Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
١٩٤٨ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((إِذا أنفقَتِ المرأةُ منْ كَسْبِ زَوِجها منْ غيرِ أمره؛ فلَها نصْفُ أجرِه)). متفق عليه.
١٩٤٩ - وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((الخازِنُ المسلمُ الأمينُ الذي يُعطي ما أُمرَ به كاملاً مُوَفَّراً طيبةً به نفسُه، فيدفعُه إِلي الذي أمرَ له به؛ أحَدُ المتصدِّقَيْنِ)). متفق عليه.
١٩٥٠ - وعن عائشةٌ، قالت: إِنَّ رحلاً قال للنَّبي ﷺ : إِنَّ أْمِّي افتُلتَتْ نفسُها، وأظنُّها لو تكلَّمتْ تصدَّقتْ، فهلْ لها أجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عنها؟ قال: ((نعم)). متفق عليه.
ــ
وبأثمان إن فعلا ذلك. وحديث عائشة خارج علي عادة أهل الحجاز، إنهم يطلقون الأمر للأهل والخادم في الإنفاق والتصدق مما يكون في البيت إذا حضرهم السائل، أو نزل بهم الضيف، وحضهم علي لزوم تلك العادة كما قال لأسماء: ((لا توعى فيوعى الله عليك)).
الحديث الثاني والثالث عن أبي موسى: قوله: ((أحد المتصدقين)) هو خبر ((الخازن)) وهو نحو قولهم في المبالغة: القلم أحد اللسإنين، والخال أحد الأبوين. ((مظ)): شرط في الحديث أربعة أشياء: الإذن، وعدم نقصان ما أمر به، وطيب النفس بإعطاء ما أمر به. فإن البخيل كل البخيل من بخل بمال الغير، وأن يعطي من أمر بالدفع إليه لا إلي الغير.
الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((افتلتت)) ((مح)): ضبطنا ((نفسها)) بنصب السين ورفعها، فالرفع علي أنه مفعول ما لم يسم فاعله، والنصب علي أنه مفعول ثان. قال القاضي عياض: الأكثر بالنصب. ((فا)): ((افتلتت)) أي استلبت نفسها، كما تقول: اختلسه الشيء واستلبه، يتعدى إلي مفعولين، فبني الفعل للمفعول فتحول الضمير مستتراً، وبقيت النفس منصوبة علي حالها. وقال في النهاية ماتت فجأة، أو أخذت نفسها فلتة. ((حس)): في الحديث دليل علي أن الصدقة عن الميت تنفعه، وهو قول أهل العلم، قالوا، ليس يصل إلي الميت إلا الصدقة والدعاء. ((تو)): الرجل هو سعد بن عبادة.
стр. 1087
الفصل الثاني
١٩٥١ - عن أبي أُمامةَ، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول في خُطبِته عامَ حجَّة الوداعِ: ((لا تُنفِق امرأةٌ شيئاً منْ بيتِ زَوجِها إِلا بإِذنِ زَوِجها)). قيل: يا رسولَ اللهِ! ولا الطعام؟ قال: ((ذلكَ أفضلُ أموالِنا)). رواه الترمذي. [١٩٥١]
١٩٥٢ - وعن سعدٍ، قال: لماَّ باَيعَ رسولُ اللهص لي الله عليه وسلم النساءَ قامتِ امرأةٌ جَليلةٌ كأنَّها منْ نساءِ مُضر، فقالتْ: يا نبيَّ الله! إنَّا كَلٌّ علي آبائنا وأبنائنا وأزْواجنا، فما يحَلُّ لنا منْ أموالِهم؟ قال: ((الرَّطْبُ تأكُلْنَه وتُهْدينَه)). رواه أبو داود. [١٩٥٢]
الفصل الثالث
١٩٥٣ - عن عُميرٍ موْلي آبي اللحمِ، قال: أمرَني مولاي أنْ أُقَدِّدَ لحماً، فجاءَني مسكينٌ، فأطعمتُه منه، فعَلمَ بذلك مولايَ، فضرَبني، فأتَيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فذكرتُ ذلكَ له، فدعاه، فقال: ((لمَ ضرَبْتَه؟)) قال: يُعطي طعَامي بغَيرِ أنْ آمُرهَ. فقال: ((الأجرُ بينَكما)). وفي روايةٍ قال: كنتُ مَملوكاً، فسألتُ رسولَ الله ﷺ : أتصدَّقُ من
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول، عن سعد: قوله: ((كلٌّ علي آبائنا)) ((نه)) الكل- بالفتح- الثقل من كل ما يتكلف، والكل العيال. قوله: ((الرطب تأكلنه)) ((تو)): المراد بالرطب نحو اللبن، والفاكهة، والبقول، والمرق، وما يسرع إليه الفساد من الأطعمة، ولا يتقوى علي الخزن. وقيل: خص الرطب؛ لأن خطبه أيسر، والفساد إليه أسرع، فإذا ترك ولم يؤكل هلك، بخلاف اليابس، فوقعت المسامحة في ذلك بترك الاستئذان، وأن يجرى علي العادة المستحسنة، وهذا فيما بين الآباء والأمهات والأبناء، دون الأزواج والزوجات، فليس لأحدهما أن يفعل شيئاً إلا بإذن صاحبه.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عمير أبي اللحم- بهمزة ممدودة وكسر الباء- قيل: لإنه كان لا يأكل اللحم، وقيل: كان لا يأكل ما ذبح للأصنام. واسم أبي اللحم عبد الله، وقيل: خلف، وقيل: الحويرث الغفاري: قوله: ((الأجر بينكما)) ((تو)): لم يرد النبي ﷺ بذلك إطلاق يد العبد في مال سيده، وإنما كره صنيع مولاه في ضربه العبد علي الأمر الذي تبين رشده فيه، فحث السيد
стр. 1088
مالِ موالِيَّ بشيء؟ قال: ((نعمْ، والأجرُ بينكُما نصفانِ)). رواه مسلم.
(٩) باب من لا يعود في الصدقة
الفصل الأول
١٩٥٤ - عن عمر بن الخطابِ [﵁]، قال: حَمَلتُ علي فرسٍ في سبيل اللهِ فأضاعَه الذي كان عندَه، فأردتُ أنْ أشترِيَه، وظنَنْتُ أنَّهُ يبَيعُه بِرُخْصٍ، فسألتُ النبيَّ ﷺ ، فقال: ((لا تَشترِهِ ولا تَعُدْ في صدقِتكَ وإنْ أعطاكَه بدِرهمٍ، فإِنَّ العائدَ في صدقته كالكلبِ يعودُ في قَيْئِه)). وفي رواية: ((لا تعُدْ في صدَقِتك، فإِنَّ العائدَ في صدقِته كالعائد في قيئه)). متفق عليه.
ــ
علي اغتنام الأجر، ورغبَّه فيه، ولم يرد أن يمهد له فيما كان سبيله العفو، والتسامح. فإن قيل: فهل يجوز أن يسكت النبي ﷺ في موضع الحاجة إلي البيان؟ قلنا: قد تبين ذلك في غير موضع.
أقول: جوابه ﷺ بقوله: ((الأجر بينكما)) عن قوله: ((يعطي طعامي بغير أن آمره)) من الأسلوب الحكيم، أي لا تضربه لهذه العلة، بل إئذن له بالإعطاء ليحصل لكما الأجران.
المعنى أهم بك من الضرب والإذن هو الإذن، وهو تعليم وإرشاد لأبي اللحم لا تقرير لفعل عمير، ونحوه قول الشاعر:
أتت تشتكي عندي مزاولة القرى ... وقد رأيت الضيفان ينحون منزلي
فقلت كإني ما سمعت كلامها ... هم الضيف جدِّى في قراهم وعجِّلي
باب من لا يعود في الصدقة
الفصل الأول
الحديث الأول عن عمر بن الخطاب ﵁: قوله: ((حملت علي فرس)) ((تو)): أي جعلت فرساً حمولة من لم يكن له حمولة من المجاهدين، وأعطيته إياه فأضاعه، أي أساء سياسته، والقيام بعلفه، وسقيه، وإرساله المراعى، حتى صار كالشيء الهالك.
قوله: ((وإن أعطاكه بدرهم)) متعلق بقوله: ((لا تشتره)) ومعناه لا ترغب البتة، ولا تنظر إلي رخصه، وصحة بيعه، ولكن إلي أنه صدقتك وهبتك. فقوله: ((ولا تعد في صدقتك)) معترضة كالتعليل للنهي، ثم ضرب له مثلاً، وشبهه بأخس الحيوان في أخس أحواله، تصويراً للتهجين وتنفيراً منه، وفيه كم من عقد يصح فتوى ولا يصح من جهة الخسة، والدناءة، والخروج عن المكروه.
стр. 1089
١٩٥٥ - وعن بُريدَةَ، قال: كنتُ جالساً عندَ النبيِّ ﷺ ، إذْ أتته امرأةٌ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ! لإني تصدَّقتُ علي أُمي بجارِيةٍ، وإنَّها ماتتْ. قال: ((وجبَ أجرُكِ، وَردَّها علَيكِ الميراثُ)). قالتْ: يا رسول الله! إِنَّه كانَ علَيها صومُ شهر، أفأصومُ عنها؟ قال: ((صومي عنها)). قالت: إِنَّها لم تحجَّ قطُّ، أفأحُجُّ عنها، فال: ((نعم، حُجِّي عنها)). رواه مسلم.
كتاب الصوم
الفصل الأول
١٩٥٦ - عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذا دخلَ [شهرُ] رمضانَ فتحتْ أبوابُ السَّماء)) وفي رواية: ((فُتحتْ أبوابُ الجنَّةِ، وغُلِّقت أبوابُ جهنَّمَ، وسُلسلتِ الشَّياطينُ)). وفي رواية: ((فُتِحَتْ أبوابُ الرَّحمةِ)). متفق عليه.
ــ
الحديث الثاني عن بريدة: قوله: ((إنه كان)) الضمير المنصوب للشأن، والجملة بعده مفسرة له. ((مظ)): جوز أحمد أن يصوم الولي عن الميت ما كان عليه من الصوم من قضاء رمضان، أو نذر، أو كفارة بهذا الحديث، ولم يجوزه مالك، والشافعي، وأبو حنيفة ﵃.
كتاب الصوم
قال الراغب: الصوم في الأصل الإمساك عن الفعل، مطعما كان، أو كلاماً، أو مشياً، ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير، أو عن العلف: صائم. ومصام الفرس، ومصامته موقفه، وفي الشرع: إمساك المكلف بالنية من الخيط الأبيض إلي الخيط الأسود عن تناول الأطيبين والاستمناء الاستقاء.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فتحت أبواب السماء)) ((تو)): فتح أبواب لسماء كناية عن تنزيل الرحمة، [وإزالة الغلق] عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق، وأخرى بحسن القبول، وغلق أبواب جهنم عبارة عن تنزه أنفس الصوَّام عن رجس الفواحش والتخلص من البواعث علي المعاصي بقمع الشهوات
فإن قيل: ما منعكم أن تحملوا علي ظاهر المعنى، قلنا: لأنه ذكر علي سبيل المنِّ علي الصوَّام، وإتمام النعمة عليهم فيما أمروا به وندبوا إليه، حتى صار الجِنَانُ في هذا الشهر كأن أبوابها فتحت، ونعيمها أبيحت، والنيران كأن أبوابها أُغلقت، وأنكالها عطلت، وإذا ذهبنا فيه
стр. 1090
١٩٥٧ - عن سهلِ بن سعدٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((في الجنَّةِ ثمإنيةُ أبوابٍ، منها: بابٌ يُسمَّي الرَّيَّانَ لا يَدخلُه إلا الصَّائمونَ)). متفق عليه.
١٩٥٨ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَنْ صامَ رمضانَ إيماناً واحتِساباً غُفِرَ لَه ما تقدَّمَ منْ ذَنبِه، ومَنْ قامَ رمضانَ إِيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّمَ منْ ذنبِه، ومَن قامَ ليلةَ القدْرِ إِيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّمَ منْ ذنبِه)). متفق عليه.
ــ
إلي الظاهر لم تقع المنة موقعها، ويخلو من الفائدة، لأن الإنسان ما دام في هذه الدار، فإنه غير ميسر لدخول إحدى الدارين. وقد جوز الشيخ محيي الدين النواوي الوجهين في فتح أبواب السماء، وتغليق أبواب جهنم، أعني الحقيقة والمجاز.
أقول: يمكن أن تكون فائدة الفتح توفيق الملائكة علي استحماد فعل الصائمين، وأن ذلك من الله تعالي بمنزلة عظيمة، وأيضاً إذا علم المكلف المعتقد ذلك بإخبار الصادق يزيد في نشاطه، ويتلقاه بأريحيته، وينصره حديث عمر في الفصل الثالث ((إن الجنة تزخرف لرمضان)) الحديث.
الحديث الثاني عن سهل: قوله: ((يسمى الريان)) قد مضى الكلام فيه في باب فضل الصدقة في حديث أبي هريرة.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إيماناً واحتساباً ((مظ)): يعني بالإيمان الاعتقاد بحقيقة فرضية صوم هذا الشهر، لا الخوف والاستحياء من الناس من غير اعتقاد بتعظيم هذا الشهر، والاحتساب طلب الثواب من الله الكريم، ((وقيام رمضان)) إحياء لياليه، أو بعضها من كل ليلة بصلاة التراويح، وغيرها من الطاعات.
أقول: ذكر الخلال الثلاث من الصيام والقيام والإحياء، رتب علي كل واحد أمراً واحداً منِ الغفران إشعاراً بأنه نتيجة الفتوحات الإلهية، ومستتبع العواطف الربإنية، قال الله تعالي: ﴿إِنَّا فَتحْنا لكَ فتْحاً مبيناً ليغفرَ لَكَ اللهُ مَا تقَّمَ منْ ذَنبك﴾ الآية.
قوله: ((ومن قامَ ليَلة القدر)) في أصل المالكي ((من يقم)) قال: وقع الشرط مضارعاً، والجواب ماضياً لفظاً لا معنى، ونحوه قول عائشة ﵂: ((إن أبا بكر رجل أسف، متي يقم مقامك رقَّ)). والنحويون يستضعفون ذلك، ويراه بعضهم مخصوصاً بالضرورة، والصحيح الحكم بجوازه مطلقاً لثبوته في كلام أفصح الفصحاء، وكثرة صدوره عن فحول الشعراء.
أقول: نحوه في التنزيل ﴿مَنْ يُصرَفْ عَنه يومنذ فقدْ رَحمَهُ﴾ ﴿وَمَن تُدْخِل النَّارَ فقدْ أَخْزيَته﴾، ﴿وإِنْ تَتُوَبا إِلي اللهِ فقدْ صَغَتْ قلُوبُكًما﴾ قال ابن الحاجب في الأمالي:
стр. 1091
١٩٥٩ - وعنه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((كلُّ عملِ ابنِ آدم يُضاعَفُ الحسَنةُ بعشر أمثالِها إلي سبعمائة ضعفٍ، قال اللهُ تعالي: إلا الصومَ فإنَّهُ لي وأنا أجزي به، يدَعُ شهوتَه وطعامَه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحةٌ غندَ فطرِهِ، وفرحةٌ عندَ لقاءِ
ــ
جواب الشرط ((فقد صغت قلبوكما)) من حيث الإخبار، كقولهم: إن تكرمني اليوم فقد أكرمتك أمس، فالإكرام المذكور شرط، وسبب للإخبار بالإكرام الزاقع من المتكلم، لا نفس الإكرام. فعلي هذا يحمل الجواب في الآية أي إن تتوبا إلي الله يكن سبباً لذكر هذا الخبر، وهو ((فقد صغت))، وصاحب المفتاح أول المثال بقوله: فإن تعتد بإكرامك لي الآن، فاعتد بإكرامي إياك أمس، وتأويل الحديث من يقم ليلة القدر فليحتسب قيامه، وليعلم أن الله قد حكم بغفرانه قبل.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((يضاعَفُ الحسنةُ)) ((قض)): لما أراد بقوله: ((كل عمل)) الحسنات من الأعمال، وضع الحسنة في الخبر موضع الضمير الراجع إلي المبتدأ. ((وإلا)) مستثنى عن كلام غير محكى دل عليه ما قبله، والمعنى أن الحسنات يضاعف جزاؤها من عشر أمثالها إلي سبعمائة إلا الصوم، فإن ثوابه لا يقادر قدره، ولا يقدر إحصاؤه إلا الله، فلذلك يتولي جزاءه بنفسه، ولا يكله إلي ملائكته، والموجب لاختصاص الصوم بهذا الفضل أمران: أحدهما: أن سائر العبادات مما يطلع عليه العباد، والصوم سر بينه وبين الله تعالي، يفعله خالصاً لوجه الله تعالي، ويعامله بها طالباً لرضاه، وإليه أشار بقوله: ((فإنه لي)).
وثإنيهما: أن سائر الحسنات راجعة إلي صرف المال واشتغال البدن بما فيه رضاه، والصوم يتضمن كسر النفس، وتعريض البدن للنقصان والتحول، مع ما فيه من الصبر علي مضض الجوع وحرقة العطش، فبينه وبينها أمد بعيد، وإليه أشار بقوله: ((يدع شهوته وطعامه لأجلي)).
أقول: بيان الوجه الثاني: أن قوله: ((يدع شهوته، وطعامه)) جملة متأنفة واردة بياناً لموجب الحكم. وأما قوله: ((وإلا مستثنى عن كلام غير محكى)) فيمكن أن يقال عليه: إنه مستثنى من ((كل عمل ابن آدم)) وهو مروى عن الله تعالي يدل عليه قوله: ((قال الله تعالي)) ولما لم يذكر هذا في صدر الكلام أورده في وسطه بياناً، وفائدة البيان بعد الإبهام تفخيم شأن الكلام، وأنه ﷺ ﴿مَا ينطقُ عن الهَوى إِنْ هُوَ إِلا وَحْى يُوْحَى﴾ وكذا أراد بقوله: ((كل عمل ابن آدم)) الحسنات منه لا السيئات، فبين في الخبر أن المراد منه الحسنات دلالة علي أن المعتد به من الأعمال الحسنات، ولو قيل: حسنات ابن آدم تضاعف بعشر أمثالها، لم يكن بهذه المثابة.
قوله: ((للصائم فرحتان)) ((مظ)): تحتمل الفرحة الأولي أمرين: فرح نفسه بالأكل والرب، وفرحها بوجدانه التوفيق لإتمام الصوم، والخروج عن العُهدة، والفرحة الثانية: نيل
стр. 1092
ربِّه، ولَخُلوف فَمِ الصائم عندَ الله أطيبُ عند اللهِ من ريحِ المسك والصيامُ جنَّةٌ، وإذا كانَ يومٌ صومِ أحدِكم فلا يرفُث ولا يَصخَب، فإنْ سابَّهُ أحد أو قاتَلهُ فليَقُل: إني امرؤٌ صائم)) متفق عليه.
الفصل الثاني
١٩٦٠ - عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كانَ أوَّلُ ليلةٍ من شهر رمضانَ صُفِّدت الشياطين ومردةُ الجنِّ، غلِّقَتْ أبوابُ النَّارِ فلم يُفتَح منها بابٌ، وفُتحت أبوابُ الجنَّة فلم يُغلَق منها بابٌ، ويُنادي مُنادٍ، يا باغي الخيرِ أقبِل، ويا باغي الشرِّ أقصر، ولله عُتقاءُ من النارِ وذلك كلَّ ليلةٍ)). رواه الترمذي، وابن ماجه [١٩٦٠].
ــ
الجزاء عند لقاء الله تعالي، وهو فرح لا يكتنه كنهه، قوله: ((لخلوف فم الصائم)) ((مح)): هو بضم الخاء تغير رائحة الفم، هذا هو الصواب الذي عليه الجمهور، وكثير يروونه بفتحها. قال الخطابي، وهو خطأ.
((قض قوله: ((أطيب)) تفضيل لما يستكره من الصائم علي أطيب ما يستلذ من جنسه- وهو المسك- ليقاس عليه ما فوقه من آثار الصوم ونتائجه. والرفث الفحش، والصَخَبُ الصَياحُ، والخصومة. والصِّخَابُ الصِّياحُ. ((مظ)): الجُنَّة الترس، يحتمل أن يراد به أن الصوم يدفع الرجل عن المعاصي؛ لأنه يكسر النفس كما تدفع الجُنَّة السَّهمَ. وأن يراد به أن الصوم يدفع النار عن الصائم كالجنة، قيل في قوله: ((إني امرؤ صائم)): يراد به القول باللسان؛ ليندفع عنه خصمه، أي إذا كنت صائماً لا يجوز لي أن أخاصمك بالشتم والهذيان، وقيل: المراد به الكلام النفسي، بأن يتفكر في نفسه أنه صائم لا يجوز له أن يغضب، ويهذي، ويسب.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((صفدت الشياطين)) ((نه)): أي شُدَّت، وأوثقت بالأغلال، يقال: صفدته والصَفَد والصفاد الشدُّ. والمردة جمع مارد، وهو العاتي الشديد، روى البيهقي عن الإمام أحمد عن الحليمي أنه قال: تصفيد الشياطين في شهر رمضان، يحتمل أن يكون المراد به أَيَّامَهُ خاصة، وأراد الشياطين التي هي مسترقة السمع، ألا تراه قال: ((مردة الشياطين))؛ لأن شهر رمضان كان وقتاً لنزول القرآن إلي السماء الدنيا، وكانت
стр. 1093
١٩٦١ - ورواه أحمد عن رجل، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [١٩٦١].
الفصل الثالث
١٩٦٢ - عن أبي هريرة، قال رسولُ الله ﷺ : ((أتاكم رمضانُ شهرٌ مبارَكٌ، فرَضَ اللهُ عليكم صيامَهُ، تُفتح فيهِ أبوابُ السَّماءِ، وتُغلقُ فيه أبوابُ الجحيم وتُغَلُّ فيه مَرَدةُ الشياطين، لله فيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ، من حُرِم خيرَها فقد حُرم)). رواه أحمد، والنسائي [١٩٦٢].
١٩٦٣ - وعن عبد الله بن عمروٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: ((الصيامُ والقرآنُ يشفعَانِ للعبدِ، يقولُ الصيامُ: أي ربِّ! إني منعتُه الطعامَ والشهواتِ بالنهارِ، فشفِّعني
ــ
الحراسة قد وقعت بالشهب، كما قال تعالي: ﴿حَفظنَاهَا﴾ الآية، والتصفيد في شهر رمضان مبالغة للحفظ، ويحتمل أن يكون المراد به أَيَّامَهَ وبعده، والمعنى أن الشياطين لا يخلصون فيه من إفساد الناس ما يخلصون إليه في غيره؛ لاشتغال أكثر المسلمين بالصيام الذي فيه قمع الشهوات، وبقراءة القرآن وسائر العبادات، والله أعلم.
قوله: ((يا باغي الخير)) أي يا طالب الثواب أقبل، هذا أوانك، فإنك تعطي ثواباً كثيراً بعمل قليل، وذلك لشرف الشهر، ويا من يشرع ويسعى في المعاصي تب وارجع إلي الله تعالي، هذا أوان قبول التوبة، ولله عتقاء من النار، لعلك تكون من زمرتهم. الإشارة بقوله: ((ذلك)) إما إلي البعيد وهو النداء، أو إلي القريب وهو ((ولله عتقاء)). والإقصار الكف، يقال: أقصرت عنه، أي كففت.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من حرم خيرها فقد حرم)) اتحد الشرط والجزاء دلالة علي فخامة الجزاء، أي حرم خيراً كثيراً، لا يقادر قدره، كقولهم: من أدرك الضمان فقد أدرك، والضمان مرعى.
الحديث الثاني عن عبد الله بن عمرو: قوله: ((يقول الصيام)): الشفاعة والقول من الصيام
стр. 1094
فيه، ويقولُ القرآن: منعتُهُ النومَ بالليَّلِ فشفِّعني فيه، فيُشَفَّعانِ)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [١٩٦٣].
١٩٦٤ - وعن أنس بن مالك، قال: دخلَ رمضانُ فقالَ رسولُ الله ﷺ : ((إنَّ هذا الشَّهر قد حضركم، وفيهِ ليلةٌ خيرٌ من ألف شهرٍ، من حُرِمَها فقد حُرِمَ الخير كلَّه، ولا يحرَمُ خَيْرها إلا كلُّ محرومٍ)). رواه ابن ماجه [١٩٦٤].
١٩٦٥ - وعن سليمانَ الفارسيِّ، قال. خطَبنا رسولُ اللهِ ﷺ في آخر يومٍ من شعبانَ فقال: ((يا أيُّها الناسُ، قد أظلَّكم شهرٌ عظيمٌ، شهرٌ مباركٌ، شهرٌ فيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهر، جعلَ اللهُ صيامَهُ فريضةً، وقيامَ ليله تطوعاً، من تقرَّبَ فيهِ بخصلةٍ من الخير كان كمَنْ أدَّى فريضةً فيما سواه، ومَنْ أدَّى فريضةً فيه كان كمنْ أدَّى سبعينَ فريضةً فيما سواه. وهو شهر الصبرِ، والصبرُ ثوابهُ الجنَّةُ، وشهرُ المواساةِ، وشهرٌ يزادُ فيه رزقُ المؤمن، من فطَّر فيه صائماً كانَ لهُ مغفرةً لذنوبه، وعَتْقَ رقبتِه منَ النار، وكانَ له مثلُ أجرهِ من غيرِ أن ينتقص من أجرِهِ شيءٌ)) قلنا: يا رسولَ الله! ليس كلُّنا نجدُ ما نَفطر به الصائم. فقال رسول الله ﷺ : ((يعطى الله هذا الثوابَ من فطَّر
ــ
والقرآن إما أن يؤول، أو يجرى علي ما عليه النص .. هذا هو المنهج القويم، والصراط المستقيم فإن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل عن إدراك العوالم الإلهية، ولا سبيل لها إلا الإذعان له، والإيمان به، ومن تأول ذهب إلي أنه استعيرت الشفاعة، والقول للصيام والقرآن لإطفاء غضب الله، وإعطاء الكرامة، ورفع الدرجات، والزلفي عند الله، والقرآن هنا عبارة عن التهجد، والقيام بالليل، كما عبر به عن الصلاة في قوله تعالي: ﴿وَقُرأنَ الفَجْرِ﴾ وإليه الإشارة بقوه: ((ويقول القرىن: منعته النوم بالليل)).
الحديث الثالث عن أنس ﵁: قوله: ((إلا كل محروم)) أي كي [محارف] لاحظ له من السعادة، والمراد من قوله: ((من حرمها)) من حرم لطف الله وتوفيقه، ومنع عن الطاعة فيها، والقيام بها.
стр. 1095
صائماً علي مذقة لبنٍ، أو تمرة أو شربةٍ من ماء، ومن أشبعَ صائماً؛ سقاهُ الله من حوضي شَربةً لا يَظمأُ حتى يدخُلَ الجنَّةَ. وهو شهرٌ أوَّلهُ رحمةٌن وأوسطهُ مغفرةٌ، وآخرهُ عِتقٌ من النَّار. ومن خفَّفَ عن مملوكِهِ فيه؛ غفَرَ الله لهُ وأعتقهُ من النار)). [١٩٦٥].
١٩٦٦ - وعن ابنِ عبَّاسٍ، قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا دخلَ شهرُ رمضانَ أطلقَ كلَّ أسيرِ وأعطى كل سائلِ. [١٩٦٦].
١٩٦٧ - وعن ابنِ عمرَ، انَّ النبي ﷺ قال: ((إنَّ الجنَّةَ تُزَخْرَفُ لرمضانَ من رأسِ الحولِ إلي حولٍ قابلِ)) قال: ((فإذاا كان أوَّلُ يومٍ من رمضانَ هبَّتْ ريحٌ تحت العرشِ من ورَقِ الجنَّة علي الحورِ العينِ، فيقُلنَ: يارب؛ اجعَلْ لنا من عبادكَ أزواجاً تقَرُّ بهم أعيُنُنا، وتقرُّ أعينُهُم بنا)). [١٩٦٧]
روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في ((شعب الإيمان)).
١٩٦٨ - وعن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: ((يُغفَرُ لأمَّتهِ في آخرِ ليلة في رمضانَ)). قيل: يا رسولَ الله! أهيَ ليلةُ القدرِ؟ قال: ((لا، ولكنَّ العاملَ لإِنما يُوَّفي أجرَه إِذا قضى عمَلَه)). رواه أحمد.
ــ
الحديث الرابع إلي السادس عن ابن عمر ﵄: قوله: ((تقرُّ بهم أعيننا)) هو إما من القر البَردِ، أو من القرار، فالأول كناية عن السرور، والفرح. وحقيقته: أبرد الله دمعة عينه؛ لأن دمعة الفرح ةالسرور باردة. والثاني عبارة عن بلوغ الأمنية ورضاه بها؛ لأن من فاز ببغيته تقر نفسه، ولا تستشرف عينه إلي مطلوبه لحصوله.
الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله ((لأمته)) هو حكاية معنى ما تلفظ به ﷺ لا لفظه. قوله: ((ولكن العامل)) استدراك لسؤالهم عن سبب المغفرة، كأنهم ظنوا أن الليلة الأخيرة وهي ليلة القدر سبب للغفران، فبَّين ﷺ أن سببها فراغ العبد من العمل، وهو مطرد
стр. 1096
(١) باب رؤية الهلال
الفصل الأول
١٩٦٩ - عن ابن عمرَ، قال، قال رسولُ الله ﷺ : ((لا تصوموا حتى ترُوا الهلالَ، ولا تُفْطِروا حتى تروه، فإنْ غُمَّ عليكُم فاقدرُوا له)). وفي رواية قال: ((الشهرُ تسعٌ وعِشرونَ ليلةً، فلا تصوموا حتى تروه، فإِن غُمَّ عليكم فأكمِلوا العِدَّةَ ثلاثين)). متفق عليه.
١٩٧٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((صوموا لرؤيَتِهِ وأفطروا لرؤيِته، فإِنْ غُمَّ عليكم فأكمِلوا عدَّةَ شعبانَ ثلاثينَ)). متفق عليه.
ــ
باب رؤية الهلال
الفصل الأول
الحديث الول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((لا تصوموا)) ((قض)): هو نهي عن الصوم علي أنه قصد صوم رمضان إلا [بثبت]، وهو أن يرى هو، أو من يثق عليه. والمنفرد بالرؤية إذا لم يحكم بشهادته يجب عليه عندنا أن يصوم رمضان، ويسر بإفطار عيده.
قوله: ((فإن غم عليكم)) أي غُطِيَّ الهلال بغيم من غممت الشيءَ إذا غطيته. وفيه ضمير الهلال. ويجوز أن يسند إلي الجار والمجرور بمعنى إن كنتم مغموماً عليكم، وترك ذكر الهلال للاستغناء عنه. ((فاقدرُوا)) أي قدروا عدد الشهر الذي كنتم فيه ثلاثين يوماً، إذ الأصل بقاء الشهر ودوام خفاء الهلال ما أمكن. ((حس)): قال ابن شريح: ((فاقدروا)) خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وقوله: ((فأكملوا العدة)) خطاب للعامة.
الحديث الثاني عن أبيِ هريرة ﵁: قوله: ((صوموا لرؤيته)) اللام فيه للوقت كما في قوله تعالي: ﴿أَقِمِ الصَّلَاة لِدلُوكِ الشَّمْس﴾ أي وقت دُلوكها، يبينه حديث أبي البختري في الفصل الثالث مُدة للرؤية. قال القاضي عياض: أطال مدته إلي الرؤية. وقولك: جئته لثلاث خلون من شهر كذا. ويحتمل أن يكون بمعنى ((بعد)). قال المالكي: اللام تجيء بمعنى ((بعد))، قال المالكي: اللام في قوله تعالي: ﴿أَقِمِ الصَّلَاة لِدلُوكِ الشَّمسِ﴾ بمعنى ((بعد)) أي بعد زوالها، كقول الشاعر:
стр. 1097
١٩٧١ - وعن ابن عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((إِنا أُمَّيةٌ، لا نكتبُ ولا نحسُبُ، الشهر هكذا وهكذا وهكذا)) وعقَدَ الإبهامَ في الثالثةِ. ثمَّ قال: ((الشهرُ هكذا وهكذا وهكذا)) يعني تمامَ الثلاثين، يعني مرَّةً تسعاً وعشرين، ومرةَّ ثلاثين. متفق عليه.
١٩٧٢ - وعن أبي بكرة، قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ((شهرا عيدٍ لا يَنْقُصانِ: رمضانُ وذو الحجَّةِ)). متفق عليه
ــ
رأينا أخاه فلما تفرقنا كإني ... ومالكاً لطول اجتماع لم نبت ليلة معاً
والضمير راجع إلي الهلال وإن لم يجر له ذكر؛ لدلالة السياق عليه كقوله تعالي: ﴿وَلأبوَيِه لِكلِّ واحدٍ منهُمَا السُّدسُ﴾ أي لأبوي الميت.
الحديث الثالث عن ابت عمر ﵄: قوله: ((إِنَّا أُمَّة أُميِّةٌ)) ((إنا)) كناية عن جيل العرب، وقوله: ((لا نكتب ولا نحسب)) بيان لقوله: ((أمية)) وهذا البيان، ثم الإشارة باليد، ثم القول باللسان، ينبهك علي أن الاستقصاء في معرفة الشهر ليس إلي الكتاب والحساب، كما عليه أهل النجامة. ((مظ)): إنما قيل له: أمى علي معنى أنه باق علي الحال التي ولدته أمه، لم يتعلم قاءة ولا كتاباً.
قوله: ((يعني تمام ثلاثين)) هو من كلام الراوي، وهو مقابل لقوله: ((وعقد الإبهام في الثالثة)) يريد أنه صلى الله عليه وسلمعقد الإبهام في المرة الأولي، وأرسلها في المرة الثانية. ولما أراد الراوي مزيد التوضيح والبيان، قال: يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين تأسياً بالنبي ﷺ في الإيضاح والتكرير فيه بأقصى الإمكان برسول الله ﷺ .
الحديث الرابع عن أبي بكرة: قوله: ((شهرا عيد لا ينقصان)) ((تو)): قيل فيه وجوه: فمنهم من قال: لا ينقصان معاً في سنة واحدة، حملوه علي غالب المر. ومنهم من قال: إِنه أراد به تفضيل العمل في العشر من ذي الحجة، وأنه لا ينقص في الأجر والثواب عن شهر رمضان.
ومن قائل ثالث: أنهما لا يكونان ناقصين في الحكم وإن وجدا ناقصين في عدد الحساب، وهذا الوجه أقوم الوجوه وأشبهها بالصواب. وذكر في النهاية الوجوه، ثم قال: يعني لا ينقصان في الحكم وإن نقصا في العدد، أي لا يعرض في قلوبكم شك إذا صمتم تسعة وعشرين يوماً، أو وقع في يوم الحج خطأ لم يكن في نسككم نقص.
وأقول: ظاهر سياق الحديث في بيان اختصاص الشهرين بمزية ليست في سائرها، وليس
стр. 1098
١٩٧٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسلُ الله ﷺ : ((لا يتقدَّمَنَّ أحدُكم رمضانَ بصومِ يومٍ أو يومينِ، إلا أنْ يكونَ رجلٌ كانَ يصومُ صوماً؛ فَلْيصُم ذلكَ اليومَ)) متفق عليه.
الفصل الثاني
١٩٧٤ - عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((إِذا انتصفَ شعبان؛ فلا تصومُوا)). رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدرامي. [١٩٧٤]
ــ
المراد أن ثواب الطاعة في سائرهما قد ينقص دونهما. فينبغي أن يحمل علي الحكم، ورفع الجناح والحرج. عما عسى أن يقع فيه خطأ في الحكم؛ لاختصاصهما بالعيدين، وجواز احتمال الخطأ فيهما، ومن ثم لم يقل: شهر رمضان وذي الحجة، والله أعلم.
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁ قوله: ((لا يتقدمن)) ((مظ)): يكره صوم آخر شعبان يوماً أو يومين، وعلته أن الرجل ينبغي له أن يستريح من الصوم ليحصل له قوة ونشاط، كيلا يثقل عليه دخول رمضان. وقيل: علتها اختلاط صوم النفل بالفرض؛ فإنه يورث الشك بين الناس، فيقولون: لعله رأي هلال رمضان حتى يصوم فيوافقه بعض الناس علي ظن أنه رأي الهلال. هذا النهي في النفل. وأما القضاء والنذر ففيه ضرورة؛ لأنهما فرض، وتأخيره غير مرضيز وأما الورد: فتركه أيضاً شديد عند من ألفه.
وأقول: إن النبي ﷺ أمر بالصوم، وقيده بالرؤية، فهو كالعلة للحكم، فمن تقدمه بصوم ييوم أو يومين، فقد حاول الطعن في العلة، وتقدم بين يدي الله ورسوله في الحكم، وإليه الإشارة بقوله: ((من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم)) ومن أتى بالقضاء والنذر والورد أمن من ذلك، وقد نهي الله تعالي عن التقدم علي ما يحكمه رسول الله ﷺ ، قيل: حكمه في قوله تعالي: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)) ((قض)): المقصود من النهي استجمام من لم يقو علي تتابع الصيام الكثير، فاستحب الإفطار فيها كما استحب إفطار عرفة للحاج ليقوى علي الدعاء، وأما من لم يضعف به، فلا يتوجه النهي إليه، ورسول الله ﷺ جمع بين صوم الشهرين معاً.
стр. 1099
١٩٧٥ - وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((أحصُوا هلالَ شعبانَ لرمضانَ)). رواه الترمذي. [١٩٧٥]
١٩٧٦ - وعن أمِّ سلمةَ، قالت: ما رأيت النبيَّ ﷺ يصومُ شهرينِ متتابعينِ إِلا شعبانَ ورمضانَ. رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. [١٩٧٦]
١٩٧٧ - وعن عمَّارِ بن ياسرٍ [﵄]، قال: من صامَ اليومَ الذي يُشَكُّ فيه فقد عصى أبا القاسمِ ﷺ . رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. [١٩٧٧]
١٩٧٨ - وعن ابن عبَّاسٍ، قال: جاءَ أعرابيٌّ إِلي النبيِّ ﷺ فقال: إني رأيتُ الهلالَ- يعني هلالَ رمضانَ- فقال: ((أتشهدُ أن لا إله إلا الله؟)) قال: نعم، قال ((أتشهدُ أنَّ محمداً رسولُ الله؟)) قال: نعمز قال: ((يا بلال! أذِّنْ في النَّاسِ أن يَصُوموا غداً)). رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدرامي. [١٩٧٨]
١٩٧٩ - وعن ابن عمرَ، قال: تراءى النَّاسُ الهلالَ فأخبرتُ رسولَ اللهِ ﷺ إني رأيتُه، فصامَ وأمرَ الناسَ بصيامِه. رواه أبو داود، والدرامي. [١٩٧٩]
ــ
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أحصوا)) أي عُدُوا، والإحصاء أبلغ في الضبط كما مر؛ لما فيه من إفراغ الجهد في العد، ومن ثم كنى عنه بالطاقة في قوله: ((استقيموا ولن تحصوا)).
الحديث الثالث والرابع عن عمار قوله: ((اليوم الذي يشك فيه)) وإنما أتى بالموصول ولم يقل: ((يوم الشك)) مبالغة، وإن صوم يوم يشك فيه أدنى شك، سبب لعصيان من كنيته أبو القاسم الذي يقسم بين عباد الله حكم الله بحسب قدرهم واقتدارهم، فكيف بمن صام يوما الشك فيه قائم ثابت؟ ونحوه قوله تعالي: ﴿وَلا ترْكَنوا إلي الذيِن ظَلَمُوا فَتمسَّكُم النَّارُ﴾ أي إلي الذين أونس منهم أدنى الظلم، فكيف بالظالم المستمر عليه؟.
الحديث الخامس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((أن يصوموا غداً)) ((أن)) مصدية، والجار محذوف، أي أذن فيهم بصوم الغد. ((مظ)): في الحديث دليل علي أن الرجل إذا الرجل إذا لم يعرف منه فسق تقبل شهادته، وعلي أن شهادة الواحد مقبولة في هلال رمضان.
الحديث السادس عن ابن عمر ﵄: قوله: ((تراءى)) ((مظ)): الترائى أن يرى
стр. 1100
الفصل الثالث
١٩٨٠ - عن عائشةَ، قالت: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يتحفظُ من شعبانَ مالا يتحفَّظُ من غيرِه. ثمَّ يصومُ لرؤيةِ رمضانَ، فإن غُمَّ عليه عَدَّ ثلاثينَ يوماً ثم صامَ. رواه أبو داود. [١٩٨٠]
١٩٨١ - وعن أبي البَختَريِّ. قال: خرجْنَا للعُمْرِة فلما نزلْنَا ببطن نخلة، تراءينا الهلال. فقال بعضُ القوم: هو ابنُ ثلاثٍ. وقال بعضُ القوِم: هو ابنُ ثلاثٍ، وقالَ بعض القوم: هو ابن ليلتين. فقال: أيَّ ليلةٍ رأيتُموه؟ قلنا: ليلةَ كذا وكذاز فقال: إِنَّ رسولَ الله ﷺ مدَّه للرؤية فهو لليلةِ رأيتُموه.
وفي روايةٍ عنه. قال: أهلَلْنا رمضانَ ونحن بذاتِ عِرْقٍ، فأرسلْنا رجلا إِلي ابنِ عبَّاسٍ يسأله، فقال ابنُ عبَّاسٍ: قال رسولُ الله ﷺ : ((إِنَّ الله تعالي قد أمَدَّهُ لرؤيته، فإنْ أُغميَ عليكم فأكملوا العِدَّةَ. رواه مسلم.
ــ
بعض القوم بعضاً، والمراد منه هاهنا أنه اجتمع الناس لطلب الهلال، لقوله بعد ذلك: ((فأخبرت رسول الله إني رأيته)).
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((يتحفظ)) أي يتكلف في عد أيامه، ويحصيها، ولا يهملها.
الحديث الثاني عن البختري اسمه سعيد بن فيروز: قوله: ((مده للرؤية)) أي ضرب مدة رمضان زمان رؤية الهلال. وقوله: ((أمده)) قال القاضي عياض: معناه أطال مدته إلي الرؤية.
стр. 1101
(٢) باب [في مسائل متفرقة من كتاب الصوم]
الفصل الأول
١٩٨٢ - عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((تَسحَّرُوا فإِنَّ في السُّحور برَكةً)). متفق عليه.
١٩٨٣ - وعن عمرو بنِ العاصِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((فصلُ ما بينَ صيامِنا وصيامِ أهلِ الكتابِ أكْلَة السَّحَرِ)). رواه مسلم.
١٩٨٤ - وعن سهلٍ، قال قال رسولُ الله ﷺ : ((لا يَزالُ النَّاسُ بخَيرٍ ما عجَّلوا الفِطرَ)). متفق عليه.
ــ
باب في مسائل متفرقة من كتاب الصوم
الفصل الأول
الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((فإن في السحور بركة)) ((نه)): السحور- بالفتح- اسم ما يتسحر به من الطعام والشراب، و- بالضم- المصدر. والفعل نفسه، وأكثر ما يروى بالفتح. وقيل: إن الصواب بالضم؛ لأنه بالفتح الطعام. والبركة- الجر والثواب- في الفعل لا في الطعام.
الحديث الثاني والثالث عن عمرو بن العاص: قوله: ((فصل ما بين صيامنا)) ((تو)): ((فصل)) بالصاد المهملة، ومن الناس من يقول بالضاد المنقوطة تصحيفاً. و ((أكلة)). بفتح الهمزة، وهي المرة، والمعنى أن السحور هو الفارق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب؛ لأن الله أباح لنا ما حرم عليهم، ومخالفتنا إياهم في ذلك تقع موقع الشكر لتلك النعمة. ويدخل في معناه حديث سهل بن سعد ﵁ الذي يتلوه ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر))؛ لأن فيه مخالفة أهل الكتاب، وكانوا يؤخرون الإفطار إلي اشتباك النجوم.
ثم صار في ملتنا شعاراُ لأهل البدعة، وهذه هي الخصلة التي لم يرضها رسول الله ﷺ .
وأقول: يشابه هذا التأخير تقديم صوم يوم أو يومين علي صوم رمضان. وفيه أن متابعة الرسول ﷺ هي الطريق المستقيم، من تعوج عنها فقد ارتكب المعوج من الضلال ولو في العبادة.
стр. 1102
١٩٨٥ - وعن عمرَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((إِذا أقبلَ الليلُ منْ هاهُنا وأدْبرَ النَّهارُ منْ هَاهُنا وغرَبتِ الشَّمسُ، فقدْ أفطرَ الصائِمُ)). متفق عليه.
١٩٨٦ - وعن أبي هريرةَ، قال: نَهي رسولُ اللهِ ﷺ عنِ الوِصالِ في الصَّوم. فقال له رجلٌ: إنَّكَ تُواصلُ يا رسولَ الله! قال: ((وأَيُّكم مثلي، إني أبيتُ يُطعِمُني ربي ويَسقِيني)). متفق عليه.
ــ
الحديث الرابع عن عمر ﵁: قوله: ((إذا أقبل الليل من ها هنا)) أي أقبل ظلمة الليل من جانب المشرق، وأدبر ضوء النهار من جانب المغرب. وإنما قال: ((وغربت الشمس)) مع الاستغناء عنه؛ لبيان كمال الغروب، كيلا يظن أنه إذا غرب بعض الشمس جاز الإفطار. قوله: ((فقد أفطر الصائم)) ((حس)) و ((نه)): أي صار مفطراً حكماً وإن لم يفطر حساً، أو دخل في وقت الإفطار، كما يقال: أمسى وأصبح، أي دخل في وقت المساء والصباح.
قال أبو عبيد: فيه رد علي المواصلين، أي ليس للمواصل فضل علي الآكل؛ لأن الليل لا يقبل الصوم، وأقول: ويمكن أن يحمل الإخبار علي الإنشاء إظهاراً للحرص علي وقوع المامور به، أي إذا أقبل الليل فليفطر الصائم، وذلك أن الخيرية منوطة بتعجيل الإفطار فكأنه قد وقع وحصل، وهو يخبر عنه، ونحوه قوله تعالي: ﴿هَلْ أدلكُمْ عَلي تجَارَةٍ تُنجيكُمْ منْ عَذابٍ أَليمٍ تُؤمنونَ بِاللهِ وَرَسُولهِ﴾ أي آمنوا وجاهدوا.
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((نهي رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم)) ((قض)): الوصال تتابع الصوم من غير إفطار بالليل، والموجب للنهي عنه إيراث الضعف، والسآمة، والعجز عن المواظبة علي كثير من وظائف الطاعات، والقيام بحقوقها. وللعلماء اختلاف في أنه نهي تحريم، أو تنزيه، والظاهر الأول. ويريد بقوله: ((أيكم مثلي)) الفرق بينه وبين غيره؛ لأنه سبحانه وتعالي يفيض وتعالي يفيض عليه ما يسد مسد طعامه وشرابه من حيث أنه يشغله عن إحساس الجوع، العطش، ويقويه علي الطاعة، ويحرسه عن تحليل يفضي إلي كلال القوى، وضعف الأعضاء.
أقول: هذا أحد قولي الخطابي، والقول الآخر ذكر في شرح السنة هو: أن يحمل علي الظاهر، بأن يرزقه الله طعاماً وشراباً ليالي صيامه، فيكون ذلك كرامة له. والقول الألول أرجح؛ لأن الاستفهام في قوله: ((أيكم مثلي)) يفيد التوبيخ المؤذن بالبعد البعيد، وكذلك لفظة ((مثلي)) لأن معناه من هو علي صفتي، ومنزلتي، وقربي من الله تعالي ﷺ ومن ثم اتبعه بقوله: ((أبيت ويطعمني)) حال إن كانت تامة، وخبر إن كانت ناقصة.
стр. 1103
الفصل الثاني
١٩٨٧ - عن حفصةَ [﵂]، قالتْ: قال رسولُ الله ﷺ : ((مَنْ لم يُجْمِعِ الصِّيامَ قبلَ الفجرِ فلا صيامَ له)) رواه الترمذيُّ، وأبو داود، والنسائي، والدارمي، وقال أبو داود: وقَفَه علي حفصةَ مَعْمَرٌ، والزُّبيدي، وابنُ عُيَينةَ، ويونسُ الأيلي كلُّهم عنِ الزُّهري. [١٩٨٧]
١٩٨٨ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((إِذا سمِعَ النِداءَ أحدُكم والإِناءُ في يدِه، فلا يضعْهُ حتى يقضى حاجتَه منه)). رواه أبو داود [١٩٨٨].
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن حفصة: قوله: ((من لم يُجْمع الصيام)) ((قض)): يقال: أجمع علي الأمر وأزمع عليه، إذا صمم عزمه، ومنه قوله تعالي: ﴿وَمَا كُنتَ لدَيهِمْ إِذْ أَجمَعُوا أَمْرهُمْ﴾ أي أحكموه بالعزيمة. وظاهره أنه لا يصح الصوم لمن لم يعزم عليه من الليل قبل طلوع الفجر فرضاً كان أو نفلا، وإليه ذهب ابن عمر، وجابر بن زيد، ومالك، والمزنى، وداود. وذهب الباقون إلي صحة النفل بنية من النهار. وخصصوا هذا الحديث بما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت: ((كان النبي ﷺ يأتيني، فيقول: أعندك غدانا؟ فأقول: لا، فيقول: ((إني صائم)) وفي رواية ((إذن صائم))، و ((إذن)) للاستقبال وهو جواب وجزاء.
واتفقوا علي اشتراط التبييت في كل فرض لم يتعلق بزمان بعينه، كالقضاء، والكفارة، والنذر المطلق. واختلفوا فيما له زمان معين، كزمان صوم رمضان، وشرطه الأكثرون فيه أخذاً بعوم الحديث، غير ان مالكاً وإسحاق وأحمد في إحدى الروايتين عنه قالوا: لو نوى أول ليلة من رمضان صيام جميع الشهر أجزأه لأن صوم الكل كصوم يوم، وهو قياس لا يقابل النص.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إذا سمع النداء أحدكم)) إلي آخره، يشعر دليل الخطاب بأنه لم يفطر إذا كان الإناء في يده، وقد سبق أن تعجيل الإفطار مسنون. لكن هذا من مفهوم اللقب فلا يعمل به. ((خط)): هذا بناء علي قوله ﷺ : ((إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)) أو يكون معناه أن يسمع النداء، وهو يشك في
стр. 1104
١٩٨٩ - وعنه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((قالَ اللهُ تعالي: أحبُّ عِبادي إِليَّ أعجلُهمْ فطراً)). رواه الترمذي [١٩٨٩].
١٩٩٠ - وعن سَلمان بنِ عامرٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ ((إذا أفطَرَ أحدُكم فليُطِرْ علي تمرٍ، فإِنَّه بَرَكةٌ، فإِنْ لم يجِدْ فلْيُطشرْ علي ماءٍ، فإِنَّه طَهورٌ)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابنُ ماجه، والدرامي. ولم يذكرْ ((فإنَّه برَكةٌ)) غيرُ الترمذيِّ [١٩٩٠].
ــ
الصبح، مثل أن تكون السماء مغيمة، فلا يقع له العلم بأذانه أن الفجر قد طلع لعلمه أن دلائل الفجر معدومة، ولو ظهرت للمؤذن لظهرت له أيضاً. فأما إذا علم انفجار الصبح فلا حاجة إلي أذان الصارخ؛ لأنه مأمور بأن يمسك عن الطعام والشراب إذا تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أحب عبادي إلي أعجلهم فطراً)) ((مظ)): يعني من هو أكثر تعجيلا في الإفطار، فهو أحب إلي الله تعالي. ولعل محبة الله تعالي إياه لمتابعة سنة رسوله ﷺ ، ولأنه إذا أفطر قبل الصلاة تمكن من أداء الصلاة بحضور القلب. ((تو)): أي أحب عبادي إلي من يخالف أهل البدعة فيما يعتقدون من وجوب التأخير. ويحتمل أنه أراد به جمهور هذه المة الذين يتدينون بشيعة محمد ﷺ ، أي هم أحب إلي ممن كان قبلهم من الأمم، والأول أشبه.
وأقول: لعل الثاني أوجه، وذلك أنه ﷺ لما أراد أن يحث الناس علي تعجيل الفطر، ويبين مكانته عند الله وصف المخلصين من عباده بذلك؛ ليكون ذريعة إلي المقصود، ونحوه قوله تعالي: ﴿الذِينَ يَحْمِلوَن العرشَ ومَنْ حَوْلَه، يُسبحِّوَن بِحمْد رِبِّهمْ، وَيُؤمِنونَ بِه﴾ وحملة العرش ليسوا ممن لا يؤمنون، لكن ذكر الإيمان لشرفه، والترغيب فيه، ومن ثم خص المحبة بالذكر؛ لأن متابعة الحبيب توجب محبة الله تعالي ﴿قُلْ إِنْ كُنتُم تُحبونَ الله فاتبِعُوني يُحْببكُمُ اللهُ﴾ وإلي هذا ينظر القول الأول لمظهر: هذا إذا أريد الاتصاف بالخير، وإن أريد التفضلة بين هذه الأمة وبين اليهود والنصارى، كان الوصف للتمييز. ويؤيده حديث أبي هريرة ((لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون)).
الحديث الرابع عن سلمان بن عامر: قوله: ((فإنه بركة)) أي فإن في الإفطار علي التمر ثواباً
стр. 1105
١٩٩١ - وعن أنسٍ، قال: كانَ النبيُّ ﷺ يُفطِرُ قبلَ يُصليَ علي رُطبات، فإنْ لم تكنْ فَتُميراتٌ، فإِنْ لم تكن تُميرا حَسى حَسَواتٍ منْ ماءٍ. رواه الترمذيُّ، وأبو داود. وقال الترمذيُّ: هذا حديث حسنٌ غريب [١٩٩١].
١٩٩٢ - وعن زيد بن خالد، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((مَنْ فطَّرَ صائماً، أو جهَّزَ غازياً، فلَه مثلُ أجرِه)) رواه البيهقيُّ في ((شعبِ الإِيمان))، ومُحيي السنُّة في ((شرْح السُّنةِ))، وقال: صحيح [١٩٩٢].
١٩٩٣ - وعن ابن عمرَ، قال: كانَ النبيُّ ﷺ إِذا أفطرَ قال: ((ذهبَ الظَّمأ، وابتَلَّتِ العُروقَ، وثَبتَ الأجرُ إِنْ شاءَ اللهُ)) رواه أبو داود [١٩٩٣].
١٩٩٤ - وعن مُعاذِ بنِ وُهرةَ، قال: إنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إِذا أفطرَ قال: ((اللهُمَّ لكَ صُمْتُ، وعلي رِزْقِكَ أفطرْتُ)) رواه أبو داود مُرسلا [١٩٩٤].
ــ
كثيراً، ولارادة الثواب وبركته علل الماء بالطُهُورية؛ لأنه مزيل للمانع من أداء العبادة، ولهذا مَنَّ الله تعالي علي عباده بقوله: ﴿وَأنَزلَنا مِنَ السَّماءِ مَاءً طَهُوَراً﴾.
الحديث الخامس والسادس عن زيد بن خالد: قوله: ((من فطر صائماً)) نظم الصائم في سلك الغازي؛ لانخراطهما في معنى المجاهدة مع أعداء الله، وقدم الجهاد اللكبر.
الحديث السابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((ثبت الأجر)) بعد قوله: ((ذهب الظمأ)) استبشار منهم؛ لأن من فاز ببغيته، ونال مطلوبه بعد التعب والنصب، وأراد أن يستلذ بما أدركه مزيد استلذاذ، ذكر تلك المشقة، ومن ثم حَمِدَ أهل السعادة في الجنة بعد ما أفلحوا بقولهم: ﴿الحَمدُ للهِ الذِي أذْهَب عنَّا الحزَنَ، إِنَّ ربنَا لغَفورٌ شَكُورٌ﴾.
الحديث الثامن عن معاذ بن زهرة: قوله: ((الهم لك صمت)) قدم الجار والمجرور في القرينتين علي العامل دلالة علي الاختصاص، إظهاراً للإخلاص في الافتتاح، وإبداء لشكر الصنيع المختص به في الاختتام.
стр. 1106
الفصل الثالث
١٩٩٥ - عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((لا يزالُ الدِّينُ ظاهراً ما عجَّلَ النَّاسُ الفِطَر؛ لأنَّ اليهودَ والنَّصارى يُؤَخِّرونَ)) رواه أبو داود، وابنُ ماجه [١٩٩٥].
١٩٩٦ - وعن أبي عطَّيةَ، قال: دخلتُ أنا ومسروقٌ علي عائشةَ، فقُلنا: يا أُمَّ المؤْمنينَ! رجُلانِ منء أصحابِ محمَّد ﷺ : احدُهما: يُعجِّلُ الإفطارَ ويُعجِلُ الصلاةَ، والآخر: يُؤَخِّر الإِفطارَ ويُؤَخَّرُ الصَّلاةَ. قالتْ: أيهُّما يُعجِّلُ الإِفطارَ ويُعجِّلُ الصلاةَ؟ قُلنا: عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، قالتْ: هكذا صَنَعَ رسولُ اللهص لي الله عليه وسلم. والآخرُ أبو موسىز رواه مسلم.
١٩٩٧ - وعن العِرباضِ بنِ سارِيةَ، قال: دَعإني رسولُ الله ﷺ إِلي السَّحورِ في رَمضانَ، فقال: ((هَلُمَّ إِلي الغَداء المبارَكِ)). رواه أبو داود، والنسائي [١٩٩٧].
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لأن اليهود والنصارى يؤخرون)) في هذا التعليل دليل علي أن قوام الدين الحنيفي علي مخالفة الأعداء من أهل الكتابين، وأن في موافقتهم ثلما للدين، قال الله تعالي: ﴿يَأيهَا الذيَن آمنُوا لا تتخذُوا اليهُودَ والنَّصَارى أَوِليَاءَ بعضُهْم أوِلياءُ بْعضٍ ومنْ يتولهُمْ منكُمْ فإنهُ منهُمْ﴾.
الحديث الثاني عن أبي عطية ﵁: قوله: ((رجلان)) مبتدأ و ((من أصحاب محمد)) صفته، والخبر جملة قوله: ((أحدهما يعجل الإفطار)). قوله ((هكذا صنع رسول الله ﷺ ) يعني تمسك ابن مسعود بالعزيمة في السنة، وأبو موسى بالرخصة فيها.
الحديث الثالث عن العرباض بن سارية: قوله: ((هلم إلي الغداء المبارك)) ((نه)): معناه تعال، وفيه لغتان: فأهل الحجاز يطلقونه علي الواحد، والجمع، والاثنين، والمؤنث، بلفظ واحد مبني علي الفتح، وبنى تميم تثني، وتجمع، وتؤنث.
стр. 1107
١٩٩٨ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((نِعْمَ سَحورُ المؤْمن التَّمرُ)). رواه أبو داود.
(٣) باب تنزيه الصوم
الفصل الأول
١٩٩٩ - عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((مَنْ لم يدَعْ قوْلَ الزُّورِ والعمَلَ بهِ، فليسَ للهِ حاجةٌ في أنْ يدَعَ طَعامَه وشرابَه)). رواه البخاريُّ.
ــ
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁ قوله ((نعم سحور المؤمن التمر)) وإنما مدحه في هذا الوقت؛ لأن في نفس السحور بركة، وتخصيصه بالتمر بركة علي بركة، كما سبق ((إذا أفطر أحدكم فليفطر علي تمر؛ فإنه بركة)) ليكون المبدوء به والمتتهي إليه البركة.
باب تنزيه الصوم
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((قول الزور)) الزور: الكذب، والبهتان، والعمل به، أي العمل بمقتضاه من الفواحش، ومما نهي الله عنه. ((قض)): المقصود من إيجاب الصوم وشرعيته، ليس نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات، وإطفاء ثائرة الغضب، وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل له شيء من ذلك، ولم يكن له من صيامه إلا الجوع والعطش، لم يبال الله تعالي بصومه، ولا ينظر إليه نظر قبول. وقوله: ((فليس لله حاجه)) مجاز عن عدم الالتفات والقبول، والميل إليه، نفي السبب وأراد نفي المسبب.
((تو)): والمعنى إن الله لا يبالي بعمله ذلك؛ لأنه أمسك عما أبيح له في غير حين الصوم، ولم يمسك عما حرم عليه في سائر الأحايين. وأقول: لما دل قوله تعالي: ((الصوم لي وأنا أجزى به)) علي شدة اختصاص الصوم به من بين سائر العبادات، وأنه مما يبالي ويحتفل به، فرع عليه قوله: ((فليس لله حاجة في أن يترك صاحبه الطعام والشراب)) وهو من الاستعارة التمثيلية، شبه حالته مع تلك المبالاة والاحتفال بالصوم بحالة من افتقر إلي أمر لا عنى له عنه، ولا يتقوم إلا به، ثم ادخل المشبه في جنس المشبه به، واستعمل في المشبه ما كان مستعملاً في المشبه به من لفظ الحاجة مبالغة، لكمال الاعتناء والاهتمام.
وفي الحديث دليل علي أن الكذب والزور أصل الفواحش، ومعدن المناهي، بل قرين
стр. 1108
٢٠٠٠ - وعن عائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ الله ﷺ يقبِّلُ ويُباشِرُ وهوَ صائِمٌ، وكانَ أملَككم لأرَبِه. متفق عليه.
٢٠٠١ - وعنها، قالتْ: كانَ رسولُ الله ﷺ يُدرُكه الفجرُ في رمضانَ وهوَ جُنُبٌ منْ غيرِ حُلمٍ، فيغتَسِلُ ويصومُ. متفق عليه.
ــ
الشرك، قال تعالي: ﴿فاجْتنبواُ الرجْسَ منَ الأَوثِان واجتِنُبوا قوْلَ الزُّورِ﴾ وقد علم أن الشرك مضاد الإخلاص، وللصوم مزيد اختصاص بالإخلاص، فيرتفع بما يضاده. والله أعلم.
الحديث الثاني عن عائشة رضي الله عها: قوله: ((وكان أملككم لأربه)) ((نه)): أي لحاجته، يعني أنه كان غالباً علي هواه. وأكثر المحدثين يروونه بفتح الهمزة والراء يعنون الحاجة، وبعضهم يروونه بكسر الهمزة وسكون الراء، وله تأويلان أحدهما: أنه الحاجة، يقال: فيها الإرب، والإرب، والإربة والمأربة. والثاني: أرادت به العضو، وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة، كذا ذكر في شرح السنة والفائق.
((تو)): حمل الأرْب- ساكنة الراء- علي العضو في هذا الحديث غير سديد، لا يعبر به إلا جاهل بوجوه حسن الخطاب، مائل عن سنن الأدب ونهج الصواب. وأقول: ولعل ذلك مستقيم؛ لأن الصديقة ﵂ ذكرت أنواع الشهوة مترقية من الأدنى غلي الأعلي، فبدأت بمقدمتها التي هي القبلة، ثم ثنت بالمباشرة من نحو المداعبة والمعانقة، وأرادت أن تعبر عن المجامعة كنَّتْ عنها بالأرب، وأي عبارة أحسن منها.
((حس)): اختلف أهل العلم في جواز القبلة للصائم، فرخص عمر بن الخطاب وأبو هريرة، وعائشة ﵃. وقال الشافعي ﵁: لا بأس بها إذا لم تحرك القبلة شهوته. وقال ابن عباس ﵄: يكره ذلك للشباب، ويرخص فيه للشيوخ.
الحديث الثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((من غير حُلمٍ)) صفة مميزة للجنب. ((غب)): سميت الجنابة جنابة؛ لكونها سبباً لتجنب الصلاة، والطواف، ونحوهما في حكم الشرع وذلك بإنزال الماء، أو بالتقاء الختإنين. ((حس)): ظاهر الحديث قول عامة أهل العلم. قالوا: من أصبح جنباً اغتسل وأتم صومه. وعن النخعى: أنه يجزئه التطوع، ويقضى الفريضة.
أقول: ظاهر الحديث موافق لنص الكتاب ﴿فَالآنَ باشِرُوهنَّ- إلي قوله- ثُمَّ أتمواُ الصيَامَ إِلي الليْلِ﴾؛ لأن المباشرة إذا كانت مباحة إلي الانفجار لم يمكنه الاغتسال إلا بعد الصبح.
стр. 1109
٢٠٠٢ - وعن ابنِ عبَّاسٍ، قال: إِنَّ النبيَّ ﷺ احتجَمَ وهوَ مُحرِمٌ، واحتجَمَ وهوَ صائِمٌ. متفق عليه.
٢٠٠٣ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهص لي الله عليه وسلم: ((مَنْ نسِيَ وهوَ صائِمٌ فأكلَ أو شرِبَ، فلْيُتمَّ صوْمَه، فإِنَّما أطعمَه اللهُ وسَقاه)). متفق عليه.
٢٠٠٤ - وعنه، قال بَينما نحنُ جُلوسٌ عندَ النبيِّ ﷺ إِذْ جاءَه رجلٌ فقال: يا رسولَ اللهِ! هلَكْتُ. قال: ((مالَكَ؟)) قال: وقَعتُ علي امرأتي وأنا صائِمٌ، فقال رسولُ الله ﷺ : ((هل تجِدُ رقَبَةٌ تُعتِقُها؟)) قال: لا، قال: ((فعلْ تستَطيعُ أن تصومَ شهرَيْنِ مُتتابعينِ؟)) قال: لا. قال ((هلْ تجدُ إِطَعامَ سِتِّينَ مسكيناً؟)) قال: لا. قال:
ــ
الحديث الرابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((احتجم وهو محرم)) ((مظ)): تجوز الحجامة للمحرم بالحج والعمرة بشرط أن لا ينتف شعراً، وكذلك يجوز للصائم الحجامة من غير كراهية عند أبي حنيفة، ومالك، والشافعي ﵃. وقال الأوزاعي: يكره للصائم الحجامة مخافة الضعف. وقال أحمد: يبطل صوم الحاجم والمحجوم، ولا كفارة عليهما. وقال عطاء: يبطل صوم المحجوم، وعليه الكفارة.
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فإنما أطعمه الله وسقاه)) ((إنما)) للحصر، أما أطعمه ولا سقاه أحد إلا الله، فدل علي أن هذا النسيان من الله، ومن لطفه في حق عباده تيسيراً عليهم، ورفعاً للحرج. وعلي هذا قضاء الصلاة بعد النسيان.
((مظ)): الأئمة الثلاثة يقولون بظاهر الحديث، ويقول مالك بالبطلان. ((شف)) إطلاق هذا الحديث يدل علي انه لا يفطر الصوم النسيان، وإن أكل أو شرب كثيراً، وفي الكثير قول.
الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وانا صائم)) وفي أكثر نسخ المصابيح ((وقعت علي امرأتي وانا صائم في نهار رمضان)). ((تو)): الرجل علي ما ضبطناه هو سلمة ابن صخر الأنصاري البياضى، وقيل: سليمان، وسلمة أصح، فكان قد ظاهر من امرأته خشية أن لا يملك نفسه، ثم وقع عليها في رمضان. كذا وجدناه في عدة من كتب أصحاب الحديث، وعند الفقهاء: أنه أصابها في نهار رمضان. ((حس)) و ((قض)): رتب الثاني بالفاء علي فقد الأول، ثم الثالث بالفاء علي فقد الثاني، فدل علي عدم التخيير، وقال مالك بالتخيير، وأن المجامع مخير بين الخصال الثلاث.
قوله: ((بعرق)) ((نه)): هو زنبيل منسوج من خوض، وكل شيء مضفور، فهو عرق وعرقة
стр. 1110
((اجلسْ)) ومكثَ النبيُّ ﷺ ، فبَينا نحنُ علي ذلكَ، أتيَ النبيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فيهِ تمرٌ- والعَرقُ: المِكتَلُ الضَّخمُ- قال: ((أينَ السَّائلُ؟)) قال: أنا. قال: ((خُذْ هذا فتصَدَّقْ بهِ)). فقال الرجلُ: أعلي أفقرَ مني يا رسولَ اللهِ؟ فوَ اللهِ ما بَينِ لابَتَيها- يُريدُ الحرَّتَينِ- أهلُ بيت أفقَر منْ أهلِ بَيتي. فضحِكَ النبيُّ ﷺ حتى بَدتْ إنيابُه، ثمَّ قال: ((أطعِمْهُ أهلَك)). متفق عليه.
الفصل الثاني
٢٠٠٥ - عن عائشة: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُقبلُها وهوَ صائِمٌ، ويَمُصُّ لسانَها. رواه أبو داود [٢٠٠٥].
٢٠٠٦ - وعن أبي هريرةَ، أنَّ رجلاً سألَ النبي ﷺ عن المباشرةِ للصَّائِمِ، فرَخَّصَ له. وأتاهُ آخرُ فسألَه فنهاهُ، فإذا الذي رخَّصَ له شيخٌ وإذا الذي نهاهُ شابٌّ. رواه أبو داود [٢٠٠٦].
٢٠٠٧ - وعنه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((مَنْ ذَرَعَه القيءُ وهوَ صائِمٌ، فليسَ عليهِ قضاءٌ، ومَنِ استَقاء عمداً؛ فلْيَقضِ)) رواه الترمذيُّ، وأبو داود، وابنُ
ــ
-بفتح الراء فيهما- ((حس)): هو مكتل يسع خمسة عشر صاعاً. وفيه دلالة من حيث الظاهر علي أن طعام الكفارة مد لكل مسكين، لا يجوز أقل منه، ولا يجوز أكثر. لأن كل صاع أربعة أمداد. وفيه دليل علي أن العبرة في الكفارات بحالة الأداء، وهو قول أكثر العلماء، وهو أظهر قولي الشافعي؛ لأن الرجل حالة ارتكاب المحظور لم يكن له شيءٌ، فلما تصدق عليه، أمره بأن يكفر، فلما ذكر حاجته أخرها عليه إلي الوجد. هذا التأويل أحسن من قول الزهري: ((هذا كان خاصاً بذاك الرجل)) ومن قول قوم: ((إنه منسوخ)) إذ لا دليل لهما.
الفصل الثاني
الحديث الأول والثاني والثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من ذرعه القئ)) ((نه)) أي سبقه وغلبه في الخروج ((حس)): العمل عند أهل العلم علي هذا، وقالوا: من استقاء عمداً فعليه القضاء، ومن ذرعه القئ فلا قضاء عليه. ولم يختلفوا في هذا.
стр. 1111
ماجه، والدراميّ، وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرِفه إِلا منْ حديثِ عيسى بنِ يونُسَ. وقال محمَّدُ- يعني البخاريَّ-: لا أراهُ محفُوظاً.
٢٠٠٨ - عن مَعدانَ بنِ طلحةَ، أنَّ أبا الدَّرداء حدَّثَه أنَّ رسولَ الله ﷺ قاء فأفطَرَ. قالَ: فلَقيتُ ثَوْبانَ في مسجد دمشقَ، فقلتُ: إنَّ أبا الدَّرداءِ حدَّثَني أنَّ رسولَ الله ﷺ قاء فأفطرَ. قال: صدَقَ، وأنا صبَبَتُ لهَ وضوءَه. رواه أبو داود، والترمذيّ والدرامي.
٢٠٠٩ - وعن عامرِ بنِ ربيعةَ، قال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ مالا أُحْصي يتسَوَّكُ وهوَ صائمٌ. رواه الترمذي، وأبو داود [٢٠٠٩].
٢٠١٠ - وعن أنسٍ، قال: جاءَ رجلٌ إِلي النبيِّ ﷺ قال: اشْتكَيتُ عيني، أَفأكتحلُ وأنا صائمٌ؟ قال: ((نعم)). رواه الترمذيُّ، وقال: ليسَ إِسنادُه بالقويِّ، وأبو عاتِكة الرَّاوي يُضعَّفُ.
ــ
وقال ابن عباس وعكرمة: الصوم مما دخل وليس مما خرج.
قوله: ((لا أراه محفوظاً)) الضمير راجع إلي الحديث، وهو عبارة عن كونه منكراً.
الحديث الرابع عن معدان بن طلحة ﵁: قوله: ((قاء فأفطر)) لعل الراوي رأي هذه الصورة فرواها، ولم يدر أنه ﷺ استقاء. وإنما أولنا هذا الحديث؛ لما مر ((من ذرعه القئ فليس عليه قضاء))، أو كان متطوعاً.
قوله: ((وضوءه)) ((مظ)): يعنى سكبت الماء علي يده، حتى غسل يده، حتى غسل يده وفمه. هذا تأويله عند الشافعي؛ لأن القئ لا يبطل الوضوء عنده. وقال أبو حنيفة: يبطل القئ الوضوء.
الحديث الخامس عن عامر بن ربيعة: قوله: ((يتسوك)) ثإني مفعولي ((رأيت))؛ لأنه خبر في الحقيقة، و ((ما)) موصوفة، و ((لا أحصى)) صفتها، وهي ظرف لـ ((يتسوك)) أي رأيت النبي ﷺ متسوكاً مدة لا أقدر علي عدها. ((مظ)): لا يكره السواك للصائم في جميع النهار، بل هو سنة عند أكثر العلماء، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، لانه تطهير. وقال ابن عمر: يكره بعد الزوال؛ لأن خلوف الصائم الصائم أثر العبادة، الخلوف يظهر عند خلو المعدة من الطعام، وخلو المعدة يكون عند الزوال غالباً، وإزالة أثر العبادة مكروهة، وبه قال الشافعي، وأحمد.
الحديث السادس عن أنس ﵁: قوله: ((أفأكتحل وانا صائم)) ((مظ)): الاكتحال للصائم غير مكروه وإن ظهر طعمه في الحلق، عند الأئمة الثلاثة، وكرهه أحمد.
стр. 1112
٢٠١١ - وعن بعضِ أصحاب ِّ ﷺ ، قال: لقدْ رأيتُ النبيَّ ﷺ بالعَرَجِ يَصبُّ علي رأسهِ الماءَ وهوَ ضائمٌ منَ العَطشِ أو منَ الحَرِّ. رواه مالك، وأبو داود [٢٠١١].
٣٢٠١٢ - وعن شدَّاد بن أوْس: أنَّ رسولَ الله ﷺ أتى رجلا بالبقيع، وهوَ يحْتجِمُ، وهوَ آخذٌ بيدي لثمإني عشْرةَ خلَتْ منْ رمضانَن فقال: ((أفْطرَ الحاجِمُ والمحجومُ)). رواه أبو داود، وابنُ ماجه، والدارمي. قال الشيخُ الإِمامُ مُحيي السنّنة، رحمة الله عليه. وتأوَّله بعضُ منْ رخَّصَ في الحجامة: أي تعّرَّضا للأِفطار: المحجومُ للضعف، والحاجِمُ؛ لأنَّنه لا يأمَنُ منْ أنْ يصلَ شيءٌ إِلي جَوفِه بمصِّ الملازِمِ [٢٠١٢].
٢٠١٣ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((مَنْ أفطرَ يوماً منْ رمضانَ منْ غيرِ رُخصةٍ ولا مَرَضٍ لمْ يَقضِ عنه صومُ الدَّهرِ كلِّه وإِنْ صامَه)) رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي، والبخاري في ترجمة باب، وقال الترمذيُّ: سمعتُ محمَّداً- يعني البخاريَّ- يقول: أبو المطِّوسِ الراوي لا أعرفُ له غيرَ هذا الحديثِ.
ــ
الحديث السابع والثامن عن شداد بن أوس: قوله: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) ((قض)): ذهب إلي ظاهر الحديث حمع من الأئمة، وقالوا: يفطر الحاجم والمحجوم، ومنهم أحمد، وإسحاق. وقال قوم منهم مسروق، والحسن، وابن سيرين: تكره الحجامة للصائم، ولا يفسد الصوم بها، وحملوا الحديث علي التشديد، وأنهما نقصا أجر صيامهما، وأبطلاه بارتكاب هذا المكروه. وقال الأكثرون: لا بأس بها؛ إذ صح عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأصحاب أبي حنيفة ﵃. وقالوا: معنى قوله: ((أفطر)) تعرض للإفطار كما يقال: هلك فلان إذا تعرض للهلاك، كما هو مشروح في المتن.
الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لم يقض عنه صوم الدهر)) ((مظ)): يعني لم يجد فضيلة الصوم المفروض بصوم النافلة، وليس معناه لو صام الدهر بنية قضء يوم رمضان لا يسقط عنه قضاء ذلك اليوم، بل يجزئه قضاء يوم بدلا من يوم.
وأقول: هو من باب التشديد والمبالغة، ولذلك أكده بقوله: ((وإن صامه)) أي وإن صامه حق الصيام، ولم يقصر فيه، وبذل جهده وطاقته، كما في قوله تعالي: ﴿اتقُوا اللهَ حقَّ
стр. 1113
٢٠١٤ - وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((كم منْ صائِمٍ ليسَ له منْ صيامِه إِلا الظَّمأُ، وكم منْ قائمٍ ليسَ له منْ قيامِه إِلا السَّهَر)). رواه الدارمي.
وذُكِرَ حديثُ لَقيطِ بنِ صَبِرَةَ في ((بابِ سننِ الوضوءِ)) [٢٠١٤].
الفصل الثالث
٢٠١٥ - عن أبي سعيد، قال: قال رسولُ الله ﷺ ((ثلاثٌ لا يفطرْنَ الصَّائَم: الحِجامة، والقيء، والاحتِلامُ)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ غيرُ محفوظٍ، وعبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ الرَّاوي يُضعَّفُ في الحديث.
٢٠١٦ - وعن ثابت البُنإني، قال: سُئلَ أنسُ بنُ مالك: كنُتم تكرهونَ الحِجامةَ للِصَّائِمِ علي عهدِ رسولِ الله ﷺ ،؟ قال: لا؛ إِلا منْ اجلِ الضَّعفِ. رواه البخاريُّ.
٢٠١٧ - وعن البخاريِّ تعليقاً، قال: كانَ ابنُ عمرَ يحتجمُ وهوَ صائمٌ ثمَّ تركَه فكانَ يحتجمُ بالليلِ.
٢٠١٨ - وعن عطاء، قال: إنْ مَضْمَض ثمَّ أفرغ ما في فيه من الماءِ، لا يضيرهُ أن يزدرِدَ ريقَه وما بقي في فيه، ولا يمضَغُ العلَكَ، فإنِ ازدردَ ريقَ العِلكِ لا أقول: إِنه يُفطرُ، ولكن يُنْهي عنه. رواه البخاري في ترحمة باب.
ــ
تقاته﴾. وزيد في المبالغة حيث أسند القضاء إلي الصوم إسناداً مجازياً، وأضاف الصوم إلي الدهر إجراء للظرف مجرى المفعول به؛ إذ الأصل لم يقض هو في الدهر كله إذا صامه.
الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁ قوله: ((كم من صائم)) إلي آخرهز ((مظ)): يعني كل صوم لا يكون خالصاً لله تعالي، لا مجتنباً عن قول الزور، والكذب، والبهتان، والغيبة، ونحوها من المناهي، يحصل له الجوع والعطش، ولا يحصل له الثواب، وكذا الحكم للقائم بالليل. أقول: ونحوها الصلاة في الدار المغصوبة، وأداؤها بغير جماعة من غير عذر، فإنها تسقط القضاء، ولا يترتب عليها الثواب.
الفصل الثالث
الحديث الأول إلي الرابع عن عطاء: قوله: ((لا يضيره أن يزدرد ريقه)) زرد اللقمة يزرد بلعها، والإزدراد الابتلاع. قوله: ((في ترجمة باب)) أي في تفسيره، كما يقال: باب الصلاة، باب الصوم.
стр. 1114
(٤) باب صوم المسافر
الفصل الأول
٢٠١٩ - عن عائشةَ، قالت: إِنَّ حمزةَ بنَ عمرو الأسلميَّ قال للنبيِّ ﷺ : أَصومُ في السَّفرِ وكانَ كثيرَ الصيام. فقال: ((إِن شئت فصُمْ، وإِن شئتَ فأفطِرْ)). متفق عليه.
٢٠٢٠ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: غزوْنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ لستَّ عّشْرةَ مضت من شهرِ رمضانَ، فمنَّا منْ صامَ ومنَّا من أفطَر، فلم يَعِبِ الصَّائمُ علي المفطرِ، ولا المفطرُ علي الصَّائم. رواه مسلم.
٢٠٢١ - وعن جابر، قال: كان رسولُ الله ﷺ في سفر فرأي زِحاماً ورجلا قد ظُلِّلَ عليه، فقال: ((ما هذا؟)) قالوا: صائم. فقال: ((ليس من البرِّ الصومُ في السَّفر)). متفق عليه
ــ
باب صوم المسافر
الفصل الأول
الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((إن شئت فصم)) ((حس)) هذا التخيير قول عاة أهل العلم إلا ابن عمر، فإنه قال: إن صام في السفر قضى في الحضر، وإلا ابن عباس فإنه قال: لا يجوز الصوم في السفر، وإلي هذا ذهب داود بن علي من المتأخرين. ثم اختلفوا في الأفضل منهما، فقال طائفة: الفطر أفضل، يروى ذلك عن ابن عمر، وذهب جماعة إلي أن الصوم أفضل لتبررئة الذمة، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب أبي حنيفة ﵏. وقالت طائفة: أفضل الأمرين أيسرهما عليه، لقوله تعالي: ﴿يُريدُ اللهُ بكُمُ اليسْر﴾ فأم الذي يجهده الصوم في السفر ولا يطيقه، فالأولي له أن بفطر؛ لقوله ﷺ حين رأي زحاماً، ورجلا قد ظلل عليه: ((ليس من البر الصيام في السفر))، وقوله ﷺ : ((أولئك العصاة)) فيمن بلغ أنهم قد صاموا، إن هذا فيمن لم يقبل قلبه رخصة الله تعالي، فأما من رأي الفطر مباحاً، وقوى علي الصوم فصام، فهو أعجب إلي.
الحديث الثاني والثالث عن جابر ﵁: قوله: ((قد ظلل عليه)) كناية عن بلوغ الجهد، والطاقة في تأثير العطش، وحرارة الصوم. قوله: ((ليس من البر)) ((خط)): هذا كلام
стр. 1115
٢٠٢٢ - وعن أنسٍ، قال: كنَّا معَ النبيِّ ﷺ في السفر، فمنَّا الصَّائُم ومنا المفطر، غنزلنا ممنزلا في يومٍ حار، فسقَطَ الصوَّامونَ، وقامَ المفْطِرون فضَربُوا الأبنيةَ وسَقَوا الرِّكابَ. فقال رسولُ الله ﷺ : ((ذهبَ المفطرون اليومَ بالأجر)). متفق عليه.
٢٠٢٣ - وعن ابن عبَّاسٍ، قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ من المدينةِ إلي مكة، فصامَ حتى بلغ عسْفان، ثمَّ دعا يماءٍ فضرفَعَهُ إِلي يدهِ ليراهُ الناسُ فأفطر حتَّى قدِمَ مكَة، وذلك في رمضانَ، فكانَ ابنُ عبَّاسٍ يقول: قد صامَ رسولُ الله ﷺ وأفطَر. فمنْ شاءَ صام ومن شاءَ أفطر. متفق عليه.
٢٠٢٤ - وفي روايةٍ لمسلم عن جابر [﵁] أنه شرب بعد العصر.
ــ
خرج علي سبب، فهو مقصور علي من كان في مثل حاله، كأنه قال: ليس من البر أن يصوم المسافر إذا كان الصوم يؤديه إلي مثل هذه الحالة، بدليل صيام النبي ﷺ في سفره عام الفتح، وخبر حمزة الأسلمي، وتخييره إياه بين الصوم والإفطار، ولو لم يكن الصوم براً لم يخبره فيه.
الحديث الرابع عن أنس ﵁: قوله: ((ذهب المفطرون اليوم بالأجر)) فيه من المبالغة ما فيه، أي أنهم مضوا واستصحبوا معهم الأجر، ولم يتركوا لغيرهم شيئاً منه، كما في قوله تعالي: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنورِهمْ﴾. ((الكشاف)): يقال: ذهب به إذا استصحبه ومضى معه، وهو مذهب المبرد، وقد تكلم فيه الأدباء، وأجبنا عن ذلك، ثم الذوق السليم والطبع المستقيم يحكم به في هذا المقام، ولا يأباه إلا من له جمود.
الحديث الخامس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((فرفعه إلي يده)) ((إلي يده)) حال: أي رفع الماء منتهياً إلي أقصى حد يده، أو تضمين، أي انتهي الرفع إلي أقصى غايتها ليراه الناس. ((حس)): فيه دليل علي أن من أصبح صائماً في رمضان في السفر، جاز له أن يفطر، ولا فرق عند عامة أهل العلم بين من ينشيء السفر في شهر رمضان، وبين من يدخل عليه شهر رمضان وهو مسافر، وقال عبيدة السلمإني: إذا أنشأ السفر في شهر رمضان لا يجوز له الإفطار لظاهر قوله تعالي: ﴿فمن شهد منكمُ الشهرَ فليصُمْهُ﴾ وهذا الحديث حجة علي القائل، ومعنى الآية شهد الشهر كله، فأما من شهد بعضه فلم يشهد الشهر.
стр. 1116
الفصل الثاني
٢٠٢٥ - عن أنس بنِ مالكٍ الكعبيِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((إِنَّ اللهَ وضع عن المسافرِ شَطرَ الصلاةِ، والصومَ عن المسافرِ وعن المرضع والحُبلي)). رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه [٢٠٢٥].
٢٠٢٦ - وعن سلمةَ بن المحَبِّق، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((من كان لهُ حمولة تأوي إِلي شبعٍ فلْيصُمْ رمضانَ من حيث أدركَه)) رواه أبو داود.
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((والصوم عن المسافر)) فإن قلت: إذا كان الصوم عطفا علي شطر الصلاة، وقد قيد الفعل الفعل بقله: ((عن المسافر)) فما فائدة إعادته في المعطوف؟ قلت: ليس هذا العطف للانسحاب، بل هو عطف علي سبيل التقدير ليصح عطف ((عن المرضع)) علي ((عن المسافر)) لأن المرضع والحبلي لم يضع عنهما شطر الصلاة، كأنه قيل: وضع عن المسافر شطر الصلاة، ووضع الصوم عن المسافر، والمرضع، والحبلي. ولو لم يعد قوله: ((عن المسافر)) لم يستقم، ولم يعلم حكم وضع الصوم عن المسافر.
((خط)): قد يجمع نظم الكلام أشياء ذات عدد مسوقة في الذكر، ومتفرقة في الحكم. وذلك أن الشطر الموضوع من الصلاة يسقط لا إلي قضاء، والصوم يسقط في السفر، ثم يلزمه القضاء إذا أقام، والحامل والمرضع تفطران إبقاء علي الولد، ثم تقضيان وتطعمان من أجل أن إفطارهما كان من أجل غير أنفسهما.
الحديث الثاني عن ابن المحبق بالحاء المهملة وبكسر الباء الموحدة وفتحها وبالتشديد-: قوله: ((من كان له حمولة)) ((تو)) و ((قض)) الحمولة- بفتح الحاء- كل ما يحمل عليه من إبل، أو حمار، وغيرهما. وفعول يدخله الهاء إذا كان بمعنى مفعول. و ((أوى)) لازم ومتعدٍ علي لفظ واحد، وإن كان الأكثر في المتعدى بالمد. فيالحديث يجوز الوجهان، المعنى تؤوى صاحبهان أو يصاحبخا، يعني من كان له حمولة تأويه إلي حال شبع، ورفاهية ولم يلحقه في سفره وعثاء ولا مشقة، فليصم رمضان، والمر فيه محمول علي الندب والحث علي الأولي والأفضل، للنصوص الدالة علي جواز الإفطار في السفر مطلقاً. ز
((مظ)): الحمولة- بفتح الحاء- المركب، يعني من كان راكباً، وسفره قصير بحيث يبلغ
стр. 1117
الفصل الثالث
٢٠٢٧ - عن جابرٍ: أن رسولَ اللهِ ﷺ خرجَ عامَ الفتحِ إلي مكة في رمضانَ، فصامَ حتَّى بلغَ كُراعَ الغَمِيم، فصامَ النَّاسُ، ثم دعا بقَدَحٍ مٍن ماءٍ فرفعَهُ، حتَّى نظَرَ الناسُ إِليه، ثمّض شَرِب، فقيلَ لهُ بعدَ ذلكَ: إنَّ بعضَ الناسِ قدْ صامَ. فقال: ((أولئك العصاةُ، أولئك العصاةُ)). رواه مسلم.
٢٠٢٨ - وعن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، قال قال رسولُ الله ﷺ : ((صائمُ رمضانَ في السَّفَرِ كالمفْطِرِ في الحضرِ)). رواه ابن ماجه. [٢٠٢٨]
ــ
إلي المنزل في يوم، فليصم رمضان، والمراد بقوله: ((تأوى إلي شبع)) الوصول إلي المنزل، يعني إذا كانت المسافة أقل من ستة عشر فرسخاً لا يجوز الإفطار. وقال أبو داود: يجوز الإفطار في السفر أي قدرٍ كانَ.
أقول: لا شك أن الحديث فيه كناية، وإطلاق اللازم علي الملزوم، ومن حقها الدلالة علي المكنى عنه بحيث لا يخفي علي السامع عند إطلاق اللازم المراد. وهذا علي الوجه الأخير غير مستقيم، والوجه هو الأول؛ لأنه من الكنايات المستحسنة عبر عن رفاهية الحال وعدم المشقة بهذه الألفاظ البليغة، فخض لفظ الحمولة ليدل علي قوة الظهر وسهولة السير، ووصفها بالإيواء لصاحبها إلي الشبع، فدل علي بلوغ المنزل بحيث يتمكن من تهيئة طعام يكفيه، ومسكن يبيت فيه. ولله دره من كلام فصيح حاوٍ لنوعى الإيجاز والإطناب!
الفصل الثالث
الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((كُراعَ الغَمِيم)) ((نه)): هو اسم موضع بين مكة والمدينة، والكراع جانب مستطيل من الحِرة تشبيهاً بالكراع، وهو ما دون الركبة من الساق، ((والغميم)) - بالفتح- واد بالحجاز. قوله: ((أولئك العصاة)) ((نه)): ((أولئك العصاة)) مرتين، وهذا محمول علي من تفرد بالصوم، وأنهم أمروا بالفطر أمراً جازماً لمصلحة بيان جوازه، فخالفوا.
وأقول: التعريف في الخبر للجنس أي أولئك الكاملون في العصيان والمتجاوزون حده؛ لأنه ﷺ إنما بالغ في الإفطار حتى رفع قدح الماء بحيث يراه كل الناس، ثم شرب لكي يتبعوه ويقبلوا رخضة الله، فمن أبي فقد بالغ في العصيان.
الحديث الثاني عن عبد الرحمن بن عوف ﵁: قوله: ((كالمفطر في الحضر)) شبه الصائم في السفر بالمفطر في الحضر في كونهما متساويين في الإباء عن الرخصة في السفر، وعن العزيمة في الحضر.
стр. 1118
٢٠٢٩ - وعن حمزةَ بنِ عمرو الأسلميِّ، أنه قال: يا رسولَ اللهِ! إني أجدُ بي قوةً علي الصيام في السفر، فهل علي جُناحٌ؟ قال: ((هي رُخصَةٌ من اللهِ فَمنْ أخذَ بها فحسنٌ، ومنْ أحبَّ أنْ يصومَ فلا جُناحَ عليه)). رواه مسلم.
(٥) باب القضاء
الفصل الأول
٢٠٣٠ - عن عائشة، قالت: كانَ يكونُ عليَّ الصوم منْ رمضانَ فما أستطيعُ أن أقضيَ إِلا في شعبانَ. قال يحيى بن سعيد: تعني الشُّغلَ منَ النبيِّ أو بالنبيِّ ﷺ . متفق عليه.
ــ
الحديث الثالث عن حمزة بن عمرو،: قوله: ((هي رخصة)) الضمير راجع إلي معنى السؤال، أي هل علي إثم أن أفطر؟ فأنثه باعتبار الخبر، كما في قوله: ((من كانت أمك)) ويحتمل أن السائل قد سمع أن الإفطار في السفر عصيان كما في حديث جابر ((أولئك العصاة)) فيسأل: هل علي جناح أن أصوم؛ لأنى أقوى عليه؟ فقال: لا؛ لأن الإفطار رخصة نلفظ الحسن يقوى الوجه الأول، فإن العصيان إنما هو في رد الرخصة لا في إثباتها.
باب القضاء
الفصل الأول
الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((كان يكون علي الصوم)) اسم ((كان)) ((الصوم))، والخبر ((علي)) أي إن كان الصوم واجبًا علي، وقوله: ((يكون)) زائدة كما في قولهم: إن من أفضلهم كان زيدًا.
قوله: ((الشغل من النبي ﷺ أو بالنبي)) ((مح)): هكذا هو في النسخ ((الشغل)) بالألف واللام مرفوع، أي يمنعنى الشغل بالنبي ﷺ ، وتعنى بالشغل أنها كانت مهيِّئة نفسها لرسول الله ﷺ ، مترصدة لاستمتاعه في جميع أوقاتها إن أراد ذلك. ((شف)): معناه أن النبي ﷺ كان يصوم كل شعبان علي ما روى ((أنه كان يصوم شعبان إلا قليلا)) فلا يشتغل النبي ﷺ بها، فتتفرغ عائشة في شعبان لقضاء ما عليها من رمضان.
((مظ)): إذا جاء شعبان قضت ما عليها من الصيام وإن فات عنها خدمة النبي ﷺ ؛ لأنه لا يجوز تأخير القضاء عن شعبان، فإن تأخر وقُضِيَ بعد رمضان آخر، فعليه مع القضاء عن كل يرم مد من الطعام عند الشافعى، ومالك، وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه.
стр. 1119
٢٠٣١ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لايحلُّ للمرأة أنْ تصومَ وزوجها شاهدٌ إِلا بإذنه، ولا تأذن في بيتهِ إِلا بإذنهِ)). رواه مسلم.
٢٠٣٢ - وعن معاذةَ العَدَويَّة، أنها قالت لعائشة: ما بالُ الحائضِ تقضي الصَّومَ ولا تقضي الصلاةَ، قالت عائشة: كانَ يُصيبا ذلك فَنُؤْمَرُ بقضاءِ الصوم ولا نُؤْمَرُ بقضاءِ الصلاة. رواه مسلم.
٢٠٣٣ - وعن عائشة، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((من ماتَ وعليه صومٌ صامَ عنهُ وليُّه)). متفق عليه.
الفصل الثاني
٢٠٢٤ - عن نافعٍ، عن ابنِ عمَر، عن النبي ﷺ ، قال: ((من ماتَ وعليهِ صيامُ شهر رمضانَ نليُطعَمْ عنهُ مكانَ كلِّ يومٍ مسكينٌ)). رواه الترمذي، وقال: والصحيح أنَّه موقوف علي ابنِ عمر.
ــ
الحديث الثانى عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا يحل للمرأة أن تصوم)) ((مظ)): المراد بهذا الصوم النافلة، كيلا يفوت علي الزوج استمتاعه بها، ولا تأذن أجنبيًا في دخول بيتها _لا بيا ذن الزوج.
الحديث التالة عن معازة: قوله: ((قالت: كان يُصيبنا ذلك)) ((شف)): الأولي جعل اسم ((كان)) ضمير الشأن، أي كان الشأن يُصيبنا ذلك. أقول: والجواب من الأسلوب الحكيم، أي دعى السؤال عن العلة إلي ما هو أهم لك من متابعة النص، والانقياد للشارع، أما العلة فهي الضرر اللاحق بها في الصلاة، لأن الحيض إذا امتد إلي خمسة عشر مثلا في كل شهر تتضرر بقضائها، بخلاف الصوم.
الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((صام عنه وليُّه)) قال أبو داود: هذا في النذر، وقال: إذا مرض الرجل في رمضان، ثم مات أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء، وإن نذر قضى عنه. ((حس)): هذا قول ابن عباس. وقيل: قول أحمد وإسحاق.
((مح)): من فاته شيء من رمضان قبل إمكان القضاء، فلا تدارك له ولا إثم، ولو مات بعد تمكن لم يصم عنه وليه في الجديد، بل يخرج من تركته لكل يوم مد من طعام وكذا النذر والكفارة. وقال: في القديم: هذا أظهر. والولي كل قريب علي المختار، ولو صام أجنبى بإذن الولي صح لا مستقلا في الأصح، ذكر في إيجاز المحرر.
стр. 1120
الفصل الثالث
٢٠٣٥ - عن مالك، بلغه أنَّ ابنَ عمرَ كانَ يُسألُ: هل يصومُ أحدٌ عن أحدٍ، أو يصلِّي أحدٌ عن أحدٍ، فيقول: لايصومُ أحدٌ عن أحدٍ، ولا يصلِّي أحدٌ عن أحدٍ. رواه في (الموطأ)). [٢٠٣٥]
(٦) باب صيام التطوع
الفصل الأول
٢٠٣٦ - عن عائشةَ، قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ يَصُومُ حتى نَقُولَ: لا يُفطِرُ، ويُفْطِرُ حتَّى نقولَ: لا يصوُمُ، وما رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ استكملَ صيامَ شهرٍ قطُّ إِلا رمضانَ، وما رأيتهُ في شهرٍ أكثرَ منه صيامًا في شعبانَ.
وفي رواية، قالت: كان يصومُ شعبانَ كلَّه، وكان يصومُ شعبانَ إِلا قليلا متفق عليه.
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن مالك: قوله: ((ولا يصلي أحد عن أحد))، ((حس)): وبه قال الشافعى، وأصحاب أبي حنيفة، وذهب قوم إلي أنه يصوم عنه وليه، وبه قال أحمد. وقال الحسن: إن صام عنه ثلاثون رجلا كل واحد يومًا جاز. وقال: واتفق أهل العلم علي أن من مات وعليه صلاة، فلا كفارة لها، وهو قول الشافعى ﵁. وقال أصحاب أبي حنيفة ﵏: إنه يطعم، وقال قوم: يصلي عنه.
باب صيام التطوع
الفصل الأول
الحديث الأول عن عائشة رضي الله عتها: قوله: ((حتى نقول)) ((تو)): الرواية بالنون، وقد وجدت في بعض النسخ بالتاء علي الخطاب، كأنها قالت: حتى تقول أيها السامع لو أبصرته، والرواية أيضًا بنصب ((نقول)) وهو الأكثر في كلا مهم. ومتهم من رفع المستقبل في مثل هذا الموضع.
قوله: ((أكثر)) ثانى مفعولي ((رأيت)) والضمير في ((منه)) راجع إلي رسول الله ﷺ و ((في شعبان)) متعلق بـ ((صيامًا)) المعنى كان رسول الله ﷺ يصوم في شعبان، وفي غيره من الشهور سوى رمضان، وكان صيامه في شعبان أكثر من صيامه فيما سواه.
قوله: أكان يصوم شعبان كله وكان يصوم شعبان إلا قليلا، ((مح)): ((كان)) الثانى تفسير للأول
стр. 1121
٢٠٣٧ - وعن عبد الله بن شقيقٍ، قال: قلتُ لعائشَة: أكان النبيُّ ﷺ يصومُ شهرًا كله؟ قالت: ما عَلِمْتُهُ صامَ شهرًا كلَّه إِلا رمضانَ، ولا أفطرهُ كلَّه حتى يصومَ منه، حتى مضى لسبيلهِ. رواه مسلم.
٢٠٣٨ - وعن عمرانَ بنِ حُصَيْنٍ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه سألهُ، أو سألَ رجلاً وعِمْرانُ يسمعُ، فقال: ((يا أبا فلان! أما صُمْتَ من سرَرِ شعبانَ؟)) قال: لا. قال: ((فإذا أفْطَرْتَ فصُمْ يومين)) متفق عليه.
ــ
وبيان قولها ((كله))، أي غالبه. وقيل: كان يصومه في وقت، ويصوم بعضه في سنة أخرى، وقيل: كان يصوم تارة من أوله، وتارة من آخره، وتارة بينهما.
أقول: لفظة ((كله)) تأكيد لإرادة الشمول، ورفع التجوز من احتمال البعض، فتفسيره بالبعض مناف له، ولو جعل ((كان)) الثانى وما يتعلق به استئنافًا ليكون بيانًا للحالتين: حالة الإتمام وحالة غيره، لكان أحسن وأغرب، فلو عطف بالواو لم يحمل إلا علي هذا التأويل.
الحديث الثانى عن عبد الله بن شقيق: قوله: ((ولا أفطره كله حتى يصوم منه)) (حتى)) الأولي بمعنى ((كى)) كقولك: سرت حتى أدخل البلد، بنصب إذا كان دخولك مترقبًا، لما يوجد، كأنك قلت: سرت كى أدخلها، أو كان منقضيًا إلا أنه في حكم المستقبل من حيث أنه في وقت وجود السير المفعول من أجله كان مترقبًا. وتحريره: أن ((حتى)) الأولي غاية عدم العلم باستمرار الإفطار المستعقب للصوم، والثانية غاية لعدم علمه بالحالتين من الصيام والإفطار، والاستمرار هو مستفاد من النفي الداخل علي الماضى.
والحديث وارد علي هذا؛ لأنه ﷺ حين عزم أن لا يصوم الشهر كله كان مترقبًا أن يصوم بعضه، و ((حتى)) الثانية غاية لما تقدم من الجمل كلها. و ((مضى لسبيله)) كناية عن الموت، واللام في ((لسبيله)) مثلها في قولك: لقيته لتلات بقين من الشهر، تريد مستقبلاً لثلاث. وفائدة الكناية: أنه ﷺ لم يكن لبثه في الدنية إلا لأداء الرسالة التي أمر بتبليغها، فلما أدى ما عليه تركها ومضى إلي مأواه ومستقره.
الحديث الثالث عن عمران بن حصين: قوله: ((أنه سأله)) الضمير الأول لرسول الله ﷺ ، والثانى لعمران. ((نه)) و ((مح)): سرار الشهر - بالفتح والكسر - وكذا سرره، وهو آخر ليلة يستمر الهلال بنور الشمس. قالوا: كأن هذا الرجل قد أوجب صوم يومين علي نفسه بنذر، فلما فاته قال له: إذا أفطرت من رمضان فصم يومين وقيل: لعل ذلك عادة له قد اعتادها، فبين له بهذا القول أن صومه غير داخل في جملة القسم المنهي عنه بقوله: ((لا يقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين)).
стр. 1122
٢٠٣٩ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أفضلُ الصيامِ بعد رمضانَ شهرُ اللهِ المحرَّمُ، وأفضلُ الصلاةِ بعدَ الفريضة صلاةُ الليلِ)) رواه مسلم.
٢٠٤٠ - وعن ابنِ عبَّاسٍ، قال: ما رأيتُ النبيَّ ﷺ يَتَحَرَّى صيامَ يومٍ فضلَه علي غَيرِه إِلَاّ هذا اليومَ: يوم عاشوراءَ، وهذا الشهرَ، يعني شهر رمضان. متفق عليه.
ــ
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((شهر الله المحرم)) أي صيام شهر الله المحرم، يريد أنه يوم عاشوراء، أضاف الشهر إلي الله تعظيمًا وعطف ((المحرم)) إليه بيانًا تفخيمًا له. وفي قوله: ((أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)) للعلماء مقال. ولعمرى! إن صلاة التهجد لو لم يكن فيها فضل سوى قوله تعالي: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ وقوله: ﴿تتجافي جنوبهم عن المضاجع - إلي قوله - فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ وغيرها من الآيات لكفاه تقدمًا ومزية. وينصره ما ذكره شارح مسلم، قال: في الحديث حجة لأبي إسحاق المروزى من أصحابنا، ومن وافقه: أن صلاة الليل أفضل من السنن الرواتب. وقال أكثر أصحابنا: الرواتب أفضل؛ لأنها تشبه الفرائض، والأول أقوى وأوفق لنص الحديث. والله أعلم.
الحديث الخامس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((فضله علي غيره)) في بعض نسخ المصأبيح ((فضله)) - بسكون الضاد ونصب اللام - وتؤيده رواية شرح السنة ((ما كان النبي ﷺ يتحرى صوم يوم يبتغى فضله إلا صيام رمضان، وهذا اليوم يوم عاشوراء)) ((مظ)): ((فضله)) بدل من قوله: ((صيام يوم)) والتقدير: يتحرى فضل صيام يوم علي غيره، والتحرى طلب الصواب، والمبالغة في طلب شيء، والمعنى ما رأيته يبالغ في تفضيل يوم علي يوم إلا عاشوراء ورمضان، وذلك؛ لأن رمضان فريضة، وعاشوراء كانت فريضة ثم نسخت. وأقول: علي هذا المبدل هنا ليس في حكم المنحى؛ لاستدعاء الضمير ما يرجع إليه نحو قولك: زيد رأيت غلامه رجلاً صالحًا. وفي أكثر النسخ ((فضله)) - بتشديد الضاد -.
قيل: هو بدل من ((يتحرى)) والحمل علي الصفة أولي؛ لأن قوله: ((هذا اليوم)) مستثنى، ولا بد من مستثنى منه، وليس ها هنا إلا قوله: ((يوم)) وهو نكرة في سياق النفي يفيد العموم، فالمعنى: ما رأيته ﷺ يتحرى في صيام يوم من الأيام صفته أنه مفضل علي غيره إلا صيام هذا اليوم، فإنه كان يتحرى في تفضيل صيامه مالم يكن يتحرى في تفضيل غيره، ونحوه في اعتبار المستثنى منه قوله: ((ما من أيام أحب إلي الله أن يتعبد له فيها من عشر ذى الحجة)). وقوله:
стр. 1123
٢٠٤١ - وعنه، قال: حينَ صامَ رسولُ الله ﷺ يوم عاشوراءَ وأمر بصيامِه قالوا: يارسولَ اللهِ! إِنَّه يومٌ يُعظِّمُه اليهودُ والنَّصارى. فقال رسول الله ﷺ : ((لئنْ بَقيتُ إلي قابلٍ، لأصومَنَّ التاسعَ)) رواه مسلم.
٢٠٤٢ - وعن أمِّ الفَضلِ بنتِ الحارثِ: أنَّ ناسًا تمارَوا عندَها يومَ عرفَةَ في صيامِ رسولِ الله ﷺ ، فقال بعضُهم، هو صائمٌ، وقال بعضهُم: ليس بصائمٍ، فأرسلت إليهِ بقدحِ لبنٍ وهوَ واقفٌ علي بعيرِه بعرَفةَ فشرِبَه. متفق عليه.
ــ
((هذا الشهر)) عطف علي قوله: ((هذا اليوم))، ولا يستقيم إلا بالتأويل، إما أن يقدر في المستثنى منه ((وصيام شهر فضله علي غيره)) وهو من اللف التقديرى، وإما أن يعتبر في الشهر ((أيامه يومًا فيومًا موصوفًا بهذا الوصف)).
((تو)): ((عاشوراء)) اليوم العاشر من المحرم. قيل: ليس فاعولاء - بالمد- في كلامهم غيره، وقد يلحق به تاسوعاء، وذهب بعضهم: أنه أخذ من العشر الذي هو من إظماء الإبل، ولهذا زعموا: أنه اليوم التاسع، والعشر ما بين الوردين، وذلك ثمإنية أيام، وإنما جعل التاسع؛ لأنها إذا وردت الماء ثم لم ترد ثمإنية أيام، فوردت التاسع، فذلك العشر، ووردت تسعًا إذا وردت اليوم الثامن. وفلان يحم ربعا، إذا حم اليوم الثالث، وعاشوراء من باب الصفة التي لم يرد لها فعل، والتقدير: يوم مدته عاشوراء، أو صفته عاشوراء.
الحديث السادس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((لئن بقيت إلي قابل لأصومن التاسع)) ((مظ)): لم يعش رسول الله ﷺ إلي القابل، بل توفي في الثانى عشر من ربيع الأول، فصار اليوم التاسع من المحرم صومه سنة وإن لم يصمه رسول الله ﷺ ؛ لأنه عزم علي صومه. ((تو)): قيل: أريد بذلك أن يضم إليه يومًا آخر ليكون هدية مخالفًا لهدى أهل الكتاب وهذا هو الوجه؛ لأنه وقع جوابًا لقولهم: ((إنه يوم يعظمه اليهود)). ((حس)): اختلف أهل العلم في يوم عاشوراء، فقال بعضهم: هو اليوم العاشر، وقال بعضهم: هو اليوم التاسع، روى ذلك عن ابن عباس. واستحب جماعة من العلماء أن يصوم اليوم التاسع والعاشر، وخالفوا اليهود، وإليه ذهب الشافعى ﵁.
الحديث السابع عن أم الفضل بنت الحارث وهي امرأة العباس: قوله: ((إن ناسًا تماروا)) إلي آخره. ((مظ)): صوم يوم عرفة سنة لغير الحاج، وأما للحاج، فقال الشافعى ومالك: ليس بسنة لهم كي لا يضعفوا عن الدعاء بعرفة. وقال إسحاق بن راهويه: إنه سنة لهم. وقال أحمد: إن لم يضعفوا صاموا.
стр. 1124
٢٠٤٣ - وعن عائشةَ، قالتْ: ما رأيتُ رسول الله ﷺ صائمًا في العشر قطُّ. رواه مسلم.
٢٠٤٤ - وعن أبي قتادةَ: أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ﷺ ، فقال: كيفَ تصومُ؟ فغضِبَ رسولُ الله ﷺ من قوله، فلمَّا رأي عمرُ غضَبَه، قال: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًا، نعوذُ باللهِ من غضبِ اللهِ، وغضب رسوله، فجعل عمرُ يُرددُ هذا الكلام حتى سكنَ غضبُه. فقال عمرُ: يا رسول اللهِ! كيفَ منْ يصومُ الدَّهرَ كلَّه؟ قال: ((لاصامَ ولا أفطرَ)) أو قالَ: ((لم يصُمْ ولم يُفطِرْ)). قال: كيف منْ يصومُ يومينِ ويُفطرُ
ــ
الحديث الثامن عن عائشة ﵂: قوله: ((ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا في العشر)) ((مظ)): أي في عشر ذى الحجة. اعلم أن صوم تسعة أيام من أول ذى الحجة سنة؛ لقوله ﷺ : ((ما من أيام أحب إلي الله أن يتعبد له فيها من عشر ذى الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر)). وقولها: ((ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا في العشر قط)) لا ينفي كونها سنة؛ لأنه ﷺ ربما صامها ولم تعرف عائشة، وإذا تعارض النفي والإثبات، فالإثبات أولي بالقبول.
الحديث التاسع عن أبي قتادة: قوله: ((فقال كيف تصوم)) ((حس)): يشبه أن يكون الذي سأل عنه من صوم الدهر، هو أن يسرد صيام أيام السنة كلها، لا يفطر فيها إلا الأيام المنهي عنها. ((مح)): قال العلماء: سبب غضبه ﷺ أنه كره مسألته؛ لأنه خشى من جوابه مفسدة، وهي أنه ربما اعتقد السائل وجوبه، أو استقله، أو اقتصر عليه، والنبي ﷺ إنما لم يبالغ في الصوم، ويقتصر علي ما كان عليه من صوم أيام قلائل؛ لشغله بمصالح المسلمين وحقوقهم، وحقوق أزواجه، وأضيافه ولئلا يقتدى به كل أحد، فيؤدى إلي الضرر في حق بعضهم. وكان حق السائل أن يقول: كم أصوم، أو كيف أصوم فيخص السؤال بنفسه، ليجيبه بما يقتضيه حاله، كما أجاب غيره بمقتضى أحوالهم.
قوله: ((لا صام ولا أفطر)) ((حس)): معناه الدعاء عليه زجرًا له، ويجوز أن يكون إخبارًا. ((مظ)): يعنى هذا الشخص كأنه لم يفطر؛ لأنه لم يأكل شيئًا، ولم يصم؛ لأنه لم يكن بأمر الشارع. قال الشافعى، ومالك: هذا في حق من صام جميع أيام السنة، حتى يومى العيد وأيام التشريق؛ لأن صومها محرم، فأما من لم يصمها فلا بأس عليه في صوم غيرها؛ لأن أبا طلحة الأنصاري، وحمزة بن عمرو الأسلمى كانا يصومان الدهر غير هذه الأيام، ولم ينكر عليهما رسول الله ﷺ ، أو علة النهي أن يصير الرجل بصوم الدهر كله ضعيفًا عاجزًا عن الجهاد وقضاء الحقوق.
стр. 1125
يومًا؟ قال: ((ويُطيقُ ذلكَ أحدٌ؟)) قال: كيفَ مَنْ يصومُ يومًا ويُفطِرُ يومًا؟ قال: ((ذلكَ صومُ داودَ)). قال: كيفَ مَنْ يصومُ يومًا ويُفطِرُ يومينِ؟ قال: ((وددْتُ إني طُوِّقتُ ذلكَ)). ثم قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثٌ من كل شهرٍ، ورمضانُ إلي رمضانَ، فهذا صيامُ الدهر كلِّه. صيامُ يوم عرَفةَ أحتسبُ علي الله أن يُكفِّرَ السَّنةَ التي قبلَه والسنةَ التي بعدَه، وصيامُ يوم عاشوراءَ أحتسِبُ علي اللهِ أن يُكفِّرَ السَّنةَ التي قبلَه)) رواه مسلم.
٢٠٤٥ - وعنه، قال: سُئلَ رسولُ الله ﷺ عن صوم الاثنينِ. فقال: ((فيهِ وُلدْتُ، وفيهِ أُنزِلَ علي)) رواه مسلم.
ــ
قوله: ((وددت أنى طوقت ذلك)) أي لم تشغلنى الحقوق عن ذلك حتى أصومَ، لا أنه ﷺ لم يكن يطيق؛ لأنه ﷺ كان يطيقه وأكتر منه، ولأنه كان يواصل ويقول: ((إنى لست كأحدكم، إنى أبيت عند ربى يطعمنى ويسقيني)).
قوله: ((فهذا صيام الدهر)) أدخل الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وذلك أن ((ثلاث)) مبتدأ و ((من كل شهر)) صفته، أي صوم ثلاثة أيام يصومها الرجل من كل شهر صيام الدهر كله، إنما طرح التاء اعتبارًا للتالي. ((الكشاف)) في قوله: ﴿أربعة أشهر وعشرًا﴾. قيل: ((عشرًا)) ذهابًا إلي الليالي والأيام داخلة معها، ولا تراهم يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلي الأيام، تقول: ((صمت عشرًا)) ولو ذكرت خرجت من كلا مهم.
قوله: ((أحتسب علي الله)) ((نه)): الاحتساب في الأعمال الصالحة. هو البدار إلي طلب الأجر، وتحصيله باستعمال أنواع البر، والقيام بها علي الوجه المرسوم فيها طلبًا للثواب المرجو فيها. وأقول: كان الأصل أن يقال: أرجو من الله أن يكفر، فوضع موضعه ((أحتسب)) وعداه بـ ((علي)) الذي للوجوب علي سبيل الوعد، مبالغة لحصول الثواب.
((مح)): قالوا: والمراد بالذنوب الصغائر، وإن لم تكن الصغائر يرجى التخفيف من الكبائر، فإن لم تكن رفعت الدرجات. ((مظ)): قيل في تكفير ذنوب السنة التي بعدها: هو أنه تعالي يحفظه من أن يذنب فيها. وقيل: يعطى من الرحمة والثواب ما يكون كفارة السنة الثانية إن اتفق فيها ذنب.
الحديث العاشر عن أبي قتادة ﵁: قوله: ((فيه ولدت، وفيه أنزل علي)) أي فيه
следующие страницы →