Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تكون للنجاة وسيلة، ولرفع الدرجات كفيلة، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي بعثه وطرق الإيمان قد عفت آثارها، وخبت أنوارها، ووهنت أركانها، وجهل مكانها، فشيد صلوات الله وسلامه عليه من معالمها ما عفا، وشفى من الغليل في تأييد كلمة التوحيد من كان على شفى، وأوضح سبيل الهداية لمن أراد أن يسلكها، وأظهر كنوز السعادة لمن قصد أن يملكها.
ــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القول في شرح الخطبة
قوله: (الحمد) هو الثناء على الجميل الاختياري من نعمة وغيرها، تقول: حمدت زيدا على علمه وإحسانه، فقوله: (الحمد لله) ههنا مطلق، يتناول حمد الله تعالى نفسه، وأرفع حمد ما كان من أرفع حامد، وأعرفهم بالمحمود، وأقدرهم على إيفاء حقه قال: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك). وقيل: ما أثى الله على نفسه هو بث آلائه، وإظهار نعمائه بمحكمات أفعاله، ويتناوله حمد الحامدين من ابتداء الخلق إلى انتهاء قولهم: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين).
وقوله: (نحمد الله) استئناف وإظهار لتخصيص حمده، لكن باستعانته، ونفى الحول والقوة دفع الرياء والسمعة من نفسه، ومن ثم أتبعه بقوله: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا)، ولما أضيفت الشرور والأعمال إلى الأنفس، وأوهم أن لها الاختيار والاستقلال بالأعمال، أتبعه بقوله: (من يهدي الله فلا مضل له)؛ ليؤذن بأن كل ذلك منه، وليس للعبد إلا الكسب. والضمير المستكن في (نحمده ونستعينه ونستغفره) للمتكلم ومن معه من أصحابه الحاضرين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وفي (أشهد) لنفسه ﵇ خاصة أفرده للتوحيد، وهو إسقاط الحدوث وإثبات القدم، فأشار أولا إلى التفرقة، وثانيا إلى الجمع.
وقوله: (قد عفت) اندرست، (خبت) خفيت، (وهنت) ضعفت.
قوله: (من كان على شفا) جانس بين شفا وشفا من حيث اللفظ، وطابق بينهما من حيث المعنى، يقال: مرضت مرضا أشفيت على الموت، أي أشرفت عليه، ويجوز أن يكون من شفا الذي هو طرف كل شيء، فيكون مقتبسا من قوله تعالى: ﴿وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾.
стр. 2
أما بعد؛ فإن التمسك بهديه لا يستتب إلا بالاقتفاء لما صدر من مشكاته، والاعتصام بحبل الله لا يتم إلا ببيان كشفه، وكان (كتاب المصابيح) الذي صنفه الإمام محيي السنة، قامع البدعة، أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، رفع الله درجته- أجمع كتاب صنف في بابه، وأضبط لشوارد الأحاديث وأوابدها ولما سلك ﵁ طريق الاختصار، وحذف الأسانيد، تكلم فيه بعض النقاد، وإن كان نقله -وإنه من الثقات- كالإسناد، لكن ليس ما فيه أعلام كالأغفال، فاستخرت الله تعالى، وناستوفقت منه، فأعلمت ما أغفله، فأودعت كل حديث منه في مقره كما رواه الأئمة المتقنون، والثقات الراسخون؛ مثل أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، وأبي عبد الله مالك بن أنس الأصبحي، وأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، وأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، وأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، وابي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، وأبي عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني، وأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأبي
ــ
قوله: (لا يستتب) أي لا يستقيم ولا يستمر، من التب والتباب، وهو الاستمرار في الخسران، و (الاقتفاء) الاتباع، و (المشكاة) الكوة في الجدار غير النافذة، يوضع فيها المصباح، وهي ههنا مستعارة لصدر الرسول ﷺ شبه صدره بها لأنه كالكوة ذو وجهين، فمن وجه يقتبس النور من القلب المستنير، ومن آخر يفيض ذلك النور المقتبس على الخلق، وذلك لاستعداده بإشراحه مرتين، وشبه قلبه ﷺ بالزجاجة المنعوتة بالكوكب الدري؛ لصفائه وإشراقه، وخلوصه من كدورة الهوى، ولوث النفس الأمارة، وهذا هو المعني في خطبة المصابيح بقوله: (خرجت من مشكوة التقوى) وشبهت اللطيفة القدسية المزهرة في القلب بالمصباح الثاقب.
قوله: (لشوارد الأحاديث) هو من شرد شرودا وشرادا إذا انفرد، فهو شارد، والأوابد: الوحوش، وهو من تأبَدت البهيمة تأبداً، أى توحشت، وأعلام الشيء آثاره التي يستدل بها (عليه) والأغفال الأرض المجهولة، ليس فيها أثر تعرف به.
قوله: (المتقنون) هو من إتقان الأمر وإحكامه، ورجل تقن (بكسر التاء) حاذق، وتقن أيضاً (الراسخون) من رسوخ الشيء، وهو ثباته ثباتا متمكنا، والراسخ في العلم المتحقق به الذي لا
стр. 3
الحسنِ على بن عمرَ الدارقُطنىّ، وأبى بكر أحمدَ بن الحسين البَيهَقىّ، وأبى الحسنِ رزَينِ بن معاويةَ العبدرِىّ، وغيرهم، وقليلٌ ما هو.
وإِنى إِذا نسبتُ الحديثَ إِليهم كأنِى أسندتُ إلى النبىّ صل الله عليه وسلم؛ لأنهم قد فَرغوا منه، وأغنوْنا عنه. وسردُت الكتب والابوابَ كما سردها، واقتفيتُ أثره فيها، وقسمتُ كلَّ بابِ غالباً على فصولٍ ثلاثة:
أوّلها: ما أخرجَه الشيخان أو أحدهُما، واكتفيتُ بهما وإِن اشترك فيه الغيرُ؛ لعلوّ درجتهما في الروّاية.
وثانيهما: ما أورده غيرهُما من الأئمة المذكورين.
وثالثُهما: ما اشتملَ على معنى الباب من مُلحقاتٍ مناسبةٍ مع محافظةٍ على الشريطة، وإِن كان مأثوراً عن السلفِ والخلف.
ثم إنك إنْ فقدتَ حديثًا في بابٍ؛ فذلك عن تكرير أُسقطُه. وإِن وجدت آخر بعضه متروكاً على اختصاره، أو مضموماً إليه تمامه؛ فعن داعى اهتمام أتركهُ وألحقه.
وإن عثرت على اختلاف في الفصلين من ذكر غير الشيخين في الأول، وذكرهما في الثاني، فاعلم أنى بعد تتبعى كتابَىْ (الجمع بين الصحيحين) للحُميدي، و (جامع الأصول)؛ اعتمدتُ على صحيحى الشيخين ومتنيهما.
ــ
يعرضه شبهة، و (ما) فى (قليل ما) إيهامية، يريد الشيوع في القلة، ولفظة: (هو) راجعة إلى غيرهم، والضمير فى (منه) و (عنه) للإسناد.
قوله: (على الشريطة) المراد منها إضافة الحديث إلى الراوى من الصحابة والتابعين، ونسبته إلى مخرجه من الأئمة المذكورين.
قوله: (بعضه) هو بدل البعض من آخر ومتروكاً حاله.
قوله: (على اختصاره) أى اختصار محيي السنة.
قوله: (فعن داعى اهتمام أتركه) وذلك لأن تلك الرواية كانت مختصرة عن حديث طويل جداً، فأتركه اختصاراً، أو كان حديثاً يشتمل على معان جمة، يقتضى كل باب معنى من معناه، وأورد الشيخ كلا في بابه- فاقتفينا أثره فى الإيراد، وما لم
يكن على هذين الوصفين
стр. 4
وإِن رأيت اختلافُا فى نفس الحديث؛ فذلك من تشُّبِ طرق الأحاديث، ولعلى ما اطلعتُ على تلك الرواية التي سلكها الشيخُ رضى الله عنه. وقليلاً ما تجد أقول:
ماوجدتُ هذه الرواية في كتب الأصول، أو وجدتُ خلافها. فإذا وقفت عليه فانسُبِ القصورَ إلىَّ لقلة الدراية، لا إلى جناب الشيخ رفع الله قدره في الدارين، حاشاَ الله منْ ذلك، رَحِمَ الله من إذا وقف على ذلك نبهنا عليه، وأرشدنا طريق الصواب. ولم آلُ جهداً في التنقير (١) والتفتيشِِِ بقدر الوسع والطاقة، ونقلتُ ذلك الاختلافَ كما وجدتُ.
وما أشار إليه- ﵁ من غريب أو ضعيف أو غيرهما؛ بينت وجهَهُ غالباً. وما لم يشير إليه مما في الأصول؛ فقد قِّفََّيتُه في تزكّه، إلا في مواضع لغرض.
وربما تجدُ مواضعَ مُهملةَ، وذلك حيثُ لم أطلع على راويه فتركَتُ البياض. فإن عثرتَ عليه فألحقهُ به، أحسن الله جزاءك. وسميت الكتاب ب (مشكاة المصابيح)، وأسال الله التوفيق والإعانة والهداية والصيانة، وتيسير ما أقصده، وأن ينفعني في الحياة وبعد الممات، وجميع المسلمين والمسلمات حسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلابالله العزيز الحكيم.
ــ
أتممناه غالبا. (وإن عثرت) أي اطلعت. (ولم آل جهداً) أى ولم أقصر من: ألا يألو: قصَّر، لا يألوك نصحاَ فهو آل. وحكى الكسائى عن العرب: أقبل يضربه لا يأل، يريد لا يألو فحذف، والجهد (بالضم والفتح) الطاقة والمشقة. والتنقير عن الأمر: البحث عنه.
قوله: (مما في الأصول) يعنى جامع الترمذى، وسنن أبى داود، والبيهقى، وهو كثير،
فتبعه وتركته تأسياَ به.
قوله: (لغرض) وذلك أن بعض الطاعنين أفرزوا أحادث من المصابيح، ونسبوها إلى الوضع، ووجدت الترمذي صححها أو حسنها وغير الترمذي أيضا، فبينته لرفع التهم، كحديث أبي هريرة):المرء على دين خليله) فإنهم صرحوا بأنه موضوع، وقال الترمذى في الجامعة: أنه حسن، والنواوى في الرياض: إنه صحيح الإسناد. ومن الغرض الذي شرط الشيخ في خطبته أنه أعرض عن ذكر المنكر، وقد أتى منه في كتابه كثيرا منه، وبين في بعضها كونه منكراً وترك البعض، فبينت أنه منكر.
قوله: (بمشكاة المصابيح) روعى المناسبة بين الاسم مقتبساً من كلام الله المجيد، وذلك أن المشكاة إنما قصد بها ليجتمع ضوء المصباح، فيكون أشد تقوياً، بخلاف المكان الواسع؛ فإن الضوء ينبت فيه وينتشر، و (كذلك) الأحاديث إذا كانت غفلا عن سمة الرواة انتشرت، وإذا قيدت بالراوى انضبطت واستقرت في أمكنتها.
стр. 5
١ - وعن عمر بن الخطاب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما الأعمالُ بالنيات، وإنِما لامرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إِلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه). متفق عليه.
ــ
قوله: (إنما الأعمال بالنيات) قال الشيخ الإمام المتقن الثقة محيي الدين النووى (رحمة الله عليه) في شرح مسلم: أجمع المسلمون على عظم موقع هذا الحديث، وكثرة فوائده، وصحة روايته، قال الشافعى ﵁: هو ثلث الإسلام. وقال ابن مهدى وغيره: ينبغى لمن صنف كتاباً أن يبدأ فيه بهذا الحديث، تنبيهاً للطالب على تصحيح النية. واتفق أهل العربية والأصول على أن (إنما) موضوعة للحصر، يثبت المذكور، وينفى ما سواه، فالتقدير: إن الأعمال تحسب إذا كانت بنية، ولا تحسب إذا كانت بلا نية. وفيه دليل على أن الطهارة (وهي الوضوء والغسل والتيمم) وعلى أن الصلاة والزكاة والصوم والحج والاعتكاف- لا يصح إلا بالنية، وأما إزالة النجاسة فالمشهور عندنا أنها لا تفتقر إلى النية، وقد نقلوا الإجماع فيها؛ لأنها من باب التروك. وتدخل النية في الطلاق، والعتاق، والقذف، ومعنى دخولها أنها إذا قارنت كناية صارت كالصريح، وإذا أتى بصريح الطلاق ونوى تطليقتين أو ثلاثاً وقع مانوى، وإن نوى بالصريح غير مقتضاه دِين فيما بينه وبين الله تعالى، ولا تقبل منه في الظاهر.
قوله: (وإنما لامرئ ما نوى) إشارة إلى تعيين المنوى شرط، ولو كانت على إنسان صلاة مقضية لا يكفيه أن ينوى الصلاة الفائتة، بل يشترط أن ينوى كونها ظهراً أو غيرها، لولا الفظ الثاني: (إنما لا مرئ ما نوى) لا قتضى الأول أى (إنما الأعمال بالنيات) صحة النية بلا تعين، أو أوهم ذلك.
قوله ﷺ : (من كانت هجرته إلى الله ورسوله) معناه من قصد بهجرته وجه الله وقع أجره على الله، ومن قصد بها دنيا أو امرأة فهي حظه، ولانصيب له في الآخرة. وذكر المرأة مع الدنيا يحتمل وجهين: أحدهما أن سبب هذا الحديث ما روى أن رجلا هاجر ليتزوج امرأة يقال لها: أم قيس، والثاني أنه للتنبيه على زيادة التحذير من ذلك، وهو من باب الخاص بعد
стр. 6
ــ
العام، تنبيها على مزيته. وقال الراغب: النية تكون مصدراً واسماً من نويت، وهي توجه القلب نحو العمل. وقال القاضى: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرض، من جلب نفع، أو دفع مضرة، حالا أو مآلا. والشرع خصصها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه الله تعالى وامتثالا لحكمه، والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوى؛ ليحسن تطبيقه لما بعده، وتقسيمه بقوله: (من كانت هجرته إلى الله) إلى آخره، فإنه تفصيل لما أجمله، واستنباط المقصود عما أصله.
أقول -والعلم عند الله تعالى-:كل واحد من (الأعمال) و (النيات) جمع محلى بلام الاستغراق، فإما أن يحمل على عرف اللغة فيكون الاستغراق حقيقاً، وإما أن يحمل على عرف الشرع، وحينئذ إما أن يراد بالأعمال الواجبات والمندوبات والمباحات، وبالنيات الإخلاص والرياء، أو أن يراد بالأعمال الواجبات ما لا يصح إلا بالنية، كالطهارة والصلاة والصيام. ولا سبيل إلى الأول أى اللغوى لأنه ﷺ ما بعث إلا لبيان الشرع، فكيف يتصدى لما جدوى له فيه؟ على أن (إنما) يستعمل فى رد من عنده حكم مشوب بخطأ وصواب، ومن كان عارفاً اللغات لا يخطئ في استعمال اللغة حتى يرد حكمه إلى الصواب بإنما، لاسيما تكراره في الحديث فإنه يدل على إثبات أمر خطير في الشرع، فحينئذ يحمل قوله: (إنما الأعمال بالنيات) على ما اتفقت عليه الفقهاء من أصحابنا، أى ما الأعمال محسوبة بشئ من الأشياء كالششروع فيها والتلبس بها إلا بالنيات، وما خلا عنها لم يعتد بها. فإن قيل: لم خصصت متعلق الخبر والظاهر العموم كمستقر أو حاصل؟ فالجواب أنه يكون بياناً للغة، لا إثبات حكم في الشرع، وقد سبق بطلانه.
ويحمل قوله: (إنما لامرئ ما نوى) إلى آخره على ما تثمره النيات من القبول والرد، والثواب والعقاب، وغير ذلك. ففهم من الأول أن الأعمال لا تكون محسوبة ومسقطة للقضاء إلا إذا كانت مقرونة بالنيات، ومن الثانى أن النيات إنما تكون متعددة ومقبولة إذا كانت مقرونة بالإخلاص، مبعدة عن الرياء، فالأول قصر المسند إليه في المسند، والثاني عكسه. وتقرب منها الصلاة في الأرض المغصوبة، فإنها محسوبة ومسقطة للقضاء. لكن إيقاعها فيها حرام يستحق به العقاب.
وقال الشيخ محيي الدين النووى: قال أصحابنا: الفروض وغيرها من الواجبات إذا أتى بها على وجهها الكامل يترتب عليها شيئان: سقوط الفرض عنه، وحصول الثواب، فإذا أداها في أرض مغصوبة حصل الأول دون الثاني. وتحريره أن قوله: (وإنما لا مرئ ما نوى) دل على أن الأعمال تحسب بحسب النية، إن كانت خالصة لله تعالى وإن كانت الدنيا فهى
стр. 7
ــ
لها، وإن كانت لنظر الخلق فكذلك، وقد نص به صريحا في قوله: ﷺ : (والخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل على وزر، قال: فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله، وأما الذي هي ستر فرجل ربطها تغنيّا وتعففا، وأما الذي عليه وزر فرجل ربطها فخرَا ورياء)). وعلي هذا المعنى ينبغي أن يحمل ما بعد الفاء التفصيلية؛ لأنه لن يكون المفصل خلاف المجمل، وكذلك عكسه، فإذا المعني بالهجرة الهجرة المعروفة في عهد النبي ﷺ لقوله: ((لا هجرة بعد الفتح))، ومعلوم أن الهجرة لا تقتضي إلا الإخلاص؛ لأن الهجرة إلى الدنيا وإلى المرأة لا يقتضيان النية التي في الطهارة مثلا، وفي تكرير لفظة: ((إلى الله ورسوله)) في الشرط والجزاء تعظيم لمعنى تلك الهجرة، وتفخيم لشأنها، أي هي الهجرة الكاملة التي تستحق أن تسمى هجرة، وأن ما سواها ليست بهجرة، ولم تكن كذلك إلا أن تكون خالصة لوجه الله، كقوله تعالى: ((يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)) أي وإن لم تبلغ فما بلغت رسالته، يعني ارتكبت أمرًا عظيما، وخطبا جسيما، ولهذا السر غير العبارة في متعلق الجزاء الثاني بلفظة: ((ما)) حظا من منزلتها، أي ليست هجرته من الله في شيء، فإنه ما طلب بها وجه الله، بل طلب الدنيا، فله ما طلب، كما هو حال الرجل الذي قصد نكاح تلك المرأة، وعطف قوله: ((أو امرأة يتزوجها)) على ((دنيا يصيبها)) وهي مشتملة على مالها وجمالها وما يتعلق بها من الشهوات، تخصيصًا بعد التعميم؛ لبدل على أن النساء أعظمها ضرّا وأكثرها تبعة، كقوله تعالى: ((زين للناس حس الشهوات من النساء)) الآية، جعلهن من الشهوات حيث بين الشهوات بها.
وقول لشيخ محيي الدين: ((إنما موضوعة للحصر تثبت المذكور وتنفي ما عداه)) مستقيم، إذ لم يتعرض في قوله "إن" للإثبات و"ما" للنفي، كما صرح به الأكثرون وهو غير مستقيم؛ لأن "ما" ليست نافية، بل هي كافة مؤكدة. وروى صاحب المفتاح عن علي بن عيسى الربعي أن إفادة الحصر من "إنما" كانت من أن "إن" كانت لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه إليه، ثم اتصلت بها "ما" المؤكدة- لا النافية على ما يظنه من لا وقوف له بعلم النحو - ضاعف تأكيدها، فناسب أن يضمن معنى القصر.
وأصل الهجرة مفارقة الأوطان والأهل. ثيل: الهجرة أنواع: الأولى: الهجرة إلى الحبشة عندما آذى الكفار الصحابة، الثانية: الهجرة من مكة إلى المدينة، والثالثة: هجرة القبائل إلى
стр. 8
ــ
النبي ﷺ لتعلم الشرائع، ثم يرجعون إلى المواطن ويعلمون قومهم، والرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتي إلى النبي ﷺ ثم يرجع إلى مكة، والخامسة: الهجرة عما نهى الله عنه. ومعنى الحديث وحكمة صابت متناول للجميع، غر أن حكاية أم قيس تقتضي أن المراد بالحديث الهجرة من مكة إلى المدينة، ولهذا حسن في الحديث ذكر المرأة، دون سائر ما ينوي بالهجرة من أعراض الدنيا.
أقول: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السب. ودنيا مقصورة غير منونة، لأنه فعلي، وسميت الدنيا لدنوها، والجمع دُنى، مثل الكبرى والكُبَر. قال المالكي في كتاب شواهد التوضيح في مشكلات الجامع الصحيح: في استعمال دنيا مع كونه منكرًا إشكال؛ لأنها تأنيث أدنى، وهو أفعل تفضيل، فكان حقه الدنيا، كالكبرى والحسنى، إلا أن دنيا خلعت عنها الوصفية رأسًا، وأجريت مجرى ما لم يكن وصفا، كرجعى وبهمى، ونحوه قول الشاعر:
وإن دعوت إلى جُلّى ومكرمة ... يومًا سراة كرام الناس فادعينا
فإن الجُلّى كؤنث الأجل، فخلعت عنه الوصفية، وجعلت اسما للحادثة العظيمة.
وإنما أورد إمام أئمة الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه، ومحيي السنة في كتابيه: شرح السنة، والمصابيح هذا الحديث قبل الشروع في أبواب الكتاب – إيذانًا بأن هذا المصنف منويٌّ فيه الإخلاص لله تعالى ومجتنب عن الرياء والسمعة، فلذلك تقبل الله منهما، وجعل الكتب إعلاما من أعلام الدين، ونحن اقتفينا أثرها، فاهتدينا بهديهما، نرجو من فضل الله وكرمه أن يتقبل منا، ويجعل تعبنا سببًا لنجاتنا ونفعًا للطالبين.
فائدة على لسان أهل الإشارة: قال بعضهم: العمل سعي الأركان إلى الله، والنية سعي القلوب إلى الله، والقلب ملك، والأركان جنوده، ولا يحارب الملك إلا بجنوده، ولا الجنود إلا بالملك. وقال بعضهم: النية جمع الهم في تنفيذ العمل للمعمول له، وأن لا يسبح في السر ذكر غيره. وقال بعضهم: نية العوام في طلب الأغراض مع نسيان الفضل، ونية الجهال التحصن عن سوء القضاء ونزول البلاء، ونية أهل النفاق التزين عند الله وعند الناس، ونية العلماء إقامة الطاعة لحرمة ناصبها لا لحرمتها، ونية أهل التصوف ترك الاعتماد على ما يظهر منهم من الطاعات، ونية أهل الحقيقة ربوبية تولد عبودية.
стр. 9
كتاب الإيمان
الفصل الأول
٢ - عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ
ــ
كتاب الإيمان
الفصل الأول
الحديث الأول - قوله: ((بينا)) قال صاحب النهاية: بينا: بين، فأشبعت الفتحة فصارت ألفًا، يقال: بينا وبينما، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ومضافان إلى الجملة: من فعل وفاعل، أول مبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، كما يستدعى (إذا) والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه إذ وإذا، وقد جاء في الجواب كثيرًا، وفي اللباب: قال الأصمعي: لا يستفصح إلا طرحمها في جواب بينا وبينما، وأنشد:
وبينا نحن نرقبه أتانا
لأن الظهر أن العامل في ((بينا)) هو الجواب، كما في (إذا) الزمانية على الصحيح، ويلزم تقدم ما في صلة الكضافة إليه على المضاف. قال شارحه: بينا وبينما ظرفان متضمنان لمعنى الشرط،
فلذلك اقتضيا جوابًا، والقياس أن لا يكون (إذا) في جوابه، فعلى هذا يكون (أتانا) عاملا في
(بينا) مع أنَّه مضاف إليه لا يتقدم على المضاف وفيه نظر. انتهى كلامه. فيقال لا ريب أن
عمر وأبا هريرة ﵄ كأنا أفصح من الشاعر، وقد أتيا ب (إذا) في الحديث، فحينئذ
يكون العامل معنى المفاجأة في (إذا) كما قرره صاحب الكشاف في قوله تعالى: (وإذا ذكر الذين
من دونه إذا هم يستبشرون) العامل في (إذا) المفاجأة، تقديره، وقت ذكر الذين من دونه فاجئوا
وقت الاستبشار، فمعنى الحديث وقت حضورنا في مجلس رسول الله ﷺ فاجأنا وقت طلوع
ذلك الرجال، فحينئذ (بينا) ظرف لهذا المقدر، و (إذا) مفعول به بمعنى الوقت، فلا يلزم إذا تقدم
معمول المضاف إليه على المضاف. وقد ساعد هذا القول صاحب اللباب بعد ذلك بقولة:
والعامل فيهما الجواب إذا كان مجرداً من كلمتي المفاجأة المتضمنة هما
إياه. قوله: (هما) أي إذ وإذا، و (إياه) أي ذلك المعنى، ويدل على تضمنهما معنى الشرط
تصريح الفاء في الجواب قوله ﷺ : (بينا يضحكهم النبي ( ﷺ ) الحديث، رواه
أبو داود عن أسيد بن حضير.
стр. 10
ذات يوم، إِذ طلع علينا رجل شديدُ بياض الثياب، شديدُ سواد الشعر، لا يُرى عليه
أثرُ السفر، ولا يعرفُه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتبه إلى ركبتيه،
ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يامحمد! أخبرني عن الإِسلام. قال: (الإِسلام: أن
ــ
قوله: (ذات يوم) ظرف لمعنى الاستقرار في الخبر. و (ذات) يجوز أن يكون صله، قال
صاحب النهاية: في الحديث (يطلع عليكم رجل من ذي يمن على وجهه مسحة من ذي ملك)
كذا أورده عمرو الزاهد، وقال: (ذي) هنا صلة؛ وأن يكون غير صلة، في المغرب: ذو بمعنى
الصاحب، تقول للمرأة: امرأة ذات مال، ثم أجروها مجرى الأسماء التامة المستقلة بأنفسها،
فقالوا: ذات قديمة أو محدثة، ثم استعملوها استعمال النفس والشيء، فعلى هذا قوله: (ذات
يوم) يفيد من التوكيد مالا يفيده لو لم يذكر، لئلا يتوهم التجوز إلى مطلق الزمان، نحو
قولك: رأيت نفس زيد، وقولك: رأيت زيداً.
وقوله: (لا يرى عليه أثر السفر) (مح): يعنى تعجبنا من كيفية إتيانه، ووقع في خاطرنا أنه
ملك، أو من الجن؛ لأنه لو بشراً إما أن يكون من المدينة، أو غريباً، ولم يكن من
المدينة؛ لأنا لا نعرفه، ولم يكن إتيانه من بعد؛ لأنه لم يكن عليه أثر السفر من الغبار وغيره.
وقوله: (حتى جلس) متعلق بمحذوف، تقديره: استأذن وأتى حتى جلس عند النبي (عليه
الصلاة والسلام).
وقوله: (فأسند ركبتيه إلى لركبتيه) يقال: أسند، إذا اتكأ على شيء وأوصل. وأنما جلس هكذا
ليتعلم الحاضرون جلوس السائل عند المسئول؛ لأن الجلوس على الركبة أقرب إلى التواضع
والأدب، واتصال ركبة السائل بركبة المسئول يكون أبلغ في استماع كل واحد من السائل
والمسئول كلام صاحبه، وأبلغ في حضور القلب، وألزم للجواب؛ لأن الجلوس على هذه الهيئة
دليل على شدة حاجة السائل إلى السؤال، وتعلق قلبه واهتمامه إلى استماع الجواب، فإذا عرف
المسئول هذا الحرص والاحتياج من السائل إلى يلزم على نفسه جوابه، ويبالغ في الجواب
أكثر وأتم مما سأل السائل. تم كلامه.
قوله: (وضع يديه على فخذيه) قال الشيخ: التوربشتى: الضمير في الكلمتين راجع إلى
جبرئيل ﵇ فلو ذهب مؤول إلى أن الثاني يعود إلى رسول الله ﷺ لم ينكر عليه،
لما يدل عليه نسق الكلام من قوله: (وأسند ركبتيه إلى ركبتيه) غير أنا نذهب إلى الوجه الأول،
لأنه أقرب إلى التوقير، وأشبه بسمت ذوى الأدب. وذهب محيي السنة إلى الوجه الثاني فى
كتابه المسمى ب (الكفاية). وكذا إسماعيل بن الفضل التيمى في كتابه المسمى ب (الترغيب
والترهيب).
стр. 11
ــ
وأقول: لعل هذا الوجه أرجح؛ لأن الأصل في إسناد الركبة إلى الركبة أن يكون الاعتماد
والاتكاء عليه، فإذا لا يبعد وضع جبريل ﵇ يديه على فخذى رسول الله ﷺ على تلك
الحالة، فأشعرت تلك الهيئة بأنها ليست كهيئة التلميذ، وكذا نداؤه لرسول الله ﷺ باسمه، بل
هما من هيئة الشيخ إذا اهتم بشأن التعليم، واراد مزيد إصغاء المتعلم وإفهامه، فكيف لا؟ وقد
شهد الله تعالى به في قوله: (علمه شديد القوى) وكفى به شاهداً. وينصره أيضا أمران:
أحدهما قوله: (جلس إلى النبي ﷺ )، فلو كان جلوسه جلوس المتعلم لقيل: بين يديه، فضلا
أن يقال: عنده، فكيف بقوله: (جلس إليه)؟ لأنه متضمن معنى الميل والإسناد، كأنه قيل:
مال إليه حالة جلوسه وأسند إليه، فيكون عطف قوله: (وأسند ركبتيه) على قوله: (جلس إاليه)
للبيان والتفسير، كعطف قوله تعالى: (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار_ إلى قوله_ من
خشية الله) على قوله: (فهى كالحجارة أو أشد قسوة) لما يعلم من المعطوف كون قلوبهم
أقسى من الحجارة، وثانيهما قوله: (صدقت) وإنما يقال هذا إذا طابق قول المسئول عنه قول
السائل؛ لأنه إذا عرف أن المسئول عنه أصاب المخبر وطبق المفضل صوبه، ولهذا السر
قالوا: (تعجبنا من قوله: (صدقت) وأيضاً في إيثار (إذ طلع علينا) على (إذ دخل) إشارة ألى
عظمته وعلوه. (غيب): طلع علينا فلان، مستعار من: طلعت الشمس. (الكشاف): في
قوله: (أطَّلع الغيب): ولا ختيار هذه الكلمة شأن، يقول: أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى
إلى علم الغيب، فحينئذ يتعلق (حتى) بمحذوف يدل عليه (طلع) أى دنا منه حتى جلس إليه.
وإذا تقرر هذا فصورة هذه الحالة كصورة المعيد إذا امتحه عند حضور الطلبة
والمستفيدين منه، ليزيدوا طمأنينة وثقة في أنه يعيد الدرس ويلقى إليهم المسألة كما سمعه من
الشيخ بلا زيادة ولا نقصان، وفيه مسحة من قوله: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى
علمه شديد القوى) وهذا معنى قوله ﵇ في آخر الحديث: (ذاك جبريل أتاكم يعلمكم
دينكم).
وأما سر إسناد ركبتيه إلى ركبتيه ففيه إشارة إلى سابقة بينهما، وشدة إخلاص واتحاد، كما
بين المتحابين، ولله در القاتل:
أخ طاهر (الأخلاق) حلو كأنه ... جنا النحل ممزوج بماء غمام
يزيد على الأيام صفو مودة ... وشدة إخلاص ورعى ذمام
ــ
стр. 12
تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا)). قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه؛ قال فأخبرني عن الإيمان. قال ((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ــ
ــ
وأما طلوع جبريل ﵇ على تلك الهيئة والشأن فإشارة إلى معنى قوله: ((حسن الأدب في الباطن)) ولذلك أدب الله رسوله ﵇ بقوله: (وثيابك فطهر والرجز فاهجر)؛ على هذا ينزل نزوله ﵇ أحيانا في صورة دحية ﵁؛ لأنه كان من اجمل الناس، ومن ثمة كان الإمام مالك ﵁ إذغ أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته وتطيب، وتمكن من الجلوس على وقار وهيبة، ثم حدث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث ( ﷺ ).
قوله: ((أخبرني عن الإسلام)) الإسلام الانقياد والطاعة عن الطوع والرغبة من غير اعتراض، يقال: سلم وأسلمو (استسلم) إذا خضع وأذعن، ولذلك أجاب عنه بالأركان الخمسة، و ((أن)) في قوله: (أن لا إله إلا الله)) هي المخففة عن المثقلة، يدل عليه عطف: ((وأن محمدًا)).
قوله: ((وأن تقيم الصلاة)) إقامة الصلاة تعديل أركانها وإدامتها، والصلاة فعلة من: صلى بمعنى دعا أو حرك الصلوين؛ لأن المصلى يحركها في ركوعه وسجوده، كالزكاة من: زكى بمعنى نما او طهر، غفإن المال يزيد بأداء الزكاة ويطهر به، وكالصوم من، صام إذا امسك، والحج من: حج إذا قصد، و ((البيت)) اسم جنس غلب على الكعبة وصار علما له.
فإن قلت: كيف خص الأخير بقيد الإستطاعة دون سائرها؛ فإن الاستطاعة التي يتمكن بها المكلف من فعل الطاعة مشروطة في الكل؟ قلت: المعني بهذه الاستطاعة الزاد والراحلة. وكانت طائفة لا يعدونها منها، ويثقلون على الحاج، فنهوا عن ذلك، أو علم الله تعالى: (لاتأكلوا الربا أضعافا مضاعفة)) ولتلك العناية أنزل الله تعلى: (من استطاع)) ومع ذلك نرى كثيرًا من الناس لا يرفعون بهذا النص الجلي رأسا، ويلقون أنفسهم بأيديهم إلى التهلكة.
قوله: ((أخبرني عن الإيمان)) إفعال من الأمن، وهو طمأنينة النفس عن إزالة خوف وشك، يقال: أمنه إذا صدقه، وحقيقته آمنة التكذيب والمخالفة. وإن قيل: قوله: ((أن تؤمن بالله)) في جواب الإيمان يوهم التكرار. فالجواب أن الإيمان الذي هو بمعنى التصديق تعدى بنفسه، كما تقول: آمنته وأمنته، والذي يعدى بالباء يتضمن معنى اعترف به أو وثق به، كانه قيل: الإيمان الاعتراف بالله، ووثوق به.
ــ
стр. 13
ــ
ــ
واعلم أن السؤال عن الإيمان وجوابه مقدم على السؤال عن الإسلام وجوابه في المصابيح،
وتكلم عليه الشيخ التوربشتى، وهو حق؛ لأنه مؤخر في صحيح مسلم، وفي كتاب الحميدي.
وجامع الأصول، ورياض الصالحين، وشرح السنة برواية عمر ﵁. ثم إن
التصديق وأن كان مقدماً في الاعتبار لقوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) وعليه
سؤسس قاعدة الإسلام، لكن المقام يقتضي تقديم الإسلام؛ لأنه رأس الأمر وعموده، وشعائر
الدين به تظهر، وهو دليل على التصديق وأمارة عليه، وما جاء جبريل ﵇ إلا ليعلم
الشريعة؛ فينبغى أن يبدأ بما هو الأهم فالأهم، ويترقى من الأدنى إلى الأعلى، فإن الإسلام
مقدم على الإيمان، وهو على الإخلاص، وفي هذا الكتاب مسطور بعد قوله: (إن استطعت إليه
سبيلا، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه).
قوله: (بالله) الله أصله إله، فحذف همزته معوضاً عنها حرف التعريف، ولذلك قطع الألف،
وأدخل عليه حرف النداء، والإله فعال بمعنى مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب، من: أله إلهة
أي عبد عبادة، أو أله ألها إذا تحير؛ لأن الفطن يدهش في معرفة المعبود، والعقول متحيرة
في كبريائه. والملائكة جمع ملاك على الأصل، كالشمائل جمع شمال، والتاء لتأنيث الجمع،
مشتق من الألوكة بمعنى الرسالة. والكتب ما أنزلت على أنبيائه (صلوات الله وسلامه عليهم) إما
مكتوباً على نحو ألواح، أو مسموعا من الله تعالى من وراء حجاب، أو من ملك مشاهد
مشافهة، أو مصوت هاتف. وإنما قدم ذكر الملك على الكتاب والرسل اتباعا للترتيب الواقع،
فإنه أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول لا تفضيلا للملائكة على الرسل، فإن
فيه خلافا، ولا على الكتب، فإنه لم يقل به أحد.
قوله: (رسله) يقال: أرسلت فلانا في رسالة، فهو مرسل ورسول، والجمع رُسُل ورُسل،
(قال) الكشاف: الفرق بين النبي والرسول أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب
المنزل عليه، والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه، وإنما أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله.
وعن الإمام أحمد بن حنبل عن أبى أمامة، قال أبو ذر: يارسول الله، كم وفاء عدة
الأنبياء؟ قال: (مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل من ذلك ثلاث مائة وخمسة عشر جما
غفيراً).
[قلت: قيل المنزَّلة مائة وأربعة كتب: على آدم عشر صحائف، وعلى شيث ﵇
خمسون صحيفة، وعلى أخنوخ وهو إدريس ﵇ ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم عليه
السلام عشر صحائف. والتوارة، والإنجيل، والفرقان، والزبور. فعلى هذا القول الذى ذكره جار
ــ
стр. 14
واليوم الآخر، وتُومن بالقدر خيرِه وشَره) قال: صدقت. قال: فأخبرني عن .....
ــ
الله بين الرسول والنبي لا يساعد الحديث المذكور؛ بل الفرق من وجه آخر؛ وهو أن يقال:
الرسول من نزل عليه جبريل، والنبي مع سمع صوتا أو رأى في المنام أنه نبي وبلغ
الرسالة]
قوله: (واليوم الآخر) هو يوم القيامة؛ لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة، والمراد
الإيمان به وبما فيه من البعث والحساب، ودخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، إلى غير
ذلك مما ورد النص القاطع عليه.
قوله: (تؤمن بالقدر) (قال القاضي عياض): القضاء هو الإرادة الأزلية والعناية الإلهية المقتضية
لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدر تعلق تلك الإدارة بالأشياء في أوقاتها. والقدرية
قالوا: القضاء علمه تعالى بنظام الموجودات، وأنكروا تأثير قدرة الله تعالى بنظام الموجودات،
وأنكروا تأثير قدرة الله تعالى في أعمالنا، وتعلق إرادته بأفعالنا، وزعموا أنها واقعة بقدرنا،
ودواع منا، فأثبتوا لنا قدرة مستقلة بالإيجاد والتأثير في أفعالنا_ تم كلامه. وسيجئ الكلام في
القضاء والقدر على عكس ما ذكره القاضي. فإن قيل: لم أعاد ذكر (تؤمن) عند القدر؟ فالجواب
أنه عرف أن الأمة يخوضون فيه، وبعضهم ينفونه، ويقولون: إن الأمر أُنُف ولا قدر، مثل
المعتزلة، فلذلك اهتم بذلك بإعادة (تؤمن) ثم قرره بالإبدال بقوله: (شره وخيره) فإن البدل
توضيح مع التأكيد لتكرير العامل.
قال الشيخ محيي الدين النواوى في شرح صحيح مسلم: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص،
وهو قول ابن مسعود، وحذيفة، ومالك، والثورى، والأوزاعى، والنخعى، والحسن، وعطاء،
وطاوس، ومجاهد، وابن المبارك، وسفيان بن عبينه، ومعمر بن راشد وابن جريج، وجماعة
أهل السنة من سلف الأمة وخلفها. والحجة على زيادته ونقصانه الآيات، وقوله تعالى: (فاخشوهم فزادهم
إيمانا مع إيمانهم) وقوله تعالى: (ويزداد الذين آمنوا إيمانا) وقوله تعالى: (فاخشوهم فزادهم
إيمانا).
стр. 15
ــ
قال الشيخ: أنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصانه، وقالوا: متى قبل الزيادة والنقصان كان شكّا وكفرًا. قال المحققون من المتكلمين: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته- وهي الأعمال- ونقصانها، وفي هذا توفيق بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة، وأقاويل السلف، وبين وصفه في اللغة وما عليه المتكلمون. وقال صاحب التحرير في شرح صحيح مسلم: الإيمان في اللغة هو التصديق، فإن عني بذلك فلا يزيد ولا ينقص لأن التصديق ليس بشيء يتجزأ، حتى يتصور زيادته مرة ونقصانه أخرى، وفي لسان الشرع هو التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمال بالأركان، وإذا فسر بهذا تطرق إليه الزيادة والنقصان، وهو مذهب أهل السنة.
وأقول: على التفسير الأول أيضًا يمكن الزيادة والنقصان به (قال) الكشاف في قوله تعالى في سورة الأنفال):وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا):ازدادوا بها يقينًا وطمأنينة النفس؛ لأن تظاهر الأدلة أدل المدلول عليه، وأثبت لقدمه، ويؤيده ما نسب إلى علي (﵁) (لو كشف الغطاء ما ازددت يقياا)) وقوله تعالى: (أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي)).
(قال الخطابي): المسلم قد يكون مؤمنا في بعض الأحوال ولا يكون مؤمنا في بعضها، والمؤمن المسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا. أقول: ومصداقه قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) (قال الحسن) في شرح السنة في باب الإيمان من الاعمال: اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان، وقال في تأويل حديث عمر وجبريل. جعل النبي ﷺ في هذا الحديث الإسلام اسما لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسما لما بطن من الإعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، والتصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة، كلها شيء واحد وجماعها الدين، ولذلك قال: (ذاك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم). وأقول: يرد الشيخ بهذا زعم من يذهب إلى أن الأعمال خارجة من الإيمان، والإيمان عبارة عن مجرد التصديق، ويتمسك الزاعم بظاهر الحديث، ومعنى ما قال الشيخ أن رسول الله ﷺ لم يجعل الإسلام اسما لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، لأن يتمسك به المتمسك أن الأعمال ليست من الإيمان، والتصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل جعل ذلك تفصيلا للمجمل الذي هو الدين.
стр. 16
ــ
وتلخيص كلمه أن الإسلام في عرف الشرع يطلق تارة مجرد الانقياد وظاهر الأعمال، كما في قوله تعالى: (وقالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) وأخرى على الانقياد مع التصديق والقول المذكور في الحديث هو الأول، ليطابق المجمل والمفصل، لا الثاني، فلا يكون هذا دليل على نفي الثاني، وإنما اقتضى الحديث التفصيل في الإجمال؛ لأن المقام مقام تعليم للأمة وتفهيم لهم، فيجب حمل الإيمان والإسلام على ما يتعارفون بينهم، والقوم لما تواردت النصوص مثل قوله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) وقوله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) وقوله ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة) إلى غير ذلك من النصوص الدالة على الزيادة في الإيمان- اصطلحوا على ترادف الإيمان والإسلام والدين، وأن الإعمال داخلة فيها، ولا مشاحة في الصطلاح.
(قال) الراغب: اختلفوا في الايمان أهو الاعتقاد المجرد أم الاعتقاد والعمل معًا؟ واختلافهم بسبب اختلاف نظرهم، فمن قال: هو الاعتقاد المجرد فنظره إلى اشتقاق اللفظ. وإلى أنه تعالى فصل بينهما في عامة التنزيل بالعطف، ولأن النبي ﷺ فرق بينهما في خبر جبريل ﵇ حين سأله عن الإسلام والإيمان، وفسر الأوال بالأعمال والثاني بالاعتقاد، ومن قال: هو الاعتقاد والعمال فلما ورد من قوله: (الإيمان معرفة في القلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان) ولأن الإيمان ليس بذي منزلة واحدة، قال النبي ﷺ (الإيمان بضع وسبعون شعبة) الحديث، ومن تأمله وعرف حقيقته على أن الإيمان الواجب هو اثنتان وسبعون درجة لا أقل ولا أكثر؛ لأنه ﷺ (لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى).
وأقول: أما تأويل الحديث فقد كفى محيي السنة أهل السنة القتال، وأما تأويل العطف فبيانه من وجهين: أحدهما: أن العطف من باب قوله تعالى: (وملائكته ورسله وجبريل وميكال) وذلك لأن الأعمال لما كانت مقررة مثبتة للإ] مان، وبها يستقيم ويتقوى، كقوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) أو رفعا له وتشييدا لبنيانه، كقوله: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمال الصالح يرفعه) جعل شيئا آخر، وعطف عليه ولهذا السر جعل الله تعالى في قوله: (يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم) وقوله تعالى: (وما
ــ
стр. 17
الإحسان. قال: (أن تعبدالله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). قال: فأخبرني
ــ
خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون) المطلوب من الخلق هو العبادة التي هي غاية الخضوع والاستكانة، وجعل المعرفة والتصديق كالمقدمة للواجب، ولعل الحكمة فيه إظهار الكبرياء والعظمة لله تعالى بإبداء غاية التضرع والاستطانة من المخلوقين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) وقوله تعالى: (والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) أي إن استكبرتم وأعرضتكم عن إظهار الافتقار يستبدل قوما غيركم.
وثانيهما- وهو الوجه-أن غالب هذا العطف في صلة الموصول، والصلة والموصول شيء واحد، والدليل عليه قوله تعالى: (الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات) مقالب لقوله: (الذين كفروا وكذبوا) وقوله تعالى: (هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) في معنى هدى للمتقين المؤمنين، وهو عين المطلوب.
فإن قيل: إذا جعل الإيمان عبارة عن مجموع التصديق والإقرار والعمل، فمن أخل بواحد منها يلزم أن لا يكون مؤمنًا؛ لأن الكل ينتفي بانتفاء الجزء. قلت: المراد بالإيمان ههنا هو الإيمان الكامل، وإذا كان المراد ذلك فإذا انتفى بعض منها ينتفي الإيمان الكامل، لا مطلق الإيمان.
قوله: ((فأخبرني عن الإحسان)) (قال الخاطبي): إنما أراد بالإحسان هاهنا الإخلاص، وهو شرط في صحة الإيمان والإسلام معًا، وذلك أن من تلفظ بالكلمة وجاء بالعمل من غير نية الإخلاص لم يكن محسنًا، ولا كان إيمانه صحيحًا، قال ﷺ (أن تعبد الله كأنك تراه) أي في إخلاص العبادة لوجه الله الكريم، ومجانبته الشرك الخفي، والعبادة لله الذي لا تنبغي العبادة إلا له على نعت الهيبة والتعظيم، حتى كأنه ينظر إلى الله خوفا منه وحياء وخضوعا له. (قال الراغب): الحسن عبارة عن كل مبهج مرغوب فيه، وهو ثلاثة أضرب: مستحسن من جهة العقل، ومن جهة الهوى، ومن جهة الحس. والإحسان يقال على وجهين: أحدهما: الإنعما على الغير، يقال: أحسن إلى فلان. والثاني: إحسان في فعله، وذلك إذا علم علما حسنا، أو عمل عملًا حسنا.
стр. 18
ــ
وأقول: يجوز أن يحمل الإحسان على الإنعام، وذلك أن العمال المرائي يبطل عمله ويحبطه، فيظلم على نفسه، فقيل له: أحسن إلى نفسك، ولا تشرك بالله، واعبد الله كأنك تراه، وإلا فتهلك، قال الله تعالى:) الذين يمكرون الشيئات لهم عذاب شديد) فإنها واردة في المرائي. ويجوز أن يحمل على المعنى الثاني، وعليه قوله تعالى: (أحسن كل شيء خلقه) وقوله تعالى: (نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين) أي المجيدين المتقنين في تعبير الرؤيا، كأنه سأل جبريل ﵇ بما ينبيء عنه الإخلاص، كما قال الله تعالى: (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن).
وأما تقدير الشرط والجزاء فهو أن يقال: إن لم تعبدالله كأنك تراه فاعبده كأنه يراك. وتحرير المعنى وإن لم تكن تراه كذلك أي مثل تلك الرؤية المعنوية فكن بحيث إنه يراك. وهو من جوامع الكلم، أي كن عالما متيقظا، لا ساهيا غافلا، كجدا في مواقف العبودية، مخلصا في نيتك، آخذا أهبة الحذر إلى ما لا يحصى؛ فإن من علم أن له حافظا رقيبا شاهدا بحركاته وسكناته- لا سيما ربه ومالك أمره- فلا يسىء الأدب طرفة عين، ولا فلتة خاطر، هذا هو معنى الإجادة في الإيمان والإسلام. وقيل: التقدير فإن لم تكن تراه فلا تغفل فإنه يراك.
والأولى أن نضرب عن هذا المجل صفحا، ونأخذ في منهل آخر، فنقول: (كأنك) إما مفعول مطلق، أو حال من الفاعل، والثاني أوجه؛ لأنه يحصل به للعابد ثلاث حالات، كما إذا قلت: كأن زيدا قائم، فتصور له حالات القعود والانتصاب، والقيام، فتشبه حالة الانتصاب بالقيام؛ لأنك فإدخال (كأن) توهم أن له حالة غير القيام، وهي المشبه بالقيام، كما إذا رأى الناظر شخصا من بعيد فتردد بين قيامه وقعوده، ثم خيل له أنه إلى القيام أقرب فقال: كأنه قائم، أي يشبه انتصابه بالقيام، كذلك في الحديث. للعبد بين يدي مولاه حالات ثلاث إحداها: حالة اشتغاله بالعبادة على سنن تسقط القضاء، من حفظ شرائطها وأركانها وهيآتها. وحالة تمكنه من الإخلاص في القصد، وأنه بمرأى من مولاه، وهو مراقب لحركاته وسكناته. وحالة مشاهدته، واستغراقه في بحار المكاشفة، وإليه لمح قوله ﷺ : (جعلت قرة عيني في الصلاة وأرحنا بها يا بلال) فشبه الحالة الثانية التي هي المراقبة بحالة المكاشفة التي هي من خواص النبي ﷺ في الدنيا. ووجه التشبيه حصول الاستلذاذ بالطاعة، والراحة بالعبادة، وانسداد مسالك الالتفات إلى الغير باستيلاء أنوار الكشف عليه، وهو ثمرة امتلاء زوايا القلب من المحبوب، واشتغال السر به، ونتيجته نسيان الأحوال من العلوم، واضمحلال الرسول. فلما
стр. 19
عن الساعة. قال: (ما المسؤول عنها بأعلمَ من السائل). قال: ........
ــ
استبان الصبح أدرج ضوءه بإسفاره أنوار ضوء الكواكب فقوله: فإن لم تكن تراه تنزل من مقام
المكاشفة إلى مقام المراقبة، فينبغى أن يقدر: فاعلم قولى: إنه يراك.
قال الشيخ العارف أبو إسماعيل الأنصاري: الإحسان اسم جامع لجميع أبواب الحقائق،
وبهو ثلاث درجات: الدرجة الأولى: الإحسان في القصد بتهذيبه علما، وإبرامه عزما، وتصفيته
حالا. الدرجة الثانية: الإحسان في الأحوال: وهو أن يراعيها غيره، ويسترها تطرقا، ويصححها
تحقيقا، الدرجة الثالثة: الإحسان في المواقف، وهوأن لا تزايل المشاهدة أبداً، ولا تلحظ بهمتك
أملا، وتجعل هجرتك إلى الحق سرمداً. فإن قلت: قد جعل الشيخ درجات الإحسان ثلاثا،
وليس في الحالات التي قسمتها ما يدخل في معني الإحسان إلااثنين. قلت: تشبيه الثانية
بالثالثة يوجب حالة أخرى متوسطة بين الإخلاص في القصد الذي هو شريطة فيه، وبين
المشاهدة التي هي غايتها، وتلك المتوسطة هي الدرجة الثانية في قول الشيخ، لأنها نتيجة
الإخلاص في العمل، ومحصلة للحالة الثالثة، أعنى المشاهدة، والله أعلم.
قوله: (فأخبرني عن الساعة) الساعة القيامة. (قال) الكشاف: سميت ساعة لوقوعها بغتة، أو
لسرعة حسابها، أو على العكس لطولها، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند
الخلق. عني بالعكس أنها سميت بها بناء على عكس ما هي عليه من الطول تلميحاً، كما سمى
المهلكة مفازة والأسود كافوراً.
قوله: (ما المسئول عنها) (قال) المظهر: (ما) نافية، يعنى لست أنا أعلم منك ياجبريل
بعلم القيامة. أقول: أراد المظهر أن أصل الكلام هكذا، فعدل عنه إلى ما عليه، وذلك أن
الأجوبة الثلاثة على خطاب جبرئيل ﵇ كانت (تعريضا) للسامعين على طريقة
الخطاب العام، نحو قوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) ولو أجري على ذلك
الأسلوب لقيل: لست بأعلم منك. ولم يفد فائدة العموم؛ لأن المعني كل مسئول عنه
وسائل، أيا ما كان فهو داخل في هذا العموم. فإن قلت: من حق الظاهر أن يقال: ما
المسئول عنه ليرجع الضمير إلى اللام. قلت: كما يقال: سألت عن زيد المسئلة، يقال: سألته
عن المسئلة، فالضمير المرفوع راجع إلى اللام، والمجرور إلى الساعة.
ــ
стр. 20
فأخبرني عن أماراتها. قال: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاةَ العُراةَ العالةَ رعاء
الشاء ــ
ــ
واعلم أن الضمير في (عنها) راجع إلى الساعة، فلا بد من تقدير مضاف في السؤال
والجواب، نحو وقت وأيان؛ إذ وجود الساعة ومجيؤها مقطوع به، وإنما يسأل عن وقتها، كقوله
تعالى (يسئلونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها) أي في وقت أي شيء أنت
من أن تذكر وقتها لهم يعني ما أنت من ذكراها لهم وبتبيين وقتها في شيء. فإن قلت:
لفظة: (أعلم) مشعرة بوقوع الاشتراك في العلم، وأحدهما أزيد من الآخر، وهما يتساويان في
انتفاء العلم منهما. فالجواب أنه ﷺ نفى أن يكون صالحاً لأن يسأل عنه على سبيل الكناية، لما
عرف أن المسئول في الجملة ينبغي أن يكون أعلم من السائل، فهو من باب قوله تعالى: (ولا
شفيع يطاع) ويقال: إنه ﷺ نفى عن نفسه العلم بالمسئول عنه بوجه خاص، تلخيصه: أنا
متساويان في أنا نعلم أن للساعة مجيئا في وقت ما من الأوقات، وذلك هو العلم المشترك بيننا،
ولا مزيد للمسئول على هذا العلم حتى يتعين عنده المسئول عنه، وهو الوقت المتعين الذي يتحقق
فيه مجيء الساعة.
قوله: (الله ورسوله أعلم) فهو على بابه؛ لأن الأمارة السابقة وتعجبهم منها أوقعتهم في
التردد، أهو بشر أم ملك؟ وهذا القدر يكفى في الشركة.
قوله: (أن تلد الأمة ربتها) الرب مشترك بين المالك والمربى، قال صاحب الأساس: ربَّ
الدار وربَّ العبد وربَّ ولده تربيته. (قال) الجوهري: رب كل شيء مالكه، (قال) الكشاف
الرب المالك، ومنه قول صفوان لأبى سفيان: لأن يربني رجل من قريش أحب إلى من أن
يربني رجل من هوازن. هذا هو المعني في الحديث.
فإن قيل: كيف أطلق الرب علي غير الله تعالى وقد نهى ﷺ عن ذلك في قوله: (لا يقل
أحدكم أطعم ربك، وأرض ربك، ولا يقل أحدكم: ربي، وليقل: سيدي
ومولاي).،والجواب أن هذا من باب التشديدوالمبالغة، كما سنقرره.
(تو): فسر هذا القول كثير من العلماء على أن السبي يكثر بعد اتساع رقعة الإسلام،
فيستولد الناس إماءهم، فيكون الولد كالسيد لأمه؛ لأن ملك الأمة راجع في التقدير إلى الولد،
وذكر بلفظ التأنيث وأراد به النسمة؛ ليشتمل الذكور والإناث، أو كره أن يقول: ربها؛ تعظيما
لجلال رب العباد، أو أراد البنت، وإذا كانت هكذا فالابن أولى.
ــ
стр. 21
ــ
(قض): وتأنيث (ربتها) وإضافتها إما لأجل أنه سبب عتقها، أو لأنه ولد ربها أو مولاها
بعد الأب، وذلك إشارة إلى قوة الإسلام؛ لأن كثرة السبي والتسري دليل على استعلاء الدين،
واستيلاء المسلمين، وهي من الأمارات؛ لان قوته وبلوغ أمره غايته منذر بالتراجع والانحطاط
المؤذن بأن القيامة ستقوم.
وأقول_ والعلم عند الله_: الكلام فيه صعب، بل هو مقام دحض، قلما تثبت فيه الأقدام
الراسية في البيان، وكان قلما يلتفت الخاطر إلى معرفته، وما تكلم فيه العلماء لم يكن يشفى
العليل، إلى أن تصديت أن تصديت لأمر هذا الخطب الجليل، فالواجب أولا تعيين المقام؛ لأن بيده زمام
حكم الكلام، ولا ارتياب أن أمارات الساعة وأشراطها من عظائم الشئون، وجلائل الخطوب،
فيجب حينئذ تأويل القريتين، أعنى قوله: (أن تلد الأمة ربتها) وقوله: (وأن ترى الحفاة العراة_
إلى قوله_ يتطاولون في البنيان) بما ينبئ عن ذلك النبأ العظيم من تغير الزمان، وانقلاب
أحوال الناس، بحيث لم يشاهد قبله، ولم ير مثله، وكيف؟ ولفظة (ترى) تنادى عن ذلك؛
لأنها من الخطاب العام على الاستغراق، كقوله تعالى: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم
عند ربهم) يعنى بلغ الخطب في العظم والفخامة بحيث لا يختص برؤية راء ةاحد، بل
كل من يتأتى منه الرؤية فهو مخاطب به.
فإذا تقرر بيان اقتضاء المقام فنثنى العنان إلى بيان الأساليب التي يستعان بها على تطبيق
القرينتين على ما يقتضيه المقام، من (المطابقة المعنوية)، (والكناية الزبدية)، و (الإدماج) المسمى
بإشارة النص. فنقول القرينة الثانية دلت بالكناية الزبدية_ التي لا ينظر فيها إلى مفردات
التركيب، لا حقيقة ولا مجازاً، بل تؤخذ الزبدية والخلاصة من المجموع_على أن الأذلة من
الناس ينقلبون أعزه، ملوك الأرض، فينبغي أن تتول القرينة السابقة بما يقابلها؛ ليطابقا في أن
يصير الأعزة أذلة، ومعلوم أن الأم مربية للولد، ومدبرة أمره، فإذا صار الولد ربا ومالكا لها -
لا سيما إذا كانت بنتا- ينقلب الأمر، هذا هو المعنى بالتشديد والمبالغة الموعود بهما، ثم في
وضع الأمة ووصفها بالولادة موضع الأم إشعار بمعنى الاسترقاق والاستيلاء، وأن أولئك
الضعفة الأذلة الذين فهموا من القرينة الثانية هم الذين يتعدون ويتسلطون ويفتحون البلاد
ويسترقون كرائم النساء وشرائفها، ويستولدونها، فتلد الأمة ربتها.
فالحاصل: أن قوله: (أن تلد الأمة ربتها) دل بعبارته على المقصود، وبإشارته على معنى
آخر، وهو كثرة المستولدات، وإنما وصف النساء بالشرف والكرامة ليفيد المعنى المقصود، كان
الواقع كذلك، ألا ترى إلى الملكة حرقة بنت النعمان حين سبيت وأحضرت بين يدى سعد
ابن أبى وقاص ﵁ كيف انشدت:
стр. 22
يتطاولون في البنيان).
قال: ثم انطلق، فلبثتُ مليَّا، ثم قال لي: (ياعمر أتدرى من السائل)؟ قلتُ: اللهُ
ورسوله أعلم. قال: (فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم). رواه مسلم
ــ
فبينا نوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوفة نتنصف
فأف لدينا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف
والى قول أبي الطيب:
تبكى عليهن البطاريق في الدجى ... وهن لدينا ملقيات كواسد
وفي معناه أنشد:
إذا ذل الدنيا الأعز واكتسى ... أعزتها ذلا وساد مسودها
هناك فلا جادت سماء بضوئها ... ولا أشرقت أرض ولا اخضر عودها
وإن استبدعت بيان المطابقة المعنوية بين القريتين على ما مر فانظر إلى قوله (تعالى)
(أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار)
وإلى تقرير صاحب الكشاف المطابقة فيها، وما في التبيان لتقف على دقة هذا
الأسلوب، ومواقع استنباط المعاني من القرينتين، وفي القرينتين إيذان بنصرة المؤمنين
وفتحهم البلاد مشارقها ومغاربها، كما ورد: (إن الله زوى لى الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها
وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لى منها) أخرجه مسلم عن ثوبان. و (العالة) الفقراء، واحدها
عائل، يقال: (يتطاولون في البنيان) أي يتفاخرون في طول بيوتهم ورفعتها، تطاول الرجل إذا
تكبر، يعني من علامات القيامة أن ترى أهل البادية ممن ليس لهم لباس ولا نعل، بل كانوا
رعاء الإبل والشاء يتوطنون البلاد، ويتخذون العقار، ويبنون الدور والقصور المرتفعة، قاله
المظهر.
ــ
стр. 23
٣ - ورواه أبو هريرة مع اختلاف، وفيه: (وإذا رأيت الحفاة العُراة الصمَّ البكمَ،
ملوك الأرض في خمس لا يعلمهن إلا الله. ثم قرأ: (إن الله عنده علم الساعة وينزلُ
الغيث) الآية متفق عليه
ــ
قوله: (الصم البكم) كانت حواسهم سليمة، ولكن جعلوا لبلادتهم وعدم تمييزهم كأنه
أصيبت مشاعرهم. قوله: (في خمس) أي علم وقت الساعة داخلة في جملة خمس، وحذف
متعلق الجار سائغ شائع، كما في قوله (تعالى): (تسع أيات) أي أذهب إلى فرعون في شأن
تسع أيات، ويجوز أن يتعلق ب (أعلم) يعنى ما المسئول عنها بأعلم فى خمس أي في علم
الخمس، فكما عم في المسئول عنه أولا عم في المسئول ثانياً، أي لا ينبغي لأحد أن يسأل أحداً
في علم الخمس؛ لأن العلم بها مختص بالله (تعالى). وفيه إشارة إلى إبطال الكهانة والنجامة
وما شاكلها. قال لبيد:
لعمرك ما تدرى الضوارب بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع
وإدشاد للأمة وتحذير لهم عن إتيان من يدعى علم الغيب، فإذا الجواب من (الأسلوب
الحكيم). أجاب عن سؤاله في ضمن أشياء مهمة لا بد من بيانها (إرشادا) للأمة وتنبيها
للمعلم عليها. كأنه قيل: سؤالك هذا يقتضي أن لا يقتصر على جواب واحد، بل يجاب مع
هذه الأمور المهمة، فإن اهتمامها كاهتمامه. أو يقال: كان يجب عليك أيها المعلم أن لا تقتصر
على سؤال واحد بل تسأل عن هذه الأشياء المهمة.
فإن قيل: أليس إخباره ﷺ عن أمارات الساعة من قبيل قوله: (وما تدرى نفس ماذا تكسب
غدا)؟ قلت: إذا أظهر بعض المرتضين من عباده بعض ما كوشف له من الغيوب لمصلحة ما
لا يكون إخباراً بالغيب بل يكون تبليغا له، قال الله تعالى: (ولا يظهر على غيبه أحدا إلا من
ارتضى من رسول)
فإن قلت: كيف يطابق تفسير سيد المرسلين ﷺ الآية بقوله: (في خمس لا يعلمهن إلا الله)
وليس في الآية أداة الحصر كما في الحديث؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون (علم
الساعة) فاعلا للظرف؛ لاعتماده على اسم إن، ويعطف (وينزل الغيث) عن الغير، أي يعلم
الظرف وفاعله على تأويل الجملتين المنفيتين بإثبات ما نفى فيهما لله (تعالى) عن الغير، أي يعلم
ماذا تكسب كل نفس غداً، ويعلم أن كل نفس بأي أرض تموت. قال أبو البقاء: هذا العطف
ــ
стр. 24
ــ
يدل على قوة شبه الظرف بالفعل. وقال صاحب الكشاف: جاء بالظرف وما أرتفع به ثم قال:
(وينزل الغيث) فعطف الجملة على الجملة، ومثله قوله (تعالى): (نسقيكم مما في (بطونها) ولكم
فيها منافع) فصدر بالفعل والفاعل، ثم عطف بالظرف، وما ارتفع به.
وإذا تقرر هذا فنقول: إذا كان الفعل عظيم الخطر، وما بنى عليه الفعل علي القدر رفيع
الشأن فهم منه الحصر على سبيل الكناية. وفي (الكشاف) في قوله (تعالى): (الله نزل أحسن
الحديث) الآية: وإيقاع اسم الله مبتدأ وما نزل عليه من تفخيم لأحسن الحديث ورفع منه،
يصدر إلا عنه، وقال الله (تعالى): (الله يبسط الرزق لمن يشاء) [وقال في قوله تعالى:
(الله يبسط الرزق)] في الرعد الله وحده هو يبسط الرزق ويقدر، دون غيره.
فإن قلت: إذا عطف (وينزل) على الجملة كيف دل على العلم؟ قلت: إذا نفى إنزال الغيث عما كانوا ينسبون إليه من طلوع الأنواء اختص بالله (تعالى) فيلزم منه اختصاص علم الله (تعالى).
وثانيهما: أن يذهب إلى أن الظرف خبر مقدم على المبتدأ لإفادة الحصر، ويعطف (ينزل) على المضاف إليه، يعني عنده علم الساعة، وعلم تنزيل الغيث على تقدير: أن ينزل، فحذف (أن) فارتفع الفعل، نحو قوله: أحضر الوغى، ويعطف (ويعلم مافي الأرحام) وما بعده على المضاف، أي إن الله عنده علم مافي الأرحام، وعلم ماذا تكسب كل نفس غدًا، على التقدير المذكور.
فإن قلت: فأي نكتة دعت إلى العدول عن المثبت إلى المنفي في قوله: (وماتدري نفس) وما فائدة تكرير نفس تنكيرها، وإيثار الدارية على العلم؟ فإنها إدراك الشيء بالحيلة. قلت: إذا نفيت الدراية لما فيها من معنى الحيلة في اكتساب العلم من كل نفس على سبيل الاستغراق لوقوع النكرة في سياق النفي- أفاد أن كل نفس منفوسة من الإنسان وغيره إذا أعملت حيلها في معرفة ما يختص ويلصق بها، ولا شيء أخص من الإنسان من كسب نفسه وعاقية أمره، ولا يقف على شيء من ذلك، فكيف يقف على ما هو أبعد وأبعد، خصوصًا من معرفة وقت الساعة، وأيان إنزال الغيث، ومعرفة ما في الأرحام. والفائدة في بيان الأمارات هي أن يتأهب الملكف المسير إلى المعاد بزاد التقوى.
ولما اشتمل هذا الحديث على هذه المطالب العزيزة، والمقاصد السنية التي هي أمهات أصول الدين - أودعه محيي السنة في مستهل باب كتابيه: شرح السنة، والمصابيح؛ تأسيّا بالله (عز
ــ
стр. 25
٤ - وعن ابن عمر، قال: رسول الله ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان). متفق عليه.
ــ
وجل) في تقديم الفاتحة التي هي أم القرآن المشتملة على ما بعدها إجمالا براعة للاستهلال، والله أعلم بالأسرار.
قوله: (فلبثت مليّا) أي زمانا طويلًا، يقال: عشت معه ملاوة من الدهر (بالحركات الثلاث). ويقال لليل والنهار: الملوان. وفي رواية أبي داود والنسائي: (قال عمر: فلبثت مليّا).
قوله: (فإنه جبرئيل) الفاء فيه جزاء شرط محذوف. تقديره: أما إذا فوضتم العلم إلى الله وإلى رسوله ﷺ وقرينة الشرط المحذوف قولهم: (الله ورسوله أعلم). (قض): جبريل ﵇ ملك متوسط بين الله ورسوله، ومن خواص الملك أن يتمثل للبشر، فيراه جسما مشكلا محسوسًا. ثم الدليل عليه اتفاق الحاضرين من الصحابة الكرام على ذلك، وروى محيي السنة أنه ﷺ قال لعمر (﵁): (ذاك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم، وما أتى في صورة إلا عرفته فيها إلا صورته هذه). (تو): هذه الأسئلة والأجوبة صدرت قبيل حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة قريب انقطاع الوحي واستقرار الشرع.
الحديث الثاني عن ابن عمر (﵁) قوله: (بني الإسلام على خمس). (غب): الإسلام الدخول في السلم، وهو أن يسلم كل واحد منهما أن يناله ألم من صاحبه. والإيمان هو الإذعان للحق على سبيل التصديق له باليقين. هذا أصله، ثم صار اسما لشريعو رسول الله ﷺ كالإسلام. (مح): وفي رواية وقع: (خمسة) بالهاء على تأويل أركان، أو أشياء، أو نحو ذلك، وبرواية حذفها يراد به خصال، أو دعائم أو قواعد.
أقول: لا تخلو هذه الخمس من أن تكون قواعد البيت، أو أعمدة الخباء، وليس الأول؛ لكون القواعد على أربع، فتعين الثاني، وينصره ما جاء في حديث معاذ: (وعمود الصلاة). مثلت حالة الإسلام مع أركانه الخمسة بحالة خباء أقيمت على خمسة أعمدة، وقطبها الذي تدور عليها الأركان هي: شهادة أن لا إله إلا الله، وبقية شعب الإيمان كالأوتاد للخباء. روى أن
стр. 26
ــ
الفرزدق حضر جنازة، فسأله بعض أئمة أهل البيت ﵃ يا فرزدق! ما أعددت لمثل هذه الحالة؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، فقال: هذا العمود، فأين الأطناب؟ هذا على أن يكون استعارة تمثيلية؛ لأنها وقعت في حالتي الممثل والممثل به، ويجوز أن تكون الاستعارة تبعية، بأن يقدر الاستعارة في (بني) والقرينة الإسلام)، شبه ثبات الإسلام واستقامته على هذه الأركان الخمسة ببناء الخباء على الأعمدة الخمسة، ثم تسري الاستعارة من المصدر إلى الفعل. وأن تكون مكنية، بأن تكون الاستعارة في الإسلام، والقرينة (بني) على التخييل، ثم خيل ما يلازم الخباء المشبه به من البناء، ثم أثبت له ما هو ملازم البيت من البناء على الاستعارة التخييلية، ثم نسب إليه ليكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة.
فظهر من هذا التحقيق أن الإسلام غير، والأركان غير. كما أن البيت غير، والاعمدة غير، ولا يستقيم ذلك إلا على مذهب أهل السنة؛ فإن الإسلام عبارة عن التصديق بالجنان، والقول باللسان، والعمل بالأركان. وعلى هذا حديث الإيمان،. ولهذا السر عقب محيي السنة بهذا الحديث حديث: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) وفيه أن أعلى شعبها (قول: لا إله إلا الله). وكما شبه الإسلام في الحديث الأول بخباء ذات أعمدة وأطناب، شبه الإيمان في الثاني بشجرة ذات أغصان وشعب، وإيرادها بعد حديث جبرئيل ﵇ يحقق ما قررناه من أن الإصطلاح حصل بعد الاستعمال.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: (بضع وسبعون) البضع القطعة من الشيء، وهي في العدد ما بين الثلاث إلى التسع؛ لأنه قطعة من العدد، والشعبة غصن الشجر، وفرع كلأصل. (وأدناها) أي أقربها منزلة وأدونها مقداراً، من الدنو بمعنى القرب، يقال: فلان أدنى القدر، وقريب المنزلة، كما يعبر بالبعيد عن ضد ذلك فيقال: فلان بعيد الهمة، وبعيد المنزلة، بعنى رفيع العالي، ولذلك استعمله في مقابلة في مقابلة الأعلى. (وإماطة) الشيء عن الشيء إذا أزاله عنه، وأذهبه، و (الأذى) في الحديث اسم ما يؤذي الناس، نحو الشوك، والحجر، والطين، وما أشبهها. فإن قلت: ما معنى الفاء في (فأفضلها)؟ قلت: هي جزاء شرط محذوف، كأنه قيل: إذا كان الإيمان ذا شعب يلزم التعدد، وحصول الفاضل والمفضول، بخلافه إذا كان أمرًا واحدًا.
ــ
стр. 27
(قض): (الحياء) تغيير وانكسار يعتري المرء من خوف ما يلام به قيل هو مأخوذ من الحياة، وكأن الحيي صار لما يعتريه من التغيير والانكسار، مؤوف الحياة، منكسر القوى، ولذلك قيل مات حياء وجمد في مكانه خجلا. وإنما أفرده بالذكر لأنه كالداعي والباعث إلى سائر الشعب، فإن الحيي يخاف فضيحة الدنيا، وفظاعة الأخرة، فينزجر عن المعاصي، فصار من الإيمان، إذ الإيمان ينقسم إلى ائتمار لما أمر الله به وانتهاء عما نهى عنه.
(قض): قوله ﷺ : (بضع وسبعون) يحتمل أن يكون المراد به التكثير دون التعديد، كما في قوله (تعالى): (إن تستغفر لهم سبعين مرة) واستعمال لفظة السبعة والسبعين للتكثير كثيرة، وذلك لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد، فإنه ينقسم إلى فرد وزوج، وكل منهما إلى أول ومركب، والفرد الأول ثلاثة، والمركب خمسة، والزوج الأول اثنان، والمركب أربعة، وينقسم أيضًا إلى منطقة كالأربعة، وأصم كالستة، والسبعة يشتمل على جميع هذه الأقسام. ثم إن أريد مبالغة جعلت آحادها أعشارا، ويحتمل أن حاصلها يرجع إلى أصل واحد، وهو تكميل النفس على وجه يصلح معاشه، ويحسن معاده، وذلك بأن يعتقد الحق، ويستقيم في العمل، وإليه أشار ﷺ حيث قال لسفيان حين سأله في الإسلام قولا جامعًا: (قل: آمنت بالله: ثم استقم).
وفنون اعتقاد الحق ينشعب ستة عشر شعبة: طلب العلم، ومعرفة الصانع، وتنزيه عن النقائص، وما يتداعى إليها، والإيمان بصفات الإكرام، مثل الحياة، والعمل، والقدرة، والإقرار بالوحدانية، والاعتراف بأن ما عداه صنعه لا يوجد، ولا يعدم إلا بقضائه وقدره، والإيمان بالملائكة المتطهرة عن الرجس، وتصديق رسله المؤيدين بالآيات في دعوى النبوة، وحسن الإعتقاد فيهم، والعلم بحدوث العالم، واعتقاد فنائه على ما ورد به التنزيل، والجزم بالنشأة الثانية، وإعادة الأرواح إلى لاجساد، والإقرار باليوم الآخر، أعني بما فيه من الصراط والحساب، وموازنة الأعمال، وسائر ما تواتر عن الرسول ﷺ والوثوق على وعد الجنة وثوابها، واليقين بوعيد النار وعقابها.
وفن العمل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها يتعلق بالمرأ نفسه، وهو ينقسم إلى قسمين: أحدهما ما يتعلق بالباطن، وحاصله تزكية النفس عن الرذائل، وأمهاتها عشرة: شره الطعام، وشره الكلام، والبخل، والكبر، وحب المال، وحب الجاه، وحب الدنيا، والحقد والحسد، والرياء، والعجب، وتحلية النفس بالكمالات، وأمهاتها ثلاثة عشرة: التوبة، والخوف، والرجاء، والزهد، والحياء والشكر، والوفاء، والصبر، والإخلاص، والصدق، والمحبة، والتوكل، والرضى بالقضاء، وثانيها ما يتعلق بالظاهر، ويسمى العبادات، وشعبها ثلاث عشرة: طهارة البدن عن الحدث والخبث، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والقيام بأمر الجنايز، وصيام رمضان، والاعتكاف، وقراءة القرآن، وحج البيت، والعمرة، وذبح الضحايا، والوفاء بالنذكر، وتعظيم الإيمان وأداء الكفارات.
стр. 28
وثانيهما: ما يتعلق به وبخواصه وأهل منزلته وشعبها ثمان التعفف عن الزنا والنكاح والقيام بحقوقه والبر بالوالدين وصلة الرحم وطاعة السادة والإحسان إلى المماليك والعتق.
وثالثها: ما يعم الناس، وينوط به إصلاح العباد، وشعبها سبع عشرة: القيام بإمارة المسلمين، واتباع الجماعة، ومطاوعة أولى الأمر، ومعاونتهم على البر، وإحياء معالم الدين ونشرها، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحفظ الدين بالرجز عن الكفر، ومجاهدة الكفار، والمرابطة في سبيل الله، وحفظ النفس بالكف عن الجنايات، وإقامة حقوقها من القصاص والديات، وحفظ الأنساب وأعراض الناس بإقامة حدود الزنا والقذف، وصيانة العقل بالمنع عن تناول المسكرات والمخبثات بالتهديد والتأديب عليه، ودفع ضرر عن المسلمين، ومن هذا القبيل إماطة الأذى.
(غب): هذا حديث من تأمله وعرف حقيقته على أن الإيمان بالواجب هو اثنتان وسبعون درجة، لا يصح أن يكون أكثر منها ولا أقل، ولا يوجد من الإيمان ما هو خارج عنها بوجه.
وأقول: ثم شرع بعد هذا في تقسيم الإيمان بهذا العدد المخصوص، ولم نذكره لصعوبته، وها هو الإمام المتقن قدوة المحدثين أبو بكر البيهقي، قد صنف كتاب شعب الإيمان في مصنفات مجلدات مطنبا فيها كل الإطناب في حصر الاعداد.
وأقول - والعلم عند الله -: والأظهر أن يذهب إلى معنى التكثير، ويكون ذكر البضع للترقي، يعني أن شعب الإيمان أعداد مبعهمة، ولا نهاية لكثرتها، إذ لو أريد التحديد لم يبهمه، ولعمري أنه كذلك، وبيانه أن رسول الله ﷺ بين ابتدائها وانتائها ووسطها. فلو أخذت من الابتداء إلى الانتهاء كان على وزن قوله (تعالى): إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) معناه من رضي بالله ربّا، وعمل بمقتضاه، لم يدع ما يحب عليه أن ياتي ويذر، فإنك إن تنزلت من حديث خالق الموجودات إلى حديث الشوكة وإماطتها هل تجد شيئا مما يحسنه الشرع والعقل من الاخلاق، ومراضي الأعمال خارجا من ذلك؟ وكذا لو عكست وترقيت من إماطة الشوكة إلى الاعلى، ولو شرعت في معنى الحياء وفسرته بما ورد عن رسول الله ﷺ : (استحيتوا من الله، قالوا: إنا نستحيي من الله يا رسول الله، والحمد لله، قال: ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن يحفظ الرأس وما وعى، والبطن وماحوى، ويذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، وآثر الآخرة على الأولى، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء) لقد حاولت أمرًا عظيماً، وفيه إشارة إلى منازل السائرين إلى الله، والسالكين لطريق الآخرة.
قال الشيخ العارف أبو القاسم الجنيد (رحمة الله عليه): الحياء حالة تتولد في رؤية الآلاء ورؤية التقصير. وقد صنف الإمام أبو اسماعيل عبدالله الأنصاري فيها كتابًا، وحصرها في مائة باب، كل باب يشتمل على درجات شتى، ثم ليذق من منح الفضل الإلهي
стр. 29
٦ - وعن عبدالله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : (المسلمُ من سلم المسلمون
من يده، والمهاجرُ من هجر ما نهى الله عنه) هذا لفظ البخاري. ولمسلم قال:
(إن رجلاً سأل النبي ﷺ : أي المسلمين خير؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه
ويده).
ــ
ورزق الطبع السليم إفراد الحياء بالذكر بعد دخوله في الشعب، كأنه يقول: هذه شعبة
واحد من شعبه، فهل تحصى وتعد شعبها؟ هيهات! إن البحر لا ينزف.
وكفى بهذا الحديث شاهداً على أن الإيمان جامع للتصديق والإقرار والأعمال، ومن رده كابر
عقله. وظهر من هذا معنى التكثير في سبعين، ولخص بعض المفسرين قول علي بن عيسى
النحوي في ذلك وقال: السبعة أكمل الأعداد! لأن الستة أول عدد تام؛
لأنها تعادل أجزاؤها، فإن نصفها ثلاثة، وثلثها اثنان، وسدسها واحد، وجملتها ستة سواء،
وهي مع الواحد سبعة، وكانت كاملة؛ إذ ليست بعد التمام سوى الكمال، ولعل واضع اللغة
يسمى الأسد سبعاً لكمال قوته، كما أنه أسد لإساده في السير، ثم السبعون غاية الغاية؛ إذ
الآحاد غايتها العشرات. انظر أيها المتأمل، في هذه الألفاظ القليلة المستقلة بالمعاني الجمة الجليلة،
واشهد له أنه ﷺ أوتى كنوز الحكمة، وفصل الخطاب.
الحديث الرابع عن عبدالله ﵁: قوله: (المسلم من سلم المسلمون) فإن قلت:
إذا سلم المسلمون منه يلزم أن يكون مسلما وإن لم يأت بسائر الأركان؟ قلت: هذا وارد على
سبيل المبالغة تعظيما لترك الإيذاء، كأن الإيذاء هو نفس الإسلام الكامل، ولعل واضع اللغة يسمى الأسد سبعاً لكمال قوته، كما أنه أسد لإساده في السير، ثم السبعون غاية الغاية؛ إذ الآحاد غايتها العشرات. انظر أيها المتأمل، في هذه الألفاظ القليلة المستقلة بالمعاني الجميلة الجليلة، واشهد له أنه ﷺ أوتي كنوز الحكمة، وفصل الخطاب.
الحديث الرابع عن عبدالله ﵁: قوله: (المسلم من سلم المسلمون). فإن قلت: إذا سلم المسلمون منه يلزم أن يكون مسلما وإن لم يأت بسائر الأركان؟ قلت: هذا وارد على سبيل المبالغة تعظيما لترك الإيذاء، كأن ترك الإيذاء هو نفس الإسلام الكامل، وهو محصور فيه على الإدعاء كرماد. (حس): أراد أن المسلم الممدوح والمهاجر من هذه صفته، لا أن الإسلام ينتفي عمن لم يكن بهذه الصفة، فهو كقولهم: الناس العرب، والمال الإبل، يريدون أن الأفضل منهما ذلك، وكذلك أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله (تعالى) أداء حقوق المسلمين، والكف عن أعراضهم، وأفضل المهاجرين من جمع إلى هجران وطنه هجران ما حرم الله عليه. وأقول: تحقيقه أن التعريف في المسلم والمهاجر للجنس، قال ابن جني: من عادتهم أن يوقعوا على الشيء الذي يخصونه بالمدح اسم الجنس، ألا ترى كيف سموا الكعبة بالبيت؟ وكتاب سيبويه بالكتاب؟ (غب): كل اسم نوع فإنه يستعمل على وجهين: أحدهما: دلالة على المسمى وفصلا بينه وبين غيره. والثاني: لوجود المعنى المختص به، وذلك هو الذي يمدح به، وذلك أن كل ما اوجده الله في هذا العالم جعله صالحا لفعل خاص, ولا يصلح لذلك العمل سواه، كالفرس
стр. 30
٧ - وعن انس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين). متفق عليه.
ــ
للعدو الشديد، والبعير تقطع الفلاة البعيدة؛ والإنسان ليعلم ويعمل بحسبه، وكل شيء لم يوجد كاملا لما خلق له لم يستحق اسمه مطلقا، بل قد ينتفي عنه، كقولهم: فلان ليس بإنسان، أي لا يوجد فيه المعنى الذي خلق لأجله من العلم والعمل، فلى هذا إذا وجدت مسلما يؤذي المسلمين بلسانه ويده، فقلت له: لست بمسلم، عنيت أنك لست بكامل فيما تحليت به من حلية الإسلام، وهذا معنى قول محيي السنة: إن الإسلام ينفى عمن ليس بصفته.
فإن قيل: ما معنى تخصيص المسلم بالذكر ثم المسلمون ثم اللسان واليد؟ والجواب (والله أعلم) هو إظهار رأفته ﷺ بالأمة وإلحاقه بالكل من أصحابه (رضوان الله عليهم)، كأنه قال: المسلم الكامل من تشبه بهم، واتصف بصفتهم التي وصفهم الله (تعالى) بها في قوله (تعالى): (أشداء على الكفار رحماء بينهم) وكان شدتهم على الكفار المجاهدة بالسنان واللسان، وترحمهم على غخوانهم المسلمين بكف الأذى وإيثار الموجود، كما قال الله (تعالى): (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) فخص بما ينبيء عن كف الاذى؛ ليؤذن بغاية التواضع والذلك، تلويحا إلى معنى قوله: (أذلك على المؤمنين أعزة على الكافرين). ولما كانت عزتهم على الكفرة وقهرهم باليد واللسان، فينبغي أن ينتفي عنهم ما كانت العزة به، وهو يستلزم الإيثار بطريق الأولى وفي تقديم كر اللسان، فينبغي أن ينتفي عنهم ما كانت العزة به، وهو يستلزم الإيثار بطريق الأولى وفي تقديم ذكر اللسان على اليد رمز إلى معنى قوله قوله ﷺ لحسان: (اهج المشركين فإنه أشق عليهم من رشق النبل) او كما قال. ويمكن أن ينزل الإسلام بلسان أهل السلوك على التسليم والرضى.
(غب): الإسلام في الشرع على ضربين: أحدهما دون الإيمان، وهو الاعتراف باللسان، وبه يحقن الدم، حصل معه الاعتقاد أو لم يحصل، وإياه قصد بقوله (تعالى): (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا). والثاني فوق الإيمان، وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب، ووفاء بالفعل، واستسلام لله في جميع ما قضى وقدر، كما ذكر عن إبراهيم ﵇ (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين) انتهى كلامه. فمن أسلم وجهه لله وهو محسن، ورضي بما قضى وقدر، لم يتعرض لأحد، وكف أذاه بالكلية، لا سيما عن إخوانه المسلمين، وعيه ينطبق الزيادة في رواية مسلم، وفيها أيضًا شهادة لصحة تأويل رواية البخاري.
الحديث الخامس عن أنس (رضي اللهعنه): قوله: (أحب). (غب): المحبة إرادة ما يراه أو يظنه خيرًا، وهو على ثلاثة أوجه: محبة الرجل المرأة. ومحبة النفع، كمحبة شيء
стр. 31
٨ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدًا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار). متفق عليه.
ــ
ينتفع به. ومحبة الفضل، كمحبة أهل العلم بعضهم بعضًا لأجل العلم. (خط): لم يرد بالحب حب الطبع، بل أراد به حب الاختيار المسند إلى الإيمان الحاصل من الاعتقاد؛ لأن حب الإنسان لنفسه ووالده طبع مركوز عريزي خارج عن حد الاستطاعة، ولا تكلف نفس إلا وسعها، ولا سبيل إلى قلبه، ومعناه لا تصدق لي حتى تفدي في طاعتي نفسك، وتؤثر رضائي على هواك وإن كان فيه هلاكك.
أقول: قوله: (لا سبيل إلى قلبه) ليس بمطلق، وذلك أن المحب ينتهي في المحبة إلى أن يتجاوز عن الهوى، فيؤثر هو المحبوب على هوى نفسه فضلا عن محبة ولده، بل يحب أعداء نفسه لمشابهتهم بمحبوبته، قال:
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ صار حظي منك حظي منهم
وأيضا في قوله ﷺ : (أحب إليه من والده وولده) إشعار بالموازنة والترجيح، وتلميح إلى قضية النفس بالأمارة، واللوامة، والمطمئنة، فإن الأمارة ما ئلة إلى اللذات وحب العاجلة، والمطمئنة مقابلة بها مرجحة لحب الآجلة، فإن من رجح جانب الأمارة كان حب أهله ووالده، راجحًا على حبه ﷺ . ومن رجح جانب المطمئنة كان حكمه بالعكس، وإليه الإشارة بقوله (تعالى): (يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي).
ولا ارتياب أن من دخل في زمرة عبادة المرتضين، وانخرط في سلط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين- ولا يحب أن ينكص على عقبيه، فيرجح جانب الأهل والأولاد على جانبه ﷺ وهذا محال. وفي هذا التقرير أيضا معنى قوله: (ووجد حلاوة الإيمان) وذلك أن النفس الأمارة موءوفة كمن غلبت عليه الصفراء. فإنه لا يجد حلاوة العسل، فإذا صحت واطمأنت زال عنه ذلك المرض، فيجد حلاوة الإيمان. والله أعلم.
ويؤيده قول القاضي عياض: في محبته ﷺ نصرة سنته، والذب عن شريعته، وتمني حضور حياته، فيبذل ماله ونفسه دونه. وإذا تبين ما ذكرناه بين ان حقيقة الإيمان لا يتك إلا بذلك، ولا يصح الإيمان إلا بتحقيق أعلى قدر النبي ﷺ ومنزلته على كل والد وولد، ومحسن ومفضل، ومن لم يعتقد هذا فليس بمؤمن.
стр. 32
الحديث السادس عن أنس ﵁: قوله: (ثلاث من كن فيه) ثلاث مبتدأ، والجملة
الشرطية خبره، وجاز ذلك؛ لأن التقدير: خصال ثلاث. قال المالكي في شرح التسهيل: مثال
الابتداء بنكرة هي وصف على قول العرب: ضعيف عاذ بقرملة. أي إنسان ضعيف أو حيوان
ضعيف التجأ إلى ضعيف القرملة شجرة ضعيفة. ويجوز أن تكون الجملة الشرطية صفة
لثلاث؛ كما أنه يجوز أن تكون خبر المبتدأ في قولك: زيد إن تعطه يشكرك. أو صلة
للموصل كما في قوله (تعالى): (وليخش الذين لو تركوا) أو حالا لذي الحال، كما في
قوله تعالى: (إن تحمل عليه يلهث) ويكون الخبر: (من كان الله ورسوله أحب إليه) وعلى
التقديرين لابد من تقدير مضاف قبل (من كان) لأنه على الأول إما بدل عن ثلاث، أو بيان،
وعلى الثاني خبر. قيل: لابد من إضمار مضاف قبل كل لا ستقامة المعنى، تقديره قبل (من)
الأولى والثانية: محبة من كان الله ورسوله، ومحبة من أحب عبداً، وقبل (من الأولى والثالثة:
محبة من كان الله ورسوله، ومحبة من أحب عبداً، وقبل (من) الأولى والثالثة: وكراهة من
يكره أن يعود؛ ولشدة اتصال المضاف بالمضاف إليه في الإضافات الثلاث وغلبة المحبة والكراهة
عليهم حذف المضاف منها.
وحلاوة الإيمان استعارة شبهت شدة رغبة المؤمنين في إيمانه بشيء ذي حلاوة، وأثبت له لازم
ذلك، وأضيف إليه على التخبيلية. (مح): معنى حلاوة الإيمان استلذاذالطاعات، وتحمل
المشاق في رضي الله تعالى ورسوله ﷺ وإيثار ذلك على هوى نفسه وأعراض الدنيا، فمن
وجد حلاوة الإيمان اطمأن به نفسه، وانشرح له صدره، وخالط لحمه ودمه، فأحب الله تعالى
ورسوله ﷺ بفعل الطاعة وترك المخالفة؛ إن المحب لمن يحب مطيع. وقيل: المحبة مواطأة
القلب على ما يرضى الرب سبحانه، فيحب ما أحب، ويكره ما كره.
وبالجملة أصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب، ثم الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان
ويستحسنه، كحسن الصورة والطعام ونحوها، وقد بعقله المعاني الباطنة كمحبة الصالحين
والعلماء وأهل الفضل مطلقا، وقد يكون لإحسانه ودفعه الضار والمكاره عنه، وهذه المعاني كلها
موجودة في النبى ﷺ لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكما خلال الجلال وأنواع
الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الطريق ودوام النعيم، والإبعاد
من الجحيم. وقد أشار بعضهم إلى أن هذا متصور في حق الله تعالى فإن الخير كله منه (سبحانه
وتعالى). قال مالك وغيره: المحبة في الله تعالى من واجبات الإسلام. (قض) إنما جعل هذه
ــ
стр. 33
٩ - وعن العباس بن عبد المطلب، قال: قال رسول الله ﷺ : (ذاق طعم الإيمان من
رضى الله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدً رسولا) رواه مسلم.
ــ
إنما جعل هذه [كذا] الأمور الثلاثة عنواناً لكمال الإيمان المحصل لتلك اللذة لأنه لا يتم إيمانه امرئ
حتى يتمكن في نفسه أن المنعم والقادر على الإطلاق هو الله (تعالى) ولا مانح ولا مانع سواه،
وما عداه وسائط لها، وأن الرسول ﷺ هو العطوف الحقيقي الساعي في إصلاح شأنه، وإعلاء
مكانه، وذلك يقتضي أن يتوجه بشراشره نحوه، ولا يحب ما يحبه إلا لكونه وسطاً بينه
وبينه، وأن يتيقن أن جملة ما وعد به وأوعد حق لا يحوم الريب حوله، فيتيقن أن الموعود
كالواقع، وأن بما ينول إليه الشيء كملابسه، فيحسب مجالس الذكر رياض الجنة، وأكل مال
اليتيم أكل النار، والعود إلى الكفر الإلقاء في النار، فيكره أن يلقى في النار.
فإن قيل: لم ثنى الضمير ههنا؟ ورد على الخطيب (ومن عصاهما فقد غوى) في حديث
عدى بن حاتم ﵁ وأمره بالإفراد؟ والجواب: ثنى الضمير ههنا إيماء إلى أن المعتبر
هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة فإنها وحدها ضائعة لا غية، وأمر بالإفراد في
حديث عدى ﵁ إشعاراً بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، فإن
قوله: (ومن عصى الله ورسوله) من حيث أن العطف في تقدير التكرير، والأصل فيه استقلال
كل من المعطوف والمعَطوف عليه في الحكم في قولنا: ومن عصى الله فقد غوى، ومن عصى
الرسول فقد غوى.
وأقول: هذا كلام حسن متين، ويؤيده الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله (تعالى): (قل إن
كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) حيث أوقع متابعته ﷺ مكتنفة بين نظري محبة العباد لله
ومحبة الله للعباد. وقوله (تعالى): (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) لم يعد
(أطيعوا) في (أولى الأمر منكم) كما أعاد في (أطيعوا الرسول)؛ ليؤذن بأنه لا استقلال لهم في
الطاعة استقلال الرسول ﷺ . وأما السنة فما روى الترمذي وأبو داود وابن ماجة عن المقدام بن
معديكرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا
يوشك رجل شعبان على أريكته، ويقول: عليكم بهذا القرآن).
الحديث السابع عن العباس ﵁:قوله: (ذاق طعم الإيمان) (قال الراغب:
الذوق وجود الطعم في الفم، وأصله فيما يقل تناوله، فإذا كثر يقال له: الأكل، فاستعمل في
ــ
стр. 34
ــ
التنزيل بمعنى الإصابة، إما في الرحمة كقوله (تعالى): (ولئن أذقنا الإنسان منا
رحمة) وإما في العذاب نحو قوله (تعالى): (ليذوقوا العذاب) وقال غيره: الذوق
ضرب مثلا لما ينالون عنده، أي عند رسول الله ﷺ من الخير. قال أبو بكر الأنباري: أراد لا يتفرقون إلا عن علم يتعلمونه يقوم لهم مقام الطعام والشراب؛ لأنه كان ﷺ يحفظ أرواحهم،
كما يحفظ الطعام أجسامهم.
وأقول: مجاز قوله: ذاق طعم الإيمان) كمجاز قوله: (وجد حلاوة الإيمان) وكذلك موقعه
كموقعه على ما مر، لأن من أحب أحداً يتحرى مراضيه، ويؤثر رضاه على رضاء نفسه، ومقام
الرضى عند أهل العرفان مقام جليل رفيع، روى الشيخ محيي الدين عن صاحب التحرير معنى
(رضيت بالشئ) اقتنعت به واكتفيت به، ولم أطلب معه غيره فمعنى الحديث لم يطلب غير
الله (تعالى) ولم يشرع في طريق الإسلام، ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد ﷺ ولا
شك في أن من كانت هذه صفته فقد خلصت حلاوة الإيمان إلى قلبه، وذاق طعمه. قال
القاضي عياض: معنى الحديث صح إيمانه، واطمأنت به نفسه، وخامر باطنه؛ لأن رضاه دليل
لثبوت معرفته، ونفاذ بصيرته، ومخالطة بشاشة قلبه؛ لأن من رضي أمرا سهل عليه فكذا
المؤمن إذا دخل قلبة الإيمان سهل عليه طاعة الله (تعالى) ورسوله ﷺ ولذت له.
قوله: (وبالإسلام ديناً) لا يخلو الإسلام أن يراد به الانقياد كما في حديث جبريل (عليه
السلام) أو مجموع ما يعبر الدين عنه كما في قوله ﷺ : (بني الإسلام على خمس) ويؤيد
الثاني معنى اقترانه بالدين؛ لأن الدين جامع بالاتفاق، ونحوه قوله تعالى: (ومن يتبع غير
الإسلام ديناً فلن يقبل منه). وعلى التقديرين هو عطف على قوله (بالله رباّ) عطف العام على
الخاص على منوال قوله: (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم) وكذا قوله:
(بمحمد رسولا) على (بالإسلام) عطف الخاص على العام على نهج قوله (تعالى): (وملائكته
ورسله وجبريل).
(مح): واعلم أن مذهب أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحداً دخل الجنة قطعاً
على كل حال، فإن كان سالماً من المعاصي كالصغير، والمجنون الذي يتصل جنونه بالبلوغ،
والتائب توبة صحيحة من الشرك وغيره من المعاصي إذا لم يجد معصية بعد توبة، والموفق الذي
ماألم بمعصية قط_ فكل هذا الصنف يدخلون النار أصلا، لكنهم يردونها
ــ
стр. 35
١٠ - وعن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : (والذي نفس محمد بيده لا
يسمعُ بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ
به؛ إلا كان من أصحاب النار) رواه مسلم.
ــ
على الخلاف المعروف في الورود، والصحيح أن المراد به المرور على الصراط، وهو منصوب
على ظهر جهنم_ عافانا الله منها ومن سائر المكاره.
وأما من كانت له معصية (كبيرة)، ومات من غير توبة، فهو في مشيئة الله تعالى إن
شاء عفا عنه، وأدخل الجنة أولا، وجعله كالقسم الأول، وإن شاء عذبه بالقدر الذي يريده
(سبحانه) ثم يدخل الجنة، فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد، ولو عمل من المعاصي
ما عمل، كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر، ولو عمل من أعمال لبر ما عمل. هذا
هو المذهب الحق الذي تظاهرت أدلة الكتاب والسنة، وإجماع من يعتد به عليه، وتواترت
بذلك نصوص تحصل العلم القطعي، وإذا ورد ظاهرة مخالفة لهذا وجب تأويله؛
ليجمع بين نصوص الشرع.
الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله (والذي نفس محمد بيده) يريد
ﷺ بالنفس ذاته وجملته، ويعني بيده قدرة الله وتصرفه فيه. يشير إلى أن إرادته وتصرفه
مغموران في إدارة الله وتصرفه، وهو في علم البيان من أسلوب التجريد؛ لأنه ﷺ جرد من
نفسه الزكية (صلوات الله تعالى) من يسمى محمداً، وهو هو، وأصل الكلام: (والذي نفسي
محمد نفسي)، ثم التفت من الغيبة إلى التكلم في قوله: (لا يسمع بي) تنزيلا من مقام
الجمع إلى مقام التفرقة والاشتعال بدعوة الخلق، ومن مخدع الكمال إلى منصة التكمل.
قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي (قدس الله ووجه): (قيل: الجمع اتصال
لا يشاهد صاحبه إلا الحق، فمتى شاهد غيره فما جمع، والتفرقة شهود من شهد
بالمبانية، فقوله آمنا بالله جمع، وما أنزل إلينا تفرقة. قال الجنيد: القرب بالواحد جمع،
وغيبته في البشرية تفرقة، وكل جمع بلا تفرقة زندقة بلا جمع تعطيل. ويقال:
فلان سمع بفلان إذا بلغ إليه خبره. والباء يحتمل أن تكون رائدة، أي لا يسمعني، فقد جاء:
ــ
стр. 36
ــ
ــ
سمعتك، وسمعت فلاناً، ويتحمل أن يكون بمعنى (من) يقال: سمعت من فلان، فيكون
الباء كما في قوله (تعالى): (عينا يشرب بها). قال المظهر: وفيه نظر؛ لأن المعنى لا
يساعد عليه، فإن سمعني وسمع مني يقتضيان كلاماً وقولا من جانب الرسول ﷺ وليس
المعنى عليه.
(الكشاف): في قوله (تعالى): (سمعنا منادياً ينادي) (تقول: سمعت رجلا يقول كذا،
وسمعت زيداً يتكلم، فتوقع الفعل على الرجل، وتحذف المسموع؛ لأنك وصفته بما يسمع، أو
جعلته حالا عنه، فأغناك عن ذكره، فلولا الوصف أو الحال لم يكن منه بد)، والأظهر أن
يضمن (يسمع) معنى أخبرنا فتعدى بالباء، كقوله (تعالى): (ما سمعنا بهذا في آبائنا
الأولين) أي ما أخبرنا سماعاً، وهو آكد؛ لأن الإخبار أعم من أن يكون سماعاً أو غير
سماع، فالمعني ما أخبر برسالتي أو يبعثني أحد ولم يؤمن إلا كان من أصحاب النار. وأحد
إذا استعمل في النفي يكون لاستغراق جنس العقلاء، ويتناول القليل والكثير، والذكر والأنثي،
كقوله (تعالى): (فما منكم من أحد عنه حاجزين) و (لستن كأحد من النساء) وتقول:
مافي الدار أحد، أي لا واحد، ولا اثنان فصاعداً لا مجتمعين ولا متفرقين.
قوله: (من هذه الأمة) صفة (أحد) و (يهودي) إما بيان، أو بدل من (أحد) و (من) في
(هذه الأمة) إما للبيان، أو للتبعيض، وعلى التقديرين هو مرفوع المحل، فعلى أن يكون
للتبعيض معناه: لا يسمع بي أحد وهو بعض الأمةيهودي، والإشارة بهذه إلى ما في
الذهن، والأمة بيان له، والأمة حينئذ أمة الدعوة، وعلى أن يكون للبيان ولفظة (هذه) يكون
إشارة إلى أمة اليهود والنصارى خاصة، جرد من الأمة اليهود والنصارى وهو كقوله (تعالى):
(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) فسره صاحب
الكشاف بالوجهين.
فإن قلت: كيف يجعل من التبعيضية اسماّ؟ قلت: هو مجاز عن متعلق معناه.
(الكشاف) في قوله تعالى: (فلن حاش لله):حرف من حروف الجر، وضعت موضع
ــ
стр. 37
ــ
التنزيه والبراءة، والدليل عليه قراءة من قرأ (حاشا لله) بالتنوين، وإنما ترك على بنائه ولم
يعرب مراعاة للأصل الذي هو الحرفية، ألا ترى إلى قولهم: جلست عن يمينه، كيف تركوه
غير معرب على أصله؟ فإن قلت: كيف عطف (ولا نصراني) على (يهودي) وهو مثبت؟
والكلام الفصيح في العطف بلا: أن تكرار لفظه لا: كقوله (تعالى): (فلا صدق ولا
صلى). قلت (يهودي) في حيز النفي؛ لكونه فاعلا للفعل المنفي، كقوله: (ماأدري ما
يفعل بي ولا بكم).
قال الشارحون: الأمة جمع لهم جامع من دين أو زمان أو مكان أو غير ذلك، فأنه مجمل
يطلق تارة ويراد بها كل من هو مبعوثا إليهم، آمن به أو لم يؤمن، ويسمون أمة الدعوة،
وتطلق أخرى ويراد بها المؤمنون به المذعنون له، وهم أمة الإجابة، وهي ههنا بمعنى الأول؛
بدليل قوله: (ولم يؤمن بي) واللام فيها للاستغراق أو الجنس أو العهد، والمراد بها أهل
الكتاب، ويعضد الأخير توصف الأحد باليهودي والنصراني. وفي تخصيص ذكر اليهودي
والنصراني وأنهما من أهل الكتاب_ إشعار بأن حال العطلة وعبدة الأوثان وأضرابهم أكد، وهم
أولى بالصلى.
وتلخيص المعنى أن كل واحد من هذه الأمة إذا يسمع بي ويتبين له معجزتي ثم لا يؤمن
برسالتي، ولم يصدق في مقالتي _ كان من أصحاب النار، سواء الموجود ومن سيوجد.
(شف): لفظ ثم موضوع للتراخي، دال على أن الإيمان بما أرسل به نبينا محمد ﷺ مهما صدر
من الكافر وحصل منه فإنه ينفعه، ويمحي عنه ما سلف في كفره، وإن تراخي ذلك الإيمان عن
أول سماعه لمبعثه، وتقدير الاستثناء: لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ثم لم يؤمن بالذي
أرسلت (به) فيكون له حال من الأحوال إلا أن كان من أصحاب النار.
أقول: والوجه أن يقال: إن (ثم) هذه للاستبعاد، كما (في) قوله (تعالى): (ومن
أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها) يعني ليس أحد أظلم ممن بينت له آيات الله
الظاهرة والباطنة، ودلائله القاهرة، فعرفها ثم أنكرها، أي بعيد ذلك عن العاقل، كما تقول:
وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها! فالمعنى ما أبعد لذي العقل أن يسمع بي يهودي
ونصراني بعد انتظارهما بعثتي، واستفتاحهما الكفرة بنصرتي؛ ثم لما بعثت لم يؤمن بي، فعلى
هذا التقدير يختص الحديث بأهل الكتاب؛ ولا يحتاج إلى التكليف في نسبتهم إلى غيرهم،
كما عليه كلام الشارحين.
стр. 38
١١ - وعن أبي موسى الأشعري. قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لهم
أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد، والعبد المملوك إذا أدَّى حق
الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة يطؤها فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن
تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها؛ فله أجران) متفق عليه.
ــ
فإن قلت: في الحديث السماع والإيمان كلاهما منفيان، فيلزم على هذا من لم يسمع ولم
يؤمن يكون من أصحاب النار، وهو خلاف قوله (تعالى): (وما كنا معذبين حتى نبعث
رسولا) وكان من حق الظاهر أن يقول: يسمع ولا يؤمن. قلت: إن (ثم) للاستبعاد رجع
حاصل معنى الاستثناء إلى قولنا: لا يحصل بهذا الاستبعاد المذكور في حق يهودي أو نصراني
فيكون له حال من الأحوال إلا أن كان من أهل النار، فالمنفي سماع لم يترتب عليه الإيمان؛
لأنه هو المستبعد، وفهم منه أن السماع الذي يترتب عليه الإيمان يكون حكمه بالعكس، ونظيره
قوله (تعالى): (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم
لبعض أن تحبط أعمالكم) في أحد وجهيه، وهو أن يكون الفعل المعلل منهياً، لا أن
يكون الفعل المنهي معللا، فاعرف.
الحديث التاسع عن أبي موسى الأشعري ﵁: قوله: (ثلاثة لهم أجران
إعراب هذا التركيب كإعراب: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان) في الوجهين، لكن
لا يجب هنا تقدير مضاف كما وجب هنالك لا ستقامته بدونه قال الشارحون: المراد بأهل
الكتاب نصراني تنصر قبل المبعث، أو بلوغ الدعوة إليه، وظهور المعجزة لديه، ويهودي تهود
قبل ذلك إن لم يجعل النصرانية ناسخة لليهودية، إذ لا ثواب لغيره على دينه فيضاعف
باستحقاقه ثواب الإيمان. ويدل على ذلك أن البخاري يروي هذا الحديث وذكر بدل قوله: (آمن
بنبيه) (آمن بعيسى) ويحتمل إجراؤه على عمومه، إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان به
سبباً لقبول تلك الأعمال والأديان وإن كانت منسوخة، كما ورد في الحديث أن مبرات الكفار
وحسناتهم مقبولة بعد إسلامهم. فإن قلت: أي فائدة في ذكر (آمن بنبيه) وقد علم ذلك من
قوله: (من أهل الكتاب)؟ قلت: ليشعر بعلية الأجر، أي سبب الأجرين الإيمان بالنبيين.
ــ
стр. 39
ــ
قوله: (فأدبها) الأدب حسن الأحوال في القيام والقعود، وحسن الأخلاق، واجتماع الخصال
الحميدة: (فأحسن تأديبها) أي أدبها من غير عنف وضرب، بل باللطف والتأني، (وعلمها) أي
وعلمها من أحكام الشريعة ما يجب عليها، (فأحسن تعليمها) أي علمها بالرفق وحسن الخلق.
فإن قلت: فيه إشكال، وهو أنه ينبغي أن يكون له أربعة أجور: أحدهما بتأديبها، والثاني
بتعليمها، والثالث بإعتاقها، والرابع بتزوجها، فلم قال (فله أجران)؟ ولم يقل: له أربعة أجور؟
(مظ): قلنا: المراد بحصول الأجرين له ههنا بالإعتاق والتزوج؛ لأن التأديب والتعليم موجبان
للأجر في الأجنبي والأولاد وجمع الناس. فلم يكن مختصاً بالإماء. أقول: موجب الأجرين
إعتاقها وتزوجها فحسب، والتأديب والتعليم موجبان لاستنهالها الإعتاق والتزوج؛ لأن تزوج
المرأة المؤدبة المعلمة أكثر بركة، وأقرب إلى تعين زوجها على دينه، والشاهد لفظه (ثم)؛
لكونها تفيد أن الإعتاق والتزوج أفضل وأعلى رتبة من التأديب والتعليم؛ لأنهما من التأديب
والتعليم. والأولى أن يقال: إن التأديب بالعنف لا يوجب الأجر، كما أن الوطء بدون العتق
لا يثبت الأجر لحصوله قبل ذلك، لقوله ﷺ : (كانت عنده أمة يطؤها) كأنه قيل: يؤدبها
تأديباً حسنا، ويطؤها وطأ جميلا. وأما الفاء في (فأحسن) فللترتيب أيضاً، لكنها دون (ثم)
كما في قولك: الأمثل فالأمثل، والأفضل فالأفضل، يعني التأديب والتعليم بالرفق أحسن
وأفضل منه بالعنف.
ووجه اقتران هذا الحديث السابق وجه ثواب نساء النبي ﷺ وعقابهن في المضاعفة،
كقوله (تعالى): (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) إلى آخره، فينبغي أن ينزل
الحديث الأول على أنهم أولى الناس بالنبي ﷺ بمعرفتهم به؛ لأنه مكتوب عندهم في التوراة
والإنجيل، فإذا كفروا به استوجبوا من العذاب ضعف عذاب الناس، والعكس إذا آمنوا، فدل على
هذا المعنى بالحديث، وعلى استحقاق ضعف العذاب قوله: (إلا كان من أصحاب النار)؛ لأنه
في قوة أنه من الجهنميين، فهو من أسلوب قوله: فلان من العلماء، أي له مساهمة معهم
في العلم، وأن الوصف كاللقب المشهور له.
قوله (فله أجران) هذا تكرير لطول الكلام اهتماماً بشأن الأمة وتزوجها مثله قول الحماسى:
وإن امرأ دامت مواثيق عهده ... على مثل هذا إنه لكريم
ــ
стр. 40
١٢ - وعن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : (أُمرتُ
أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إِلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا
الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإِذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إِلا بحق
الإسلام، وحسابهم على الله). متفق عليه. إِلا أن مسلما لم يذكر: (إِلا بحق
الإسلام.
ــ
الحديث العاشر عن ابن عمر ﵄: (أن أقاتل الناس) قال أكثر
الشارحين: أراد بالناس عبدة الأوثان، دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، ثم لا
يرفع عنهم السيف حتى يقروا بنبوة محمد ﷺ أو يعطوا الجزية. أقول: تحرير ذلك أن (حتى)
للغاية، وقد جعل رسول الله ﷺ غاية المقاتلة القول بالشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة،
ورتب على ذلك العصمة، فيكون ذلك العصمة، وأهل الكتاب إذا أعطوا الجزية سقط عنهم القتال، وثبت لهم
العصمة، فيكون ذلك تقييداً للمطلق، فالمراد بالناس إذا عبدة الأوثان. والذي يذاق من لفظ
(الناس) العموم والاستغراق، كما في قوله (تعالى): (يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً
الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله). وبيانه من
وجوه:
أولها: أنه من العام الذي خص منه البعض؛ وذلك لأن القصد الأولى من هذا الأمر حصول
هذا المطلوب، كقوله (تعالى): (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) فإذا تخلف منه في
بعض الصور لعارض لا يقدح في عمومه، ألا ترى أن عبدة الأوثان إذا وقعت المهادنة معهم
تسقط عنهم المقاتلة (وتثبت العصمة).
وثانيهما: أن يعبر بمجموع الشهادتين وفعل الصلاة والزكاة عن إعلاء كلمة الله وإظهار دينه
وإذعان المخالفين، فيحصل ذلك في بعضهم بالقول والفعل، وفي بعضهم بإعطاء الجزية، وفي
الآخرين بالمهانة، ألا ترى أن المنافق إذا أظهر الإيمان سقط عنه القتل، ودخل تحت العصمة،
وهو أغلظ كفراً من الكتابي؟ وسبيل هذا الأسلوب سبيل قوله (تعالى): (الذين يؤذون الله
ورسوله) وإيذاء الله محال، فجعل عبارة عما يكرهانه، ولا يرضيان به ليعم.
ــ
следующие страницы →