← Сира

Сира · id 122255

أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (602 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الثورى-عن عاصم بن عبيد الله، عن القاسم بن محمد، عن عائشة: «أنّ رسول الله ﷺ قبّل عثمان بن مظعون وهو ميّت، وهو يبكى-أو قال: وعيناه تهراقان». ٣١٢ - حدثنا إسحاق بن منصور، أنبأنا أبو عامر، حدثنا فليح-وهو ابن سليمان، عن هلال بن على، عن أنس بن مالك، قال: «شهدنا ابنة لرسول الله ﷺ ، ورسول الله جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان. فقال: أفيكم رجل لم يقارف اللّيلة؟ قال أبو طلحة: أنا. قال: انزل. فنزل فى قبرها». ــ منهم وفيه ندب تقبيل الميت الصالح. (وهو) أى والحال أنه ﷺ . (يبكى-أو) شك. (تهرقان) بفتح الهاء ويجوز إسكانها يصبان دموعهما وجاء فى رواية الجزم بالياء فى أولها: «سالت على وجه عثمان» ولا ينافى هذا ونحوه قول عائشة: «ما بكى ﷺ على ميت قط حزنا وإنما غاية أن يمسك لحيته»، لأن مرادها ما بكى على ميت أسفا عليه، بل رحمة له كما مر فى «لست أبكى» إنما هى رحمة وخرج قولها بكى بكاء الخوف والتضرع، فإنها لم تنفه لوقوعه منه كثيرا. ٣١٢ - (ابنة لرسول الله ﷺ هى أم كلثوم رضى الله عنها ومن روى نحو ذلك فى رقية رضى الله عنها فقد وهم، فإنها توفيت ودفنت وهو ﷺ فى غزوة بدر. (لم يقارف) بقاف ثم فاء قال ابن المبارك: أراه يعنى الذنب، ورد بأنه لا وجه ح لتخصيصه بالليلة، وصوب الطحاوى: أنه تصحيف وأنه لم يقارف أى: ينازع غيره فى الكلام، لأنهم كانوا يكرهون الكلام بعد العشاء وقيل: لم يجامع، لأن المقارفة من كنايات الجماع، إذ أصلها الدنو واللصوق، وعثمان زوجها إنما منع من النزول معها، لأنه باشر تلك الليلة أمة له، فلم يعجب ذلك النبى ﷺ لاشتغاله بها عن زوجته المريضة المحتضرة، فأراد أن لا ينزل فى قبرها معاتبة عليه، وكنى عن هذا السبب فى المنع بقوله

стр. 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لم يقارف وهو ظاهر إن صح ذلك، وإلا فالحكمة فى امتناع المجامع ضعفه عن إلحادها، والمطلوب فى الملحّد أن يكون قويا، أو قرب عهده بالنساء، فربما يتذكرهن بمخالطة بعضهن فيذهل عما يطلب من ملحّد الميت. (أبو طلحة) هو زيد بن سهل الأنصارى الخزرجى النجارى، شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وقال فى حقه: «لصوت أبى طلحة فى الجيش خير من مائة رجل»، وقتل يوم حنين عشرين رجلا وأخذ سلبهم. (قال: أنزل) فيه جواز نزول الأجنبى الصالح قبر المرأة بإذن وليها وح فلا إشكال فيه، ولا يحتاج لجواب الخطابى: بأنها بنت له صغيرة غير رقية وأم كلثوم ولا لجواب غيره: بأنه لم ينزل ليقبرها، بل ليعين غيره، بل لكل من هذين غير صحيح، إذ لم يثبت له ﷺ ابنة طفلة كذلك، والذين أعانهم ليسوا من محارمها فيأتى فيهم ذلك الإشكال أيضا، ورواية المصنف هذه رواه البخارى أيضا فى رواية: «أن الذى نزل فى قبرها على، والفضل، وأسامة رضى الله عنهم» فإن صحت، فلا مانع من نزول الأربعة، وغسلتها: أسماء بنت عميس وصفية بنت عبد المطلب، وحضرت أم عطية غسلها، وروت قوله ﷺ : «اغسلنها ثلاثا أو خمسا» (١) الحديث وفيه: «أنه ألقى إليهن حقوه» (٢) أى: إزاره وأمرهن أن يجعلنه شعارها الذى يلى جسدها، وهذه كرقية رضى الله عنهما. «كانتا تحت ابنى أبى لهب فأمرهما بفراقهما قبل أن يدخلا بهما ففعلا»، زاد عتبة أحدهما شق قميص النبى ﷺ وهو خارج تاجرا للشام، فدعى الله أن يسلط عليه كلبا فخرج فى نفر من قريش، فلما كانوا بالزرقاء طاف بهم الأسد ليلا فخرج عتبة

стр. 458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقول: يا ويل أمى، والله كلبى كما دعى علىّ محمد، فعدى عليه الأسد من بين القوم، وأخذ برأسه فولى» وفى رواية: «فجعل يتشمم وجوههم، ثم لفّ ذنبه فضربه ضربة واحدة فخدشه فقتله فمات (١)»، وفى رواية عند الدولابى: «أنه أقبل يتخطاهم حتى أخذ برأسه»، وتزوج عثمان رقية بمكة قبل الإسلام، وقيل: بعده وهاجر بها الهجرتين وكانت ذا جمال بارع رضى الله عنها وأخرج الدولابى: «أنه ﷺ لما عزى بها قال: الحمد لله ومن للبنات من المكرمات، ثم زوج ﷺ عثمان أم كلثوم، وقال له: والذى نفسى بيده لو أن عندى مائة بنت من واحدة بعد واحدة لزوجتك واحدة بعد أخرى، هذا جبريل أخبرنى أن الله يأمرنى أن أزوجكها» (٢) رواه الفضائلى، وبقى من بناته ﷺ زينب وهى أكبرهن بلا خلاف، ماتت سنة ثمان تحت ابن خالتها أبى العاص ابن الربيع بن عبد العزى، هاجرت قبله، فلما هاجر ردها له ﷺ بالنكاح الأول بعد سنتين، ولدت له عليا مات وقد ناهز الحلم، وكان رديف النبى ﷺ يوم الفتح، وأمامة: وهى التى حملها ﷺ فى صلاة الصبح على عاتقه وكان إذا ركع وضعها، وإذا رفع رأسه من السجود أعادها، وتزوجها على رضى الله عنه بعد فاطمة رضى الله عنهما، وفاطمة الزهراء البتول رضى الله عنها وهى أصغرهن، فإنها ولدت بعد النبوة، وقيل: قبلها بخمس سنين، وتزوجها علىّ بوحى فى السنة الثانية، وقيل: بعد أحد، وبنى بها بعد تزوجها بتسعة أشهر ونصف، وكان سنها نحو خمسة عشر سنة، وسنه نحو إحدى وعشرين، وقيل غير ذلك، وأخرج أبو حاتم وأحمد فى المناقب قصة تزوجها وحاصلها: «أن أبا بكر ثم عمر خطباها فسكت ﷺ فذهبا لعلى ونبهاه لخطبتها فجاء وقال له: تزوجنى فاطمة؟ قال: وعندك شىء؟ قلت: فرسى وبزتى، قال: أما فرسك فلا بد لك منها وأما بزتك فبعها بأربعمائة وثمانين فجاء بها فوضعها فى حجره ثم قبض منها قبضة، وقال لبلال: اجمع لنا طيبا وأمرهم أن يجهزوها فجعل لها سريرا مشرطا ووسادة من أدم حشوها ليف وقال لعلى: إذا أتتك فلا تحدث شيئا حتى آتيك فجاءت مع أم أيمن حتى قعدت بجانب البيت وهو بجانب وجاء ﷺ فقال هنا أخى ودخل فقال لفاطمة ائتينى بماء فقامت إلى قعب فى البيت فأتت فيه بماء فأخذه ومجّ فيه ثم قال لها:

стр. 459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تقدمى فتقدمت فنضح بين ثدييها وعلى رأسها، وقال: اللهم إنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ثم قال لها: أدبرى، فأدبرت فصّب بين كتفيها ثم فعل مثل ذلك بعلى ثم قال له: «ادخل بأهلك بسم الله والبركة» (١) وفى رواية عند القزوينى والحاكم «أن عليا لما خطبها» بعد الشيخين قال ﷺ قد أمرنى ربى بذلك وأمر أنسا بأن يدعو له أبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن وعدّة من الأنصار فلما اجتمعوا وعلى غائب قال ﷺ : «الحمد لله المحمود بنعمته المعبود بقدرته المطاع بسلطانه المرهوب من عذابه وسطوته المرغوب إليه فيما عنده، النافذ أمره فى سمائه وأرضه الذى خلق بقدرته ودبرهم بحكمته وأمرهم بأحكامه فيما غرهم بدينهم وأكرمهم نبيه محمد ﷺ إن الله تبارك اسمه وتعالت عظمته جعل المصاهرة سببا لاحقا وأمرا مفترضا وشج به الأرحام-أى: بالتشديد من الوشج وهو اشتباك القبائل الواشجة الرحم المشبكة وقد وشجت بكذا فرأيته يشيج، ووشجها شبكها (٢) -وإزالة الآثام وأكرم الأنام فقال عز من قائل: وَهُوَ اَلَّذِي خَلَقَ مِنَ اَلْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (٣) فأمر الله يجرى إلى فضائه وقضاؤه يجرى إلى قدره ولكل قضاء قدر ولكل قدر أجل ولكل أجل كتاب يَمْحُوا اَللهُ مايَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتابِ (٤) ثم إن الله أمرنى أن أزوج فاطمة من على بن أبى طالب فاشهدوا أنى قد زوجته على أربعمائة مثقال فضة إن رضىّ بذلك علىّ ثم دعى ﷺ بطبق فيه سرّ ثم أمرهم بالنهبة ودخل علىّ فتبسم فى وجهه ثم قال: «إن الله أمرنى أن أزوجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضة إن رضيت» قال: قد رضيت بذلك يا رسول الله فقال ﷺ : «جمع الله شملكما وأعزّ جدكما وبارك عليكما، وأخرج منكما كثيرا طيبا» (٥) قال أنس: فو الله لقد أخرج الله منهما الكثير

стр. 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الطيّب، والعقد له بغيبته إما بحضور وكيله، أو قصد به مجرد الإعلام ثم عقد معه بعد أن حضر وقال: رضيت، والحاصل أنها واقعة حال محتملة، وأخرج الإمام أحمد: «كان جهاز فاطمة خميلة وقربة ووسادة أدم حشوها ليف وسميت فاطمة لأن الله فطمها وذريتها من النار، أخرجه الحافظ الدمشقى مرفوعا، ورواية النسائى ومجيبها وبتولا لانقطاعها عن نساء زمانها فضلا ودينا وحسنا، قال ابن عبد البر: هى وأم كلثوم أفضل بناته ﷺ لكنّ فاطمة أحبّ أهله إليه ولم يكن له عقب إلا منها من جهة الحسن والحسين رضى الله عنهما، وأما بنتها أم كلثوم فتزوجت بعمر فولدت له رقية وزيدا ولم يعقبا ثم بعون ثم بمحمد ثم بعبد الله بنى جعفر ثم ماتت عند عبد الله من غير عقب فتزوج أختها زينب بنت فاطمة فولدت له عدة منهم: علىّ وأم كلثوم، وهى تزوجها ابن عمه القاسم بن محمد بن جعفر، فولدت له عدة منهم: فاطمة تزوجها حمزة بن عبد الله ابن الزبير بن العوام، وله منها عقب والحاصل: أن عقب عبد الله بن جعفر انتشر من على رضى الله عنه وأم كلثوم بنت زينب بنته الزهراء رضى الله عنها ولا ريب أن لهم شرفا لكنه دون شرف المنسوبين للحسن والحسين وفوق شرف أولاد عبد الله من غير زينب ويوصف العباسيون بالشّرف أيضا لشرف بنى هاشم، وأما أولاده ﷺ الذّكور ففى عدتهم خلاف طويل والمتحصل من جميع الأقوال ثمانية ذكور: اثنان متفق عليهما: القاسم وإبراهيم، وستة مختلف فيهم: عبد مناف وعبد الله والطيب والمطيب والطاهر والمطهر والأصح: أن الذكور ثلاثة، وكلهم ذكورا وإناثا من خديجة، إلا إبراهيم فمن مارية القبطية، أهداها له المقوقس القبطى صاحب مصر والإسكندرية، ولدت إبراهيم فى ذى الحجة سنة ثمان، ومات وله سبعون يوما على خلاف فيه، وورد من طرق ثلاثة عن ثلاثة من الصحابة: «لو عاش إبراهيم لكان نبيا» (١) وتأويله: أن القضية الشرطية لا تستلزم الوقوع، ولا يظن بالصحابة الهجوم على مثل هذا الظن، وأما إنكار النووى كابن عبد البر لذلك، فلعدم ظهور هذا التأويل وهو ظاهر.

стр. 461

٤٦ - باب: ما جاء فى فراش رسول الله ﷺ ــ (باب ما جاء فى فراش) فعال بكسر أوله مبنى للمفعول كما هو الشائع وكذا لباس. (رسول الله ﷺ قيل: أراد ذكر خشونة فراشه ﷺ ليقتدى به وهاهنا دقيقة وهى أنه لم يختر هذا الفراش لنفسه وإنما نام فيه رعاية لزوجته وإلا فالغالب أن ينام على التراب ويشهد لذلك أنه لما رأى عليا نائما على التراب ومدحه بأن كناه بأبى تراب، وليس معناه ما يفهم من التصاق التراب ببدنه فإن الأبوة تقتضى التربية فسماه بعمله وناداه يا مربى التراب يعنى أن الأرض فى حفظة تربية وجودك إياه لرياضة اخترتها وقبول حصل به لك من بين يدى ربك. انتهى بلفظه. وأنت فى هذا الكلام العقد ألبس فعلى مجرد الحزر والتخمين الحقيق بأن يوصف بأنه نخالة لا دقيق من وراء التأويل كيف وقوله الغالب أن ينام على التراب لا أصل له ولا وارد يعضده بل المعلوم من حاله ﷺ كما سيعلم مما سأذكره أنه لم ينم إلا على شىء حصيرا وغيره وقوله ويشهداه فى غاية السقوط إذ لا شاهد فى تكنيته لعلى بأبى تراب على زعمه بأن الغالب أنه ﷺ كان ينام على التراب وقوله وليس معناه اه ممنوع بل هذا هو الحاصل له على التكنية كما يشهد له أنه صار ينفض التراب عنه ويقول له: قم أبا تراب فما كناه بذلك إلا ح وإنما نام عليه لأنه كان بينه وبين فاطمة رضى الله عنها شىء فذهب غضبان إلى المسجد ونام على ترابه فجاء ﷺ لفاطمة فسألها عنه فأخبرته فجاء إليه فوجده نائما وقد علاه الغبار فصار ينفضه عنه ويقول قم أبا تراب ويكفى مسوغا للتكنية هذه الحالة التى زاد عليها قوله فسماه بعمله إلى قوله يعنى اه كلام فى غاية السقوط لا يرضى بنسبته إليه إلا عدم التمييز وهو ممن يزعم أنه بلغ رتبة علية من العلم لم يبلغها غيره نعم بلغها فى الفلسفة وعلوم الأوائل التى لا تزيد صاحبها إلا ضلالا وبوارا، هذا واعلم أنه ﷺ كان قد أخذ من الفراش ما يحتاج إليه، وترك ما زاد عليه، وروى مسلم: «فراش الرجل، وفراش لامرأته، وفراش للضيف، والرابع للشيطان» (١) قالوا: وإنما أضافه للشيطان لأنه يضاف إليه كل مذموم، وما زاد على الحاجة مذموم، لأنه إنما يتخذ للخيلاء أو المباهات وقيل: أضيفت إليه، لأنه إذا لم يحتج إليه كان عليه مبيته ومقيله، وتعداد الفراش للزوج والزوجة، لا ينافى

стр. 462

٣١٣ - حدثنا على بن حجر، أخبرنا على بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «إنّما كان فراش رسول الله ﷺ الّذى ينام عليه من أدم، حشوه ليف». ــ أن السنة بياته معها فى فراش واحد لأنهما قد يحتاجان لذلك لمرض ونحوه. ٣١٣ - (عن عائشة) رواه عنها الشيخان أيضا. (من أدم) بفتحتين جمع أدمة أو أديم وهو الجلد الأحمر (١) المدبوغ أو مطلق الجلد أقوال. (حشوه) الضمير للأدم باعتبار لفظه، وإن كان معناه جمعا فاعله صفة لأدم، خلافا لمن منع ذلك وجعلها حالية من فراش. (ليف) أى: من ليف النّخل لأنه الكثير بل المعروف عندهم، وعليه فإن النوم على الفراش المحشو واتخاذه لا ينافى الزهد سواء كان من أدم أو غيره حشوه ليف أو غيره، لأن عين الأدم والليف المذكورين فى الحديث ليست شرطا بل لأنها المألوفة عندهم، فيلحق بها كل مألوف مباح نعم الأولى لمن غلب عليه الكسل وميل نفسه إلى الدعة والترفه أن لا يبالغ فى حشو الفراش لأنه سبب ظاهر فى كثرة النوم والغفلة والتعافى عن الخيرات والمهمات، ومن ثمّ قال ﷺ فى الحديث الآتى على الأثر: رديه اه، وروى البيهقى عنها أن أنصارية دخلت فرأت فراشه قطيفة شنبة فبثت له بالفراش حشوه صوف فدخل عليها ﷺ فقال: «ما هذا» فذكرت له القصة فقال: «رديه فو الله لو شئت لأجرى الله معى جبال الذهب والفضة» وصح عن ابن مسعود: «نام ﷺ على حصير فقام وقد أثر فى جنبه» ورواه الطبرانى بأبسط من ذلك وهو «أنه دخل عليه فى غرفة كأنها بنية حمام أى: لشدة حرها وكربها وهو نائم على الحصير أثر فى جنبه فبكى» فقال: «ما يبكيك يا عبد الله «فقال يا رسول الله: كسرى وقيصر ينامون على الديباج والحرير، وأنت نائم على هذا الحصير قد أثر بجنبك قال: فلا تبك يا عبد الله فإن لهم الدنيا ولنا الآخرة». وصحّ عن عمر معه ﷺ نظير ذلك لكن بزيادة أنه لم يكن معه غير إزار، وإن كان مختلعا على خصفة وأن بعضه لعلى التراب وأنه كان بمشربة لم يكن بها غير

стр. 463

٣١٤ - حدثنا أبو الخطاب: زياد بن يحيى البصرى، حدثنا عبد الله بن ميمون، قال: أنبأنا جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: «سئلت عائشة: ما كان فراش رسول الله ﷺ فى بيتك؟ قالت: من أدم حشوه ليف. وسئلت حفصة: ما كان فراش رسول الله ﷺ فى بيتك؟ قالت: مسحا، نثنيه ثنيتين، فينام عليه، فلمّا كان ذات ليلة، قلت: لو ثنيته ــ حفصة، ووسادة من ليف ونحوه، ونحو صاع من شعير، وإهاب معلق، وأنه لما بكى قال له: يا ابن الخطاب، أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا» (١)، وفى رواية صحيحة أيضا أنه قال: «أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم، وهى وسيلة الانقطاع، وإنا أخرت لنا طيباتنا فى آخرتنا» (٢)، وروى ابن ماجه فى صحيح: «أن أبا بكر وعمر دخلا عليه ﷺ فإذا هو نائم على سرير له مزمل بالبردى، وعليه كساء أسود حشوه بالبردى، فلما رآهما استوى جالسا فنظراه، فإذا أثر السرير فى جنبه الشريف فقالا: يا رسول الله: ما يؤذيك خشونة ما ترى فى فراشك وسريرك، وهذا كسرى وقيصر فى فراش الحرير والديباج؟ فقال ﷺ : لا تقولوا هذا فإن فراش كسرى وقيصر فى النار، وأنا فراشى وسريرى هذا عاقبته إلى الجنة». ٣١٤ - (قالت: من أدم حشوه ليف) قيل جملة صفة لمحذوف لا لأدم، لأنه جمع، ولأنه لو كان صفة لأدم لاقتضى أن يكون ذلك الفراش مصنوعا من أدم حشو ذلك الأدم ليف وظاهره أنه ليس للأدم قبل الصنع حشو وإنما يكون بعدما صنع فراشا انتهى،

стр. 464

أربع ثنيات لكان أوطأ له، فثنيناه أربع ثنيات، فلمّا أصبح قال: ما فرشتمونى اللّيلة؟. قالت: قلنا: هو فراشك، إلاّ أنا ثنيناه بأربع ثنيات. قلنا هو أوطأ لك. قال: ردّوه لحالته الأولى، فإنّه منعتنى وطأته صلاتى اللّيلة». ــ وفيه تكلف ظاهر وقوله: «لأنه جمع» مر الجواب عنه وقوله: «لاقتضى» اه فى هذه الملازمة التى زعمها نظر، بل لا تصح، لأن الفراش اسم لما يفرش، وهو تارة يكون أدما، وتارة يكون غيره، وإذا كان أدما؛ فتارة يكون محشوا، وتارة يكون بلا حشو فبينت بقولها حشو ليف أنه أدم محشو لا خال عن الحشو، فاندفع قوله: «وظاهر» اه وح فلا يلزم على كونه صفة لأدم محذور أصلا. (مسحا) بكسر فسكون فراش خشن من صوف. (ذات) بالرفع إن جعلت كان تامة، وإلا فالنصب، وح ففيها ضمير يعود للوقف، وعلى كل ذات زائدة. (تثنيه) أى عطفت بعضه على بعض. (أربع ثنيات) أى طباقات لاصقات، وإن اقتضاه كونه مفعولا مطلقا، لأن هذا مردود بقولها الآتى: (فثنيناه أربع ثنيات) الظاهر فيما قلناه. (أوطاء) ألين. (وطأته) أى لين. (صلاتى الليلة) أى صلاة التهجد. ***

стр. 465

٤٧ - باب: ما جاء فى تواضع رسول الله ﷺ ــ (باب ما جاء فى تواضع رسول الله ﷺ اعلم أن العبد لا يبلغ حقيقة التواضع وهو التذلل والتخشع، إلا إذا دام تجلى نور الشهود فى قلب، لأنه ح يذيب النفس، ويصفيها عن غش الكبر والعجب، فتلين وتطمئن للحق والخلق لمحو آثارها، وسكون ريحها، ونسيان حقها، والذهول عن النظر إلى قدرها، ولما كان الحظ الأوفى من ذلك لنبينا ﷺ كان أشد الناس تواضعا، وحسبك شاهدا على ذلك أن الله سبحانه خيره بين أن يكون نبينا ملكا، أو عبدا نبيا، فاختار أن يكون نبيا عبدا، ومن ثمه لم يأكل متكئا بعد حتى فارق الدنيا، ولم يقل لشىء فعله أنس خادمه أف قط، وما ضرب أحدا من عبيده، وإمائه، وهذا أمر لا يتسع له الطبع البشرى لولا التأييد الإلهى، وفى مسلم: «ما رأيت أحدا أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ » وورد عن عائشة: «أنها سئلت كيف كان إذا خلى فى بيته؟ قالت: ألين الناس سهاما ضاحكا، لم ير قط مادا رجليه بين أصحابه»، وعنها: «ما كان أحدا أحسن خلقا منه ما دعاه أحد من أصحابه إلا قال: لبيك، وكان يركب الحمار ويردف خلفه»، وروى أبو داود وغيره: «أن قيس بن سعد صحبه راكبا حمار أبيه، فقال له: اركب فأبى فقال: إما أن تركب، وإما أن تنصرف»، وفى رواية: «اركب أمامى فصاحب الدابة أولى بمقدمها» وفى مختصر السيرة للمحب الطبرى: «أنه ركب حمارا ليعود إلى قباء ومعه أبو هريرة فقال: أحملك فقال: ما شئت يا رسول الله فقال: اركب، فوثب ليركب فلم يقدر فاستمسك به رسول الله ﷺ فوقعا جميعا، ثم ركب وقال له مثل ذلك، ففعل فوقعا جميعا، ثم ركب، وقال مثل ذلك، فقال: لا والذى بعثك بالحق ما رقيتك ثالثا، «وأنه ﷺ كان فى سفر فأمر أصحابه بإصلاح شاة فقال رجل: علىّ ذبحها، فقال آخر: عليّ سلخها، وقال آخر: علىّ طبخها فقال ﷺ علىّ جمع الحطب فقالوا: يا رسول الله ﷺ نكفيك العمل، فقال: قد علمت أنكم تكفونى، ولكنى كرهت أن أتميز عليكم، وإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه» انتهى، وروى ابن عساكر القصة الأخيرة مختصرة وروى أيضا أنه ﷺ : «كان فى الطواف فانقطع شسعه فقال بعض أصحابه: ناولنى أصلحه فقال: هذه أثرة ولا أحب الأثرة هى بفتح أولها الاستبثار أى: الانفراد بالمشى»، وفى الشفاء: «أنه ﷺ خدم وفد النجاشى، فقال له أصحابه: نكفيك، فقال:

стр. 466

٣١٥ - حدثنا أحمد بن منيع، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومى، وغير واحد، قالوا: أنبأنا سفيان بن عيينة، عن الزهرى، عن عبيد الله، عن عبد الله بن عباس، عن عمر بن الخطاب رضى الله عنهم، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تطرونى كما أطرت النّصارى عيسى ابن مريم، إنّما أنا عبد الله، فقولوا: عبد الله ورسوله». ــ إنهم كانوا لأصحابنا مكافئين، وأنا أحب أن أكرمهم». ٣١٥ - (لا تطرونى) أى لا تتجاوزوا الحدّ فى مدحى بغير الواقع، فيجركم ذلك إلى الكفر، كما جر النصارى إليه لما جاوزوا الحدّ فى مدح عيسى ﵇ بغير الواقع واتخذوه إلها وحرفوا قوله فى الإنجيل عيسى ابنى، وأنا ولدته، فجعلوا الأول بتقديم الباء الموحدة، وجعلوا اللام فى الثانى فلعنة الله عليهم، وقد كان بعض أن يدعى نحو ذلك فى نبينا حين قالوا له: ألا نسجد لك فقال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» (١) فنهاهم عما عساه يجرّهم لعبادته إنما لقصر القلب، أو القصر فيه إضافى فلا ينافى أن أوصافا غير العبودية والرسالة. (عبد الله) أى ملكه يتصرف فىّ بما شاء، فلا خروج لى عن دائرة العبودية بوجه كسائر العباد. (فقولوا: عبد الله ورسوله) أى قولوا ذلك، وما يلائمه مما يليق بالعبودية والرسالة وهذا من مزيد تواضعه ﷺ وشفقته على أمته، ولقد أشار الإمام الشرف البوصيرى: إلى هذا المقام بقوله: دع ما ادعته النصارى فى نبيهم. . . الأبيات الثلاثة وأشار يعجز آخرها إلى

стр. 467

٣١٦ - حدثنا على بن حجر، أنبأنا سويد بن عبد العزيز. عن حميد، عن أنس ابن مالك: «أنّ امرأة جاءت إلى النّبىّ ﷺ ، فقالت: إنّ لى إليك حاجة. فقال: اجلسى فى أىّ طريق المدينة شئت أجلس إليك». ــ مادحيه، وإن انتهوا إلى أقصى ما يمكنهم من الغايات لا يصلون لثناء علوه أن لا حد له، ولقد روى العارف ابن الفارض فقيل له: لم مدحت النبى ﷺ أى: بأكثر مما أشرت إليه، وإلا فقد أشار إلى مدحه مما يعجز عنه الفحول خلافا لمن غلبه هوى فى هواه فأضله الله على علم فقال: أرى كل مدح فى النبى مقصرا، وإن بالغ المثنى عليه، أو أكثر اه، إذ الله أثنى بالذى هو أهله عليه فى مقدار ما تمدح الورى به، قال البدر الزركشى: ولهذا أحجم فحول الشعراء: كأبى تمام، والبحترى عن مدحه، لأنه عندهم من أصعب ما يحاولونه، فإن كل ما تخيلوه (١) من المعانى والأوصاف دون كماله، فكل غلو فى حقه تقصير، فيضيق على البليغ مجال النظم. انتهى. ٣١٦ - (أن امرأة) أى كان فى عقلها شىء، كما فى رواية مسلم. (فى أى طرق المدينة) أى فى طرق من طرق المدينة، أى: سكة من سككها كما فسرته رواية مسلم الآتية. (أجلس) بالجزم جواب الأمر. (إليك) أى معك أقضى حاجتك كما بينته أيضا رواية مسلم وهى: «انظرى أى السكك شئت حتى أقضى حاجتك، فخلى معها فى بعض الطرق حتى قضى حاجتها» (٢) وفيه دليل على حل الجلوس فى الطريق لحاجة والمنهى عنه محله فيمن يؤذى، أو يتأذى بجلوسه فيها وروى البخارى «إن كانت الأمة لتأخذ بيده ﷺ فتنطلق به حيث شاءت»، وأحمد: «فتنطلق به فى حاجتها» (٣) وعنده

стр. 468

٣١٧ - حدثنا على بن حجر، أنبأنا على بن مسهر، عن مسلم الأعور، عن ــ أيضا: «إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة، لتجيئ فتأخذ بيد رسول الله ﷺ فما ينزع يده منها حتى تذهب به حيث شاءت» (١) والمراد بالأخذ باليد، ما حقيقة لأنه كان محرما للأجنبيات، وبه يندفع قول شارح: إنما طلب الجلوس مع تلك المرأة فى الطريق لتنتفى الخلوة المحرمة فى الطريق، إما حقيقة، وإما لازمة من الانقياد، وعند النسائى: «كان ﷺ لا يأنف أن يمشى مع الأرملة والمسكين فتقضى له الحاجة» (٢)، وروى أبو داود: «وبايعت النبى ﷺ قبل أن يبعث، وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها فى مكانها فنسيت فذكرته بعد ثلاث، فإذا هو فى مكانه، فقال: لقد شققت علىّ أنا هنا منذ ثلاث أنتظرك» (٣) وفى هذا كله أنواع من المبالغة فى الوفاء بالعهد وفى التواضع للنص على المرأة والأمة دون الرجل والحرة وعلى أنها تذهب به حيث شاءت من الأمكنة، وعلى غاية التصرف فيه المشار إليها بالتعبير باليد، وهذا من مزيد تواضعه، وبراءته مع جميع أنواع الكبر وأفعاله، وفى ذلك أيضا بروزه للناس، وقربه منهم، ليصل إليه ذوو الحقوق إلى حقوقهم، ويسترشد الناس بأقواله وأفعاله، وفيه أيضا: معبرة على تحمل الإنسان لأجل غيره، بل رضاه بذلك، واستلذاذه به، فى هذا كله تنبيه منه حكام أمته ونحوهم على أن يتأسوا به فى ذلك. ٣١٧ - (يعود المريض) حتى لقد عاد غلاما يهوديا كان يخصصه، وعاد عمه وهو

стр. 469

أنس بن مالك قال: «كان رسول الله ﷺ يعود المريض، ويشهد الجنائز، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد. وكان يوم بنى قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف، عليه إكاف من ليف». ــ مشرك، وعرض عليهما الإسلام، فأسلم الأول وقصته فى البخارى وكان ﷺ يدنو من المريض ويجلس عند رأسه، ويسأله عن حاله ويقول له: كيف تجدك؟ وفى الحديث المتفق عليه عن جابر: «مرضت فأتانى النبى ﷺ يعودنى وأبو بكر وهما ماشيان فوجدانى أغمىّ علىّ فتوضأ النبى ﷺ ثم صب وضوءه علىّ فأفقت، فإذا النبى ﷺ » (١)، وعند أبى داود: «ونفخ فى وجهى فأفقت، وفيه أنه قال: يا جابر لا أراك ميتا من وجعك هذا» (٢) وصح عند مسلم: «يجب للمسلم على المسلم أمور، وذكر منها: عيادة المريض» (٣)، والمراد بالوجوب: الندب المتأكد كما فى «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» (٤) وصح: «أطعموا الجوائع، وعودوا المرضى» (٥)، وافهم إطلاق الأمر

стр. 470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ندب العيادة حتى للأرمد لما صح عن زيد بن أرقم: «عادنى رسول الله ﷺ من وجع كان بعينى» (١) وأما خبر: «ثلاثة ليس لهم عيادة: الرمد، والدمل، والضرس» فصحح البيهقى أنه موقوف على يحيى بن أبى كثير، فأخذ بعضهم بقضيته ليس فى محله، وافهم أيضا: أنه لا فرق بين طول مرضه وقصره، وهو الأصح خلافا للغزالى فى إحيائه، وحديث ابن ماجه: «كان ﷺ لا يعود مريضا إلا بعد ثلاث» (٢) ضعيف، بل قال أبو حاتم: باطل، وورد فى فضل العيادة أحاديث كثيرة منها عند المصنف وحسنه: «من عاد مريضا ناداه مناد من السماء طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا» (٣)، وعند أبى داود: «من توضأ فأحسن الوضوء، وعاد أخاه المسلم محتسبا بوعد من جهنم سبعين خريفا» (٤) وعند أحمد: «من عاد مريضا فآمن فى الرحمة، فإذا جلس عنده استنقع فيها» (٥) زاد الطبرانى: «وإذا قام من عنده، فلا يزال يخوض فيها حتى يرجع من حيث خرج» (٦) لا يقال عيادته ﷺ المرضى فيها قصد رضى الله، وحيازة هذا الثواب فأىّ

стр. 471

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تواضع فيها لأنا نقول التواضع خروج الإنسان عن مقتضى جاهه، وتنزل من عادة مرتبته إلى ما هو دون ذلك، وعيادة المريض، وكونه بذلك القصد كذلك وافهم أيضا أن سائر الأيام يطلب فيها العيادة، وترك العيادة يوم السبت، من البدع ابتدعها يهودى ألزمه ملك بمرض بملازمته، فأراد يوم الجمعة الذهاب لسبته فمرض فخاف استحلاله على نفسه فقال له: إن المريض لا يدخل عليه يوم السبت، فتركه الملك، ثم أشيع ذلك، وصار بعض من لا علم عنده، يحسب أن ذلك أصلا، وقد علمت أصله، ومن الغريب ما نقله ابن الصلاح عن القراء: أنها تندب شتاء ليلا، وصيفا نهارا وحكمته تضرر المريض، بطول الليل شتاء والنهار صيفا فيحصل له بالعيادة من الاسترواح ما يزيل عنه تلك المشاق الكثيرة ومما كان يفعله ﷺ حال العيادة ويأمر به تطييب نفس المريض وقلبه لخبر: «إذا دخلتم على مريض فنفسوا له فى أجله فإن ذلك يطيب نفسه» أو خبر: «لا بأس عليك طهور إن شاء الله حالك الآن أحسن» ويذكر ثواب المريض ككون المرض كفارة وأرشد ﷺ بذلك إلى نوع من أشرف أنواع العلاج من كلام يقوى به الطبيعة وينبعث به الحار الغريزى إذ فى إدخال السرور عليه تأثير عجيب فى شفائه؛ لأن الروح تقوى بذلك فتساعد الطبيعة على دفع المؤذى وهذا غاية تأثير الطيب وربما سأله عن شكواه وكيف يحدو عما يشتهيه، فيدعو له ويصف له ما ينفعه فى علته وربما قال له: لا بأس عليك طهور إن شاء الله وربما قال كفارة وطهور، وورد بسند حسن: «كان إذا عاد مريضا يضع يده على المكان الذى يألم ثم يقول: بسم الله» (١) وفى حديث بسنده: «كان تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته ويسأله كيف هو» (٢) وفى رواية: «كيف أصبحت وكيف أمسيت» (٣). (ويشهد الجنائز) فيندب لنا بل يتأكد علينا التأسى به فى ذلك وأثر قوم العزلة ففاتهم بسببها خيرات كثيرة وإن حصل لهم بها خير كثير، لأن الأكمل العزلة عن الشر فقط، والمخالطة فى الخير مع التحفظ ما أمكن من تطرق الشر وأسبابه، وهذا

стр. 472

٣١٨ - حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أنس بن مالك قال: «كان النّبىّ ﷺ يدعى إلى خبز الشّعير والإهالة السّنخة فيجيب، ولقد كانت له درع عند يهودىّ، فما وجد ما يفكّها حتّى مات». ــ حال الكمل من العلماء العالمين والأئمة الوارثين، فإن ضعف حال الإنسان من المخالطة كانت العزلة فى بعض الأحيان خيرا له، وللعيادة، وتشييع الجنائز شروط وآداب تطلب فى محلها من كتب الفقه. (دعوت العبد) وفى رواية: «المملوك» أى: إلى أى حاجة دعاه إليها قرب محلها أو بعد. (يوم بنى قريظة) خصه لأن الحمار يومئذ، وقد ظهر له ﷺ من النصرة عليهم، والظفر بهم، وبأموالهم ما يدل على غاية التواضع، ونهاية الخضوع. (مخطوم بحبل) هو الخطام، وهو أن يجعل فى حلقه، ويسلك فيها طرفه الآخر حتى تصير كالحلقة ثم قاد بها البعير. (إكاف) هو بردعة لذوات الحوافر، ويغلب فى الحمر كالرحل لذوات الخفّ، والبردعة بفتح أوله وثالثة: حلسن يجعل تحت الرحل. ٣١٨ - (والإهالة) هى كل دهن يؤتدم به، وقيل: يختص بالألية والشحم، وقيل: هى الدسم الجامد. (السنخة) بالنون: المتغيرة وفيه حل أكل المنتن من اللحم وغيره حيث لا ضرر فيه. (كان) فى نسخة: «كانت» وهى الأولى لأن درع الحديد مؤنث، لأنها بمعنى اللائمة بالهمز بخلاف درع المرأة، فإنه يذكر، لأنه بمعنى القميص. (يهودى) هو أبو الشحم من الأوس «رهنها عنده ﷺ فى ثلاثين صاعا من شعير» (١) رواه الشيخان، وروى المصنف «بعشرين صاعا من طعام أخذه لأهله»، وقد يجمع بأنه أخذ

стр. 473

٣١٩ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود الجفرى، عن سفيان، عن ــ منه أولا عشرين، ثم عشرة، ثم رهنه إياها على الجميع، فمن روى العشرين، لم يحفظ العشرة الأخرى، ومن روى الثلاثين حفظها على أن روايتها أصح وأشهر، فكانت أولى بالاعتبار، قيل: ذكر هذه القصة لتمام الحديث لا لبيان التواضع فيها وانتهى، ويرد: بأن فيها غاية التواضع، ووجهه أنه ﷺ لو سأل مياسرى أصحابه فى رهن درعه لرهنوها على أكثر من ذلك، أو لترك سؤالهم، وسأل يهوديا، ولم يبال بأن منصبه الشريف يأبى أن يسأل مثل يهودى فى ذلك، دل على غاية تواضعه، وعدم نظره لفوت مرتبته. (يفكها) أى يخلصها. (حتى مات) ﷺ وفيه دليل على ضيق عيشه، لكن من اختيار لا من اضطرار، لأن الله فتح عليه فى أواخر عمر من الأموال ما لا يحصى، فأخرجها كلها لله، وصبر هو وأهله، وأهل بيته على مر الفقر والضيق والحاجة التامة، ولا ينافى ذلك قوله ﷺ : «نفس المؤمن معلّقة ما دام عليه دين» (١) أى: محبوسة عن مقامها الكريم حتى يقضى عنه دينه، لأنه فى غير الأنبياء على أن محله فيمن استدان لمعصية، وإلا لم يطالب قيل: إجماعا. ٣١٩ - (على رحل) هو للجمل كالسرج للفرس. (وعليه) أى رسول الله ﷺ كذا

стр. 474

الربيع بن صبيح، عن يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك، قال: حج رسول الله ﷺ على رحل رثّ وعليه قطيفة لا تساوى أربعة دراهم فقال: «اللهمّ اجعله حجا لا رياء فيه ولا سمعة». ٣٢٠ - حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا عفان، أخبرنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس، قال: «لم يكن شخص أحبّ إليهم من رسول الله ﷺ . قال: وكانوا إذا رأوه لم ــ قيل، ويحتمل رجوع الضمير للرحل، بل السياق هنا، وفى الحديث الآتى آخر باب التواضع يدل عليه. (قطيفة) هى كساء له خمل وهى الخيوط بطرفه المرسلة من السدى من غير لحمة عليها. (ولا سمعة) هذا من عظيم تواضعه إذ لا يتطرق السمعة إلا لمن حج على المراكب النفيسة والملابس الفاخرة، وأما من تمن تمثيل حاله ﷺ فلا يتطرف إلى حجه شىء من ذلك، والرياء: العمل لغرض مذموم كأن يعمل ليراه الناس، والسمعة: أن يعمل ليسمع الناس عنه بذلك، فيكرموه بإحسان، أو مدح أو تعظيم جاهه فى قلوبهم، وكل ذلك موجب للفسق، ومحبط لثواب العمل، فإن عمل لذلك بأن قصد بوضوئه التبرد مثلا، قال ابن عبد السلام: لا ثواب له أيضا قال تعالى فى الحديث القدسى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيرى، فأنا منه برىء هو للذى أشرك» (١)، وقال الغزالى: إن غلبه باعث الأخيرة أثيب، وإلا فلا وبينت فى حاشية مناسك النووى الكبرى أن الذى دل عليه كلام الشافعى والأصحاب: أنه حيث خلى عن قصد محرم أثيب بقدر قصده للعبادة. ٣٢٠ - (أحب) قيل: هذا مشكل لأن الأحبية لا تقتضى القيام، لأن الولد أحب من

стр. 475

يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك». ــ الأب ولا يقوم له الأب انتهى، وليس فى محله، لأن الذى يصرح به كلام الأئمة هذا القائل أن الولد إن كان فيه فضيلة تقتضى القيام له سن حتى للأب القيام له، فبطل إشكاله المبنى عليها وهم فيه، وبأن الأحبية من حيث الدين اقتضى ندب القيام. (إليهم) أى إلى أصحابه. (وكانوا) أى والحال: أنهم كانوا مع تلك الأحبية المقتضية لمزيد الإجلال والتعظيم، ومنه القيام كانوا. (إذا رأوه لم يقوموا) له (لما يعلمون من كراهته) أى لأجل المعلوم المستقر عندهم وهو كراهته، وفى نسخة: «كراهيته» وهو مصدر كره كعلم. (لذلك) تواضعا وشفقه عليهم وإسقاطا لبعض حقوقه المتعينة عليهم، فاختاروا إرادته على إرادتهم، لعلمهم بكمال تواضعه، وحسن معاشرته لهم ولا يعارض ذلك قوله ﷺ للأنصار: «قوموا لسيدكم» (١) أى سعد بن معاذ سيد الأوس لما جاء على حمار لإصابة أكحله بسهم فى وقعة الخندق كان منه موته بعد، لأن هذا حق الغير فأعطاه ﷺ له وأمرهم بفعله بخلاف قيامهم له فإنه ﷺ حق لنفسه وتركه تواضعا، وهذا أولى، بل أصوب من قول زاعم: القيام الذى أمرهم به؛ هو إعانته حيث ينزل من حماره، لكونه كان مجروحا وهذا هو مذهبنا: من ندب القيام لكل قادم فيه فضيلة نحو نسب، أو علم، أو صلاح، أو صدقة قد ثبت «أنه ﷺ قام لعكرمة بن أبى جهل لما قدم عليه، ولعدى بن حاتم كل ما دخل عليه» وضعفهما لا يمنع الاستدلال بهما هنا، خلافا لمن وهم فيه، لأن الحديث الضعيف يعمل به فى فضائل العلم اتفاقا، بل إجماعا كما قاله النووى: فى القيام للإكرام، لا للرياء، والإعظام، فإنه مكروه، ويفرق بينه وبين حرمة نحو الركوع للغير إعظاما؛ بأن صورة نحو الركوع لم يعهد، إلا عبادة بخلاف صورة القيام، ولبعضهم هنا ما لا يوافق مذهبنا فليحذر.

стр. 476

٣٢١ - حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلى، حدثنى رجل من بنى تميم من ولد أبى هالة زوج خديجة، يكنى أبا عبد الله، عن ابن لأبى هالة، عن الحسن بن على، قال: «سألت خالى هند بن أبى هالة، وكان وصّافا، عن حلية رسول الله ﷺ وأنا أشتهى أن يصف لى منها شيئا، فقال: كان رسول الله ﷺ فخما مفخّما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر» فذكر الحديث بطوله. قال الحسن: فكتمتها الحسين زمانا. فسأله عمّا سألته، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله، ومخرجه، وشكله، فلم يدع منه. قال الحسين: فسألت أبى عن دخول رسول الله ﷺ . ــ ٣٢١ - (يكنى) بسكون فتخفيف، وبفتح فتشديد من كنى: ستر سميت بذلك لما فيها من ترك التصريح بالاسم. (أبا عبد الله عن أبى هالة) قيل: فيه انقطاع، لأن ابن أبى هالة من قدماء الصحابة. (وصّافا) أى كثير الوصف والمعرفة لما لم يصف به بالحق، وهذه الجملة كجملة. (وأنا أشتهى) إما معترضتان بين السؤال والجواب، لبيان كمال الوثوق والضبط لما يرويه حتى يتلقى منه القبول، أو حاليتان مترادفتان، أو متداخلتان عن الفاعل، أو المفعول، أو الأولى عن المفعول، والثانية عن الفاعل، وكذا قيل، وفى هذا غفلة وتكلف، فالأول أولى. (يتلألأ وجهه) أى يظهر لمعان نوره. (القمر) خصه دون الشمس لما مر أول الكتاب. (الحديث بطوله) قد مر الكلام عليه غير مرة. (فكتمتها) أى هذه الحلية. (الحسين زمانا) أى لأختبر اجتهاده فى تحصيل العلم بحلية جده ﷺ . (أباه) فى نسخة: «أبى: وهو على كرم الله وجهه. (إليه) أى إلى السؤال عنها من خاله. (عن مدخله) لبيته. (ومخرجه) منه أى: عن حاله فيهما. (وشكله) بكسر أوله هو حسن طريقته وهيبته، ويجوز فتحه، ومعناه ح الميل والذهاب. (فلم يدع) أى على. (منه) أى مما سأله عنه أو فلم يدع الحسين منه أى من السؤال عن أحواله شيئا إلا سأل عنه وعجيب من جعل ضمير منه لعلى. (أوى) أى رجع وورد فيه

стр. 477

فقال: كان إذا أوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزء لله، وجزء لأهله، ــ القصر والمد. (جزّأ دخوله) أى زمان دخوله. (جزء لله) أى يستفرغ فيه وسعه للعبادة والفكر. (وجزء لأهله) أى يعاشرهم فيه ويتألفهم، لما أنه كان حسن المعاشرة معهن، ومن ثم صح: «أنه كان يرسل لعائشة بنات الأنصار يلعبن معها، وأنها إذا شربت من إناء أخذه فوضع فمه على موضع فمها وشرب، وأنه كان يتكئ فى حجرها، ويقبلها وهو صائم، وأنه كان يريها الحبشة-أى: لعبهم فى المسجد-وهى متكئة على منكبه، وهو يقول لها: أشبعت وهى تقول له: لا لا» (١) وروى أبو داود: «أنه ﷺ سابقها فى سفر على رجلها فسبقته، قالت: فلما حملت اللحم سابقته فسبقنى، قال: هذه بتلك» (٢) وكانوا يوما عنده ﷺ فى بيتها، فأتى بصحفة خبز ولحم من بيت أم سلمة، فوضعت بين يديه فقال: «ضعوا أيديكم فأكل وأكلوا، وعائشة تصنع طعاما أعجلته، فوارت الصحفة التى أتى بها فلما فرغ ما فيها، جاءت بطعامها فوضعته، ورفعت تلك فكسرتها فقال ﷺ : كلوا غارت أمكم، ثم أعطى صحفتها أم سلمة فقال: طعام مكان طعام وإناء مكان إناء» (٣) رواه الطبرانى، ورواية البخارى: «فضربت به الخادم فسقطت الصحفة، وانقطع فجمع ﷺ ثلثها، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذى كان فى الصحفة، ويقول: غارت أمكم، ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من عند التى هو فى بيتها، فدفع الصحفة إلى التى كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة فى بيت التى كسرت» (٤). وعند أحمد وغيره عن عائشة: «ما رأيت صانعة طعاما مثل صفية، أهدت للنبى ﷺ إناء من طعام فما ملكت نفسى أن كسرته فقلت: يا رسول الله؛ ما كفارته؟ فقال: إناء كإناء وطعام كطعام» (٥)، وفى رواية: «فأخذتها من بين يديه فضربت بها الخادم وكسرتها فقام

стр. 478

وجزء لنفسه. ثمّ جزّأ جزّأه بينه وبين النّاس، فردّ بالخاصّة على العامّة، ولا يدّخر ــ يلتقط اللحم والطعام ويقول: غارت أمكم، فوسع خلقه الكريم صفحات غيرتها ولم يتأثر، بل أنصف منها وهكذا كانت أحواله معهن يعذرهن، وينصف بعضهن من بعض من غير قلق ولا غضب، وفى خبر مسند، لا بأس به عن عائشة مرفوعا «إن الغير لا يبصر أسفل الوادى من أعلاه» (١)، وروى الملائى وابن غيلان: «أنها أتت بحزيرة-أى بلحم يقطع صغارا ويصب عليه ماء كثير فإذا نضج در عليه الدقيق-طبختها للنبى ﷺ فقالت لسودة وهو قائم بينهما: كلى، فأبت، ثم قالت لها: كلى فأبت، فقالت: كلى أو لألطخن بها وجهك فأبت، فلطخت بها وجهها، فضحك النبى ﷺ » وبالجملة: من تأمل سيرته مع أهله، ونحو الأيتام والأرامل، علم أنه بلغ من التواضع واللين، والرأفة غاية ما حظىّ بمثلها مخلوق. (جزء لهم) بدل بعض من كل إن كان ما عطفت عليه بعد الإبدال، وكل من كل إن كان قبله. (وجزء لنفسه) يفعل فيه ما يعود عليه بالتكميل الدنيوى والأخروى وفصله عن الجزء الأول بمحض الشهود، والتحلى بجمال الحق، فلم يصف للنفس وإن عاد عليها بجميل العوائد وأحلّها «بينه وبين الناس»، فصيرهن جزئين، لا ينافى قوله: «ثلاثة أجزاء» لأن كلا من هذين لما عادا لشىء واحد، وهو نفسه الشريفة كانا بمنزلة شىء واحد، فاتضح قوله: «ثلاثة أجزاء». (فيرد) وفى نسخة: فردّ ذلك إلى جزء الناس. (الخاصة) بسببهم. (على العامة) لأن خواصه الحاضرين لديه يستفيدون منه، ثم يبلغون ذلك لعموم الناس، وبين على رضى الله عنه قوله: «فرد» معنى كونه قسم جزئه بينه وبين الناس إذ لا يمكن تعميم الناس، إلا بتلك الوسائط، وأفهم أن المراد بالناس هنا؛ من جاء بعده إلى قيام الساعة، لأنك تجده ﷺ قد رد عليهم أجمعين من علومه، بواسطة خاصية ما كان سببا لهدايتهم وأمنا من غوايتهم. (ولا يدخر عنهم) أى عن الناس الخاصة والعامة، وقيل: عن العامة بأن لا

стр. 479

عنهم شيئا. وكان من سيرته فى جزء الأمّة إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمه على قدر فضلهم فى الدّين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما يصلحهم والأمة من مسألتهم عنه. وإخبارهم بالذى ينبغى لهم، ويقول: ليبلّغ الشّاهد منكم الغائب، وأبلغونى حاجة من لا يستطيع ــ يخص الخاصة عنهم بشىء مما يشترك الكل فيه شيئا مما يتعلق بالنصح والهداية. (ويذخر) بذال معجمة، أو مهملة، إذ أصله: يذتخر، قلبت التاء ذالا معجمة ثم مهملة وهذا هو الأكثر ومهملة، ثم هى معجمة وأدغمت. (قد جزّأ الأجزاء) الذى يجلبه لهم وانظر تعبيره بالأمة فإنه يدل على ما مر فى الناس إيثار. (أهل الفضل) من الصلاح والعلم الشريف أى: تقديمهم على غيرهم فى نحو الاستفادة والدخول عليه لها وإبلاغه أحواله للعامة كل ذلك إنما كان بإذنه لهم فى ذلك، وفى رواية بفتح أولاه، وأصله صغار نحو الإبل والغنم، وأريد به هذا التحف التى يخصهم بها، وكان من سيرته فى ذلك الجزء أيضا. (قسمه) ما عنده من جزئى الدنيا والآخرة، وهو بفتح القاف مصدر قسم. (على قدر فضلهم فى الدين) دون أحسابهم وأنسابهم، لأن أولئك أكرم وأفضل. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللهِ أَتْقاكُمْ. (فيتشاغل بهم) أى بذى الحاجة وكان بعده، فيشتغل بهم، ويشتغلون به على قدر حاجتهم دنيا وأخرى. (ويشغلهم) بضم أوله وفتحه من شغله كمنعه، والأول لغة بعيدة أو قليلة، أو ردية ذكره فى القاموس. (فيما) وفى نسخة «بما» فالباء بمعنى فى أى فى الذى. (يصلحهم) ويصلح (الأمة) بتعليم ما استفادوه منه إليهم وفى نسخة «أصلحهم». (من) بيان لما كنا قبل وفيه نظر والأصوب أنها تعليلية. (مسألتهم) أى سؤالهم إياه. (عنه) أى عما يصلحهم وفى نسخة عنهم أى: عن أحوالهم. (وإخبارهم) مضاف أى: للمفعول وفاعله النبى ﷺ أى ومن أجل إخبارة إياهم، فهو عطف على مسألتهم، وزعم عطفه على ما يصلحهم تكلف غير مرض، وفى نسخة: «بإخبارهم» عطف على «بهم»، وهو ظاهر، بل لو حمل عليه النسخة الأولى لكان أوضح. (ينبغى لهم) من الأحكام اللائقة بهم وبأحوالهم وبزمانهم ومكانهم، والمعارف التى تسعها عقولهم. (ويقول) لهم بعد أن يفيدهم ذلك (ليبلغ الشاهد) أى الحاضر. (منكم) عندى الآن. (الغائب) من بقية الأمة ويقول لهم أيضا. (وأبلغونى حاجة من لا يستطيع إبلاغها) إلىّ لعذر كمرض أو بعد أو غيرهما، وهذا من

стр. 480

إبلاغها، فإنّه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبّت الله قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده إلاّ ذلك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون روّادا، ولا يفترقون إلا عن ذواق، ويخرجون أدلّة على الخير. قال الحسين: فسألته عن مخرجه، كيف كان يصنع فيه؟ ــ كمال تواضعه ﷺ وشفقته لأمته، واعتنائه بأمورهم وهدايتهم وإصلاحهم، ما استطاع، ومن ثمة حثهم على إبلاغه ذلك بقوله تعليلا لأمره بالإبلاغ. (فإنه) أى الشأن. (من أبلغ سلطانا) أى قادرا على إنفاذ ما يبلغه بفتح اللام وإن لم يكن له سلطنة، وهى القوة والمنعة. (حاجة من لا يستطيع إبلاغها) دنيوية كانت أو دينية. (ثبت الله قدميه يوم القيامة) لأنه حركها فى إبلاغ حاجة هذا الضعيف جوزى بعود صفة كاملة تامة لهما وهى ثباتهما على الصراط يوم تزل فيه الأقدام. (لا ذكى) أى المحتاج إليه دنيا وأخرى دون ما لا ينفع فيهما كالأمور المباحة التى لا فائدة فيها، فإنها كانت لا تذكر عنده غالبا، لأنه وإياهم فى شغل شاغل عن ذلك. (ولا يقبل) ﷺ . (من) كلام. (أحد) شيئا. (غيره) أى غير المحتاج إليه، أى: لا يمش ويرضى ويشتغل إلا بذكر المحتاج إليه دون غيره. (روادا) أى طلابا للمنافع جمع رائد، وهو فى الأصل: من يتقدم القوم لينظر فى أمر الكلأ ومساقط الغيث، واستعير هنا؛ لتقدم أفاضل الصحابة فى الدخول عليه ﷺ ليس تعبد منها ما يصلح شأن بقية الأمة، ويكون سببا لوقايتهم من مهالك الجهل وغوائل الهوى. (إلا عن ذواق) مطعوم حسىّ غالبا، ومعنوى من العلم والأدب دائما، فهو لأرواحهم مقام الطعام والشراب لأبنائهم، وعن بمعنى بعد. لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١). (أدلة) هداة للناس يعنى. (على الخير) من العلم، والعمل، ومن ثمة قال ﷺ : «أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (٢). (قال الحسين) رضى الله عنه. (فسألته) أى أبى. (عن مخرجه) أى عن صنعه فى حال خروجه من البيت. (يخزن) بضم الزاى وكسرها أى يحفظ عما لا. (يعنيه) أى يهمه ما لا يعود عليه، ولا غيره بنفع

стр. 481

قال: كان رسول الله ﷺ يخزن لسانه إلا فيما يعنيه، ويؤلّفهم، ولا ينفّرهم، ويكرم كريم كلّ قوم، ويولّيه عليهم، ويحذّر النّاس ويحترس منهم، من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره ولا خلقه، ويتفقّد أصحابه، ويسأل النّاس عمّا فى ــ دينى، ولا دنيوى «فكان ﷺ كثير الصمت» (١) كما مر عن أبى هالة. (ويؤلفهم) أى يجعلهم ألفين له مقبلين عليه بكليتهم، ولا متسع فيهم لغيره لما كان يتنزل إليه معهم من مؤاسنتهم، ومباسطتهم، وربما يمازحهم، كل ذلك لسعة أخلاقه وعظيم تفضله وتكرمه، أو يؤلف بعضهم على بعض، حتى لا يبقى بينهم تباغض بوجه، ومن ثمة امتن الله تعالى عليهم بذلك فقال عز قائلا: وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً (٢). وأما ما قيل: إن معنى؛ يؤلفهم: يعطيهم الوفاء فهو لا يوافق اللغة، ولا المراد، لأنه ﷺ إنما كان يتألف بالمال من جفاه من أصحابه، ممن لم يتمكن الإسلام فيهم تمكنه فى غيرهم ومن ثم قال ﷺ : «إنى لأعطى الرجل، وغيره أحب إلىّ مخافة أن يكبه الله على وجهه فى نار جهنم» (٣)، ويؤيد إرادة المعنى الأول قوله: (ولا ينفرهم) أى لا يوجد فعلا من أفعاله يكون سببا فى تفرقهم، وإعراضهم عنه لما عنده من مزيد الصفح، والعفو، والرأفة عليهم، والحلم عنهم قال تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ. (كريم كل قوم) هو أفضل دينا وحسبا ونسبا ويوليه عليهم وهذا من تمام حسن نظره وعظيم تدبره، إذ القوم أطوع لكبيرهم، وأخشى منه مع ما فيه من الكرم المقتضى للرفق بهم ولاعتدال أموره معهم. (ويحذر الناس) أى يخوف الناس من عقاب الله وعذابه ويحثهم على طاعته. (ويحترس منهم) أى مخالطتهم المؤدية إلى سقوط هيبته وجلالته من قلوبهم، ولكن لا مطلقا بل إنما يحترس احتراسا (من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره) أى طلاقة وجهه وبشاشته. (ويسأل الناس) وهو اتصاف الباطن بسائر صفات الكمال فاحتراسه وتحفظه إنما هو عن كثرة مخالطتهم كثرة تؤدى إلى ما مر، لا عن نوع مخالطة على أن تكون مقرونة بغاية البشر وسعة الخلق، فلا مشقة.

стр. 482

النّاس، ويحسّن الحسن ويقوّيه، ويقبّح القبيح ويوهّيه، معتدل الأمر غير مختلف، ولا يغفل مخافة أن يغفلوا ويملّوا، لكلّ حال عنده عتاد لا يقصّر عن الحقّ ولا ــ عليهم فى ذلك الاحتراس، بل فيه غاية المصلحة لهم. (ويتفقد أصحابه) يطلبهم عند غشيته. (فى الناس) يحتمل أن يراد بهم العموم، ويحتمل أن يراد بهم الخصوص، أى: ويسأل خواص أصحابه وأفاضلهم. (ويحسن الحسن) من المحاسن والمساوئ ليعامل كلا بما يقتضيه أفعاله وأوصافه، ومن ثمة قال: (ويحسن الحسن) الواقع من غيره أى: يظهر حسنه بمدحه، أو مدح فاعله. (ويقبح القبيح) الواقع من غيره أى: يظهر قبحه بذمه وذم فاعله، وإن بلغ من الجاه ما بلغ به، ثم سؤاله من ذلك سؤال يترتب عليه مصالح عامة فلا غيبة فيه، إذ من أنواع الغيبة الجائزة، بل الواجبة أن من أراد مخالطة إنسان وجب على من يعلم فيه عيبا أو منفرا أن يذكره لذلك المريد لمخالطته، وإن لم يسأل فكيف إذا سأل. (ويوهيه) معنى يوهيه يسقطه عن النظر والاعتبار وفى نسخة بالنون من الوهن. تنبيه: إنما لم يقل عما فهم كما هو القياس ليس الطريق الأوضح أن المسئول غير المسئول عنه، وفى هذا إرشاد منه ﷺ إلى أكابر أمته من الحكام، والعلماء، والصحابة الذين يكثر أتباعهم، أنه ينبغى لهم أن يتعرفوا أحوالهم ليعاملوا كلا بما يستحقه، ولا يغفلون عن ذلك لئلا يترتب عليهم الضرر العظيم كما هو مشاهد. (معتدل الأمر) ظاهر السياق نصبه عطفا على خبر كان، وما عطف عليه بحذف حرف العطف وفى بعض الأصول المصححة: رفعه بتقدير مبتدأ محذوف وسببه أن ذلك الأخبار المتعاطفة، وأمور تطلق عليه تارة، وأضدادها أخرى لكونه يجرى لبيانه، وما عطف عليه، فإما كونه معتدل الأمر، وما بعده، فهى أمور لا رغد له لا ينفك عنها أبدا لرفادة ذلك قطعا عما قبل وذكرها على هذا الوجه البديع فتأمل، فإنه مهم وقد غفل عنه بعضهم فقال: وكأن جملة معتدل الأمر معترضة أى: بناء على ما فى بعض النسخ: «ولا يعتل» بالعطف، لكن الذى فى الأصول المصححة حذف الواو فتعين ما ذكرته. (غير مختلف) حال بمعنى أن جميع أفعاله وأقواله على غاية الاستواء والاعتدال، وجميع ذلك محفوظة عن أن يصدر به فيها أمور متخالفة المجامل، متناقضة الأواخر والأوائل، وأن ذلك إنما ينشأ عن خفة العقل، وسفاهة الرأى، وعدم المروءة وسوء الخلق وأيا من كملت فيه تلك المحاسن فحاشاه من ذلك. (لا يغفل) عن تذكيرهم وإرشادهم ونصحهم وتعليمهم. (مخافة أن يغفلوا) عن استفادة. (علىّ) أقواله وأحواله. (أو يلجئوا) إلى

стр. 483

يجاوزه، الذين يلونه من النّاس خيارهم، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة، أحسنهم مواساة وموازرة. ــ الدعة والرفاهية. (أو يميلوا) من الميل فى أخرى: «ويميلوا» بالواو لكل حال من أحواله وأحوال غيره. (عنده عتاد) بفتح أوله أى: عدة وتأهب بما يصلحه ويناسبه. (لا يقصر) من التقصير والقصور. (عن الحق) وسائر أحواله حتى يستوفيه لصاحبه إن علم منه عما فيه، ولا يعطى فيه رخصة ولا تهاونا. (ولا يجاوزه) فلا يأخذ أكثر منه، وزعم أن لا يقصر بالمعنى الثانى صفة عتاد ليس فى محله، لأن المقام ينبو عنه بكل وجه كما هو جلى ومن شرح جملة قوله: «ولا يقصر» والتى بعدها بقوله: «ولا إفراط ولا تفريط» فقد غفل، إذ لا مجال هنا لذكر إفراط ولا تفريط إثباتا ولا نفيا. (الذين يلونه من الناس) أى يقربون منه لاكتساب الفوائد وشرها وتعليمها لهم. (خيارهم) فيه دليل على أن الأولى للعالم أن يجعل الذين يقربون منه ويتلقون عنه خيار أصحابه، لأنهم الذين يؤتمنون ويوثق بهم علما وفهما أو تبليغا ومن ثم قال ﷺ : «ليلينى منكم-أى فى الصلاة-أولى الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم» (١) فكذا حلق العلم ومجالسيه ينبغى أن يكون أهله كذلك. (أفضلهم عنده أعمهم نصيحة) للمسلمين أى: أكثرهم نفعا، وبهذا وما بعده علم أن الأفضل عند الله من الصحابة رتب الخلفاء الأربعة فى الفضل على ما عليه أهل السنة والجماعة، إلا بعضا منهم: فضلوا عليا على عثمان رضى الله عنهم، ومن تتبع سير أحوالهم وانكشفت له مناقبهم علم ذلك علما يقينا، وأما من انطمست بصيرته وفسدت سريرته، فإنه يجرى فى ميادين ضلالته وشقائه. (مواساة) أى بالنفس والمال. (ومؤازرة) مهموز الفاء أى معاونة فى مهمات الأمور بالنفس والمال أيضا: كما وقع للإنصار مع المهاجرين فى كل من الأمرين. تنبيه: مخرجه ﷺ ينقسم إلى ثلاثة أجزاء أيضا قسم لله، وهو وقت إقامة الصلاة، وتعلم العلوم، وقسم لنفسه، وهو ما تدعو إليه ضرورة، وقسم للناس، وهو السعى فى حوائجهم، فلم خص تلك النعمة بمدخله فقط، ويجاب: بأنهم يعلمون أحواله فى

стр. 484

قال: فسألته عن مجلسه. فقال: كان رسول الله ﷺ لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهى به المجلس، ويأمر بذلك، يعطى كلّ جلسائه بنصيبه، لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه، من جالسه، أو فاوضه، فى حاجة صابره حتّى يكون هو المنصرف، ومن سأله حاجة لم يردّه إلاّ بها، أو بميسور من القول، ــ خروجه فلم يحتج إلى ذكرها لهم بخلافها فى دخوله، فاحتاج إلى ذكرها وأيضا فالغالب فى من فى بيته أنه يشتغل بعياله وحوائجه فى أكثر الزمن فتبين أنه ﷺ ليس كذلك، وأيضا فهو فى خروجه أكثر زمنه مصروف للنفع العام، وفى دخوله بالعكس فكان بيان هذا أهم، ثم رأيت بعضهم أجاب عن ذلك بما لا يفهم بعضه ولا ينفع باقيه، فاجتنب. (عن مجلسه) أى أحواله فى وقت جلوسه مع الناس وهذا من ذكر الأخص بعد الأعم إذ ذكر أحوال مخرجه يدخل فيه ذكر أحوال مجلسه المذكور. (إلا على ذكر) أى ذكر الله كما فى نسخة إلا حال كونه متلبسا بالذكر. (حيث ينتهى به) ﷺ خلافا لمن زعم أن الضمير للجلوس. (المجلس) لكرم أخلاقه ومزيد تواضعه إذ لم يتكلف خطوة زائدة على الحاجة لحظ نفسه حتى يجلس صدر المجلس. (ويأمر بذلك) أى بالجلوس حيث انتهى المجلس إعراضا عن رعونات النفس وأغراضها الفاسدة، المنبئة عن مزيد التكبر والترفع. (بنصيبه) من البشر والكرامة اللائقين به، وأفرد الضمير؛ لأن كل إذا أضيفت إلى الجمع دلت على أن المراد كل فرد من أفراد ذلك الجمع، وأدخل الباء على المفعول الثانى تأكيدا، ويصح أنه محذوف، وأن بنصيبه صفته أى: شيئا بقدر نصيبه (لا يحسب جليسه. . .) إلخ فلكمال خلقه وحسن معاشرته ظن كل أنه من جلسائه لما ظهر له من عظيم بشره وقربه أنه أقرب الناس إليه، وهذا هو الغاية فى الكمال وقوله: (أحدا) أى من أمثاله كما هو ظاهر لا مطلقا وإلا فمن المعلوم المستقر أن الصحابة بأسرهم كانوا يعتقدون أن أبا بكر مثلا كان أكرم عليه منهم. (صابره) أى يصبر على ما يصدر منه، ولا يبادر بالقيام عنه، ولا يقطع كلامه، بل يستمر معه. (حتى يكون هو المنصرف) عنه ﷺ وهذا من عظيم خلقه وكريم تواضعه وهذا يتعلق بمجالسه، وأما فاوضه فالمراد بمصابرته فيه أنه يصبر لمفاوضته حتى ينقضى كلامه. (إلا بها) أى يتسرب عنده. (أو بميسور) أى حسن. (من القول) ليكون ذلك علاقته مسلاة له عن حاجته، وهذا من

стр. 485

قد وسع النّاس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده فى الحقّ سواء، مجلسه مجلس علم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن ــ فيه كمال سخائه، ومروءته، وحيائه، ومن ذلك الميسور: أن يعده العطاء إذا جاء أحد شىء، كما وقع له مع كثيرين، بل لما استخلف أبو بكر وجاءه مال قال: من كان له على رسول الله ﷺ عدة فليأتنا، فجاءه الذين كان وعدهم ﷺ فوفى لهم أو يرغبه عن الدنيا وزينتها، حتى يخرج حبها عن قلبه أو يشفع له إلى من يعطيه من مياسير أصحابه بسطه بشره، وطلاقة وجهه وخلقه، أى: أمر ذاته الظاهرة والباطنة. (فصار لهم أبا) فى الشفقة والرحمة وأعظم من أب، لأن غاية الأب أن يسعى فى صلاح الظاهر، وهو ساع فى صلاح الظاهر والباطن، ومن ثم أشفق على أهل الكبائر من أمته وأمرهم بالستر فقال: «من بلى بهذه القاذورات-يعنى المحرمات-فليستتر» وأمر أمته أن يستغفروا للمحدود، ويترحموا عليه لما سبوه ولعنوه، فقال: «قولوا: اللهم اغفر له اللهم ارحمه»، وقال لهم فى رجل كان كثيرا ما يؤتى به سكران بعد تحريم الخمر فلعنوه مرة، فقال: «لا تلعنوه فإنه يحبّ الله ورسوله». (وصاروا عنده فى الحق سواء) أى سواء توصل إليهم من معارفه وعلومه ما يستحقونه من غير أن يميزّ أحدا منهم على مساويه فى التأهل لقبول ذلك والاستعداد له لكمال عدالته ﷺ . (مجلس علم) نبيهم إياه. (وحياء) عظيم يتحلون به، ومن ثم كانوا يجلسون فيه على غاية من الأدب كأن على رءوسهم الطير. (وصبر) منه على جفائهم. (وأمانته) منهم على ما يقع فيه بحيث لا يمكن أحدا أن يزيد على ذلك، أو ينقص منه شيئا وإن قل، وذلك لما أنه كان فى مجلس تذكير بالله، وترغيب فيما عنده، وترهيب من سطوات انتقامه، إما بإقرائهم القرآن غضا طريا، أو بما آتاه الله من الحكمة والموعظة الحسنة، وتعليمهم أحكام دينهم وأسراره الظاهرة والباطنة، فترق قلوبهم ويزهدون فى الدنيا، ويرغبون فى الآخرة، ومن ثم قال أبو هريرة كما عند أحمد وغيره: «قلنا: يا رسول الله ما لنا إذا كنا عندك رقت قلوبنا وزهدنا فى الدنيا، وكنّا من أهل الآخرة، فإذا خرجنا من عندك وعافينا أهلنا وشمّنا أولادنا، أنكرنا قلوبنا فقال ﷺ : «لو أنكم إذا خرجتم من عندى كنتم على حالكم ذلك لزارتكم الملائكة فى بيوتكم» الحديث. (لا ترفع فيه الأصوات) لأنهم كانوا على غاية الخضوع والتأدب والإطراق كأنما على رءوسهم الطير، فليسوا ككثيرين من طلبة العلم يرفعون به أصواتهم فى درسهم ومجالسهم، إما لرياء، أو لعدم فهم، أو

стр. 486

الحرم، ولا تنثنى فلتاته، متعادلين، يتفاضلون فيه بالتّقوى، متواضعين، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصّغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب». ــ لعدم علم، أو صبر، أو أمانة. (ولا تؤبن) من الأبن وهو العيب. (فيه الحرم) أى المحارم، أى: لا يعبن ولا يرمين محلة سوء لصون مجلسه عن رفث القول وقبيحه. (لا تنثنى) بفوقية فنون فمثلثة من الثنو من ثنى يثنو إذا تكلم بقبيح أى: لا يشاع ولا يذاع. (فلتاته) أى زلاته، أى: إن وقع من أحد فيه زلة سترت فلا تذكر فى مجلس غيره، أو أن المراد كما قال ابن الأعرابى: إنه لا فلتات فيه تثنى فانثنى، فالنفى للفلتات نفسها لا لوصفها من الإذاعة، فالنفى لا يقيد لا للقيد وحده على حد لا يَسْئَلُونَ اَلنّاسَ إِلْحافاً أى لا سؤال منهم فلا إلحاف، فإن قلت: قد وقع فيه فلتات من أجلاء فالعرب يقول بعضهم له: «أعطى من مال الله الذى أتاك لا من مال أبيك وجدك». وقول الأنصارى: للزبير فى السقى فقضى ﷺ للزبير: «أن كان ابن عمتك» قلنا: مثل هذه الأجلاف لا تسمى فلتة، كيف وهى دأبهم ونشأتهم؟ وإنما تسمى فلتة ما وقع من كامل على خلاف طبعه وعادته، وهذه لم يحفظ وقوع شىء منها فى مجلسه، فإن حفظ، كان المراد بها،؛ لو وقعت نادرا سترت على صاحبها. (متعادلين) قيل: بنصب بتقدير كانوا وأولى منه؛ أنه حال متقدمة من ضمير. (يتفاضلون) أى متساوين فيما بينهم، فلا ترى أحدا منهم له تميز على جليسه وإن كان أجل منه علما وأقدم صحبة. (الكبير) أى هنا وقد لا: (الصغير) أى كذلك وورد: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا». (ويؤثرون ذا الحاجة) على أنفسهم فى تقربه من النبى ﷺ وتحدثه معه وغير ذلك. (ويحفظون الغريب) من الفوائد أى: يعتنون بحفظه وإتقانها، ومن الرجال، أى: يحفظون وده وإكرامه، ومن تواضعه ﷺ أنه لم يكن له بواب كما فى البخارى، لكنه اتخذ أبا موسى الأشعرى بوابا لما جلس على البئر ولا تنافى، بل الأول فيما إذا لم يكن فى شغل من أهله ولا انفراد فى أمره ح، فكان يرفع الحجاب بينه وبين الناس، والثانى فيما إذا كان فى شىء من ذلك، ومن ثم لما حلف النبى ﷺ أن لا يدخل على نسائه شهرا، وانفرد فى المشربة استأذن عليه عمر رضى الله عنه فقال: «يا رباح استأذن لى».

стр. 487

٣٢٢ - حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أهدى إلىّ كراع لقبلت، ولو دعيت عليه لأجبت». ٣٢٣ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن محمد ابن المنكدر، عن جابر، قال: «جاءنى رسول الله ﷺ ليس براكب بغل ولا برذون». ٣٢٤ - حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو نعيم، حدثنا يحيى بن الهيثم العطار، قال: سمعت يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: «سمّانى رسول الله ﷺ يوسف، وأقعدنى فى حجره، ومسح على رأسى». ــ ٣٢٢ - (كراع) هو ما دون الركبة من الساق. (عليه) أى إليه كما فى نسخة. (لأجبت) فيه: ندب قبول الهدية وإجابة الدعوة، ولو بشىء قليل فى كمال خلقه وحسن تواضعه. ٣٢٣ - (ولا برذون) هو الأعجمى، وهو أصبر من العربى، والعربى أسرع منه، ومجيئه ﷺ بدونهما دليل على تواضعه. ٣٢٤ - (فى حجره) هو بالكسر ما بين يديك من بدنك، وبالفتح فرج الرجل والمرأة، وحكى أنه بهما الحسن، وهو ما دون الإبط إلى الكشح، وأنه روى هنا بهما، والمصدر الذى هو المنع بالفتح لا غير، وفى الحديث: أنه يندب لمن يقتدى به، ويتبرك به تسمية

стр. 488

٣٢٥ - حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا أبو داود، أنبأنا الربيع بن صبيح، حدثنا يزيد الرقاشى، عن أنس بن مالك: «أنّ النّبىّ ﷺ حجّ على رحل رث وقطيفة، كنّا نرى ثمنها أربعة دراهم، فلمّا استوت به راحلته قال، لبّيك بحجّة لا سمعة فيها ولا رياء». ٣٢٦ - حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن ثابت البنانى وعاصم الأحول، عن أنس بن مالك: «أنّ رجلا خيّاطا دعا رسول الله ﷺ ، فقرّب له ثريدا عليه دبّاء فكان ﷺ يأخذ الدّبّاء، وكان يحبّ الدّبّاء. قال ثابت: فسمعت أنسا يقول: فما صنع لى طعام أقدر على أن يصنع فيه دبّاء إلا صنع». ــ ولد أصحابه، وتحسين الاسم، وأن أسماء الأنبياء من الأسماء الحسنة، ووضعه فى الحجر، ومسح رأسه وفى فعله ﷺ هذين كمال خلقه وعظيم رحمته وتواضعه وملاطفته. ٣٢٥ - (راحلته) هى من الإبل البعير القوى على الأسفار والأحمال، الذكر والأنثى فيه سواء. (لبيك) أى إقامة على إجابتك بعد إقامة من ألب بالمكان أقام، والأصل: ألبيت على خدمتك إلبابا أى: قمت عليها إقامة بعد إقامة. (لا سمعة فيها ولا رياء) بل خالص لوجهه تعالى. ٣٢٦ - (خياطا) مر حديثه فذكر هنا، لأن فيه دلالة على مزيد تواضعه ﷺ . (يقول. . .) إلخ فيه أنه يندب محبة ما كان ﷺ يحبه، ويندب أيضا تحرى طبخه وأكله.

стр. 489

٣٢٧ - حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنى معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، قالت: قيل لعائشة: ماذا كان يعمل رسول الله ﷺ فى بيته، قالت: «كان بشرا من البشر، يفلى ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه». ــ ٣٢٧ - (قالت. . .) إلخ صح عنها أيضا: «كان يخيط ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه ويخصف نعله» فى رواية أحمد: «ويرقع دلوه»، وفى أخرى له أيضا: «ويفلى ثوبه» أى: فى أوقات لما صح «أنه ﷺ كان له خدم». (بشرا من البشر) أى واحدا من أولاد آدم يعتريه ما يعتريهم من الاحتياج لنحو الأكل والشرب والمشى فى الأسواق ومن المحن والضرورات ومن الاشتغال فى مهنة أهله ونفسه، بما أرشد أمته إلى التواضع، وترك الترفع، ولأنه قد شرفه الله بالوحى والنبوة وكرمه بالمعجزات والرسالة قُلْ إِنَّماأَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ وردت بذلك على من يعتقد فى النبى أنه إله، أو ابنه، كما اعتقدت النصارى فى عيسى، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقوله: «لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم». (ويفلى ثوبه) أى يلتقط ما فيه من القمل ونحوه وظاهر ذلك أن نحو القمل كان يؤذى بدنه الشريف، إلا أن يقال لا يلزم من التفلية وجوده بالفعل، على أنه يحتمل أن التفلية من وسخ ونحوه، ثم رأيت ابن وسيع ونحوه قالوا: لم يكن القمل يؤذيه تعظيما له، وبعضهم أجاب بما يعلم رده مما قررته. ...

стр. 490

٤٨ - باب: ما جاء فى خلق رسول الله ﷺ ــ (باب ما جاء فى خلق رسول الله ﷺ هو بضم فسكون أو ضم مراد وفى الأصل المفتوح الأول كالشرب والشرب، لكن خص المفتوح بالهيئات والسور المدركة بالبصر، والمضموم بالقوى المدركة بالبصيرة، فهو ملكة إنسانية ينشأ عنها جميل الأفعال، وكمال الأحوال، وهو الصورة الباطنة من النفس، وأوصافها، ومعانيها المختصة بها، بمنزلة خلق للصورة الظاهرة، وأوصافها، ومعانيها، وأوصافها حسنة وقبيحة، لكن تعلق الكمال وضده، بأوصاف الأولى أكثر منه بأوصاف الثانية، ومن ثم تكررت الأحاديث فى مدح حسن الخلق، وأصل هذا الباب أن الله خلق الإنسان، وجعل له قلبا يعقل منه فيه فبكمال العقل؛ تقتبس الفضائل، وتجتنب الرذائل، وإن كان خبر: «إن الله لما خلق العقل قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال: أدبر فأدبر، قال: ما خلقت خلقا أشرف منك، فبك آخذ، وبك أعطى» كذبا موضوعا باطلا من سائر طرقه، ومدح العقل للعلم به عند كل أحد، غنى عن مثل هذا الكذب ومحله القلب على الأصح، ومن ثم كان إذا صلح القلب صلح سائر الجسد كله كما فى الحديث، وجعل سبحانه القلوب محل السر والإخلاص الذى هو سر الله يودعه قلب من يشاء من عباده، فأجل قلب أودعه ذلك قلبه ﷺ ، وقد جعل تعالى النفوس أعلاما على أسرار القلوب، فمن تحقق قلبه بسر الله الأكبر اتسعت أخلاقه بجميع الخلق والمحاسن الظاهرة، مما لم يشاركه فيه مخلوق أيضا، وتلك آيات على سر قلبه الشريف، كما تقرر، ومن ثم ورد: «أنه أوسع قلب اطلع الله عليه» أى: لما حباه به من شرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر، والشق المتكرر كما مر بيانها، واختلف: هل حسن الخلق غريزة، أو مكتسب؟ فقيل: غريزة، لخبر البخارى: «إن الله قسم أخلاقكم بينكم كما قسم أرزاقكم»، وقيل: مكتسب، لما صح فى خبر الأشج: إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة، قال: يا رسول الله قديمان كان فىّ، أو حديثان؟ قال: قديما، قال: الحمد لله الذى جبلنى على خلقين يحبهما» فترديد السؤال عليه، وتقريره يشعر بأن منه ما هو جبلى ومنه ما هو مكتسب، وهذا هو الحق، ومن ثم قال القرطبى: هو جبلة فى نوع الإنسان، وهم متفاوتون فيه، فمن غلبه حسنه فهو المحمود، وإلا أمر بالمجاهدة حتى يصير حسنا، وبالرياضة حتى يزيد حسنه وصح: «اللهم حسنت خلقى

стр. 491

٣٢٨ - حدثنا عباس بن محمد الدورى، حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ حدثنا ليث بن سعد، حدثنى أبو عثمان: الوليد بن أبى الوليد، عن سليمان بن خارجة، عن خارجة بن زيد بن ثابت، قال: ــ فحسن خلقى»، وفى مسلم فى دعاء الافتتاح: «واهدنى لأحسن الأخلاق لا يهدى لأحسنها إلا أنت» والظاهر أنه لما أراد بذلك العبودية، والخضوع لله، وإلا فهو مجبول على الأخلاق الكريمة فى أصل جبلته بالفضل الوهبى والجود الإلهى، من غير رياضة ولا تعب، بل لم تزل أنوار المعارف تشرق فى قلبه حتى اجتمع فيه من خصال الكمال ما لا يحيط به حد ولا يحصره عد، ومن ثم أثنى الله تعالى عليه فى كتابه العزيز فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وَعَلَّمَكَ مالَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اَللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً، فوصفه بأنه عظيم فى قوته العملية والعلمية، وبأنه مغمور فى الثانية، مستغرق فيهما، مشتغل عن الأولى، ووصفه بالعظيم مع أن الغالب وصف الخلق بالكرم أى: السماحة والدعابة، إشارة إلى أن خلقه لم يقصر على ذلك؛ بل كان رحيما بالمؤمنين رءوفا بهم، شديدا على الكفار، غليظا عليهم، مهابا فى صدور الأعداء، منصورا بالرعب منه مسيرة شهر، فوصف بالعظيم، ليعم الإنعام والانتقام، لكن مظاهر الأول فيه أكثر، ومن ثم ورد بسند ضعيف: «إن الله بعثنى بمكارم الأخلاق، وكمال محاسن الأفعال». وفى الموطأ بلاغا. «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» كيف وقد أدب بالقرآن؟ كما قالت عائشة: «كان خلقه القرآن» قال العارف الشهاب السهروردى: فيه رمز غامض، وإيما خفى إلى الأخلاق الربانية، فاحتشمت الحضرة الإلهية أن تقول: كان متخلقا بأخلاق الله، فعبرت عن هذا بأن خلقه القرآن، استحياء من سبحات الجلال، وستر اللحان، بلطيف المقال، لوفور عقلها، وكمال أدبها انتهى، فأوصاف خلقه العظيم لا تتناهى، كما أن معانى القرآن لا تتناهى، وهذا غاية فى الاتساع لا ينتهى لانتهائها، ومن ثمة سعت أخلاقه أخلاق هذا العالم فلهذا أرسله الله إلى الثقلين الإنس والجن، وكذا الملائكة، بل وإلى كافة الخلق كما فى مسلم. ٣٢٨ - (نفر) يقع على الثلاثة إلى العشرة لا واحد له من لفظه. (ماذا أحدثكم)

стр. 492

«دخل نفر على زيد بن ثابت، فقالوا له: حدّثنا أحاديث رسول الله ﷺ فقال: ماذا أحدّثكم؟. كنت جاره فكان إذا نزل عليه الوحى بعث إلىّ فكتبته له، فكنّا إذا ذكرنا الدّنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطّعام ذكره معنا، فكلّ هذا أحدّثكم عن النّبىّ ﷺ ». ٣٢٩ - حدثنا إسحاق بن موسى، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن ــ كأنهم طلبوا الإحاطة بأحواله ﷺ فتعجب من ذلك، لأنها لا يمكن الإحاطة بها، بل ولا ببعضها من حيث الحقيقة والكمال الذى لا نهاية له، فأفادهم بهذا التعجب رد ما وقع فى نفوسهم، ثم أفادهم بعض ذلك على وجه يدل على غاية ضبط وإتقان لما يرويه، فقال: (كنت جاره. . .) إلخ أى: بيتى قريب من بيته فلى خبرة وإحاطة بأحواله أتم من غيرى. (بعث إلى) فيه مزيد اعتنائه بأمر الدين. (فكتبته) أى الوحى فهو من جملة كتبة الوحى بل أجلهم، ومن ثم كان يكتب له أيضا الكتب التى يرسلها للملوك وغيرهم، وهو أحد الأربعة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، وأحد الثلاثة الذين جمعوا الصحف فى خلافة أبى بكر بأمره لعمر لهم بذلك، وهذا هو الجمع الأول، والثانى كان فى زمن عثمان، وهو الذى استمر عليه الأمر، وهو أيضا أعلم الصحابة بالفرائض، كما فى الحديث الصحيح: «أفرضكم زيد». (ذكره معنا. . .) إلى آخره فيه دليل ظاهر على كمال خلقه، وحسن معاشرته، وغاية تلطفه بأصحابه ﷺ ليزيد إقبالهم عليه، واستفادتهم منه. (فكل) بالرفع كما هو الرواية، ويجوز النصب فالتقدير: أحدثكم إياه. (هذا. . .) إلخ أعاده ليؤكد به الحديث، ويظهر اهتمامه به، ولا ينافى هذا ما تقرر فى الباب قبل هذا فى أحواله فى مجلسه، لأن ذكر الدنيا والطعام، قد يقترن به فوائد علمية، أو أدبية، وتقرير خلوه منهما، ففيه بيان جواز تحدث الكبير مع أصحابه فى المباحات، ومثل هذا البيان واجب عليه ﷺ . ٣٢٩ - (العاصى) الجمهور على كتابته بالياء وحذفها لغة، كما قرأ به السبعة فى

стр. 493

إسحاق، عن زياد بن أبى زياد، عن محمد بن كعب القرظى، عن عمرو بن العاص، قال: «كان رسول الله ﷺ يقبل بوجهه وحديثه على أشرّ القوم، يتألفهم بذلك. فكان يقبل بوجهه وحديثه علىّ، حتّى ظننت أنّى خير القوم. فقلت: يا رسول الله: أنا خير أو أبو بكر؟ فقال: أبو بكر. فقلت: يا رسول الله: أنا خير أم عمر؟ فقال، عمر. فقلت: يا رسول الله: أنا خير أم عثمان؟ فقال: عثمان: فلمّا سألت رسول الله ﷺ فصدقنى، فلوددت أنّى لم أكن سألته». ــ الكبير المتعال. (أشر القوم) استعمال الألف فيه لغة قليلة هكذا والأكثر شر، وكذا يقال فى خير وأخير. (يتألفهم) جملة استئنافية من أسلوب الحكيم كأنه قيل: لما يفعل ذلك؟ قال: يتألفهم أى يستأنفهم لتزداد رغبتهم فى الإسلام، والضمير للأشر، لأنه جمع فى المعنى، أو للقوم، لأن التألف كان عاما لجميعهم، لكنه يزيد فى الأشر، ولا ينافى هذا ما تقدم مما يدل على استواء أصحابه فى إقباله عليهم، لأن ذلك حيث لا عذر هنا تخصيص بالإقبال بالأشر، إنما هو لعذر التألف. (حتى ظننت أنى خير القوم) هذا من عظيم تألفه، وحسن معاشرته، وكريم خلقه ﷺ فى التألف مر هنا، وظنه ذلك لأنه كان حديثا فى الإسلام، إذ إسلامه قريب فتح مكة كخالد بن الوليد رضى الله عنه فكان لا يعرف شيمته ﷺ من التألف، فظن بكثرة إقباله عليه أنه خير القوم فسأله عما يأتى قبل التفريع فى قوله: «فكان يقبل» اهه يقتضى كما هو الظاهر أن يقال: حتى ظننت أنى أشر القوم، ولذا فسر بعضهم إلى خلاف ذلك الظاهر فقال: الفاء تعليلية لا تفريعية انتهى، ويجاب: بأنه رضى الله عنه حكى شيمته ﷺ باعتبار ما فى باطن الأمر لما عرضها بعد وباعتبار ما ظنه لجهله بهذا أولا فالتفريع بالاعتبار الأول، والظن بالاعتبار الثانى، وحاصله: أنه لما أقبل عليه ظن أنه خير القوم، وفى الحقيقة: أن إقباله عليه يدل على أنه شر القوم كما هو عادته فى التألف، فتأمل ذلك، فإنه مهم ليزيد إقبالهم عليه، واستفادتهم منه. (فصدقنى) أجاب سؤالى بجواب خفى، والفاء فى جواب لما مر على ما فى أكثر النسخ سائغة كما صرح به بعض أئمة النحو أى لكنها خلاف الغالب، ولم يزدد ذلك من قال: إنها زائدة، والجواب بعدها مقدر أى: لما سألته فصدقنى ندمت، وح فقوله: (فلوددت) عطف على فصدقنى على الأول، وعلى ندمت المقدر على

стр. 494

٣٣٠ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعى، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: «خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لى: أفّ قطّ، وما قال لشىء صنعته لم صنعته، ولا لشىء تركته لم تركته، وكان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقا، ولا مسست خزا ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كفّ رسول الله ﷺ ، ولا شممت مسكا قطّ، ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله ﷺ ». ــ الثانى. (أنى لم أكن سألته) أعاد ذلك لأنه قبل السؤال كان يظن أن إقباله ﷺ لخيريته، فلما سأل وبان له أن إقباله إنما هو للتألف، وأن زيادته ينبئ عن الشر، فإن الإقبال ربما أنبأ عن شر عنده، فندمه لذلك، بل ولظهور خطأ ظنه الذى يستحق منه مثله، وهذا جواب ظاهر، ووقع لبعضهم هنا ما لا يفهم بعضه، ولا ينبغى نقله فاجتنبه، والحامل لعمرو على ذلك: بيان ما كان عليه ﷺ من عظيم التألف، ليقتدى به أمته فى ذلك، وإرشادا للسائل إلى أنه ينبغى أن لا يسأل عن شىء، إلا بعد تحقق أمره، وإلا بان خطؤه، وظهرت فضيحته وفى نسخة مصححة: «فصدّقنى» بالتشديد، قيل: وجهه غير ظاهر انتهى، ويوجه: بأنه صدقه فى ظنه أنه خير أصحابه لجهله بعادته، فلذلك لم يعمقه فى تطلعه إلى أفضليته حتى على الشيخين، وهذا معنى صحيح، فليحمل التشديد عليه، وعلى نسخة: «صدقنى» بلا فاء تكون جملة حالية بتقدير قد سواء فى ذلك المخفف والمشدد. ٣٣٠ - (عشر سنين) هى أكثر الروايات، ورواية مسلم: «تسع سنين» وهى محمولة على التحديد، والأولى على التقريب الفاء للكسر، إذ خدمة أنس له إنما هى فى أثناء السنة الأولى. (أف) اسم فعل للتضجر والتأوه يستعمل فى كل ما يستقذر للواحد والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث بلفظ واحد ولغاتها عشر معروفة. (قط) بضم الطاء المشددة مع فتح أوله، وضمه وبفتح فسكون، ثم الكسر مع التشديد وعدمه، وهى لتوكيد نفى الماضى. (وما قال. . .) إلخ فيه بيان كمال خلقه، وحسن عشرته،

стр. 495

٣٣١ - حدثنا قتيبة بن سعيد، وأحمد بن عبدة الضبى، والمعنى واحد، قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن سلم العلوى، عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ : «أنّه كان عنده ﵇ رجل به أثر صفرة. قال: وكان رسول الله ﷺ لا يكاد يواجه أحدا بشىء يكرهه، فلمّا قام، قال للقوم: لو قلتم له يدع هذه الصّفرة». ــ وعظيم حلمه، وصبره وفى ذلك فضيلة تامة لأنس، لأنه لم يرتكب فى تلك السنين من أمور الخدمة ما يقتضى المؤاخذة شرعا، إذ سكوته ﷺ عن الاعتراض عليه يستلزم ذلك، لأنه ﷺ كان لا يسكت على حرام. (وكان) تعميم بعد تخصيص، لئلا يتوهم أن هذا شأنه مع أنس فقط. (من أحسن) لا ينافى كونه أحسن ألا ترى أنك لو قلت: زيد من أفضل علماء البلد لم يناف ذلك كونه أفضلهم؟ إذ الأفضل المتعدد بعضه أفضل من بعض، فتأمله مع جواب بعضهم عنه: بأن كان للاستمرار والدوام، فإذا كان دائما من أحسن الناس خلقا كان أحسن الناس خلقا انتهى، يظهر لك مما لا يخفى على ذى ذوق سليم. (خزا) هو مركب من حرير وغيره، وهو مباح إن لم يزد الحرير وزنا، ولا عبرة بزيادة الظهور فقط. (ولا شيئا) تعميم بعد تخصيص. (شممت) بكسر الميم الأولى ويجوز فتحها. (ولا عطرا) تعميم بعد تخصيص أيضا. ٣٣١ - (لا يكاد يواجه) أى لا يقرب من أن يقابل أحدا بشىء يكرهه، وهذا لتضمنه نفى القرب من المواجهة أبلغ من لا يواجه. (لو قلت) للشرط فالجزاء محذوف أى: لكان أحسن أى: لأن فيه نوع تشبه بالنساء، وهو من غير قصد التشبه بهن مكروه، أو
следующие страницы →