤنث، فكان كحائض، يجوز فيه تركها، وكذا إثباتها، لكن على قلة شك، ولا تجوز فيه الإضافة، لأنه صفة للقمر، أى ليلة قمر ضاح، وعلى كل فالمراد: ليلة ضاحية مضيئة لا غيم فيها ولا ظلمة، لأنها مقمرة من أولها إلى آخرها، (وعليه حلة حمراء) بيان لما وجب التأمل فيه لظهور مزيد حسنه ﷺ . (عندى) لبيان الواقع لا للتخصيص والاحتراز عن غيره فإن ذلك عند كل أحد قبله كذلك. ١٠ - (الرؤاسى) بضم وبالهمزة والسين المهملة، نسبة إلى جده. (لا بل مثل القمر)

стр. 68

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ زاد مسلم: «لا بل مثل الشمس والقمر، وكان مستديرا» وأفاد بهذا الأخير أنه جمع الصفتين الاثنتين، لأن قول السائل: «مثل السيف» حتى أنه أراد به الطول واللمعان، فرده المسئول ردا بليغا وجمع الكوكبين، لأن الأول يراد به غالبا التشبيه فى الإشراق والإضاءة، والثانى يراد به التشبيه فى الملاحة والحسن، فبين أن وجهه ﷺ جمع هذين المضيئين مع ما فيه من نوع استدارة وطول كما مر تقريره، مع بيان الحامل على السؤال. وأخرج البخارى عن كعب بن مالك «كان ﷺ إذا سر، استنار وجهه، كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف منه» (١) أى الموضع الذى يتبين فيه السرور، وهو جبينه، وقالت عائشة: «إذا كان مسرورا تبرق أسارير وجهه» (٢) ولذلك قال: «قطعة قمر»، وللطبرانى: «التفت إلينا رسول ﷺ بوجهه مثل شقة القمر» (٣)، وهذا محمول على صفته عند الالتفات. وبما تقرر يعلم أن وجه اقتصار كعب فى الرواية الأولى على: «قطعة قمر» مع كونه من شعراء الصحابة وحكمائهم؛ أنه إنما أراد تشبيه قطعة من وجهه، وهى جبينه إذا سرّ حينئذ لا يسعه أن يشبه هذه القطعة بالقمر جميعه، لأن فى رواية عنه شبه الوجه جميعه «بدارة القمر» فلزمه تشبيه بعضه ببعضه، وهذا الذى ذكرته ظاهر يندفع به ما قيل سبب الاقتصار على القطعة؛ الاحتراز عما فى القمر من السواد، لأن وجه التشبيه بالقمر من الإضاءة والملاحة لا يخفى على أحد، ولا يتوهم من التشبه به خلافه، ولا يحتاج للاحتراز عنه.

стр. 69

١١ - حدثنا أبو داود المصاحفى: سليمان بن سلم، حدثنا النضر بن شميل، عن صالح بن أبى الأخضر، عن ابن شهاب، عن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: «كان رسول الله ﷺ أبيض، كأنّما صيغ من فضّة، رجل الشّعر». ١٢ - حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: أخبرنى الليث بن سعد، عن أبى الزبير، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: «عرض علىّ الأنبياء، فإذا موسى ﵇ ضرب من الرّجال كأنّه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم ﵇ فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم ﵇ فإذا أقرب من رأيت به شبها بصاحبكم-يعنى نفسه-ورأيت جبريل ﵇ فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية». ــ ١١ - (المصافحى) بفتح الميم. (سلم) بفتح فسكون. (شميل) بضم المعجمة ففتح. (كأنما صيغ من فضة) باعتبار ما كان يعلو بياضه من النور والإضاءة فلا ينافى قوله: «كان مشربا بالحمرة» المعبر عنه فى رواية «بالسمرة». تنبيه: سيأتى فى باب قراءة النبى: «ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجها وأحسنهم صوتا» وهو صريح فى أنه كان أحسن وجها من يوسف، وسيأتى لذلك مزيد. ١٢ - ثم (عرض علىّ الأنبياء) أى فى النوم، أو فى ليلة المعراج، لأنه رآهم ليلته، واجتمع بهم حقيقة، قيل على الأول: لا إشكال فى رؤيتهم بهذه الصورة، وعلى

стр. 70

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثانى: يجوز أنهم مثلوا بهيئاتهم التى كانوا عليها فى حياتهم وأن تكون هذه الرؤية من المعجزات، وهم متمثلون فى السماوات بهذه الصورة انتهى، ولا وجه لهذه الرؤية، بل الصواب أن رؤيتهم إن كانت نوما، فقد مثل له صورهم فى حال حياتهم، أو يقظة، فقد رآهم على صورهم الحقيقية التى كانوا عليها فى حياتهم، ويأتى بما يوضح ذلك. (فإذا موسى) قيل: معطوف على عرض بحسب المعنى لما فيه من معنى المفاجأة. (ضرب) بفتح فسكون. (من الرجال) أى خفيف اللحم. (من رجال شنوءة) فقوله: «وهم المتوسطون بين الخفة والسمن» وشبهه بفرد من متعددين دون فرد معين بخلاف من بعده، إشارة إلى تميزه عليهما-يعنى: عيسى وإبراهيم-بكثرة أمته وأتباعه، ومنهم عيسى بناء على أن شرعه مخصص لشرع موسى، لا ناسخ له، أخذا من قوله تعالى حكاية عنه: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ اَلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ (١): أى فى التوراة، والجواب: بأنه إنما شبهه بغير معين لعدم تشخصه وتعينه فى المرة غير صحيح، لأن المفترض أنه عرض عليه يقظة، أو مناما، ورؤيا الأنبياء وحى فكيف مع ذلك؟ ومع كونه وصفه بأنه ضرب يتوهم من له أدنى ذوق أنه لم يتشخص فى خاطره، وعلى أن الذى فى البخارى عن أبى هريرة: «ليلة أسرى بى رأيت موسى، فإذا رجل ضرب كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى، فإذا هو رجل ربعة أحمر، كأنما خرج من ديماس حمام، وأنا أشبه ولد إبراهيم به» (٢). . الحديث وفيه عن ابن عباس: «لا ينبغى لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» (٣) ونسبته إلى أبيه، وذكر النبى ﷺ ليلة أسرى به، فقال: «موسى آدم طوال كأنه من رجال شنوءة وقال: عيسى جعد مربوع» (٤)، وفى رواية له أيضا: «أرانى الليلة عند الكعبة فى المنام، فإذا رجل آدم كأحسن ما يرى من الرجال تضرب لمته بين

стр. 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منكبيه رجل الشعر يقطر رأسه ماء واضعا يديه على منكبى رجلين، وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا المسيح ابن مريم» (١) وفى رواية له أيضا عن ابن عمر، قالوا: وصوابه عن ابن عباس: «رأيت عيسى، وموسى وإبراهيم، فأما عيسى: فأحمر جعد عريض الصدر مضطرب، وأما موسى: فآدم جسيم سبط، كأنه من رجال الزّطّ» (٢) أى وهم جنس من السودان طوال الأجساد فى نحافة، والمضطرب: الطويل غير الشديد، وقيل: النحيف الجسم، وفسر عياض الجسيم بالزيادة فى الطول، ليوافق قوله فى الرواية الأخرى: «ضرب» أى نحيف، والآدم: الجعد الأسمر، كما مر، واستشكل برواية «أحمر» وأجيب: بأن السمرة لونه الأصلى، والحمرة لعارض تعب ونحوه (٣) (شبها) تمييز النسبة المبهمة (فإذا أقرب) وما أضيف إليه أو حال. (عروة) (٤) خبر وهذا أليق من عكسه، وزعم أن هذا أخو عبد الله بن مسعود غلط، لأن هذا هذلى، وذلك ثقفى، وكان إسلامه سنة تسع قتله ثقفى آخر وهو يصلى. (ورأيت جبريل) من باب عطف قصة على قصة، وما قيل: أن الأصح أنه من باب التغليب والمجانسة، فغير صحيح، لأن هذا عامل مستقل غير رأيت الأول، فلا توافق، وإنما غايته أنه ذكره فى سياق الأنبياء مع أنه غير نبى، لاختصاص النبوة والرسالة بالبشر، لأنه صاحب سر الوحى الذى تنشأ عنه النبوة، والجواب بأن. (ورأيت) عطف على عرض علىّ، تكلف يأباه سياق الكلام، بأن المراد من الأنبياء الرسل غير صحيح، لما تقرر أن الرسول حيث أطلق، إنما يختص ببشر من بنى آدم، أوحى إليه بالتبليغ يعنى نفسه الظاهر من السياق،

стр. 72

١٣ - حدثنا سفيان بن وكيع، ومحمد بن بشار-المعنى واحد-قالا: أخبر يزيد ابن هارون، عن سعيد الجريرى، قال: سمعت أبا الطّفيل، يقول: «رأيت النّبىّ ﷺ وما بقى على وجه الأرض أحد رآه غيرى. قلت: صفه قال: كان أبيض، مليحا مقصّدا». ــ والمعنى أنه من قول جابر، ويجوز كونه كلام من بعده تكلف غير محتاج إليه. (دحية) (١) بفتح الدال وكسرها، الكلبى الصحابى المشهور الذى كان جبريل يأتى النبى ﷺ فى أكثر الأوقات على صفته؛ لأنه كان على غاية من الجمال، بحيث إنه كان إذا دخل بلدا يبرز لرؤيته حتى العواتق من خدورهن، وعلم من الحديث: جواز تشبيه الأنبياء والملائكة بغيرهم، ووجه متابعته للترجمة: دلالة على أن نبينا كان أشبه الناس بأبيه إبراهيم، ومن ثمة أمر باتباعه فى أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً (٢) أى لتقدمه ظهورا فى هذا الوجود ولدعائه بوجود محمد ﷺ وإلا فهو أفضل وأجل من إبراهيم وسائر الأنبياء والمرسلين، لما أن أخذ الله الميثاق عليهم بالإيمان به ونصرته كما أخبر عن ذلك بقوله: وَإِذْ أَخَذَ اَللهُ مِيثاقَ اَلنَّبِيِّينَ لَماآتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ. . (٣) الآية، قيل: موسى مشبه صورة، والثلاثة بعده مشبهون معنى. انتهى. وفيه تطويل الوجه أن الكلّ مشبهون صورة. ١٣ - (الجريرى) بالجيم والراء المكررة. (أبا الطفيل) (٤) عامر بن واثلة الليثى أدرك من

стр. 73

١٤ - حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامى، ثنا عبد العزيز بن [أبى] (١) ثابت الزهرى، حدثنى إسماعيل بن إبراهيم ابن أخى موسى ابن عقبة، عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، قال: «كان رسول الله ﷺ أفلج الثّنيّتين، إذا تكلّم رئى كالنّور، يخرج من بين ثناياه». ــ حياته ﷺ ثمان سنين، وتأخر وفاته إلى سنة مائة واثنين، ولم يبق على وجه الأرض صحابى غيره وزعم أن معمر المغربى وزين الهندى صحابيان عاشا بعده إلى قرب القرن السابع ليس بصحيح خلافا لمن انتصر له وأطال بما لا يجدى (وما بقى) عطف على رأيت لا حال لفساد المعنى كما هو ظاهر. (غيرى) أى فهو الآتى بأن يقال لانحصار الأثر فيه. (أبيض مليحا) كما مرّ: «أنه كان أزهر اللون مشربا بحمرة»، وهذا غاية فى الملاحة والحسن. (مقصدا) بفتح الصاد المشددة أى: أن جميع صفاته الجليلة، كانت على غاية من الأمر الوسط، كما مر ذلك فى لون شعره وخدّه وغيرهما، كما أن شريعته وسط بين الشرائع، وأمته وسط بين الأمم، فحفظ ﷺ فى ذلك كله من محذورى الإفراط والتفريط. ١٤ - (الحزامى) بالحاء المهملة المكسورة وبالزاى. (ابن أخى) قيل: نعت لإسماعيل بدليل كتابته بالألف. (أفلج الثنيتين) من الفلج بالتحريك وهو فرجة ما بين الثنايا والرباعيات، والفرق: فرجة بين الثنايا فأريد بالفلج هنا الفرق بقرينة بنسبته إلى الثنايا والرباعيات فقط ذكره فى النهاية «إذا» هى وما دخلت عليه خبر ثان لكان. (رئى كالنور) الكاف اسم بمعنى مثل ويحتمل أنها زائدة للتفخيم، نحو مثلك لما يبخل، وأنه

стр. 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كان يرد منه نور يخرج. (من بين ثناياه) إذا تكلم لما مرّ أنه كان براق الثنايا فزيادة ذلك البرق المدلول عليه بصيغة المبالغة هى ذلك النور، كأن يرى عند كلامه ويحتمل أن يراد بذلك حقيقته من مشاهدة نور [حسى] (١) يخرج من فيه إذا تكلم معجزة له ثم هذا الحديث، وإن كان فى سنده الذى ذكره المصنف هنا مقال، إلا أن غيره خرجه كالدارمى والطبرانى. ...

стр. 75

٢ - باب: ما جاء فى خاتم النبوة ١٥ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن الجعد بن عبد الرحمن، قال: سمعت السائب بن يزيد، يقول: «ذهبت بى خالتى إلى النّبىّ ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنّ ابن أختى وجع. فمسح ﷺ رأسى، ودعا لى بالبركة، وتوضّأ فشربت من وضوئه، وقمت خلف ظهره، فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه، فإذا هو مثل زرّ الحجلة». ــ (باب ما جاء فى) شأن وقدر ولون. (خاتم النبوة) بفتح التاء وكسرها كما مر، والمراد به هنا: الأثر الحاصل له بين كتفيه، لمشابهة الخاتم الذى يختم به، وهو الطابع، وإضافته للنبوة لدلالته عليها، قيل: أو لكونه ختما عليها يختمها وما فيها أو ختم عليها لإتمامها كما تتم الأشياء ثم يختم عليه وقيل: إنه من قبيل خاتم فضة كأنه ذلك الخاتم أيضا من نبوته. انتهى. وفى ذلك كله تكلف لا يخفى. ١٥ - (حاتم) كقاسم. (الجعد) بفتح الجيم وسكون المهملة وبدال مهملة. (وجع) فى لحم القدم لكن مقتضى مسحه ﷺ لرأسه أن مرضه كان برأسه، وقد يجاب: بأنه لا مانع أن يكون به المرضان، وآثر ﷺ مسح الرأس لأنه أشرف (رأسى) ورد عند البيهقى وغيره: «أن أثر مسحه من رأس السائب لم يزل أسود مع شيب ما سواه من رأسه» (١)، وفيه: أنه ينبغى لعائد المريض مسح محل الوجع منه، إذا كان ممن يتبرك بمسحه. (ودعا لى بالبركة) أى فى العمر برعاية المقام أو فى غيره معه أو وحده. (وضوئه) بفتح الواو وهو من حيث هو ما اتخذ للوضوء بالضم، أو ما فضل منه، أو ما استعمل فيه. (وقمت خلف ظهره) أى تحريا لرؤية الخاتم، أو اتفاقا، فوقع نظره عليه. (فنظرت إلى الخاتم) لانكشاف محله أو لكشفه ﷺ له ليراه. (بين كتفيه) حال من الخاتم أو ظرف لنظرت. قال القاضى: وهو أثر شق الملكين بين الكتفين، واعترضه النووى بأن ما قاله
следующие страницы →