← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ــ ــ سمعتك، وسمعت فلاناً، ويتحمل أن يكون بمعنى (من) يقال: سمعت من فلان، فيكون الباء كما في قوله (تعالى): (عينا يشرب بها). قال المظهر: وفيه نظر؛ لأن المعنى لا يساعد عليه، فإن سمعني وسمع مني يقتضيان كلاماً وقولا من جانب الرسول ﷺ وليس المعنى عليه. (الكشاف): في قوله (تعالى): (سمعنا منادياً ينادي) (تقول: سمعت رجلا يقول كذا، وسمعت زيداً يتكلم، فتوقع الفعل على الرجل، وتحذف المسموع؛ لأنك وصفته بما يسمع، أو جعلته حالا عنه، فأغناك عن ذكره، فلولا الوصف أو الحال لم يكن منه بد)، والأظهر أن يضمن (يسمع) معنى أخبرنا فتعدى بالباء، كقوله (تعالى): (ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين) أي ما أخبرنا سماعاً، وهو آكد؛ لأن الإخبار أعم من أن يكون سماعاً أو غير سماع، فالمعني ما أخبر برسالتي أو يبعثني أحد ولم يؤمن إلا كان من أصحاب النار. وأحد إذا استعمل في النفي يكون لاستغراق جنس العقلاء، ويتناول القليل والكثير، والذكر والأنثي، كقوله (تعالى): (فما منكم من أحد عنه حاجزين) و (لستن كأحد من النساء) وتقول: مافي الدار أحد، أي لا واحد، ولا اثنان فصاعداً لا مجتمعين ولا متفرقين. قوله: (من هذه الأمة) صفة (أحد) و (يهودي) إما بيان، أو بدل من (أحد) و (من) في (هذه الأمة) إما للبيان، أو للتبعيض، وعلى التقديرين هو مرفوع المحل، فعلى أن يكون للتبعيض معناه: لا يسمع بي أحد وهو بعض الأمةيهودي، والإشارة بهذه إلى ما في الذهن، والأمة بيان له، والأمة حينئذ أمة الدعوة، وعلى أن يكون للبيان ولفظة (هذه) يكون إشارة إلى أمة اليهود والنصارى خاصة، جرد من الأمة اليهود والنصارى وهو كقوله (تعالى): (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) فسره صاحب الكشاف بالوجهين. فإن قلت: كيف يجعل من التبعيضية اسماّ؟ قلت: هو مجاز عن متعلق معناه. (الكشاف) في قوله تعالى: (فلن حاش لله):حرف من حروف الجر، وضعت موضع ــ

стр. 37

ــ التنزيه والبراءة، والدليل عليه قراءة من قرأ (حاشا لله) بالتنوين، وإنما ترك على بنائه ولم يعرب مراعاة للأصل الذي هو الحرفية، ألا ترى إلى قولهم: جلست عن يمينه، كيف تركوه غير معرب على أصله؟ فإن قلت: كيف عطف (ولا نصراني) على (يهودي) وهو مثبت؟ والكلام الفصيح في العطف بلا: أن تكرار لفظه لا: كقوله (تعالى): (فلا صدق ولا صلى). قلت (يهودي) في حيز النفي؛ لكونه فاعلا للفعل المنفي، كقوله: (ماأدري ما يفعل بي ولا بكم). قال الشارحون: الأمة جمع لهم جامع من دين أو زمان أو مكان أو غير ذلك، فأنه مجمل يطلق تارة ويراد بها كل من هو مبعوثا إليهم، آمن به أو لم يؤمن، ويسمون أمة الدعوة، وتطلق أخرى ويراد بها المؤمنون به المذعنون له، وهم أمة الإجابة، وهي ههنا بمعنى الأول؛ بدليل قوله: (ولم يؤمن بي) واللام فيها للاستغراق أو الجنس أو العهد، والمراد بها أهل الكتاب، ويعضد الأخير توصف الأحد باليهودي والنصراني. وفي تخصيص ذكر اليهودي والنصراني وأنهما من أهل الكتاب_ إشعار بأن حال العطلة وعبدة الأوثان وأضرابهم أكد، وهم أولى بالصلى. وتلخيص المعنى أن كل واحد من هذه الأمة إذا يسمع بي ويتبين له معجزتي ثم لا يؤمن برسالتي، ولم يصدق في مقالتي _ كان من أصحاب النار، سواء الموجود ومن سيوجد. (شف): لفظ ثم موضوع للتراخي، دال على أن الإيمان بما أرسل به نبينا محمد ﷺ مهما صدر من الكافر وحصل منه فإنه ينفعه، ويمحي عنه ما سلف في كفره، وإن تراخي ذلك الإيمان عن أول سماعه لمبعثه، وتقدير الاستثناء: لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ثم لم يؤمن بالذي أرسلت (به) فيكون له حال من الأحوال إلا أن كان من أصحاب النار. أقول: والوجه أن يقال: إن (ثم) هذه للاستبعاد، كما (في) قوله (تعالى): (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها) يعني ليس أحد أظلم ممن بينت له آيات الله الظاهرة والباطنة، ودلائله القاهرة، فعرفها ثم أنكرها، أي بعيد ذلك عن العاقل، كما تقول: وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها! فالمعنى ما أبعد لذي العقل أن يسمع بي يهودي ونصراني بعد انتظارهما بعثتي، واستفتاحهما الكفرة بنصرتي؛ ثم لما بعثت لم يؤمن بي، فعلى هذا التقدير يختص الحديث بأهل الكتاب؛ ولا يحتاج إلى التكليف في نسبتهم إلى غيرهم، كما عليه كلام الشارحين.

стр. 38

١١ - وعن أبي موسى الأشعري. قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد، والعبد المملوك إذا أدَّى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة يطؤها فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها؛ فله أجران) متفق عليه. ــ فإن قلت: في الحديث السماع والإيمان كلاهما منفيان، فيلزم على هذا من لم يسمع ولم يؤمن يكون من أصحاب النار، وهو خلاف قوله (تعالى): (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وكان من حق الظاهر أن يقول: يسمع ولا يؤمن. قلت: إن (ثم) للاستبعاد رجع حاصل معنى الاستثناء إلى قولنا: لا يحصل بهذا الاستبعاد المذكور في حق يهودي أو نصراني فيكون له حال من الأحوال إلا أن كان من أهل النار، فالمنفي سماع لم يترتب عليه الإيمان؛ لأنه هو المستبعد، وفهم منه أن السماع الذي يترتب عليه الإيمان يكون حكمه بالعكس، ونظيره قوله (تعالى): (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم) في أحد وجهيه، وهو أن يكون الفعل المعلل منهياً، لا أن يكون الفعل المنهي معللا، فاعرف. الحديث التاسع عن أبي موسى الأشعري ﵁: قوله: (ثلاثة لهم أجران إعراب هذا التركيب كإعراب: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان) في الوجهين، لكن لا يجب هنا تقدير مضاف كما وجب هنالك لا ستقامته بدونه قال الشارحون: المراد بأهل الكتاب نصراني تنصر قبل المبعث، أو بلوغ الدعوة إليه، وظهور المعجزة لديه، ويهودي تهود قبل ذلك إن لم يجعل النصرانية ناسخة لليهودية، إذ لا ثواب لغيره على دينه فيضاعف باستحقاقه ثواب الإيمان. ويدل على ذلك أن البخاري يروي هذا الحديث وذكر بدل قوله: (آمن بنبيه) (آمن بعيسى) ويحتمل إجراؤه على عمومه، إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان به سبباً لقبول تلك الأعمال والأديان وإن كانت منسوخة، كما ورد في الحديث أن مبرات الكفار وحسناتهم مقبولة بعد إسلامهم. فإن قلت: أي فائدة في ذكر (آمن بنبيه) وقد علم ذلك من قوله: (من أهل الكتاب)؟ قلت: ليشعر بعلية الأجر، أي سبب الأجرين الإيمان بالنبيين. ــ

стр. 39

ــ قوله: (فأدبها) الأدب حسن الأحوال في القيام والقعود، وحسن الأخلاق، واجتماع الخصال الحميدة: (فأحسن تأديبها) أي أدبها من غير عنف وضرب، بل باللطف والتأني، (وعلمها) أي وعلمها من أحكام الشريعة ما يجب عليها، (فأحسن تعليمها) أي علمها بالرفق وحسن الخلق. فإن قلت: فيه إشكال، وهو أنه ينبغي أن يكون له أربعة أجور: أحدهما بتأديبها، والثاني بتعليمها، والثالث بإعتاقها، والرابع بتزوجها، فلم قال (فله أجران)؟ ولم يقل: له أربعة أجور؟ (مظ): قلنا: المراد بحصول الأجرين له ههنا بالإعتاق والتزوج؛ لأن التأديب والتعليم موجبان للأجر في الأجنبي والأولاد وجمع الناس. فلم يكن مختصاً بالإماء. أقول: موجب الأجرين إعتاقها وتزوجها فحسب، والتأديب والتعليم موجبان لاستنهالها الإعتاق والتزوج؛ لأن تزوج المرأة المؤدبة المعلمة أكثر بركة، وأقرب إلى تعين زوجها على دينه، والشاهد لفظه (ثم)؛ لكونها تفيد أن الإعتاق والتزوج أفضل وأعلى رتبة من التأديب والتعليم؛ لأنهما من التأديب والتعليم. والأولى أن يقال: إن التأديب بالعنف لا يوجب الأجر، كما أن الوطء بدون العتق لا يثبت الأجر لحصوله قبل ذلك، لقوله ﷺ : (كانت عنده أمة يطؤها) كأنه قيل: يؤدبها تأديباً حسنا، ويطؤها وطأ جميلا. وأما الفاء في (فأحسن) فللترتيب أيضاً، لكنها دون (ثم) كما في قولك: الأمثل فالأمثل، والأفضل فالأفضل، يعني التأديب والتعليم بالرفق أحسن وأفضل منه بالعنف. ووجه اقتران هذا الحديث السابق وجه ثواب نساء النبي ﷺ وعقابهن في المضاعفة، كقوله (تعالى): (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) إلى آخره، فينبغي أن ينزل الحديث الأول على أنهم أولى الناس بالنبي ﷺ بمعرفتهم به؛ لأنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل، فإذا كفروا به استوجبوا من العذاب ضعف عذاب الناس، والعكس إذا آمنوا، فدل على هذا المعنى بالحديث، وعلى استحقاق ضعف العذاب قوله: (إلا كان من أصحاب النار)؛ لأنه في قوة أنه من الجهنميين، فهو من أسلوب قوله: فلان من العلماء، أي له مساهمة معهم في العلم، وأن الوصف كاللقب المشهور له. قوله (فله أجران) هذا تكرير لطول الكلام اهتماماً بشأن الأمة وتزوجها مثله قول الحماسى: وإن امرأ دامت مواثيق عهده ... على مثل هذا إنه لكريم ــ

стр. 40

١٢ - وعن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : (أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إِلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإِذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إِلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله). متفق عليه. إِلا أن مسلما لم يذكر: (إِلا بحق الإسلام. ــ الحديث العاشر عن ابن عمر ﵄: (أن أقاتل الناس) قال أكثر الشارحين: أراد بالناس عبدة الأوثان، دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، ثم لا يرفع عنهم السيف حتى يقروا بنبوة محمد ﷺ أو يعطوا الجزية. أقول: تحرير ذلك أن (حتى) للغاية، وقد جعل رسول الله ﷺ غاية المقاتلة القول بالشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ورتب على ذلك العصمة، فيكون ذلك العصمة، وأهل الكتاب إذا أعطوا الجزية سقط عنهم القتال، وثبت لهم العصمة، فيكون ذلك تقييداً للمطلق، فالمراد بالناس إذا عبدة الأوثان. والذي يذاق من لفظ (الناس) العموم والاستغراق، كما في قوله (تعالى): (يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله). وبيانه من وجوه: أولها: أنه من العام الذي خص منه البعض؛ وذلك لأن القصد الأولى من هذا الأمر حصول هذا المطلوب، كقوله (تعالى): (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) فإذا تخلف منه في بعض الصور لعارض لا يقدح في عمومه، ألا ترى أن عبدة الأوثان إذا وقعت المهادنة معهم تسقط عنهم المقاتلة (وتثبت العصمة). وثانيهما: أن يعبر بمجموع الشهادتين وفعل الصلاة والزكاة عن إعلاء كلمة الله وإظهار دينه وإذعان المخالفين، فيحصل ذلك في بعضهم بالقول والفعل، وفي بعضهم بإعطاء الجزية، وفي الآخرين بالمهانة، ألا ترى أن المنافق إذا أظهر الإيمان سقط عنه القتل، ودخل تحت العصمة، وهو أغلظ كفراً من الكتابي؟ وسبيل هذا الأسلوب سبيل قوله (تعالى): (الذين يؤذون الله ورسوله) وإيذاء الله محال، فجعل عبارة عما يكرهانه، ولا يرضيان به ليعم. ــ

стр. 41

ــ ــ وثالثهما: أن الغرض من الجزية وإنزال الصغار والهوان على الذمي اضطرارا هم إلى الإسلام، وإبدالهم العزة بالذلة، وسبب السبب سبب؛ فيكون المقاتلة سبباً للقول والفعل. ويظهره قوله (تعالى): (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) المنزل هو المطر، وهو سبب لإنبات الشعب وهو سبب لتكثير الحيوان، فعلى هذا غلب في الحديث السبب الأول_ أي المقاتلة_ على السبب الثاني_ أخذ الجزية_ كما غلب العم على أحد الأبوين، على أن الاحتمال قائم في أن ضرب الجزية كان هذا بعد القول. (قض): إذا قال الرسول ﷺ : (أمرت) فهم منه أن الله (تعالى) أمره، وإذا قاله الصحابي ﵁ فهم أن الرسول ﷺ أمره، فإن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم منه أن الرئيس أمره، وإنما خص الصلاة والزكاة بالذكر والمقاتلة عليهما أيضا بحق الإسلام؛ لأنهما أم العبادات البدنية والمالية، والمعيارعلى غيرهما والعنوان له، ولذلك سمى الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإيمان، وأكثر الله (سبحانه تعالى) من ذكرهما مقارنتين في القرآن. أقول قوله: (إلا بحق الإسلام) استثناء من أعم عام الجار والمجرور، فمعنى الحديث أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا شهدوا عصموا مني دماءهم (وأموالهم، فلا يجوز إهدار دمائهم) واستباحة أموالهم بسبب من الأسباب، إلا بحق الإسلام: من قتل النفس المحرمة، وترك الصلاة والزكاة بتأويل باطل، وغير ذلك. وأما تقديم قوله: (تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة) وإزالتهما عن مقرهما هذا وعطفهما على الشهادتين_ فللدلالة على أنهما بمنزلتهما في كونهما غاية للمقاتلة، إيذاناً أم العبادات وأساسها، قريب منه في العطف قوله (تعالى): (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء) في سالف عهده في العظم والقدم، وإليه أشار صاحب الكشاف، حيث قال: إيذاناً بأنهما في العظم أخوان، وبأن هذا ليس بأول ما ركبوه من العظام. ويؤيد هذا التأويل رواية أبي هريرة ﵁ فإنه لم يذكر فيها الصلاة والزكاة. قوله: (وحسابهم على الله) فيما يسرون به من الكفر والمعاصي، والمعنى أنا نحكم عليهم بالإيمان، ونؤاخذهم بحقوق الإسلام، وبحسب ما يقتضيه ظاهر حالهم، والله يتولى حسابهم، فيثيب المخلص، ويعاقب المنافق، ويجازي المسر بفسقه أو يعفو عنه. (خط): فيه أن من أظهر الإسلام وأسر الكفر يقبل إسلامه في الظاهر، وهو قول أكثر العلماء، وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل، ويحكى ذلك أيضاً عن أحمد بن حنبل. (مح): اختلف أصحابنا في قبول توبة الزنديق، وهو الذي ينكر الشرع جملة، فذكروا فيه خمسة أوجه: أصحها قبولها مطلقا؛ للأحاديث الصحيحة المطلقة. والثاني لا تقبل، ويتحتم

стр. 42

١٣ - وعن أنس، أنه قال رسول الله: (من صلَّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا؛ فذلك المسلم الذي له ذمةُ الله وذمةُ رسولا، فلا تحفروا الله في ذمته). رواه البخاري. ــ قتله، لكنه إن صدق في توبته نفعه ذلك في الدار الآخرة. والثالث: إن تاب مرة واحدة قبلت توبته، فإن تكرر منه ذلك لم تقبل. والرابع: إن أسلم ابتداء من غير طلب منه، وإن كان تحت السيف فلا. والخامس: إن كان داعيا إلى الضلال لم تقبل منه وإلا قبلت. (شف): وفي الحديث دليل على أن أمور الناس في معاملة بعضهم بعضا إنما تجري على الظاهر من أحوالهم دون باطنها، وأن أظهر شعار الدين أجري عليه حكمه، ولم يكشف عن باطن أمره، ولو وجد مختون بين قتلى غلف عزل في المدفن، ولو وجد لقيط في بلد المسلمين حكم بإسلامه. (حس): لم يذكر في حديث أبي هريرة (ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) وذكر في الحديث ابن عمر وأنس ﵄. (خط): إنما اختلف الألفاظ لاختلاف الأوقات، فإن فرائض الدين كانت تشرع شيئًا بعد شيء، فالحديث الأول كان قبل وجوب هذه الفرائض، والحديثان الآخران بعد وجوبهما. الحديث الحادي عشر عن أنس ﵁: قوله: (من صلى صلاتنا) قالوا: أي صلى كما نصلي، ولا يوجد ذلك إلا من معترف بالتوحيد والنبوة، ومن اعترف بمحمد ﷺ فقد اعترف بجميع ما جاء به عن الله (تعالى) فلهذا جعل الصلاة علما لإسلامه، ولم يذكر الشهادتين لأنهما داخلتان في الصلاة، وإنما ذكر استقبال القبلة والصلاة متضمنة له مشروطة به؛ لأن القبلة أعرف من الصلاة، فإن كل واحد يعرف قبلته وإن كان لا يعرف صلاته، ولأن من أعمال صلاتنا ما هو يوجد في صلاة غيرنا، كالقيام والقراءة، واستقبال قبلتنا مخصوص بنا. ثم لما ذكر من العبادات ما يميز المسلم من غيره عبادة، أعقبه بذكر ما يميزه عبادة وعادة، فقال: (وأكل ذبيحتنا) فإن التوقف عن أكل الذبائح كما هو من العبادات فكذلك من العادات الثابتة في كل ملة. أقول (والله أعلم): إذا أجري الكلام على اليهود سهل تعاطي عطف الاستقبال على الصلاة بعد الدخول فيها، ويعضده اختصاص ذكر الذبيحة؛ لأن اليهود خصوصاً يمتنعون عن أكل ذبيحتنا، وهم حين حولت القلبة شعنوا بقولهم: (ما ولا هم عن قبلتهم التي كانوا ــ

стр. 43

١٤ - وعن أبي هريرة، قال أتى أعرابي النبي ﷺ ، فقال: دُلني على عملِ إذا عملتهُ دخلتُ الجنة. قال (تعبدُ الله ولا تشركُ به شيئاً، وتقيمُ الصلاةَ المكتوبة، وتؤدّي الزكاة المفروضة، وتصومُ رمضان). قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئا ولا أنقُصُ منه. فلما ولى، قال النبيُّ ﷺ : (من سرَّهُ أن ينظرَ إلى رجل من أهل الجنة فلينظُرُ إلى هذا).متفق عليه ــ عليها) أي صلوا صلاتنا، وتركوا المنازعة في أمر القبلة، والامتناع عن أكل الذبيحة لأنه من باب عطف الخاص على العام، فلما ذكر الكلام فيه وما هو مهتم بشأنه عليها، كما أنه يجب عليهم أيضاً عند الدخول في الإسلام أن يقروا ببطلان ما يخالفون به المسلمين في الاعتقاد بعد إقرارهم بالشهادتين. وخفر يحفر بالكسر خفراً فهو خفير إذا أجار، وكذلك خفر يخفر تخفيراً وأخفرته للتعدية إلى مفعول ثان، بمعنى جعلت له خفيراً، أو للسلب بمعنى غادرته ونقضت عهده، وعليه معنى قوله: (فلا تخفروا الله في ذمته) أي لا تعاملوا معاملة الغادر في نقض عهده واغتيال مؤمنه، والذمة الأمان، وأذمه أجاره، أي له أمان الله نكال الكفار، وما شرع لهم من القتل والقتال. الحديث الثاني عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: (لا أريد على هذا شيئاً) (مح): فإن قيل: كيف قال: (لا أزيد على هذا) وليس في هذا الحديث الواجبات، ولا المنهيات، ولا السنن المندوبة؟ فالجواب أنه جاء في رواية البخاري في آخر هذا الحديث زيادة توضح المقصودة: (فأخبر) رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله قال: فرض الله (تعالى) على شيئاً) فعلى هذا عموم قوله: (بشرائع الإسلام) وقوله: مما فرض الله علي) يزيل الإشكال في الفرائض، فأما النوافل فقيل: يحتمل أن هذا عموم قوله: (بشرائع الإسلام) وقوله: (مما فرض الله علي) يزيل الإشكال في الفرائض، فأما النوافل فقيل: يحتمل أن هذا كان قبل شرعيتها، وقيل: يحتمل أنه أراد أن لا أزيد في الفرائض، فأما النوافل فقيل: يحتمل أن هذا كان قبل شرعيتها، وقيل: يحتمل أنه أراد أن لا أزيد في الفرائض بتغيير صفة، كأنه يقول: لا أصلى الظهر خمسا، وهذا تأويل ضعيف. ويحتمل أنه أصلي النافلة، مع أنه لا يخل بشئ من الفرائض، وهذا مفلح بلا شك، على أن المواظبة على ترك السنن مذمومة، وترد بها الشهادة، إلا أنه ليس بعاص، بل هو مفلح ناج. وأعلم أنه لم يأت في هذا الحديث ذكر الحج، ولا جاء ذكره في حديث جبريل من رواية أبي هريرة، وكذا غيره من نحو الأحاديث، لم يذكر في بعضها الصوم، ولم يذكر في ــ

стр. 44

١٥ - وعن سفيان بن عبد الله الثقفيّ. قال: قلتُ يا رسولَ الله! قلُ لي في الإسلام قولا لا أسألُ عنه أحداً بعدك_ وفي رواية: غيرك_ قال: (قُل: آمنتُ بالله، ثم استقم). رواه مسلم. ــ بعضها الزكاة، وذكر في بعضها صلة أداء الخمس، ولم يقع في بعضها ذكر الإيمان؛ فتفاوتت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادة ونقصانّا، إثباتاَ وحذفا. وقد أجاب القاضي عياض وغيره عنها بجواب لخصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، وهذبه، فقال: ليس هذا باختلاف صادر من رسول الله ﷺ بل هو تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من قصر واختصر على ما حفظه فأداه، ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات، وقد وقع التفاوت عن واحد، ألا ترى إلى حديث نعمان بن نوفل اختلفت الروايات في خصاله بالزيادة والنقصان، مع أن راوي الجميع واحد_ وهو جابر بن عبد الله_ وفي قضية واحد. ثم ذلك لا يمنع من إيراد الجميع في الصحيح؛ لما عرف في مسألة زيادة الثقة من أنها مقبولة أيضا. (قض): وينبغي لك أن أن تعلم أن الحديث الواحد إذا رواه راويان، واشتملت إحدى الروايتين على زيادة، فإن لم تكن مغيرة لإعراب الباقي قلبت، وحمل ذلك على نسيان الآخر لذهوله، أو اقتصاره بالمقصود منه في صورة الاستشهاد؛ وإن كانت مغيرة تعارضت الروايتان وتعين طلب الترجيح. فإن قلت: كيف قرره رسول الله ﷺ على حلفه؟ وقد جاء النكير على من حلف أن لا يفعل خيراً، والنهي عنه في قوله (تعالى): (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا)؟ قلت: المنع والنكير إنما كان عن عناد، إذا لا شك أن ترك النوافل جائز، والحلف على المباح غير محرم، ولهذا الكلام محمل آخر، وهو أن يكون السائل رسولا، فحلف أن لا أزيد في الإبلاغ على ما سمعت، ولا أنقص. وقال غيره: يحتمل أن يكون صدور هذا الكلام منه على المبالغة في التصديق والقبول، أي قبلت قولك فيما سألتك عنه قبولا لا مزيد عليه من جهة السؤال، ولا نقصان فيه من طريق القبول. قوله: (من سره) السرور انشراح الصدر بلذة فيها طمأنينة النفس عاجلا، وذلك في الحقيقة إنما يكون إنما يكون إذا يخف زواله، ولا يكون فيما يتعلق بالأمور الآخرة لا في الدنيوية. قال: أشد الغم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا الحديث الثالث عشر عن سفيان ﵁: قوله: (قل لي في الإسلام) أي قل لي فيما يكمل الإسلام به، ويراعى به حقوقه، ويستدل به على توابعه ولواحقه قولا لا أفتقر معه أن ــ

стр. 45

ــ أسأل أحدّا غيرك. فقال: (قل آمنت بالله ثم استقم) استقم لفظ جامع للإتيان بجميع الأوامر، والانتهاء عن جميع المناهي؛ لأنه لو ترك أمرا لم يكن مستقيما على الطريق المستقيم، بل عدل عنه حتى يرجع إليه، ولو فعل منهيّا فقد عدل الطريق المستقيم، أيضّا حتى يتوب، وهذا ما عليه كلام الشارحين. قوله: (لا أسأل أحدّا بعد سؤالك هذا، كقوله (تعالى): (وما يمسك فلا مرسل له من بعده) أي من بعد إمساكه، وقوله في رواية أخرى (غيرك) ملزوم ذلك اللفظ، فإنه إذا لم يسأل بعد سؤاله أحدّا يلزم منه أن لا يسأل غيره. قوله: ثم (استقم) (شف): لفظ (ثم) موضوع للتراخي دالة على أن الكفار غير مكلفين بفروع الإسلام، بل هم مكلفون بأصوله فقط، فإذا آمنوا كلفوا بفروعه. وأقول: اتفق علماء البيان على أن (ثم) في مثل قوله (تعالى): (استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) وقوله: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) للتراخي في الرتبة، وأن الثبات والاستقامة على ذلك أفضل من قول: آمنت بالله، ومقتضياته، وذلك أن هذا القول ادعاء من القائل بأنه رضي بالله ربا، والرضى بذلك إقرار بأن المعبود الخالق المنعم على الإطلاق مالكه ومدبر أمره، يوجب القيام بمقتضياته من الإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ومن الشكر باللسان، وتحقيق مراضيه بالقلب والجوارح. ثم الاستقامة على هذا، والثبات عليه، وألا يروغ روغان الثعلب_ أفضل وأكمل. فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين قول الشارحين؟ نقول: إن قوله: (آمنت بالله) على هذا مستتبع لما ذهب إليه الشارحون في تفسير قوله: (ثم استقم) فيسلم على هذا معنى الاستقامة للثبات؛ والاستدامة على القول ومقتضياته، فتحسن موقع (ثم) المستدعية للتراخي في الرتبة لا الزمان لفساده، وينصره قوله: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) فإن قوله: (ثم لم يرتابوا) يفسر معنى قوله: (ثم استقاموا) بالثبات، وهو لتفسير الشارحين غير مطابق. وأيضا لما تقرر من قبل أن مذهب الصحابة والتابعين والمحدثين على أن الإيمان مشتمل على التصديق بالجنان والقول باللسان والعمل بالأركان_ وجب حمل معنى قوله: (آمنت) على المجموع، وقوله: (ثم استقم) على الثبات على ذلك. ــ

стр. 46

١٦ - وعن طلحة بن عُبيد الله، قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد، ثأئر الرأس، نسمع دويَّ صوته ولا نفقهُ ما يقول، حتى دنا من رسول الله ﷺ ، فإذا هو يسألُ عن الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : (خمسُ صلوات في اليوم والليلة). فقال: هل عليَّ غيرُهنَّ؟ فقال: (لا) إِلا أن تطوع). قال: وذكر له صيام شهر رمضان. قال: هل علىّ غيرها؟ فقال: (لا) إلا أن تطوع) قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيدُ على هذا ولا أنقصُ منه. فقال رسولُ الله ﷺ : (أفلح الرجلُ إن صدق). متفقٌ عليه. ــ ثم إني_ بعد لطف الله وتوفيقه_ عثرت على نقل من جانب الشيخ محيي الدين عن القاضي عياض المغربي أنه قال: هذا من جوامع كلمه ﷺ وهو مطابق لقوله (تعالى): (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) أي وحدوا الله تعالى وآمنوا به، ثم استقاموا فلم يحيدوا عن توحيدهم، والتزموا طاعته إلى أن يتوفوا على ذلك. وعلى ما ذكرناه أكثر المفسرين من الصحابة فمن بعدهم، وهو معنى الحديث، هذا كلام القاضي عياض. وقال ابن عباس في قوله (تعالى): (واستقم كما أمرت): ما نزل على رسول الله ﷺ في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية، ولذلك قال رسول الله ﷺ لأصحابه حين قالوا: قد أسرع إليك الشيبة، قال (شيبتني هود وأخواتها) تم كلام الشيخ محيي الدين، والحمد لله على توارد الخواطر. قال الإمام فخر الدين الرازي في قوله (تعالى): (فاستقم كما أمرت): استقامة المأمور صعب شديد؛ فإنها تشتمل العقائد، والأعمال، والأخلاق، والاستقامة في العقائد أن يجتنب التشبيه والتعطيل، وفي الأعمال أن يحترز عن التغيير والتبديل، وفي الأخلاق أن يبعد عن طرفي الإفراط والتفريط. الحديث الرابع عشر عن طلحة ﵁: (جاء رجل من أهل نجد) النجد في الأصل ما ارتفع من الأرض، وبه سميت الأراضي الواقعة بين تهامة والعراق. و (ثائر الرأس) ــ

стр. 47

ــ منتشر شعر الرأس, من: ثار الغبار يثور ثوراً وثورانا, (والدوي) هو الصوت الذي لا يفهم منه شيء، من: دوي النخل. و (ثائر الرأس) ينتصب. قوله: على الحال من (رجل) بوصفه، والرفع فيه حسن على الصفة لولا (عن الإسلام) , أي فرائضه التي فرضت على من وحد الله وصدق رسوله، ولهذا لم يذكر فيه الشهادتين؛ لأنه ﷺ علم أن الرجل يسأل عن شرائع الإسلام ويمكن أنه سئل عن حقيقة الإسلام، وقد ذكر له الشهادة فلم يسمعها طلحة لبعد موضعه منه، وقد القول أمثل وأجمع فلما سمع قول النبي ﷺ فارتضاه حلف أني أجتهد في تبليغ ما سمعته منك إليهم، بحيث لا أزيد عليه ولا أنقص منه. قوله: (أفلح الرجل) قيل: وهو الظفر وإدراك البغية، وهو ضربان: دنيوي وهو الظفر بما تطيب به الحياة الدنيا، وأخروي، وهو إدراك ما يفوز به الرجل في الدار الآخرة. وقد قيل: إنه أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وغنى بلا ذل، وعلم بلا جهل، قاله الراغب. قيل: قوله: (هل على غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع) فيه تمسك لأصحابنا في أصلين: أحدهما: في شمول عدم الوجوب في غير ما ذكر في الحديث كعدم وجوب الوتر، والتسمية في الذبح، والتباعد بقدر القلتين عن جوانب النجاسة في الماء الراكد، والوليمة والعقيقه. والثاني: في أن الشروع غير ملزم؛ لأنه في وجوب شيء آخر مطلقا، شرع فيه أو لم يشرع. وأصحاب أبي حنيفة تمسكوا به من وجه أخر قالوا: الشروع ملزم؛ لأنه نفي وجوب شيء آخر إلا ما تطوع به، والاستثناء من النفي إثبات، والمنفي وجوب شيء آخر، فيكون المثبت بالاستثناء وجوب ما تطوع به، وهو المطلوب. هذا مغالطة؛ لأن هذا الاستثناء من بوادي قوله الله (تعالى): (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) وقوله (تعالى) (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) أي لا يجب عليك شيء قط إلا أن تطوع، وقد علم أن التطوع ليس بواجب؛ فليزم أن لا يجب عليه شيء قط. وإنما لم يذكر الحج؛ لأن الحديث حكاية حال الرجل لقوله: (هل على غيره؟ فأجابه ﷺ بما عرف من حاله، ولعله ممن لم يكن عليه الحج واجبا، وإذا احتمل ما ذكرنا فليحمل عليه جمعا بينه وبين الأحاديث الدالة على وجوب الحج، ولهذا المعنى قال علماء الأصول: حكاية الحال لا تعادل العمومات. وقيل: إنما يذكر لم يذكر الحج لأنه لم يفرض حينئذ أو سقط عن بعض الرواة ذكره، وذكر له الزكاة، هذا قول الراوي، فإنه نسي ما نص عليه رسول الله ﷺ أو التبس عليه، فقال: (ثم ذكر له الزكاة) وهذا يؤذن بأن مراعاة الألفاظ مشروطة في الرواية، فإذا التبس عليه بعضها فيشير في ألفاظه إلى ما ينبئ عنه، كما فعل راوي هذا الحديث، أو يقول: كما قال، أو غير ذلك.

стр. 48

١٧ - وعن ابن العباس _ رضي الله عنهما_ قال: إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي ﷺ ؛ قال رسول الله ﷺ : (من القومُ؟ _ أو: من الوفد؟ _) قالوا: ربيعة. قال: (مرحبا بالقوم _ أو: بالوفد _ غير خزايا ولا ندامى). قالوا يا رسول الله! إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحيُّ من كفار مضر؛ فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة، فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع: ــ الحديث الخامس عشر عن ابن عباس (رضي الله عنهما_ قال: إن وفد عبد القيس لما أتوا النبيّ ﷺ ؛ جمع وافد، كصحب جمع صاحب، يقال: وفد الوافد يفد وفدا ووفادة، إذا خرج إلى ملك في فتح أو أمر، كزيارة واسترفاد وانتجاع. وعبد القيس من ربيعة، وهي قبيلة عظيمة، ومضر في مقابلتهم، ولفظة (أو) شك من الراوي، و (مرحبا) مأخوذ من: رحب رحبا (بالضم) إذا وسع، وهو من المفاعيل المنصوبة بعامل مضطر لازم إضماره ومعناه: أصبتم رحبا وسعة. و (غير) حال من الوفد، أو القوم، والعامل فيه الفعل المقدر، و (خزايا) جمع خزيان، من خزي بمعنى ذل. قوله: (ملا ندامى) معناه ولا نادمين، وغير العبارة فيها مراعاة للمطابقة، كقولهم: (الغدايا والعشايا). (والأمر الفصل) هو الحكم الواضح الذي لا إجمال فيه، وقوله: (وسألوه عن الأشربة) أي ظروف الأشربة، محذوف المضاف، أو عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة، محذوفة الصفة، و (الحنتم) الجرة الخضراء، و (الدباء) (بضم الدال وتشديد الباء) القرع، و (النقير) أصل خشبة ينقر فينبذ فيه، و (المزفت) المطلى بالزفت، وتحريم الانتباذ في هذه الظروف كان في صدر الإسلام ثم نسخ، وهو المذهب. وقال البعض: التحريم باق، وإليه ذهب مالك وأحمد. (قض): والمقصود بالنهى ليس استعماله مطلقا، بل التنقيع فيها، والرب منها ما يسكر، وإضافة الحكم إليها إما لا عتيادهم استعمالها في المسكرات، أو لأنها أوعية تسرع بالاشتداد فيما يستنقع، فلعلها تغير النقيع في زمان قريب، ويتناوله صاحبه على غفلة بخلاف السقاء فإن التغير إنما يحدث فيه على مهل ومرور زمان، ولا يخفى أن الدليل على هذا ما روى أنه ﷺ قال: (نهيتكم عن النبيذ في السقاء، فا شربوا الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرا). قولهم: (إنا لا نستطيع) وذلك أن هل الجاهلية كانوا يكفون فيها عن الانتهاك الانتهاب؛ قوله: (بأمر فصل) يحتمل أن يكون الأمر واحد الأوامر، وأن يكون بمعنى الشأن، و (فصل) يحتمل أن تكون بمعنى الفاصل، كالصوم والزور، وهو الذي يفصل بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، وأن يكون بمعنى المفصل، أي مبين مكشوف ظاهر ينفصل به المراد ــ

стр. 49

أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: (أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (شهادةُ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس). ونهاهم عم أربع: عن الحنتم، والدُّباء، والنقير، والمزفتِ وقال: (احفظوهنَّ وأخبروا بهن من وراءكم). متفق عليه، ولفظه للبخاري. ــ عن الاشتباه، فإذا كان بمعنى الشأن والفاصل _ وهو الظاهر _ يكون التنكير للتعظيم بشهادة قوله: (تدخل به الجنة) كما قال ﷺ : (سألتني عن عظيم) في جواب معاذ: (أخبرني بعمل يدخلني الجنة) فالمناسب حينئذ أن يكون الفصل لتفصيله ( ﷺ ) الإيمان بأركانه الخمسة كما فصله في حديث معاذ. وإن كان بمعنى واحد الأوامر فيكون التنكير للتقليل، فإذا المراد به اللفظ، والباء للاستعانة، والمأمور به محذوف، أي مرنا بعمل بواسطة افعل. وتصريحه في هذا المقام أن يقال لهم: آمنوا وقالوا: آمنا، هذا هو المعنى بقول الراوي: (أمرهم بالإيمان بالله وحده). وعلى أن يراد بالأمر الشأن أن يكون المراد معنى اللفظ ومواده، وعلى هذا الفصل بمعنى الفاصل، أي مرنا بأمر فصل، أي جامع قاطع كما مرّ في قوله ( ﷺ ): ((قل: آمنت بالله ثم استقم)) فالمأمور به هاهنا أمر واحد، وهو الإيمان، والأركان الخمسة كالتفسير للإيمان بدلالة قوله ( ﷺ ): (أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟) ثم بينه بما قال. فإن قيل: على هذا في قول الراوي إشكالان: أحدهما: أن المأمور به واحد وقد قال: أربع. وثانيهما: أن الأركان خمسة وقد ذكر أربعا. والجواب عن الأول أنه جعل الإيمان أربعا باعتبار أجزائه المفصلة، وعن الثاني أنه من عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصوباً لغرض من الأغراض جعلوا سياقه له وتوجهه إليه، كان ما سواه [مرفوض مطرح]، ومنه قوله تعالى: (فعززنا بثالث) أي فعززناه، بترك المنصوب وأتى بالجار والمجرور؛ لأن الكلام لم يكن مسوقا له، فهاهنا لما لم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين؛ لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتي ــ

стр. 50

١٨_ وعن عبادة بن الصامت، قال رسول الله ﷺ وحوله عصابة من أصحابه: (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف. فمن وفى منكم فأجرهُ على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا؛ فهو ــ الشهادة بدليل قولهم (الله ورسوله أعلم) وترحيب الرسول ﷺ لهم، ولكن كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما، وأنهما كافيتان لهم، وكان الأمر في صدر الإسلام كذلك_ لم يجعله الراوي من الأوامر، وقصد به أنه ﷺ نبههم على موجب توهمهم بقوله: (أتدرون ما الإيمان؟) ولذلك خصص ذكر: (أن تعطوا من المغنم الخمس) حيث أتى بالفعل المضارع على الخطاب؛ لأن القوم كانوا أصحاب حروب وغزوات، بدليل قوله: (بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر) لأنه هو الغرض من إيراد الكلام، فصار أمرا من الأوامر. وفيه دليل على أن إبلاغ الخبر وتعليم العلم واجب، حيث قال: (أخبروا بهن من وراءكم) والأمر للوجوب، ذكره في شرح السنة. (مح): قال بعض شارحي البخاري: أمرهم بالأربع التي وعدهم، ثم زاد خامسة؛ لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر، وكانوا أهل جهاد وغنائم. وقال ابن الصلاح: (وأن تؤدوا) عطف على قوله: (بأربع) فلا يكون واحداً منها، وإن كان واحداً من مطلق شعب الإيمان. قال القاضي عياض: إنما لم يذكر الحج، لأن وفادة عبد القيس عام الفتح قبل خروج النبي ﷺ إلى مكة، ونزلت فريضة الحج سنة تسع بعدها على الأشهر. الحديث السادس عشر عن عبادة: قوله: (العصابة) بالكسر الجماعة من الناس ليس لها واحد، والعصبة من الرجال ما بين العشرة إلى الأربعين، أخذ من العصب، وهو الشد، كأنه يشد بعضهم بعضا. قوله: (بايعوني) المبايعة المعاهدة، من البيع، والبيعة والتبايع مثله، سميت بذلك تشبيهاً بالمعاملة في المجلس. (نه): المبايعة على الإسلام عبارة على المعاقدة عليه والمعاهدة، سميت بذلك تشبيهاً بالمعاوضة المالية؛ فإن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره. والبهتان الكذب الذي يبهت سامعه، أي يدهش ويتحير لفظاعته. والافتراء الاختلاق، والفرية الكذب، كأن الافتراء من الإفراء، وهو قطع الأديم على جهة الإفساد، والعصيان في الأصل الامتناع عن الشيء والتأبي عنه. قوله: (المعروف) (النهاية): (هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى والتقرب إليه،

стр. 51

كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله عليه في الدنيا؛ فهو إلى الله: إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه) فبايعناه على ذلك. متفق عليه. ــ والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع، ونهى عنه، من المحسنات والمقبحات، وهو من الصفات الغالبة). قوله: (ولا تأتوا ببهتان تفترونه) فإن قلت: ما معنى الإطناب؟ حيث قال: تأتوا، ووصف البهتان باالافتراء والبهتان من واد واحد، وهلا اقتصر على: ولا تبهتوا الناس؟ قلت: معناه مزيد التقرير وتصوير شناعة هذا الفعل، وتعليق معنى زائداً عليه، وذلك من أربعة أوجه: أولها: معناه: ولا تأتوا ببهتان من قبل أيديكم وأرجلكم، أي من قبل أنفسكم جناية يفضحونهم بها وهم برءاه، واليد والرجل كنايتان عن الذات. وثانيها: لا تبهتوا الناس بالعيوب كفاحا يشاهد بعضكم بعضا، كما يقال: فعلت هذا بين يديك، أي بحضرتك، وهذا النوع أشد ما يكون من البهت. وثالثهما: معناه: لا تفتروه ولا تنشئوه من ضمائركم؛ لأن المفترى إذا أراد اختلاق قول فإنه يقدره ويقرره أولا في ضميره) ومنشأ ذلك ما بين الأيدي والأرجل من الإنسان، وهو القلب، الأعضاء، كما يقال: فلان صنع عندي يدا، وله عندي يد. ورابعها: نسبة الافتراء إلى اليد والرجل بسبب أنهن عوامل، وإن شاركها سائر الأعضاء، كما يقال: فلان صنع عندي يداً، وله عندي يد. أقول: الوجه الأول والرابع متقاربان في المعنى، وهما كنايتان عن إلقاء بهتان من تلقاء أنفسهم من غير أمارة، من قبيل قوله تعالى: (وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم) أي أن هذا البهتان يجري على ألسنتكم، ويدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم القلوب. والثاني كناية عن الوقاحة وخرق جلباب الحياء، كما هو أدب الأوغاد والسلفه من الناس، ولذلك قيل: هو أشد البهت. والثالث كناية عن إنشاء بهتان من دخيلة قلوبهم مبينا على الظن الفاسد والغش المبطن. وقالوا: لفظ (ذلك) إشارة إلى ما سبق سوى الشرك، فإنه لا يكفر عنه بالقتل، ولا ــ

стр. 52

١٩_ وعن أبي سعيد الخدري، قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: (يا معشر النساء تصدقن، فإني أريتُكُن أكثر أهل النار) فقلن: وبم يا رسول الله، قال: (تكثرن اللعنَ، وتكفرن العشيرَ، ما رأيت من ناقصات عقلٍ ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن). قلن: ما نقصانُ ديننا وعقلنا؟ يا رسول الله! قال: (أليس شهادةُ المرأة مثل نصفِ شهادةِ الرجل؟). قلن: بلى ــ يعفى عنه، والمراد المؤمنون خاصة؛ لأنه معطوف على قوله: (فمن وفى)، وهو خاص بهم لقوله: (منكم) تقديره: ومن أصاب منكم أيها المؤمنون من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا وأقيم الحد عليه لم يكن له عقوبة لأجل ذلك في القيامة. أقول: ما قالوا ضعيف؛ لأن الفاء في (فمن) للترتيب، ترتب ما بعدها على ما قبلها، وقوله: (منكم) ضمير العصابة، وقد بين بقوله: (من أصحابه) فكيف يخصص الشرك بالغير؟ والصحيح أن المراد بالشرك الرياء؛ لأنه الشرك الخفي، قال تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) ويدل عليه تنكير (شيئا) أي شركا أيا ما كان. وقيل لفظ (وفى) يرشد إلى أن الأجر إنما ينال بالوفاء بالجميع، والعقاب ينال بترك أي أحد كان من ذلك؛ لأن معنى الوفاء الإتيان بجميع ما التزمه من العهد والحقوق، وأن (من) في قوله: (فمن أصاب من ذلك) للتبعيض، وفي قوله: (فهو إلى الله) إشارة إلى ما ذهبت إليه الأشاعرة، وهو أنه لا يجب على الله تعالى عقاب عاص، وإذا لم يجب عليه هذا لا يجب عليه ثواب مطيع أيضّا؛ إذ لا قائل بالفصل، وفيه أيضّا إشارة إلى أنه لا يجوز الشهادة بالجنة ولا بالنار لأحد بعينه إلا من ورد فيه النص، كالعشرة المبشرة ﵃ وغيرهم. الحديث السابع عشر عن أبي سعيد الخدري ﵁: قوله: (يا معشر) المعشر: الجماعة، من العشرة بمعنى المعاشرة، والعشير المعاشر، والمراد به الزوج، والخطاب عام غلبت فيه الحاضرات على الغيب، كما في قوله تعالى (يأيها الناس اعبدوا ربكم) واللام للاستغراق. قوله: (تكفرن) قال الراغب: الكفر في اللغة ستر الشيء، وكفر النعمة وكفرانها سترها بترك أداء شكرها، قال: (لا كفران لسعيه) وأعظم الكفر جحود الوحدانية، والربوبية، والنبوة، والشريعة. والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالا، والكفر في الدين أكثر، والكفور فيهما ــ

стр. 53

قال: (فذلك من نقصان عقلها. قال: أليس إذا حاضت لم تصل ولم تضم؟). قلن: بلى. قال: (فذلك من نقصان دينها). متفق عليه. ــ جميعا. قال (فأبى أكثر الناس إلا كفوا). وامن ناقصات) صفة موصوف محذوف، أي ما رأيت أحداً من ناقصات العقل. والعقل غريزة في الإنسان، يدرك بها المعنى، ويمنعه عن القبائح، وهو نور الله في قلب المؤمن. واللب العقل الخالص من الشوائب. وسمى بذلك لكونه خالص ما في الإنسان من قواه، كاللباب من الشيء، وقيل: هو ما زكى من العقل، وكل لب عقل وليس كل عقل لبا. وأصل اللعن إبعاد الله تعالى العبد من رحمته بسخط، ومن الإنسان الدعاء عليه بالسخط، وكفران العشير جحد نعمة الزوج عليهن، واستقلال ما كان منه، والحزم ضبط الرجل أمره وأخذه بالشقة. (وأريتكن) بمعنى أخبرت وأعلمت بأنكن أكثر أهل النار، فهو يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل: الأول ضمير المتكلم المتصل به، والثاني ضمير المخاطب وهو كن، والثالث قوله: (أكثر). و (من) في قوله: (من ناقصات) مزيدة استغراقية لمجيئها بعد النفى، ومن ثم قيل: (أكثر). و (من) فيه متعلق ب (أذهب) والمفضل عليه مفروض مقدر. ويحتمل أن يكون (من) بيانا للناقصات على سبيل التجريد، كقولك: رأيت منك أسداً، جرد من إحداكن ناقصات، ووصفها بالجمع على طريقة (شهابا رصد)، و (أذهب) لمطلق الزيادة، صفة موصوف محذوف، أي ما رأيت أحداً، و (أذهب) صفة (أحد)، و (ذلك) إشارة إلى الحكم المذكور، والكاف فيه للخطاب العام، وإلا لقال: ذلكن؛ لأن الخطاب مع النساء. (مح): وفي الحديث أحكام، منها الحث على التصدق وأفعال البر، وفيه أن الحسنات يذهبن السيئات، وفيه أن كفران إحسان العشير من الكبائر؛ لأنهن يوعدون بالنار، وفيه أن اللعن أيضاً من المعاصي الشديدة القبح، وليس فيه أنه كبيرة، فإنه ﷺ قال: (تكثرن اللعن) والصغيرة إذا كثرت صارت كبيرة. ــ

стр. 54

_________ واتفق العلماء على تحريم اللعن؛ فإن معناه الإبعاد من رحمة الله، ولا يجوز أن يبعد من رحمة الله من لا يعرف خاتمة أمره معرفة قطعية، مسلما كان أو كافراً، إلا ما علمنا بنص شرعي أنه مات على الكفر، أو يموت عليه، كأبي جهل، وإبليس. وأما اللعن بالوصف فليس بحرام، كاللعن للواصلة، والمستوصلة وآكل الربا وكله والمصورين والظالمين والفاسقين والكافرين وغير ذلك مما إذا لم يظهر له معناه، وفيه تنبيه على أن شهادة رجل على ما بينه الله تعالى في كتابه في قوله (أن تضل إحدهما فتذكر إحداهما الأخرى). أي أنهن قليلات الضبط، وأما وصفه ... ﷺ النساء بنقصان الدين لتركهن الصلاة والصوم في زمن الحيض، معناه أن الدين والإيمان والإسلام مشتركة في معنى واحد كما مر، إذا ثبت هذا علمنا أن من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نقصت نقص دينه، ثم نقص الدين قد يكون على وجه يأثم به، كمن ترك الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات الواجبة عليه بلا عذر، وقد يكون على وجه هو مكلف به كترك الحائض الصلاة والصوم. فإن قيل: فإذا كانت معذورة فهل تثاب على الصلوات المتروكة في زمن الحيض وإن كانت لا تقضيها كما يثاب المريض والمسافر، ويكتب له في مرضه وسفره مثل نوافل الصلاة التي كان يفعلها في صحته وحضره؟ والجواب: أن ظاهر الحديث أنها لا تثاب، والفرق أن المريض والمسافر كان يفعلها بنية الدوام عليها مع أهليته لها، والحائض ليست كذلك، بل نيتها ترك الصلاة في زمن الحيض، بل يحرم عليها نية الصلاة زمن الحيض؛ فنظيرها مسافر ومريض كان يصلي النافلة في وقت، ويترك في وقت، فهذا لا يكتب له في مرضه وسفره في الزمان الذي لم يكن يتنفل فيه. قال الخطابي: في قوله: (فذلك من نقصان عقلها) دلالة على أن ملاك الشهادة العقل مع اعتبار الأمانة والصدق، وعلى أن شهادة المغفل ضعيفة، وإن كان قوياً في الدين والأمانة، وفي قوله: (وذلك من نقصان دينها) دلالة على أن النقص من الطاعات نقص في الدين. أقول: وفي الحديث إغراب للمعنى، وإغراق في الوصف، أثبت ﷺ لهن وصفين: كفران العشير، وإكثار اللعن، ثم ذكر أن ليس لهن عقل يمنع من ارتكاب تينك الخصلتين، ولا دين رادع عنهما؛ لأن الخصائل الرذائل [مركوزة] في جبلة الإنسان، وقلعها إما بالعقل، أو الدين، قال المتنبي: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلَّة لا يظلم ــ

стр. 55

٢٠_ وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله تعالى: كذبني ابنُ آدم ولم ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك؛ فأما تكذيبه إياى فقوله: لن يُعيدني كما بداني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته. وأما شتمه إياى: فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد). وكما تعلق العقل والدين بالخصلتين السابقتين كما بيناه تعلقا بقوله: (أذهب للب الرجل الحازم) على طريقة التفريط في جانبيهن، والإفراط في جانب الرجل حيث وصفه بالحزم، ولو لم يكن للحازم سوى قوله تعالى: (من خشى الرحمن بالغيب) لكفى به مدحا، يعنى بلغ من حزمه أنه يخشى من هو واسع الرحمة، مولى جلائل النعم وعظامها، فكيف خشية من وصف القهارية؟ ومن هو ثم ورد في الحديث: (الحزم سوء الظن) وذلك أن المتقى ذا الحجى والنهية يرجح جانب الحزم في كل شي؛ لأن من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وعليه يبنى معظم أساس قاعدة العارفين في معاملتهم للنفس الأمارة، ومعظم مكايد الحروب. والغرابة فيه أنه جعل هذا الرجل الكامل الحازم منقاداً مسترسل الزمام لتلك الناقصات الحائزات للرذيلتين، وكأن جريراً رمز إلى هذا المعنى بقوله: إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا فهو من [أسلوب الرجوع]، يعنى أنتن وما فيكن من تينكن الرذيلتين خلقتن ناعمات سالبات لنهبة الرجل الكامل بجمالكن ودلالكن. وإفراد الرجل إشارة إلى أن حبهن من جبلة الرجال، وأنهن مزينات لهم، كقوله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء). ويجوز أن يكون من [أسلوب الاستتباع] ذمهن بالرذيلتين، بحيث استتبع منه ذما آخر وهو سلب لب الحازم بالخداع ولطائف الحيل، وفي عكسه فعل أبو الطيب. نهبت الأعمار ما لو حويته ... لهنيت الدنيا بأنك خالد مدحه بالشجاعة بحيث استتبع منه صلاح الدنيا بحسن تدبيره، فالجواب من الأسلوب ــ

стр. 56

ــ الحكيم؛ لأن قوله: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين) إلى آخره زيادة، فإن قوله: (تكثرن اللعن وتكفرن العشير) جواب تام. الحديث الثامن عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: (وأنا الأحد) (نه): الأزهري: الفرق بين الواحد والأحد بني لنفي ما يذكر معه من العدد تقول: ما جاءني أحد. والواحد أسم بني لمفتتح العدد، تقول: جاءني واحد من (الناس)، ولا تقول: جاءني أحد، والواحد منفرد بالذات في عدم المثل والنظير، والأحد منفرد بالمعنى. والصمد: السيد الذي يصمد إليه في الحوائج، أي يقصد إليه، وقال الزجاج: الصمد: السيد الذي انتهى إليه السؤدد فلا سيد فوقه، الكفؤ: المثل المكافئ. (قض): في قوله: (وليس أول الخلق بأهون على من إعادته) إشارة إلى برهان تحقق المعاد، وإمكان الإعادة، وهو أن يتوقف عليه تحقق البدن من أجزائه وصورته لو لم يكن وجود ممكناً لما وجد أولا. وقد وجد، وإذا أمكن لم يمتنع لذاته وجوده ثانياً، وإلا لزم انقلاب الممكن لذاته ممتنعاً لذاته، وهو محال. وتنبيه على تمثيل يرشد العامي، وهو ما يرى في المشاهدات أن من عمد إلى اختراع صنعة لم ير مثلها ولم يجد لها عددً وأصولا صعب عليه ذلك، وتعب فيها تعباً شديداً، وافتقر إلى مكابدة أفعال، ومعاونة أعوان، ومرور أزمان، ومع ذلك، فكثيراً ما لا يستتب له الأمر، ومن له المقصود. ومن أراد إصلاح منكسر، وإعادة منهدم، وكانت العُدد حاصلة، والأصول باقية_ هان عليه ذلك، وسهل جداً. فيا معشر الغواة! أتحيلون إعادة أبدانكم وأنتم معترفون بجواز ما هو أصعب منها؟ بل هو كالمعتذر بالنسبة إلى قدركم وقواكم، وأما بالنسبة إلى قدرة الله تعالى فلا سهولة ولا صعوبة، يستوي عنده تكوين بعوض طيار، وتخليق فلك دوار، كما قال عز اسمه: (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر). والشتم: توصيف الشيء بما هو إزراء ونقص فيه، وإثبات الولد كذلك؛ لأنه قبول بممائلة الولد في تمام حقيقة، وهي مستلزمه للإمكان المتداعي إلى الحدوث؛ ولأن الحكمة في التوالد استبقاء النوع، فلو كان الباري تعالى متخذا ولداً لكان مستخلفا خلفا يقوم بأمره بعد عصره_ تعالى عن ذلك علواً كبيراً. وأقول: ذكر الله تعالى تكذيب ابن ادم وشتمه وعظمها، ولعمري! إن أقل الخلق وأدناه) إذا نسب ذلك إليه استكف، وامتلأ غضبا، وكاد يستأصل قائله، فسبحانه ما أحمله وما أرحمة! (وربك الغفو ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا). ثم انظر إلى كل واحد من التكذيب والشتم وما يؤديان من التهويل والفظاعة، أما الأول فإن منكر الحشر جعل الله تعالى كاذباً، والقرآن المجيد الذي هو مشحون بإثباته مفترى، ويجعل حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض عبثاً ولعباً، قال الله تعالى: (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر _ إلى قوله_ ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون) علل الله خلق السموات والأرض والاستواء ــ

стр. 57

ــ على العرش لتدبير العالم بالجزاء، من ثواب المؤمن وعقاب الكافر، ولا يكون ذلك إلا في القيامة، فيلزم منه أن لو لم يكن الحشر لكان ذلك عبثاً ولهواً؛ لقوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، وفيها كثرة. وأما الثاني فإن قائله يحاول إزالة المخلوقات بأسرها، ويزاول تخريب السموات من أصلها، قال الله تعالى: (تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً أن دعوا للرحمن ولداً) ثم تأمل في مفردات التركيب لفظه لفظه، لأن قوله: (لم يكن له ذلك) من باب ترتيب الحكم على الوصف المناسب المشعر بالعلية؛ لأن قوله: (لم يكن له ذلك) نفي الكينونة التي بمعنى الانتفاء، كقوله تعالى: ما كان لكم أن تنبتوا شجرها). (الكشاف): ومعنى الكينونة (الانبغاء)، أراد أن تأتي ذلك محال من غيرة، ومنه قوله تعالى: (وما كان لنبي أن يغل) معناه ما صح له، يعنى أن النبوة تنافي الغلول؛ فحينئذ يجب، أن يحمل لفظ (ابن آدم) على الوصف الذي يعلل الحكم به بحسب التلميح، وإلا لم يكن لتخصيص لفظ ابن آدم دون الناس والبشر فائدة، وذلك من (وجوه): أحدها أنه تلميح إلى قوله: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) من الله عليهم بها، المعنى: إنا أنعمنا عليكم بإيجادكم من العدم، وصورناكم في أحسن تقويم، ثم أكرمناكم بأن أمرنا الملائكة المقربين بالسجود لأبيكم؛ لتعرفوا قدر الإنعام فتشكروا، فقلبتم الأمر، فكفرتم، ونسبتم المنعم المتفضل إلى الكذب، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) أي شكر رزقكم. وثانيها: تلميح إلى قوله: (أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين) المعنى ألم تر أيها المكذب إلى أنا خلقناكم من ماء مهين خرجت من إحليل أبيك واستقررت في رحم أمك، فصرت تخاصمني بحججك وبرهانك فيما أخبرت به من الحشر والنشر بالبرهان، فأنت خصيم لي بين الخصومة. وما أحسن موقع المفاجأة التي يعطيها قوله تعالى: (فإذا هو خصيم مبين). وثالثها: إلى قوله تعالى: (أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم) المعنى أوليس الذي خلق هذه الأجرام العظام بقادر على أن يخلق مثل هذا الجرم الحقير الصغير الذي خلق من تراب، ثم من نطفة؟. ــ

стр. 58

٢١_ وفي رواية عن ابن عباس: (وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد، وسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولداً). رواه البخاري. ــ وكذلك قوله: (أنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد) أوصاف مشعرة بعلية الحكم. أما قوله: (الأحد) فإنه بنى لنفى ما يذكر معه من العدد، فلو فرض له ولد يكون مثله، فلا يكون أحدا، ولذلك قال حق النبي ﷺ : (ما كان محمدا أبا أحد من رجالكم) أنه لو كان له ولد لكان مثله نبيا، فلم يكن إذا خاتم النبيين، وهذا معنى الاستدراك في قوله: (ولكن رسول الله وخاتم النبيين). (الصمد) هو الذي يصمد إليه في الحوائج، فلو كان له ولد لشرك فيه، فليزم إذا فساد السموات والأرض، وقوله: (كفوا) أي صاحبة، ولا ينبغي له؛ لأنه لو فرض ذلك للزم منه الاحتياج إلى قضاء الشهوة، وكل ذلك وصف له بما فيه نقض وإزراء، وهذا معنى الشم، فالأحد ذاتي، والصمد إضافي والثالث سلبي. فإن قلت: أي الأمرين أعظم؟ قلت: كلاهما عظيم، لكن التكذيب أقدم لما سبق أن المكونات لم تكن إلا للجزاء، فمن أنكر الجزاء لزم منه العبث في التكوين، أو إعدام السموات والأرض؛ فينتفي بذلك سائر الصفات الكمالية التي أثبتها الشرع؛ فيلزم منه التعطيل، على أن الصفات الثبوتية إذا انتفت يلزم منه انتفاء الذاتية والسلبية أيضاً. قوله: (أولدا) هكذا هو في البخاري ونسخ المصابيح، وفي الحميدى: (ولا ولداً) وزيد (لا) لما في سبحانى من معنى التنزيه. وفي الجامع (وولداً). وقالوا: إن هذا الحديث كلام قدسي، والفرق بينه وبين القرآن هو اللفظ المنزل به جبريل ﵇ للإعجاز عن الإيتان بسورة من مثله، والحديث القدسي إخبار الله تعالى نبيه ﷺ معناه بإلهام، أو بالمنام، فأخبر النبي ﷺ أمته عن ذلك المعنى بعبارة نفسه، وسائر الأحاديث لم يضفه إلى الله تعالى ولم يروه عنه، كما أضاف وروى القدسي. أقول: فضل القرآن على الحديث القدسي هو أن القدسي نص إلهي في الدرجة الثانية، وإن كان من غير واسطة ملك غالبا؛ لأن المنظور فيه المعنى دون اللفظ، وفي التنزيل اللفظ والمعنى منظوران، فعلم من هذا مرتبة بقية الأحاديث. ــ

стр. 59

٢٢_ وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله تعالى: يؤذيني ابنُ آدم يسب الدهر، وأنا الدهرُ، بيدي الأمرُ، أُقَلب الليل والنهار). متفق عليه. ــ الحديث التاسع [عشر] عن أبي هريرة ﵁: قوله: (يؤذيني) الإيذاء إيصال المكروه إلى الغير قولا أو فعلا، أثر فيه أو لم يؤثر، وإيذاء الله تعالى عبارة عن فعل ما يكرهه، ولا يرضى به، وكذا إيذاء رسول الله ﷺ وقيل: روى السجستانى نصب (الدهر) في (أنا الدهر) أي أقلب الليل والنهار في الدهر. وقيل: الرفع أولى.: وهو كذلك؛ لأنه لا طائل تحته على تقدير النصب، أما معنى فلأنه لا فائدة في قوله: (أنا أقلب الليل والنهار في الدهر)؛ لأن الكلام مسوق للرد على الساب والإنكار عليه، وأما لفظا فإن تقديم الظرف إما للاهتمام، أو الاختصاص، ولا يقتضي المقام ذلك؛ لأن الكلام مفرغ في شأن المتكلم، لا في الظرف، ولهذا عرف الخبر باللام لإفادة الحصر، فكأنه قيل: (أنا أقلب الليل والنهار لا ما تنسبونه إليه). قيل: الدهر الثاني غير الأول، وإنما هو مصدر بمعنى الفاعل، ومعناه أنا الدهر المصرف المدبر المفيض لما يحدث. (غب) والأظهر أن معناه أنا فاعل ما يضاف إلى الدهر من الخير والشر، والمسرة والمساءة، فإذا سببتم الذي تعتقدون أنه فاعل ذلك فقد شتمتموني. (قض): قيل: فيه إضمار المضاف، والتقدير: أنا مقلب الدهر والمتصرف فيه، والمعنى أن الزمان يذعن لأمري لا اختيار له، فمن ذمه على ما يظهر فيه صادراً فقد ذمني، فإني الضار والنافع. ولقائل أن يقول: وقد تقرر في المعاني أن المعرف إذا أعيد كان الثاني غير الأول. وعلى التقادير لا يلزم اتحاد المعنى لأن السبب غير المسبب. قلت: ورد النهى على الساب الدهرى الذي يسب الدهر لا لذاته، بل لتصرفاته وحوادثه التي على خلاف مراده، ويعقد أنه هو الفاعل الحقيقي، وأنه مستقل بها، كقولهم: (وما يهلكنا إلا الدهر) على قصر القلب كما مر، فقيل لهم: ما تعتقدونه من الفاعل الحقيقي هو الله تعالى. ويعضد هذا التقرير قوله ﷺ : (بيدى الأمر أقلب الليل والنهار) فإنه ﷺ أوقع: (بيدى الأمر أقلب الليل والنهار) بياناً وتفسيراً لقوله: (أنا الدهر) ولا ارتياب أن معنى الدهر لغة ليس بذلك. قال الراغب: (الدهر في الأصل اسم لمدة العالم)، وعليه قوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر) ثم يعبر به عن كل مدة كثيرة، وهو خلاف الزمان، فإنه يقع على المدة القليلة والكثيرة، فإذا المراد في الحديث بالدهر مقلب الليل والنهار ومصرف الأمور فيها، ــ

стр. 60

٢٣_ وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أحدٌ أصبر على أذى يسمعه من الله، يدعون له الولد، ثم يعُافيهم ويرزقُهم). متفق عليه. ــ فينبغي أن يفسر الأول بذلك، كأنه قيل: يسب مدير الأمر ومقلب الليل والنهار، وأنا المدير والمقلب، فجاء الاتحاد. الحديث العشرون عن أبي موسى: قوله: (ما أحد أصبر) الصبر الحبس، ومنه قتلته صبراً، أي حبساً، ومعنى الصبر حبس النفس على ما تكرهه، والعافية السلامة ودفع البلاء والمكروه، ومنه قوله ﷺ : (معافى في جسده). والرزق الحظ والنصيب، سواء كان مطعوما أو مالا، أو علما، أو ولداً، وقوله: (يسمعه) صفة (أذى)، والرزق الحظ والنصيب، و (من الله) متعلق بقوله: (أصبر) لا (يسمعه) و (يدعون) إلى آخره بيان للكلام السابق. يقول: ما أحد أشد صبراً من الله تعالى بإرسال العذاب إلى مستحقه_ وهم كفار_ على القول القبيح، وهو قولهم: (إن لله ولداً) يسمعه منهم. ثم يدفع عنهم البلاء والضرر، ويرزقهم السلامة وأصناف الأموال، ولا يجعل تعذيبهم. وفي الحديث إشارة إلى أن الصبر على احتمال الأذى محمود، وترك الاشتغال بالمكافآت والانتقام ممدوح، ولهذا كان جزاء كل عمل محصوراً، وجزاء الصبر غير محصور؛ إذا الصبر والحلم في الأمور هو التخلق بأخلاق مالك أزمة الأمور، وبالصبر يفتح كل باب مغلق، ويسهل به كل الأمور هو التخلق بأخلاق مالك أزمة الأمور، وبالصبر يفتح كل باب مغلق، ويسهل به كل صعب مزيج. أقول: في الكلام إشكال، وذلك أنك إذا قلت: زيد أجرأ من عمرو، فإنه يلزم منه فضل جزءة زيد على جرءة عمرو، فإذا نفيته فقلت: ما زيد بأجرأ من عمرو، لزم منه إما نقصان جرأة زيد، أو مساواتهما، وكذا هاهنا، ولكن القصد إلى أن القصد إلى أن الله تعالى أصبر من كل أحد فكيف ذلك؟ والجواب: المراد هاهنا نفي نفي ذات المفضل وقلعه من سنخة، فإذا انتفت ذاته انتفت المساواة والنقصان بالطريق الأولى، ألا تراهم يقولون في مثل قولك: ما زيد إلا شاعر: إن (ما) دخلت على زيد فتفت الذات، ولما لم يكن النزاع فيها توجه النفي إلى مافيه النزاع من صفاته، والقصد هنا إلى نفى الذات، وليس النزاع إلا فيه، فلا يلزم المساواة ولا النقصان، فإذا الغرض نفي الموصوف، وإنما ضمت إليه الصفة ليؤذن بأن انتفاء الموصوف أمر محقق لا نزاع فيه، وبلغ في تحققه إلى أن صار كالشاهد على نفي الصفة، كما تقوله: لا ترى الضب بها ينحجر ــ

стр. 61

٢٤_ وعن معاذ، قال: كنت ردف رسول الله ﷺ على حمار، ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل، فقال: (معاذ! هل تدري ما حقُّ الله على عباده؟ وما حقُّ العباد على الله؟ قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: (فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحقُّ العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً) فقلت: يا رسول الله! أفلا أُبشر به الناس؟ قال: (لا تُبشرهم فيتكلوا). متفق علي. ــ أي لا ضب هناك فيكون الانحجار، إذا لو وجد لوجد. هذا معنى ما ذكره صاحب الكشاف في قوله: تعالى: (ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع). وقوله: (يسمعه) تتميم للمبالغة، كما في قول امرئ القيس: حملت ردينيا كأنه سنانه ... سنا لهب لم يتصل بدخان فإن قوله: (لم يتصل بدخان) تتميم لمعنى (سنا)، فإن النار الشاعلة إذا لم تتصل بالدخان يكون أضوء وأثقب، فكذا (الموذِى) إذا كان بمسمع من الموذىَ ومحضر منه كان تأثير الأذى أشد وأبلغ منه إذا سمعه من بعد وأخبر به. الحديث الحادي والعشرون عن معاذ: قوله: (كنت ردف النبي ﷺ الردف والرديف التابع، من الردف، وهو العجز، والرديف وهو الذي يركب خلف الراكب، و (مؤخرة الرحل) العود الذي خلف الراكب، أراد المبالغة في شدة قربه؛ ليكون أوقع في نفس السامع فيضبط، يروى (مؤخرة) (بضم الميم وبعدها همزة ساكنة ثم خاء مكسورة) هذا هو الصحيح، وفيه لغة أخرى بفتح الهمزة والخاء المشددة. و (الدراية): المعرفة (الزمخشرى): هي معرفة تحصيل يضرب من الخداع، ولذلك لا يوصف بها الباري تعالى، والحق نقيضه الباطل؛ لأنه ثابت، والباطل زائل، ويستعمل بمعنى الواجب، واللازم والجدير والنصيب والملك والاتكال والاعتماد على الشيء من الوكل والكلة ومنه الوكالة. والبشارة إيصال خير إلى أحد يظهر أثر السرور منه على بشرته. وأما قوله: (فبشرهم بعذاب أليم) فمن الاستعارة التهكمية، وحق الله تعالى بمعنى الواجب واللازم، و (حق العباد) بمعنى الجدير؛ لأن الإحسان إلى من لم يتخذ ربا سواه جدير في الحكمة أن يفعله. وقيل: حق العباد على الله تعالى ما وعدهم به، ومن صفة وعده أن يكون واجب الإنجاز، فهو حق بوعده الحق. ــ

стр. 62

٢٥_ وعن أنس: أن النبي ﷺ ، ومعاذ رديفه على الرحل، قال: (يامعاذ!) قال: لبيك يا رسول الله ﷺ وسعديك. قال. قال: (يا معاذ!) قال: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: (يا معاذ!) قال: لبيك يا رسول وسعديك، _ثلاثا_ قال: قال: (ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدّا رسول الله، صدفا من قلبه إلا حرمه الله على النار). قال: يا رسول الله! أفلا أخبرُ به الناس فيستبشروا؟ قال: (إذغ يتكلوا). فأخبر بها معاذ عند موته تأثما. متفق عليه ــ أقول: هذا هو الوجه، وقال الشيخ محيي الدين: حق العباد عليه تعالى جهة المقابلة والمشاكلة لحقه عليهم، ويجوز أن يكون من نحو قول الرجل لصاحبه: حقك واجب علي، أي قيامي به متأكد، ومنه قول النبي ﷺ : (حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام)، وإنما رواه معاذ مع كونه منهيا لأنه علم أن هذا الإخبار يتغير الأزمان والأحوال، والقوم يومئذ كانوا حديثي العهد بالإسلام، لم يعتادوا بتكاليفه، فلما استقاموا وتثبتوا أخبرهم به، أو رواه بعد ورود الأمر بالتبليغ، والوعيد على الكتمان والتضييع. ثم إن معاذا مع جلالة قدره لم يخف عليه ثواب من نشر علما، ووبال من كتمه ضنا، فرأى التحدث به واجبا، ويؤيده ما ورد في الحديث الذي يتلوه: (فأخبر به معاذ عند موته). الحديث الثاني والعشرون عن أنس ﵁: قوله: (لبيك) لبيك معناه إجابة لك بعد إجابة، ومعنى (سعديك) ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة، والتحريم بمعنى المنع، كما في قوله تعالى: (وحرام على قرية أهلكناها). قوله: (تأثما) مفعول له (نه): أي تجنبا للإثم، يقال: تأثم فلان إذا فعل فعلا خرج به من الإثم، كما يقال: تحرج إذا فعل ما يخرج به من الحرج. أقول: الإثم الذي يحرج به كتمان ما أمر الله بتبلغيه حيث قال الله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه). فإن قلت: ثبت أنه يتأثم من هذا النص، فكيف لا يتأثم من النهي في قوله (عليه الصلاة والسلام): (لا تبشرهم)؟ قلت: النهي مقيد بالاتكال، فإذا زال القيد زال المقيد على ما سيأتي بيانه. قال في الحديث المتقدم: (لا تبشرهم فيتكلوا) وفي هذا الحديث: (أما الأول فمن ــ

стр. 63

ــ قبيل قوله تعالى: (ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبى) أي لا يكن منك تبشير فاتكال منهم، فالنهى منصب على السبب والمسبب معا. والثاني من قبيل: (إذا أكرمك) في جواب من قال: (أنا أحسن إليك) كأنه قال: إن أحسنت إلى أكرمك، فهو جواب وجزاء. وأما تكريره ﷺ نداء معاذ فلتأكيد الاهتمام بما بخير، وليكمل تنبه معاذ فيما يسمعه، وقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ كان إذا كان تكلم بكلمة أعادها ثلاثا لهذا لهذا المعنى. (مح): في هذا الحديث وحديث معاذ: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)، وفي رواية عنه: (من هذا لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة)، وفي رواية عنه: (لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة)، وعنه: (ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله إلا حرمه الله على النار)، وفي حديث أبي هريرة: (لا يلقى الله تعالى بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة إن زنى وإن سرق)، وفي حديث أنس: (حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغى بذلك وجه الله). وهذه الأحاديث كلها سردها مسلم في كتابه، فحكي عن جماعة من السلف منهم ابن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهى. وقال بعضهم: هي بالجملة تحتاج إلى شرح، ومعناه من قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها، وهذا قول الحسن البصري. وقيل: إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة، ومات على ذلك، وهذا قول البخارى. وهذه التأويلات إنما هي إذا حملت الأحاديث على ظاهرها، وأما إذا نزلت منازلها فلا يشكل تأويلها على ما بينه المحققون، فتقرر أولا أن مذهب أهل السنة بأجمعهم من السلف الصالح، وأهل الحديث، والفقهاء، والمتكلمين من الأشاعرة أن أهل الذنوب في مشيئة الله تعالى وأن كل من مات على الإيمان ويشهد مخلصا من قلبه الشهادتين فإنه يدخل الجنة، فإن كان تائبا أو سليما من المعاصي دخل الجنة برحمة ربه، وحرم على النار بالجملة فإن حملنا اللفظين الواردين على هذا في من هذه صفته كان بينا، وهذا معنى تأويل الحسن والبخاري، وإن كان هذا من المخلطين بتضييع ما أوجب الله عليه، أو بفعل ما حرم الله عليه، فهو في المشيئة، لا يقطع في أمره بتحريمه على النار، ولا باستحقاقه الجنة الأول وهلة، بل قطع بأنه لا بد من دخول الجنة آخراّ، وحاله قبل ذلك في خطر المشيئة، إن شاء الله تعالى عذبه بذنبه، وإن شاء الله عفى عنه بفضله. أقول: ما ذهب إليه الشيخ قانون عظيم في الدين، وعليه مبنى قواعد أهل السنة، على أن الحسن والقبح شرعيان، وأن الله مالك الملك، وله الكبرياء في السموات والأرض، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويتصرف في ملكه كيف يشاء، حتى لو يدخل الكافرين كلهم في الجنة والمطيعين في النار لكان ذلك حكمة منه وعدلا وصوابا، ولكن حكم بأن المشرك لا يدخل الجنة والمؤمن لا يدخل النار بنصوص من الكتاب والسنة، قال تعالى: (وإن الله لا يغفر أن يشرك به ــ

стр. 64

ــ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) ومن السنة هذه الأحاديث المذكورة. وإذا تقرر هذا فقول الشيخ: (هذه التأويلات إنما هي إذا حملت على ظاهرها) يريد بالظاهر ظاهر الحال المتعارف بين الناس، وبقوله: (وأما إذا نزلت منازلها فلا يشكل) يعني أن ينزل كل حديث على ما هو عليه عند الله تعالى نظرا إلى مشيئته وإرادته، وأنه يفعل ما يشاء، ولا مجال للعقل أن يتصرف فيما يريد ويفعل. وأشكل الأحاديث تنزيلا، وأصعبها عند الناس _ وهو عند الله هين _ هو قوله ﷺ : (لا يلقى الله تعالى بهما عبد شاك فيهما إلا دخل الجنة وإن زنى وسرق). فإن قيل: أليس قوله: (ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا حرمه الله على النار) أشكل منه؛ لأنه أتى فيه بأداة الحصر، ومن الاستغراقية، ولم يقل: (دخل الجنه) بل (حرم) فإن دخول الجنة قد يكون بعد دخول النار؟ فالجواب: لا؛ لأنه غير مقيد بقوله: (وإن زنى وإن سرق) لأنه شرط بمجرد التأكيد، ولا سيما كرر ثلاث مرات، وختم بقوله: (وإن رغم أنف أبي ذر) تتميما للمبالغة، وهذا الحديث مطلق يقبل قيداً أيضا. وقوله (وإن زنى وإن سرق) وكل ذلك على أنه تعالى بمحض مشيئته وإرادته وفضله يعامل العباد، ولعل ورود المنع من تبشير معاذ أنه من الأسرار الإلهية، لا يجوز كشفها وإذاعتها عند العامة، ولا يبعد أيضا أن يقال: إن نداء الرسول ﷺ معاذ ثلاث مرات كان للتوقف في إفشاء هذا السر عليه أيضا. ومنه حديث أبي هريرة ﵁: قال: (حفظت من رسول الله وعانين، فأما أحدهما فبثتته فيكم، وأما الآخر فلو بثتته قطع هذا البلعوم) رواه البخاري، وقال: (البلعوم مجرى الطعام) والله أعلم، وأحسن التأويلات ما ذهب إليه الحسن. وتقول في هذا الحديث الذي نشرحه: هو من جوامع الكلم نحو قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) وقوله ﷺ : (قل آمنت بالله ثم استقم) وقد سبق بيانه، فإن صدقا هنا أقيم مقام الاستقامة؛ لأن الصدق كما يعبر به قولا عن مطابقة المقول الضمير والمخبر عنه وعليه كلام الراغب، قد يعبر فعلا عن تحري كل أفعال كاملة، وأخلاق مرضية، وتحقيقها، قال الله تعالى: (أن لهم قدم صدق عند ربهم) و (في مقعد صدق عند مليك مقتدر) ــ

стр. 65

ــ و (الذي جاء بالصدق وصدق به) أي حقق ما أورده قولا لما تحراه فعلا، فعلى هذا التقدير تخصيص النهي في قوله: (لا تبشر) مخصوص ببعض الناس، دون بعض فإن مثل هذا المعنى لا يدركه إلا الراسخ في العلم، ويعضده حديث أبي هريرة ﵁ الذي يورده في الفصل الثالث من هذا الكتاب، وهو قوله: (من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة) وفيه أنه منع عمر ﵁ أبا هريرة عن التبشير، فعلم أن المراد بالتخصيص ما ذكره؛ إذ لو لم يكن يرد ذلك لم يخبر معاذا وأبا هريرة وأنسا وعمر (رضي الله عنهم) وأمثالهم، واحتج به محمد بن إسماعيل وبمثله أن يخص العالم بالعلم قوما دون قوم؛ كراهة أن لا يفهموا. ثم بعد تأويل الحسن قول من قال: الحديث كان في بدء الإسلام في وقت لم يجب فيه شيء من الأركان؛ فحينئذ يكون قد أتى بما يجب عله فحومه الله على النار، وأما بعد وجوب الأركان فلا يكون ذلك كافيا في الخلاص، ويؤيده ما روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: (إنما نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء (لا تشربوا الخمر) لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: (لا تزنوا) لقالوا: لا ندع الزنى، ولقد نزل بمكة على محمد ﷺ (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده). قال بعض المحققين: قد يتخذ أمثال هذه الأحاديث المبطلة والمباحية ذريعة إلى طرح التكاليف، ودفع الأحكام، وإبطال الأعمال، معتقدين بأن الشهادة وعدم الإشراف كاف، وربما يتمسك بها المرجئة. وهذا الاعتقاد يستلزم طي بساط الشريعة، وإبطال الحدود والزواجر السمعية، ويوجب أن يكون التكليف بالترغيب في الطاعات والتحذير عن المعاصي والجنايات غير متضمن طائلا، وبالأصل باطلا، بل يقتضي الانخلاع عن ربقة الدين والملة، والانسلال عن قيد الشريعة والسنة، والخروج عن الضبط، والولوج في الخبط، وترك الناس سدى مهملين يموج بعضهم في بعض معطلين من غير مانع ولا دافع، وذلك يفضي إلى خراب الدنيا بعد أن أفضى إلى خراب العقبى. والمتثبت بهذا الحديث ونظيره ساقط، وعن معارج القدس إلى حضيض النفس لا قط، مع أن قوله: (يعبدوه) يتضمن جميع أنواع التكاليف الشرعية، وقوله: (لا تشركوا) يشمل كلا قسمي الشرك: الجلي، والخفي. قال أهل التحقيق: العبادة لها ثلاث درجات: الأولى: أن يعبد الله طمعا في الثواب، وهربا من العقاب، وهذا المسمى بالعبادة، وهذه الدرجة نازلة جدا؛ لأن معبوده في الحقيقة هو ذلك ــ

стр. 66

٢٦_ وعن أني ذر قال: أتيت النبي ﷺ ، وعليه ثواب أبيض، وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فقال: (ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك؛ إلا دخل الجنة) قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق؟! قال: (وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبيي ذر). وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال: وإن رغم أنف أبي ذر. متفق عليه. ــ الثواب، وقد جعل الحق وسيلة إلى نيل ذلك المطلوب. الثانية: أن يعبد الله لأجل أن يتشرف بعبادته، أو يتشرف بقبول تكاليفه أو يتشرف بالإسناد إليه، وهذه الدرجة أعلى من الأولى، إلا أنها ليست بخالصة؛ لأن المقصود بالذات غير الله تعالى وهذا هو المسمى بالعبودية. الثالثة: أن تعبد الله لكونه إلها وخالقا، ولكونك عبدا له، والإلهية توجب الهيبة والعزة، والعبودية توجب الخضوع والذلة، وهذا أعلى المقامات، وأشرف الدرجات، وهذا هو المستحق بأن يسمى العبودة، وإليه الإشارة بقول المصلى في أول الصلاة: أصلي لله، فلو قال: أصلى لثواب الله، أو للهرب من عقابه، بطلت صلوته، فالعبادة للعوام من المؤمنين، والعبودية للخواص الموقنين، والعبودة لخاص الخاص [من المقربين]. وقيل: العبادة لمن له علم اليقين، والعبودية لمن عين اليقين، والعبودة لمن له حق اليقين. ولعمرى! ما أظلت الخضراء وأقلت الغبراء على من يفي بهذا الأمر، ويستقيم على هذا الحكم. وقال في آخر حديث معاذ: (وحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم) وفيه إشارة إلى أن هذا لا يستعقب إلا دفع العقاب، وسقوط العذاب عنهم، أما حصول الدرجات السنية والمراتب العلية التي يتنافس فيها المتنافسون فلا يصل إليها إلا العاملون، ولا يشرب من عيونها العذبة إلا المقربون، فالشقي يستصعبها، والسعيد يسعى إليها. الحديث الثالث والعشرون عن أبي ذر: قوله: (وعليه ثوب أبيض) قال الشارحون: ليس هذا من الزوائد التي لا طائل تحتها، بل قصد الراوي بذلك أن يقرر التثبت والإتقان فيما يرويه في آذان السامعين؛ ليتمكن في قلوبهم. (خط): قوله: (ثم مات على ذلك) إشارة إلى الثبات على الإيمان حتى يموت، احتراز عمن ارتد ومات عليه، فحينئذ لا ينفع إيمانه السابق. وقوله: دخل الجنة) إشارة إلى أن عاقبته دخول الجنة، وإن كان له ذنوب جمة، أو ترك من الأركان شيئا، ــ

стр. 67

ــ لكن أمره إلى الله، إن شاء عفى عنه وأدخل الجنة، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم أدخله الجنة بفضله. قال ابن مالك: حرف الاستفهام في قوله: (وإن زنى) مقدر، ولا بد من تقديره (شف): تقديره: أو إن زنى أو إن سرق دخل الجنة؟ (قض): (رغم) لصق بالرغام _ بالفتح _ وهو التراب، ويستعمل مجازا بمعنى كره أو ذل، إطلاقا لا سم السبب على المسبب، وفي الحديث دليل على أن الكبائر لا تسلب اسم الإيمان؛ فإن من ليس بمؤمن لا يدخل الجنة وفاقا، وأنها لا تحبط الطاعات؛ لأنه ﷺ عمم الحكم ولم يفصل، فلو كانت الكبائر محبطة على طريق الموازنة أو غيره لزم أن يبقى لبعض الزناة شيء من الطاعات، والقائل بالإحباط يحيل دخول الجنة لمن هذا شأنه، وأن أربا الكبائر من أهل القبلة لا يخلدون في النار. أقول _ والعلم عند الله _: لعل ذكر الثوب الأبيض والنوم والاستيقاظ ثم إيراد الحديث بحرف التعقيب إشارة إلى حصوله (صلوات الله عليه وسلامه) في عالم الغيب، واستعداده لفيض الله عليه حينئذ بالوحي، وتخصيص الثوب الأبيض إيماء إلى قوله (تعالى): (يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر) نعم! في الآية إشارة إلى الإنذار، وفي الحديث إلى البشارة، أي قم فبشر عبادي الذين آمنوا بالجنة. ومعنى (ثم) في قوله: (ثم مات) التراخي في الرتبة، كقوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا)، وقوله ﷺ : (قل آمنت بالله ثم استقم) وقد مر بيانه. والاستثناء مفرغ، أي ما من عبد آمن وثبت عليه يكون له حال من الأحوال إلا حال دخول الجنة، ولعل تقدير الاستفهام أن يقال: أدخل الجنة وإن زنى وإن سرق؟ والشرط حال، ولا يذكر الجواب مبالغة تتميما بمعنى الإنكار في الكلام السابق. وأما تكرير أبي ذر فلاستعظام شأن الدخول مع مباشرة الكبائر وتعجبه منه، وتكرير رسول الله ﷺ إنكار له على استعظامه، أي أتبخل يا أبا ذر برحمة الله؟ فرحمة الله واسعة على خلقه وإن كرهت ذلك؛ فقد قال الله تعالى: (قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) الآية، وهو الزنى، أو حق العباد، وهو أخذ مالهم بغير حق. وفي تكريره أيضا معنى الاستيعاب والعموم، كقوله تعالى: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا) أي دائما. وأما حكاية أبي ذر قول رسول الله ﷺ رغم أنف أبى ذر) فللشرف والافتخار. ــ

стр. 68

٢٧_ وعن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبدُ الله ورسوله وابنُ أمته وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل). متفق عليه. ــ الحديث الرابع والعشرون عن عبادة: قوله: (من شهد أن لا إله إلا الله) (مح): هذا حديث عظيم الواقع، وهو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد؛ فإنه جمع فيه ما يخرج عنه جميع ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدها. قوله: (وأن عيسى) (قض): ذكر عيسى ﷺ تعرضا بالنصارى، وإيذانا بأن إيمانهم مع القول بالتثليث كفر محض، لا يخلصهم من النار. (شف): ذكر (عبده) تعرضا بالنصارى في قولهم بالتثليث، وذكر (رسوله) تعريضا باليهود في إنكارهم رسالته، وانتمائهم إلى ما لا يحل من قذفه وقذف أمه. وأقول: كذا قوله: (وابن أمته) تعريض بالنصارى وتقرير لعبديته، أي هو عبدي وابن أمتى، كيف ينسبونه إلى بالنبوة؟ وتعريض باليهود، براءة ساحته من قذفهم، والإضافة في (أمته) إذا للتشريف، وعلى هذا تسميته بالروح، ووصفه بقوله: (منه) إشارة إلى أنه ﷺ مقربه وحبيبه، وتعريض باليهود وبحطهم من منزلته، وتنبيه للنصارى على أنه مخلوق من المخلوقات، روى أن عظيما من النصارى سمع قارئا يقرأ: (وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) قال: أفغير هذا دين النصارى؟ يعنى هذا يدل على أن عيسى ﵇ بعض منه. فأجاب على بن الحسين بن واقد صاحب كتاب النظائر: إن الله تعالى يقول أيضا: (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه) فلو أريد بقوله: (روح منه) بعض منه وجزء منه، لكان قوله ههنا: (جميعا منه) معناه بعض منه أو جزء منه، فأسلم النصراني. ومعنى الآية أنه تعالى سخر هذه الأشياء كائنة منه، وحاصلة من عبده، يعنى أنه مكونها وموجدها بقدرته وحكمته، ثم مسخرها لخلقه. قوله: (والجنة والنار حق) لعله ﷺ ذكر الجنة والنار وأخبر عنهما بقوله: (حق) _ وهو مصدر _ للمبالغة في حقيقة، وأنهما عين الحق، كقولك: زيد عدل؛ تعريضا بالزنادقة، ومن ينكر دار الثواب ودار العقاب. ــ

стр. 69

ــ (تو): الكلمة تقع على كل واحد من الأنواع الثلاثة: الاسم، والفعل، والحرف. وتقع على الألفاظ المنظومة، والمعاني المجموعة تحتها، وبهذا تستعمل في القضية، والحكم، والحجة. وبجميعها ورد التنزيل، وكأن الكلام أخذ من الكلم؛ فإن الكلم يدرك تأثيره بحاسة البصر، والكلام يدرك تأثيره بحاسة السمع. وأما تسمية عيسى بالكلمة فإنه حجة الله تعالى على عباده، أبدعه من غير أب، وأنطقه في غير أوانه، وأحيى الموتى على يده، والحديث في ذلك ذو شجون، ولا يخفى على ذي اللب فهمه واستنباطه. وقد قيل: إنه سمى كلمة لكونه موجدا بكن، وقيل: لما انتفع بكلامه سمى به، كما يقال: فلان سيف الله، وأسد الله. وقيل: لما خصه الله به في صغره حيث قال: (إنى عبد الله آتانى الكتاب). وقوله: (ألقاها إلى مريم) أي أوصلها إليها، وحصلها فيها. وأما تسميته بالروح فلما كان له من إحياء الموتى. وقيل: لأنه روح وجسد من غير جزء من ذي روح، كالنطفة المنفصلة من الحى، وإنما اخترع اختراعا من عند الله. (قض): قوله: (أدخله الله الجنة على ما كان عليه من العمل) دليل على المعتزلة في مقامين: أحدهما: أن العصاة من أهل القبلة لا يخلدون في النار؛ لعموم قوله: (من شهد) وثانيهما: أنه تعالى يعفو عن سيئات قبل التوبة واستيفاء العقوبة، لأن قوله: (على ما كان عليه من العمل) حال من قوله: (أدخله الله الجنة) كما في قولك: رأيت فلانا على أكل، أي آكلا. ولا شك أن العمل غير حاصل، بل الحاصل حال إدخاله استحقاق ما يناسب عمله من الثواب والعقاب، ولا يتصور ذلك في حق العاصي الذي مات قبل التوبة، إلا إذا أدخل قبل استيفاء العقوبة. فإن قلت ما ذكرت يستدعى أن لا يدخل أحد النار من العصاة. قلت: اللازم منه عموم العفو، وهو لا يستلزم عدم دخول النار؛ لجواز أن يعفو عن بعضهم بعد دخول، وقبل استيفاء العذاب، وليس بحتم عندنا أن يدخل النار أحد، بل العفو عن الجميع بموجب وعده حيث قال: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وقال (يغفر الذنوب جميعا). مرجوا. أقول: إن التعريف في العمل للعهد، والإشارة به إلى الكبائر، والدليل عليه أمثال قوله: (وإن زنى وإن سرق) في حديث أبي ذر، وقوله: (على ما كان عليه) حال، كما في قول الحماسي: فو الله أنسى قتيلا رزينة ... بجانب قوسى ما مشيت على الأرض على أنها تعفو الكلوم وإنما ... يوكل بالأدنى وإن جل ما يقضى قال أبو البقاء: على وما يتصل بها حال، أي ما أنسى بهذا الرزء في حال الكلوم، أي حال مخالف لحال غيري في استدامة الحزن؛ فالمعنى من يشهد أن لا إله إلا الله يدخل الجنة في حال ــ

стр. 70

ــ ٢٨_ وعن عمرو بن العاص، قال: أتيت النبي ﷺ ، فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، فقبضتُ يدي، فقال: (مالك يا عمرو؟) قلت: أردتُ أن أشترط. فقال: (تشترطُ ماذا؟) قلت: أن يغفر لي. قال (أما علمت يا عمرو! أن الإسلام يهدم ما كان قلبه، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدمُ ما كان ــ استحقاقه العذاب بموجب أعماله من الكبائر، أي حال هذا مخالفة للقياس في دخول الجنة، فإن القياس يقتضى أن لا يدخل الجنة من شأنه هذا، كما زعمت المعتزلة، وإلى هذا المعنى ذهب أبو ذر في قوله: (وإن زنى وإن سرق؟) ورد بقوله: (وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر). الحديث الخامس والعشرون عن عمرو: (فلأبايعك) لعل التقدير: فأن أبايعك، وأقحم اللام توكيداً، أو التقدير: لأبايعك تعليلا للأمر، والفاء مقحمة. ويحتمل أن تكون مفتوحة، فيكون التقدير: فإني لأبايعك وأقحم اللام توكيداً، أو التقدير: لأبايعك تعليلا للأمر، الفاء مقحمة. ويحتمل أن تكون مفتوحة، فيكون التقدير: فإني لأبايعك، والفاء للجزاء، كقولك: إيتنى فإني أكرمك. (خط): وحق (ماذا) أن يتقدم على (تشترط)، إلا أنه حذف (ماذا) قبل (تشترط) وجعل المذكور تفسيراً له. وقال المالكي في قول عائشة ﵂: أقول: (ماذا) شاهد على أن (ما) الاستفهامية إذا ركب مع (ذا) تفارق وجوب التصدير، فيعمل فيها ما قبلها رفعا ونصبا، فالرفع كقولهم: كان ماذا والنصب كما في الحديث، وأجاز بعض العلماء وقوعها تمييزا، كقولك لمن قال: (عندي عشرون) عشرون: ماذا؟ أقول: كأنه ﷺ لم يستحسن منه الاشتراط في الإيمان، فقال: (أتشترط) إنكارا، فحذف الهمزة، ثم ابتدأ فقال: (ماذا)، أي ماذا تشترط، ونظيره في إعادة المجيب كلام السائل: قول إخوة يوسف: (جزاؤه من وجد فيرحله) بعد سؤال القوم: (فما جزاؤه). (تو): الإسلام يهدم ما كان قبله مطلقا، مظلمة كانت أو غير مظلمة، كبيرة كانت أو صغيرة، فأما الهجرة والحج فإنهما لا يكفران المظالم، ولا يقطع فيهما أيضا بغفران الكبائر التي بين الله وبين العباد، فيحمل الحديث على أن الحج والهجرة يهدمان ما كان قبلهما من الصغائر، ويحتمل أنهم يهدمان الكبائر أيضا فيما لا يتعلق به حقوق العباد بشرط التوبة، عرفنا ذلك من أصول الدين، فرددنا المجمل إلى المفصل، وعليه اتفاق الشارحين. وأقول: نحن ما ننكر ما اتفق عليه الشارحون، لكن نتكلم في الحديث بحسب ما تقتضيه البلاغة، وذلك أن فيه وجوها من التوكيد يدل على أن حكم الهجرة والحج حكم الإسلام: أحدهما أنه من الأسلوب الحكيم، فإن غرض عمرو من إبائه عن المبايعة ما كان إلا حكم

стр. 71

قبله؟!). رواه مسلم. والحديثان المرويان عن أبي هريرة، قال: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك) والآخر: (الكبرياءُ ردائي) سنذكرها في باب الرياء والكبر إن شاء الله تعالى. ــ نفسه في إسلامه. وحديث الهجرة والحج زيادة في جوابه، كأنه قيل لا تهتم بشأن الإسلام وحده، وأنه يهدم ما كان قبله، فإن حكم الهجرة والحج كذلك. وثانيها: أن العطف في علم المعاني يستدعى المناسبة القوية بين المعطوف والمعطوف عليه وإلا فيدخل في حكم الجمع بين الأروى والنعام. قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: (سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق): عطف (وقتلهم الأنبياء) على (ما قالوا) ليدل على أن قولهم: (إن الله فقير ونحن أغنياء) في الفظاعة كقتل الأنبياء، وفي أنه يجري مجرى الذنب السابق كقتل الأنبياء. وثالثهما: (أما) فإن الهمزة فيها معنى النفي، وما نافية، فإذا اجتمعا دلا على التقرير، لا سيما وقد اتبعا بقوله: (علمت) إيذانا بأن ذلك أمر مقرر لا نزاع فيه، ولا ينبغي أن يرتاب مرتاب فيما يتلوها. ورابعها: لفظ (يهدم) فإنه قرينة للاستعارة المكنية، شبهت الخصائل الثلاث في قلعها الذنوب من سنخها بما يهدم البناء من أصله، من نحو الزلازل والمعاول، ثم أثبت للإسلام ما يلازم المشبه به من الهدم وينسب إليه، على سبيل الاستعارة التخييلية. وخامسها: الترقي، فإن قوله: (الحج يهدم ما كان قبله) في أبلغ إرادة المبالغة من الهجرة؛ لأنه دونها، فإذا هدم الحج الذنوب فبالطريق الأولى أن تهدمها الهجرة؛ لأنها مفارقة الأوطان والأحباء، وموافقة لنبي الله ﷺ وكذا حكم الهجرة مع الإسلام، وعلى هذا قول المعرى: سرى برق المعرة بعد وهن ... فبات برامة نصف الكلالا شجى ركبا وأفراسا وإبلا ... وزاد فكاد أن يشجو الرجالا وسادسها: تكرير (يهدم) في كل من الخصال؛ ليدل على استقلال كل منها بالهدم، ويؤيد هذا بما روينا عن رسول الله ﷺ قال: (ما رؤى الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام) ــ

стр. 72

الفصل الثاني ٢٩_ عن معاذ، قال: قلت يارسول الله! أخبرني بعمل يدُخلُني الجنَّة، ويباعدنُي من النار. قال: (لقد سألت عن أمر عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله ــ الحديث. رواه مالك في المؤطأ. وبينه ما روي في حديث آخر عن رسول الله ﷺ أنه دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة فأجيب: أني قد غفرت لهم ما خلا المظالم، فإنني آخذ للمظلوم منه، قال: أي رب إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة، وغفرت للظالم، فلم يجب عشية، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل، فضحك رسول الله ﷺ قال أبو بكر وعمر: ما يضحكك يا رسول الله؟ فقال: إن عدو الله إبليس لما علم أن الله قد استجاب دعائي لأمتي وغفر لأمتي أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه، ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني ما لأمتي وغفر لأمتي أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه، ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه) رواه ابن ماجه في سننه، والله أعلم. الفصل الثاني الحديث الأول عن معاذ: قوله يدخلني ويباعدني) (تو:) الجزم فيهما على جواب الأمر غير مستقيم راوية ومعنى. قلنا: أما الرواية فغير معلومة، وأما المعنى فاستقامته ما ذكره القاضي، قال: وإن صح الجزم فيه كان جزاء لشرط محذوف، تقديره: أخبرني بعمل إن عملته يدخلني الجنة، والجملة الشرطية بأسرها صفة لعمل، أو جوابا للأمر، وتقديره أن إخبار الرسول ﷺ لما كان وسيلة إلى عمله، وعمله ذريعة إلى دخول الجنة كان الإجبار سببا بوجه ما لإدخال العمل إياه في الجنة. (مظ): إذا جعل (يدخلني) جواب الأمر يبقى (بعمل) غير موصوف، والنكرة غير الموصوفة لا تفيد. والجواب أن التنكير فيه للتفخيم أو النوع، أو بعمل عظيم أو معتبر في الشرع، بقرينة قوله: (سألتني عن عظيم) ولأن مثل معاذ لا يسأل من مثله ﷺ بما لا جدوى له. اعلم أن في مثل هذا مذهبين: أحدهما مذهب الخليل: وهو أن يجعل الأمر بمعنى الشرط، وجوابه جزاء. وثانيهما مذهب سيبويه: أن الجواب جزاء شرط محذوف، وعلى التقديرين التركيب من باب إقامة السبب الذي هو الإخبار مقام المسبب الذي هو العمل؛ لأن العمل هو السبب الظاهر لا الإخبار؛ لأن الإخبار إنما يكون سببا للعمل إذا للعمل إذا كان المخاطب مؤمنا معقدا. موافقا، كقوله تعالى: (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة) قال ابن الحاجب: (يقيموا) جواب (قل) أي قل لعبادي يقيموا. وما اعترض عليه من أن الإقامة ليست بملازمة للقول ليس بشيء، فإن الجواب لا يقتضي الملازمة العقلية، وإنما يقتضي الغلبة، وذلك حاصل، فإن أمر الشارع (صلوات الله عليه وسلامه) للمؤمن بإقامة الصلاة يقتضي إقامة الصلاة منه غالبا، وكقوله تعالى: (هل أدلكم على تجارة تنجيكم _ إلى قوله _ يغفر لكم) فإن (يغفر لكم) ــ

стр. 73

تعالى عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) ثم قال: (ألا أدلُّك على أبواب الخير؟ الصومُ جُنَّةٌ، والصدقُة ــ جواب للاستفهام لأن المؤمن الراسخ في الإيمان لما كان مظنة لحصول الإقامة والامتثال صار كالمتحقق منه ذلك. قوله: (سألتني عن عظيم) (مظ): أي سألتني عن شئ عظيم مشكل متعسر الجواب، ولكنه سهل على من يسره الله تعالى عليه؛ لأن معرفة العمل الذي يدخل الرجل الجنة من علم الغيب، وعلم الغيب لا يعلمه أحد إلا الله، ومن علمه الله تعالى. أقول: إنه ذهب إلى أن (عظيم) صفة موصوف محذوف، أي عن سؤال عظيم، والأظهر أن يقال: إنه الموصوف (أمر)، ويعنى به العمل؛ لأن قوله: (تعبد الله) إلى آخره استئناف وقع بيانا لذلك الأمر العظيم، وعنه ينبئ كلام القاضي، حيث قال: (وإنه ليسير) إشارة إلى أن أفعال العباد واقعة بأسباب ومرجحات يفيض عليهم من عنده، وذلك إن كان نحو طاعة سمى توفيقا ولطفا، وإن كان نحو معصية سمى خذلانا وطبعا. أقول: إنما أسند اليسر إلى الله وأطلق العسر لئلا ينسب الخذلان إليه صريحا، على طريقة (أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم). قوله: (ألا أدلك على أبواب الخير) التعريف في (الخير) للجنس، (مظ): جعل هذه الأشياء أبواب الخير لأن الصوم شديد على النفس، وكذا إخراج المال الصدقة، وكذا الصلاة في جوف الليل، فمن اعتادها يسهل عليه كل خير، ويأتي منه كل خير؛ لأن المشقة في دخول الدار يكون بفتح الباب المغلق. ويحتمل أن يكون التعريف للعهد الخارجي التقديري، وهو ما يعلم من قوله: (تعبد الله ولا ت شرك به) إلى آخره، المعني به الإسلام والإيمان الذي هو سبب لدخول الجنة، والمباعدة من النار ظاهرة. أو المعني الخبر النوافل، دل عليه قوله: (وصلاة الرجل في جوف الليل) لئلا يلزم التكرار، وسميت النوافل أبواب الفرائض؛ لأنها مقدمات ومكملات لها، ومن فانته السنن حرم الفرائض. قال بعض العلماء: من ترك الأدب عوقب بحرمان النوافل، ومن عوقب بحرمان النوافل عوقب بحرمان السنن، ومن عوقب بحرمان السنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن عوقب بحرمان الفرائض يوشك أن يعاقب بحرمان المعرفة، وما دل على المباعدة عن النار. قوله: (الصوم جنة) أي عن النار؛ وإنما جعل الصوم جنة عن النار؛ لأن في الجوع سد مجاري الشيطان، كما في الحديث: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ألا فضيقوا مجاريه بالجوع) أو كما قال، فإذا سد مجاريه لم يدخل فيه، فلم يكن مسببا للعصيان الذي هو سبب لدخول النار.

стр. 74

تطفئ الخطيئة كما يُطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل) ثم تلا: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع. .) حتى بلغ (يعملون) ثم قال: (ألا أدلك برأس الأمر وعموده ــ (قض): وإنما جعل الصوم جنة؛ لأنه يقمع الهوى والشهوة، مصداقه قوله ﷺ : (الصوم له وجاء) فالشبع مجلبة للآثام، منقصة للإيمان، ولهذا قال ﷺ : (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه) فإن الشبع يوقعه في مداحض، فيزيغ عن الحق، ويغلب عليه الكسل، فيمنعه من وظائف العبادات، ويكثر المواد الفضول فيه، فيكثر غضبه وشهوته، ويزيد حرصه، فيوقعه في طلب ما زاد على حاجته، فيوقعه في المحارم. قوله: (الصدقة تطفئ الخطيئة) أصله تذهب الخطيئة، كقوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات) ثم في الدرجة الثانية تمحو الخطيئة، كقوله ﷺ لأبي ذر: (اتق الله حيث ما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها) أي السيئة المثبتة في صحيفة الكرام الكاتبين. وإنما قدرت الصحيفة بقرينة (تمحو). ثم الدرجة الثالثة تطفئ الخطيئة لمقام الحكاية عن المباعدة عن النار، فلما وضع الخطيئة موضع النار على الاستعارة المكنية أثبت لها على سبيل الاستعارة التخيبلية ما يلازم النار من الإطفاء؛ ليكون قرينة مانعة لها من إدارة الحقيقة من الخطيئة. وأما قوله تعالى: (إنما يأكلون في بطونهم ناراً) فمن إطلاق اسم المسبب على السبب. وأما معنى إذهاب السيئة بالحسنة تدفع تلك الحسنة يوم القيامة إلى خصمه عوضا عن مظلمته. فإن قلت: هل يلزم على هذا التقدير أن لا يكون الصوم أقوى حالا في المباعدة من النار لأن الجنة هي الترس دون إطفاء النار. قلت: العكس أولى؛ لأن الجنة مانعة من صدور الخطيئة التي هي سبب النار، والصدقة لا تمنع، وإنما تطفئ الخطيئة الحاصلة. (قض) (وصلاة الرجل) مبتدأ، خبره محذوف، أي صلاة الرجل في جوف الليل كذلك، أي تطفئ الخطيئة، أو هي من أبواب الخير، والأول أظهر لاستشهاده ﷺ بالآية، وهي متضمنة للصلاة والإنفاق. قلت: ويعضده تقييد القريتين السابقتين _ أعنى الصوم والصدقة _ بفائدتين زائدتين، وهي الجنة وإطفاء الخطيئة؛ لأن الظاهر أن يقال: أبواب الخير الصوم، والصدقة لا غير، وصلاة الرجل في جوف الليل، فلما قيدتا بهما يجب أن تقيد هذه بما يناسبها كما قدر القاضي، والأظهر أن يقدر الخبر: شعار الصالحين، كما في جامع الأصول، ويفيد فائدة مطلوبة زائدة على القريتين، هي أنهما لما أفادتا المباعدة عن النار فتفيد هذه الإدخال في الجنة، ويتم ــ

стр. 75

وذروة سنامه؟) قلت: بلى يا رسول الله، قال: (رأس الأمر الإسلام، وعمودهُ الصلاة، وذروةُ سنامه الجهادُ. ثم قال: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟) قلت: بلى يا نبيَّ ــ الاستشهاد بالآية؛ لأن قرة العين كناية عن السرور والفوز التام، وهو مباعدة النار ودخول الجنة، كما قال الله تعالى: (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز). قوله: (ألا أدلك برأس الأمر وعموده) الذروة _ بكسر الذال وضمها _ أعلى الشيء، وذروة الجبل أعلاه، والجمع الذرى _ بالضم _ والسنام _ بالفتح _ ما ارتفع من ظهر الجمل. (تو): المراد بالإسلام في قوله: (رأس الأمر الإسلام) كلمتا الشهادة، وأراد بالأمر هنا أمر الدين، يعنى مالم يقر العبد بكلمتي الشهادة لم يكن له من الدين شيء أصلا، وإذا أقر بكلمتي الشهادة حصل له أصل الدين، إلا أنه ليس له قوة وكمال، كالبيت الذي ليس له عمود، فإذا صلى وداوم على الصلاة قوى دينه، ولكن لم يكن له رفعة وكمال، فإذا جاهد حصل لدينه الرفعة. (شف): في قوله: (رأس الأمر الإسلام) إشارة إلى أن الإسلام من سائر الأعمال بمنزلة الرأس في الجسد في احتياجه إليه وعدم بقائه دونه. وفي قوله: (ذروة سنامه الجهاد) إشارة إلى صعوبة الجهاد، وعلو أمره، وتفوقه على سائر الأعمال. (مظ): إنما خص الشاهدة والصلاة ولم يذكر الزكاة والصوم والحج لأنه ذكر الأركان الخمسة في أول الحديث، وأعاد هنا ذكر ما هو الأقوى منها تعظيما لشأنهما؛ لأنهما يتكرران في كل يوم وليلة، بخلاف الزكاة والصوم فإنهما يتكرران في سنين، والحج لا يتكرر، وزاد الجهاد وبين أن به رفعة الدين؛ ليكون محرضا للدين على الجهاد. وقلت: وعدى (أدلك) في هذه القرينة بالباء وهو يعدى مضمنا معنى الإخبار، أي هل أخبرك برأس الأمر، وإنما عدل ليجمع بين المعنيين. قال صاحب الكشاف في قوله: (وتعد عيناك عنهم): وإنما عدى بعن لتضمين عدا معنى نبا وعلا في قولك: نبت عنه عينه، وعلت عنه إذا اقتحمته ولم تتعلق به. والغرض فيه إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ. فإن قلت: لم خصص هذه القرينة بالباء والأولى بعلي؟ قلت هذه القرينة أجمع وأشمل؛ لأن المعنى بالأمر الدين، وهو مشتمل على أبواب الخير، وعلى ما سبقه من قوله: (تعبد الله) إلى آخره، ولهذا أعاد الباء في القرنية الثالثة، وأكدها ب (كله) لكونها أجمع منها، وهذا الترقي ينبهك على جواز الزيادة في الجواب كما في قوله تعالى: (يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين) وهو من أسلوب الحكيم. (غب): السؤال ضربان: جدلي، وتعليمي، وحق الأول مطابقة الجواب من غير زيادة ونقص، والثاني حقه أن يتحرى المجيب الأصوب، كالطبيب الرفيق يتوخى ما فيه شفاء العليل طلبه أم لا. قوله: (بملاك ذلك كله) (تو): ملاك الأمر _ بالكسر _ قوامه، وما يتم به، ولهذا يقال: القلب ملاك الجسد. (قض): ملاك الشيء: اصله ومبناه، وأصله ما يملك به كالنظام. (مظ): ما به إحكام ــ
следующие страницы →