Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
أيُّ شىءٍ أحبُّ إليك؟ قال: لونٌ حسنٌ، وجلدٌ حسنٌ، ويَذهبُ عني الذي قد قَذَرَني الناسُ)) قال: ((فمسحَه فذهبَ عنهُ قذَرُهُ، وأُعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا. قال: فأي المال أحبُّ إليك؟ قال: الإِبلُ - أو قال: البقرُ -)) شك إسحق ((إلا أنَّ الأبرصَ والأقرعَ، قال أحدُهما: الإبلُ، وقال الآخرُ: البقرُ. قال: فأعطِيَ ناقةً عشراءَ، فقالَ: باركَ اللهُ لك فيها)). قال: ((فأتى الأقرعَ، فقال: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليكَ؟ قال: شعرٌ حسنٌ، ويَذهبُ غني هذا الذي قدْ قذَرني الناسُ)). قال: ((فمسحَه؛ فذهبَ عنه))، قال: ((وأُعطِيَ شَعْرًا حسنًا. قال: فأيُّ المالِ أحبُّ إليكَ؟ قال: البقرُ. فأُعطِيَ بقرةً حاملاً، قال: باركَ اللهُ لك َفيها)). قال: ((فأتى الأعمى، فقال: أيُّ شىءٍ أحبُّ إِليكَ؟ قال: أنْ يَرُدَّ اللهُ إِليَّ بصري، فأبصرُ به الناسَ))، قال: ((فمسَحه؛ فرَدَّ اللهُ إِليه بَصره.
ــ
غفور رحيم﴾ ولو رفع ((أبرص)) وما عطف عليه بالخبرية تعين للتفسير وقوله: ((يذهب عنى)) عطف علي قوله: ((لون حسن)) علي تقدير ((أن)) كقوله: أحضر الوغى.
قوله ((قذرنى)) أي كرهنى, يقال: قذرت الشىء أقذره إذا كرهته واجتنبته.
قوله: ((فذهب عنه قذره وأعطى لونًا حسنًا)) قدم هنا ذهاب القذر علي إعطاء الحسن علي الترتيب في الوجود؛ لأن إعطاء الحسن مسبوق بذهاب القذر، وقدم الحسن علي ذهاب القذر؛ لأن الحسن هو المقصود بالذات والأهم بالطلب؟ ولأنه إذا جاء الحسن ذهب القذر لا محالة، بخلافه إذا ذهب القذر فقد يتخلف عنه الحسن، فلذا عقب الذهاب بالحسن في الثاني.
قوله: ((شك إسحاق)) وهو إسحاق بن عبد الله، أحد رواة هذا الحديث. وقوله: ((إلا أن الأبرص)) استثناء من قوله: ((شك)) أي شك إسحاق في ذلك، لكن لم يكن يشك في أن الأبرص أو الأقرع انفرد كل واحد منهما في طلب الإبل، أو البقر. ثم بنى علي هذا الاحتمال قوله: ((فأعطى ناقة)) أي الأبرص.
قوله: ((العشراء)) - بالضم وفتح الشين والمد - التي أتى علي حملها عشرة أشهر، ثم اتسع فيه، فقيل لكل حامل: عشراء. قوله: ((شاة والدًا)) وهي التي قد عرف منها كثرة الولد. وقوله: ((فأُنتج هذان)) هكذا هو الرواية، وهي قليلة الاستعمال، والمشهور نتج، ومعناه: تولي الولادة، وهي النتج والانتاج. ومعنى ((ولدَّها)) بتشديد اللام انتج، والناتج للإبل كالقابلة للنساء.
قوله: ((هذان)) أي الأبرص والأقرع. و ((هذا)) أي الأعمى. قوله: ((في صورته)) أي الملك جاء في صورته التي جاء الأبرص أول مرة.
стр. 1052
قال: فأيُّ المال أحبُّ إِليكَ؟ قال: الغنمُ. فأعطيَ شاةً والدًا. فأنتجَ هذانِ، وولَّد هذا؛ فكانَ لهذا وادٍ من الإِبلِ، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا واد من الغنم)). قال: ((ثمَّ إنَّه أتى الأبرص في صورته وهَيئتهِ، فقال: رجلٌ مسكينٌ قد انقطعتْ بيَ الحبالُ في سفَري، فلا بلاغَ لي اليومَ إلا بالله ثمَّ بكَ. أسألُكَ بالذي أعطاكَ اللونَ الحسنَ والجلدَ الحسنَ والمالَ، بعيرًا أتبلغُ بهِ ني سفَري. فقال: الحقوقُ كثيرةٌ. فقال: إنَّه كإني أعرِفُكَ، ألم تكنْ أبرصَ يقذَرُكَ الناسُ، فقيرًا فأعطاكَ الله مالاً؟ فقال: إنَّما ورِثتُ هذا المالَ كابرًا عن كابرٍ، فقال: إِنْ كنتَ كاذِبًا، فصيَّركَ اللهُ إلي ما كنتَ)). قال: ((وأتى الأقرعَ في صورته، فقال له مثلَ ما قال لهذا، وردَّ عليه مثلَ ماردَّ علي هذا، فقال: إنْ كنتَ كاذِبًا فصيَّركَ الله إلي ماكنتَ)). قال: ((وأتى الأعمى في صورته وهيئِتِه، فقال: رجلٌ مسكينٌ وابنُ سبيلٍ، انقطعت بي الحِبالُ في سفَري، فلا بلاغَ ليَ اليومَ إلا بالله ثمَّ بكَ. أسألُكَ بالذي ردَّ عليكَ بصركَ، شاةٌ أتبلغُ بها ني سفري. فقال: قد ْكنتُ أعمى فردَّ اللهُ إِليَّ بصري، فخُذْ ما شئتَ ودعْ ماشئتَ؛ فو الله لا أجهدُكَ اليوم بشيءٍ أخذتَه لله. فقال: أمسِكْ مالَكَ، فإِنَّما ابتُليتُم؛ فقدْ رُضِيَ عنكَ. وسخِطَ علي صاحِبيكَ)). متفق عليه.
ــ
قوله: ((انقطعت بى الحبال)) الباء للتعدية. ((الحبال)) جمع حبل، وهو العهد، والأمان، والوسيلة، وكل ما يرجو منه خيرًا وفرجًا، أو يستدفع به ضررًا. والحبل هنا السبب، فكأنه قال: انقطعت بى الأسباب. والبلاغ: الكفاية، قال الله تعالي: ﴿إن في هذا لبلاغًا لقوم عابدين﴾. والباء في ((بالله)) متصل بـ ((بلاغ)) أي ليس ما ما أبلغ به غرضي إلا بالله، و ((ثم)) في قوله: ((ثم بك)) للمرتبة في التنزل لا للترقى. وهذا وأمثاله من الملائكة معاريض في الكلام لا إخبار كما في قول إبراهيم: ((هذا ربى، وإنى سقيم، وهي أختى)) وقول الملائكة لداود ﴿إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة﴾ والباء في قوله: ((بالذي)) للقسم، والاستعطاف، أي أسالك بحق الذي، أو متوسلا بالذي، و ((بعيرًا)) مفعول ((أسالك)). قوله: ((كابرًا عن كابر)) حال، يقال: هو كبر قومه، أكبرهم في السن والرياسة، أو في النسب، وورثوا المجد كابرًا عن كابر.
قوله: ((إن كنت كاذبًا)) هذا الشرط ليس علي حقيقته؛ لأن الملك لم يشك في كذبه بل هو مثل قول العامل إذا تسوف في عمالته: إن كنت عملت فأعطنى حقى. فعلي هذا تصييره علي ما
стр. 1053
١٨٧٩ - وعن أمِّ بُجيد، قالتْ: قلتُ: يا رسولُ الله! إذنَّ المسكينَ ليَقفُ علي بابي حتى استحييَ، فلا أجدُ في بيتي ما أدفعُ في يدِهِ. فقال رسولُ الله ﷺ : ((ادفعى في يدِه ولو ظْلفًا مُحرَّقًا)). رواه أحمدُ، وأبو داود، والترمذيُّ، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح. [١٨٧٩]
١٨٨٠ - وعن مولي لعثمانَ [﵁]، قال: أُهدِيَ لأمِّ سلمةَ بَضعةٌ منْ لحمٍ، وكان النبيُّ ﷺ يُعجبُه اللحمُ، فقالتْ للخادم: ضَعيهِ في البيتِ لعلَّ النبيَّ ﷺ يأكلهُ، فوَضعَتْهُ في كُوَّةِ البيتِ. وجاءَ سائلٌ فقام علي الباب، فقال: تصدَّقوا، باركَ اللهُ فيكم. فقالوا: باركَ اللهُ فيكَ. فذهبَ السَّائلُ، فدخلَ النبيُّ ﷺ فقال: ((يا أمَّ سلَمةَ! هلْ عندكم شيءٌ أطْعَمُه؟)) فقالتْ نعم، قالتْ للخادم: اذهبي فأتي رسولَ الله ﷺ بذلكَ اللحمِ. فذهبتْ، فلم تجدْ في الكُوَّةِ إِلَاّ قطعةَ مَرْوةٍ، فقال النبيُّ ﷺ : ((فإنَّ ذلكَ اللحمَ عادَ مَروةً لمَّا لمْ تُعطوهُ السائلَ)). رواه البيهقىُّ في ((دلائل النبوَّة)). [١٨٨٠]
١٨٨١ - وعن ابن عبَّاسٍ [﵄]، قال: قال النبيُّ ﷺ : ((أَلا أُخبرُكم بشرِّ النَّاسِ مَنزِلاً؟)) قيلَ: نعمْ، قال: ((الذي يُسأَلُ باللهِ ولا يُعطي به)). رواه أحمد. [١٨٨١]
ــ
كان عليه مقطوع حصوله، ويؤيده قوله: ((وسخط علي صاحبيك)). قوله: ((وأتى الأقرع في صورته)) لم يذكر هنا الهيئة اختصارًا، أو سقط من الراوى، قوله: ((لا أجهدك اليوم)) أي لا أستفرغ طاقتى بمنع شىء أخذته لله, هذا علي عكس ما قال الأبرص والأقرع: الحقوق كتيرة، أي الموانع في الإعطاء كثيرة، فلا يتأتى لي أن أعطيك شيئًا.
الحديث الخامس عن أم بجيد اسمها حواء بنت يزيد بن السكن: قوله: ((محرقًا)) تتميم لإرادة المبالغة في ظلف، كقولها: كأنه علم في رأسه نار.
الحديث السادس عن مولي لعثمان: قوله: ((وكان النبي ﷺ ) جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، أي من عادته أن يعجبه اللحم، والخادم هو أحد الخدام، ويقع علي الذكر والأنثى؛ لإجرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال كحائض وطالق، ويدل علي أنها أنثى قوله: ((ضعيه)). ((المروة)): حجر أبيض براق. وقيل: هي التي يقدح منها النار.
الحديث السابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((بالله)) الباء تحتمل أن تكون كالباء في كتبت بالقلم، أي يسأل بواسطة ذكر اسم الله، أو القسم والاستعطاف، يعنى قول السائل: أعطونى شيئًا بحق الله. وهذا مشكل، اللهم إلا أن يُتَّهم السائل بعدم الاستحقاق.
стр. 1054
١٨٨٢ - وعن أبي ذَرٍّ، أنَّه استأذنَ علي عُثمانَ، فأذنَ له وبيده عصاهُ، فقال عُثمانُ: يا كعبُ! إنَّ عبدَ الرَّحمنِ توُفي وتركَ مالاً، فما ترى فيه؟ فقال: إنْ كانَ يصلُ فيه حقَّ الله، فلا بأسَ عليه. فرفع أبو ذرٍّ عصاهُ فضربَ كعبًا، وقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: ((ما أُحبُّ لو أَنَّ لي هذا الجبلَ ذهبًا أُنفِقُه ويُتقبَّلُ مني أَذَرُ خلفي منه ست أَواقِيَّ))، أنشدُكَ باللهِ يا عثمانُ! أسمعته؟! ثلاثَ مرَّاتٍ، قال: نعم. رواه أحمد [١٨٨٢].
١٨٨٣ - وعن عُقبةَ بن الحارِثِ، قال: صلّيتُ وراء النبيِّ ﷺ بالمدينة العصرَ، فسلَّم، ثمَّ قامَ مُسرعًا، فتخطَّى رقِابَ النَّاسِ إلي بعض حُجَرِ نسائه، فَفزعَ الناس منْ سُرعتِه، فخرجَ عليهِمْ، فرأي أنَّهم قدْ عجِبوا من سُرعتِه؛ قال: ((ذَكَرتُ شيئًا من تبر عندنا فكرهتُ أنْ يحبِسنَي، فأمرتُ بقسمته)). رواه البخاريُّ. وفي روايةٍ له، قال: ((كنتُ خَلّقتُ في البيتِ تبرًا من الصَّدَقةِ، فكرِهتُ أنْ أُبيته)).
١٨٨٤ - وعن عائشة [﵂]، أنَّها قالت: كانَ لرسولِ الله ﷺ عندي في مرضه ستَّةُ دنإنير أو سبعةٌ، فأمرني رسولُ الله ﷺ أن أفرقَها، فشغلَني وجَعُ نبيُ الله ﷺ ثم سألني عنها ((ما فَعَلتِ الستةُ أو السَّبعةُ؟)) قلتُ: لا واللهِ، لقدْ كانَ شغلَني
ــ
الحديث الثامن عن أبي ذر: قوله: ((فضرب كعبًا)) فإن قلت: لم ضربه، وقد قيد ما ترك من المال بقوله: ((إن كان يصل فيه حق الله)) وقد ورد ((ما أدى زكاته فليس بكنز))؟ قلت: إنما ضربه؛ لأنه نفي البأس علي سبيل الاستغراق حيث جعله مدخولا لـ ((لا)) التي لنفي الجنس، وكم من بأس، وأقله أنه يدخل الجنة بعد فقراء المهاجرين بزمان طويل، ويوقف للحساب، وما أشبهه. وقوله: ((ويتقبل منى)) تتميم لإرادة المبالغة في عدم المحبة. قوله: (أذر)) مفعول ((أحب)) علي حذف ((أن)) ورفع الفعل، كقوله: أحضر الوغى.
الحديث التاسع عن عقبة: قوله: ((كرهت أن يحبسنى)) أي يلهينى عن الله، ويحبسنى عن مقام الزلفي، كما قال في حديث انبجإنية أبي جهم.
الحديث العاشر عن عائشة ﵂: قوله: ((ما فعلت الستة)) يجوز أن يروى بالنصب والرفع، والرفع أفصح كما جاء: ما فعل أبوأي، وما فعل النغير. ولا بد من محذوف أي ما فعلت بها؟ أأنفقت أم لا؟ فأجابت بلا، ثم اعتذرت مقسمة بالله. وفي وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 1055
وجعُكَ. فدَعا بها، ثمَّ وضعَها في كفِه، فقال: ((مَاظنُّ نبيٍّ لوْ لقيَ اللهَ وهذِه عندَهُ؟!)). رواه أحمد. [١٨٨٤]
١٨٨٥ - وعن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ دخلَ علي بِلالٍ، وعندَه صُبْرةٌ منْ تمرٍ، فقال: ((ما هذا يا بلالُ؟)) قال: شىءٌ ادَّخرْتُه لغَدٍ. فقال: ((أما تخشى أنْ ترى له غدًا بُخارًا في نارِ جهنَّمَ يومَ القيامةِ؛ أنفِقْ بلالُ! ولا تخشَ من ذي العَرْشِ إقْلالأ)) [١٨٨٥].
١٨٨٦ - وعنه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((السَّخاءُ شَجرةٌ في الجنَّةِ، فمنْ كانَ سَخيًا أخذَ بغُصْنِ منها فلمْ يتركهُ الغُصْنُ حتى يُدخلَهُ الجنَّةَ. والشُّحُّ شجرةٌ في النَّارِ، فَمنْ كان شحيحًا أخذَ بغُصنٍ منها، فلم يتركهُ الغُصْنُ حتى يُدخِلَهُ النارَ)). رواهما البيهقي في ((شعب الإيمان)) [١٨٨٦].
ــ
الدنإنير في كفه، ووضع المظهر موضع المضمر، وتخصيص ذكر نبى الله، ثم الإشارة بقوله: ((هذه)) تصوير لتلك الحالة الشنيعة، واستهجان بها، وإيذان بأن حال النبوة منافية لأن يلقى الله ومعه هذا الدنيا الحقيرة، فالظن مضاف إلي الفاعل. وقوله: ((لو لقى الله ) حال من الفاعل.
الحديث الحادى عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بخارًا في نار جهنم)) أي أثره يصل إليك. فهو كناية عن قربه منها، كما أن قوله تعالي: ﴿لا يسمعون حسيسها﴾ كناية عن بعدها. وقوله: ((وأنفق بلال)) جملة مستأنفة مرتبة علي الأولي، فوض الترتيب إلي الذهن، أي فإن كان علي ما ذكر، فانفق يا بلال. والذي يقتضيه مراعاة السجع أن يوقف علي ((إقلالا)) وإن كتب بالألف، أو تغير إلي ((بلالاً)) ليزدوجا، كما في قولك: آتيك بالغدايا والعشايا. وقوله: ((ارجعن مأزورات غير مأجورات)) وما أحسن موقع ذى العرش في هذا المقام أي أتخشى أن يضيع مثلك من هو يدبر الأمر من السماء إلي الأرض؟ كلا.
الحديث الثانى عشر عن أبي هريرة ﵁، قوله: ((شجرة في الجنة)) أي كالشجرة في الجنة. والتنكير للتعظيم. شبه السخاء بالشجرة في عظمها، وإنها ذات أغصان وشعب كثيرة، ثم حذفت أداة التشبيه، وجعلت نفس الشجرة، ثم زيد في المبالغة، ففرع علي السخاء المشبه ما يفرع علي المشبه به من التمسك، والأخذ بالغصن منها يؤديه إلي منبتها وأصلها. ويحتمل أن
стр. 1056
١٨٨٧ - وعن علي [﵁]، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((بادروا بالصدقةِ، فإنَّ البلاءَ لا يتخطَّاها)). رواه رزين [١٨٨٧].
(٦) باب فضل الصدقة
الفصل الأول
١٨٨٨ - عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((من تصدَّقَ بعدل تَمرةٍ من كَسبٍ طَيِّبٍ، ولا يقبلُ اللهُ إِلا الطَّيبَ، فإِنَّ اللهَ يُتقبَّلُها بيمينهِ، ثمَّ يربِّيها لصاحبها كما يربِّي أحدُكم فَلُوَّهُ، حتى تكونَ مثلَ الجبلِ)). متفق عليه.
ــ
ويحتمل أن يكون من باب الادعاء كقوله تعالي: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ في وجه جعل بالادعاء جنس الشجرة الدنيوية نوعين متعارفًا وغير متعارف. وهي شجرة السخاء الثابت أصلها في الجنة وفرعها في الدنيا، فمن أخذ بغصن منها، فلا محالة أن يوصله إلي ما هو منه. وحكم شجرة الشح علي عكس ذلك، وإلي هذا المعنى يلمح قوله: ((السخى قريب من الجنة بعيد عن النار والبخيل قريب من النار بعيد عن الجنة)).
الحديت الثالث عشر عن علي ﵁: قوله: ((فإن البلاء لا يتخطاها)) تعليل للأمر بالمبادرة، وهو تمثيل، جعلت الصدقة والبلاء كفرسى رهان، فأيهما سبق لم يلحقه الآخر ولم يتخطه، والتخطى تفعل من الخطر.
باب فضل الصدقة
((غب)): الصدقة ما يخرجه الإنسان من ماله علي وجه القربة كالزكاة، لكن الصدقة في الأصل تقال للمتطوع به، والزكاة للواجب. وقيل: يسمى الواجب صدقة إذا تحرى صاحبه الصدق في فعله.
الحديت الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بعدل تمرة)) ((خط)): يريد قيمة تمرة، يقال: هذا عدل هذا - بفتح العين - أي مثله في القيمة، وعدله - بكسرها - أي مثله في المنظر. وقال الفراء: العدل - بالفتح - ما عادل الشيء من غير جنسه، و- بالكسر- المثل من عين جنسه. ((تو)): المراد من التقبل باليمين حسن القبول من الله، ووقوع الصدقة منه موقع الرضي ((الفلوّ)) - بتشديد الواو - المهر، إنما ضرب المثل به، لأن الصدقة نتاج عمله، ولأن صاحبه
стр. 1057
١٨٨٩ - وعنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((ما نقصَتْ صدقةٌ من مالٍ [شيئًا]، وما زادَ الله عبدًا بعفوٍ إِلا عِزًا، وما تواضعَ أحدٌ للهِ إِلا رفعَهُ اللهُ)). رواه مسلم [١٨٨٩].
ــ
لايزال يتعاهده ويتولي تربيته. ثم إن النتاج أحوج ما يكون إلي الترَّبية فطيما، وإذا أحسن القيام به وأصلحه، انتهي إلي حد الكمال. وكذلك عمل ابن آدم لاسيما الصدقة التي يجاذبها الشح، ويتشبث بها الهوى، ويقتفيها الرياء، فلا تكاد تخلص إلي الله إلا موسومة بنقائص لايجبرها إلا نظر الرحمن، فإذا تصدق العبد من كسب طيب، مستعد للقبول، فتح دونها باب الرحمة، فلا يزال نظر الله إليها يكسبها نعت الكمال، ويوفيها حصة الصواب، حتى تنتهي بالتضعيف إلي نصاب تقع المناسبة بينه وبين ما قدم من العمل، وقوع المناسبة بين التمرق والجبل.
أقول: قوله: ((من كسب طيب)) صفة مميزة لعدل تمرة ليمتاز الكسب الخبيث الحرام. وقوله: ((ولا يقبل الله إلا الطيب)) جملة معترضة واردة علي سبيل الحصر بين الشرط والجزاء، تأكيدا، ومقرًا للمطلوب من النفقة، ولما قيد الكسب بالطيب أتبعه اليمين لمناسبة بينهما في الشرف، ومن ثم كانت يده اليمنى للطهور. وضرب المثل بالفلوّ الذي هو من كرائم النتاج، وأنه يفتلي، أي يفطم، وأنه أقبل للتربية من سائر النتاج؛ لأن الكسب الطيب من أفضل أكساب الإنسان، وأنه أقبل للمزيد، والمضاعفة. والخبيت الذي هو الحرام علي عكسه. قال الله تعالي: ﴿يمحق الله الربا ويربى الصدقات﴾ والله أعلم.
الحديت الثانى عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((مانقصت صدقة من مال)) ((من)) هذه يحتمل أن تكون زائدة، أي ما نقصت صدقة مالا، ويحتمل أن تكون صلة لـ ((نقصت)) والمفعول الأول محذوف، أي ما نقصت شيئًا من مال. ((مح)): ذكر فيه وجهان: أحدهما أن يبارك فيه، ويدفع عنه المفسدات، فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية، وهذا مدرك بالحس والعادة. والثانى: أنه وإن نقص صورة كان في الثواب المرتب علي نقصه زيادة إلي أضعاف كثيرة. وكذا في قوله: ((وما زاد الله عبدًا بعفو)) وجهان: أحدهما أنه علي ظاهره، وأن من عرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب، وزاد عزه وكرامته. والثانى: المراد أجره في الآخرة، وعزه هناك. وكذا في قوله: ((وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) وجهان: أحدهما يرفعه في الدنيا ويثبت له في القلوب بتواضعه منزلة، ويرفعه الله عند الناس ويجل مكانه. والثانى: المراد به ثوابه في الآخرة ورفعه فيها بتواضعه في الدنيا. قال العلماء: وهذه الأوجه في الألفاظ الثلاثة موجودة في العادة معروفة. وقد يكون المراد الوجهين معًا في جميعهما في الدنيا والآخرة.
стр. 1058
١٨٩٠ - وعنه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((من أَنفقَ زوجينَ من شيءٍ من الأشياءِ في سبيل الله؛ دُعيَ من أبوابِ الجنَّةِ، وللجنَّةِ أبوابٌ. فَمَنْ كانً من أهل الصلاةِ دُعيَ من باب الصلاةِ، ومن كانَ من أهلِ الجهادِ دُعيَ من بابِ الجهاد، ومن كان من أهلِ الصَّدَقة دُعِي من باب الصدقةِ، ومن كانَ من أهلِ الصيامَ دُعيَ من بابِ الرَّيان)) فقال أبو بكرٍ: ما علي من دُعِيَ من تلكَ الأبواب من ضَرورةٍ، فهل يُدعى أحدٌ من تلكَ الأبوابِ كلَها؟ قال: ((نعم، وأرجو أن تَكون منهُم)). متفق عليه.
ــ
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁ قوله: ((من أنفق زوجين)) ((تو)): فسر بدرهمين، أو دينارين، أو مدين من طعام، وما يضاهي تلك الأشياء. ويحتمل أن يراد به تكرار الإنفاق مرة بعد أخرى، أي يتعود ذلك ويتخذه دأبًا، نحو قوله تعالي: ﴿فارجع البصر كرتين﴾)). وفي الغريبين عن أبي ذر: ((من أنفق من ماله زوجين في سبيل الله ابتدرته حجبة الجنة. قيل: وما زوجان؟ قال: فرسان، أو عبدان، أو بعيران من إبله)).
أقول: هذا هو الوجه إذا حملت التثنية علي التكرير؛ لأن القصد من الإنفاق التثبيت من الأنفس بإنفاق كرائم الأموال والمواظبة عليه، كما قال تعالي: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتًا من أنفسهم﴾ أي ليثبتوا منها ببذل المال الذي هو شقيق الروح، وبذله أشق شيء علي النفس من سائر العبادات الشاقة. قوله: ((في سبيل الله)) ((مح)): قال القاضي عياض: قيل: هو علي العموم في جميع وجوه الخير، وقيل: هو مخصوص بالجهاد، والأول أصح وأظهر.
قوله: ((ما علي من دعى)) ((مظ)): ((ما)) نفي و ((من)) في ((من ضرورة)) زائدة، أي ليس ضرورة علي من دعى من تلك الأبواب، إذ لو دعى من باب واحد يحصل مراده، وهو دخول الجنة، ومع أنه لا ضرورة عليه في أن يدعى من جميع الأبواب، فهل أحد يدعى من جميع الأبواب؟ وذكر الشيخ التوربشتى هذا الوجه، وقال: وفي رواية: قال أبو بكر: ((يا رسول الله! ذلك الذي لاتوى عليه))، أي لاضياع عليه ولا خسارة. ((مح)): ((لاتوى)) - بفتح المثناة فوق مقصورًا - أي لا هلاك.
أقول: هذه الرواية تستدعى أن يؤول قوله: ((من ضرورة)) إلي ضررٍ، والمقام أيضًا لا يقتضيه؛ لأن قوله: ((وللجنة أبواب)) وارد علي سبيل الاستطراد لقوله: ((دعى من أبواب الجنة)) فخص كل باب بمن أكثر نوعًا من العبادة، فلما سمع الصديق ﵁، رغب في أن يدعى من كل الأبواب، وقال: ليس علي من دعى من تلك الأبواب ضرر وتوى، بل له تكرمة
стр. 1059
١٨٩١ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أصبح منكم اليومَ صائمًا؟)) قال أبو بكر: أنا. قالَ: ((فمنْ تبعَ منكم اليومَ جَنازة؟)) قال أبو بكر: أنا. قال: ((فمَنْ أطعَمَ منكم اليومَ مسكينًا؟)) قال أبو بكر: أنا. قال: ((فمن عادَ منكمِ اليومَ مريضًا؟)) قال أبو بكر: أنا. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : ((ما اجتمَعْنَ في امرِىءٍ، إلا دخلَ الجنَّة)). رواه مسلم.
ــ
وإعزاز، فهل أحد منا يختص بتلك الكرامة؟ فأجيب: نعم إلي آخره. وقريب منه ما روى: أن أبا الدرداء كان يغرس غرسًا وهو شيخ، فقيل له فأجاب: وما علي أن يكون لي أجرها، ويأكل منها غيرى. هكذا ينبغى أن يؤول؛ لأن سؤاله ﵁: ((فهل يدعى أحد من تلك الأبواب)) بعد ما سمع قوله: ((من أنفق زوجين دعى من أبواب الجنة)) لا يستقيم إلا بهذا التأويل؛ لأن أبا بكر ﵁ علم من ذلك أن أحدًا قد يدعى من جميع الأبواب. ولما كان السؤال عن الاختصاص، طابقه الجواب بقوله: ((أرجو أن تكون منهم)).
فإن قلت: لم خص كل باب باسم العبادة المختصة به، وكنى عن الصيام بالريان؟ قلت: بما يدلي الصوم إلي النسبة إلي الله في قوله: ((الصوم لي))، وعلله بقوله: ((يترك طعامه وشرابه)) وخص الشراب بالذكر؛ لكونه أهم حينئذ. وفيه إشارة إلي قوله تعالي: ﴿وسقاهم ربهم شرابًا طهورًا﴾ وقال الحربى: إن كان الريان اسمًا للباب فلا كلام فيه، وإلا فهو من الرواء الذي يروى، يقال: روى يروى فهو ريان. والمعنى: أن الصائم بتعطيشه نفسه في الدنيا، يدخل من باب الريان ليأمن من العطش.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((قال أبو بكر: أنا)) ((تو)): ذهب طائفة من أهل العلم وفرقة من الصوفية إلي كراهة إخبار الرجل عن نفسه بقوله: ((أنا))، حتى قال بعض الصوفية: كلمة أنا لم تزل مشيءومة علي أصحابها، وأشار هذا القائل إلي أن إبليس إنما لعن لقوله: ((أنا)) وليس الأمر علي ما قدر، بل الذي نقض عليه أمره: هو النظر إلي نفسه بالخيرية، ونحن لاننكر إصابة الصوفية في دقائق علومهم وإشاراتهم في التبرى عن الدعاوى الوجودية. ولكنا نقول: إن الذي أشاروا إليه بهذا القول راجع إلي معان تعلقت بأحوالهم دون ما فيه من التعلق بالقول، كيف وقد ناقض ظاهر قولهم هذا نصوصًا كثيرة، وهم أشد الناس فرارًا عن جميع ما يخالف الكتاب والسنة، ولم يأت القوم في الكرامة بمتمسك إلا بحديث جابر ﵁ ((أتيت النبي ﷺ في دين كان علي أبي، فدققت الباب، فقال: من ذا؟ فقلت: أنا، فقال: أنا أنا، كأنه كرهها)) وهو حديث صحيح. وقد أورده مؤلفه هذا الكتاب في باب الاستئذان، ولو أخذنا بظاهر الحديث كنا كمن حفظ بابًا وضيع أبوابًا كثيرة، وأنى يصح
стр. 1060
١٨٩٢ - وعنه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((يانساءَ المسلماتِ! لا تحقِرَنَّ جارةً لجارَتِها ولو فِرْسَنَ شاةٍ)). منفق عليه.
ــ
القول بظاهر هذا الحديث؟ وقد وجدنا فيما حكى عن أنبياء الله في كتابه أنهم كانوا يستعملونها في كتابة كلامهم، ولا سيما فيما أمر الله به رسوله، نحو قوله تعالي: ﴿إنما أنا بشر مثلكم﴾. وقوله: ((وأنا أول المسلمين))، وقوله: ﴿وما أنا من المتكلفين﴾ وقوله: ﴿ولا أنا عابد ما عبدتم﴾، وقد قال ﷺ : ((أنا سيد ولد آدم، وأنا أول من تنشق عنه الأرض، وأنا أول شافع، وأنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر، وأنا الماحي، وأنا المقفي)) إلي غير ذلك من الآيات والأحاديث. وقد تلفظ بها السابق بالخيرات صديق هذه الأمة ﵁ بين يدى رسول الله ﷺ كرة بعد أخرى، فلم ينكر عليه؛ فلا وجه إذًا للذهاب إلي كراهة ذلك، ونظرنا إلي حديث جابر، فوجدناه قد ذكر الكراهة علي سبيل الحسبان، ثم إنه لم يصرح بالأمر المكروه، فالوجه أن نقول: رأينا النبي ﷺ استعمله ليخبر عن نفسه، فيعرف من الوارد عليه، فيرتفع الإبهام، فلما قال: أنا، لم يأت بجواب تفيده المعرفة، بل بقى الإبهام علي حاله، فكره ذلك للمعنى الذي ذكرناه لا لتلفظه بتلك الكلمة. فلو قال: أنا جابر، لم يكن ﷺ ليكره قوله، أو ينكر عليه.
وأقول: لعل ذلك يتفاوت بتفاوت الأحوال والمقامات، فمن كان مترددًا في الأحوال، ومتحولاً في الفناء والتلوين، ينافي حاله أن يقول: ((أنا)) وأما إذا ترقى إلي مقامات البقاء بالله تعالي وتصاعد إلي درجات التمكين، فلا يضره أن يقول: ((أنا))، ومقامات الأنبياء والصديقين مقامات تمكين، وتكميل للناقصين، والله أعلم.
الحديت الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((يا نساء المسلمات)) ((مح)): في إعرابه ثلاثة أوجه: أصحها نصب النساء وجر المسلمات علي الإضافة، وهو من إضافة الموصوف إلي صفته، والعام إلي الخاص، كمسجد الجامع، وجانب الغربي، ولدار الآخرة. يجوزه الكوفيون، والبصريون يقدرون محذوفًا، أي مسجد المكان الجامع، وجانب المكان الغربى، ولدار الحياة الآخرة، ويقدر هنا: يا نساء الطوائف المسلمات. وقيل: تقديره: يا فاضلات المسلمات، كما يقال: هؤلاء رجال القوم، أي ساداتهم. والوجه الثانى: رفعهما، قال الباجى: هكذا يروى أهل بلدنا. الثالث: رفع نساء وكسر المسلمات علي أنه منصوب علي الصفة علي المحل، كما يقال: يا زيد العاقل والعاقل.
قوله: ((لا تحقرن جارة)) ((تو)): هذا اختصار لمعرفة المخاطين بالمراد منه؛ أي لا تحقرن أن
стр. 1061
١٨٩٣ - وعن جابرٍ وحُذْيفةَ، قالا: قال رسول الله ﷺ : ((كلُّ معروفٍ صدَقةٌ)). متفق عليه.
١٨٩٤ - وعن أبي ذَرِّ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تحقِرنَّ منَ المعروفِ شيئًا، ولوْ أنْ تَلقى أخاكَ بوَجْهٍ طَليقٍ)). رواه مسلم.
١٨٩٥ - وعن أبي موسى الأشعري، قال: رسولُ الله ﷺ : ((علي كلِّ مسلمٍ صدَقةٌ)). قالوا: فإِنْ لم يجدْ؟ قال: ((فلْيعمَلْ بيديهِ فينفَعُ نفسهَ، ويتصدَّقُ)). قالوا: فإنْ لم يستَطعْ؟ - أو لمْ يفعَلْ؟ - قال: ((فيُعينُ ذا الحاجةِ الملهوفَ)). قالوا: فإنْ لم يفعلْ؟ قال: ((فيأمرُ بالخَيرِ)). قالوا: فإِنْ لم يفعلْ؟ قال: ((فيُمسِكُ عنِ الشَّرِّ، فإِنَّه له صدقةٌ)). متفق عليه.
١٨٩٦ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((كلُّ سُلامى منَ النَّاسِ
ــ
تهدى إلي جارتها، ولو أن تهدى فرسن شاة والفرسن وإن كان مما لا ينتفع به، استعمل هنا للمبالغة. ومنه قوله ﷺ : ((من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة)) ومقدار المفحص لايمكن أن يتخذ مسجدًا، وإنما هو علي سبيل المبالغة.
أقول: ويمكن أن يقال: إنه من النهي عن الشيء، والأمر بضده، وهو كناية عن التحاب والتواد، كأنه قيل: لتحاب جارة جارتها بإرسال هدية ولو كانت حقيرة، ويتساوى فيه الفقير والغنى، ونحوه قوله ﷺ : ((لو أهدى إلي ذرع لقبلت)) وخص النهي بالنساء؛ لأنهن مواد الشنآن، والمحبة. والفرسن عظم قليل اللحم، وهو خف البعير، كالحافر للدابة، وقد يستعار للشاة فيقال: فرسن شاة، والذي للشاة: هو الظلف، والنون زائدة، وقيل أصلية.
الحديث السادس والسابع عن جابر ﵁: قوله: ((كل معروف صدقة)) ((نه)): المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، والتقرب إليه، والإحسان إلي الناس، وهو من الصفات الغالبة، أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لاينكرونه، ومن المعروف: النصفة وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم، وتلقى الناس بوجه طلق وبشاشة.
الحديث الثامن عن أبي موسى ﵁: قوله: ((الملهوف)) نصب نعت ((لذا)) ((نه)): ((الملهوف واللهفان)) المكروب.
الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((سلامى)) ((نه)): السلامى جمع سلامية، وهي الأنملة من أنامل الأصابع. وقيل: واحده وجمعه سواء، ويجمع علي سلاميات،
стр. 1062
عليه صدقةٌ كل يومٍ تَطلُع فيه الشَّمسُ: يَعْدِلُ بينَ الاثنَينِ صدقةٌ، ويُعينُ الرَّجلَ علي دابَّته فيَحملُ علَيها أو يَرفعُ عليَها متَاعَه صدقةٌ، والكلمَةُ الطيِّبةُ صدقةٌ، وكلُّ خُطوَةٍ يَخطُوها إِلي الصَّلاةِ صدقةٌ، ويُميطُ الأذى عنِ الطريقِ صدقةٌ)). متفق عليه.
١٨٩٧ - وعن عائشةَ، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : ((خُلِقَ كلُّ إِنسان منْ بني آدَم علي ستيِنَ وثلثماثة مَفصِلٍ: فمنْ كبَّرَ اللهَ، وحمدَ اللهَ، وهَللَ اللهَ، وسَبَّحَ
ــ
وهي التي بين كل مفصلين من أصابع الإنسان. وقيل: السلامى كل عظم مجوف من صغار العظام. ((مظ)): المعنى علي كل أحد بعدد كل مفصل في أعضائه صدقة، شكرًا لله تعالي بأن جعل في عظامه مفاصل تقدر علي القبض والبسط؛ فإن ذلك نعم عظيمة، إذ لو جعل أعضاءه بغير مفصل، كانت كالخشبة.
وأقول: لعل تخصيص ((السلامى)) - وهي المفاصل من الأصابع – بالذكر؛ لما في أعمالها من دقائق الصنائع التي تتحير الأوهام فيها؟ ولذلك قال تعالي: ﴿بلي قادرين علي أن نسوى بنانه﴾. أي نجعل أصابع يديه ورجليه مستوية شيئًا واحدًا، كخف البعير وحافر الحمار، فلا يمكن أن يعمل بها شيئًا مما يعمل بأصابعه المفرقة ذات المفاصل من فنون الأعمال دقها وجلها. ولهذا السر غلب الصغار من العظام علي الكبار. وقوله: ((كل سلامى)) مبتدأ و ((من الناس)) صفته، و ((عليه صدقة)) الجملة خبر، والراجع إلي المبتدأ الضمير المجرور في الخبر. قال المالكى: وحق الراجع إلي كل مضاف إلي نكرة أن يجىء علي وفق المضاف إليه، كقوله تعالي: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ و ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ وقد يجئ علي وفق ((كل)) كما في الحديث، فذكر الضمير موافقة ((لكل)).
وقوله: ((كل يوم)) استئناف؛ فإنه لما قيل: ((علي كل سلامى صدقة)) توجه لسائل أن يسأل عمن يقدر علي هذا، وبأي شىء يتصدق؟ قيل: ((كل يوم)) إلي آخره. وقوله: ((يعدل)) أي يصلح بين الخصمين، ويدفع ظلم الظالم، مبتدأ و ((صدقة)) خبره علي تأويل ((أن يعدل)) فحذف ((أن)) فارتفع الفعل، كما في قوله تعالي: ﴿ومن آياته يريكم البرق﴾، وينصره عطف قوله: ((عليه)) و ((الكلمة الطيبة صدقة)) وكذا ((كل خطوة)) عطف عليه، وكل من هذه الجمل أخبار لقوله: ((كل يوم تطلع فيه الشمس))، والرواجع من الأخبار المحذوفة، أي يعدل فيه مثلا.
الحديث العاشر عن عائشة ﵂: قوله: ((الثلثمائة.)) ((مح)): أضيف ((الثلاث)) وهي معرفة إلي ((مائة)) وهي نكرة. قيل في الاعتذار: إنه لا اعتداد باللام؟ لأنها زائدة. أقول: ولو
стр. 1063
اللهَ، واستغفَرَ اللهَ، وعزَلَ حجرًا عنْ طريقِ النَّاسِ، أو شوكةً، أو عظمًا، أو أمرَ بمعروفٍ، أو نهي عنْ مُنكرٍ، عَدَدَ تلكَ الستينَ والثلثماثة، فإِنَّه يمشي يومَئذٍ وقدْ زحْزحَ نفسَه عن النَّارِ)). رواه مسلم.
١٨٩٨ - وعن أبي ذَرٍّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((إِنَّ بكلِّ تسبيحةٍ صدقةً، وكلِّ تكبيرةٍ صدقةً، وكلِّ تحميِدَةٍ صدقةَ، وكلِّ تهليلَةٍ صدقةً، وأمرٍ بالمعروفِ صدقةً، ونهي عن المنكر صدقةً، وفي بُضعِ أحدكم صدقةً)). قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدُنا شهوَتَه ويكونُ له فيها أجرٌ؟ قال: ((أرأيتُم لوْ وضعَها في حرامٍ، أكانَ عليه فيهِ وِزرٌ؟! فكذلك إذا وضعَها في الحَلالِ كانَ له أجرٌ)). رواه مسلم.
ــ
ذهب إلي أن التعريف بعد الإضافة، كما في الخمسة عشر بعد التركيب، لكان وجهًا حسنًا.
قوله: ((وقد زحزح نفسه)) ((نه)): أي باعدها عن النار، يقال: زحزحه، أي نحاه عن مكانه وباعده منه. أقول: قيد الفعل بالظرف دلالة علي إيجاب الشكر في كل يوم، وبالحال إشعارًا. بأن غير الشاكر كائن في النار، ومنغمس فيها، وبالصدقة يتخلص منها، ويمضى وما عليه تبعة من ذلك. ((فيمشى)) تمثيل لبراءة ساحته وفوزه.
الحديث الحادى عشر عن أبي ذر ﵁: قوله:، ((وكل تكبيرة صدقة)) ((مح)): روى ((صدقة)) بالرفع والنصب، أما الرفع، فعلي [الاستئناف]، والنصب عطف علي اسم ((إن)) فعلي هذا ((وكل تكبيرة)) مجرور فيكون من باب العطف علي عاملين مختلفين، فإن الواو نائب مناب ((إن))، و ((الباء)). وقال القاضى عياض: جعل التسبيح والتكبير والتهليل صدقة، تشبيهًا لها بالمال في إثبات الأجر، أو سميت بها علي سبيل المشاكلة. وقيل: معناه: أنها صدقة علي نفسه.
قوله: ((وأمر بالمعروف)) أسقط المضاف هنا إما اعتمادًا. علي السابق، ويدل عليه رواية الجر، أو قطعًا له عن ذلك الحكم. وأن قليلا من هذا النوع يقوم مقام تلك الأمور السابقة، فكيف بالكثير. وذهب الشيخ النواوى إلي أن التنكير فيه للإفراد، حيث قال: فيه إشارة إلي ثبوت حكم الصدقة في كل فرد من أفراد الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولهذا نكره، والثواب في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أكثر منه بالتسبيح والتحميد؛ لأنهما فرضا كفاية، وتلك نوافل، فكم بين الفرض والنافلة! وروى إمام الحرمين عن بعضهم أن ثواب الفرض يزيد علي ثواب النافلة سبعين درجة.
قوله: ((وفي بضع أحدكم)) ((نه)): البضع الجماع، والاستبضاع نوع من نكاح الجاهلية، وذلك: أن تطلب المرأة جماع الرجل، تسأل منه الولد فقط.
стр. 1064
١٨٩٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((نِعمَ الصَّدقةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنحةً، والشَّاةُ الصَّفِيُّ مِنحةً تغدو بإناءٍ وتروحُ بآخرَ)). متفقٌ عليه.
١٩٠٠ - وعن أنسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((مامِنْ مُسلمٍ يَغرِسُ غرسًا، أو يُزرَعُ زَرْعًا فيأكلُ منه إِنسانٌ أوْ طيرٌ أوْ بَهيمَةٌ؛ إِلَاّ كانتْ له صدقةٌ)). متفق عليه.
ــ
أقول: و ((في)) إعادة، دلالة علي أن الباء في قوله: ((إن بكل تسبيحة صدقة)) ثابتة، وهي بمعنى ((في)) وإن نزعت عن بعض النسخ، وأن هذا النوع من الصدقة أغرب من الكل حيث جعل قضاء الشهوة بهذا الطريق مكانًا للصدقة ومقرها.
قوله: ((أكان)) أقحم همزة الاستفهام علي سبيل التقرير بين ((لو)) وجوابها تأكيدًا للاستخبار في قوله: ((أرأيتم)).
الحديث الثانى عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((اللقحة)) ((نه)): - بالكسر والفتح - الناقة القريبة العهد بالنتاج، والجمع لقح. والصفي الناقة الغزيرة اللبن. والمنحة العطية، وقد يقع علي الهبة مطلقًا، لا قرضًا ولا عارية.
أقول: ((اللقحة)) مخصومة بالمدح، و ((منحة)) تمييز، و ((تغدو)) صفة لـ ((منحة)) إما مميزة ليتميز عن الهبة المطلقة، أو صفة مادحة، وهي أرجح الوجهين؛ لقوله: ((نعم)).
وقوله: ((بإناء)) إما خبر أو حال، إذا كانت ناقصة، أي تغدو ملتبسة بملء إناه. قال المالكى: وقع في الحديث التمييز بعد فاعل ((نعم)) ظاهرًا، وهو مما منعه سيبويه، ويجيزه إذا وقع مضمرًا كقوله تعالي: ﴿بئس للظالمين بدلا﴾؛ لأن التمييز فائدته رفع الإبهام، ولا إبهام إلا بعد الإضمار. وأجاز المبرد وقوعه بعد الفاعل الظاهر، وهو الصحيح؛ لأن التمييز بعد الفاعل الظاهر إنما يكون للتوكيد كالحال المؤكدة، نحو قوله تعالي: ﴿ولي مدبرًا﴾، و ﴿يوم أبعث حيًا﴾ مع أن الأصل فيها أن يبين بها كيفية مجهولة، فكذا التمييز أصله أن يرفع به إبهام، وقد يجاء به بعد ارتفاع الإبهام قصدًا للتوكيد، كقوله تعالي: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا﴾ وكقول أبي طالب:
ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينًا
الحديت الثالث عشر عن أنس ﵁: قوله: ((ما من مسلم يغرس غرسًا)) ((مظ)): بأي سبب يؤكل مال الرجل يحصل له الثواب. أقول: نكر مسلمًا، وأوقعه في سياق النفي،
стр. 1065
١٩٠١ - وفي رواية لمسلمٍ عن جابرٍ: ((وما سُرِقَ منه له صدقةٌ)).
١٩٠٢ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ . ((غُفِرَ لامرأةٍ مُومِسَةٍ مرت بكلب علي رأس ركيٍّ، يلْهَثُ كادَ يقتُلُه العَطشُ، فنزَعتْ خُفَّها فأوثقَتْ بخمِارِها، فنزعَتْ له منَ الماءِ، فغُفِرَ لها بذلك)). قيلَ: إِنَّ لنا في البهائِمِ أجرًا، قال: ((في كل ذاتِ كَبِدٍ رَطْبةٍ أجرٌ)). متفق عليه.
ــ
وزاد ((من)) الاستغراقية، وخص الغرس والزرع، وعم الحيوان؛ ليدل علي سبيل الكناية الإيمائية علي أن أي مسلم كان سواء حرًا أو عبدًا، مطيعًا أو عاصيًا، يعمل أي عمل من المباح، ينتفع بما عمله أي حيوان - كان - يرجع نفعه اليه ويتاب عليه.
((حس)): روى أن رجلاً مر بأبي الدرداء وهو يغرس جوزة، فقال: أتغرس هذه وأنت شيخ كبير، تموت غدًا أو بعد غد، وهذه لا تطعم إلا في كذا وكذا عامًا! فقال: وما علي أن يكون لي أجرها، ويأكل منها غيرى. وذكر أبو الوفاء البغدادى في كتاب المقامات: أنه مر أنوشروان علي شيخ يغرس شجر الزيتون، فقال له: ليس هذا أوان غرسك شجر الزيتون، وهو شجر بطئ الإثمار وأنت شيخ هرم. فأجاب: غرس من قبلنا وأكلنا، ونغرس ليأكل من بعدنا، فقال أنوشروان: زه - أي أحسنت - وكان إذا قال: ((زه)) يعطى من قيلت له أربعة آلاف درهم فقال: أيها الملك! كيف تتعجب من غراسى، واستبطاء ثمره، فما أسرع ما أثمرت! فقال: زه، فزيد أربعة آلاف أخرى، فقال: أيها الملك؟ كل شجرة تثمر في العام مرة، وقد أثمرت شجرتى في ساعة مرتين، فقال: زه، فزيد مثلها، ومضى أنوشروان، وقال: إن وقفنا عليه لم يكفه ما في خزائننا.
قوله: ((إلا كانت له صدقة)) الرواية برفع الصدقة علي أن ((كانت)) تامة.
الحديت الرابع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((مومسة)) ((تو)): هي الفاجرة المجاهرة. قيل: الومس تحكك الشيء بالشيء حتى يتجرد، ولعلها منه ((الركى))، البئر الذي لم يطو، وجمعه الركايا. لهث الكلب يلهت: إذا أخرج لسانه من العطش والتعب.
قوله: ((ذات كبد رطبة)) ((تو)): قيل: إن الكبد إذا ظمئت ترطبت، وكذا إذا ألقيت علي النار. وقيل: هو من باب وصف الشىء باعتبار ما يؤول إليه، فمعناه في كل كبد حرَّى لمن سقاها حتى تصير رطبة أجر، والأول أوجه؛ لأن الرطبة قد وردت في الحديث بدل الحارة، فيجب أن يكون بمعناها. وفي حديت سراقة ومخول ((أو حارة)) بدل ((رطبة)) واللفظان معًا - أعنى حرَّى ورطبة - لم يجمعهما رواية.
أقول: التركيب وارد علي سبيل المبالغة، وذلك أنه لما سمعوا حديث سقى المومسة
стр. 1066
١٩٠٣ - وعن ابن عمرَ، وأبي هريرةَ، قالا: قال رسولُ الله ﷺ : ((عُذبتِ امرأةٌ في هرَّةٍ أمسكتْها حتى ماتتْ منَ الجوع، فلمْ تكنْ تُطعمها، ولا ترسلُها فتأكلَ منْ خشاشِ الأرضِ)). متفق عليه.
١٩٠٤ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((مَرَّ رجلٌ بغُصنِ شجرةٍ علي ظهرِ طريقٍ، فقال: لأنَحينَّ هذا عن طريق المسلمين لا يُؤذيهِمْ، فأدخِلَ الجنَّةَ)). متفق عليه.
١٩٠٥ - وعنه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((لقدْ رأيتُ رجلاً يتقلبُ في الجنَّةِ في شجرةٍ قَطعَها من ظهر الطريقِ كانت تُؤذِي النَّاسَ)). رواه مسلم.
ــ
وغفران الله. لها، فتعجبوا من ذلك، وقالوا: ((إن لنا)) أي أئن لنا، أتوا بالاستفهام المؤكد للتعجب، وأكدوا بـ ((أن)) بالغ صلوات الله عليه في الجواب، حيث عم أجناس الحيوان كلها، وقيد الكبد بالرطبة؛ ليدل علي أن الكبد الحرَّى أولي وأحرى. ((خط)): في إطعام كل حيوان وسقيه أجر، بشرط أن لا يكون مأمورًا بقتله كالحية وغيرها.
الحديث الخامس عشر عن ابن عمر ﵁: قوله: ((في هرة)) قال المالكى: تضمن ((في)) في الحديث معنى التعليل، وهو مما خفي علي أكثر النحويين. وفي التنزيل قوله: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾. أقول: إنهم يقدرون المضاف، أي في شأن الهرة وأمرها. و ((الفاء)) في ((فلم تكن)) تفصيل وتفسير للإمساك والجوع، وفي ((فتأكل)) ناصبة للفعل جوابًا للنفي.
قوله: ((خشاش الأرض)) ((تو)): الخشاش – بالكسر – الحشرات، وقد يفتح. أقول: ذكر الأرض هنا كذكرها في قوله تعالي: ﴿وما من دابة في الأرض﴾ للإحاطة والشمول.
الحديث السادس والسابع عشر عن أبي هريرة ﵁: وقوله: ((علي ظهر طريق)) أي علي ظاهره وفوقه. ((شف)): يمكن أن يدخل هذا الرجل الجنة بالنية الصالحة وإن لم ينحه، ويمكن أن يكون قد نحاه. أقول: ((الفاء)) علي الوجه الأول سببية، والسبب مذكور، وعلي الثانى فصيحة تدل علي محذوف هو سبب لما بعد الفاء، والتقدير: أقسم بالله أن أبعد الغصن من طريق المارة، فأبر قسمه حتى سهل للمارة العبور، فقبل منه وأدخل الجنة.
وقوله: ((لا يؤذيهم)) جملة مستأنفة، بيان لعلة التنحية. وقيل: ((غصن شجرة)) ولم يقل: ((بغصن)) ليشعر بأنه لم يكن مقطوعًا عنها. وقيل: ((لأنحين))، ولم يقل: لأقطعن ليؤذن بأن
стр. 1067
١٩٠٦ - وعن أبي بَرزةَ، قال: قلتُ: يانبيَّ اللهِ! علّمني شيئًا أنتفعُ به. قال: ((اعْزِلِ الأذى عن طريق المسلمينَ)). رواه مسلم.
وسنذكرُ حديث عَديِّ بنِ حاتمٍ: ((اتقوا النَّارَ)) في ((باب علاماتِ النُّبوَّة)) إِن شاءَ اللهُ تعالي.
الفصل الثاني
١٩٠٧ - عن عبد الله بن سلام، قال: لما قدِمَ النبيُّ ﷺ المدينةَ، جئت، فلمَّا تبينتُ وجههَ، عرَفتُ أنَّ وجهه لسى بوجه كذَّابٍ. فكان أوَّلَ ما قال: ((يا أيُّها الناسُ! أفشُوا السَّلامَ، وأطعِمُوا الطعامَ، وصِلُوا الأرْحام، وصلّوا بالليلِ والنَّاسُ نِيامٌ؛ تدخُلوا الجنة بسَلامٍ)). رواه الترمذيُّ، وابنُ ماجه، والدارمي.
١٩٠٨ - وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((اعبدوا الرَّحمنَ، وأَطعمِوا الطعامَ، أفشُوا السَّلامَ، تدخُلوا الجنة بسَلامٍ)). رواه الترمذيُّ، وابنُ ماجه.
ــ
الشجرة كانت ملكًا للغير، أو كانت مثمرة. ويحتمل أن يكون كل واحد من الحديثين مطلقًا من وجه، ومقيدًا من وجه، فذكر الغصن في الأول قيد لذكره الشجرة المطلقة في الثانى، وذكر القطع في الثانى قيد لذكر التنحية في الأول؛ لأن التنحية أعم من أن تكون بالقطع، أو بالإبعاد من غير قطع. قوله: ((يتقلب في الجنة)) التقلب التردد مع التنعم والترفه، قال الله تعالي: ﴿لايغرنَّك تقلب الذين كفروا في البلاد﴾.
الحديت الثامن عشر عن أبي برزة: قوله: ((أنتفع به)) روى مجزومًا جوابًا للأمر، ومرفوعًا صفة لـ ((شيئًا)). فإن قلت: كيف خص الجواب بأدنى شعب الإيمان دون أعلاها وأوسطها؟ قلت: إن أبا برزة كان من أكابر الصحابة، وكان متحليًا بالشعب، وأهمها بالنسبة إليه هذه، أو ذكر أدناها؛ ليدل علي إرادة الأعلي بالطريق الأولي.
الفصل الثاني
الحديت الأول والثانى، عن عبد الله بن سلام: قوله: ((تبينت)) أي تكلفت في البيان، وتأملت إما بعلامات مذكورة في الكتب، أو بالتثبت في النظر والتفرس بأمارات لائحة في السيماء، وينصر هذا قوله: ((عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب))، ولو أريد الأول لقيل: عرفت أنه النبي الموعود. وأنشد ابن رواحة في المعنى:
لو لم يكن فيه آيات مبينة كانت بداهته تنبئك عن خبره
стр. 1068
١٩٠٩ - وعن أنسٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِنً الصَّدَقَةُ لتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مَيْتَةَ السُّوءِ ((. رواه الترمذي. [١٩٠٩]
١٩١٠ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ أَخِيكَ)). رواه أحمد، والترمذي. [١٩١٠]
١٩١١ - وعن أبي ذَر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تَبَسُّمُكَ في وجهِ أخيكَ صدقةٌ، وأمرُكَ بالمعروفِ صدقة ونَهْيُكَ عن المنكرِ صدقةٌ، وإرشادُك الرجلَ في أرضِ الضلالِ لك صدقةٌ، وبَصَرُكَ الرجلِ الرِّدِيءِ البصرِ لك صدقةٌ، وإماطتُكَ الحَجَرَ
ــ
وكان من مقالته ما هو جامع لمكارم الأخلاق من حسن المعاشرة مع الخلق بإفشاء السلام، وإطعام الطعام، وصلة الأرحام، ومع الحق بالتقرب إليه بالتهجد، قال الله تعالي: ((ما يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً)) الحديث.
الحديث الثالث عن أنس ﵁: قوله: ((ميتة السوء)) ((تو)): الميتة – بالكسر - الحالة التي يكون عليها الإنسان من الموت، وأراد بها ما لا يحمد عاقبته، ولا يؤمن غائلته من الحالات، كالفقر المدقع، والوصب الموجع، والألم المقلق، والأعلال التي تفضي به إلي كفران النعمة، ونسيان الذكر، والأحوال التي تشغله عما له وعليه، ونحوها. ((مظ)): هي ما تعوذ منها رسول الله ﷺ في دعائه: ((اللهم إني أعوذ بك من الهدم، وأعوذ بك من التردي، ومن الغرق والحرق والهرم، وأعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك من أن أموت في سبيلك مدبراً، وأعوذ بك أن أموت لديغاً)).
أقول: ويجوز أن يحمل إطفاء الغضب علي المنع من إنزال المكروه في الدنيا، كما ورد ((لا يرد القضاء إلا الصدقة))، وموت السوء علي سوء الخاتمة؛ ورخامة العاقبة من العذاب في الآخرة كما ورد ((الصدقة تطفئ الخطيئة)) وقد سبق أنه من باب إطلاق السبب علي المسبب. وقد تقرر أن نفي المكروه لإثبات ضده أبلغ من العكس، وكأنه نفي الغضب، وميتة السوء، وأراد الحياة الطيبة في الدنيا، والجزاء الحسن في العقبى، وعليه قوله تعالي:﴾ فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴿.
الحديث الرابع والخامس، عن أبي ذر ﵁: قوله: ((في أرض الضلال)) أضاف
стр. 1069
والشَّوْكَ والعَظْمَ عن الطريقِ لك صدقةٌ، وإفراغُكَ من دَلْوِكَ في دَلْوِ أخيك لك صدقةٌ)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب.
١٩١٢ - وعن أبي سعد بن عبادةَ، قال يا رسول الله! إِنً أمَّ سعدٍ ماتت، فأيُّ الصدقةِ أفضلُ، قال ((الماء)) فحفرَ بئراً، وقال: هذه لأمِّ سعدٍ. رواه أَبو داود، والنسائي [١٩١٢].
١٩١٣ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((أيُّما مسلم كسا مُسلماً ثوباً علي عُرْي؛ كساهُ اللهُ من خُضْرِ الجنَّة. وأيُّما مسلمٍ أطعمَ مُسلماً علي جوعٍ؛ أطعمَهُ اللهُ من ثمار الجنَّة. وأيما مسلمٍ سَقا مسلماً علي ظَمأٍ؛ سقاهُ اللهُ منَ الرَّحيقِ المختومِ)). رواه أبو داود، والترمذي. [١٩١٣]
ــ
الأرض إلي الضلال مبالغة، كأنه خيل للضلال أرضاً، والضلال للضال، وزيد ((لك)) في هذه القرينة والتي يليها، لمزيد الاختصاص بها. ((مظ)): أرض الضلال هي التي لا علامة فيها للطريق، فيضل فيها الرجل.
قوله: ((رديء البصر)) هو من لا يبصر شيئاً، أو يبصر قليلاً، ووضع البصر موضع القياد مبالغة في الإعانة، كأنه يتضرر من كل شيء ويعثر من كل نتؤ، فيتظلم ويحتاج إلي من يبصِّره.
الحديث السادس عن سعد: قوله: ((الماء)) إنما كان أفضل؛ لأنه أعم نفعاً في الأمور الدينية والدنيوية، ولذلك من الله تعالي بقوله:﴾ وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً لنحيي به بلدة ميتاً ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسيَّ كثيراً ﴿وإنما وصف الماء بالطهور ليشير إلي أن الغرض الأصلي في الإنزال إزالة الموانع من العبادة، وباقي الأغراض تابعة لها.
الحديث السابع عن أبي سعيد: قوله: ((خضر الجنة)) من إقامة الصفة مقام الموصوف أي ثيابها الخضر. قوله: ((الرحيق المختوم)) ((تو)): ((الرحيق)) الشراب الخالص الذي لا غش فيه، و ((المختوم)) الذي يختم أوإنيها، وهو عبارة عن نفاستها وكرامتها. وقيل: إن المراد منه أن آخر ما تجدون منه في الطعم رائحة المسك، من قولهم: ختمت الكتاب، أي انتهيت إلي آخره.
стр. 1070
١٩١٤ - وعن فاطمة بنت قيس، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إِنَّ في المالِ لَحقاً سوى الزكاةِ)) ثمَّ تلا:﴾ ليس البِرَّ أن تُوَلُّوا وُجوهكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغرِب ﴿الآية. رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي. [١٩١٤]
١٩١٥ - وعن بُهَيْسةَ، عن أبيها، قالت: قال: يا رسولَ الله! ما الشيء الذي لا يحلُّ منعُه؟ قال: ((الماءُ)). قال: يا نبيَّ الله! ما الشيء الذي لا يحِلُّ منعُه؟ قال: ((الملحُ)) قال: يا نبيَّ الله! ما الشيء الذي لا يحلُّ منعُه؟ قال: ((أن تفعلَ الخيرَ خير لك)). رواه أبو داود. [١٩١٥].
ــ
الحديث الثامن عن فاطمة بنت قيس: قوله: ((إن في المال لحقاً سوى الزكاة)) ((مظ)): حق المال أن لا يحرم السائل، وأن لا يمنع متاع بيته من استعارة، كالقدر والقصعة وغيرهما، ولا يمنع أحداً الماء والملح والنار.
قوله: ((تم تلا: ﴿ليس البرَّ أن تُوَلُّوا وجوهكم قبَلَ المشرق والمغرب ولكنَّ البِرَّ من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال علي حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة﴾ الآية. وطريق الاستدلال أنه تعالي ذكر إيتاء المال في هذه الوجوه، ثم قفاه بإيتاء الزكاة، فدل ذلك علي أن في المال حقاً سوى الزكاة. واعلم أن الحق حقان: حق يوجبه الله تعالي علي عباده، وحق يلتزمه العبد علي نفسه الزكية الموقاة عن الشح الذي جبلت عليه، وإليه الإشارة بقوله: ((علي حبه)) أي حب الله، أو حب الإيتاء. وأنشد:
تعود بسط الكف حتى لو انه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله
وكان من حق الظاهر وعلي سنن الآيات والأحاديث أن يعطف ((وأقام الصلاة وآتى الزكاة)) علي قوله: ((من آمن بالله واليوم الآخر)) لكن أقحم قوله: ((وآتى المال)) وقيد بالحب في الله، وسلك به مسلك الإيمان بالله تثبيتاً من نفسه للتصديق، كأنه قيل: من آمن بالله حقاً، وأقام الصلاة وآتى الزكاة.
الحديث التاسع عن بهيسة - بالباء الموحدة من تحت علي صيغة التصغير -: قوله: ((أن تفعل الخير)) أن مصدرية، أي فعل الخير خير لك، وتطبيقه علي السؤال ما الشيء الذي لا يحل منعه - أن يقال: هو فعل الخير الذي تدعو إليه نفسك الزكية، فإنه خير لك لا يحل لك منعه.
стр. 1071
١٩١٦ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أحيى أرضاً مَيتةً فلهُ فيها أجر، وما أكلتِ العافيةُ منه فهوَ لهُ صدقة)). رواه [النسائي]، والدارمي. [١٩١٦]
١٩١٧ - وعن البَراءِ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من منَحَ منحةَ لبنٍ أو وَرِقٍ، أو هَدَى زُقاقاً، كانَ له مِثلُ عِتقِ رقَبَةٍ)). رواه الترمذي [١٩١٧].
١٩١٨ - وعن أبي جُري جابرِ بنِ سُليمٍ، قال: أتيتُ المدينةَ، فرأيتُ رجُلاً يُصدُر الناسُ عن رأيهِ، لا يقولُ شيئاً إلا صدروا عنه. قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسولُ الله. قال: قلت: عليكَ السَّلامُ يا رسولَ الله! مرتين. قال)):لا تقُلْ عليكَ السَّلام. عليكَ السَّلامُ تحيَّةُ الميت، قُل: السَّلامُ عليك)) قلت: أنتَ رسولُ اللهِ؟
ــ
ومنه ما روى أنه ﷺ سئل عن الحمر أي زكاته، فقال: ((لم ينزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة، ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ فالقرينة الأخيرة أعم من الأولين، فهي كالتذييل لهما، فتأمل أيها الناظر في هذا التأويل، وانتظام هذه الأحاديث في سلك هذه المعإني.
الحديث العاشر عن جابر ﵁: قوله: ((العافية)) ((تو)): هي كل طالب رزق من إنسان، أو بهيمة، أو طائر، وعافية الماء: واردته.
الحديث الحادي عشر عن البراء بن عازب: قوله: ((منحة لبن)) ((تو)): منحة اللبن أن تعطيه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها، ويعيدها. وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زماناً، ثم يردها. ومنه الحديث ((المنحة مردودة)). قوله: ((أو ورق)) قال الترمذي في جامعة: إنما يعني به قرض الدراهم.
قوله: ((أو هدى زقاقاً)) ((نه)) هو من هداية الطريق، أي عرف ضالاً أو ضريراً. ويروى بتشديد الدال إما للمبالغة من الهداية، أو من الهدية، أي من تصدق بزقاق من النخيل، وهو السكة والصف من أشجاره.
الحديث الثاني عشر عن جابر بن سليم: قوله: ((يصدر الناس عن رأيه)) ((تو)): يقال: صدر عن المكان إذا رجع منه، شبه المنصرفين عنه ﷺ بعد توجههم إليه لسؤال مصالح معادهم ومعاشهم بالواردة إذا صدروا عن المنهل بعد رى. قوله: ((لا تقل: عليك السلام)) في جامع الأصول: هذا يوهم أن السنة في تحية الموتى أن يقال لهم: عليكم السلام، كما تفعله العامة وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه دخل علي المقبرة، وقال: ((السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين)) فقدم ذكر السلام علي ذكر المدعو له مثل تحية الأحياء. وإنما قال له ذلك إشارة منه إلي ما جرت به
стр. 1072
فقال: ((أنا رسولُ الله، الذي إِن أصابكَ ضٌر فدعوتَه كشفَهُ عنك، وإِنْ أصابكَ عامُ سنة، فدعوتَهُ أنبَتَها لك، وإِذا كنتَ بأرضٍ قفر أو فلاةٍ فضلَّتْ راحلتُكَ فدعوتَه ردَّها عليك)). قلت: اعْهَد إِليّ - قال: ((لا تسُبن أحداً)) قال: فما سَبَبْتُ بعدَهُ حراً ولا عبداً، ولا بعيراً ولا شاة. قال: ((ولا تَحقرَن شيئاً من المعروف، وأنْ تُكلمَ أخاكَ وأنتَ منَبسط إِليه وجْهُك؛ إِن ذلكَ من المعروفِ. وارفَع إِزارَك إِلي نصف الساق، فإِنْ أبيتَ فإِلي الكَعبينِ، وإِياكَ وإِسبالُ الإِزار؛ فإِنَّها منَ المخيلَةِ، وإِنَّ اللهَ لا يحبُّ
ــ
العادة منهم في تحية الأموات، إذ كانوا يقدمن الدعاء علي اسم الميت قال الشاعر:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
وقال آخر
عليك سلام من أمير وباركت
فالسنة لا تختلف في تحية الأحياء والأموات. وهو من كلام الخطابي.
((تو)): لم يرد بذلك أن الميت ينبغي أن يسلم عليه علي هذه الصيغة، فإنه كان يسلم علي الموتى فيقول: ((السلام عليكم ديار قوم مؤمنين)) وإنما أراد بذلك أن قولك هذا مما يحي به الأموات لا الأحياء؛ لأن الحي شرع له أن يسلم علي صاحبه، وشرع لصاحبه أن يرد عليه، فلا يحسن أن يوضع ما وضع للجواب موضع التحية، ولا ينكر ذلك في الأموات، إذ لا جواب هنالك، فاستوت التحيتان في حقهم. ثم إن السلام شرع لمعان: أحدها المسارعة إلي أمان المسلم عليه مما يتوهم من قبل المسلم من مكروه، وإذا قال: عليك السلام لم يحصل له الأمن حصوله بتقديم السلام، ىشتباه الحال علي المسلم عليه، في الدعاء له والدعاء عليه، حتى يذكر السلام، وإذا قدم السلام تبين له الأمن في أول الوهلة، ولا مدخل لشيء مما ذكرنا في تحية الأموات.
أقول: يفهم من كلام جامع الأصول أن النهي معلل بفعل الجاهلية، فلا يستعمل في الأحياء ولا الأموات، ثم هذا النهي إما نهي تنزيه، أو تحريم. ((مح)): يحتمل أن يكون هذا الحديث وارداً في بيان الأحسن والأكمل، ولا يكون المراد أن هذا ليس بسلام. والمختار أنه يكره الابتداء بهذه الصيغة؛ فإن ابتدأ وجب الجواب؛ لأنه سلام.
أقول: والوجه في الكراهة ما ذكره الخطابي، وما ذهب إليه الشيخ التوربشتى ضعيف؛ لأن قولك: ((عليك السلام)) من باب تقديم الخبر علي المبتدأ للاختصاص، كأن المسلم عليه استشعر من المسلم الخوف، فتردد بين السلامة والعطب، فخص بأن ليس عليه إلا السلامة.
قوله: ((أنا رسول الله الذي إن أصابك ضر)) إلي آخره، فإن قلت: كيف طابق هذا الجواب
стр. 1073
المخيلَةَ، وإِنِ امرؤ شتمَكَ وعيَّرك بما يعلَمُ فيك، فلا تعيِّرْه بما تعلمُ فيه، فإِنَّما وبالُ ذلكَ عليه)). رواه أبو داود، وروى الترمذي منه حديث السلام. وفي رواية: ((فيكونُ لكَ أجرُ ذلك ووبالُهُ عليه)) [١٩١٨].
١٩١٩ - وعن عائشة، أنهم ذبحوا شاةً، فقالَ النبيُّ ﷺ : ((ما بقي منها؟)) قالت: ما بقيَ منها إِلا كَتِفُها، قال: ((بقىَ كلُّها غَيْرَ كتِفِها)). رواه الترمذي وصحَّحه. [١٩١٩].
ــ
سؤاله ((أنت رسول الله))؟ قلت: هو من الأسلوب الحكيم، أي لا تسأل عن كوني رسول الله، فإن ذلك مقرر ثابت لا شك فيه، ولكن سل عما بعثت له من كوني رحمة للعالمين، ورسول أرحم الراحمين. ونظيره قول قوم صالح لمؤمنيهم: ﴿أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون﴾.
قوله: ((أنبتها لك)) أي صيرها ذات نبات، أي بدل بها خصباً. قوله: ((بأرض قفر)) قيل: هي الفلاة الخالية من النبات والشجر. والمراد منه المفازة المهلكة. يقال: عهد إليه إذا أوصاه.
قوله: ((وأن تكلم أخاك)) مصدر وعامله محذوف، تقديره: كلم أخاك تكليما، فلما حذف الفعل، أضيف المصدر إلي الفاعل، وهو معطوف علي النهي، نحو قوله تعالي: ﴿وبالوالدين إحساناً﴾ عطفاً علي ((لا تشركوا)) أي لا تشركوا به شيئاً، فأحسنوا بالوالدين إحساناً
قوله: ((من المخيلة)) ((نه)): يقال: اختال الرجل فهو ذو خيلاء، وذو خالٍ، وذو مخيلة، وذو كبر، وإضافة عام إلي سنة ليست من إضافة الشيء إلي نفسه؛ لأن السنة غلبت علي القحط حيث لا يكاد يفهم منها غير القحط، ومن ثم نكرت وأضيف إليها.
الحديث الثالث عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((بقى كلها غير كتفها)) ولما جعلت المشاهد المحسوس باقياً، والغائب فإنياً علي سبيل الحصر عكس صلوات الله عليه، أي ما تشاهدونه وتختصون به أنفسكم خيال؛ لأنه في معرض الفناء، ووشك الزوال وما تؤثرونه عليها وإن كان غائباً فهو ثابت عند الله، ووعده الصادق كما قال الله تعالي: ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾.
стр. 1074
١٩٢٠ - وعن ابنِ عبَّاسٍ، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: ((ما مِنْ مُسلمٍ كَسا مُسلماً ثوباً؛ إِلَاّ كانَ في حفظٍ منَ اللهِ ما دامَ عليهِ منهُ خِرقة)). رواه أحمد، والترمذي. [١٩٢٠].
١٩٢١ - وعن عبدِ الله بنِ مسعودٍ، يرفعُه، قال: ((ثلاثة يُحبُّهمُ اللهُ: رجل قامَ منَ الليلِ يتلو كتابَ اللهِ، ورجل يتصدَّقُ بصدقةٍ بيمنه يُخفيها- أراه قال: منْ شمالهِ-، ورجل كانَ في سريةٍ فانهزَمَ أصحابُه، فاستَقبلَ العدُوَّ)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غيرُ محفوظٍ، أحدُ رُواته أبو بكرِ بنُ عياشٍ، كثيرُ الغلًط.
١٩٢٢ - وعن أبي ذرِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((ثلاثة يُحبهم اللهُ، وثلاثة يَبغُضهم اللهُ؛ فأما الذينَ يُحبُّهم اللهُ: فرجل أتى قوماً فسألَهم باللهِ ولم يسألهم لقَرابة بينَه وبينهم، فمنًعوه، فتخلفَ رجل بأعيانِهم، فأعطاه سراً، لا يعلَمُ بعطِيَّتِه إِلَاّ اللهُ
ــ
الحديث الرابع عشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((في حفظ من الله)) لم يقل: في حفظ الله؛ ليدل التنكير علي نوع تفخيم وشيوع، هذا في الدنيا. وأما في الآخرة فلا حصر ولا عد لثوابه وكلاءته، ومن ثم ترك ذكره. ومنه قوله تعالي: ﴿حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها﴾ لم يذكر الجزاء؛ ليدل علي ما لا يدخل تحت الوصف من الكرامة والبشارة، يعنى إذا جاءوها كان كيت وكيت، وفتحت أبوابها.
الحديث الخامس عشر عن ابن مسعود: قوله: ((يرفعه)) أي يرفع الحديث إلي النبي ﷺ ، ولو لم يقل هذا لأوهم أن يكون الحديث موقوفاً علي ابن مسعود؛ لقوله بعده: ((قال: ثلاثة)) ولم ينسبه إلي النبي ﷺ .
الحديث السادس عشر عن أبي ذر: قوله: ((فسألهم بالله)) أي مستعطفاً بالله قائلاً: أنشدكم بالله أعطوني كذا. قوله: ((فتخلف رجل بأعيانهم)) ((تو)): كذا رواه النسائي في كتابه، والمعنى أنه ترك القوم المسئول عنهم خلفه، وتقدم فأعطاه. والمراد بالأعيان الأشخاص. ويحتمل أنه أراد بذلك أنه سبقهم بهذا الخير، فجعلهم خلفه، وقد وجدت الطبرإني ذكر في كتابه الموسوم بـ ((المعجم الكبير)) ((فتخلف رجل عن أعيانهم)) وهذا أشبه وأشد من طريق المعنى، وإن كانت الرواية الأولي أوثق من طريق السند، والمعنى أنه تأخر عن أصحابه حتى خلا بالسائل، فأعطاه سراً.
стр. 1075
والذي أعطاهَ. وقومٌ سارُوا ليلتَهم حتى إِذا كانَ. النَّومُ أحبَّ إليهم مما يُعْدَلُ به، فوضَعوا رُؤوسهم، فقامَ يتَملَّقُني ويتلو آياتي. ورجل كانَ في سرية، فلَقَي العدُوَّ، فهُزموا، فأقبلَ بصدره حتى يُقتلَ أو يُفتحَ له. والثلاثةُ الذينَ يَبغُضُهم اللهُ: الشَّيخُ الزَّإني، والفقيرُ المختالُ، والغَنيُّ الظَّلومُ)). رواه الترمذي، والنسائي. [١٩٢٢].
ــ
أقول: ويمكن أن يقال: إن متعلق الفعل محذوف، والباء حال، أي فتخلف عنهم مستتراً بظللهم وأشخاصهم، بولغ فيه كما بولغ في قوله: ((حتى لا يعلم شماله ما تنفق يمينه)).
((مظ)): وإنما أحبه الله؛ لأنه عظم اسم الله تعالي، وتصدق سراً، فحصل له فضيلتان، ولأنه خالف أصحابه حيث اجترؤوا ولم يعظموا اسم الله تعالي، ولم يعطوا السائل شيئاً.
قوله: ((وقوم)) عطف علي قوله: ((رجل أتى قوماً)) علي تقدير صاحب قوم، فيكون فاعل ((قام)) في قوله: ((قام يتملقني)) عائداً إلي هذا المقدر. قوله: ((مما يعدل به)) ((مظ)): أي مما يقابل بالنوم، يعنى يغلب عليهم النوم، حتى صار النوم أحب إليهم من كل شيء.
أقول: ولا ارتياب أن سيرهم ذلك وإدلاجهم كان للفوز بمطلوب خطير، فاستأثر لذلك الرقاد علي الهجود، فبلغ الأمر إلي أن رجحوا جانب النوم علي ما استأثروا عليه.
قوله: ((ويتملقني)) ((نه)): التملق تفعل من الملق، وهو – بالتحريك - الزيادة في التودد، والدعاء، والتضرع فوق ما ينبغي. ((شف)): في أول نظم هذا الحديث شيء، وهو أن أوله يرشد إلي أنه قول النبي ﷺ ، وآخره وهو قوله: ((قام يتملقني)) يؤذن بأنه من كلام الله تعالي.
أقول: لا شك أن هذا المقام مقام مناجاة بين العبد ومولاه، وفي التملق نوع دلال ومناغاة بين المحب والمحبوب، فلابد أن يجري بينهما أسرار، فحكي الله تعالي لنبيه ما جري بين الله تعالي وبين عبده، ثم إن رسول الله ﷺ حكى قول الله تعالي وما تلفظ به، لا معناه، إذ لو أراد المعنى لقال: قام يتملق الله ويتلو آياته. وليس هذا من الالتفات في شيء، وفي كل واحدة من الفقرات الثلاث تتميمات ينتهي إليها المعنى إلي النهاية في بابه، ففي إعطاء الرجل السائل بعد منع القوم إياه غاية في الإخلاص والجود، وفي قيام الرجل من بين القوم مع محبة النوم غاية في طلب القرب والزلفي من الله تعالي، وفي استقبال الرجل العدو من بين المنهزمين، ثم إقدامه بصدره غاية في الجرأة، وبذل النفس في سبيل الله تعالي؛ وعلي هذا الفقرات الآتية، فإن الزنى فاحش من كل أحد، ومن الشيخ أفحش، وإن الخيلاء مذمومة من كل أحد، ومن الفقير أذم، وإن الظلم قبيح، ومن الغني أقبح. وأراد بالظلم المطل، لشهرة المثل السائر: مطل الغنى ظلم.
стр. 1076
١٩٢٣ - وعن أنسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((لما خَلقَ اللهُ الأرضَ جعلَتْ تَميدُ، فخلقَ الجِبالَ، فقال: بها عليها؛ فاستقرَّتْ، فعجِبتِ الملائكةُ منْ شدَّة الجبِالِ. فقالوا: ياربِّ! هلْ منْ خلقكَ شيءٌ أشدُّ من الجبِالِ؟ قال: نعمْ الحديدُ. فقالوا: ياربِّ! هل من خلقك شيءٌ أشدُّ منَ الحديد؟ قال: نعم، النّار. فقالوا: ياربِّ! هل من خلقِك شيءٌ أشدُّ من النَّارِ؟ قال: نعمْ، الماءُ. فقالوا: ياربِّ! هلْ من خَلقكَ شيءٌ أشدُّ منَ الماءِ؟ قال: نعمْ، الرِّيحُ. فقالوا: ياربِّ! هلْ منْ خَلقكَ شيءٌ أشدُّ منَ الرِّيحِ؟ قال: نعمْ، ابنُ آدمَ تصدَّقَ صدَقةً بيميِنه يخُفيها منْ شِماله)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ غريب.
وٌذِكر حديثُ معاذ: ((الصَّدفةُ تُطفئُ الخطيئةَ)) في ((كتاب الإِيمان)). [١٩٢٣].
ــ
الحديث السابع عشر عن أنس ﵁: قوله: ((فقال بها عليها)) وقد مر مراراً أن القول يعبر به عن كل فعل، وقرينة اختصاصه اقتضاء المقام، فالتقدير: ألقى بالجبال علي الأرض، كما قال تعالي: ﴿وألقى في الأرض رواسيَ أن تميد بكم﴾ فالباء زائدة في المفعول، كما في قوله تعالي: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلي التهلكة﴾ وإيثار القول علي الإلقاء والإرسال؛ لبيان العظمة والكبرياء، وأن مثل هذا الأمر العظيم يتأتى من عظيم قدرته بمجرد القول. وقوله: ((جعلت تميد)) أي طفقت تتحرك.
قوله: ((قال: نعم ابن آدم تصدق صدقة)) ((تو)): اعلم أن الصدقة إنما كانت أشد وأقوى؛ لأن نفس الإنسان جبلت علي غرائز لا يلينها شيء من تلك الأجرام الشديدة فهي أشد من كل شديد، ومن طبعها إيثار السمعة الموجبة للشهرة، فإذا سخرها صاحبها، واستولي عليها بحيث رضيت بإخفاء الصدقة - وهي طالبة لشهرتها وإظهارها طبعاً - كان صاحبها أشد من الريح.
((مظ)): كون تصدق بني آدم سراً أشد من الريح، إما لعظم ثوابه، وإما لأنه مخالفة النفس وقهر الشيطان، وهذان الوصفان أعظم أيضاً من هذه الأشياء، وإما لأنه يحصل مرضات الله تعالي. ((شف)): وإنما كان التصدق أشد؛ لأن صدقة السر تطفئ غضب الرب، وغضب الله تعالي لا يقابله شيء في الصعوبة والشدة.
وأقول - وبالله التوفيق -: ولأمر ما سمى الله سبحانه وتعالي كلام نبيه وحبيبه صلوات الله وسلامه عليه بالحكمة في قوله تعالي: ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ وإن شئت فتأمل في هذا الكلام الجامع الذي لا مطمح وراءه، فإنه صلوات الله عليه ذكر العناصر الأربعة وبين
стр. 1077
الفصل الثالث
١٩٢٤ - عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من عبدٍ مُسلم يُنفِقُ من كل مالٍ لهُ زوجينِ في سبيلِ اللهِ، إِلا استقبلَتْهَ حجَبَةُ الجنةِ، كلُّهم يدعوه إِلي ما عندهَ)). قلت: وكيفَ ذلك؟ قال: ((إِن كانَتْ إِبلاً فبعيرينِ، وإِنْ كانت بقرةً فبقرتين)). رواه النسائي. [١٩٢٤].
ــ
طبائعها ومقتضيات جبلتها، فإن الأرض طبيعتها الثقل، والرسوب، وإمساك الجبال الأرض ليس يعجب وإن تعجبت الملائكة منه؛ لأنه من طبيعتها وجبلتها. وعلي هذا تأثير النار في الحديد، والحديد في الجبال، وكذا إطفاء الماء النار، وتصرف الريح في السحاب الحامل للماء، وتفريقها في الآفاق، وتموج البحر وهيجانه كلها من طبائعها. وأما الإنسان فمن جبلته القبض والبخل الذي هو من طبيعة الأرض، ومن جبلته الاستعلاء والتفوق علي الغير، وطلب انتشار الصيت في الآفاق، وهما من طبيعتي النار والريح، فإذا خالف راغم طبيعته، وخالف جبلته، كان أشد من الجميع، ومن ثم فضل علي سائر المخلوقات. وما يرى فيه من النقائص كالشهوة والحرص والبخل، فهي مواد الكمال ومبادئها؛ فإن العفة نتيجة الشهوة، والسخاء نتيجة البخل، لأنها بين طرفي الإفراط والتفريط من التبذير والإمساك، والحرص نتيجة الترقي إلي منتهي بغيته. وروى الشيخ المرشد نجم الدين البكري - قدس الله سره - في ((فواتح الجمال)) عن الشيخ أبي الحسن الخرقإني قال: صعدت إلي العرش، فطفته ألف طوفة، ورأيت الملائكة يطوفون مطمئنين، فعجبوا من سرعة طوافي، فقلت: ما هذه البرودة في الطواف؟ فقالوا: نحن ملائكة أنوار لا نقدر أن نجاوزه، فقالوا: وما هذه السرعة؟ فقلت: أنا آدمي، وفيَّ نار ونور، وهذه السرعة من نتائج نار الشوق.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي ذر ﵁: قوله: ((وكيف ذلك)) فإن قلت: ظاهر السؤال عن حقيقة الزوجين، فيقتضي أن يسأل بما. قلت: بل السؤال عن كيفية الإنفاق مما يتملكه بالعدد المخصوص. وينصره جزاء الشرط؛ لأن التقدير: فينفق بعيرين. وقوله ((كانت إبلاً)) اسم ((كان)) راجع إلي كل مال باعتبار الجماعة، أو باعتبار الخبر، فإن الإبل جنس، كقولهم: ((من كانت أمك)).
الحديث الثاني عن مرثد بن عبد الله: قوله: ((إن ظل المؤمن)) هو من التشبيه المقلوب المحذوف
стр. 1078
١٩٢٥ - وعن مَرثَدِ بنِ عبد الله، قال: حدَّثني بعضُ أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ ، أنهَّ سَمِعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: ((إِنَّ ظِلَّ المؤِمنِ يومَ القيامةِ صَدقَتُهُ)). رواه أحمد. [١٩٢٥].
١٩٢٦ - وعن ابنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((مَنْ وَسَّعَ علي عياله في النَّفقةِ يومَ عاشوراءَ؛ وسَّعَ اللهُ عليهِ سائِرَ سنتِه)). قال سفيانُ: إِنَّا قد جرَّبناهُ فوجدناهُ كذلك. رواه رزين. [١٩٢٦]
١٩٢٧ - وروى البيهقي في ((شعب الإِيمان)) عنه، وعن أبي هريرة، وأبي سعيد، وجابر، وضعَّفَه. [١٩٢٧].
١٩٢٨ - وعن أبي أُمامةَ، قال: قال أبو ذَرّ: يا نبي اللهِ! أرأيتَ الصدقةَ ماذا هيَ؟ قال: ((أضعافٌ مضاعفةٌ، وعندَ اللهِ المزيدُ)). رواه أحمد.
ــ
المحذوف الأداة؛ لأن الأصل أن الصدقة كالظل في أنه يحميه عن أذى الحر يوم القيامة نحو قوله ﷺ ((اقرءوا الزهراوين- البقرة وآل عمران- فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان)) الحديث، ثم قلب التشبيه، فجعل المشبه مشبهاً به مبالغة كقوله:
وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حيت يمتدح
الحديث الثالث والرابع عن أبي أمامة: قوله: ((الصدقة ماذا هي)) ((الصدقة)) مبتدأـ و ((ماذا)) بمعنى أي شيء، والجملة الاستفهامية خبر بالتأويل، أي الصدقة. أقول: فهنا ((ماذا هي)) فالسؤال عن حقيقة الصدقة، لا يطابقه الجواب بقوله: ((أضعاف)) أي هي أضعاف، لكنه وارد علي الأسلوب الحكيم، يعني لا تسأل عن حقيقتها، فإنها معلومة، وسل عن ثوابها ليرغبك فيها ويحرضك عليها.
قوله: ((أضعاف مضاعفة)) الضعف من الأسماء المتضايفة، فضعف الشيء هو الذي يثنيه. والمراد في الحديث الكثرة والتوسعة من الثواب الذي يعطي جزاءً للعمل. وقوله: وعند الله المزيد هي الزيادة علي الثواب، كما قال تعالي: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ونظيره قوله تعالي: ﴿وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً﴾ فقوله: ((من لدنه)) أي من عنده تفضلا علي تفضل.
стр. 1079
(٧) باب أفضل الصدقة
الفصل الأول
١٩٢٩ - عن أبي هريرةَ، وحكيمِ بنِ حزامٍ، قالا: قال رسولُ الله ﷺ : ((خيرُ الصَّدقةِ ما كانَ عنْ ظهْرِ غِنىً، وابدَأْ بمنْ تَعولُ)). رواه البخاريّ ورواه مسلم عن حكيمٍ وحدَه.
١٩٣٠ - وعن أبي مسعودٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((إِذا أنفقَ المسلمُ نفقةً علي أهلِه، وهوَ يحتسبُها، كانتْ له صدقةً)). متفق عليه.
١٩٣١ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((دينارٌ أنفقته في سبيل اللهِ، ودينارٌ أنفقتَه في رقَبةٍ، ودينارٌ تصدَّقتَ بهِ علي مسكينٍ، ودينارٌ أنفقَته علي أهلكَ؛ أعظمُها أجراً الذي أنفقتَه علي أهلِكَ)) رواه مسلم.
ــ
باب أفضل الصدقة
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((عن ظهر غنى)) ((نه)): أي ما كان عفواً قد فضل عن ظهر غنى. والظهر زائد في مثل هذا إشباعاً للكلام وتمكيناً، كأن صدقته مستندة إلي ظهر قوى من المال. ((حس)): أي غنى يعتمده ويستظهر به علي النوائب التي تنويه.
((تو)): هو مثل قولهم: هو علي ظهر سير، وراكب متن السلامة، وممتط غارب العز، ونحو ذلك من الألفاظ التي يعبر بها عن التمكن من الشيء والاستواء عليه، والتنكير فيه للتفخيم.
أقول: استعير الصدقة للإنفاق حثاً عليه ومسارعة فيما يرجى منه جزيل الثواب، ومن ثم أتبعه بقوله: ((وابدأ بمن تعول)) قرينة للاستعارة، فيشمل النفقة علي العيال وصدقتي الواجب، والتطوع، وأن يكون ذلك الإنفاق من الربح لا من صلب المال كما سبق. فعلي هذا كان من الظاهر أن يؤتي بالفاء فعدل إلي الواو، ومن الجملة الإخبارية إلي الإنشائية تفويضاً للترتيب إلي الذهن، واهتماماً بشأن الإنفاق، وأن كل من تمكن من ذلك مأمور بالبدء، والبدء يقتضي أموراً تنتهي إلي الغاية، ويؤيد تأويل الصدقة بالإنفاق سرد الأحاديث بعده في هذا المعنى.
الحديث الثاني والثالث عن أبي هريرة ﵁: ((قوله: ((دينار)) مبتدأ ((أنفقته)) صفته، وما بعده معطوف عليه، والخبر جملة قوله: ((أعظمها أجراً الذي)) إلي آخره.
стр. 1080
١٩٣٢ - وعن ثوْبانَ، قال رسولُ الله ﷺ : ((أفضلُ دينارٍ يُنفقُه الرَّجلُ دينارٌ يُنفقُه علي عيالِه، ودينارٌ يُنفقُه علي دابَّتِه في سبيل اللهِ، ودينارٌ يُنفقُهُ علي أصحابِه في سبيلِ اللهِ). رواه مسلم.
١٩٣٣ - وعن أمِّ سَلَمةَ، قالت: قُلتُ: يا رسولَ الله! أَلي أجْرٌ أن أُنفِقَ علي بني أبي سَلمةَ؟ إِنما هُمْ بَنيِّ. فقال: ((أنفِقي عليهم فلكِ أجرُ ما أنفقتِ عليهِم)). متفق عليه.
١٩٣٤ - وعن زينبَ امرأةِ عبد الله بنِ مسعودٍ، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((تَصَدَّقنَ يا معشرَ النِّساءِ! ولو من حُلِيّكُنَّ)) قالت: فرجعتُ إِلي عبدِ اللهِ فقلت: إِنَّكَ رجلٌ خفيف ذاتِ اليد، وإِنَّ رسول الله ﷺ قد أمرَنا بالصَّدَقَةِ؛ فأْتِه فاسْألهُ، فإِنْ كانَ ذلكَ يُجزئُ عني وإِلا صرفتُها إِلي غيركم؟ قلت: فقال لي عبدُ الله: بل ائتيهِ أنتِ. قالت: فانطلَقتُ، فإذا امرأةٌ من الأنصارِ ببابِ رسولِ الله ﷺ ، حاجتي حاجتُها قالت: وكانَ رسولُ الله ﷺ قد أُلقِيتْ عليهِ المهابة. فقالت: فخرجَ علينا بِلالٌ، فقُلنا له: ائتِ رسولَ اللهِ ﷺ فأخبِرْه أنَّ امرأتينِ بالباب تسألانِكَ: أتُجزئُ الصدقةُ عنهُما علي أزواجهما وعلي أيتامٍ في حُجورِهما؟ ولَا تُخبرْهُ من نحنُ. قالت: فدخلَ بِلالٌ علي رسول الله ﷺ فسألَه، فقال لهُ رسولُ الله ﷺ : ((من هُما؟)) قال: امرأةٌ من الأنصارِ وزينَبُ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ ((أي الزيانِب؟)) قال: امرأةُ عبدِ الله. فقال
ــ
الحديث الرابع عن ثوبان: قوله: ((علي دابته في سبيل الله)) الظرف صفة لـ ((دابة)) فتقدر: مربوطة أو مجاهدة في سبيل الله، والثاني أولي. وكذا القول في ((ينفقه علي أصحابه في سبيل الله)).
الحديث الخامس، والسادس عن زينب: قوله: ((فإذا كان)) الفاء تفصيل للمقدار المسئول عنه، أي سله، هل يجزئ عني أن أتصدق عليك وعلي أولادك، أم لا؟ فإن كان يجزئ عني صرفتها إليكم، وإن لم يجزئ صرفتها إلي غيركم.
قوله: ((وكان قد ألقيت عليك المهابة)) كان هي التي تفيد الاستمرار، ومن ثم كان أصحابه في مجلسه كأن علي رءوسهم الطير. وذلك عزة منه لا كبر وسوء خلق، وإن تلك العزة ألبسها الله تعالي إياه صلوات الله عليه لا من تلقاء نفسه.
стр. 1081
رسولُ اللهِ ﷺ : ((لهُما أجران: أجرُ القرابِة، وأجرُ الصدقِة)). متفق عليه، واللفظ لمسلم.
١٩٣٥ - وعن ميمونةَ بنتِ الحارث: أنها أعتَقَتْ وليدةً في زمان رسولِ اللهِ ﷺ ، فذكرَتْ ذلكَ لرسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: ((لو أعطيتِها أخوالكِ كانَ أعْظَمَ لأجرِكِ)). متفق عليه.
١٩٣٦ - وعن عائشةَ، قالت: يا رسول اله إِنَّ لي جارَين فإِلي أيِّهما أهدي؟ قال: ((إِلي أقرَبِهما منكِ باباً)). رواه البخاري.
١٩٣٧ - وعن أبي ذَرً، قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ((إِذا طبختَ مَرَقةً فأكثِر ماءَها، وتعاهَد جيرانَك)). رواه مسلم.
الفصل الثاني
١٩٣٨ - عن أبي هريرة، قال: يا رسولَ اللهِ! أيُّ الصدقةِ أفضَلُ؟ قال: ((جُهْدُ المقِلِ، وابدَأ بمَنْ تعولُ)). رواه أبو داود. [١٩٣٨].
١٩٣٩ - وعن سليمانَ بنِ عامرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((الصدقةُ علي
ــ
الحديث السابع والثامن ظاهران.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((جهد المقل)) أي مجهود المقل، وهو خبر مبتدأ محذوف. ((نه)): هو بالضم والفتح، بالضم الوسع والطاقة، وبالفتح المشقة. وقيل: المبالغة والغاية. وقيل: هما لغتان، المعنى: أفضل الصدقة ما يحتمله القليل المال. فإن قلت: كيف الجمع بين هذا الحديث وبين قوله: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غني))؟ قلت: الفضيلة تتفاوت بحسب الأشخاص، وقوة لتوكل، وضعف اليقين. فلما كان أبو هريرة ﵁ مقلا متوكلا علي الله، ناسب أن يجاوب بما يقتضيه حاله- وهي نصوعه في قوة اليقين- بخلاف ما رواه حكيم بن حزام فإنه كان من أشراف قريش، ووجوهها في الجاهلية والإسلام.
стр. 1082
المسكين صدقةٌ، وهيَ علي ذي الرَّحمِ ثنتانِ: صدقةٌ وصلةٌ)). رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدرامي. [١٩٣٩].
١٩٤٠ - وعن أبي هُريرة، قال: جاء رجلٌ إلي النبيِّ ﷺ فقال: عندي: دينارٌ فقال: ((أنفِقْهُ علي نفسكَ)). قال: عندي آخرُ. قال: ((أنفقْهُ علي ولدكَ)) قال: عندي آخرُ. قال: ((أنفِقْهُ علي أهلك)) قال: عندي آخرُ. قال: ((أنفِقْهُ علي خادِمِكَ)). قال: عندي آخَرُ. قال: ((أنتَ أعلَمُ)). رواه أبو داود، والنسائي. [١٩٤٠].
١٩٤١ - وعن ابن عَّباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((ألا أخبرُكم بخيرِ النَاسِ؟ رجلٌ مُمسكٌ بعِنانِ فرِسه في سبيل اللهِ. أَلا أخبرُكم بالذي يتلوهُ؟ رجلٌ مُعتزِلٌ في غُنيْمةٍ له يُؤدِي حقَّ اللهِ فيها. ألا أخبرُكم بشر النَّاسِ؟ رجُلٌ يسألُ باللهِ ولا يُعطي بهِ)). رواه الترمذي، والنَّسائيّ، والدارمي [١٩٤١].
ــ
الحديث الثاني والثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أنت أعلم)) أي أعلن بحال من يستحق الصدقة فتحرى في ذلك واجتهد، وإنما وكل إليه هذا القسم وبين السابق ومراتبه، لأن السائل أراد بؤاله الصدقة، فحمله ﵇ علي الإنفاق جرياً علي الأسلوب الحكيم، وما هو أهم به وأولي، كقوله تعالي: ﴿قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين﴾.
الحديث الرابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((بخير الناس)) ((تو)): يحتمل أن يراد بقوله: ((خير الناس)) من خير الناس، إذ قد علمنا أن في القاعدين من هو خير من هذا، وقد يقول القائل: خير الأشياء كذا، لا يريد تفضيله في نفسه علي جميع الأشياء.
وأقول: قسم في ذا الحديث الناس علي ثلاثة أنواع: الأول: الذي يضرب في الأرض يقصد وجهة، فخيارهم غالباً من حاله أنه آخذ بعنان فرسه في سبيل الله. والثاني: من هو ملتزم بخويصة نفسه، فخيارهم غالباً من حاله أن يعتزل عن الناس، ويشتغل بعبادة ربه، ويكفي شره عن الخلق. والثلث: من أقم بين الناس، واختلط بهم، ويعاشرهم بالمعروف، ويعطي من يسأل بالله. وشرهم علي خلاف ذلك.
стр. 1083
١٩٤٢ - وعن أمَّ بُجَيْدٍ، قالتْ: قال رسولُ الله ﷺ : ((رُدُّوا السَّائلَ ولوْ بظِلْفٍ مُحَرَقٍ)) رواه مالك، والنسائي، وروى الترمذيّ وأبو داود معناه. [١٩٤٢].
١٩٤٣ - وعن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((من اسْتَعاذَ منكم باللهِ فأعيذُوهُ، ومَنْ سألَ بالله فأعطُوه، ومَنْ دّعاكم فأجيبوهُ، ومَنْ صنَعَ إِليكم مَعروفاً فكافِئوهُ؛ فإِنْ لمْ تجِدوا ما تُكافئوهُ فادْعوا له حتى تُرَوا أنْ قدْ كافأتُموهُ)). رواه أحمد. وأبو داود، والنسائي [١٩٤٣].
١٩٤٤ - وعن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((لا يُسألُ بوَجهِ اللهِ إِلا الجنَّةُ)). رواه أبو داود. [١٩٤٤].
ــ
الحديث الخامس والسادس عن ابن عمر ﵄: قوله: ((استعاذ بالله)) ((مظ)): ((استعاذ)) إذا طلب أحد أن يدفع عنه شراً، وأعاذه إذا دفع عنه الشر الذي يطلب منه دفعه، يعني إذا طلب أحد منكم أن تدفعوا عنه شركم، أو شر غيركم بالله- مثل قولك: يا فلان بالله عليك أن تدفع عني شر فلان وإيذاءه، أو أحفظني من شر فلان- فأجيبوه، واحفظوه لتعظيم اسم الله تعالي.
أقول: قد جعل متعلق ((استعاذ)) محذوفاً، ((بالله)) حالا، أي من استعاذ بكم متوسلاً بالله ومستعطفاً به. ويمكن أن يكون ((بالله)) صلة ((استعاذ)) والمعنى من استعاذ بالله فلا تتعرضوا له، بل أعيذوه، وادفعوا عنه الشر، فوضع ((أعيذوه)) موضعه مبالغة.
قوله: ((فإن لم تجدوا ما تكافئوه)) سقط النون من غير جازم ولا ناصب، إما تخفيضاً، أو سهواً من الناسخين، المعنى أن من أحسن إليكم أي إحسان فكافئوه بمثله، فإن لم تقدروا علي ذلك، فبالغوا في الدعاء له جهدكم حتى تحصل المثيلة، ووجه المبالغة أنه رأي من نفسه تقصيراً في المجازاة، فأحالها إلي الله تعالي، ونعم المجازي هو. وقد جاء في حديث آخر ((من صنع إليه معروف، فقال: جزاك الله خيراً، فقد أبلغ في الثناء)).
الحديث السابع عن جابر ﵁: قوله: ((لا يسأل بوجه الله إلا الجنة)) ((وجه الله)) ذاته، والوجه يعبر عن الجملة والذات. ((مظ)) هذا يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون
стр. 1084
الفصل الثالث
١٩٤٥ - عن أنسٍ، قال: كانَ أبو طلحةَ أكثرَ الأنصارِ بالمدينة مالاً من نخل، وكانَ أحبُّ أموالِه إليه بيرحاءَ، وكانتْ مستَقبلةَ المسجد، وكانَ رسولُ الله ﷺ يدخلُها ويشربُ منْ ماءٍ فيها طيبٍ. قال أنسُ: فلمَّا نزلت هذه الآيةُ: ﴿لَنْ تنالوا البرَّ حتى تُنْفقُوا مِمَّا تُحبُّون﴾، قام أبو طلحةَ إلي رسولِ الله ﷺ فقال يا رسول الله! إنَّ اللهَ تعالي يقول: ﴿لَنْ تنَالوا البِرَّ حتى تُنفقُوا ممَّا تُحبُّون﴾، وإِنَّ أحبَّ مالي إِليَّ بَيرُحاءُ، وإِنّها صدقة لله تعالي، أرجُو برَّها وذخرَّها عندَ الله، فضَعْها يا رسولَ اللهِ حيثُ أراكَ اللهُ. فقال رسولُ الله ﷺ : ((بَخٍ بًخٍ، ذلكَ مالٌ رابحٌ، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أنْ تجعلَها في الأقرَبينَ)). فقال أبو طلحةَ: أفْعَلُ يا رسولَ اللهِ! فقسَمها أبو طلحةَ في أقاربِه وبَني عمّه. متفق عليه.
ــ
معناه لا تسألوا من الناس شيئاً بوجه الله مثل أن تقولوا لأحد: يا فلان أعطني شيئاً بوجه الله، أو بالله؛ فإن اسم الله تعالي أعظم من أن يسأل به شيء من متاع الدنيا، بل اسألوا به الجنة. والثاني: لا تسألوا الله شيئاً من متاع الدنيا، بل سلوا الله رضاه والجنة، فإن متاع الدنيا لا قدر له.
أقول: في الوجهين نظر. ويمكن أن يجرى علي المبالغة يعني لا يسأل الناس ناشداً بالله إلا الجنة. وقد علم أن ليس إليهم ذلك، فيفيد المبالغة في قطع السؤال عنهم بالله. ونظيره قوله تعالي: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾، وهذا تأديب للسؤال والمكدين، وعليهم أن يحترزوا ويجتنبوا هذا الأمر الفظيع.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((بيرحاء)) ((نه)): هذه اللفظة كثير ما يختلف ألفاظ المحدثين فيها، فيقولون: بيرحاء- بفتح الباء وكسرها، وبفتح الراء وضمها، والمد فيهما، وبفتحهما والقصر- وهي اسم ماء، أو موضع بالمدينة. وفي الفائق: أنها فيعلاء من البراح، وهي الأرض الظاهرة. قوله: ((لن تنالو البر)) أي لن تكونوا أبراراً محسنين، فكأنه جعل البر شيئاً متنا، ولا مبالغة، قالت الخنساء:
وما بلغت كف امرئ متنا ولا ... من المجد إلا والذي نال أطول
قوله: ((بخ بخ)) ((نه)) فيه لغتان: إسكان الخاء وكسرها منوناً، وهي كلمة يقولها المتعجب
стр. 1085
١٩٤٦ - وعنه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((أفضلُ الصَّدقةِ أنْ تُشبِعَ كبِداً جائعاً)). رواه البيهقيُّ في ((شعب الإيمان)). [١٩٤٦].
(٨) باب صدقة المرأة من مال الزوج
الفصل الأول
١٩٤٧ - عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : ((إذا أنفقت المرأةُ مِنْ طعامِ بيتها غير مُفسِدة؛ كانَ لها أجرُها بما أنفقَتْ، ولزَوجها أجرُه بما كَسَبَ، وللخازِنِ مثلُ ذلكَ: لا يَنقُصُ بعضُهم أجرَ بعضٍ شيئاً)). متفق عليه.
ــ
من الشيء، وعند المدح والرضي بالشيء، وقد تكرر للمبالغة يقال: بخ بخ. قوله: ((مال رابح)) أي ذو ربح، كقولك: لابن وتامر، ويروى بالياء ((مح)): أي رابح عليك نفعه، وفيه أن أفضل البر ما لأولي الأقرباء.
الحديث الثاني عن أنس ﵁: قوله: ((كبداً جائعاً)) وصف الكبد بصفة صاحبه علي الإسناد المجازى، وهو من جعل الوصف المناسب علة للحكم، وفائدة العموم يتناول أنواع الحيوان، سواء كان مؤمناً أو كافراً، ناطقاً أو غير ناطق.
باب صدقة المرأة من مال الزوج
الفصل الأول
الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها)) يعني ما أتى به من المطعوم، وجعلت المرأة متصرفة فيه، وجعله في يد خازن، فإذا أنفقت المرأة منه عليه، وعلي من يعوله من غير تقصير وتبذير، كان لها أجرها. والدليل علي ذلك قوله: ((من طعام بيتها)) فإنه أضاف البيت إليها دلالة علي أن الطعام هو ما يتخذ للأكل. وأما جواز التصدق منه وعدمه فليس في الحديث دلالة عليه صريحاً. نعم! الحديث الذي يبي هذا الحديث فيه دلالة علي الجواز بالتصدق بغير أمره. وأوَّله محيي السنة حيث قال: العمل علي هذا عند عامة أهل العلم أن المرأة ليس لها أن تتصدق بشيء من مال الزوج دون إذنه، وكذلك الخادم،
стр. 1086
١٩٤٨ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((إِذا أنفقَتِ المرأةُ منْ كَسْبِ زَوِجها منْ غيرِ أمره؛ فلَها نصْفُ أجرِه)). متفق عليه.
١٩٤٩ - وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((الخازِنُ المسلمُ الأمينُ الذي يُعطي ما أُمرَ به كاملاً مُوَفَّراً طيبةً به نفسُه، فيدفعُه إِلي الذي أمرَ له به؛ أحَدُ المتصدِّقَيْنِ)). متفق عليه.
١٩٥٠ - وعن عائشةٌ، قالت: إِنَّ رحلاً قال للنَّبي ﷺ : إِنَّ أْمِّي افتُلتَتْ نفسُها، وأظنُّها لو تكلَّمتْ تصدَّقتْ، فهلْ لها أجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عنها؟ قال: ((نعم)). متفق عليه.
ــ
وبأثمان إن فعلا ذلك. وحديث عائشة خارج علي عادة أهل الحجاز، إنهم يطلقون الأمر للأهل والخادم في الإنفاق والتصدق مما يكون في البيت إذا حضرهم السائل، أو نزل بهم الضيف، وحضهم علي لزوم تلك العادة كما قال لأسماء: ((لا توعى فيوعى الله عليك)).
الحديث الثاني والثالث عن أبي موسى: قوله: ((أحد المتصدقين)) هو خبر ((الخازن)) وهو نحو قولهم في المبالغة: القلم أحد اللسإنين، والخال أحد الأبوين. ((مظ)): شرط في الحديث أربعة أشياء: الإذن، وعدم نقصان ما أمر به، وطيب النفس بإعطاء ما أمر به. فإن البخيل كل البخيل من بخل بمال الغير، وأن يعطي من أمر بالدفع إليه لا إلي الغير.
الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((افتلتت)) ((مح)): ضبطنا ((نفسها)) بنصب السين ورفعها، فالرفع علي أنه مفعول ما لم يسم فاعله، والنصب علي أنه مفعول ثان. قال القاضي عياض: الأكثر بالنصب. ((فا)): ((افتلتت)) أي استلبت نفسها، كما تقول: اختلسه الشيء واستلبه، يتعدى إلي مفعولين، فبني الفعل للمفعول فتحول الضمير مستتراً، وبقيت النفس منصوبة علي حالها. وقال في النهاية ماتت فجأة، أو أخذت نفسها فلتة. ((حس)): في الحديث دليل علي أن الصدقة عن الميت تنفعه، وهو قول أهل العلم، قالوا، ليس يصل إلي الميت إلا الصدقة والدعاء. ((تو)): الرجل هو سعد بن عبادة.
стр. 1087
الفصل الثاني
١٩٥١ - عن أبي أُمامةَ، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول في خُطبِته عامَ حجَّة الوداعِ: ((لا تُنفِق امرأةٌ شيئاً منْ بيتِ زَوجِها إِلا بإِذنِ زَوِجها)). قيل: يا رسولَ اللهِ! ولا الطعام؟ قال: ((ذلكَ أفضلُ أموالِنا)). رواه الترمذي. [١٩٥١]
١٩٥٢ - وعن سعدٍ، قال: لماَّ باَيعَ رسولُ اللهص لي الله عليه وسلم النساءَ قامتِ امرأةٌ جَليلةٌ كأنَّها منْ نساءِ مُضر، فقالتْ: يا نبيَّ الله! إنَّا كَلٌّ علي آبائنا وأبنائنا وأزْواجنا، فما يحَلُّ لنا منْ أموالِهم؟ قال: ((الرَّطْبُ تأكُلْنَه وتُهْدينَه)). رواه أبو داود. [١٩٥٢]
الفصل الثالث
١٩٥٣ - عن عُميرٍ موْلي آبي اللحمِ، قال: أمرَني مولاي أنْ أُقَدِّدَ لحماً، فجاءَني مسكينٌ، فأطعمتُه منه، فعَلمَ بذلك مولايَ، فضرَبني، فأتَيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فذكرتُ ذلكَ له، فدعاه، فقال: ((لمَ ضرَبْتَه؟)) قال: يُعطي طعَامي بغَيرِ أنْ آمُرهَ. فقال: ((الأجرُ بينَكما)). وفي روايةٍ قال: كنتُ مَملوكاً، فسألتُ رسولَ الله ﷺ : أتصدَّقُ من
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول، عن سعد: قوله: ((كلٌّ علي آبائنا)) ((نه)) الكل- بالفتح- الثقل من كل ما يتكلف، والكل العيال. قوله: ((الرطب تأكلنه)) ((تو)): المراد بالرطب نحو اللبن، والفاكهة، والبقول، والمرق، وما يسرع إليه الفساد من الأطعمة، ولا يتقوى علي الخزن. وقيل: خص الرطب؛ لأن خطبه أيسر، والفساد إليه أسرع، فإذا ترك ولم يؤكل هلك، بخلاف اليابس، فوقعت المسامحة في ذلك بترك الاستئذان، وأن يجرى علي العادة المستحسنة، وهذا فيما بين الآباء والأمهات والأبناء، دون الأزواج والزوجات، فليس لأحدهما أن يفعل شيئاً إلا بإذن صاحبه.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عمير أبي اللحم- بهمزة ممدودة وكسر الباء- قيل: لإنه كان لا يأكل اللحم، وقيل: كان لا يأكل ما ذبح للأصنام. واسم أبي اللحم عبد الله، وقيل: خلف، وقيل: الحويرث الغفاري: قوله: ((الأجر بينكما)) ((تو)): لم يرد النبي ﷺ بذلك إطلاق يد العبد في مال سيده، وإنما كره صنيع مولاه في ضربه العبد علي الأمر الذي تبين رشده فيه، فحث السيد
стр. 1088
مالِ موالِيَّ بشيء؟ قال: ((نعمْ، والأجرُ بينكُما نصفانِ)). رواه مسلم.
(٩) باب من لا يعود في الصدقة
الفصل الأول
١٩٥٤ - عن عمر بن الخطابِ [﵁]، قال: حَمَلتُ علي فرسٍ في سبيل اللهِ فأضاعَه الذي كان عندَه، فأردتُ أنْ أشترِيَه، وظنَنْتُ أنَّهُ يبَيعُه بِرُخْصٍ، فسألتُ النبيَّ ﷺ ، فقال: ((لا تَشترِهِ ولا تَعُدْ في صدقِتكَ وإنْ أعطاكَه بدِرهمٍ، فإِنَّ العائدَ في صدقته كالكلبِ يعودُ في قَيْئِه)). وفي رواية: ((لا تعُدْ في صدَقِتك، فإِنَّ العائدَ في صدقِته كالعائد في قيئه)). متفق عليه.
ــ
علي اغتنام الأجر، ورغبَّه فيه، ولم يرد أن يمهد له فيما كان سبيله العفو، والتسامح. فإن قيل: فهل يجوز أن يسكت النبي ﷺ في موضع الحاجة إلي البيان؟ قلنا: قد تبين ذلك في غير موضع.
أقول: جوابه ﷺ بقوله: ((الأجر بينكما)) عن قوله: ((يعطي طعامي بغير أن آمره)) من الأسلوب الحكيم، أي لا تضربه لهذه العلة، بل إئذن له بالإعطاء ليحصل لكما الأجران.
المعنى أهم بك من الضرب والإذن هو الإذن، وهو تعليم وإرشاد لأبي اللحم لا تقرير لفعل عمير، ونحوه قول الشاعر:
أتت تشتكي عندي مزاولة القرى ... وقد رأيت الضيفان ينحون منزلي
فقلت كإني ما سمعت كلامها ... هم الضيف جدِّى في قراهم وعجِّلي
باب من لا يعود في الصدقة
الفصل الأول
الحديث الأول عن عمر بن الخطاب ﵁: قوله: ((حملت علي فرس)) ((تو)): أي جعلت فرساً حمولة من لم يكن له حمولة من المجاهدين، وأعطيته إياه فأضاعه، أي أساء سياسته، والقيام بعلفه، وسقيه، وإرساله المراعى، حتى صار كالشيء الهالك.
قوله: ((وإن أعطاكه بدرهم)) متعلق بقوله: ((لا تشتره)) ومعناه لا ترغب البتة، ولا تنظر إلي رخصه، وصحة بيعه، ولكن إلي أنه صدقتك وهبتك. فقوله: ((ولا تعد في صدقتك)) معترضة كالتعليل للنهي، ثم ضرب له مثلاً، وشبهه بأخس الحيوان في أخس أحواله، تصويراً للتهجين وتنفيراً منه، وفيه كم من عقد يصح فتوى ولا يصح من جهة الخسة، والدناءة، والخروج عن المكروه.
стр. 1089
١٩٥٥ - وعن بُريدَةَ، قال: كنتُ جالساً عندَ النبيِّ ﷺ ، إذْ أتته امرأةٌ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ! لإني تصدَّقتُ علي أُمي بجارِيةٍ، وإنَّها ماتتْ. قال: ((وجبَ أجرُكِ، وَردَّها علَيكِ الميراثُ)). قالتْ: يا رسول الله! إِنَّه كانَ علَيها صومُ شهر، أفأصومُ عنها؟ قال: ((صومي عنها)). قالت: إِنَّها لم تحجَّ قطُّ، أفأحُجُّ عنها، فال: ((نعم، حُجِّي عنها)). رواه مسلم.
كتاب الصوم
الفصل الأول
١٩٥٦ - عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذا دخلَ [شهرُ] رمضانَ فتحتْ أبوابُ السَّماء)) وفي رواية: ((فُتحتْ أبوابُ الجنَّةِ، وغُلِّقت أبوابُ جهنَّمَ، وسُلسلتِ الشَّياطينُ)). وفي رواية: ((فُتِحَتْ أبوابُ الرَّحمةِ)). متفق عليه.
ــ
الحديث الثاني عن بريدة: قوله: ((إنه كان)) الضمير المنصوب للشأن، والجملة بعده مفسرة له. ((مظ)): جوز أحمد أن يصوم الولي عن الميت ما كان عليه من الصوم من قضاء رمضان، أو نذر، أو كفارة بهذا الحديث، ولم يجوزه مالك، والشافعي، وأبو حنيفة ﵃.
كتاب الصوم
قال الراغب: الصوم في الأصل الإمساك عن الفعل، مطعما كان، أو كلاماً، أو مشياً، ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير، أو عن العلف: صائم. ومصام الفرس، ومصامته موقفه، وفي الشرع: إمساك المكلف بالنية من الخيط الأبيض إلي الخيط الأسود عن تناول الأطيبين والاستمناء الاستقاء.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فتحت أبواب السماء)) ((تو)): فتح أبواب لسماء كناية عن تنزيل الرحمة، [وإزالة الغلق] عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق، وأخرى بحسن القبول، وغلق أبواب جهنم عبارة عن تنزه أنفس الصوَّام عن رجس الفواحش والتخلص من البواعث علي المعاصي بقمع الشهوات
فإن قيل: ما منعكم أن تحملوا علي ظاهر المعنى، قلنا: لأنه ذكر علي سبيل المنِّ علي الصوَّام، وإتمام النعمة عليهم فيما أمروا به وندبوا إليه، حتى صار الجِنَانُ في هذا الشهر كأن أبوابها فتحت، ونعيمها أبيحت، والنيران كأن أبوابها أُغلقت، وأنكالها عطلت، وإذا ذهبنا فيه
стр. 1090
١٩٥٧ - عن سهلِ بن سعدٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((في الجنَّةِ ثمإنيةُ أبوابٍ، منها: بابٌ يُسمَّي الرَّيَّانَ لا يَدخلُه إلا الصَّائمونَ)). متفق عليه.
١٩٥٨ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَنْ صامَ رمضانَ إيماناً واحتِساباً غُفِرَ لَه ما تقدَّمَ منْ ذَنبِه، ومَنْ قامَ رمضانَ إِيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّمَ منْ ذنبِه، ومَن قامَ ليلةَ القدْرِ إِيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّمَ منْ ذنبِه)). متفق عليه.
ــ
إلي الظاهر لم تقع المنة موقعها، ويخلو من الفائدة، لأن الإنسان ما دام في هذه الدار، فإنه غير ميسر لدخول إحدى الدارين. وقد جوز الشيخ محيي الدين النواوي الوجهين في فتح أبواب السماء، وتغليق أبواب جهنم، أعني الحقيقة والمجاز.
أقول: يمكن أن تكون فائدة الفتح توفيق الملائكة علي استحماد فعل الصائمين، وأن ذلك من الله تعالي بمنزلة عظيمة، وأيضاً إذا علم المكلف المعتقد ذلك بإخبار الصادق يزيد في نشاطه، ويتلقاه بأريحيته، وينصره حديث عمر في الفصل الثالث ((إن الجنة تزخرف لرمضان)) الحديث.
الحديث الثاني عن سهل: قوله: ((يسمى الريان)) قد مضى الكلام فيه في باب فضل الصدقة في حديث أبي هريرة.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إيماناً واحتساباً ((مظ)): يعني بالإيمان الاعتقاد بحقيقة فرضية صوم هذا الشهر، لا الخوف والاستحياء من الناس من غير اعتقاد بتعظيم هذا الشهر، والاحتساب طلب الثواب من الله الكريم، ((وقيام رمضان)) إحياء لياليه، أو بعضها من كل ليلة بصلاة التراويح، وغيرها من الطاعات.
أقول: ذكر الخلال الثلاث من الصيام والقيام والإحياء، رتب علي كل واحد أمراً واحداً منِ الغفران إشعاراً بأنه نتيجة الفتوحات الإلهية، ومستتبع العواطف الربإنية، قال الله تعالي: ﴿إِنَّا فَتحْنا لكَ فتْحاً مبيناً ليغفرَ لَكَ اللهُ مَا تقَّمَ منْ ذَنبك﴾ الآية.
قوله: ((ومن قامَ ليَلة القدر)) في أصل المالكي ((من يقم)) قال: وقع الشرط مضارعاً، والجواب ماضياً لفظاً لا معنى، ونحوه قول عائشة ﵂: ((إن أبا بكر رجل أسف، متي يقم مقامك رقَّ)). والنحويون يستضعفون ذلك، ويراه بعضهم مخصوصاً بالضرورة، والصحيح الحكم بجوازه مطلقاً لثبوته في كلام أفصح الفصحاء، وكثرة صدوره عن فحول الشعراء.
أقول: نحوه في التنزيل ﴿مَنْ يُصرَفْ عَنه يومنذ فقدْ رَحمَهُ﴾ ﴿وَمَن تُدْخِل النَّارَ فقدْ أَخْزيَته﴾، ﴿وإِنْ تَتُوَبا إِلي اللهِ فقدْ صَغَتْ قلُوبُكًما﴾ قال ابن الحاجب في الأمالي:
следующие страницы →