٣٦٩ - حدثنا حميد بن مسعدة البصرى، حدثنى سليم بن أخضر، عن ابن عوف، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت:
«كنت مسندة النّبىّ ﷺ إلى صدرى-أو قالت: إلى حجرى-فدعا بطست ليبول فيه، ثمّ بال، فمات».
٣٧٠ - حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن ابن الهاد، عن موسى بن سرجس، عن
ــ
ذلك مذكور حتى فى مختصراتهم، غاية الأمر أن شيخى مذهبهم اختلفا فى الترجيح.
فالرّافعى: رجح مسافة القصر، والنووى: باختلاف المطالع، وهما موجودان هنا إذ بين مكة والمدينة مسافات قصر، وهما مختلفا المطالع. وقوله: ينبغى أن يخالفهم أهل مكة. . إلخ كلام لا محصل له، ثم قال: والأقرب ما قاله بعض العلماء أن المراد بقولهم لاثنى عشر خلت منه أى لا أنها كاملة، والدخول فى الثانية انتهى. وهذا فى غاية البعد، بل لا يصح فكيف يجعله الأقرب.
٣٦٩ - (كنت. . .) إلخ: فيه حل الاستناد للزوجة والبول فى الطست ولو مع الزوجة. (والحجر) بالفتح والكسر الحضن، هو ما دون الإبط إلى الكشح.
(والطست): أصله الطسس أبدلت أحد سينه تاء للخفة، فترد عند الجمع، والتصغير.
(ثم بال فمات): ظاهره أنه مات فى حجرها ويوافقه رواية البخارى عنها: «توفى فى بيتى وفى يومى وبين سحرى ونحرى»، وفى رواية: «بين حاقنتى وذاقنتى»: أى كان رأسه ﷺ بين حنكها وصدرها، ولا يعارضه ما للحاكم وابن سعد من طرق «بأن رأسه المكرم كان فى حجر على» لأن كل طريق منها لا يخلو عن شىء قاله الحافظ ابن حجر وبتقدير صحتها المراد أنه كان فى حجره قبيل الوفاة.
٣٧٠ - (بالموت): أى مشغول أو متلبس به وما بعدها أحوال متداخلة. (ثم يمسح
стр. 562
القاسم بن محمد، عن عائشة، أنها قالت:
«رأيت رسول الله ﷺ وهو بالموت، وعنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده فى القدح، ثمّ يمسح وجهه بالماء، ثمّ يقول: اللهمّ أعنّى على منكرات الموت-أو قال: على سكرات الموت-».
ــ
وجهه بالماء): لأنه كان يغمى عليه من شدة الوجع، ثم يفيق، ويؤخذ منه أنه ينبغى فعل ذلك لكل مريض، وإن لم يفعله فعل به غيره، لأن فيه نوع تخفيف للكرب كالتجريع بل يجب التجريع إن اشتدت حاجة المريض إليه، وأغمى عليه ﷺ مرة، فظنوا أن به ذات الجنب فلدوه أى من اللدود، وهو ما يجعل فى جانب الفم من الدواء، وأما ما يصب فى الحلق فهو الوجور، فجعل يشير إليهم أن لا يلدوه، فقالوا: كراهة المريض للدواء، فلما أفاق قال: «ألم أنهكم أن تلدونى» فقالوا: كراهية المريض للدواء فقال:
«لا يبقى أحد فى البيت إلا لد وأنا انظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم» رواه البخارى، «وكان بقسط مذاب فى زيت» رواه الطبرانى، وفعل بهم ذلك لتركهم امتثال نهيه تأديبا لا انتقاما خلافا لمن ظنه. وظاهر سياق الخبر كما قاله بعض المحققين أن سبب كراهته لذلك مع أنه كان يتداوى، عدم ملائمة ذلك لدائه، فإنهم ظنوه ذات الجنب، ولم تكن به، لخبر ابن سعد: «ما كان الله ليجعل لها-أى لذات الجنب-علىّ سلطانا» والخبر «بأنه مات منها» ضعيف على أنه جمع بأنها تطلق على ورم حار يعرض فى الغشاء المستبطن، وهو المنفى، وعليه تحمل رواية الحاكم: «ذات الجنب من الشيطان» وعلى ريح تحتقن بين الأضلاع، وهو المثبت. (سكرات الموت): أى شدائد الموت ومكروهاته، وما يحصل للعقل من التغطية المشابهة للسكر، وقد يحصل من الغضب والعشق نظير ذلك، فهو بمعنى منكرات الآتية، والشك إنما هو فى اللفظ ولشارح هنا ما لا ينبغى، وهو قوله: لعل المراد بها الأمور المخالفة للشرع حرمة أو كراهة الواقعة حال شدة الموت. انتهى. فقوله: المخالفة للشرع، ليس فى محله، لأنه ﷺ لعصمته لا يخشى شيئا فى ذلك، فإن قلت: الشيطان تغلب عليه فى صلاته، قلت: تغلبه عليه فى حال
стр. 563
٣٧١ - حدثنا الحسن بن صبّاح البزار، حدثنا مبشر بن إسماعيل عن عبد الرحمن ابن العلاء، عن أبيه، عن ابن عمر، عن عائشة، قالت:
ــ
صحته لا يقتضى تغلبه عليه فى هذا الحال، وبفرض وقوعه، هو آمن منه قطعا. فقوله:
حرمة أو كراهة غلط صريح وتجرء قبيح وفى تلك الشدائد زيادة ارتفاع لدرجاته العلية ﷺ (أو منكرات الموت) هو ما جاء فى رواية أحمد من غير شك، وفى رواية: «جعل يقول: لا إله إلا الله إن للموت سكرات» فقيل: هى سكرات طرب لقاء ربه لأن بلالا إذا قال وهو فى السياق: وا طرباه غدا ألقى الأحبة محمدا وصحبه» فما بالك لربه، لكن يؤيد ما قررته أولا الخبر المرسل: «اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب والأنامل فأعنّى عليه وهوّنه علىّ» (١). وفى البخارى عن عائشة: «أن أخاها عبد الرحمن دخل عليها، وهى مسندة النبى ﷺ صدرها، ومعه سواك رطب يستن به، فأتبعه ﷺ بصره فأخذته وقصمته ورطبته بالماء، ثم دفعته إليه فاستن به، قالت: فما رأيته استن استنانا قط أحسن منه» (٢). وفيه أيضا: «أن من نعم الله علىّ أن جمع بين ريقى وريقه عند موته». وفى رواية: «أنه كان من جريد النخل» وللعقيلى: «آتينى بسواك رطب فامضغيه، ثم آتينى به أمضغه لكى يختلط ريقى بريقك، لكى يهون علىّ عند الموت».
وفى المسند عنها: «إنه ليهون علىّ لأنى رأيت بياض كف (٣) عائشة فى الجنة».
٣٧١ - (لا أغبط): من الغبطة، وهو اشتهاء أن يكون لك مثل من غبطته، ويدوم
стр. 564
«لا أغبط أحدا بهون موت، بعد الذى رأيت من شدّة موت رسول الله ﷺ ».
ــ
عليه حال. (بهون موت): أى أرفقه وأخفه، وهذا من إضافة الصفة للموصوف وأرادت أنها لما رأت شدة وفاته، علمت أنها ليست من العلامات الدالة على سوء، وضدها لا يدل على الكرامة، وإلا لكان أولى الناس به فلم يكره الشدة لأحد، ولم يغبط أحد يموت من غير شدة. وبهذا يندفع قول بعضهم: الأنسب أن تقول: أغبط كل من يموت بشدة وجه الاندفاع ما علمت أن الشدة لا تدل على خير والرفق لا يدل على سوء وبالعكس. وفى البخارى: «أنه ﷺ لما حضره القبض، ورأسه على فخذ عائشة، غشى عليه، فلما أفاق، شخص بصره نحو سقف البيت، ثم قال: اللهم فى الرفيق الأعلى» (١)، وصح «أسأل الله الرفيق الأعلى، مع الأسعد جبريل وميكائيل وإسرافيل» (٢). وظاهره أن الرفيق مكان يرافق فيه المذكورين، وفى النهاية: هو جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين. وقيل: هو الله لأنه رفيق بعباده، وقيل: حظيرة القدس، وختم كلامه بهذه الكلمة، لتضمنها التوحيد والذكر بالقلب، وإشارة إلى أن من منع لسانه مانع عن الذكر وقلبه مشغول به لم يضره ذلك، وأفرده لأن أهل الجنة يدخلونها على قلب واحد. وفى دلائل النبوة للبيهقى حديث طويل فيه أنه لما بقى من أجله ﷺ ثلاث جاءه جبريل يعوده فقال: أجدنى مغموما أجدنى مكروبا ثم جاءه فى اليوم الثانى وفى الثالث، وهو يقول له ذلك، ثم أخبره أن ملك الموت يستأذن، وأنه لم يستأذن على آدمى قبله ولا بعده، فأذن له فوقف بين يديه، يخيره بين قبض روحه وتركه، فقال له جبريل: يا محمد إن الله قد اشتاق للقائك، فأذن له فى القبض فلما قبضه، وجاءت التعزية، سمعوا صوتا من ناحية البيت، السلام عليكم أهل البيت، وذكر تعزية طويلة» وأنكر النووى وجود هذه التعزية فى كتب الحديث، وقال الحافظ العراقى: لا تصح، وبين أن ما رواه ابن أبى الدنيا فى ذلك بطوله فيه انقطاع ومتكلم
стр. 565
٣٧٢ - حدثنا أبو كريب: محمد بن العلاء، حدثنا أبو معاوية: محمد بن حازم، عن عبد الرحمن بن أبى بكر-هو ابن المليكى-عن ابن أبى مليكة، عن عائشة، قالت:
«لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا فى دفنه. فقال أبو بكر: سمعت عن رسول الله ﷺ شيئا ما نسيته، قال: ما قبض الله نبيّا إلا فى الموضع الذى يحبّ أن يدفن فيه. ادفنوه فى موضع فراشه».
ــ
فيه. وما رواه البيهقى فى دخول ملك الموت روى نحوه الطبرانى أيضا، ومعنى اشتياق الله للقائه، أراد لقاءه بأن يرده من دنياه إلى معاده، زيادة فى قربه وكرامته.
٣٧٢ - (ابن اللجاج): بجيمين. (فى دفنه) (١): أى فى المحل الذى يدفن فيه فقيل:
يدفن فى مسجده، وقيل: بالبقيع بين أصحابه، وقيل: ابنه إبراهيم، وقيل: بمكة «فقال مروا أبو بكر. .» (٢) إلخ رواه عنه أيضا مالك فى الموطأ وابن ماجه أى «الذى يحب» الله
стр. 566
٣٧٣ - حدثنا محمد بن بشار، وعياش العنبرى، وسوار بن عبد الله، وغير واحد، قالوا: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سفيان الثورى، عن موسى بن أبى عائشة، عن عبيد الله، عن ابن عباس وعائشة:
«أنّ أبا بكر قبّل النّبىّ ﷺ بعدما مات».
ــ
أو النبى «فى فراشه»: أى فى المحل الذى تحت فراشه الذى مات وهو عليه، ولا يشكل على هذا نقل موسى ليوسف ﷺ من مصر إلى آبائه بفلسطين لأن يوسف هو قبر فى المحل الذى قبض فيه، وأما نقله منه بعد هذا الحديث لا يدل على امتناعه لا سيما وموسى إنما فعله بوحى كما هو الظاهر وأن محبة يوسف لدفنه بمصر كانت مغياة بفقد من ينقله إلى آبائه؟ وجاء أن عيسى ﷺ يدفن بجنب نبينا ﷺ ، وأنه ترك له موضع، ثم يؤخذ منه بفرض صحته، أن عيسى ﷺ يقبض فى الحجرة إلا أن يقال أنه يقبض فى الحجرة، ولا يخلو عن بعد، فهو اشتقاق مشتمل على إيهام تناقض وعدم تأمل لأن من سلّم به صحة ما ورد أنه يدفن فى الحجرة يلزمه أن يسلّم موته فيها، لما علمت أن لفظ الحديث: «ما قبض الله نبيا إلا فى الموضوع الذى يحب أن يدفن فيه» (١)، وهذا صريح فى التلازم الذى ذكرته بناء على صحه رواية دفنه ثم، ومبطل لذلك الاعتراض فتأمله، قيل: يؤخذ من الحديث أن عيسى يدفن بجنب نبينا ﷺ فى حجرته، ولذا ترك له ثم موضع انتهى. وفى هذا الأخذ نظر ظاهر، ومن يستنبط من هذا الاستنباط حقيق بأن لا يرفع له راية.
٣٧٣ - (أن أبا بكر قبل النبى ﷺ بعد ما مات): رواه البخارى وغيره أيضا ولأحمد أتاه قبل رأسه فحدر فاه فقبل جبهته ثم قال: وا نبياه، ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل جبهته ثم قال: وا صفياه ثم رفع رأسه وحدر فاه وقبل جبهته وقال: وا خليلاه (٢)، ولابن
стр. 567
٣٧٤ - حدثنا نصر بن على الجهضمى، حدثنا مرحوم بن عبد العزيز العطار، عن أبى عمران الجونى، عن يزيد بن بابنوس، عن عائشة:
«أنّ أبا بكر دخل على النّبىّ ﷺ بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على ساعديه، وقال: وا نبيّاه، وا صفياه، وا خليلاه».
٣٧٥ - حدثنا بشر بن هلال الصواف البصرى، حدثنا جعفر بن سليمان، عن
ــ
أبى شيبة فوضع فاه على جبينه فجعل يقبله ويبكى ويقول: بأبى أنت وأمى طبت حيا وميتا فعل ذلك اتباعا له ﷺ ، فى تقبيله لعثمان بن مظعون رضى الله عنه، وبه علم ندب تقبيل وجه الميت الصالح.
٣٧٤ - (الجونى): بفتح الجيم، والجون بطن من الأزد. (بابنوس): بموحدتين فألف بينهما ثم نون مضمومة وواو ساكنة، فمهملة، (ووضع يديه على ساعديه): فيه حل نحو ذلك بالميت. (وا نبياه. . .) إلخ، فيه حل نحو ذلك من غير نوح ولا ندب، وأصله، يا نبى الحق آخره ألفا للندب ليمتد بها الصوت وليتميز المندوب عن المنادى وهاؤه للسكت تزاد وقفا لأرادة ظهور الألف لخفائها. وتحذف وصلا، قال الطبرى ولا ينافى هذا ما يأتى من ثباته لاحتمال أنه قال من غير انزعاج ولا قلق بخفض صوته.
٣٧٥ - (لما كان اليوم. .) إلخ: رواه عنه أيضا الدارمى بلفظ: «ما رأيت يوما كان أقبح
стр. 568
ثابت، عن أنس، قال:
«لما كان اليوم الذى دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة، أضاء منها كلّ شىء، فلما كان اليوم الذى مات فيه أظلم منها كلّ شىء، وما نفضنا أيدينا عن التراب، وإنّا لفى دفنه ﷺ حتّى أنكرنا قلوبنا».
٣٧٦ - حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا عامر بن صالح، عن هشام بن عروة،
ــ
ولا أظلم من يوم مات فيه ﷺ ». (أظلم منها كل شىء): فيه نوع تجريد ظاهره أن الإضاءة والإظلام محسوسان، وأن الإضاءة دامت إلى موته فعقبها الإظلام وقيل: هما معنويان، والأول أولى لما فيه من المعجزة والحال أن ما نافية (نفضنا) (وإنا) الواو هنا للحال أيضا فهى مع التى قبلها من المتداخلة بين بهما أن ذلك الإظلام وقع عقب موته ﷺ من غير مهلة «معتما» غاية للإظلام يعنى: أظلم منها كل شىء حتى قلوبنا لأننا أنكرناها لفقد ما كان يغشاها من إمداداته العلية، وأنواره السنية، ولانقضاء ما كانت عليه من الصفاء والألفه والرأفة والرحمة، دون التصديق والإيمان، لأن إيمانهم لم يتناقض منه شىء مطلقا، وقيل: إنكارها لعدم امتناعها من حثى التراب عليه ﷺ ، ومن ثم قالت: «أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب» (١) وأخذت من تراب القبر الشريف، فوضعته على عينها، وأنشدت ما يأتى، وهذا قول بعيد، وفاطمه إنما قالت ذلك عند غلبة الحزن عليها، بحيث أذهلها كغيرها.
٣٧٦ - (يوم الإثنين): ثانى عشر ربيع الأول حين اشتد الضحى وقت دخوله ﷺ فى هجرته.
стр. 569
عن أبيه، عن عائشة، قالت:
«توفّى رسول الله ﷺ يوم الإثنين».
٣٧٧ - حدثنا محمد بن أبى عمر، حدثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال:
«قبض رسول الله ﷺ يوم الإثنين، فمكث ذلك اليوم، وليلة الثّلاثاء، ودفن من الليل».
قال سفيان: وقال غيره «يسمع صوت المساحى من آخر اللّيل».
قال أبو عيسى: (هذا حديث غريب).
ــ
٣٧٧ - (ودفن من الليل): أى ليلة الأربعاء، وقال غيره، أى: غير محمد الباقر رضى الله عنه: قال: (يسمع. . .) إلخ. وفى هذه زيادة على ما قبلها، وهى أن الدفن كان من آخر الليل ودفن «يوم الثلاثاء»، وجمع بينه وبين ما قبله بأنهم شرعوا فى تجهيزه آخر يوم الثلاثاء فلم يفرغوا منه إلا آخر ليلة الأربعاء، وعلى كل فإنما أخروا دفنه إلى ذلك مع قوله ﷺ لأهل بيت أخروا دفن ميتهم «عجلوا دفن ميتكم ولا تؤخروه» إما لعدم اتفاقهم على موته أو محل دفنه، فقوم قالوا: يدفن فى البقيع، وقوم فى المسجد، وقوم يحمل إلى ابنه إبراهيم عليه، حتى قال العالم الأكبر صديق الأمة وواحد الخلافة ما يأتى عنه، أو لاشتغالهم بما هو أهم منه، وهو أمر البيعة لّما اختلف المهاجرون والأنصار فيها
стр. 570
٣٧٨ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن شريك بن عبد الله بن أبى نمر، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال:
«توفّى رسول الله ﷺ يوم الإثنين، ودفن يوم الثّلاثاء».
٣٧٩ - حدثنا نصر بن على الجهضمى، أنبأنا عبد الله بن داود، قال: حدثنا سلمة بن نبيط، أخبرنا عن نعيم بن أبى هند، عن نبيط بن شريط، عن سالم بن عبيد-وكانت له صحبة، قال:
«أغمى على رسول الله ﷺ فى مرضه، فأفاق، فقال: حضرت الصلاة؟ قالوا:
ــ
ليكون لهم إمام يرجعون إليه عند التنازع فى شىء من أحواله ولو تركوا البيعة لربما وقع خلاف وأدى إلى فتنه عظيمة فمن ثم انتظروا فيها حتى استقر الأمر فبايعوا أبا بكر، ثم بايعوه بالغد بيعة أخرى عن ملاء منهم، وكشف الله به الكربة من أهل الردة، ثم رجعوا إلى النبى ﷺ فنظروا فى أمره فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه بملاحظة أبى بكر ورأيه. (المساحى) (١) جمع مسحاة كالمجرفة إلا أنها من حديد. (من آخر الليل): أى ليلة الأربعاء (غريب) أى بل المشهور ما مر أن دفنه آخر ليلة الأربعاء.
٣٧٩ - (نبيط): بنون مضمومة فموحدة فتحتية. (شريط): بفتح المعجمة. (أغمى):
على رسول الله ﷺ أى: ستر عقله لشدة ما حصل له من تناهى الضعف وفتور الأعضاء عن تمام الحركة، وفيه جواز الإغماء على الأنبياء، وهو كذلك، لأنه من جملة المرض الجائز عليهم قطعا بخلاف الجنون فإنه نقص، وحكمة ما يعتريهم من المرض ومصائب الدنيا تكثير أجرهم وتسلية الناس بأحوالهم ولئلا يفتتنوا بهم ويعبدونهم لما ظهر على أيديهم من خوارق المعجزات وواضح منعه وهذا الحديث روى الشيخان بعضه ومنه
стр. 571
نعم. فقال: مروا بلالا فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصلّ للناس-أو قال: بالنّاس- ثمّ أغمى عليه، فأفاق فقال: مروا بلالا فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصلّ بالناس-، فقالت عائشة: إنّ أبى رجل-أسيف، فإذا قام ذلك المقام بكى، فلا يستطيع، فلو أمرت غيره. قال: ثمّ أغمى عليه، فأفاق، فقال: مروا بلالا فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصلّ بالناس، فإنكنّ صواحب -أو صواحبات- يوسف.
ــ
قوله: (مروا أبا بكر فليصلّ بالناس). وأن عائشة أجابته بما سيأتى وأنه كرر ذلك فكررت الجواب وأنه قال: (إنكن صواحبات يوسف مروا أبا بكر فليصلّ بالناس)، وفى البخارى: «فمر عمر فليصلّ بالناس» وأنها قالت لحفصة أنها تقول ما قالت عائشة فقالته فقال لها: «مه إنكن لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس» فقالت لها حفصة: ما كنت لأصيب منك خيرا. وفى الحديث جواز الإغماء على الأنبياء كما مر لكن قيده الشيخ أبو حامد من أئمتنا بغير الطويل، وجزم به البلقينى، قال السبكى:
وليس كإغماء غيرهم لأنه إنما يستر حواسهم الظاهرة دون قلوبهم، لأنها إذا عصمت من النوم الأخف فالإغماء أولى، أما الجنون فيمتنع عليهم قليله وكثيره لأنه نقص. وألحق السبكى العمى قال: ولم يعم نبى قط، وما ذكر عن شعيب أنه كان ضريرا فلم يثبت، وأما يعقوب فحصلت له غشاوة وزالت انتهى. وحكى الرازى عن جمع فى يعقوب ما يوافقه. (حضرت): أى أحضرت. (فليؤذن): بسكون الهمزة وتخفيف الذال فليعلمه، وبفتح وتشديد أى: فليدعوه. وفيه أنه ينبغى أن لا يقدم القوم للإمامة إلا أفضل القوم فقها وقراءة وورعا، وفى تكرير أمره بتقديمه الدلالة الظاهرة عند من له أدنى ذوق، بل إيمان على أنه أحق الناس بخلافته، وقد وافق على ذلك علىّ رضى الله عنه وغيره من أهل البيت وهو أن عليهم. (أسيف): فعيل بمعنى فاعل من الأسف، وهو شدة الحزن والبكاء والمراد به: رقيق القلب. ولابن حبان عن عاصم أحد رواته، والأسيف: الرقيق الرحيم (يبكى): أى لتدبره القرآن ولفقده خليله ﷺ وما كان يجد من أنسه وأنواره.
(فلو): للتمنى أو للشرط والجزاء محذوف. (صواحب أو صواحبات): كل منهما جمع صاحبة لكن الثانى قليل (يوسف) على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة والسلام أى فى إظهار خلاف ما فى الباطن، أو التعاون على ما يرونه وكثرة إلحاحكن على ما تملن إليه، ثم هذا الخطاب، وإن كان بلفظ الجمع، فالمراد به واحدة،
стр. 572
قال: فأمر بلال فأذن، وأمر أبو بكر فصلى بالناس. ثمّ إنّ رسول الله ﷺ وجد خفة، فقال: انظروا من أتكئ عليه. فجاءت بريرة، ورجل آخر، فاتكأ عليهما، فلما رآه أبو بكر ذهب لينكص، فأومأ إليه أن يثبت مكانه، حتّى قضى أبو بكر صلاته.
ــ
وهى عائشة ووجه الشبه، أن زليخا استدعت النسوة، وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة، ومرادها زيادة على ذلك، وهى أن ينظرن حسن يوسف فيعذرنها فى محبته، وعائشة أظهرت أن سبب محبتها، صرف الإمامة عن أبيها، عدم استماعه القرآن، ومرادها زيادة على ذلك، هى أن لا يتشاءم الناس به. فقد روى البخارى عنها: «لقد راجعته وما حملنى على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع فى قلبى أن يحب الناس رجلا قام مقامه أبدا، وإلا كنت أرى أنه لن يقوم أى أحد مقامه، إلا يتشائم الناس به» «فصلى بالناس سبع عشرة صلاة» كما نقله الدمياطى. (بريرة ورجل آخر): فى رواية الشيخين «فى سياق آخر رجلين وعباس وعلى»، ورواية مسلم «العباس وولده الفضل»، وفى أخرى «العباس وأسامة»، وعند الدار قطنى «أسامة والفضل»، وعند ابن حبان «بريرة ونوبة» بضم فسكون أمة، وقيل: عبد، وعند ابن سعد «الفضل وثوبان» رضى الله عنهم.
وجمعوا بين هذه الروايات على تقدير ثبوتها بأن خروجها تعدد فيتعدد من اتكئ عليه، وهذا أولى من الجواب بأن العباس لكبر سنه وشرفه، كان ملازما للأخذ بيده، ولذا ذكرته عائشة، وأما الباقون فتناوبوا يده الشريفة وخصوا بذلك، لأنهم خواص أهل بيته وأكابرهم، ولما لم يلازمه أحد فى جميع الطريق، أبهمت عائشة الرجل الذى مع العباس. ووجه أولوية الجمع الأول أن الثانى لا يجتمع به الروايات كلها، لأن بعضها لم يذكر فيه العباس. «لينكص»: ليرجع إلى ورائه القهقرى. (فأومأ): أشار إليه النبى ﷺ . (أن. . .) إلخ: ظاهره أنه ﷺ اقتدى به، والذى رواه الشيخان «أنه ﷺ جاء حتى جلس عن يساره، فكان يصلى قاعدا وأبو بكر قائما يقتدى أبو بكر بصلاة النبى ﷺ والناس يقتدون بصلاة أبى بكر» (١). وفيه ما يدل على أنه إمام ومأموم، وجاء فى رواية
стр. 573
ثمّ إنّ رسول الله ﷺ قبض. فقال عمر: والله لا أسمع أحدا يذكر أنّ رسول الله ﷺ قبض إلا ضربته بسيفى هذا.
قال: وكان النّاس أمّيّين، لم يكن فيهم نبىّ قبله. فأمسك الناس. فقالوا: يا سالم، انطلق إلى صاحب رسول الله ﷺ ، فادعه. فأتيت أبا بكر وهو فى المسجد، فأتيته أبكى دهشا.
ــ
ما يقتضى كلا الأمرين. وفى رواية لهما «أنه كان يسمع الناس تكبيره ﷺ » فيكون أبو بكر مقتديا به، وبه يندفع زعم العكس، ويتضح ما قاله الشافعى من جواز مفارقة الإمام، وإنشاء الاقتداء فى أثناء الصلاة، وقوله: (حتى قضى) معطوف على محذوف دل عليه ما قبله، أى فثبت ﷺ حتى فرغ أبو بكر من صلاته. (قبض) وأبو بكر غائب بالعالية عند زوجته بنت خارجة، وكان ﷺ ، قد أذن له فى الذهاب إليها. (فقال عمر):
وقد سل سيفه. (والله لا أسمع. . .) إلخ وكان يقول: إنما أرسل إليه كما أرسل إلى موسى، فلبث عن قومه أربعين ليلة، والله إنى لأرجو أن تقطع أيدى رجال وأرجلهم وسيأتى رجوعه عن هذه المقالة، وأن الحامل له عليها، ما ظنه أن ما عرض له ﷺ إنما هو الغشى، أو ذهوله عن حسه، فأحال الموت عليه، وخوفه ووقوع فتنة. (الناس): أى العرب بقرينة المقام، والمعنى قال تعالى: بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ (١) أميين أى لم يتعلموا الكتابة وتنشأ عليها فطرتهم، حتى لا يذهلهم عظائم المحسن عن معلوماتهم، بخلاف من فطر عليها فإن معلوماته لا تضل عنه عند طروق أى محنة أصابته. (لم يكن فيهم نبى قبله): أى لأن سبب العلم بموت النبى ﷺ إما وراثة كتب الأنبياء أو مشاهدة موتهم، وكل منها منفى عند العرب. (فأمسك الناس): أى عن التفوه بموته، وكل ذلك لذهولهم الحاصل له عند سماع خبر موته، فضلت عنهم بعض معلوماتهم، ومن جملتها أنه ﷺ ميت، أى: بالنظر إلى أحكام الدنيا وإلا فهو حى عند الله، نص عليه الغزالى فى المستصفى حيث قال: وهو ﷺ معدوم عن عالمنا هذا، وإن كان حيا عند الله انتهى.
وقد نص الله تعالى على ذلك فى غير آية: (إلى صاحب رسول الله ﷺ ذكرهم ذلك دون أبى بكر دليل على شهرته فيما بينهم بهذا الوصف دون غيره، وكأنهم اتفقوا فى ذلك أنه تعالى أثبت له فى كتابه العزيز دون غيره. (فى المسجد): أى مسجد محلته التى
стр. 574
فلما رآنى، وقال لى: أقبض رسول الله ﷺ ؟ قلت: إنّ عمر يقول: لا أسمع أحدا يذكر أنّ رسول الله ﷺ قبض، إلا ضربته بسيفى هذا.
قال لى: انطلق، فانطلقت معه، فجاء هو، والنّاس قد دخلوا على رسول الله ﷺ ، فقال: أيّها النّاس أفرجوا لى، فأفرجوا له، فجاء حتّى أكبّ عليه، وخرّ على
ــ
كان فيها، وهو بالعوالى. (دهشا): بفتح فكسر أى: متحيرا مما استولى عليه من الذهول والوله. وفى رواية «أن أبا بكر أرسل غلامه ليأتيه بالخبر، فعاد وقال: سمعت الناس يقولون: مات محمد فركب من فوره وقال: وا محمداه، وا نقطاع ظهراه، ثم أقبل يبكى». (فقال: إن الناس أفرجوا. . .) إلخ: قد ينافيه رواية البخارى عن عائشة «أقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسنخ، حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فبصر رسول الله ﷺ ، وهو مسجى ببردة فكشف عن وجهه وأكب عليه فقبله ثم بكى، فقال: بأبى أنت وأمى لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التى كتبت عليك فقد متها». وقد يجاب بحمل قولها: (فلم يكلم الناس): على من بالمسجد وقول غيرها. (أفرجوا لى): على من كان حاضرا عنده ﷺ ، إذ لم يكلمهم بغير أفرجوا لى، ونفيه الموتتين إما حقيقة. ردا على عمر فى قوله بما مر، إذ يلزم منه أنه إذا جاء أجله يموت موتة أخرى، وهو أكرم على الله من أن يجمعهما عليه، كما جمعها على الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف، وعلى الذى مر على قرية. وهذا أوضح وأسلم من حمله على أنه لا يموت موتة أخرى فى القبر كغيره، أو لا يجمع الله عليه بين موت نفسه وموت شريعته أو الموتة الثانية: الكرب أى: يلقى كربا بعد كرب، فهذا الموت كربا آخر. (أكب): أقبل ولزم، وأما كب فبمعنى قلب وسرع، وأخرج البيهقى وغيره من طريق الواقدى: «أنهم اختلفوا فى موته، فوضعت أسماء بنت عميس يديها بين كتفيه فقالت: توفى قد رفع الخاتم من بين كتفيه» فكان هذا هو الذى عرف به موته، ولا ينافيه ما مر، لإمكان حمله على الحاضرين عنده، وحمل ما وقع لأبى بكر على بقية الناس، فقال: ورواية غير المصنف «أن عمر قام يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ ، فجاء أبو بكر فكشف عن وجه رسول الله ﷺ فقبله، فقال: بأبى أنت وأمى طبت حيا وميتا، والذى نفسى بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدا، ثم خرج، فقال: أيها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه،
стр. 575
ساعده ومسّه، فقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ.
ــ
وقال: ألا من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، وقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ، وقال: وَمامُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ. . . الآية، قال: فنشج الناس يبكون» رواه البخارى. (ونشجوا):
غصّوا بالبكاء من غير انتحاب. وفى رواية «لما مات ﷺ كان أجزع الناس كلهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وفيها أن أبا بكر لما جاء، كشف البردة عن وجه رسول الله ﷺ ، ووضع فاه على فيه، واستنشق الريح-أى ريح الموت-ثم سجاه، والتفت إلينا ثم قال ما مر، قال عمر: فو الله لكأنى لم أتل هذه الآيات قط». وروى أحمد «سجيت النبى ﷺ ثوبا فجاء عمر، والمغيرة بن شعبة، فاستأذنا، فأذنت لهما وجذبت الحجاب، فنظر إليه عمر وقال: وا غشيتاه، ثم قام، فقال المغيرة: يا عمر مات، فقال: كذبت، إن رسول الله ﷺ لا يموت حتى يفنى الله المنافقين، ثم جاء أبو بكر، فرفعت الحجاب، فنظر إليه، فقال: إنا الله وإنا إليه راجعون، مات رسول الله ﷺ . والبخارى عن ابن عباس: «أن أبا بكر خرج، وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه، وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حى لا يموت، قال الله :
وَمامُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ قال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس كلهم منه، فما أسمع بشرا من الناس، إلا يتلوها»، زاد ابن أبى شيبة عن ابن عمر: «أن عمر إنما قال ما مر فى المنافقين، لأنهم كانوا أظهروا الاستبشار، ورفعوا رءوسهم وأن أبا بكر ضم إلى تلك الآيات:
وَماجَعَلْنالِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ اَلْخُلْدَ. وفى هذا أدل دليل على شجاعة الصديق رضى الله عنه، إذ ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من هذه، فعندها ظهرت شجاعته وعلمه، قالوا: لم يمت، واضطربوا فكشف لهم الأمر بتلك الآيات، فرجع عمر عن مقالته كما ذكره الوائلى عن أنس: «أنه سمعه حين بويع أبو بكر فى المسجد على المنبر وقد تشهد ثم قال: أما بعد: فإنى قلت لكم أمس مقالة، وإنها لم تكن كما قلت وإنى والله ما وجدتها فى كتاب الله ولا فى عهد عهده إلىّ رسول الله ﷺ ، ولكنى كنت أرجو أن يعيش حتى يكون آخرنا موتا، فاختار الله لرسوله الذى عنده على الذى عندكم، وهذا الكتاب الذى يهدى الله به رسوله، فخذوا به تهتدوا لما هدى
стр. 576
ثمّ قالوا: يا صاحب رسول الله ﷺ ، أقبض رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، فعلموا أن قد صدق.
قالوا: يا صاحب رسول الله ﷺ ، أيصلّى على رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قالوا: وكيف؟ قال: يدخل قوم فيكبرون، ويدعون، ويصلون، ثمّ يخرجون، ثمّ يدخل قوم فيكبّرون ويصلون، ويدعون، ثمّ يخرجون، حتّى يدخل النّاس.
ــ
الله له رسوله». والمقالة التى رجع عنها هى قوله: «لم يمت ﷺ ، ولا يموت حتى تقطع أيدى وأرجل» وكان ذلك لعظيم ما ورد عليه، وخشى الفتنة، وظهور المنافقين. فلما شاهد قوة يقين الصديق الأكبر وقراءته تلك الآيات سكن. ومن عظيم تلك المصائب، أن بعض الصحابة خبل كعمر رضى الله عنه، وبعضهم أقعد فلم يطق القيام، كعبد الله ابن أنيس، بل أضنى فمات كمدا، وبعضهم أخرس فلم يطق الكلام كعثمان وكان أثبتهم أبو بكر، وجاء وعيناه تهملان، وزفراته تتصاعد فكشف الثوب عن وجهه، وقال «طبت حيا وميتا، وانقطع بموتك، ما لم ينقطع بموت أحد من الأنبياء، فعظمت عن الصفة، وجللت عن البكاء، ولو أن موتك كان اختيارا، لجدنا لموتك بالنفوس، اذكرنا يا محمد عند ربك ولتكن من بالك» إن: أى أنه [قد] (١) صدق فى إخباره بموته ﷺ لاستدلاله بالآيات التى قد ذكرها هو، لما عنده من نور اليقين، المانع لاستيلاء المحن والنوائب على قلبه، بخلافهم، فإن ذلك النور لما لم يكمل عليهم استولى عليهم عظيم ذلك المصاب فأوجب ذهولهم وولههم. (قال نعم. . .) إلخ، روى ابن ماجه «أنهم لما فرغوا من جهازه يوم الثلاثاء، وضع على سريره فى بيته، ثم دخل الناس أرسالا يصلون عليه، حتى إذا فرغوا، دخل النساء حتى إذا فرغن، دخل الصبيان، ولم يؤم الناس عليه أحد». وفى رواية «أول من صلى عليه الملائكة أفواجا ثم أهل بيته، ثم النساء فوجا فوجا، ثم نساؤه آخرا فيكبرون ويدعون ويصلون». فيه وجوب هذه الثلاثة، ومن ثم كانت أركانا عند الشافعى، أما التكبير فهو أربع، ويجوز أكثر لا أقل، وأما الدعاء، فلا بد أن يكون للميت بخصوصه، وأما الصلاة، فهى هنا فى هذا السياق لا يفهم منها، غير الصلاة على النبى ﷺ ، فمن ثم أوجبها الشافعى هنا لذلك، وقياسا عليها فى الصلاة المعهودة.
(يدخل قوم. . .) إلخ: فيه أن تكرير الصلاة على الميت لا بأس بها وإن لم يصلوا كلهم
стр. 577
قالوا: يا صاحب رسول الله ﷺ أيدفن رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قالوا:
أين؟ قال: فى المكان الذى قبض الله فيه روحه ﷺ فإنّ الله لم يقبض روحه إلا فى مكان طيّب، فعلموا أن قد صدق، ثمّ أمرهم أن يغسّله بنو أبيه.
ــ
بإمام واحد، لأنهم كانوا لم يتفقوا على خليفة، فتكون الإمامة له. (قالوا أين؟ قال: فى المكان الذى قبض الله فيه روحه. . .) إلخ: ورد أيضا أنه استدل على ذلك، بقوله:
«سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما هلك نبى قط إلا يدفن حيث تقبض روحه». وقال على رضى الله عنه: وأنا أيضا سمعته. وحفر أبو طلحة لحده فى موضع فراشه حيث قبض واختلفوا فيمن أدخله فى قبره. وأصح ما روى فى ذلك أنه نزل فيه على والعباس وابناه قثم والفضل رضوان الله عليهم، وكان آخر الناس عهدا به قثم. وورد أنه بنى فى قبره تسع لبنات وفرش تحته قطيفة نجرانية كان يتغطى بها فرشها شقران فى القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك. وأخذ البغوى أنه لا بأس بفرشها لكنه شاذ، والصواب كراهته. وأجابوا عن فعل شقران، بأنه شىء انفرد به، ولم يوافقه أحد من الصحابة، ولا علموا به، وإنما فعله لما ذكر من كراهته أن يلبسها أحد بعده، على أن ابن عبد البر قال: إنها أخرجت من القبر، لما فرغوا من وضع اللبنات التسع. قال رزين:
ورشّ قبره ﷺ ، رشّه بلال بقربة، بدأ من قبل رأسه، وجعل عليه من حصى العرصة حمراء وبيضاء ورفع قبره من الأرض [قدر] (١) شبرا. وروى البخارى عن عائشة أنه ﷺ قال فى مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» لولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشى أن يتخذ مسجدا. ورواية الفتح صريحة فى أنه أمرهم بذلك، بخلاف رواية الضم فإنها تشعر بأن ذلك اجتهاد منهم، ومعنى: «لأبرز قبره» أى: كشف ولم يتخذ عليه حائل، وهذا قالته عائشة رضى الله عنها قبل أن يوسع المسجد، ولهذا لما وسع جعلت حجرتها مثلثة الشكل، حتى لا يتأتى لأحد أن يصلى إلى جهة القبر الشريف مع استقبال القبلة. وما فى البخارى عن سفيان التمار: «أنه رأى قبر مسنما» أى مرتفعا، زاد أبو نعيم فى المستخرج: «وقبر أبى بكر وعمر كذلك» فهو وإن قال بقضيته من ندب التسنيم الأئمة الثلاثة والمزنى وكثير من الشافعية، بل ادعى القاضى حسين اتفاق الأصحاب عليه. رده البيهقى: بأن قول التمار لا حجة فيه لاحتمال أنه لم
стр. 578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يكن فى أول أمره مسنما، فقد روى أبو داود والحاكم من طريق القاسم بن محمد بن أبى بكر قال: «دخلت على عائشة فقلت: يا أمه، اكشفى لى عن قبر رسول الله ﷺ ، فكشفت لى عن ثلاثة قبور لا مشرفة، ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء» زاد الحاكم: «فرأيت رسول الله ﷺ مقدما وأبا بكر رأسه بين كتفى النبى ﷺ ، وعمر رأسه عند رجل النبى ﷺ » وهذا كان فى خلافة معاوية، فكأنها كانت فى الأول مسطحة. ثم لما بنى جدار النبى ﷺ ، فى إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة، من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة. وروى فى صفة القبور ثلاثة غير ما ذكر، لكن حديث القاسم أصح، وما مر عن القاضى مردود، بل قدماء الشافعية ومتأخروهم، على أن التسطيح أفضل، لما فى مسلم من حديث فضالة بن عبيد: «أنه أمر بقبر فسوى، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها». وفى البخارى عن عروة: «لما سقط عليهم حائط الحجرة فى زمن الوليد، أخذوا فى بنائه، فبدت لهم قدم، ففزعوا وظنوا أنها قدمه ﷺ ، فما وجدوا أحدا يعلم ذلك، حتى قال عروة: والله ما هى إلا قدم عمر رضى الله عنه». زاد الآجرى عنه: «أن الناس كانوا يصلون إلى القبر الشريف، فأمر عمر بن عبد العزيز، فرفع حتى لا يصل إليه أحد، فلما تهدمت، بدت قدم بساق وركبة، ففزع عمر بن عبد العزيز فقال عروة: هذا ساق عمر وركبته، فسر عمر بن عبد العزيز بنو أبيه أى: عصابته من النسب، إذ الحق فى الغسل لهم فغسله على رضى الله عنه» الحديث رواه جماعة، منهم ابن سعد والبزار والبيهقى، والعقيلى، وابن الجوزى فى الوصيات عن على كرم الله وجهه بلفظ: «أوصانى النبى ﷺ أن لا يغسله أحد غيرى، فإنه لا يرى أحد عورتى إلا طمست عيناه». زاد ابن سعد «فكان الفضل وأسامة يناولان الماء من وراء الستر وهما معصوبا العين، قال على: فما تناولت عضوا إلا كان يقلبه (١) معى ثلاثون رجلا حتى فرغت من غسله». وفى رواية: «يا على لا يغسلنى إلا أنت، فإنه لا يرى أحد عورتى إلا طمست عيناه، والعباس وابنه الفضل، يعينانه، وقثم وأسامة وشقران مولاه ﷺ يصبون الماء وأعينهم معصوبة، من وراء الستر». وصح عن على رضى الله عنه «غسلته ﷺ فذهبت أنظر ما يكون من الميت، فلم أر شيئا، وكان طيبا حيا وميتا». وفى رواية ابن سعد: «وسقطت ريح طيبة، لم يجدوا مثلها قط».
стр. 579
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذكر ابن الجوزى عن جعفر بن محمد قال: «كان الماء يستنقع فى جفون النبى ﷺ ، فكان على يحسوه». وأما ما روى: «أن عليا لما غسل اقتلص ماء محاجر عينيه فشربه، وأنه ورث بذلك علم الأولين والآخرين» فقال النووى: ليس بصحيح. ومن عجيب ما اتفق ما رواه البيهقى فى الدلائل عن عائشة: «أنهم لما أرادوا غسله ﷺ قالوا: لا ندرى، أن نجرده من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا، ألقى الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجلا إلا ذقنه فى صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو، غسلوا النبى ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا وغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون بالقميص». وصح: «إذا أنا مت، فاغسلونى بسبع قرب من بئرى بئر غرس» بفتح المعجمة وبضمها، وسكون الراء وسين مهملة بئر مشهورة فى المدينة. وصح عن عائشة: «أنه كفن فى ثلاثة أثواب سحولية بيض من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة، وإنما اشتريت له حلة ليكفن فيها فتركت فأخذها عبد الله بن أبى بكر ليكفن فيها ثم قالوا: لو رضيها الله لنبيه لكفنه فيها، فباعها وتصدق بثمنها». ومن ثم روى مسلم» أدرج النبى ﷺ فى حلة يمنية كانت لعبد الله بن أبى بكر رضى الله عنه، ثم نزعت عنه». وصح أيضا: «أنه ذكر لها قولهم فى ثوبين وبردة حبرة، قالت: قد أتى بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه». قال الترمذى: وروى فى كفنه روايات مختلفة، وحديث عائشة أصح الأحاديث فى ذلك والعمل عليه عند أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم. ونقل البيهقى عن الحاكم تواترت الأخبار عن على وابن عباس وابن عمر وعائشة وجابر وعبد الله بن مغفل رضى الله عنهم فى تكفين النبى ﷺ فى ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة. وخبر أحمد: «أنه كفن فى سبعة أثواب» وهم راويه، ومعنى: «ليس فيها قميص ولا عمامة» أنهما ليسا فى الكفن أصلا، كما قاله الشافعى والجمهور. قال النووى: وهو الصواب الذى تقتضيه ظاهر الأحاديث، فلم يثبت أنه ﷺ كفن فى قميص وعمامة انتهى. وقيل: ليس فيها أى: الثلاثة، بل كانا زايدين عليها، وهو محتمل إن لو ثبت ما يدل عليه، وإلا فظاهر اللفظ كما قال ابن دقيق العيد وغيره ما مر خلافا للمالكية فى قولهم: إنهما مندوبان للرجال والنساء. وفى الحديث دلالة على أن القميص الذى غسل فيه نزع عند تكفينه، وصوبه النووى، فإنه لو بقى مع رطوبته أفسد الأكفان، قال: وخبر: «أنه كفن فى ثلاثة أثواب، الحلة ثوبان
стр. 580
واجتمع المهاجرون يتشاورون، فقالوا: انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار ندخلهم معنا فى هذا الأمر.
فقالت الأنصار: منّا أمير، ومنكم أمير.
فقال عمر بن الخطّاب: من له مثل هذه الثّلاث؟ ثانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُمافِي اَلْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اَللهَ مَعَنامنهما.
قال: ثمّ بسط يده، فبايعه، وبايعه النّاس بيعة حسنة جميلة.
ــ
وقميصه الذى توفى فيه» ففيه مجمع على ضعفه، لا سيما وقد خالف بروايته الثقات.
والسحولية: بالفتح على الأشهر الأكثر فى الروايات منسوب إلى السحول، وهو القصار لأنه يسحلها أى: يغسلها، أو إلى السحول قرية باليمن، وبالضم جمع سحل، وهو الثوب الأبيض النقى، ولا يكون إلا من قطن، وفيه شذوذ لأنه نسب إلى الجمع.
وقيل: اسم القرية بالضم أيضا، والكرسف: بضم فسكون فضم القطن. (فى هذا الأمر): أى أمر الخلافة. (من له مثل هذه الثلاثة): استفهام إنكار على الأنصار، حيث توهموا أن لهم حقا فى الخلافة، الأولى ثانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُمافِي اَلْغارِ: الثانية إثبات الصحبة فى قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ. الثالثة إثبات المعية فى قوله تعالى: إِنَّ اَللهَ مَعَنا، فإثبات الله تعالى تلك الفضائل الثلاث بنص القرآن دون غيره دليل ظاهر على أحقيته بالخلافة من غيره. (من هما): أى من الاثنان المذكوران فى هذه الآية المتضمنة لذلك هل هما إلا النبى ﷺ وأبو بكر، والاستفهام فى ذلك للتقرير والتفخيم. ويحتمل أن المراد من هما أى: الأمران اللذان ذكرتموهما، فالاستفهام للتحقير. (حسنة جميلة): قيل جميلة تأكيد، واعترض بأن التأكيد اللفظى بالمرادف لم يثبته النحاة إلا فى نحو: ضربت أنت، وبأنه لا يصح كونه نعتا للتأكيد، لأنهم حصوره فيما إذا فهم من متبوعه متضمنا أو التزاما انتهى. ويرد بأن المراد بالتأكيد هنا ثبوته الحكمى لا اللفظى، وتقويته تحصل بالمرادف أيضا. وبأنه يصح كونه هنا نعتا قصد به التأكيد، لأن الجمال يفهم من الحسن تضمنا أو التزاما، وعلى كل فالمغايرة بينهما أولى بأن يجعل حسنها من حيث دفعها للفتنة، ويوافقه الحديث: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن». وجمالها من حيث رضى نفوسهم بها وإقبالهم عليها وشهودهم لجمال الحق فيها إذا رضاهم بها.
стр. 581
٣٨٠ - حدثنا نصر بن على، حدثنا عبد الله بن الزبير، حدثنا ثابت البنانى، عن أنس بن مالك، قال:
«لما وجد رسول الله ﷺ من كرب الموت، قالت فاطمة: وا كرباه. فقال النّبىّ ﷺ : لا كرب على أبيك بعد اليوم، إنه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدا، الموافاة يوم القيامة».
ــ
٣٨٠ - (فقالت فاطمة): رواه عنهم أيضا إلى قوله: اليوم، البخارى، قال الخطابى، زعم من لا يعد فى أهل العلم أن المراد بنفى الكرب، أن كربه كان شفقته على أمته بموته. والواقع أنها باقية إلى يوم القيامة، لأنه مبعوث إلى من جاء بعده، وأعمالهم معروضة عليه، وإنما الكلام على ظاهره، وأن المراد بالكرب ما كان يجده ﷺ من شدة الموت، لأنه كان فيما يصيب جسده من الألم، كالبشر ليتضاعف له الأجر، انتهى. (بعد اليوم): أى للانتقال إلى العالم الأخروى والتلذذ بما أعد الله فيه، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (إنه قد حضر. .) إلخ: رواه أيضا ابن ماجه، وقوله (إنه): تأكيد وتقرير لما فى ذهن فاطمة رضى الله عنها، لأن ذلك الأمر عام لكل أحد، وقوله: (من أبيك): أى من أمره كما قيل: والأحسن، من جسمه منه، أى الوصول إليه ما أى شىء عظيم ليس الله بتارك منه أى: الوصول إليه أحد، وذلك الأمر العظيم. هو الموافاة يوم القيامة، أى: لحضور ذلك اليوم المستلزم للموت. وهذا التقدير الذى (١) من جعله اليوم منصوبا بنزع الخافض أى: إلى، وأوضح من تقدير ذكره بعضهم متبجحا بأنه من المهمات، مع أنه لا يفهم منه معنى يستفاد كما يعلم بتأمله. وفى نسخة:
«الوفاة يوم القيامة»: أى الموت قيامته لأنه من مات قامت قيامته.
стр. 582
٣٨١ - حدثنا أبو الخطاب: زياد بن يحيى البصرى، ونصر بن على، قالا:
حدثنا عبد ربه بن بارق الحنفى، قال: سمعت جدى أبا أمى: سماك بن الوليد، يحدث، أنه سمع ابن عباس يحدث: أنه سمع رسول الله ﷺ ، يقول:
«من كان له فرطان من أمتى أدخله الله تعالى بهما الجنّة. فقالت له عائشة:
فمن كان له فرط من أمتك؟
قال: ومن كان له فرط يا موفّقة.
قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك؟
قال: فأنا فرط لأمتى، لن يصابوا بمثلى».
ــ
٣٨١ - (فرطان): تثنية فرط بالتحريك، وهو السابق المهيئ للمنزل فهو بمعنى فاعل كتبع بمعنى تابع، شبه سبق الطفل أبويه فى الجنة لهما فيها منزلا ونزلا بفرط قافلة يتقدمهم ليهيئ لهم الماء وما يحتاجون إليه. وروى مسلم: «إذا أراد الله بأمة خيرا قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا بين يديها وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حى فأهلكها وهو ينظر، فأقر الله عينه بهلكها حين كذبوه وعصوا أمره» (يا موفقة): أى فى الخير ووقوع السؤال موقعه، أو المعنى: وفقك الله لما يحصل بسبب السؤال عنه، تفضل الله سبحانه على عباده بحصول الفرط بولد واحد ولمن لا ولد له بى ونعم الفرط أنا، (لن يصابوا بمثلى) جملة استئنافية كالتعليل لقوله. (فأنا فرط لأمتى): أى فمصيبة وفاتى أشد عليهم من مصائب حياتهم، ومن ثم أنشدت فاطمة رضى الله عنها:
ماذا على من شمّ تربة أحمد ... أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا
صبت علىّ مصائب لو أنها ... صبت على الأيام عدنّ لياليا
стр. 583
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفى سنن ابن ماجه «أنه ﷺ قال فى مرض موته: أيها الناس، إن أحدا من الناس أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته فىّ عن المصيبة التى تصيبه (١) بعدى، فإن أحدا من أمتى لن يصاب بمصيبة بعدى، أشد عليه من مصيبتى». وقال ابن الجوزى: كان الرجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة، جاء أخوه فصافحه، ويقول: يا عبد الله اتق الله فإن فى رسول الله أسوة حسنة.
...
стр. 584
٥٥ - باب: ما جاء فى ميراث رسول الله ﷺ
٣٨٢ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عمرو بن الحارث، أخى جويرية، له صحبة، قال:
«ما ترك رسول الله ﷺ إلا سلاحه، وبغلته، وأرضا جعلها صدقة».
ــ
(باب ما جاء فى ميراث رسول الله ﷺ
مصدر بمعنى الموروث أى: المخلف من المال، أى: ما جاء فى بيان أنه لا يملك، هذا معنى العنوان كما تدل عليه أحاديث الباب، وبهذا يندفع زعم أنه لا بد فى صحة العنوان من تقدير مضاف أى: ما جاء فى نفى ميراث، وشذ من قال: المراد الموروث هنا العلم أو المال وكأنه غفل عن أن العلم يورث، وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ (١)، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (٢)، والمال لا يورث، ويلزمه فى نحو حديث: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» أى: فى العلم والمال، وهو خلاف القرآن والإجماع.
٣٨٢ - (جويرية): هى أم المؤمنين، (إلا): الظاهر أن الحصر إضافى لأنه ترك ثياب بدنه، وأمتعة بيته أيضا. ولعل حكمة سكوت الراوى عن هذه كونها حقيرة بالنسبة للمذكورات، فلم يعتد بها، لكن ذكر بعض أهل السير: «أنه ﷺ خلف إبلا كثيرة، وأنه كان له عشرون ناقة يرعونها حول المدينة، ويأتون بألبانها إليه كل ليلة، وكان له سبع معز يشربون لبنها كل ليلة» (سلاحه): أى الذى كان يختص بلبسه من نحو رمح وسيف ودرع ومغفر وحربة (وبغلته): أى البيضاء التى كان يختص بركوبها وهى دلدل.
(وأرضا): لم يضفها إليه كالأولين، لاختصاصهما به دونها، ونفعها كان عاما له ولعياله، وفقراء المسلمين. (جعلها): قيل الضمير للجميع، لئلا يلزم كون السلاح أو
стр. 585
٣٨٣ - حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، قال:
«جاءت فاطمة إلى أبى بكر رضى الله عنهما. فقالت: من يرثك؟ فقال، أهلى، وولدى. فقالت: ما لى لا أرث أبى؟ فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا نورث. ولكنّى أعول من كان رسول الله ﷺ يعوله، وأنفق على من كان رسول الله ﷺ ينفق عليه».
ــ
البغلة ميراثا انتهى. وفيه نظر لأن قوله ﷺ : «لا نورث ما تركناه صدقة» صريح فى أنها خلفة تصير صدقة بنفس الموت، وإن لم يتصدق به، فلا يلزم ما ذكر من كون ذلك ميراثا. وعلم من قوله: بنفس الموت. أن معنى قوله: (جعلها صدقة): أنه بين فى حياته أن حكمها كذلك، فإن قلت: إذا كان الضمير للأرض، وحملنا الجعل على حقيقته، فلم خص ذلك بها؟ قلت: لأنها دائمة تبقى إلى يوم القيامة فيدوم ثواب الصدقة بدوامها، بخلاف الآخرين (لا نورث) بسكون الواو وفتح الراء وحكى فتح الواو وكسر الراء، أى: لا يترك ميراثا لأحد، قيل: هذا خطأ رواية لا دراية وبه زعم بعضهم أن الأظهر فى معنى: «لا نورث» قيل: لبقائه على ملكه، وعليه صاحب التلخيص من أئمتنا، وقيل: لمصيره صدقة. وحكى الرويانى وجهين فى أنه يصير وقفا على ورثته وأنه إذا صار وقفا هل هو الواقف. والصواب كما فى زوائد الروضة: الجزم بزوال ملكه، وإنما تركه صدقة على المسلمين لا يختص به الورثة، وتناقض كلام الرافعى فى الخمس الذى كان له ﷺ ينفق منه على نفسه وعياله فقال فى قسم الفئ:
لم يكن يملكه ولا ينتقل لورثته وقال فى المضايق (١): يملكه، وهو الأصح، والأول مؤول أو ضعيف.
٣٨٣ - (ما لى لا أرث أبى): إنما قالته لأنها سمعت عن أبى بكر أنه. (لا يورث):
فجاءته تستدل عليه، بأنها ترثه قياسا على غيره، إذ الأصل عدم الخصوصية، وعذرها
стр. 586
٣٨٤ - حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن كثير العنبرى، أبو غسان، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبى البخترى:
«أنّ العبّاس وعليا جاءا إلى عمر يختصمان، يقول كلّ واحد منهما لصاحبه،
ــ
واضح، فإنه لم يبلغها الحديث الذى ذكره لها أبو بكر، وبفرض أنه لو بلغها، فلعلها تأولت ما تأوله بعض الشافعية، أن الورثة يختصون به وقفا. (لا نورث): أصله لا يورث منا بناء على أنه لا يتعدى إلى المفعول الثانى بنفسه. حذف الجار فاستتر الضمير فى الفعل، وأسند للمتكلم، وجعله بعض اللغويين متعديا إليه بنفسه، وعليه فلا حذف ولا تحويل على الإسناد للغائب إلى المتكلم. والحكمة فى أنهم لا يورثون، أنهم لو ورثوا لربما توهم منهم الرغبة فى الدنيا وجمعها لورثتهم، فيهلك الظّان، وتنفر الناس عنهم، ويقتدون بهم فى جمع الدنيا، أو خشية أن يتمنى بعض ورثتهم موتهم فيهلك.
وقيل: لأنهم لا ملك لهم، وهذا ما قاله بعض الشافعية كما علم مما مر ضعيف جدا، ومر أن المراد ب وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ويَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ إرث النبوة، وعلم الدين، ولهذا قال ﷺ : «العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر». وأما ما حكى فى تفسيره عن ابن عباس، يرثنى وأخرين: أن المراد يرث مالى، فهو بناء على أن لا نورث، خاص بنبينا ﷺ ، والجمهور على خلافه لقوله: نحن معاشر الأنبياء كما يأتى. (أعول) من عال بمعنى أنفق، وفيه رد على من قال: الأفصح: أعال، لأن أعال معناه كثرت عياله، ومنه قوله تعالى: أَلاّ تَعُولُوا: أى تكثر عيالكم انتهى. ولا مانع أن عال مشترك، وهو بمعنى أنفق، إن أريد بالإنفاق. وما يشمل الكسوة ونحوها، وإلا لكان أعول أعم، وعلى كل فإنما جمع بينهما تأكيدا. (من كان. . .) إلخ: قيل: أراد دخول فاطمة فى ذلك، لأنها أفضل أولاده ﷺ ، وأحبهن إليه انتهى. وفيه نظر واضح، لأن المراد هنا ليس على الأفضلية، بل على أنه ينفق على من كان ﷺ ينفقه، ومن المعلوم، أن نفقة فاطمة رضى الله عنها، إنما كانت على علىّ رضى الله عنه لا عليه ﷺ .
٣٨٤ - (البحترى): بالحاء المهملة منسوب إلى البحتر وهو حسن المشى. (أنت كذا
стр. 587
أنت كذا، أنت كذا. فقال عمر لطلحة، والزّبير، وعبد الرّحمن بن عوف، وسعد: نشدتكم بالله، أسمعتم رسول الله ﷺ يقول: كلّ ما لنبى صدقة، إلا ما أطعمه، إنّا لا نورث، وفى الحديث قصة».
٣٨٥ - حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا صفوان بن عيسى، عن أسامة بن زيد، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشة:
«أنّ رسول الله ﷺ قال: لا نورّث، ما تركنا فهو صدقة».
ــ
أنت كذا): لم يقع من أحدهما سب الآخر، وإنما المراد: أنت لا تستحق الولاية على هذه الصدقة ونحو ذلك، مما يذكر المخاصم لمخاصمه، فى رد حجته، من غير شتم ولا سب، فقول شارح: هذا كناية عما وقع بينهما من السب والشتم، ليس فى محله.
(نشدتكم بالله): أى سألتكم وأقسمت عليكم به، ويجوز تعديته للثانى متضمنة معنى:
ذكرتكم كل مال نبى، كل هذا إنما يفيد العموم فى إفراد مال النبى الواحد لا فى إفراد الأنبياء، لكن الرواية الأخرى الصحيحة: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» تبين أن المراد العموم فى المضاف والمضاف إليه (إلا ما أطعمه الله): وفى أخرى: «أطعمه» بضم الهمزة أى: أنا لكونى المتصرف فى أموال المسلمين، وضمير أطعمة عائد للنبى ﷺ أو لله أى:
إلا ما نص على أنه يأكل منه كعامله وزوجاته. (قصة): وسيأتى محلها.
٣٨٥ - (ما): موصولة. (تركنا): صلة، والعائد محذوف، أى: تركناه. (فهو صدقة): خبر ما، وهو جواب عن سؤال مقدر، كأنه قيل: إذا لم تورثوا فما يفعل بما خلفتموه؟ فأجاب بقوله فهو صدقة، وهذه الرواية تبين أن صدقة فى رواية: «ما تركنا صدقة» مرفوعة خبر ما أيضا. وأن قول الشيعة، أن ما نافية، وصدقة مفعول تركنا بهتان وزور. نعم على أنها موصولة. قيل: روى بالنصب بناء على أنها مفعولة، والخبر محذوف أى: الذى تركناه مبذول صدقة.
стр. 588
٣٨٦ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا سفيان، عن أبى الزناد، عن الأعرج، عن أبى هريرة، عن النبى ﷺ قال:
«لا يقسم ورثتى دينارا ولا درهما، ما تركت بعد نفقة نسائى، ومؤونة عاملى، فهو صدقة».
ــ
٣٨٦ - (لا تقسّم): رواية مسلم: «لا يقسم» وهو نفى لا نهى، لأن المنهى عنه شرطه الإمكان ووارث النبى ﷺ غير ممكن فيتمحض هذا للإخبار بأنهم لا يقتسمون شيئا لأنه لا يورث، ورثنى: أى من يصلح لوراثتى لو أمكنت. (دينارا ولا درهما): نكتة التقييد بهما، التنبيه على أن ما فوقهما أولى بذلك، وهذا عام فى الأنبياء كما تقرر، وخالف الحسن البصرى، فقال: يختص بنبينا لقوله تعالى: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وهى وراثة مال، لا نبوة، وإلا لم يقل: وَإِنِّي خِفْتُ اَلْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي إذ لا يخافهم على النبوة. وصوب الجمهور خلاف قوله لخبر النسائى: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث» والمراد وراثة النبوة كما تقدم، دون حقيقة الإرث، بل قيامه مقامه، وحلوله مكانه، وعليه فإنما خاف من استيلاء الموالى على مرتبته الظاهرة بالقهر والتغلب، نقله النسائى. قال ابن عيينة: كن فى معنى المعتدات لحرمة النكاح عليهن أبدا، فجرت لهن النفقة. وقيل: لا عدة لهن، لأنه ﷺ حى فى قبره وكذلك الأنبياء، ويؤيده ما مر عن صاحب التلخيص.
وقد نقل إمام الحرمين عنه: أما خلافة ما بقى على ما كان فى حياته فكان ينفق منه أبو بكر على أهله وخدمه، وكان يرى أنه باق على ملكه، فإن الأنبياء أحياء، وقصته أن حياتهم زائدة على حياة الشهداء، فإنها قد تعطى بعض أحكام الدنيا. وقد صح أن الأنبياء يحجون ويلبون، فأعمالهم ليست بتكليفية، بل يتلذذون بها، ومن ذلك سجوده ﷺ وقت الشفاعة، ولا ينافى ذلك إطلاق الكتاب والسنة والإجماع الموت عليه ﷺ .
قال السبكى: لأنه أحيى بعده، وعليه فانتقال الملك مشروط بموت مستمر، وقد ثبت أن أجسام الأنبياء لا تبلى، وأن الروح تعود للجسد فى سائر الموتى، وإنما النظر فى استمرارها فى البدن وفى الأجساد هل يصير حيا كهو فى الدنيا أو حيا بدون روح، وهى
стр. 589
٣٨٧ - حدثنا الحسن بن على الخلال، حدثنا بشر بن معمر، قال: سمعت مالك بن أنس، عن الزهرى، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال:
«دخلت على عمر، فدخل عليه عبد الرّحمن بن عوف، وطلحة، وسعد، وجاء علىّ والعبّاس يختصمان، فقال لهم عمر: أنشدكم بالذى بإذنه تقوم السّموات والأرض. أتعلمون أنّ رسول الله ﷺ قال: لا نورّث، ما تركنا صدقة، فقالوا: اللهمّ نعم»، وفى الحديث قصة طويلة.
ــ
حيث شاء الله، فإن ملازمة الحياة لها أمر عادى، فالعقل يجوز خلاف ذلك، فإن صح به سمع اتبع، وقد ذكره جماعة من العلماء، ويشهد له صلاة موسى فى قبره، فإن الصلاة تستدعى جسدا حيا، وكذلك صفات الأنبياء المذكورة ليلة الإسراء، كلها صفات للأجساد، ولا امتناع من أنها حياة حقيقية، وإن لم يحتج إلى نحو طعام، وأما نحو العلم والسماع فثابت لهم، بل لسائر الموتى بلا شك. (ومؤنة عاملى): هو الخليفة بعده، وقيل: هو القائم على الصدقات، والناظر فيها، وقيل: كل عامل للمسلمين، إذ هو عامل له ﷺ ، وهو نائب عنه فى أمته، وكان ﷺ ينفق على أهله من صفاياه، كأموال بنى النضير وفدك، والباقى يصرفه للمسلمين، ثم وليها أبو بكر رضى الله عنه، ثم عمر رضى الله عنه، فإنها كذلك، فلما آلت لعثمان أقطعها لاستغنائه عنها أقاربه، فلم تزل فى أيديهم، حتى ردها عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه.
٣٨٧ - (أنشدكم): أسألكم وأقسم عليكم، من النشد وهو رفع الصوت. (بإذنه):
بإرادته وقدرته. (وفى الحديث قصة طويلة): بسطها مسلم فى صحيحه فى أبواب التى لا تحتملها هذه العجالة. وقد استوفينا الكلام على ما وقع لفاطمة رضى الله عنها مع أبى
стр. 590
٣٨٨ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا سفيان عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عائشة، قالت:
«ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما، ولا شاة ولا بعيرا».
قال: وأشكّ فى العبد والأمة.
ــ
بكر، ولعلى والعباس مع عمر رضى الله عنهم فى كتابى الصواعق المحرقة، فاطلبه فإنك تنجو به عن ضلالات وقع فيها المبتدعة، وعمايات خذل بها من أضله الله ووضعه.
٣٨٨ - (قال): أى زر بن حبيش.
...
стр. 591
٥٦ - باب: ما جاء فى رؤية رسول الله ﷺ
٣٨٩ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا سفيان، عن أبى إسحاق، عن أبى الأحوص، عن عبد الله، عن النبى ﷺ قال:
«من رآنى فى المنام فقد رآنى، فإنّ الشّيطان لا يتمّثل بى».
ــ
(باب ما جاء فى رؤية رسول الله ﷺ
سيأتى فى أول مبحث الإسراء الخلاف فى أن الرؤيا والرؤية متحدان أو مختلفان.
٣٨٩ - (فقد رآنى): رواية مسلم «فسيرانى فى اليقظة، أو فكأنما رآنى فى اليقظة».
وروى جماعة وصححه المصنف «فقد رآنى فى اليقظة» بدل قوله: «فسيرانى». وعند مسلم «فقد رأى الحق»: وسيذكره المصنف. (أن من رآنى نوما): بأى صفة كنت.
(فليبشر وليعلم أنه رآنى الحق): أى رؤية الحق لا الباطل، وكذا قوله: (فقد رآنى) لأن اتحاد الشرط والجزاء، أدل على الغاية فى الكمال، أى فقد رآنى رؤيا ليس بعدها شىء فهو على التشبيه والتمثيل لقوله: «فكأنما رآنى فى اليقظة». قال ابن بطال: وقوله:
«فسيرانى فى اليقظة» يريد تصديق تلك الرؤيا فى اليقظة وصحتها وخروجها على الحق، لأنه يراه فى الآخرة، لأن كل أمته كذلك. وقال المازرى: إن كان المحفوظ «فكأنما رآنى فى اليقظة» فمعناها ظاهر أو فسيرانى فى اليقظة احتمل أن معناه أنه أوحى إليه. بأن من رآه من أهل عصره نوما ولم يهاجر إليه، كان ذلك على أنه سيهاجر وينظره. وقال عياض: يحتمل أن رؤياه نوما بصفته المعروفة. موجبة لتكرمة الرائى برؤية خاصة فى الآخرة، إما بقرب أو شفاعة أو بعلو درجة ونحو ذلك، قال: ولا يبعد أن يعاقب بعض المذنبين بالحجب عنه ﷺ فى القيامة مدة. وقيل: معناه فسيرانى فى المرات التى كانت له، إن أمكنه كذلك، كما حكى عن ابن عباس أنه لما رآه نوما دخل على بعض أمهات
стр. 592
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المؤمنين، فأخرجت له مرآته ﷺ فرأى صورته، ولم ير صورة نفسه. قال بعض الحفاظ: وهذا من أبعد المحامل. وقال الغزالى: ليس المراد بقوله: «فقد رآنى» رؤية الجسم، بل رؤية المثال الذى صار إليه، فيتأدى بها المعنى الذى فى نفسى إليه، وكذا قوله: «فسيرانى»: أى فى اليقظة. قيل: [ليس] (١) المراد: أنه يرى جسمى وبدنى، قال:
والآلة إما حقيقية أو خيالية، والنفس غير المثال المتخيل، والشكل المرئى ليس روحه ﷺ ولا شخصه، بل مثاله على التحقيق، وكذا رؤيته تعالى نوما. قال: فإن ذاته تعالى منزهة عن الشكل والصورة، ولكن ينتهى تعريفه تعالى إلى العبد بواسطة مثال محسوس، من نور أو غيره، وهو آلة حقا فى كونه واسطة فى التعريف، فيقول الرائى:
رأيت الله نوما، لا يعنى، أنى رأيت ذاته تعالى، كما يقول فى حق غيره. وقال السيوطى أيضا: من رآه ﷺ نوما، لم يرد رؤية حقيقة شخصه المودع روضة المدينة بل مثال، وهو مثال روحه المقدسة عن الصورة والشكل (فإن الشيطان لا يتمثل بى): فى رواية مسلم «إنه لا ينبغى للشيطان أن يتمثل فى صورتى» وفى رواية للبخارى: «فإن الشيطان لا يتكوننى، أو لا يتكون كونى» فحذف المضاف ووصل المضاف إليه بالفعل، وفى أخرى: «لا يتراءى بى» بالراء بوزن لا يتراءى، أى: لا يستطيع أن يتمثل بى لما أنه تعالى وإن أمكنه فى التصور فى أى صورة أراد، لم يمكنه من التصور بصورته ﷺ .
قال جماعة: ومثال هذا أن رؤيا ﷺ فى صورته التى كان عليها. وبالغ بعضهم فقال:
فى صورته التى قبض عليها حتى عدد شيبه الشريف، ومن هؤلاء ابن سيرين فإن صح عنه أنه كان إذا قصت عليه رؤياه قال للرائى: صف الذى رأيته، فإن وصف له صفة لم يعرفها، قال: لم تره، ويؤيد هؤلاء حديث المصنف لأبى عاصم بن كليب ولفظه عند الحاكم بسند جيد. «قلت: لابن عباس رأيت النبى ﷺ فى المنام، فقال: صفه لى، قال: فذكرت الحسين بن على فشبهته به، فقال: قد رأيته». ولا يعارضه خبر «من رآنى فى المنام فقد رآنى فإنى أرى فى كل صورة» لأنه ضعيف. وقال آخرون: لا يشترط ذلك، منهم ابن العربى حيث قال ما حاصله: رؤيته بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة وبغير ما أدرك للمثال، فإن الصواب أن الأنبياء ﵈ لا تغيرهم الأرض، فإدراك الذات الحقيقية، وإدراك الصفات إدراك للمثال، وشذ من قال من القدرية، لا حقيقة
стр. 593
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للرؤيا أصلا، ومعنى قوله: «فسيرانى»: فسيرى تفسير ما رآه لأنه حق وغيب، وقوله:
«فكأنما رآنى» أنه لو رآنى يقظة لطابق ما رآه نوما فيكون الأول حقيقة، والثانى حقا وتمثيلا، هذا كله إن رآه بصفته المعروفة، وإلا فهى مثال، كأن رآه مقبلا عليه مثلا، فهو خير للرائى وعكسه بعكسه. ومنهم القاضى عياض حيث قال: قوله «فقد رآنى أو فقد رأى الحق» يحتمل أن المراد به أن من رآه بصورته المعروفة فى حياته، إن كانت رؤياه حقا ومن رآه بغير صورته كانت رؤيا تأويل. وتبعهم النووى فقال متعقبا كلام القاضى:
هذا ضعيف، بل الصحيح، أنه يراه حقيقة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها.
وأجاب عنه بعض الحفاظ، بأن كلام القاضى لا ينافى ذلك، بل ظاهر كلامه، أنه يراه حقيقة فى الحالين، لكن فى الأولى لا تحتاج تلك الرؤيا إلى تعبير، وفى الثانى تحتاج إليه. ومنهم الباقلانى وغيره فإنهم ألزموا الأولين، أن من رآه بغير صفته تكون رؤيته أضغاثا، وهو باطل، إذ من المعلوم، أنه يرى نوما على حالته اللائقة به مخالفة لحالته فى الدنيا، ولو تمكن الشيطان من التمثل بشىء فيما كان عليه أو ينسب إليه، لعارض عموم قوله: «فإن الشيطان لا يتمثل بى» فالأولى تنزيه رؤياه، ورؤيا شىء مما ينسب إليه عن ذلك، فإنه أبلغ فى الحرمة، وأليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان فى يقظته.
فالصحيح: أن رؤيته فى كل حال ليست باطلة ولا أضغاثا، بل هى حق فى نفسها، وإن رأى بغير صفته، إذ تصور تلك الصورة من قبل الله تعالى انتهى. فعلم أن الصحيح، بل الصواب كما قال بعضهم: أن رؤياه حق على أى حالة فرضت، ثم إن كان بصورته الحقيقية فى وقت كان سواء كان فى شبابه أو رجوليته أو كهوليته أو أواخر عمره لم يحتج لتأويل، وإلا احتيجت لتعبير يتعلق بالرائى، ومن ثم قال بعض علماء التعبير: من رآه شيخا فهو عام سلم، ومن رآه شابا فهو عام حرب، ومن رآه متبسما فهو متمسك بسنته. وقال بعضهم: من رآه على حاله وهيئته، كان دليلا على صلاح الرائى وكمال جاهه وظفره بمن عاداه، ومن رآه متغير الحال عابسا مثلا كان دليلا على سوء حال الرائى. وقال ابن أبى جمرة: رؤياه فى صورة حسنة حسن فى دين الرائى ومع شين أو نقص فى بعض بدنه خلل فى دين الرائى، لأنه كالمرآة الصقيلة ينطبع فيها ما قابلها، وإن كانت ذاتها على أحسن حال وأكمله، وهذه هى الفائدة الكبرى فى رؤيته، إذ بها يعرف حال الرائى. وقال غيره: أحوال الرائين بالنسبة إليه مختلفة، إذ هى رؤيا بصيرة
стр. 594
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعين، ورؤيا البصيرة، لا تستدعى حصر المرئى، بل يرى شرقا وغربا، وأرضا وسماء، كما ترى الصورة فى مرآة قابلتها، وليس جرمها مستقبلا لجرمه، فاختلاف رؤيته، كأن يراه إنسان شيخا، أو آخر شابا فى حالة واحدة، كاختلاف الصورة الواحدة فى مرآة مختلفة الأشكال والمقادير، فيكبر ويصغر ويعوج ويطول فى الكبيرة والصغيرة والمعوجة والطويلة، وبهذا علم جواز رؤية جماعة له فى آن واحد من أقطار متباعدة وأوصاف مختلفة. وقد أجاب عن هذا أيضا البدر الزركشى، بأنه ﷺ سراج ونور الشمس فى هذا العالم، مثال نور فى العوالم كلها، فكما أن الشمس يراها كل من فى الشرق والغرب فى ساعة واحدة، وبصفات مختلفة، كذلك هو ﷺ . ومن الغلو والحماقة كما قاله ابن العربى فى قول بعضهم: أن الرؤيا فى النوم بعين الرأس. وعن بعض المتكلمين: أنها مدركة بعينين فى القلب وأنه ضرب من المجاز.
تنبيه: حكى ابن أبى جمرة والمازرى واليافعى وغيرهم عن جماعات من الصالحين، أنهم رأوا النبى ﷺ يقظة. وذكر ابن أبى جمرة عن جمع: أنهم حملوا ذلك رواية:
«فسيرانى فى اليقظة» وأنهم رأوه نوما فراؤه بعد ذلك يقظة، وسألوه عن تشويشهم من أشياء فأخبرهم بوجوه تفريجها فكان كذلك بلا زيادة ولا نقص. قال: ومنكر ذلك إن كان ممكن يكذب بكرامات الأولياء، فلا بحث معه، لأنه يكذب بما أثبتته السنة، وإلا فهذه منها إذ يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء فى العالم العلوى والسفلى. وحكيت رؤيته ﷺ كذلك عن أمثال الإمام عبد القادر الجيلانى كما فى عوارف المعارف، والإمام أبى الحسن الشاذلى كما حكاه عنه التاج بن عطاء الله، وكصاحبه الإمام أبى العباس المرسى، والإمام على الوفائى، والقطب القسطلانى، والسيد نور الدين الإيجى، وجرى على ذلك الغزالى فقال فى كتابه المنقذ من الضلال: وهم يعنى: أرباب القلوب، فى يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتا، ويقتبسون منهم فوائد انتهى. وأنكر ذلك جماعة منهم الأهذل اليمنى حيث قال: القول بذلك يدرك فساده بأوائل العقول، لاستلزامه خروجه من قبره، ومشيه فى الأسواق، ومخاطبتة للناس ومخاطبتهم له، وخلو قبره عن جسده المقدس، فلا يبقى منه شىء حيث يزار مجرد القبر ويسلم على غائب أشار لذلك القرطبى فى الرد على القائل، بأن الرائى له فى المنام حقيقة، ثم يراه كذلك فى اليقظة، قال: وهذه جهالات لا يقول بشىء منها من له أدنى
стр. 595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مسكة فى العقول، وملتزم شىء من ذلك مخبل مخبول انتهى. وهذه الإلزامات كلها ليس شىء منها يلازم لذلك، ودعوى استلزامه لذلك عين الجهل والعناد، وبيانه: أن رؤيته ﷺ لا تستلزم خروجه من قبره، لأن من كرامات الأولياء كما مر، أن الله يخرق لهم الحجب فلا مانع عقلا ولا شرعا، ولا عادة أن الولى، وهو بأقصى المشرق أو المغرب يكرمه الله بأن لا يجعل بينه وبين الذات الشريفة، وهى فى محلها من القبر الشريف، ساترا ولا حجابا بأن يجعل تلك الحجب كالزجاج الذى يحكى ما وراءه. وح فيمكن بأن الولى يقع نظره عليه ﷺ ، ونحن نعلم أنه حى فى قبره يصلى، وإذا أكرم إنسان بوقوع بصره عليه، فلا مانع من أن يكرم بمحادثته ومكالمته وسؤاله عن أشياء، وأنه يجيبه عنها، وهذا كله غير مناف شرعا ولا عقلا، وإذا كانت المقدمات والنتيجة غير منكرين عقلا ولا شرعا، فإنكار أحدها أو إنكار أحدهما غير ملتفت إليه، ولا معول عليه، وبهذا يعلم أن ما ذكره من إشارة القرطبى غير لازم أيضا. كيف وقد مرّ القول بأن الرؤيا فى النوم، رؤيا بالحقيقة عن جماعة من الأئمة، ومنهم أيضا صاحب فتح البارى، فقال بعد ما مرّ عن ابن أبى جمرة، وهذا مشكل جدا، ولو حمل على ظاهره، لكان هؤلاء صحابة، ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة انتهى. ويرد: بأنا قررنا ما يعلم به أنه لا إشكال فى ذلك بوجه، ودعواه تلك الملازمة ليست فى محلها، كيف والشرط فى الصحابى أن يكون رآه فى حياته، حتى اختلفوا فيمن رآه بعد موته وقبل دفنه، هل يسمى صحابيا أو لا؟ على أنه هذا أمر خارق للعادة والأمور التى كذلك لا يغير لأجلها القواعد الكلية. ونوزع فى ذلك أيضا، بأنه لم يحك ذلك عن أحد من الصحابة ولا من بعدهم، ولأن فاطمة رضى الله عنها اشتد حزنها عليه ﷺ حتى ماتت كمدا بعده بستة أشهر وبيتها مجاور لضريحه، ولم ينقل عنها رؤيته تلك المدة انتهى.
ويرده أيضا بأن عدم نقله لا يدل على عدم وقوعه فلا حجة فى ذلك كما هو مقرر فى محله، وكذلك موت فاطمة رضى الله عنها كمدا لأنه قد يكرم به المفضول بما لم يكرم به الفاضل. وتأويل الأهذل وغيره ما وقع للأولياء من ذلك، إنما هو فى حال غيبته، فيظنونه يقظة، فيه إساءة ظن بهم حيث تشتبه عليهم رؤية المغيبة برؤية اليقظة، وهذا لا يظن بأدون العقلاء، فكيف بالأكابر؟ وعجيب قوله فى قول العارف أبى العباس المرسى:
لو حجب عنى رسول الله ﷺ طرفة عين ما عددت نفسى من المسلمين هذا فيه تجوز،
стр. 596
٣٩٠ - حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالا: حدثنا محمد بن
ــ
أى: لم يحجب عنى حجاب غفلة، ولم يرد أنه لم يحجب عن الروح المشخصة طرفة عين، فذلك مستحيل انتهى. فيقال لرد دعواك الاستحالة إن عنيت بها الاستحالة العقلية فباطل، أو الشرعية فمن أى دليل أو قاعدة أخذت ذلك، كلا لا استحالة فى ذلك بوجه كما قدمناه (١).
стр. 597
جعفر، حدثنا شعبة، عن أبى حصين، عن أبى صالح عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :
«من رآنى فى المنام فقد رآنى، فإنّ الشيّطان لا يتصوّر-أو يتشبّه-بى».
٣٩١ - حدثنا قتيبة، حدثنا خلف بن خليفة، عن أبى مالك الأشجعى، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ :
«من رآنى فى المنام فقد رآنى».
قال أبو عيسى: (وأبو مالك هذا هو سعد بن طارق بن أشيم، وطارق بن أشيم هو من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد روى عن النبى ﷺ أحاديث).
(وسمعت على بن حجر يقول: قال خلف بن خليفة: رأيت عمرو بن حريث صاحب النبى ﷺ وأنا غلام صغير).
٣٩٢ - حدثنا قتيبة-هو ابن سعيد-حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن عاصم بن
ــ
٣٩١ - (أشيم): بهمزة مفتوحة فمعجمة ساكنة فتحتية مفتوحة. (قال أبو عيسى. . .) إلخ بين به الترمذى أنه من تابع التابعين.
٣٩٢ - (قال) أى عاصم. (أبى): أى كليب. (قد رأيته): أى النبى ﷺ فى المنام.
стр. 598
كليب، حدثنى أبى، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ :
«من رآنى فى المنام فقد رآنى، فإنّ الشّيطان لا يتمثّلنى». قال كليب: «فحدّثت به ابن عبّاس، فقلت: قد رأيته، فذكرت الحسن بن على، فقلت: شبّهته به.
فقال ابن عباس: إنّه كان يشبهه».
٣٩٣ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن أبى عدى، ومحمد بن جعفر، قالا:
حدثنا عوف بن أبى جميلة، عن يزيد الفارسى-وكان يكتب المصاحف. قال:
«رأيت رسول الله ﷺ فى المنام، زمن ابن عبّاس رضى الله عنهما. فقلت لابن عباس: إنّى رأيت رسول الله ﷺ فى النّوم. فقال ابن عبّاس: إنّ رسول الله ﷺ كان يقول: إنّ الشّيطان لا يستطيع أن يتشبّه بى، فمن رآنى فى النّوم فقد رآنى.
هل تستطيع أن تنعت هذا الرّجل الذى رأيته فى النوم؟ قال: نعم، أنعت لك رجلا بين الرّجلين، جسمه ولحمه، أسمر إلى البياض، أكحل العينين، حسن الضحك، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته ما بين هذه إلى هذه، قد ملأت نحره».
ــ
(إنه كان يشبهه): كذلك ورد فى أحاديث مشابهة الحسن وغيره له ﷺ ومر الجواب عن ذلك.
٣٩٣ - (وكان يكتب المصاحف): إشارة إلى بركة عمله وحلمه، فلذا رأى تلك الرؤية العظيمة. (بين الرجلين): أى ليس ببائن ولا قصير كما مر. (جسمه): مبتدأ مؤخر وبين الرجلين خبره، وهو فاعل الظرف. (ما بين هذه إلى هذه): إشارة لعرضها.
(ملأت نحره): إشارة لطولها. (ما كان مع هذا النعت): أى لا أعلم الذى وجد من
стр. 599
قال عوف: ولا أدرى ما كان مع هذا النّعت.
فقال ابن عباس: «لو رأيته فى اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا».
٣٩٤ - حدثنا عبد الله بن أبى زياد، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعيد، قال:
حدثنا ابن أخى ابن شهاب الزهرى، عن عمه الزهرى قال: قال أبو سلمة: قال أبو قتادة: قال رسول الله ﷺ :
«من رآنى-يعنى فى النّوم-فقد رأى الحقّ».
ــ
صفاته فى الخارج مع هذا النعت هل هو مطابق له أو لا. وهذا ظاهر لا غبار عليه، ولم يهتد إليه من أبدى فيه تردد أن لغيره كلها متكلفة بل أكثرها تهافت. (وهو أقدم) إلخ: أى فمن توهم اتحادهما لاتحاد اسمهما أو بلدهما فقد وهم.
٣٩٤ - (أنا أكبر من قتادة): عرف من الذى روى هذا لكون قتادة يروى عن ابن عباس، أنه إذا كان راوى يزيد الذى هو عوف أكبر من راوى ابن عباس، لزم أن يزيد أدرك ابن عباس، فصح ما قدمه الترمذى، أن يزيد روى عن ابن عباس وأدركه، وإن لم يلزم رؤيته، إلا أنه يستأنس به لذلك. (فقد رأى الحق): أى الرؤيا الصحيحة كما مر. (والحق): مفعول به أى رأى الأمر الثابت الذى هو أنا بدليل رواية: «فقد رآنى رؤيا المؤمن الصالح» لرواية البخارى «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» والمراد فإنه رؤيا الصالحين وإلا فقد يرى الصالح الأضغاث نادرا لقلة تسلط الشيطان عليه.
стр. 600
٣٩٥ - حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أنبأنا معلّى بن أسد، حدثنا عبد العزيز ابن المختار، حدثنا ثابت، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال:
«من رآنى فى المنام فقد رآنى، فإنّ الشّيطان لا يتخيّل بى».
قال:
«ورؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين جزءا من النّبوّة».
ــ
٣٩٥ - (من ستة وأربعين جزءا من النبوة): استشكل كونها جزءا من النبوة، مع أن النبوة انقطعت بموته ﷺ . وأجيب: بأنها من غير النبوة جزءا من أجزائها مجازا، أو أنها جزء من علم النبوة، لأنها وإن انقطعت، فعلمها باق، ولا ينافية قول مالك ﵀ لما سئل أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يلعب؟ ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة، لأنه لم يرد أنها نبوة باقية، بل أنها لما أشبهتها من جهة الاطلاع على بعض الغيب، لا ينبغى أن يتكلم فيها بغير علم، فكذلك الشبه سميت جزءا من النبوة ولا يلزم من إثبات الجزء لشىء إثبات الكل له، ألا ترى أنا نقول: الله أكبر جزء من الأذان، ولا يسمى أذانا.
وصح: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات». وعند أحمد: «لم يبق بعدى من المبشرات إلا النبوة»، وعند مسلم «أنه ﷺ لما كشف الستارة فى مرض موته، والناس خلف أبى بكر قال: أيها الناس لم يبق من مبشرات النبوة، إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له». والتعبير بالمبشرات الغالب فإن من الرؤيا ما تكون منذرة أى: وهى صادقة يريها الله للمؤمن رفقا به يستعد لما سيقع به، وقوله: «من الرجل فى هذا» وأمثاله لا مفهوم له اتفاقا والمرأة الصالحة كذلك، وقوله: «من ستة وأربعين، هو ما فى أكثر كتب الأحاديث. وعند مسلم: «من خمسة وأربعين» وفى رواية له أيضا: «من سبعين جزءا»: وعند الطبرانى: «من ستة وسبعين» وهو ضعيف، وعند ابن عبد البر: «من ستة وعشرين»، وعند النووى: «من أربعة وعشرين»، وهذا أقل ما ورد فى ذلك، وأكثرها رواية-ستة وسبعين-، وبقيت روايات أخرى. وحكمة كونها جزءا من ستة