٣٩٠ - حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالا: حدثنا محمد بن
ــ
أى: لم يحجب عنى حجاب غفلة، ولم يرد أنه لم يحجب عن الروح المشخصة طرفة عين، فذلك مستحيل انتهى. فيقال لرد دعواك الاستحالة إن عنيت بها الاستحالة العقلية فباطل، أو الشرعية فمن أى دليل أو قاعدة أخذت ذلك، كلا لا استحالة فى ذلك بوجه كما قدمناه (١).
стр. 597
جعفر، حدثنا شعبة، عن أبى حصين، عن أبى صالح عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :
«من رآنى فى المنام فقد رآنى، فإنّ الشيّطان لا يتصوّر-أو يتشبّه-بى».
٣٩١ - حدثنا قتيبة، حدثنا خلف بن خليفة، عن أبى مالك الأشجعى، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ :
«من رآنى فى المنام فقد رآنى».
قال أبو عيسى: (وأبو مالك هذا هو سعد بن طارق بن أشيم، وطارق بن أشيم هو من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد روى عن النبى ﷺ أحاديث).
(وسمعت على بن حجر يقول: قال خلف بن خليفة: رأيت عمرو بن حريث صاحب النبى ﷺ وأنا غلام صغير).
٣٩٢ - حدثنا قتيبة-هو ابن سعيد-حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن عاصم بن
ــ
٣٩١ - (أشيم): بهمزة مفتوحة فمعجمة ساكنة فتحتية مفتوحة. (قال أبو عيسى. . .) إلخ بين به الترمذى أنه من تابع التابعين.
٣٩٢ - (قال) أى عاصم. (أبى): أى كليب. (قد رأيته): أى النبى ﷺ فى المنام.
стр. 598
كليب، حدثنى أبى، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ :
«من رآنى فى المنام فقد رآنى، فإنّ الشّيطان لا يتمثّلنى». قال كليب: «فحدّثت به ابن عبّاس، فقلت: قد رأيته، فذكرت الحسن بن على، فقلت: شبّهته به.
فقال ابن عباس: إنّه كان يشبهه».
٣٩٣ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن أبى عدى، ومحمد بن جعفر، قالا:
حدثنا عوف بن أبى جميلة، عن يزيد الفارسى-وكان يكتب المصاحف. قال:
«رأيت رسول الله ﷺ فى المنام، زمن ابن عبّاس رضى الله عنهما. فقلت لابن عباس: إنّى رأيت رسول الله ﷺ فى النّوم. فقال ابن عبّاس: إنّ رسول الله ﷺ كان يقول: إنّ الشّيطان لا يستطيع أن يتشبّه بى، فمن رآنى فى النّوم فقد رآنى.
هل تستطيع أن تنعت هذا الرّجل الذى رأيته فى النوم؟ قال: نعم، أنعت لك رجلا بين الرّجلين، جسمه ولحمه، أسمر إلى البياض، أكحل العينين، حسن الضحك، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته ما بين هذه إلى هذه، قد ملأت نحره».
ــ
(إنه كان يشبهه): كذلك ورد فى أحاديث مشابهة الحسن وغيره له ﷺ ومر الجواب عن ذلك.
٣٩٣ - (وكان يكتب المصاحف): إشارة إلى بركة عمله وحلمه، فلذا رأى تلك الرؤية العظيمة. (بين الرجلين): أى ليس ببائن ولا قصير كما مر. (جسمه): مبتدأ مؤخر وبين الرجلين خبره، وهو فاعل الظرف. (ما بين هذه إلى هذه): إشارة لعرضها.
(ملأت نحره): إشارة لطولها. (ما كان مع هذا النعت): أى لا أعلم الذى وجد من
стр. 599
قال عوف: ولا أدرى ما كان مع هذا النّعت.
فقال ابن عباس: «لو رأيته فى اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا».
٣٩٤ - حدثنا عبد الله بن أبى زياد، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعيد، قال:
حدثنا ابن أخى ابن شهاب الزهرى، عن عمه الزهرى قال: قال أبو سلمة: قال أبو قتادة: قال رسول الله ﷺ :
«من رآنى-يعنى فى النّوم-فقد رأى الحقّ».
ــ
صفاته فى الخارج مع هذا النعت هل هو مطابق له أو لا. وهذا ظاهر لا غبار عليه، ولم يهتد إليه من أبدى فيه تردد أن لغيره كلها متكلفة بل أكثرها تهافت. (وهو أقدم) إلخ: أى فمن توهم اتحادهما لاتحاد اسمهما أو بلدهما فقد وهم.
٣٩٤ - (أنا أكبر من قتادة): عرف من الذى روى هذا لكون قتادة يروى عن ابن عباس، أنه إذا كان راوى يزيد الذى هو عوف أكبر من راوى ابن عباس، لزم أن يزيد أدرك ابن عباس، فصح ما قدمه الترمذى، أن يزيد روى عن ابن عباس وأدركه، وإن لم يلزم رؤيته، إلا أنه يستأنس به لذلك. (فقد رأى الحق): أى الرؤيا الصحيحة كما مر. (والحق): مفعول به أى رأى الأمر الثابت الذى هو أنا بدليل رواية: «فقد رآنى رؤيا المؤمن الصالح» لرواية البخارى «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» والمراد فإنه رؤيا الصالحين وإلا فقد يرى الصالح الأضغاث نادرا لقلة تسلط الشيطان عليه.
стр. 600
٣٩٥ - حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أنبأنا معلّى بن أسد، حدثنا عبد العزيز ابن المختار، حدثنا ثابت، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال:
«من رآنى فى المنام فقد رآنى، فإنّ الشّيطان لا يتخيّل بى».
قال:
«ورؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين جزءا من النّبوّة».
ــ
٣٩٥ - (من ستة وأربعين جزءا من النبوة): استشكل كونها جزءا من النبوة، مع أن النبوة انقطعت بموته ﷺ . وأجيب: بأنها من غير النبوة جزءا من أجزائها مجازا، أو أنها جزء من علم النبوة، لأنها وإن انقطعت، فعلمها باق، ولا ينافية قول مالك ﵀ لما سئل أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يلعب؟ ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة، لأنه لم يرد أنها نبوة باقية، بل أنها لما أشبهتها من جهة الاطلاع على بعض الغيب، لا ينبغى أن يتكلم فيها بغير علم، فكذلك الشبه سميت جزءا من النبوة ولا يلزم من إثبات الجزء لشىء إثبات الكل له، ألا ترى أنا نقول: الله أكبر جزء من الأذان، ولا يسمى أذانا.
وصح: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات». وعند أحمد: «لم يبق بعدى من المبشرات إلا النبوة»، وعند مسلم «أنه ﷺ لما كشف الستارة فى مرض موته، والناس خلف أبى بكر قال: أيها الناس لم يبق من مبشرات النبوة، إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له». والتعبير بالمبشرات الغالب فإن من الرؤيا ما تكون منذرة أى: وهى صادقة يريها الله للمؤمن رفقا به يستعد لما سيقع به، وقوله: «من الرجل فى هذا» وأمثاله لا مفهوم له اتفاقا والمرأة الصالحة كذلك، وقوله: «من ستة وأربعين، هو ما فى أكثر كتب الأحاديث. وعند مسلم: «من خمسة وأربعين» وفى رواية له أيضا: «من سبعين جزءا»: وعند الطبرانى: «من ستة وسبعين» وهو ضعيف، وعند ابن عبد البر: «من ستة وعشرين»، وعند النووى: «من أربعة وعشرين»، وهذا أقل ما ورد فى ذلك، وأكثرها رواية-ستة وسبعين-، وبقيت روايات أخرى. وحكمة كونها جزءا من ستة
стр. 601
٣٩٦ - حدثنا محمد بن على، قال: سمعت أبى يقول: قال عبد الله بن المبارك:
«إذا ابتليت بالقضاء فعليك بالأثر».
٣٩٧ - حدثنا محمد بن على، حدثنا النضر بن عون، عن ابن سيرين، قال:
«هذا الحديث دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم».
ــ
وأربعين، أن زمن الوحى ثلاثة وعشرون سنة، منها ستة أشهر كانت زمن رؤيا النوم، فصارت جزءا من ستة وأربعين. وورد: بأن زمن الرؤيا لم يصح أنه ستة أشهر، ويؤيده قول الخطابى: لم يسمع فى ذلك أثر، وكأن قائل ذلك قاله على سبيل الظن، والظن لا يغنى من الحق شيئا، وليس كل ما خفى علينا علمه، لزمنا حجته كأعداد الركعات، وأيام الصيام انتهى. وبأنه اختلف فى قدر مدة الوحى يقظة، وبأنه ينفى رواية السبعين جزءا وغيرها بغير معنى.
٣٩٦ - (إذا ابتليت بالقضاء): عده بلية لشدة خطره. (بالأثر): أى الاقتداء بالنبى ﷺ والخلفاء الراشدين فى أحكامهم وأقضيتهم.
٣٩٧ - (هذا الحديث. . .) إلخ: وجه الختم بهذا والذى قبله الترغيب فى علم السنة لا سيما عند الارتباك فى البلايا والمحن، والاحتياط فى أخذه، فيتحرى له أهل الدين دون غيرهم.
جعلنا الله منهم بمنه وكرمه وأجزل لنا من مدد سيدنا وحبيبنا ونبينا محمد ﷺ ، ما تقر به أعيننا، وتزكو بصفائه نفوسنا، إنه ولى ذلك، والقادر عليه، آمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
وصلى الله على السيد الأعظم، والرسول الأكمل الأفخم سيدنا محمد سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين، نعم المولى ونعم النصير.
...
стр. 602
قال مؤلفه-العلامة الرحلة الفهامة شيخ مشايخنا الشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر ﵀: وافق الفراغ منه، ثامن عشرين رمضان سنة تسع وأربعين وتسعمائة بعد عصر الجمعة، تجاه الكعبة بالمسجد الحرام، وكان الابتداء فيه ثالث رمضان المذكور من السنة، ختمها بخير آمين، والحمد لله رب العالمين.
...
وافق الفراغ من كتابته على يد أحقر العباد مصطفى جعله الله ممن اصطفى، ثانى عشرين رمضان سنة خمس وعشرين ومائة بعد الألف، بين الصلاتين من يوم الخميس، وصلى الله على سيدنا وحبيبنا محمد، الذى جعل إرساله رحمة، وقوله حكمة، اللهم ارزقنا رؤيته، واجعلنا من متقى أمته، واسقنا من حوضه كأسا لا نظمأ بعده أبدا، واحشرنا، واجعلنا من السابقين السابقين. . . آمين.
***