← Сира

Сира · id 122255

أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (602 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بعد رمضان صوم المحرم» (١) رواه مسلم، إما لاحتمال أنه لم يعلم أفضل الصوم المحرم إلا فى آخر حياته، وإن كان يعرض له فيه وفى بيته المحرم عذر يشق معه الصوم كسفر ومرض، وإما أنه كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو لغيره، لخبر الطبرانى بسند ضعيف عن عائشة «كان ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر» (٢) فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان، وإما تعظيما لرمضان لخبر غريب عند المصنف قال: وفيه صدقة، وهو ليس بذلك القوى، وسئل ﷺ : «أى الصوم أفضل بعد رمضان قال: شعبان» (٣) لتعظيم رمضان، وإما لأنه يغفل عنه للخبر الصحيح عن أسامة «قلت: يا رسول الله ﷺ لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم شعبان قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملى وأنا صائم» (٤) فبين ﷺ حكمة إفراده: بأن لما اكتنفه شهران عظيمان اشتغل الناس بهما فصار مغفولا عنه مع ما انضم لذلك من رفع الأعمال فيه، أى: رفع جملة أعمال جميع السنة، فلا ينافى رفعها كل يوم وليلة ويوم الإثنين والخميس، لأن الأول خاص بأعمال اليوم والليلة، والثانى خاص بأعمال الأسبوع، قيل: ويؤخذ من هذا الحديث: أن صوم شعبان أفضل من صوم رجب انتهى، وله وجه، لكن مذهبنا أن رجب أفضل لأنه من الحرم وقد مر عن مسلم «أن المحرم أفضل» (٥) فيقاس به رجب كيف وقد قال بعض الشافعية: إنه أفضل الحرم؟ لكنه

стр. 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ضعيف، وفى سنن أبى داود: «أنه ﷺ ندب إلى الصوم من الأشهر الحرم» (١) ورجب أحدها، وعن عروة «أنه قال لعبد الله بن عمر: هل كان رسول الله ﷺ يصوم فى رجب؟ قال: نعم وشرفه قالها ثلاثا» (٢) أخرجه أبو داود وغيره، وعن أبى قلابة «إن فى الجنة قصرا لصوام رجب» قال البيهقى: أبو قلابة من كبار التابعين لا يقوله إلا عن بلاغ، وأما ما ذكره ابن ماجه من حديث ابن عباس «أنه نهى عن صيامه» فالصحيح: وقفه على ابن عباس، فلا حجة فيه، وإما لأنه ينسخ فيه الآجال لخبر ضعيف عن عائشة «قلت: يا رسول الله أرى أكثر صيامك فى شعبان، قال: إن هذا الشهر يكتب فيه لملك الموت من يقبض، فإنى أحب أن لا ينسخ اسمى إلا وأنا صائم»، وإما لأن صومه كالتمرن على صوم رمضان، والمنهى عن الصوم فى النصف الثانى من شعبان محله فى ما لم يصله بما قبله، ولم تكن له عادة، ولا قضاء عليه، ولا نذر. فائدة: روى أبو داود: «أنه ﷺ كان يصوم تسع ذى الحجة» (٣)، ولا ينافيه خبر مسلم عن عائشة: «ما رأيته صائما فى العشر قط» (٤)، لأنه لا يلزم من انتفاء رؤيتها انتفاء وقوع ذلك كيف وقد أثبت غيرها؟ وفى البخارى «ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه فى هذه» (٥) يعنى العشر الأول من ذى الحجة والصوم من العمل الصالح، وفى رواية: «ما من علم أزكى عند الله، ولا أعظم أجرا من خير يعمله فى عشر الأضحى» (٦)، وفى

стр. 423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صحيح أبى عوانة وابن حبان: «ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذى الحجة» (١) وهو صريح فى أن هذا العشر أفضل أيام السنة، ولا ينافيه خبر مسلم: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة يوم عرفة والنحر» (٢) وما من جملة العشر، وسبب امتيازه: اجتماع أمهات العبادة فيه من نحو الصلاة والصوم والحج، كذا قيل وفيه وقفه من أن ظاهر الحديث أنه أفضل بالنسبة للحاج وغيره، إلا أن يقال: إن صلاحيته لذلك اقتضت أفضليته مطلقا، واستفيد من قوله: «ما من أيام» أن أيامه أفضل حتى من العشر الأخير من رمضان، لاشتماله على يوم عرفة لم ير الشيطان أحقر منه فيه، وأن صومه يكفر سنتين، وعلى أعظم الأيام عند الله وحرمته وهو يوم النحر الذى سماه الله يوم الحج الأكبر وليالى العشر الأخير أفضل من لياليه لاشتماله على ليلة القدر التى هى خير من ألف شهر، قال ابن النقاش وأطنب فى الانتصار له، وله وجه لكن الذى يصرح كلام الأئمة أن أيام العشر الأخير أفضل من أيام هذه أيضا بل أيام جميع رمضان أفضل لأنه سيد الشهور كما فى الحديث، ولأن الله اختارها لهذا الغرض الذى أضافه لنفسه دون بقية العبادات ومن ثم كان الصوم أفضل من الحج فتخصيص الشارع لها بالأفضل دليل على أنها أفضل، وح تعين حمل تلك الأحاديث على رمضان ويؤيده أن أفضلية الزمن ليس معناها، إلا أفضلية العبادة فيه، وقد تقرر أن عبادة أيام رمضان أفضل من عبادة أيام تلك العشر، فكانت تلك أفضل من هذه.

стр. 424

٢٨٨ - حدثنا القاسم بن دينار الكوفى، حدثنا عبيد الله بن موسى، وطلق بن غنام، عن شيبان، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله، قال: «كان النّبىّ ﷺ يصوم من غرّة كلّ شهر ثلاثة أيّام، وقلما كان يفطر يوم الجمعة». ــ ٢٨٨ - (من غرة كل شهر) أى من أوله. (ثلاثة أيام) رواه أيضا أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة، وإنما كان يفعل ذلك ليفتتح الشهر بما يحصل عليه، إذ الحسنة بعشر أمثالها، ومن ثمة: ورد عنه ﷺ أنه قال: «صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله» (١)، وروى مسلم: «ثلاثة أيام من كل شهر ورمضان إلى رمضان فصيام الدهر كله» (٢). (وقلما كان يفطر يوم الجمعة) لا ينافى كراهة صومه لنهيه بقوله فى الحديث المتفق عليه: «لا يصوم أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده» (٣) لاحتمال أنه كان يصومه مضموما إلى الخميس والسبت، وعند ضمه إلى غيره

стр. 425

٢٨٩ - حدثنا أبو حفص: عمرو بن على، حدثنا عبد الله بن أبى داود، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن ربيعة الجرشى، عن عائشة قالت: «كان النّبىّ ﷺ يتحرّى صوم الإثنين والخميس». ــ لا كراهة، وإنما المكروه: إفراده كما دل عليه الحديث، وسبب الكراهة أمور أصحها: أنه يوم عيد يتعلق به وظائف كثيرة دينية، والصوم يضعفه عنها، ومن ثمة كره صوم عرفة للحاج، لأنه يضعفه عن تلك الوظائف الدينية التى هى فيه بخلاف ما إذا ضم إلى غيره، فإن بصلة صوم ما قبله أو ما بعده يجبر ما فات سبب ذلك الضعف، لكن على هذا يصح أن يقال: أفضلية صوم يوم الجمعة يجبر ما فات من الوظائف، وكذا لا يكره إن وافق نذرا كأن نذر صوم يوم قدوم زيد فوافقه وأما دعوى: أن صوم يوم الجمعة بلا كراهة من خصائصه ﷺ يحتاج إلى دليل، ومجرد صومه مع نهيه لا يدل على الخصوصية، إلا لو ثبت أنه كان يفرده، ويداوم إفراده، وإلا احتمل أنه لبيان الجواز، وكذا دعوى: أن المراد بالصوم الإمساك إلى ما بعد صلاة الجمعة ثم يتعدى ح، ولم يبلغ مالكا النهى عن صومه فاستحسنه وأطال فى موطأه وهو وإن كان معذورا لكن السنة مقدمة على ما رواه هو وغيره قاله النووى. ٢٨٩ - (الجرشى) بجيم مضمومة فراء مفتوحة فمعجمة. (قالت. . .) إلخ رواه

стр. 426

٢٩٠ - حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو عاصم، عن محمد بن رفاعة، عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة: «أنّ النّبىّ ﷺ قال: تعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس، فأحبّ أن يعرض عملى وأنا صائم». ــ النسائى أيضا. (يتحرى) أى يقصد يوم. (الإثنين والخميس) من إضافة المسمى إلى الاسم أى: صومهما، لأن الأعمال تعرض فيهما كما فى الحديث الآتى قريبا، ولأن «الله يغفر فيهما لكل مسلم إلا المتهاجرين» (١) رواه أحمد، أى: المتقاطعين لمن تحرم مقاطعته واستشكل استعمال الإثنين فالنون مع قولهم أن المثنى وما ألحق به، إذا جعل علما وأعرب بالحركة يلزمه الألف كما أن الجمع، إذا جعل كذلك تلزمه الواو إلا ما شذ، واستثنوا من الأول البحرين فإن الأكثر فيه الياء انتهى، ويجاب: بأنه يؤخذ من هذا أن الإثنين كالبحرين فى ذلك، لأن عائشة من أهل اللسان فيستدل بنطقها كذلك على أن ذلك أى: لا الألف لغة فيه. ٢٩٠ - (تعرض الأعمال. . .) إلخ أى: على الله كما فى رواية المصنف فى غير هذا

стр. 427

٢٩١ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو أحمد، ومعاوية بن هشام، قالا: حدثنا سفيان عن منصور، عن خيثمة، عن عائشة قالت: «كان النّبىّ ﷺ يصوم من الشّهر: السّبت والأحد، والإثنين، ومن الشّهر الآخر: الثلاثاء والأربعاء، والخميس». ــ الكتاب وفى رواية النسائى: «على رب العالمين» ولا ينافيه عرضها ليلا ونهارا كما دل عليه حدوث نزول ملائكة الليل وملائكة النهار، لرفع ذلك وعرضه وخبر مسلم: «يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل» (١) لأن هذا عرض تفصيلى، وذلك عرض إجمالى، وتعرض أيضا ليلة النصف من شعبان، أول ليلة القدر عرضا إجماليا أيضا، لكنه أعم من ذلك الإجمال، لأنه عرض لأعمال السنة، وذلك عرض لأعمال الأسبوع كما مر قريبا، وروى مسلم: «أنه ﷺ سئل عن صوم الإثنين فقال: فيه ولدت وفيه أنزل علىّ» (٢). ٢٩١ - (يصوم من الشهر السبت. . .) إلخ إنما فعل ذلك ليبين فيه أفضلية جميع أيام الأسبوع ولم يوالها من أسبوع واحد لئلا يشق على الأمة الاقتداء به فى ذلك وإنما ترك الجمعة هنا، لأنه كان يكثر صومه على ما مر، واختارت عائشة وآخرون العمل بقضية هذا فعينوا الثلاثة التى تعين فى كل شهر فى السبت وتالييه من شهر وفيه. (والثلاثاء) من شهر بعده وهكذا، وروى النسائى: «كان ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام الإثنين

стр. 428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والخميس من هذه الجمعة، والإثنين من المقبلة» (١)، وفى رواية: «أول اثنين من الشهر ثم الخميس الذى يليه» (٢) وروى أحمد والنسائى بسند فيه مجهول، أو مجهولان: «أنه ﷺ كان أكثر الأيام: صياما السبت والأحد، ويقول: إنهما عيدا المشركين، وإنى أحب أن أخالفهما» (٣)، ولا ينافيه خبر أحمد وجماعة: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا عود شجرة فليمضغه» (٤) لأن محل النهى إن أفرد بالصوم. تنبيه: سمى يوم السبت بذلك، لأن السبت: القطع، وذلك أنه انقطع فيه الخلق، وقول اليهود لعنهم الله: إن الله استراح فيه تولى الله رده عليهم بقوله: وَمامَسَّنامِنْ لُغُوبٍ (٥) تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ومن ثمة: أجمعوا على أنه لا أبله من اليهود، والأحد بذلك؛ لأنه أول الأسبوع على خلاف فيه حررته فى شرح العباب، وتسمية الباقى إلى الجمعة ظاهر، وسمى يوم الجمعة بذلك؛ لأنه فيه تم خلق العالم فاجتمعت أجزاؤه فى الوجود، ثم هذه الأسماء من الأقلام الغالبة وهى تلزمها اللزم، والإضافة إلى علم، إلا ما شذ كإثنين، فإنه علم عند سيبويه علم لليوم بلام ودونها، لكن خالفه المبرد. (والإثنين) روى بكسر النون وهو القياس، لأن إعراب الأعلام الغالبة على أصلها، وبفتحها إعرابا له بالحركات وكذا يقال فى الجمع العلم، ومر فيه إشكال وجوابه: (الثلاثاء) يجوز فيه أيضا الثلثاء بوزن العلماء. (والأربعاء) بتثليث الباء.

стр. 429

٢٩٢ - حدثنا أبو مصعب المدينى، عن مالك بن أنس، عن أبى نضر، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: «ما كان رسول الله ﷺ يصوم فى شهر أكثر من صيامه فى شعبان». ٢٩٣ - حدثنا محمود-بن غيلان-، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن يزيد الرّشك، قال سمعت معاذة قالت لعائشة: «أكان النّبىّ ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كلّ شهر؟ قالت: نعم. قلت: من أيّه كان يصوم؟ قالت: كان لا يبالى من أيه صام». ــ ٢٩٢ - (أكثر من صيامه فى شعبان) مر أن الحرم أفضل منه للصوم، وأن إكثاره الصوم فى شعبان لا يدل على أنه أفضل كما مرّ. ٢٩٣ - (الرشك) مر قريبا. (الضبعى) بضم المعجمة وفتح الموحدة، وهو أحمد ثقة روى عنه الستة فى صحاحهم، وقصد الترمذى بذلك: الرد على من زعم أنه لين الحديث، وذكر هذا هنا دون ما مر، لأن ما رواه هنا يعارضه ما مر أنه ﷺ كان يصوم الغرة والإثنين والخميس وأيام البيض ونحو ذلك مما فيه أنه يأتى ببعض أيامه وعينها لصومه، فربما طعن طاعن فى يزيد بهذا أفرده بتوثيقه مع الإشارة إلى أنه لا تعارض، ووجهه أن معنى كونه لا يبالى، وأنه كان كثيرا فى أوقاته، يترك تلك الأيام المذكورة ويصوم غيرها من بقية الشهر، فلم يكن يلزم أياما بعينها لا ينفك عنها نظير ما مر قريبا،

стр. 430

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهما (١) ساعات الليل بالنسبة لقيامه ونومه. (قالت: قلت لعائشة. . .) إلخ رواه عنها كذلك أيضا مسلم. (من أيه) أى من أىّ أيامه، لأن أىّ إذا أضيفت إلى جمع معروف يكون السؤال عن تعيين بعض أجزائه كأى منهما جاء أى: زيد أم خالد فلا حاجة لتقدير شارح مضافا بينها وبين الضمير، قالوا: ولعله ﷺ لم يواظب على ثلاثة معينة لئلا يظن تعيينها وما قيل (٢) السنة يحصل بصوم أى ثلاثة أيام من الشهر، والأفضل صوم يوم الثالث عشر وتالييه، وعن صوم الثانى عشر احتياطا وسن أيضا: صوم ثلاثة أيام من أول الشهر، وثلاثة من آخره السابع والعشرين وتالييه، ومن اختار صوم البيض كثيرون من الصحابة والتابعين، وروى النسائى عن ابن عباس: «كان ﷺ لا يفطر أيام البيض فى حضر ولا سفر» (٣) وروى أحمد عن حفصة: «أربع لم يكن ﷺ يدعهن: صيام عاشوراء، والعشر، وأيام البيض من كل شهر، وركعتى الفجر، وكأن المراد بالعشر ذى الحجة «للغالب كان. . .» (٤) إلخ رواه عنها أيضا الشيخان وغيرهما مع بعض تخالف لا يغير المعنى، واستفيد منه تعيين وقت الأمر بصيامه وهو أول قدومه المدينة لها كان فى ربيع الأول، فيكون من الأمر به أول السنة الثانية، وفى شعبانها (٥) فرض رمضان فلم يقع الأمر بصومه إلا سنة واحدة، ثم فرض صومه إلى رأى المتطوع، فعلى فرض صحته دعوى أنه كان قد فرض، فقد نسخ فرضه بهذا الحديث الصحيح، وروى الشيخان عن ابن عمر أنهم كانوا يصومونه وأنه ﷺ قال: «إن عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صامه» (٦) ومسلم عن سلمة بن الأكوع: «بعث ﷺ رجلا من أسلم يوم عاشوراء فأمره أن يؤذن فى الناس من كان لم يصم فليصم، ومن أكل فليتم صومه إلى الليل» واختلفوا هل كان واجبا حين شرع صومه؟ فقال أبو حنيفة: نعم وقال أصحابنا: لا، لكنه كان متأكد الندب فلما فرض رمضان خفف ذلك التأكيد، احتج أبو حنيفة

стр. 431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بقوله أمر بصيامه، والأمر للوجوب، وبقوله فلما فرض رمضان، قال: «من شاء صامه ومن شاء تركه» (١) واحتج أصحابنا بقوله «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه» (٢) قالوا: ومعنى «فأمره أن يؤذن» اه أن من كان نوى صومه فليتمه ومن لا يمسك بقية يومه وإن أكل لحرمة اليوم فليس هذا الإمساك حقيقة صوم لأنهم أكلوا ثم أمروا بالإتمام، فلم يدفع الاحتجاج به على إجزائية صوم الفرض من النهار، سيما وقد وافق أبو حنيفة-القائل بالإجزاء-على أن شرطه أن لا يتقدم مفسد كأكل، ورجح بعض المتأخرين من محدثى الشافعية: أنه كان واجبا ثم نسخ الأمر به، ثم تأكيده تأكيد العام، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن الأطفال، ثم بقول ابن مسعود فى مسلم لما فرض رمضان ترك صوم عاشوراء مع علمه، بأنه ما ترك ندبه، وبأن القول بالمنسوخ تأكد ندبه، والباقى مطلق ندبه ضعيف، بل تأكده باق سيما مع الاهتمام به حيث قال: «لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر» ولترغيبه فى صومه وأنه يكفر السنة فأىّ تأكيد أبلغ من هذا؟ انتهى، ولك رده: بأن قوله: «ولم يكتب عليكم صيامه» صريح فى نفس الوجود، وزيادة تلك التأكيدات كلها، لا تنافى عدم الوجوب، لأن المؤكد له مراتب، ونحن لا نقول: زاد تأكده بالكلية، بل الذى نقول أن تأكده بأىّ لكنه دون ذلك التأكيد، لأنه لما شرع صومه كان متفردا لا يشركه غيره، فكان تأكده أعظم من مشروعيته مع وجود غيره له، اندفع بذلك جميع ما احتج به فظهر ما قاله الأصحاب.

стр. 432

٢٩٤ - حدثنا هارون بن إسحاق الهمدانى، حدثنا عبدة بن سليمان، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «كان عاشوراء يوما تصومه قريش فى الجاهليّة، وكان رسول الله يصومه، فلمّا قدم المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما افترض رمضان، كان رمضان هو الفريضة، وترك عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه». ــ ٢٩٤ - (عاشوراء) بالمد على المشهور وهو عاشوراء المحرم عند جمهور العلماء سلفا وخلفا، لكن فى مسلم عن ابن عباس أنه قال لسائل عن صومه: «إذا رأيت هلال المحرم فاعدده وأصبح يوم التاسع صائما فقال: أهكذا كان محمد ﷺ يصومه؟ قال: نعم» (١)، وظاهره أن عاشوراء هو تاسع المحرم أخذا من أشاء الإبل، فإن العرب تسمى اليوم الخامس من الورود رابعا وهكذا سيأتى فى الحديث ما يرده على أنه، قيل: أراد بذلك العاشر لقوله فى رواية أخرى: «إذا أصبحت من تاسعه فأصبح صائما» إذ لا يصبح صائما بعد ما أصبح صائما تاسعه، إلا إذا نوى الصوم الليلة المقبلة، وهى ليلة العاشر، وقيل: إنما أمره بصوم التاسع والعاشر بمعرفته أن عاشوراء هو اليوم العاشر فإخباره بأن ﷺ كان يصومه، إما على حقيقته، أو يأول بأنه حمل فعله على الأمر به، وعرفه عليه فى المستقبل انتهى، والثانى ممكن بخلاف الأول لمنافاته قوله ﷺ لما صام عاشوراء فقالوا له: يا رسول الله: يوم تعظمه اليهود والنصارى: «فإن كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع» قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفى ﷺ وفى رواية:

стр. 433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» (١) رواه مسلم، وفى الحديث أيضا تصريح بأن الذى كان يصومه ليس هو التاسع، فتعين كونه العاشر (تصومه قريش) هم ولد النضر ابن كنانة، وقيل: فهر بن مالك. (فى الجاهلية) هم من قبل بعثته ﷺ ، ثم يحتمل أنهم تلقوه من أهل الكتاب وهم كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة، وعن عكرمة: «أنه سئل عن ذلك فقال: أذنبت قريش ذنبا فى الجاهلية فعظم فى صدورهم فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك». (يصومه) يحتمل أن يكون موافقة لهم فى الحج، وفيه رد على من استشكل الخبر الآتى فى سؤاله ﷺ اليهود لما قدم المدينة عن سبب صومه ثم موافقته لهم بأنه كيف يرجع لخبرهم، ووجه الرد: أنه كان يصومه كما تصومه قريش فى مكة فلما قدم المدينة ووجد اليهود يصومونه صامه أيضا بوحى، أو تواتر منهم أو اجتهاده مجرد أيضا إخبار آحادهم قاله النووى كالماوردى ردا على عياض، وقال القرطبى: يحتمل أن يكون استئلافا لهم كما استألفهم كاستعمال قبلتهم وعلى كل، فلم يصمه اقتداء بهم، فإنه كان يصومه قبل ذلك، وكان ذلك فى وقت يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه، سيما إذا كان فيه ما يخالف أهل الأوثان، فلما فتحت مكة، واشتهر الإسلام أيضا عزم على صوم التاسع لما قيل له: إنهم يعظمونه، فعلم أن سبب صومه عدم التشبه باليهود فى المراد العاشر، وقيل: سببه الاحتياط فى صوم العاشر، والأول أولى لخبر البزار: «صوموه وخالفوا فيه اليهود وصوموا قبله يوما وبعده يوما» (٢) ولأحمد نحوه. (صامه وأمر بصيامه) سبب ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس أنه لما قدم ما رأى اليهود يصومونه فقال لهم: «ما هذا اليوم الذى تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم» وفى رواية صالح «أنجى الله فيه موسى وبنى إسرائيل من عدوهم، وأغرق فيه فرعون وقومه فصامه موسى فصامه وأمر بصيامه» (٣) وفى رواية: «فنحن نصومه فقال ﷺ فنحن أحق وأولى بموسى منكم فصامه وأمر

стр. 434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بصيامه» (١) وفى رواية فنحن نصومه تعظيما له»، وفى رواية: «أنه لما قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء»، ولا إشكال فإن كان قدم فى شهر رفيع، لأن فى الكلام حذفا تقديره: قدمها، فأقام إلى يوم عاشوراء فوجد اليهود صياما، وهذا أصوب من تأويله بأنه يحتمل أن أولئك اليهود كانوا يحسبونه بحساب السنين الشمسية فصادف بحسابهم يوم قدومه المدينة، ثم ظاهر الحديث أن سبب صومه موافقتهم على الشكر، ولا ينافيه خبر البخارى «كان عاشوراء يوما تعده اليهود عيدا قال ﷺ فصوموه أنتم» (٢) إذ لا يلزم من تعظيمهم له واعتقادهم عيدا أنهم كانوا لا يصومونه، بل صومه من جملة تعظيمه لخبر مسلم «كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدا» (٣)، وحاصل ما ورد فيه: «أنه ﷺ كان يصومه بمكة، ولا يأمر به ثم لما قدم المدينة صامه، أو أمر به، ثم لما فرض رمضان تركه» وقال: «إنه يوم من أيام الله فمن شاء صامه، ومن شاء تركه ثم عزم آخر عمره أن يضم إليه التاسع» (٤)، وفى مسلم: «إنه يكفر سنة وصوم يوم عرفة يكفر سنتين» (٥) وحكمته أنه منسوب لموسى وعرفة منسوب للنبى ﷺ ولذلك كان أفضل وورد: «من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه السنة كلها» (٦) وله طرق قال البيهقى: أسانيدها كلها ضعيفة، ولكن إذا انضم بعضها لبعض أفاد قوة وصحح بعضها الحافظ ابن ناصر الدين، وأقره الزين العراقى، وهو حسن عند ابن حبان، وله طرق أخرى. (فلما افترض رمضان) أى فى شعبان فى السنة الثانية من الهجرة. (فمن شاء صامه ومن شاء تركه) مر ما فيه.

стр. 435

٢٩٥ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: «سألت عائشة: أكان رسول الله ﷺ يخصّ من الأيام شيئا؟ قالت: كان عمله ديمة، وأيكم يطيق ما كان رسول الله ﷺ يطيق؟». ٢٩٦ - حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، ــ ٢٩٥ - (يخص شيئا من الأيام) أى يعمل نافلة كصلاة أو صوم. (ديمة) بكسر فسكون أصله دومة قلبت واوه ياء لكسر ما قبلها، وهى فى الأصل: المطر الدائم مع سكون بحيث لا يكون فيه رعد ولا برق، فشبهت عمله ﷺ فى دوامه مع اقتصاره، ومجانبته للغلو، وجعلت على صفة النوع من الدوام، لإفادة أنه كان له نوع دوام مخصوصة بديمة المطر وعدلت عن الجواب بنعم أو لا، المطابق للسؤال إلى ما قالت، لأنه أبلغ لتضمنه جواب السؤال المذكور، وتضمنه سؤال آخر مقدر، لأنها أفادت أنه كان يخص بعض الأيام بشىء كالإثنين والخميس بصوم، وهذا جواب للسؤال الأول ثم يداوم عليه، وهذا جواب عن السؤال الثانى المرتب على الأول وتقديره: إذا كان يخص بعضها بشىء هل كان يداوم عليه؟ (وأيكم يطيق ما) أى: العمل الذى (كان رسول الله ﷺ يطيق) ويداوم عليه وخصت الصحابة بذلك، لأنهم مع علو همتهم واستنارة قلوبهم ببركة [صحبة] (١) النبى ﷺ إذا عجزوا عن إطاقة ذلك، فغيرهم أعجز. ٢٩٦ - (ما) أى العمل الذى (تطيقون) أى المداومة عليه من غير ضرر صلاة كان أو

стр. 436

عن عائشة قالت: «دخل علىّ رسول الله ﷺ وعندى امرأة. فقال: من هذه؟ قلت: فلانة، لا تنام اللّيل. فقال: عليكم من الأعمال ما تطيقون، فو الله لا يملّ الله حتّى تملّوا، وكان أحبّ ذلك إلى رسول الله ﷺ الذى يدوم عليه صاحبه». ــ صوما أو غيرهما. (فو الله) فى رواية: فإن الله (لا يمل حتى تملوا) بفتح أوليهما وثانيهما، وفى رواية: «لا يسأم حتى تسأموا» (١) بمعنى واحد، وهو فتور يعرض للنفوس كثرة مداومة شىء فيوجب الكلام فى الفعل أو النفرة عنه. ولاستحالة هذا فى حقه تعالى لتنزهه عن سائر سمات المحدثات، وإنما ذكر فيه للمشاكلة نحو. تَعْلَمُ مافِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مافِي نَفْسِكَ (٢)، وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها (٣) وجب أن يراد به فى حقه تعالى غايته وهى أن لا يعامل عبيده معاملة المالّ فيقطع عنهم ثوابه وبسط جزائه وإنعامه حتى يقطعوا عملهم ثم يقطع عنهم ذلك فعلم أن المراد أمرهم بالاقتصاد فى العمل دون الزيادة فيه، لئلا يسأموا منه فيعرض الله عنهم، وقيل: المعنى: عليكم بالاقتصاد، فإن فعلتموه مع الملال يعرض الله عنه، فلا يتقبله، لأن فاعله كالغافل والساهى عنه بل أقبح بخلاف ما كان مع نشاط النفس وإقبالها عليه بكليتها، فإنه يقبله لتوجهه إليه على أكمل الأحوال، وقيل: المعنى لا يمل إذ لو مل حين تملوا لم يكن له عليهم مزية وفضل، ورده: بأن هذا المعنى لا يناسب اللفظ أصلا والمزية والفضل عليهم واضحان لمن له أدنى بصيرة، وقيل: المعنى لا يقطع عنكم فضله حتى تقطعوا سؤاله، وفى الحديث: الحث على الاقتصاد فى العمل وكمال شفقته ورأفته ﷺ حيث أرشدهم لما يصلحهم مما يمكنهم المداومة عليه من غير كثير مشقة وضرر انبساط النفس وانشراح الصدر، وهو غاية الكمال فى العبادة بخلاف تعاطى المشاق، فإنه يصحبه ضد ذلك بتفوته الخير العظيم، وقد ذم الله تعالى من فرط فى عبادة اعتادها بقوله تعالى: فَمارَعَوْهاحَقَّ رِعايَتِها. (أحب) يجوز رفعه ونصبه وإن قل، لأنه خير من كثير منقطع، إلا بدوام القليل تدوم الطاعة والذكر والمراقبة والإخلاص والإقبال على الله سبحانه وهذه ثمرات تزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة قيل: المناسب ذكر حديث المداومة

стр. 437

٢٩٧ - حدثنا أبو هشام، محمد بن يزيد الرفاعى، حدثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبى صالح، قال: سألت عائشة وأم سلمة: «أىّ العمل كان أحبّ إلى رسول الله ﷺ قالتا: ماديم عليه، وإن قلّ». ٢٩٨ - حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنى معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس، أنه سمع عاصم بن حميد قال: سمعت عوف بن مالك، يقول: «كنت مع رسول الله ﷺ ليلة، فاستاك، ثمّ توضّأ، ثمّ قام يصلّى، فقمت معه، فبدأ فاستفتح البقرة، فلا يمرّ بآية رحمة إلاّ وقف فسأل، ولا يمرّ بآية عذاب إلا وقف فتعوّذ، ثمّ ركع فمكث راكعا بقدر قيامه ويقول فى ركوعه: سبحان ذى ــ فى قيام الليل وما قبله وما بعده فى باب العبادة، إذ لا اختصاص لها بصوم ولا بغيره، ويجاب: بأن تأخير ذلك إلى الصوم فيه مناسبة أيضا، لأن كثيرين يداومون عليه أكثر من غيره فذكر ذلك فيه زجرا لهم عن موجب الملال فيه وفى غيره. ٢٩٨ - (فسأل) أى الرحمة. (فتعوذ) فيه أنه يندب للقارئ مراعاة ذلك فحيث ما مر بآية رحمة سأل الرحمة أو بآية عذاب استعاذ منه أو بآية تنزيه نحو فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ (١) نزّه أو نحو أَلَيْسَ اَللهُ بِأَحْكَمِ اَلْحاكِمِينَ (٢)، أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ اَلْمَوْتى (٣) قال: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين أو بنحو وَسْئَلُوا اَللهَ مِنْ

стр. 438

الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة. ثمّ سجد بقدر ركوعه، ويقول فى سجوده: سبحان ذى الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة. ثمّ قرأ آل عمران، ثمّ سورة سورة، يفعل مثل ذلك فى كلّ ركعة». ــ فَضْلِهِ (١) قال: اللهم إنى أسألك من فضلك. (ثم ركع) عطف على فاستفتح فلطول قراءته المقتضى لتراخى الركوع عن أولها أى: بينهم، ثم سورة سورة فيه حذف حرف العطف بقرينة ما مر فى هذا الحديث: أنه قرأ النساء والمائدة، فزعم أنه تأكيد لفظ غفلة عن ذلك المذكور فى القراءة من أولها، وفى الركوع وما بعده من الأدعية المذكورة. (الجبروت والملكوت) فعلوت من الجبر والملك للمبالغة كما مر. (ثم) بعد ذلك الركعة الأولى والقيام للثانية. (قرأ آل عمران ثم سورة سورة) أى: ثم قرأ سورة فى الثالثة وأخرى فى الرابعة. (مثل ذلك) أى يركع فى كل ركعة بقدر قبلها، ومر أن صلاته ﷺ كانت مختلفة باختلاف أحواله، فتارة يؤثر التخفيف كأن يكون وراءه من له شغل، أو لغرض مقتضى للتخفيف، وإن كان أراد التطويل، بل كان يسمع بكاء الصبى، وتارة يؤثر التطويل، كأن لا يكون وراءه أحد يؤثر التطويل، وحكمة ذلك: بيان جواز كل من الأمرين لكن الأفضل للإمام التخفيف، إلا إن وجدت الشروط السابقة، وقد أمر بذلك قال: «إن منكم منفرين، فأيكم صلى فليخفف، فإن فيهم السقيم والضعيف، وذا الحاجة» (٢)، ووجه مناسبة الحديث للترجمة خلافا لمن زعم أنه لا يناسبها: أنه لما أنجز الكلام إلى أن أفضل الأعمال ما يطابق بالصفة السابقة بين بهذا الحديث: أن ارتكاب المشق فى نادر من الأحوال لا ينافى ذلك، لأن النفس لا تنفر من المشق مرة أو مرتين، وإنما تنفر من المداومة عليه ولذا قال أئمتنا: «ولا تكلفوهم» أى الأرقاء. «من العمل ما لا يطيقون» (٣) فحمل النهى بإدامة ذلك الى تكليفهم المشق الذى لا يخشى عنه محذورتهم نادر من الأوقات.

стр. 439

٤٤ - باب: ما جاء فى قراءة رسول الله ﷺ ٢٩٩ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن ابن أبى مليكة، عن يعلى بن مملك، أنه سأل أم سلمة: «عن قراءة رسول الله ﷺ ، فإذا هى تنعت قراءة مفسّرة حرفا حرفا». ٣٠٠ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا وهب بن جرير بن حازم، حدثنا أبى، عن قتادة، قال: «قلت لأنس بن مالك: كيف كان قراءة رسول الله ﷺ ؟ قال: مدّا». ــ (باب ما جاء فى قراءة رسول الله ﷺ ٢٩٩ - (فإذا) هى للمناجاة إفادتها فى أنها أجابت بذلك على الفور، وأن ذلك يدل على ضبطها وقوة استحضارها لقراءته ﷺ . (هى. . .) إلخ رواه عنها أيضا أبو داود والنسائى. (تنعت) تصف. (مفسرة) مبينة واضحة مفصولة الحروف عن المفسر، وهو البيان ووصفها لذلك، إما بأن تقول كانت قراءته كذا، أو بالفعل كأن تقرأ لقراءته ﷺ ، قيل: وظاهر السياق يدل على الثانى. ٣٠٠ - (مدا) مصدر خلافا لمن حرفه أى: ذات مد، وهو هنا إشباع الحرف الذى بعد

стр. 440

٣٠١ - حدثنا على بن حجر، حدثنا يحيى بن سعيد الأموى، عن ابن جرير، عن ابن أبى مليكة عن أم سلمة قالت: «كان النّبىّ ﷺ يقطع قراءته يقول: الحمد لله ربّ العالمين. ثمّ يقف، ثمّ يقول: الرّحمن الرّحيم. ثمّ يقف. وكان يقرأ: مالك يوم الدّين». ــ ألف أو واو أو ياء من غير إفراط فى ذلك فإنه مذموم، وروى البخارى عن أنس «أنها كانت مدا يمد بسم الله ويمد بالرحمن الرحيم» (١). ٣٠١ - (يقطّع قراءته) بتشديد الطاء أى: يقف على فواصل الآى، قد بينت ذلك بقولها. (يقول: اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ ثم يقف. . .) إلخ أى: وهكذا يفعل فى سائر الآيات، ومن ثم قال أئمتنا: ليس للمصلى أن يقف على كل آى من آى الفاتحة قال بعض المتأخرين: إلا البسملة، فلا يقف عليها، بل يصلها ب اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ إعلاما بأنها منها انتهى، وبذلك صرح فى المجموع فقال: ويسن وصل البسملة بالحمدلة

стр. 441

٣٠٢ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن معاوية بن صالح، عن عبد الله ــ للإمام وغيره، وأن لا يقف على أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، لأنه ليس بوقف ولا منتهى آية عندنا انتهى، وتعقبه فى شرح المنهاج وعبارته، وما ذكره فى الأولى عجيب فقد صح «أنه ﷺ كان يقطع قراءته آية آية يقول: بِسْمِ اَللهِ اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ ثم يقف، اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ ثم يقف، اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ ثم يقف» (١) ومن ثم قال البيهقى والحليمى وغيرهما: يسن أن يقف على رءوس الآى، وإن تعلقت بما بعدها للاتباع انتهت وبقوله: «قد صح» يعلم رد ما قيل حديث المتن قيل وهذا الحديث يؤيد أن البسملة ليست من الفاتحة، ويرد: بأنه لا تأبيد فيه لذلك وعلى المتنزل، فقد صح: «أنه ﷺ وقف على البسملة» كما تقرر وعد البسملة آية من الفاتحة فعلمنا بالتصريح وتركنا المحتمل وحكمة الوقف على اَلْعالَمِينَ واَلرَّحِيمِ مع أن فيه قطع الصفة عن الموصوف تعليم الأمة رءوس الآى فقد صرح بعضهم فى الحديث بأن محل الوقف يَوْمِ اَلدِّينِ غفلة منه عن القواعد، وحكمة فعله ﷺ ، ولو قدح فيه بأن فى إسناده انقطاعا لأصابت ثم رأيت صاحب القاموس، رد عليه بأنه صح عنه ﷺ «أنه وقف على رأس كل آية، وإن كان متعلقا بما بعده» وغيره قال: قول بعض القراء الوقف على ما ينفصل فيه الكلام أولى غفلة عن السنة، وأن اتباعه ﷺ أولى انتهى، والأولى أن يقال: ما قاله القراء محمول على ما علم فيه وقف له ﷺ فهذا الوقف التام فيه أولى، وبهذا الحديث والذى قبله؛ علم أن قراءته كانت ترتيلا لا مدا ولا تعجلا، بل مفسرة الحروف مستوفية ما تستحقه من مد وغيره لأنه كان يقطعها آية آية. ٣٠٢ - (كان) أى كان. (كل ذلك) روى بالرفع قيل: والأظهر النصب لئلا يحتاج

стр. 442

ابن أبى قيس، قال: «سألت عائشة رضى الله عنها عن قراءة النّبىّ ﷺ : أكان يسرّ بالقراءة أم يجهر؟ قالت: كلّ ذلك قد كان يفعل، وربّما أسرّ وربّما جهر. قلت الحمد لله الذى جعل فى الأمر سعة». ٣٠٣ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا وكيع، حدثنا مسعر، عن العلاء العبدى، عن يحيى بن جعدة، عن أم هانئ، قالت: «كنت أسمع قراءة النّبىّ ﷺ وأنا على عريشى». ــ إلى حذف المفعول، انتهى وليس بشىء؛ لأن الرواية لا تترك لأمر تحسينى ولا غيره. (ربما أسر، وربما جهر) فيجوز كل من الأمرين واختلفوا فى الأفضل خارج الصلاة ورجح كلا طائفة، والمختار أن ما كان أقرب للخشوع وأبعد عن الرياء هو الأفضل. (سعة) أى لأن النفس قد تنشط إلى أحد الأمرين، فلو ضيق عليها بتعين أحدهما ربما لم تنشط إليه فتحرم هذا الخير الكامل. ٣٠٣ - (كنت أسمع. . .) إلخ فيه دليل للجهر حتى فى النافلة إذ الغالب من أحواله

стр. 443

٣٠٤ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود، أخبرنا شعبة، عن معاوية بن قرة، قال: سمعت عبد الله بن مغفل، يقول: «رأيت النّبىّ ﷺ على ناقته يوم الفتح، وهو يقرأ: إِنّافَتَحْنالَكَ فَتْحاً مُبِيناً* لِيَغْفِرَ لَكَ اَللهُ ماتَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ. ــ أنه ﷺ لما كان يقرأ ليلا داخل الصلاة، لكن الأفضل عندنا لمن يصلى ليلا التوسط فى النوافل المطلقة بين الجهر والإسرار، بأن يقرأ بهذا مرة وبهذا مرة، وبأن يكون بصفة لا تسمى عرفا إسرارا ولا جهرا. وإن كانت لا تخلو عن أحدهما فى الحقيقة، إذ لا واسطة بينهما، والإسرار فى غيرها إلا نحو الوتر فى رمضان، وحديث أم هانئ هذا لا ينافى ذلك، ولأنا لم نتحقق أنها سمعت فيه ذلك فى الصلاة، وعلى التنزل عمل بالغالب السابق فيحتمل أنه فى نافلة مطلقا، وعلى التنزل فيها لبيان الجواز وكلامنا إنما هو فى الأفضلية. (عريش) هو ما يستظل به، أو ما يهيأ ليرتفع عليه. ٣٠٤ - (يقول: رأيت. . .) إلخ، رواه عنه أيضا البخارى. إِنّافَتَحْنالَكَ. . .: إلى آخر السورة كما اقتضته رواية قراءة سورة الفتح يوم الفتح. (ورجّع) والترجيع قيل: ترديد القرآن، ومنه ترجيع الأفان، وقيل: تقارب ضروب الحركات فى الصوت وهو المراد هنا، إذ المروى عن صفة ترجيعه هنا أنه كان يمد الصوت فى القراءة آآآ آآآ آآ، قال ابن الأثير: وإنما حصل منه هذا والله أعلم، لأنه كان راكبا فحركته ناقته وذبذبته فحدث الترجيع فى صوته، ويؤيده الحديث الآتى «كان لا يرجع» (١) أى لعدم الركوب فلم

стр. 444

قال: فقرأ ورجّع». قال: وقال معاوية بن قرّة: لولا أن يجتمع النّاس علىّ لأخذت لكم فى الصّوت-أو قال: اللّحن. ــ يحدث فى قراءته ترجيع انتهى، وفيه نظر، والظاهر: أنه ﷺ فعل ذلك قصدا، وكان حكمته أن الترجيع ينشأ غالبا عن أريحة تحدث عن النفوس سرورا وانبساطا، ولا يشك أنه حصل له يوم الفتح حظ وافر، وكان سببا لترجيعه، ويؤيد ذلك أنه من تحسين الصوت بالقرآن، وهو متأكد الندب لأمره به، والحديث الآتى بعد صحته ينبغى عمله على أنه كان يترك الترجيع فى كثير من الأحيان [لعدم تفضيله] (١) له فى الذى ذكرته أو لبيان أن الأمر واسع فى فعله وتركه، ثم رأيت بعضهم رد على ابن الأثير بأنه: لو كان لهز الناقة كان بغير اختياره، وح فلم يكن عبد الله بن مغفل يحكيه ويفعله اختيارا للتأسى به، ولم ينسب الترجيع لفعله بقوله: كان يرجع فى قراءته، ويوافق هذا الحديث حديث «زينوا القرآن بأصواتكم» (٢)، وحديث «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» (٣)، وحديث «ما أذن الله لنبى-أى: استمع لنبى-كإذنه-أى بالتحريك-لنبى يتغنى بالقرآن» (٤) وزعم أن الحديث الأول من باب القلب، أى زينوا أصواتكم بالقرآن لا دليل

стр. 445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه، ومما يؤيد أنه ﷺ استمع لقراءة أبى موسى الأشعرى فلما أخبره بذلك قال: «لو كنت أعلم أنك تسمعه لحبرته تحبيرا» أى: حسنته وزينته بصوتى تزيينا، وحديث: «لكل شىء حلية وحلية القرآن حسن الصوت» (١) وقد كثر الخلاف فى التطريب والتغنى فى القرآن، والحق: أن ما كان منه طبيعة وسجية كان محمودا، وإن أعانته طبيعة على تحسين وتزيين كما مر عن أبى موسى لتأثر التالى والسامع به لخلوه عن التكلف والتصنع، وأما ما فيه تكلف وتمرين بتعليم أصوات الغناء بألحان وإيقاعات مخصوصة، فهذه هى التى كرهها السلف وعابوها، ومن تأمل أحوال السلف علم أنهم بريئون من التصنع والقراءة بالألحان المختومة دون التطريب والتحسين الطبيعى، وقد ندب إليه ﷺ لما مر من الأحاديث، وزعم بعضهم أن معنى: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» (٢) من لم يستغن به، وليس فى محله، وإلا لم يكن لحسن الصوت والجهر به معنى على أن المعروف فى كلام العرب؛ أن التغنى: حسن الصوت بالترجيع، وروى ابن أبى شيبة: «علموا القرآن وغنواته واكتبوه» (٣)، وقد صح «أنه ﷺ لما سمع أبا موسى يقرأ قال: لقد أوتى هذا مزمارا من مزامير آل داود» (٤) أى داود نفسه، ومرّ عنه «لو علمت أنك

стр. 446

٣٠٥ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا نوح بن قيس الحدّانى، عن حسام بن مصكّ، عن قتادة، قال: «ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه، حسن الصّوت، وكان نبيّكم حسن الوجه حسن الصّوت، وكان لا يرجّع». ــ تسمع لحبرته لك تحبيرا» وهو يدل على أنه كان يستطيع أن يتلو شهى من المزامير عند المبالغة فى التحبير فإنه تلى مثلها، وما بلغ حد استطاعته فكيف لو بلغه. (قال) أى شعبة. (لولا. . .) إلخ فيه دليل على أن ارتكاب أمر يوجب اجتماع الناس مكروه انتهى وفى هذا الإطلاق غفلة عن كلام الأئمة، والذى يصرح به كلامهم: أنه ينبغى إشاعة العلم وتعلمه، لا سيما إن اجتمع الناس لذلك وإنما الذى ينبغى تركه أن يخشى اجتماعا يؤدى إلى فتنة، أو معصية كاختلاط الرجال بالنساء، أو اختلال المروءة، كأن يكون بمحل يترتب على الاجتماع فيه ذلك، لأن اجتناب ما يخل منها متأكد بل يتحتم على من تحمل شهادة، إذ يحرم عليه تعاطى ما يخل بالمروءة، لأنه تسبب فى إسقاط واجب عليه يترتب على إسقاطه أذى الغير وضياع حقه. (لأخذت) أى لشرعت، أو للشك. (اللحن) هو بالفتح واحد اللحون بالضم، والإلحان: وهو التطريب وترجيع الصوت وتحسين نحو القراءة والشعر، ولحّن بالتشديد طرب، وفيه دليل على أن ابن مغفل بيّن له كيفية ذلك الترجيع. ٣٠٥ - (الحدّانى) نسبة إلى حدان بضم أوله قبيلة من الأزد. (مصك) بكسر ففتح المهملة فتشديد الكاف. (وكان نبيكم. . .) إلخ. رواية المصنف فى غير هذا الكتاب من حديث أنس «ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه حسن الصوت وكان نبيكم أحسنهم وجها وأحسنهم صوتا» (١) ولا ينافى ذلك حديث البيهقى وغيره فى المعراج: «أنه ﷺ قال فى يوسف: وإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله بعد محمد ﷺ » جمعا بين الحديثين على أن

стр. 447

٣٠٦ - حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أنبأنا يحيى بن حسان، حدثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد، عن عمرو بن أبى عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «كانت قراءة النّبىّ ﷺ ربّما يسمعها من فى الحجرة وهو فى البيت». ــ لنا قولا عليه جماعة من الأصوليين: أن لا تكلم لا يدخل فى عموم الكلام، وحمل ابن المنير رواية مسلم: «أنه أعطى شطر الحسن» (١) على أن المراد أعطى شطر الحسن الذى أوتيه نبيّنا ﷺ . (لا يرجع) مر فيه ما يعلم منه أنه لا تنافى بينه وبين الحديث السابق، وأن ذلك أولى من الجواب: بأن ترك الترجيع كان عن عمد، وفعله كان غير عمد، وقيل: المراد؛ ولا يرجع فى الغناء، ويرجع فى القراءة، وفيه من سوء الأدب فى التعبير ما هو ظاهر لإيهامه أنه ﷺ كان يغنى بلا ترجيع. ...

стр. 448

٤٥ - باب: ما جاء فى بكاء رسول الله ﷺ ٣٠٧ - حدثنا سويد بن نصر، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه، قال: «أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلّى ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء». ــ (باب ما جاء فى بكاء) هو بالقصر خروج الدمع مع الحزن وبالمد خروجه مع رفع الصوت. (رسول الله ﷺ إن بكاءه ﷺ كان من جنس ما مر فى ضحكه، إذ لم يكن بشهيق، ورفع صوت كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن تدمع عينه حتى تهملان، ويسمع لصدره أزيز يبكى رحمة على ميت، وخوفا على أمته، وشفقته من خشية الله، وعند سماع القرآن وأحيانا فى صلاة الليل، كما سيعلم ذلك كله مما يأتى. ٣٠٧ - (مطرف) بضم أوله وفتح ثانيه المهمل، وكسر الراء مع تشديدها. (الشخير) بمعجمة فمعجمة فراء صحابى من مسلمة الفتح. (ولجوفه) فيه دليل على أن الصوت الذى لم يشتمل على الحروف لا يضر فى الصلاة. (أزيز) بمعجمتين صوت الرعد والقدر. (المرجل) بكسر فسكون ففتح القدر من الحجارة والنحاس، وقيل: كل قدر. (من البكاء) أى من أجله فصوته الناشئ عن عظيم الرهبة والخوف والإجلال لله سبحانه، هو ذلك الحنين المسموع من الجوف ويحبسه حتى يغلى به الجوف كغليان القدر، وهذا دليل على كمال خوفه وخضوعه لربه، ومن ثم قال ﷺ : «إنى لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية» (١) وروى مسلم: «والذى نفس محمد بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار» (٢) فجمع له بين علم اليقين وعين اليقين مع الخشية القلبية واستحضار العظمة الإلهية ما

стр. 449

٣٠٨ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا سفيان، عن ــ لم يجمع لغيره، ومن ثم صح عنه أنه قال: «وأنا أتقاكم وأعلمكم بالدارين (١) إن فائدة الخوف والوجل (٢) والرهبة متقاربة، والأول توقع العقوبة على مجارى الأنفاس أو اضطراب القلب من ذكر الخوف والخشية أخص منه، إذ هى خوف مقرون بمعرفة ومن ثم قال تعالى: إِنَّمايَخْشَى اَللهَ مِنْ عِبادِهِ اَلْعُلَماءُ (٣) وقيل: الخوف: حركة، والخشية: سكون ألا ترى أن من يرى عدوا له حالة تحرك للهرب منه وهى الخوف حركة، وحالة استقرار فى محل لا يصل إليه، وهو الخشية، والرهبة: الإمعان فى الهرب من المكروه، والوجل: خفقان القلب عند ذكر من يخاف سطوته، والهيبة تقترن بتعظيم وإجلال، وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة والإبكاء مقترن بالحب، والخوف للعامة، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبين، والإجلال للمقربين، وعلى قدر العلم والمعرفة يكون العمل والخشية، ومن ثم قال ﷺ : «أنا أتقاكم لله وأشدكم له خشية» (٤). ٣٠٨ - (عبيدة) بفتح فكسر. (اقرأ. . .) إلخ، تعجب من طلبه ﷺ قراءته يسمعها،

стр. 450

الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: «قال لى رسول الله ﷺ : اقرأ علىّ. فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: إنّى أحبّ أن أسمعه من غيرى، فقرأت سورة النّساء، حتّى بلغت وَجِئْنابِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً قال: فرأيت عينى النّبىّ ﷺ تهملان». ٣٠٩ - حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله ــ ويتلذذ بها مع أنه أنزل عليه، فلا لذة تعادل لذته به، إذا قرأه أو من كونه ﷺ طلب قراءته عليه كمختبر صحة قراءته مع ملازمته له ﷺ وكونه من أفاضل الصحابة وقرائهم، لا سيما وله مصحف معروف يرجع إليه فيه، ومن لازم ذلك صحة قراءته وإتقانها، أو من كونه طلبها لاعتقاده منه كما لا يحمل على استماع القرآن. (تهملان) بفتح فسكون فضم، أو كسر أى: تسيل دموعهما فيه كما فى ذلك تواضع الكبير حتى مع أتباعه وندب استماع القراءة، والإصغاء لها، وتدبرها، والبكاء عندها، وطلبها من الغير ليستمع منه، لأن ذلك أبلغ فى التفهم، والتدبر من قراءة الإنسان بنفسه، لأنه يشتغل بضبط الألفاظ، وإعطاء الحروف حقها، وفى رواية الصحيحين: «أنه ﷺ حين قال له ذلك كان على المنبر» وأخذ منها حل استماع العالى لقراءة السافل، واستحباب القراءة فى مجلس الواعظ، وأنه لما بلغ شَهِيداً قال له: حسبك الآن» وأخذ منه حل أمر الغير بقطع قراءته لمصلحة، قيل: وفيه بحث، لأنه لا يدل إلا على جواز الأمر بقطع القراءة لمن يقرأ بالتماس الأمر بالقطع انتهى، وليس فى محله، لأن القطع إذا كان لمصلحة الأمر به لمن أمر بالقراءة، ولمن لم يرو خصوص أمره بها لا يمنع غيره إذا ظهرت المصلحة فى قطعها أن لا يأمر به، ومن قواعد الأصوليين التى لم يستحضرها هذا الباحث أنه يستنبط من النص معنى يعجبه، وهذا كذلك فإن المعنى، وأن إناطة الأمر بالقطع بالمصلحة اقتضى أنه لا فرق بين الأمر بالقراءة وغيره. ٣٠٩ - (انكسفت الشمس) أى ذهب نور كلها، أو بعضها يوم مات إبراهيم ولد

стр. 451

ابن عمرو، قال: «انكسفت الشّمس يوما على عهد رسول الله ﷺ . فقام رسول الله ﷺ يصلّى حتّى لم يكد يركع، ثمّ ركع فلم يكد يرفع رأسه، ثمّ رفع رأسه فلم يكد أن يسجد، ثمّ سجد فلم يكد أن يرفع رأسه، ثمّ رفع رأسه فلم يكد أن يسجد، ثمّ سجد فلم يكد أن يرفع رأسه فجعل ينفخ ويبكى ويقول: ربّ ألم تعدنى ألاّ تعذّبهم وأنا فيهم. ربّ ألم تعدنى ألاّ تعذّبهم وهم يستغفرون. ونحن نستغفرك. ــ النبى ﷺ كما عند البخارى بلفظ: «كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم فقال رسول الله ﷺ : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتموها فصلوا وادعوا الله» (١) وجمهور أهل السير: أنه مات فى السنة العاشرة، قيل: فى ربيع الأول، وقيل: فى رمضان، وقيل: فى ذى الحجة، والأكثر: أنه كان فى يوم عاشر الشهر، وقيل: أربعة، وقيل: رابع عشرة، ولا يصح منها شىء على الأخير، لأنه ﷺ إذ ذاك كان بمكة فى حجة الوداع، وقد شهد وفاته بالمدينة اتفاقا، نعم يصح ذلك على القول بأنه مات سنة تسع وجزم النووى: بأنها كانت سنة الحديبية، وصرح بعضهم بتعد الكسوف، فإنه جمع بين الروايات المتعارضة فى عدد الركعات فى كل ركعة، ففى رواية: «فى كل ركعة ركعتان» وفى أخرى: «ثلاث» وأخرى: «أربع» وأخرى «خمس» بأن الكسوف وقع مرارا فيكون كل من هذه الأوجه جائز كما عليه جمع من الشافعية، وقواه النووى فى شرح مسلم وأجاب القائلون بامتناع زيادة على الركوعين كما هو الأصح من مذهبنا: بأن كلا من الروايات الثلاث وما فوقها، لا يخلو واحدا منها عن علة، ونقل ابن القيم عن الشافعى وأحمد والبخارى: أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين غلطا من بعض الرواة، وأن أكثر طرق الحديث يمكن ردّ بعضها إلى بعض،

стр. 452

فلمّا صلّى، انجلت الشّمس. فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإن انكسفا فافزعوا إلى ذكر الله تعالى». ــ ويجمعها: أن ذلك كان يوم موت إبراهيم، وإذا اتحدت القصة تعين الأخذ بالراجح، وبهذا اندفعت دعوى تعدد الواقعة، ثم استعمال الكسوف فيها والخسوف فى القمر، وهو الأشهر، وقد ينعكس، وكل منهما يستعمل فى إزالة الضوء كله، أو بعضه وقال جمع: الأول للبعض والثانى للجميع، وقيل: الأول للتغير والثانى ذهاب اللون، وكسوف الشمس حقيقى بخلاف القمر، فإنه مستمد منها فكسوفه حيلولة خط التقاطع بينهما، وليس جرمه مضيئا لذاته، وإنما هو كالمرآة يحكى ما قابله منها، ولذا ظهر بعض السواد فى أطرف جرمه بحسب انحرافه عنها، قال جمع: ولم يصلّ ﷺ فى كسوف القمر، وليس كما زعموا فقد روى ابن حبان: «أنه صلى فى كسوف الشمس والقمر ركعتان مثل صلاتكم» (١) وأخرجه الدار قطنى أيضا، وتأويل صلى بأمر باطل، إذ لا دليل عليه، وقول ابن القيم: لم ينقل أنه صلى فيه جماعة، يرده قول ابن حبان فى سيرته: أنه خسف فى السنة الخامسة، فصلى ﷺ وأصحابه صلاة الكسوف فكانت أول صلاة كسوف فى الإسلام وجزم به مغلطاى والزين العراقى. (يصلى حتى. . .) إلخ، جاء فيها كيفيات مختلفة فى مسلم وغيره والمعتمد عندنا أن لها كيفيات ثلاث أدناها أن تصلى ركعتين كسنة الظهر ويليها أن تصلى ركعتين كل ركعة فيها قيامان وركوعان مع الاقتصار على الفاتحة وسورة قصيرة وأعلاها أن يقرأ فى القيامان الأربع بما صح عنه ﷺ من قدر البقرة فى الأولى ونحو مائتى آية فى الثانية ومائة وخمسين فى الثالثة ومائة فى الرابعة، وإنكار تعدد القيام فى كل ركعة منابذ للسنة الصحيحة، فلا يعول عليه، وحديث الباب لا يدل على أن فى كل ركعة قياما واحدا، خلافا لمن زعمه وعلى التنزل فهو معارض بما هو أصح وأشهر، على أنا نقول بموجبه كما علمت، فإنا نجوز قياما وقيامين، فلم يخالف السنة بخلاف من أنكر تعدد القيام، فإنه خالف السنة الصريحة بلا مستند اللهم، إلا أن يقال لم يبلغه ذلك ويسبح فى كل من الركوع والسجود الأول قدر مائة، والثانى بقدر ثمانين، والثالث قدر سبعين والرابع قدر خمسين، ولا تجوز زيادة ركوع على

стр. 453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأربع عندنا، والحديث الظاهر فى جواز ذلك من الجواب عنه، وأجمعوا على ندبها، واختلفوا فى فعلها جماعة والصحيح عندنا ندب الجماعة فيها. (ينفخ ويبكى) من غير أن يظهر من فمه حرفان، فإن ظهر من أنفه أن يتصور فهل يبطلان؟ فيه تردد، والأقرب: البطلان. (ألم تعدنى. . .) إلخ أى: بقولك: وَماكانَ اَللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ. . . (١) الآية. وذكر ذلك، لأن الكسوف ربما دل على وقوع عذاب، فخشى ﷺ من وقوعه أو عمومه، ومن ثمة روى البخارى «فقام فربما يخشى أن تكون الساعة» (٢) وفيه: تعليم الأئمة ذكر وعد الله للمؤمنين فى مقام طلب دفع البلاء، وكان فائدة الدعاء بعدم تعذيبهم مع الوعد الذى لا يخلف: تجويز أن ذلك الوعد منوط بشرط، أو قيد اختل، ولبعضهم هنا من الأجوبة ما لا يفهم، أو يمجه السمع فاحذرهما. (فقام. . .) إلخ فيه دليل ندب الخطبة فى الكسوف، وهو مذهبنا خلافا لكثيرين للأحاديث الصحيحة المصرحة بالخطبة فى الكسوف وحكاية شرائطها من الحمد والثناء والموعظة، والأصل مشروعية الاتباع إلا لدليل، وزعم أنه إنما قام ليرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس يبطله أنه لو كان كذلك لاقتصر على الإعلام بسبب الكسوف. (يحمد الله) فيه دليل لمذهبنا من تعين لفظ ح م د فى الخطبة لموت أحد ولا لحياته رد به على من قال: «كسفت الشمس لموت إبراهيم» (٣) وعلى من يزعم أن أحدهما لا يخسف، إلا لموت عظيم، وعلى من زعم ألوهيتهما، أو ألوهية أحدهما، إذ فيه بيان أنهما مخلوقان من جملة المخلوقات يطرأ عليهما النقص والتغير والغنى والعجز، وغير ذلك مما لا يليق منه شىء بالإله، وإبطال ما كانت الجاهلية تعتقده من تأثير الكواكب، وأن الكسوف يوجب حدوث تغير فى الأرض من موت أو ضرر، فأعلم ﷺ أنهما خلقان مسخران، لا قدرة لهما على الدفع عن أنفسهما فضلا عن غيرهما. (فافزعوا) أى فالجئوا. (إلى ذكر الله) أى الصلاة كما فى رواية أخرى، وسميت ذكرا: «لاشتمالها عليه وفى رواية لأبى داود والنسائى «إنما هذه الآيات يخوف الله بها عباده فإذا رأيتموها فصلوا» (٤) وبذكر الخوف رد زعم أهل الهيئة أن الكسوف أمره أدى لا يتقدم ولا يتأخر، إذ لو كان

стр. 454

٣١٠ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان-الثورى- ــ بالحساب لم يقع فزع ولا أمرنا بنحو العتق والصلاة كما فى خبر البخارى «فإذا رأيتم ذلك فافزعوا وكبروا وصلوا وتصدقوا» (١) إذ قضية أن ذلك يدفع به ما يخشى من أمر الخسوف الموجب للفزع، ومما يبطل به ما قالوه أيضا ما صحّ من خبر: «الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله وأن الله إذا تجلى لشىء من خلقه خشع له» (٢) إذ ظاهره أن سبب الكسوف وخشوعهما له تعالى، وسره: أن النور والإضاءة من عالم الجمال الحيى، فإذا تجلت صفة الجلال انطمست الأنوار لهيبته، ومن ثم قال طاوس لما نظر للشمس وهى كاسفة فبكى حتى كاد يموت: هى أخوف لله منا، وبما تقرر من صحة الحديث، وظهور معناه اندفع قول الغزالى: أنه لم يثبت، فيجب تكذيب ناقله، ولو صح كان تأويله أسهل من مكابرة أمور قطعية لا تصادم أصلا من أصول الشريعة انتهى، لكن قال ابن دقيق العيد: لا تنافى بين ما قالوه والحديث، لأن لله أفعالا على حسب العادة وأفعالا خارجة عنها، وقدرة حاكمة على كل سبب يقطع ما شاء الله من الأسباب والمسببات بعضها من بعض، وح فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم فى عموم قدرته على خرق العادات، وأنه يفعل ما يشاء إذا وقع شىء غريب حدث عندهم الفزع والخوف لقوة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن ثمة أسبابا تجرى عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها، وحاصله أن ما ذكروه، وإن كان حقا فى نفس الأمر، لا ينافى أن يكون ذلك تخويفا لعباد الله. ٣١٠ - (تقضى) أصله قضى ما فاستعماله هنا للإشراف على الموت مجازة.

стр. 455

عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «أخذ رسول الله ﷺ ابنة له تقضى، تموت، فوضعها بين يديه، فماتت وهى بين يديه. وصاحت أمّ أيمن. فقال-يعنى النّبىّ ﷺ : أتبكين عند رسول الله؟ فقالت: ألست أراك تبكى؟ قال: إنّى لست أبكى، إنّما هى رحمة، إنّ المؤمن بكلّ خير على كلّ حال، إنّ نفسه تنزع من بين جنبيه وهو يحمد الله تعالى». ٣١١ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا سفيان- ــ (احتضنها) وضعها فى حضنه بكسر أوله، وهو ما دون الإبط إلى الكشح والصدر والعضدان وما بينهما، قاله فى القاموس ثم قال: وحضن الصبى حضنا وحضانا وحضانة بكسرهما. (أم أيمن) هى حاضنته ﷺ ومولاته زوجها لزيد مولاة فولدت له أسامة وتوفيت بعد عمر بعشرين يوما. (أتبكين؟) أى بكاء ممتنعا لاقترانه بالصياح مثلا، ولذا لم يقل: أتصيحين لإبهامه أن الممتنع الصياح وحده وليس كذلك بل كلما كان كالصياح فى إشعاره بالجزع حرام. (عند رسول الله) عدل إليه عن عندى لأنه أبلغ فى الزجر والصياح وهو رفع الصوت بالبكاء حرام، لكنها لما رأت دمع عينيه ظنت جواز البكاء وإن اقترن بالصياح، أو غيره ولهذا لما نهيت قالت: (ألست أرك تبكى؟) فبين لها بقوله: (لست أبكى) أى بكاء ممتنعا كبكائك، وزعم أن المراد: لست أبكى عن قصد، يفيد أن البكاء الجائز هو كبكائه، وهو ما كان فيه تدمع العين فقط، لأنه ليس فيه جزع وإنما هى رحمة بخلاف المقترن بنوح، وصياح، أو ضرب خدّ أو شق جيب أو نحو ذلك من أفعال الجاهلية التى تشعر بالجزع والهلع وأنّث المبتدأ نظرا لخبره أو لكون المراد به قطرات الدمع. (إن المؤمن) أى الكامل. (بكل) الباء للملابسة. (خير على كل حال) لأنه يشهد المحنة عين المنتقين حمده عليها كما قال ﷺ . (إن نفسه تنزع من بين جنبيه وهو) أى والحال أنه. (يحمد الله). ٣١١ - (قبّل عثمان بن مظعون) القرشى من المهاجرين الأولين، وهو أول من مات

стр. 456

الثورى-عن عاصم بن عبيد الله، عن القاسم بن محمد، عن عائشة: «أنّ رسول الله ﷺ قبّل عثمان بن مظعون وهو ميّت، وهو يبكى-أو قال: وعيناه تهراقان». ٣١٢ - حدثنا إسحاق بن منصور، أنبأنا أبو عامر، حدثنا فليح-وهو ابن سليمان، عن هلال بن على، عن أنس بن مالك، قال: «شهدنا ابنة لرسول الله ﷺ ، ورسول الله جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان. فقال: أفيكم رجل لم يقارف اللّيلة؟ قال أبو طلحة: أنا. قال: انزل. فنزل فى قبرها». ــ منهم وفيه ندب تقبيل الميت الصالح. (وهو) أى والحال أنه ﷺ . (يبكى-أو) شك. (تهرقان) بفتح الهاء ويجوز إسكانها يصبان دموعهما وجاء فى رواية الجزم بالياء فى أولها: «سالت على وجه عثمان» ولا ينافى هذا ونحوه قول عائشة: «ما بكى ﷺ على ميت قط حزنا وإنما غاية أن يمسك لحيته»، لأن مرادها ما بكى على ميت أسفا عليه، بل رحمة له كما مر فى «لست أبكى» إنما هى رحمة وخرج قولها بكى بكاء الخوف والتضرع، فإنها لم تنفه لوقوعه منه كثيرا. ٣١٢ - (ابنة لرسول الله ﷺ هى أم كلثوم رضى الله عنها ومن روى نحو ذلك فى رقية رضى الله عنها فقد وهم، فإنها توفيت ودفنت وهو ﷺ فى غزوة بدر. (لم يقارف) بقاف ثم فاء قال ابن المبارك: أراه يعنى الذنب، ورد بأنه لا وجه ح لتخصيصه بالليلة، وصوب الطحاوى: أنه تصحيف وأنه لم يقارف أى: ينازع غيره فى الكلام، لأنهم كانوا يكرهون الكلام بعد العشاء وقيل: لم يجامع، لأن المقارفة من كنايات الجماع، إذ أصلها الدنو واللصوق، وعثمان زوجها إنما منع من النزول معها، لأنه باشر تلك الليلة أمة له، فلم يعجب ذلك النبى ﷺ لاشتغاله بها عن زوجته المريضة المحتضرة، فأراد أن لا ينزل فى قبرها معاتبة عليه، وكنى عن هذا السبب فى المنع بقوله

стр. 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لم يقارف وهو ظاهر إن صح ذلك، وإلا فالحكمة فى امتناع المجامع ضعفه عن إلحادها، والمطلوب فى الملحّد أن يكون قويا، أو قرب عهده بالنساء، فربما يتذكرهن بمخالطة بعضهن فيذهل عما يطلب من ملحّد الميت. (أبو طلحة) هو زيد بن سهل الأنصارى الخزرجى النجارى، شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وقال فى حقه: «لصوت أبى طلحة فى الجيش خير من مائة رجل»، وقتل يوم حنين عشرين رجلا وأخذ سلبهم. (قال: أنزل) فيه جواز نزول الأجنبى الصالح قبر المرأة بإذن وليها وح فلا إشكال فيه، ولا يحتاج لجواب الخطابى: بأنها بنت له صغيرة غير رقية وأم كلثوم ولا لجواب غيره: بأنه لم ينزل ليقبرها، بل ليعين غيره، بل لكل من هذين غير صحيح، إذ لم يثبت له ﷺ ابنة طفلة كذلك، والذين أعانهم ليسوا من محارمها فيأتى فيهم ذلك الإشكال أيضا، ورواية المصنف هذه رواه البخارى أيضا فى رواية: «أن الذى نزل فى قبرها على، والفضل، وأسامة رضى الله عنهم» فإن صحت، فلا مانع من نزول الأربعة، وغسلتها: أسماء بنت عميس وصفية بنت عبد المطلب، وحضرت أم عطية غسلها، وروت قوله ﷺ : «اغسلنها ثلاثا أو خمسا» (١) الحديث وفيه: «أنه ألقى إليهن حقوه» (٢) أى: إزاره وأمرهن أن يجعلنه شعارها الذى يلى جسدها، وهذه كرقية رضى الله عنهما. «كانتا تحت ابنى أبى لهب فأمرهما بفراقهما قبل أن يدخلا بهما ففعلا»، زاد عتبة أحدهما شق قميص النبى ﷺ وهو خارج تاجرا للشام، فدعى الله أن يسلط عليه كلبا فخرج فى نفر من قريش، فلما كانوا بالزرقاء طاف بهم الأسد ليلا فخرج عتبة

стр. 458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقول: يا ويل أمى، والله كلبى كما دعى علىّ محمد، فعدى عليه الأسد من بين القوم، وأخذ برأسه فولى» وفى رواية: «فجعل يتشمم وجوههم، ثم لفّ ذنبه فضربه ضربة واحدة فخدشه فقتله فمات (١)»، وفى رواية عند الدولابى: «أنه أقبل يتخطاهم حتى أخذ برأسه»، وتزوج عثمان رقية بمكة قبل الإسلام، وقيل: بعده وهاجر بها الهجرتين وكانت ذا جمال بارع رضى الله عنها وأخرج الدولابى: «أنه ﷺ لما عزى بها قال: الحمد لله ومن للبنات من المكرمات، ثم زوج ﷺ عثمان أم كلثوم، وقال له: والذى نفسى بيده لو أن عندى مائة بنت من واحدة بعد واحدة لزوجتك واحدة بعد أخرى، هذا جبريل أخبرنى أن الله يأمرنى أن أزوجكها» (٢) رواه الفضائلى، وبقى من بناته ﷺ زينب وهى أكبرهن بلا خلاف، ماتت سنة ثمان تحت ابن خالتها أبى العاص ابن الربيع بن عبد العزى، هاجرت قبله، فلما هاجر ردها له ﷺ بالنكاح الأول بعد سنتين، ولدت له عليا مات وقد ناهز الحلم، وكان رديف النبى ﷺ يوم الفتح، وأمامة: وهى التى حملها ﷺ فى صلاة الصبح على عاتقه وكان إذا ركع وضعها، وإذا رفع رأسه من السجود أعادها، وتزوجها على رضى الله عنه بعد فاطمة رضى الله عنهما، وفاطمة الزهراء البتول رضى الله عنها وهى أصغرهن، فإنها ولدت بعد النبوة، وقيل: قبلها بخمس سنين، وتزوجها علىّ بوحى فى السنة الثانية، وقيل: بعد أحد، وبنى بها بعد تزوجها بتسعة أشهر ونصف، وكان سنها نحو خمسة عشر سنة، وسنه نحو إحدى وعشرين، وقيل غير ذلك، وأخرج أبو حاتم وأحمد فى المناقب قصة تزوجها وحاصلها: «أن أبا بكر ثم عمر خطباها فسكت ﷺ فذهبا لعلى ونبهاه لخطبتها فجاء وقال له: تزوجنى فاطمة؟ قال: وعندك شىء؟ قلت: فرسى وبزتى، قال: أما فرسك فلا بد لك منها وأما بزتك فبعها بأربعمائة وثمانين فجاء بها فوضعها فى حجره ثم قبض منها قبضة، وقال لبلال: اجمع لنا طيبا وأمرهم أن يجهزوها فجعل لها سريرا مشرطا ووسادة من أدم حشوها ليف وقال لعلى: إذا أتتك فلا تحدث شيئا حتى آتيك فجاءت مع أم أيمن حتى قعدت بجانب البيت وهو بجانب وجاء ﷺ فقال هنا أخى ودخل فقال لفاطمة ائتينى بماء فقامت إلى قعب فى البيت فأتت فيه بماء فأخذه ومجّ فيه ثم قال لها:

стр. 459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تقدمى فتقدمت فنضح بين ثدييها وعلى رأسها، وقال: اللهم إنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ثم قال لها: أدبرى، فأدبرت فصّب بين كتفيها ثم فعل مثل ذلك بعلى ثم قال له: «ادخل بأهلك بسم الله والبركة» (١) وفى رواية عند القزوينى والحاكم «أن عليا لما خطبها» بعد الشيخين قال ﷺ قد أمرنى ربى بذلك وأمر أنسا بأن يدعو له أبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن وعدّة من الأنصار فلما اجتمعوا وعلى غائب قال ﷺ : «الحمد لله المحمود بنعمته المعبود بقدرته المطاع بسلطانه المرهوب من عذابه وسطوته المرغوب إليه فيما عنده، النافذ أمره فى سمائه وأرضه الذى خلق بقدرته ودبرهم بحكمته وأمرهم بأحكامه فيما غرهم بدينهم وأكرمهم نبيه محمد ﷺ إن الله تبارك اسمه وتعالت عظمته جعل المصاهرة سببا لاحقا وأمرا مفترضا وشج به الأرحام-أى: بالتشديد من الوشج وهو اشتباك القبائل الواشجة الرحم المشبكة وقد وشجت بكذا فرأيته يشيج، ووشجها شبكها (٢) -وإزالة الآثام وأكرم الأنام فقال عز من قائل: وَهُوَ اَلَّذِي خَلَقَ مِنَ اَلْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (٣) فأمر الله يجرى إلى فضائه وقضاؤه يجرى إلى قدره ولكل قضاء قدر ولكل قدر أجل ولكل أجل كتاب يَمْحُوا اَللهُ مايَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتابِ (٤) ثم إن الله أمرنى أن أزوج فاطمة من على بن أبى طالب فاشهدوا أنى قد زوجته على أربعمائة مثقال فضة إن رضىّ بذلك علىّ ثم دعى ﷺ بطبق فيه سرّ ثم أمرهم بالنهبة ودخل علىّ فتبسم فى وجهه ثم قال: «إن الله أمرنى أن أزوجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضة إن رضيت» قال: قد رضيت بذلك يا رسول الله فقال ﷺ : «جمع الله شملكما وأعزّ جدكما وبارك عليكما، وأخرج منكما كثيرا طيبا» (٥) قال أنس: فو الله لقد أخرج الله منهما الكثير

стр. 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الطيّب، والعقد له بغيبته إما بحضور وكيله، أو قصد به مجرد الإعلام ثم عقد معه بعد أن حضر وقال: رضيت، والحاصل أنها واقعة حال محتملة، وأخرج الإمام أحمد: «كان جهاز فاطمة خميلة وقربة ووسادة أدم حشوها ليف وسميت فاطمة لأن الله فطمها وذريتها من النار، أخرجه الحافظ الدمشقى مرفوعا، ورواية النسائى ومجيبها وبتولا لانقطاعها عن نساء زمانها فضلا ودينا وحسنا، قال ابن عبد البر: هى وأم كلثوم أفضل بناته ﷺ لكنّ فاطمة أحبّ أهله إليه ولم يكن له عقب إلا منها من جهة الحسن والحسين رضى الله عنهما، وأما بنتها أم كلثوم فتزوجت بعمر فولدت له رقية وزيدا ولم يعقبا ثم بعون ثم بمحمد ثم بعبد الله بنى جعفر ثم ماتت عند عبد الله من غير عقب فتزوج أختها زينب بنت فاطمة فولدت له عدة منهم: علىّ وأم كلثوم، وهى تزوجها ابن عمه القاسم بن محمد بن جعفر، فولدت له عدة منهم: فاطمة تزوجها حمزة بن عبد الله ابن الزبير بن العوام، وله منها عقب والحاصل: أن عقب عبد الله بن جعفر انتشر من على رضى الله عنه وأم كلثوم بنت زينب بنته الزهراء رضى الله عنها ولا ريب أن لهم شرفا لكنه دون شرف المنسوبين للحسن والحسين وفوق شرف أولاد عبد الله من غير زينب ويوصف العباسيون بالشّرف أيضا لشرف بنى هاشم، وأما أولاده ﷺ الذّكور ففى عدتهم خلاف طويل والمتحصل من جميع الأقوال ثمانية ذكور: اثنان متفق عليهما: القاسم وإبراهيم، وستة مختلف فيهم: عبد مناف وعبد الله والطيب والمطيب والطاهر والمطهر والأصح: أن الذكور ثلاثة، وكلهم ذكورا وإناثا من خديجة، إلا إبراهيم فمن مارية القبطية، أهداها له المقوقس القبطى صاحب مصر والإسكندرية، ولدت إبراهيم فى ذى الحجة سنة ثمان، ومات وله سبعون يوما على خلاف فيه، وورد من طرق ثلاثة عن ثلاثة من الصحابة: «لو عاش إبراهيم لكان نبيا» (١) وتأويله: أن القضية الشرطية لا تستلزم الوقوع، ولا يظن بالصحابة الهجوم على مثل هذا الظن، وأما إنكار النووى كابن عبد البر لذلك، فلعدم ظهور هذا التأويل وهو ظاهر.
следующие страницы →