← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

٢٠٣٧ - وعن عبد الله بن شقيقٍ، قال: قلتُ لعائشَة: أكان النبيُّ ﷺ يصومُ شهرًا كله؟ قالت: ما عَلِمْتُهُ صامَ شهرًا كلَّه إِلا رمضانَ، ولا أفطرهُ كلَّه حتى يصومَ منه، حتى مضى لسبيلهِ. رواه مسلم. ٢٠٣٨ - وعن عمرانَ بنِ حُصَيْنٍ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه سألهُ، أو سألَ رجلاً وعِمْرانُ يسمعُ، فقال: ((يا أبا فلان! أما صُمْتَ من سرَرِ شعبانَ؟)) قال: لا. قال: ((فإذا أفْطَرْتَ فصُمْ يومين)) متفق عليه. ــ وبيان قولها ((كله))، أي غالبه. وقيل: كان يصومه في وقت، ويصوم بعضه في سنة أخرى، وقيل: كان يصوم تارة من أوله، وتارة من آخره، وتارة بينهما. أقول: لفظة ((كله)) تأكيد لإرادة الشمول، ورفع التجوز من احتمال البعض، فتفسيره بالبعض مناف له، ولو جعل ((كان)) الثانى وما يتعلق به استئنافًا ليكون بيانًا للحالتين: حالة الإتمام وحالة غيره، لكان أحسن وأغرب، فلو عطف بالواو لم يحمل إلا علي هذا التأويل. الحديث الثانى عن عبد الله بن شقيق: قوله: ((ولا أفطره كله حتى يصوم منه)) (حتى)) الأولي بمعنى ((كى)) كقولك: سرت حتى أدخل البلد، بنصب إذا كان دخولك مترقبًا، لما يوجد، كأنك قلت: سرت كى أدخلها، أو كان منقضيًا إلا أنه في حكم المستقبل من حيث أنه في وقت وجود السير المفعول من أجله كان مترقبًا. وتحريره: أن ((حتى)) الأولي غاية عدم العلم باستمرار الإفطار المستعقب للصوم، والثانية غاية لعدم علمه بالحالتين من الصيام والإفطار، والاستمرار هو مستفاد من النفي الداخل علي الماضى. والحديث وارد علي هذا؛ لأنه ﷺ حين عزم أن لا يصوم الشهر كله كان مترقبًا أن يصوم بعضه، و ((حتى)) الثانية غاية لما تقدم من الجمل كلها. و ((مضى لسبيله)) كناية عن الموت، واللام في ((لسبيله)) مثلها في قولك: لقيته لتلات بقين من الشهر، تريد مستقبلاً لثلاث. وفائدة الكناية: أنه ﷺ لم يكن لبثه في الدنية إلا لأداء الرسالة التي أمر بتبليغها، فلما أدى ما عليه تركها ومضى إلي مأواه ومستقره. الحديث الثالث عن عمران بن حصين: قوله: ((أنه سأله)) الضمير الأول لرسول الله ﷺ ، والثانى لعمران. ((نه)) و ((مح)): سرار الشهر - بالفتح والكسر - وكذا سرره، وهو آخر ليلة يستمر الهلال بنور الشمس. قالوا: كأن هذا الرجل قد أوجب صوم يومين علي نفسه بنذر، فلما فاته قال له: إذا أفطرت من رمضان فصم يومين وقيل: لعل ذلك عادة له قد اعتادها، فبين له بهذا القول أن صومه غير داخل في جملة القسم المنهي عنه بقوله: ((لا يقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين)).

стр. 1122

٢٠٣٩ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أفضلُ الصيامِ بعد رمضانَ شهرُ اللهِ المحرَّمُ، وأفضلُ الصلاةِ بعدَ الفريضة صلاةُ الليلِ)) رواه مسلم. ٢٠٤٠ - وعن ابنِ عبَّاسٍ، قال: ما رأيتُ النبيَّ ﷺ يَتَحَرَّى صيامَ يومٍ فضلَه علي غَيرِه إِلَاّ هذا اليومَ: يوم عاشوراءَ، وهذا الشهرَ، يعني شهر رمضان. متفق عليه. ــ الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((شهر الله المحرم)) أي صيام شهر الله المحرم، يريد أنه يوم عاشوراء، أضاف الشهر إلي الله تعظيمًا وعطف ((المحرم)) إليه بيانًا تفخيمًا له. وفي قوله: ((أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)) للعلماء مقال. ولعمرى! إن صلاة التهجد لو لم يكن فيها فضل سوى قوله تعالي: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ وقوله: ﴿تتجافي جنوبهم عن المضاجع - إلي قوله - فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ وغيرها من الآيات لكفاه تقدمًا ومزية. وينصره ما ذكره شارح مسلم، قال: في الحديث حجة لأبي إسحاق المروزى من أصحابنا، ومن وافقه: أن صلاة الليل أفضل من السنن الرواتب. وقال أكثر أصحابنا: الرواتب أفضل؛ لأنها تشبه الفرائض، والأول أقوى وأوفق لنص الحديث. والله أعلم. الحديث الخامس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((فضله علي غيره)) في بعض نسخ المصأبيح ((فضله)) - بسكون الضاد ونصب اللام - وتؤيده رواية شرح السنة ((ما كان النبي ﷺ يتحرى صوم يوم يبتغى فضله إلا صيام رمضان، وهذا اليوم يوم عاشوراء)) ((مظ)): ((فضله)) بدل من قوله: ((صيام يوم)) والتقدير: يتحرى فضل صيام يوم علي غيره، والتحرى طلب الصواب، والمبالغة في طلب شيء، والمعنى ما رأيته يبالغ في تفضيل يوم علي يوم إلا عاشوراء ورمضان، وذلك؛ لأن رمضان فريضة، وعاشوراء كانت فريضة ثم نسخت. وأقول: علي هذا المبدل هنا ليس في حكم المنحى؛ لاستدعاء الضمير ما يرجع إليه نحو قولك: زيد رأيت غلامه رجلاً صالحًا. وفي أكثر النسخ ((فضله)) - بتشديد الضاد -. قيل: هو بدل من ((يتحرى)) والحمل علي الصفة أولي؛ لأن قوله: ((هذا اليوم)) مستثنى، ولا بد من مستثنى منه، وليس ها هنا إلا قوله: ((يوم)) وهو نكرة في سياق النفي يفيد العموم، فالمعنى: ما رأيته ﷺ يتحرى في صيام يوم من الأيام صفته أنه مفضل علي غيره إلا صيام هذا اليوم، فإنه كان يتحرى في تفضيل صيامه مالم يكن يتحرى في تفضيل غيره، ونحوه في اعتبار المستثنى منه قوله: ((ما من أيام أحب إلي الله أن يتعبد له فيها من عشر ذى الحجة)). وقوله:

стр. 1123

٢٠٤١ - وعنه، قال: حينَ صامَ رسولُ الله ﷺ يوم عاشوراءَ وأمر بصيامِه قالوا: يارسولَ اللهِ! إِنَّه يومٌ يُعظِّمُه اليهودُ والنَّصارى. فقال رسول الله ﷺ : ((لئنْ بَقيتُ إلي قابلٍ، لأصومَنَّ التاسعَ)) رواه مسلم. ٢٠٤٢ - وعن أمِّ الفَضلِ بنتِ الحارثِ: أنَّ ناسًا تمارَوا عندَها يومَ عرفَةَ في صيامِ رسولِ الله ﷺ ، فقال بعضُهم، هو صائمٌ، وقال بعضهُم: ليس بصائمٍ، فأرسلت إليهِ بقدحِ لبنٍ وهوَ واقفٌ علي بعيرِه بعرَفةَ فشرِبَه. متفق عليه. ــ ((هذا الشهر)) عطف علي قوله: ((هذا اليوم))، ولا يستقيم إلا بالتأويل، إما أن يقدر في المستثنى منه ((وصيام شهر فضله علي غيره)) وهو من اللف التقديرى، وإما أن يعتبر في الشهر ((أيامه يومًا فيومًا موصوفًا بهذا الوصف)). ((تو)): ((عاشوراء)) اليوم العاشر من المحرم. قيل: ليس فاعولاء - بالمد- في كلامهم غيره، وقد يلحق به تاسوعاء، وذهب بعضهم: أنه أخذ من العشر الذي هو من إظماء الإبل، ولهذا زعموا: أنه اليوم التاسع، والعشر ما بين الوردين، وذلك ثمإنية أيام، وإنما جعل التاسع؛ لأنها إذا وردت الماء ثم لم ترد ثمإنية أيام، فوردت التاسع، فذلك العشر، ووردت تسعًا إذا وردت اليوم الثامن. وفلان يحم ربعا، إذا حم اليوم الثالث، وعاشوراء من باب الصفة التي لم يرد لها فعل، والتقدير: يوم مدته عاشوراء، أو صفته عاشوراء. الحديث السادس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((لئن بقيت إلي قابل لأصومن التاسع)) ((مظ)): لم يعش رسول الله ﷺ إلي القابل، بل توفي في الثانى عشر من ربيع الأول، فصار اليوم التاسع من المحرم صومه سنة وإن لم يصمه رسول الله ﷺ ؛ لأنه عزم علي صومه. ((تو)): قيل: أريد بذلك أن يضم إليه يومًا آخر ليكون هدية مخالفًا لهدى أهل الكتاب وهذا هو الوجه؛ لأنه وقع جوابًا لقولهم: ((إنه يوم يعظمه اليهود)). ((حس)): اختلف أهل العلم في يوم عاشوراء، فقال بعضهم: هو اليوم العاشر، وقال بعضهم: هو اليوم التاسع، روى ذلك عن ابن عباس. واستحب جماعة من العلماء أن يصوم اليوم التاسع والعاشر، وخالفوا اليهود، وإليه ذهب الشافعى ﵁. الحديث السابع عن أم الفضل بنت الحارث وهي امرأة العباس: قوله: ((إن ناسًا تماروا)) إلي آخره. ((مظ)): صوم يوم عرفة سنة لغير الحاج، وأما للحاج، فقال الشافعى ومالك: ليس بسنة لهم كي لا يضعفوا عن الدعاء بعرفة. وقال إسحاق بن راهويه: إنه سنة لهم. وقال أحمد: إن لم يضعفوا صاموا.

стр. 1124

٢٠٤٣ - وعن عائشةَ، قالتْ: ما رأيتُ رسول الله ﷺ صائمًا في العشر قطُّ. رواه مسلم. ٢٠٤٤ - وعن أبي قتادةَ: أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ﷺ ، فقال: كيفَ تصومُ؟ فغضِبَ رسولُ الله ﷺ من قوله، فلمَّا رأي عمرُ غضَبَه، قال: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًا، نعوذُ باللهِ من غضبِ اللهِ، وغضب رسوله، فجعل عمرُ يُرددُ هذا الكلام حتى سكنَ غضبُه. فقال عمرُ: يا رسول اللهِ! كيفَ منْ يصومُ الدَّهرَ كلَّه؟ قال: ((لاصامَ ولا أفطرَ)) أو قالَ: ((لم يصُمْ ولم يُفطِرْ)). قال: كيف منْ يصومُ يومينِ ويُفطرُ ــ الحديث الثامن عن عائشة ﵂: قوله: ((ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا في العشر)) ((مظ)): أي في عشر ذى الحجة. اعلم أن صوم تسعة أيام من أول ذى الحجة سنة؛ لقوله ﷺ : ((ما من أيام أحب إلي الله أن يتعبد له فيها من عشر ذى الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر)). وقولها: ((ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا في العشر قط)) لا ينفي كونها سنة؛ لأنه ﷺ ربما صامها ولم تعرف عائشة، وإذا تعارض النفي والإثبات، فالإثبات أولي بالقبول. الحديث التاسع عن أبي قتادة: قوله: ((فقال كيف تصوم)) ((حس)): يشبه أن يكون الذي سأل عنه من صوم الدهر، هو أن يسرد صيام أيام السنة كلها، لا يفطر فيها إلا الأيام المنهي عنها. ((مح)): قال العلماء: سبب غضبه ﷺ أنه كره مسألته؛ لأنه خشى من جوابه مفسدة، وهي أنه ربما اعتقد السائل وجوبه، أو استقله، أو اقتصر عليه، والنبي ﷺ إنما لم يبالغ في الصوم، ويقتصر علي ما كان عليه من صوم أيام قلائل؛ لشغله بمصالح المسلمين وحقوقهم، وحقوق أزواجه، وأضيافه ولئلا يقتدى به كل أحد، فيؤدى إلي الضرر في حق بعضهم. وكان حق السائل أن يقول: كم أصوم، أو كيف أصوم فيخص السؤال بنفسه، ليجيبه بما يقتضيه حاله، كما أجاب غيره بمقتضى أحوالهم. قوله: ((لا صام ولا أفطر)) ((حس)): معناه الدعاء عليه زجرًا له، ويجوز أن يكون إخبارًا. ((مظ)): يعنى هذا الشخص كأنه لم يفطر؛ لأنه لم يأكل شيئًا، ولم يصم؛ لأنه لم يكن بأمر الشارع. قال الشافعى، ومالك: هذا في حق من صام جميع أيام السنة، حتى يومى العيد وأيام التشريق؛ لأن صومها محرم، فأما من لم يصمها فلا بأس عليه في صوم غيرها؛ لأن أبا طلحة الأنصاري، وحمزة بن عمرو الأسلمى كانا يصومان الدهر غير هذه الأيام، ولم ينكر عليهما رسول الله ﷺ ، أو علة النهي أن يصير الرجل بصوم الدهر كله ضعيفًا عاجزًا عن الجهاد وقضاء الحقوق.

стр. 1125

يومًا؟ قال: ((ويُطيقُ ذلكَ أحدٌ؟)) قال: كيفَ مَنْ يصومُ يومًا ويُفطِرُ يومًا؟ قال: ((ذلكَ صومُ داودَ)). قال: كيفَ مَنْ يصومُ يومًا ويُفطِرُ يومينِ؟ قال: ((وددْتُ إني طُوِّقتُ ذلكَ)). ثم قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثٌ من كل شهرٍ، ورمضانُ إلي رمضانَ، فهذا صيامُ الدهر كلِّه. صيامُ يوم عرَفةَ أحتسبُ علي الله أن يُكفِّرَ السَّنةَ التي قبلَه والسنةَ التي بعدَه، وصيامُ يوم عاشوراءَ أحتسِبُ علي اللهِ أن يُكفِّرَ السَّنةَ التي قبلَه)) رواه مسلم. ٢٠٤٥ - وعنه، قال: سُئلَ رسولُ الله ﷺ عن صوم الاثنينِ. فقال: ((فيهِ وُلدْتُ، وفيهِ أُنزِلَ علي)) رواه مسلم. ــ قوله: ((وددت أنى طوقت ذلك)) أي لم تشغلنى الحقوق عن ذلك حتى أصومَ، لا أنه ﷺ لم يكن يطيق؛ لأنه ﷺ كان يطيقه وأكتر منه، ولأنه كان يواصل ويقول: ((إنى لست كأحدكم، إنى أبيت عند ربى يطعمنى ويسقيني)). قوله: ((فهذا صيام الدهر)) أدخل الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وذلك أن ((ثلاث)) مبتدأ و ((من كل شهر)) صفته، أي صوم ثلاثة أيام يصومها الرجل من كل شهر صيام الدهر كله، إنما طرح التاء اعتبارًا للتالي. ((الكشاف)) في قوله: ﴿أربعة أشهر وعشرًا﴾. قيل: ((عشرًا)) ذهابًا إلي الليالي والأيام داخلة معها، ولا تراهم يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلي الأيام، تقول: ((صمت عشرًا)) ولو ذكرت خرجت من كلا مهم. قوله: ((أحتسب علي الله)) ((نه)): الاحتساب في الأعمال الصالحة. هو البدار إلي طلب الأجر، وتحصيله باستعمال أنواع البر، والقيام بها علي الوجه المرسوم فيها طلبًا للثواب المرجو فيها. وأقول: كان الأصل أن يقال: أرجو من الله أن يكفر، فوضع موضعه ((أحتسب)) وعداه بـ ((علي)) الذي للوجوب علي سبيل الوعد، مبالغة لحصول الثواب. ((مح)): قالوا: والمراد بالذنوب الصغائر، وإن لم تكن الصغائر يرجى التخفيف من الكبائر، فإن لم تكن رفعت الدرجات. ((مظ)): قيل في تكفير ذنوب السنة التي بعدها: هو أنه تعالي يحفظه من أن يذنب فيها. وقيل: يعطى من الرحمة والثواب ما يكون كفارة السنة الثانية إن اتفق فيها ذنب. الحديث العاشر عن أبي قتادة ﵁: قوله: ((فيه ولدت، وفيه أنزل علي)) أي فيه

стр. 1126

٢٠٤٦ - وعن مُعاذَةَ العَدَويَّةِ، أنَّها سألتْ عائشة: أكان رسول الله ﷺ يصومُ من كلِّ شهرٍ ثلاثة أيامٍ؟ قالتْ: نعم. فقلتُ لها؟ من أيِّ أيامِ الشهرِ كانَ يصومُ؟ قالتْ: لم يكُنْ يبالي من أي أيام الشهرِ يصومُ. رواه مسلم. ٢٠٤٧ - وعن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، أنه حدَّثه أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: ((منْ صامَ رمضانَ، ثم أتبعَه ستًا من شوَّال، كانَ كصيامِ الدهرِ)) رواه مسلم. ٢٠٤٨ - وعن أبي سعيد الخُدريِّ، قال: نهي رسولُ الله ﷺ عن صوم يومِ الفطرِ والنَّحرِ. متفق عليه. ٢٠٤٩ - وعنه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((لا صوم في يومينِ: الفطرِ ــ وجود نبيكم، وفيه نزول كتابكم، وثبوت نبوته، فأي يوم أفضل وأولي للصيام منه؟ فاقتصر علي العلة، أي سلوا عن فضيلته؟ لأنه لا مقال في صيامه، فهو من الأسلوب الحكيم. الحديث الحادى عشر والثانى عشر عن أبي أيوب ﵁: قوله: ((إنه حدثه)) الضمير الأول لأبي أيوب، والثانى يجوز أن يكون للراوى، وأن يكون للحديث، أي حدث حديثًا ثم بينه بقوله: ((إن رسول الله ﷺ ) الحديث علي سبيل البدل. قوله: ((كان كصيام الدهر))؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فأخرجه مخرج التشبيه للمبالغة، والحث علي صيام الست. ((حس)): قد استحب قوم صيام ستة أيام من شوال، والاختيار أن يصوم من أول الشهر متتابعة، وإن صامها متفرقة جاز. وحكى مالك الكراهة في صيامها عن أهل العلم. ((مح)): قال مالك في الموطأ: ما رأيت أحدًا من أهل العلم يصومها. قالوا: يكره لئلا يظن وجوبه. الحديث الثالث عشر والرابع عشر عن أبي سعيد: قوله: ((نهي رسول الله ﷺ ) هذا الحديث مروى من حيت المعنى، والذي يتلوه مروى من حيث اللفظُ، وما نص عليه، ولعل العدول عن قوله: ((نهي عن صوم العيدين)) إلي ذكر الفطر والنحر للإشعار بأن علة الحرمة هي الوصف بكونه يوم فطر ويوم نحر، والصوم ينافيهما. ((حس)): اتفق أهل العلم علي أن صوم يوم العيد لايجوز، ولو نذر صومه لاينعقد عند أكثر العلماء. وقال أصحاب أبي حنيفة: ينعقد، وعليه صوم يوم آخر.

стр. 1127

٢٠٥٠ - وعن نُبَيشَةَ الهُذليِّ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيَّامُ التشريقِ أيَّامُ أكلٍ وشُرْبٍ وذكرِ اللهِ)) رواه مسلم. ٢٠٥١ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لايصومُ أحدُكم يوم الجمعةِ إلَاّ أنْ يصومَ قبلَه أو يصومَ بعدَه)) متفق عليه. ٢٠٥٢ - وعنه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((لا تختصُّوا ليلةَ الجمعةِ بقيامٍ من بين الليالي، ولا تختصُّوا يوم الجمعةِ بصيامٍ من بين الأيَّامِ؛ إلَاّ أنْ يكونَ في صومٍ يصومُه أحدُكم)) رواه مسلم. ــ الحديث الخامس عشر عن نبيشة: قوله: ((أيام التشريق)) ((نه)): ((أيام التشريق)) هي ثلاثة أيام تلي عيد النحر، سميت بذلك من تتشريق اللحم - وهو تقديده، وبسطه في الشمس ليجف - لأن لحوم الأضاحى كانت تشرق فيها بمنى. وقيل: سميت به؛ لأن الهدى والضحايا لاتنحر حتى تشرق الشمس، أي تطلع. ((شف)): إنما عقب الأكل والشرب بذكر الله؛ لئلا يستغرق العبد في حظوظ نفسه، وينسى في هذه الأيام حق الله تعالي. أقول: هو من باب التتميم صيانة، فإنه ﷺ لما أعاد في الخبر ذكر الأيام، وأضاف الأكل والشرب إليها، أوهم أنها لاتصلح إلا للدعة والأكل والشرب؛ لأن الناس أضياف الله في هذه الأيام، فتدارك بقوله: ((واذكروا الله))؛ لئلا يستغرق أوقاتهم باللذات النفسإنية، فينسوا نصيبهم من الروحإنية، نظيره في التتميم للصيانة قول الشاعر: فسقى ديارك غير مفسدها صوب السحاب وديعة تهمى ((حس)): اتفق أهل العلم علي أن صيام أيام التشريق لا يجور لغير المتمتع، واختلفوا في المتمتع إذا لم يجد الهدي. الحديث السادس عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ولا تختصوا يوم الجمعة)) ((يوم)) نصب مفعول به، كقوله: ويوم شهدناه. والاختصاص لازم ومتعد، وفي الحديث متعد. قال المالكى: المشهور في اختص أن يكون موافقًا لخص في التعدى إلي مفعول، وبذلك جاء قوله تعالي: ﴿يختص برحمته من يشاء﴾ وقول عمر بن عبد العزيز: ((ولم يختص قومًا))، وقد يكون ((اختص)) مطاوع ((خص))، فلا يتعدى، كقولك: خصصتك بالشىء فاختصصت به. قوله: ((إلا أن يكون في صوم يصومه)) التقدير: إلا أن يكون يوم الجمعة واقعًا في يوم صوم يصومه.

стр. 1128

٢٠٥٣ - وعن أبي سعيد الخُدريِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((من صام يومًا في سبيل اللهِ بَعَّدَ اللهُ وجهَه عن النَّارِ سبعينَ خريفًا)) متفق عليه. ٢٠٥٤ - وعن عبد الله بنِ عمرِو بن العاصِ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا عبدَ الله؟ أَلَمْ أخبرْ أنَّكَ تصومُ النهارَ وتقومُ الليلَ؟)) فقلتُ: بلي يا رسول الله! قال: ((فلا ــ ((مظ)): قيل: علة النهي ترك موافقة اليهود في يوم واحد من بين أيام الأسبوع، يعنى عظمت اليهود السبت، فلا تعظموا أنتم الجمعة خاصة بصيام وقيام. وأقول: لو كانت العلة مخالفة اليهود لكان الصوم أولي؛ لأنهم يستريحون فيه ويتنعمون بالأكل والشرب، ومصداقه حديث أم سلمة في الفصل الثالت من هذا الباب، ولكن العلة ورود النص. وتخصيص كل يوم بعبادة ليس ليوم آخر، فإن الله تعالي قد استأثر الجمعة بفضائل لم يستأثر بها غيرها، فجعل الاجتماع فيه للصلاة فرضًا علي العباد في البلاد، فلم ير أن يخصه بشيء من الأعمال سوى ما خصه به، ثم خص بعض الأيام بعمل دون ما خص به غيره، ليختص كل منها بنوع من العمل، ليظهر فضيلة كل بما يختص به. وقال الشيخ محيى الدين النواوي: في هذا الحديث نهي صريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة من بين الليالي، وهذا متفق علي كراهته، واحتج به العلماء علي كراهة هذه الصلاة المبتدعة التي تسمى الرغائب، قاتل الله واضعها! فإنها بدعة منكرة من البدع التي هي ضلالة، وقد صنف جماعة من الأئمة مصنفات في تقبيحها وتضليل مبتدعها أكثر من أن يحصى ذكره في شرح صحيح مسلم. الحديث السابع عشر عن أبي سعيد: قوله: ((من صام يومًا)) إلي آخره. ((مظ)) يعنى من جمع بين تحمل مشقة الصوم ومشقة الغزو يكون له هذا التشريف، وأما لو كان في السفر فإن لم يلحقه ضعف يمنعه عن الجهاد، فالصوم أفضل. ((شف)): ويحتمل أن يكون معناه من صام يومًا لله ولوجهه. ((نه)): الخريف الزمان المعروف ما بين الصيف والشتاء، ويراد به السنة؛ لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة، فإذا انقضى الخريف انقضى السنة. أقول: إنما خص بالذكر دون سائر الفصول؛ لأنه زمان بلوغ الثمار، وحصاد الزرع، وحصول سعة العيش. الحديث الثامن عشر عن عبد الله بن عمرو: قوله: ((بلي)) جواب عما يلزم من قوله: ((ألم أخبر))؛ لأنه ﷺ إنما أخبر عما فعله من الصيام والقيام، كأنه قيل: ألم تصم النهار، أو لم تقم الليل؟ فقال: بلي. قوله: ((وإن لزورك)) ((نه)): الزور الزائر، وهو في الأصل مصدر وضع موضع الاسم، كصوم ونوم بمعنى صائم ونائم. وقد يكون الزور جمع زائر، كراكب وركب.

стр. 1129

تفعل، صُمْ وأفطِرْ، وقُمْ ونَمْ، فإنَّ لجسدِكَ عليكَ حقًا، وإنَّ لعينكَ [عليك] حقًا، وإنَّ لزوجِكَ عليكَ حقًا، وإنَّ لزوركَ عليك حقًا. لا صامَ من صامَ الدَّهَر. صومُ ثلاثة أيامٍ من كل شهرِ صوم الدَّهرِ كلّه. صُمْ كلَّ شهرٍ ثلاثة أيامٍ، واقرأ القرآن في كل شهرٍ)). قلتُ: إني أطيق أكثر من ذلكَ. قال: ((صُم أفضلَ الصومِ صومَ داود: صيامَ يومٍ، وإفطار يومٍ. واقرأ في كل سبع ليالٍ مرَّة، ولا تَزدْ علي ذلكَ)) متفق عليه. الفصل الثاني ٢٠٥٥ - عن عائشة، قالتْ: كان رسول الله ﷺ يَصُوم الاثنين والخميسَ. رواه الترمذيُّ، والنسائي. [٢٠٥٥] ٢٠٥٦ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تُعرضُ الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائمٌ)) رواه الترمذي. [٢٠٥٦] ٢٠٥٧ - وعن أبي ذّر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا أبا ذر! إذا صُمتَ من الشهرِ أيَّامٍ، فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرةَ)) رواه الترمذي، والنسائي. [٢٠٥٧] ٢٠٥٨ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: كان رسولُ الله ﷺ يصومُ من غُرَّةِ كل شهرٍ ثلاثة أيام، وقلما كان يُفطِرُ يوم الجمعة. رواه الترمذي، والنسائي. رواه أبو داود إلي ثلاثة أيام. [٢٠٥٨] ــ قوله: ((لا صام من صام الدهر)) ((مح)): يحتمل أن يكون خبرًا لا دعاء، ومعنى ((لا صام)) أنه لايجد من مشقته ما يجدها غيره. ((قض)): فكأنه لم يصم؛ لأنه إذا اعتاد ذلك لم يجد منه رياضة وكلفة يتعلق بها مزيد ثواب. أقول: هذا التأويل يخالف سياق الحديث؛ لأن السياق في رفح التشديد ووضع الإصر، ألا ترى كيف نهاه أولاً عن صوم الدهر كله، ثم حثه علي صوم داود بقوله: ((صم أفضل الصوم صوم داود))؟ والأولي أن يجرى ((لاصام)) علي الإخبار أنه ما امتثل أمر الشارع، ((ولا أفطر)) لأنه لم يطعم شيئًا، كما سبق في حديث قتادة. الفصل الثاني الحديث الأول إلي الرابع عن عبد الله بن مسعود: قوله: ((وقلما كان يفطر يوم الجمعة))

стр. 1130

٢٠٥٩ - وعن عائشةَ، قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ يصومُ منَ الشهرِ السَّبتَ والأحد والاثنينِ، ومن الشهر الآخر الثلاثاءَ والأربعاءَ والخميسَ. رواه الترمذي. [٢٠٥٩] ٢٠٦٠ - وعن أمِّ سلمة، قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ يأمرُني أن أصوم ثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، أوَّلُها الاثنينُ والخميسُ. رواه أبو داود، والنسائي. [٢٠٦٠] ٢٠٦١ - وعن مسلمٍ القرشي، قال: سألتُ - أو سُئل - رسولُ الله ﷺ عن صيام الدهرِ فقال: ((إنَّ لأهلكَ عليكَ حقًا، صُمْ رَمضانَ والذي يليهِ، وكلَّ أربعاءَ وخميسٍ، فإذًا أنتَ قدْ صُمْتَ الدَّهرَ كلَّهُ)) رواه أبو داود، والترمذي. [٢٠٦١] ــ ((مظ)): تأويله أنه كان يصومه منضمًا إلي ما قبله، أو إلي ما بعده، أو أنه مختص برسول الله ﷺ كالوصال. ((قض)): يحتمل أن يكون المراد منه أنه كان ﷺ يمسك قبل الصلاة، ولا يتغدى إلا بعد أداء الجمعة، كما روى عن سهل بن سعد الساعدى ﵁. الحديث الخامس عن عائشة ﵂: قوله: ((السبت والأحد والاثنين)) ((مظ)): أراد ﷺ أن يبين سنة صوم جميع أيام الأسبوع، فصام من شهر السبت، والأحد، والاثنين، ومن شهر الثلاثاء، والأربعاء، والخميس. وإنما لم يصم جميع هذه السنة متوالية كيلا يشق علي الأمة الاقتداء، ولم يكن في هذا الحديث ذكر يوم الجمعة، وقد ذكر في حديث آخر قبيل هذا. الحديث السادس عن أم سلمة ﵂: قوله: ((أولها الاثنين والخميس)) ((شف)): القياس من جهة العربية الاثنان بالألف مرفوعًا علي أنه خبر للمبتدأ الذي هو أولها، لكن يمكن أن يقال: جعل اللفظ المبنى علمًا لذلك اليوم، فأعرب بالحركة لا بالحرف، أو يقال: تقديره ((أولها يوم الاثنين)) فحذف المضاف، وأبقى المضاف إليه علي حاله. وأقول: يمكن أن يقال: إن ((أولها)) منصوب، وكذا ((الاثنين)) بفعل مضمر، أي اجعل أولها الاثنين أو الخميس. وعليه ظاهر كلام الشيخ التوربشتى حيث قال: صوابه أولها الاثنين أو الخميس، والمعنى أنها تجعل أول الأيام الثلاثة الاثنين أو الخميس؛ وذلك لأن الشهر إما أن يكون افتتاحه من الأسبوع في القسم الذي بعد الخميس، فيفتتح صومها في شهرها، وذلك بالخميس، وإما أن يكون بالقسم الذي بعد الاثنين، فيفتتح في شهرها ذلك بالخميس، وكذلك وجدت الحديث فيما نرويه من كتاب الطبرانى. الحديث السابع عن مسلم: قوله: ((فإذا أنت قد صمت)) هذا لفظ الترمذي وأبي داود. ((الفاء)) جزاء شرط محذوف، أي إنك ان فعلت ما قلت لك، فأنت قد صمت الدهر كله، و ((إذن)) جواب جىء به تأكيدًا للربط.

стр. 1131

٢٠٦٢ - وعن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ نهي عن صومِ يومِ عرفةَ بعرفةَ. رواه أبو داود. [٢٠٦٢] ٢٠٦٣ - وعن عبد الله بن بُسْرٍ، عن أُختِهِ الصمَّاءِ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: ((لا تصوموا يومَ السبتِ إلا فيما افتُرضَ عليكُم، فإِنْ لم يجِد أحدُكم إِلَاّ لحاءَ عِنَبَةٍ، أو عودَ شجرةٍ فليمضغهُ)) رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي. [٢٠٦٣] ٢٠٦٤ - وعن أبي أُمامةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صامَ يومًا في سبيل الله جعل الله بينه ربين النارِ خنْدقًا، كما بينَ السَّماءِ والأرض)) رواه الترمذي. [٢٠٦٤] ــ الحديث الثامن والتاسع عن عبد الله بن بسر: قوله: ((لاتصوموا يوم السبت)) قالوا: المراد بالنهي إفراد السبت بالصوم لا الصوم مطلقًا، لما سبق في حديث أبي هريرة في الجمعة. والداعى إليه مخالفة اليهود، وفي معنى المستثنى ما وافق سنة مؤكدة، كما إذا كانت السبت يوم عرفة أو عاشوراء؛ للأحاديث الصحاح التي وردت فيها. وقوله: ((فيما افترض عليكم)) يتناول المكتوبة، والمنذورة،. وقضاء الفائت الواجب، وصوم الكفارة، واتفق الجمهور علي أن هذا النهي والنهي عن إفراد الجمعة نهي تنزيه وكراهة، لاتحريم. قوله: ((إلا لحاء عنبة)) ((تو)): اللحاء ممدود، وهو قشر الشجر، والعنبة: هي الحبة من العنب، وبناؤها من نوادر الأبنية، وأريد بالعنبة ها هنا الحبة والقضابة منها علي الاتساع. الحديث العاشر عن أبي أمامة: قوله: ((خندقًا)) وهو استعارة تمثيلية عن الحاجز المانع، شبه الصوم بالحصن، وجعل له خندقًا حاجزًا بينة وبين النار التي شبهت بالعدو، ثم شبه الخندق في بعد غوره بما بين السماء والأرض.

стр. 1132

٢٠٦٥ - وعن عامر بن مسعودٍ، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : ((الغنيمةُ الباردة الصومُ في الشتاء)) رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديثٌ مرسلٌ. ٢٠٦٦ - وذكر حديث أبي هريرة: مامن أيامٍ أحبُّ إلي الله في ((باب الأضحية)). الفصل الثالث ٢٠٦٧ - عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قدمَ المدينةَ، فوجدَ اليهودَ صيامًا يومَ عاشوراء، فقال لهم رسولُ الله ﷺ : ((ما هذا اليوم الذي تصومُونَه))؟)) فقالوا: هذا يومٌ عظيمٌ: أنجى الله فيهِ موسى وقومَه، وغَرَّقَ فرعونَ وقومَه؛ فصامه موسى شكرًا، فنحنُ نصومُه. فقال رسولُ الله ﷺ : ((فنحنُ أحقُّ وأولي بموسى منكم)) فصامَه رسول الله ﷺ ، وأمرَ بصامه. متفق عليه. ــ الحديث الحادى عشر عن عامر: قوله: ((الغنيمة الباردة)) ((فا)): الغنيمة الباردة هي التي تجىء عفوًا من غير أن يصطلي دونها بنار الحرب، ويباشر حر القتال. وقيل: هي الهيئة الطيبة مأخوذ من العيش البارد. والأصل في وقوع البرد عبارة عن الطيب والهناة، أن الهواء والماء لما كان طيبهما ببردهما خصوصًا، في بلاد تهامة والحجاز. قيل: هواء بارد وماء بارد علي سبيل الاستطابة، ثم كثر حتى قيل: عيش بارد، وغنيمة باردة، وبرد أمرنا تم كلامه. والتركيب من قلب التشبيه؛ لأن الأصل الصوم في الشتاء كالغنيمة الباردة، كقول الشاعر: لعاب الأفاعى القائلات لعابه أي لعاب القلم: وفيه من المبالغة أن الأصل في التشبيه أن يلحق الناقص بالكامل، كما يقال: زيد كالأسد، فإذا عكس وقيل: الأسد كزيد، ويجعل الأصل كالفرع، والفرع كالأصل يبلغ التشبيه إلي الدرجة القصوى في المبالغة، والمعنى أن الصائم يحوز الأجر من غير أن يمسه حر العطش، أو تصيبه لذعة الجوع من طول اليوم. الفصل الثالث الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((فصامه رسول الله ﷺ ) فيه إشكالان، أحدهما: أنهم يؤرخون الشهور علي غير ما يؤرخه العرب، والآخر: أن مخالفتهم، والتحرى عن اجتناب ما يرومونه من تعظيم الأيام بالصوم مطلوب، فكيف بالحديث؟ والجواب عنه: أنه لايبعد أن يتفق عاشوراء ذاك العام اليوم الذي أنجاهم الله من فرعون، وعن الثانى: أن

стр. 1133

٢٠٦٨ - وعن أمِّ سلمةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يصومَ يومَ السبت ويوم الأحد أكثرَ ما يصومُ من الأيَّامِ، ويقولُ: ((إنَّهُما يوما عيدٍ للمشركينَ فأنا أحِبُّ أن أخالفهم)) رواه أحمد. [٢٠٦٨] ٢٠٦٩ - وعن جابر بن سمُرةَ، قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يأمرُ بصيام يوم عاشوراء، ويحثَّنا عليه، ويتعاهدنا عندَه، فلمَّا فُرِضَ رمضان لم يأمُرنا، ولم يَنهنَا عه، ولم يتعاهدْنا عندَه. رواه مسلم. ٢٠٧٠ - وعن حَفْصَةَ، قالت: أربعٌ لم يكن يدعُهنَّ النبي ﷺ : صيامُ عاشوراءَ، والعشرِ، وثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، وركعتان قبل الفجر. رواه النسائي. ٢٠٧١ - وعن ابن عباسٍ، قال: كان رسولُ الله ﷺ لا يُفطِرُ أيَّامَ البيضِ في حَضَرٍ ولا في سفَرٍ. رواه النسائي. ــ المخالفة التي أمرنا بها هي ما أخطأوا فيه مكان التعظيم من اختيارهم يوم السبت، كما قال تعالي: ﴿إنما جعل السبت علي الذين اختلفوا فيه﴾ وقال ﷺ : ((ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم يعنى الجمعة، فاختلفوا فيه)) الحديث. الحديث الثانى عن أم سلمة ﵂: قوله: ((يوما عيد للمشركين)) سمى اليهود والنصارى مشركين - والمشرك هو عابد للصنم - إما لأن النصارى يقولون: المسيح ابن الله، واليهود: عزير ابن الله، وإما أنه سمى كل من يخالف دين الإسلام مشركًا علي التغليب. الحديث الثالث عن جابر ﵁: قوله: ((ويتعاهدنا عنده)) أي ((ويحفظنا)) ويراعى حالنا، ويتخولنا الموعظة. الحديث الرابع والخامس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((أيام البيض)) أي أيام الليالي البيض ((نه)): كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم أيام البيض هذا علي حذف المضاف إليه، يريد أيام الليالي البيض، وهي الثالت عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، سميت لياليها بيضًا؛ لأن القمر يطلع فيها من أولها إلي آخرها. وأكتر ما تجىء الرواية ((الأيام البيض)) والصواب أن يقال: أيام البيض بالإضافة؛ لأن البيض من صفة الليالي.

стр. 1134

٢٠٧٢ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لكلَّ شيءِ زكاة وزكاة الجسد الصوم)) رواه ابن ماجه. [٢٠٧٢] ٢٠٧٣ - وعنه: أن النبي ﷺ كانَ يصوم يوم الاثنين والخميسِ. فقيلَ: يا رسول الله! إنَّكَ تصومُ يوم الاثنين والخميس. فقال: ((إنَّ يومَ الاثنين والخميس يغفرُ اللهُ فيهما لكلِّ مسلمِ إِلَاّ ذا هاجرينِ، يقولُ: دعهُما حتى يصطلحا)) رواه أحمد، وابن ماجه. [٢٠٧٣] ٢٠٧٤ - وعنه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((مَنْ صامَ يومًا ابتِغاءَ وَجْهِ اللهِ، بَعَّدَه الله من جهَّنم كبُعدِ غُرابٍ طائرٍ وهو فرخٌ حتى ماتَ هَرِمُا)). ٢٠٧٥ - وروى البيهقى في ((شعب الإِيمان)) عن سلَمةَ بنِ قيس ــ الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لكل شيء زكاة)) أي صدقة، وصدقة الجسد ما يخلصه من النار بجنة الصوم. الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إلا ذا هاجرين)) أي قاطعين، و ((ذا)) زائدة. وفي معناه قوله ﷺ : ((تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين، ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لايشرك بالله شيئًا إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا)) وفي حديث آخر ((اتركوا هذين حتى يفيئا))، ولابد هنا من تقدير من يخاطب بقوله: ((اتركوا، وأنظروا، ودعهما)) كأنه تعالي لما غفر للناس سواهما، قيل: اللهم اغفر لهما أيضًا، فأجاب دعهما، أو اتركوا، أو انظروا هذين حتى يصطلحا. الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((كبعد غراب طائر)) ((طائر)) صفة ((غراب)) و ((هو فرخ)) حال من الضمير في ((طائر)) و ((حتى مات)) غاية الطيران، و ((هرمًا)) حال من فاعل ((مات)) مقابل لقوله: ((وهو فرخ)). وقيل: يضرب الغراب مثلاً في طول العمر، شبه بعد الصائم عن جهنم ببعد مسافة غراب طائر من أول عمره إلي آخره. هذا بحسب العرف، وإلا لا مناسبة بين البعدين.

стр. 1135

(٧) باب [في الإفطار من التطوع] الفصل الأول ٢٠٧٦ - عن عائشة، قالت: دخل علي النبي ﷺ ذات يوم فقال: ((هل عندكم شيءٌ)) فقلنا: لا، قال: ((فإني إذًا صائِمٌ)). ثم أتانا يومًا آخر، فقلْنا: يا رسول الله! أُهْدِي لنا حَيْسٌ، فقال: ((أَرِينيه فلقدْ أصبحتُ صائمًا)) فأكَلَ. رواه مسلم. ٢٠٧٧ - وعن أنس، قال: دخلَ النبيُّ ﷺ علي أُمِّ سُلَيمٍ فأتَتْه بتَمَرٍ وسَمنٍ، فقال: ((أعيِدوا سمنَكم في سقائِه، وتمركم في وعائِه، فإني صائمٌ)). ثم قامَ إِلي ناحيةٍ من البيتِ فصلي غيرَ المكتوبةِ فدَعا لأمَّ سُلَيمِ وأهلِ بيتهِا. رواه البخاري. ٢٠٧٨ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((إذا دُعيَ أحدُكم إِلي طعام وهو صائمٌ فليقُلْ: إني صائمٌ)). وفي روايةٍ قال: ((إذا دُعيَ أحدُكم فليُجِبْ، فإنْ كان صائمًا فليُصلِّ، وإن كانَ مُفطرًا فليُطعَمْ)) رواه مسلم. ــ باب في الإفطار من التطوع الفصل الأول الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((حيس)) ((نه)): هو الطعام المتخذ من التمر، والإقط، والسمن، وقد يجعل عوض الإقط الدقيق، والفتيت. ((قض)): وفي الحديث دليل علي أن الشروع في النفل لا يمنع من الخروج عنه، كما قال: ((الصائم المتطوع أمير نفسه)) وإليه ذهب أكتر العلماء. وقال أصحاب أبي حنيفة: يجب إتمامه، ويلزمه القضاء إن أفطر. وقال مالك ﵁: يقضى حيث لا عذر له، واحتجوا بحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أمر بالقضاء والحديث مرسل لا يقاوم الصحيح علي أنه محمول علي أنه ﷺ أمر بالقضاء استحبابًا؛ إذ الأصل لما لم يجب فالبدل بعدم الوجوب أولي. ((مظ)): في الحديث دليل علي جواز نية صوم النافلة في أثناء النهار. قوله: ((أرينيه)) وفي نسخة ((أُدنيه)) وأخرى ((قربيه)) و ((أرينيه)) كناية عنهما؛ لأن ما يكون قريبًا يكون مرئيًا. الحديث الثانى والثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فليصل)) أي ليصل ركعتين في ناحية البيت، كما فعل رسول الله ﷺ في بيت أم سليم، وقيل: فليدع لصاحب البيت بالمغفرة. ((مظ)): الضابط عند الشافعى ﵁ أن الضيف ينظر، فإن كان المضيف يتأذى يترك الإفطار فالأفضل الإفطار وإلا فلا.

стр. 1136

الفصل الثاني ٢٠٧٩ - عن أمِّ هانىءٍ [﵂]، قالتْ: لما كانَ يوم الفتحِ فتحِ مكةَ، جاءَتْ فاطمةُ فجلستْ علي يسارِ رسولُ الله ﷺ ، وأم هإنيءٍ عن يميِنه، فجاءتِ الوَليدَةُ بإناءٍ فيه شرابٌ، فناوَلتْهُ، فشرِبَ منهُ، ثمَّ ناوله أُمَّ هإنيءٍ فشربتْ منه، فقالت: يا رسول الله! لقد أفطرْتُ وكنتُ صائمةً، فقالَ لها: ((أَكنتِ تقضِين شيئًا؟)) قالتْ: لا. قال: ((فلا يضُرُّكِ إنْ كانَ تطوُّعًا)) رواه أبو داود، والترمذي، والدارمي. وفي رواية لأحمد، والترمذيِّ نحوه، وفيه: فقالتْ: يا رسولَ الله! أما إني كنتُ صائمةً فقال: ((الصَّائمُ المتطوع أميرُ نفسِه؛ إنْ شاءَ صامَ، وإنْ شاءَ أفطَر)). [٢٠٧٩] ٢٠٨٠ - وعن الزُّهريِّ، عن عُرْوَةَ، عن عائشةَ، قالت: كنتُ أنا وحفصةُ صائمتَينِ، فعُرضَ لنا طعامٌ اشتهيناهُ، فأكلنْا منه. قال: ((اقضيا يومًا آخرَ مكانَه)) رواه الترمذيُّ. وذكرَ جماعةً من الحُفَّاظِ رَوَوْا عن الزُّهريّ عنْ عائشةَ مرسلاً، ولم يذكروا فيه عن عروةَ، وهذا أصحُّ. ورواه أبو داود. عن زُمَيْلٍ مولي عُروةَ، عن عروةَ، عن عائشة. ٢٠٨١ - وعن أم عُمارةَ بنتِ كعبٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ دخلَ عليها، فدَعتْ له ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن أم هانىء ﵂: قوله: ((أم هانىء عن يمينه)) ((نه)): يجوز أن يكون عطفًا علي التقدير، أي جاءت أم هانىء وجلست، ويجوز أن يكون حالاً أي جاءت فاطمة وجلست عن يساره والحال أن أم هانىء تمشى يمينه. وعلي التقديرين الكلام مجرى علي خلاف مقتضى الظاهر؛ لأن الظاهر أن يقول: جلست عن يمينه، أو أنا جالسة، فإما أن يحمل علي التجريد، كأنها تحكى عن نفسها بذلك، أو أن الراوى وضع كلامه مكان كلامها. قوله: ((الصائم المتطوع أمير نفسه)) يفهم أن الصائم غير المتطوع لا تخيير له؟ لأنه مأمور مجبور عليه. الحديث الثانى والثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((اقضيا يومًا آخر مكانه)) ((خط)): هذا القضاء علي سبيل التخيير والاستحباب؛ لأن قضاء الشيء يكون حكمه حكم الأصل، فكما أن في الأصل كان الرجل فيه مخيرًا، فكذلك في قضائه.

стр. 1137

بطعامٍ، فقال لها: ((كُلي)) فقالتْ: إني صائمةٌ. فقال النبيُّ ﷺ : ((إِنَّ الصَّائمَ إذا أُكِلَ عندَه، صلَّتْ عليه الملائكةُ حتى يفرْغوا)) رواه أحمد، والترمذي، وابنُ ماجه، والدارمي. الفصل الثالث ٢٠٨٢ - عن بُريدةَ، قال: دخلَ بلالٌ علي رسول الله ﷺ وهوَ يتغدَّى، فقال رسول الله ﷺ : ((الغداءَ يابلالُ!)) قال: إني صائمٌ يا رسول الله! فقال رسولُ الله ﷺ : ((نأكُلُ رِزقنا، وفَضْلُ رزقِ بلالٍ في الجنَّةِ؛ أشعرتَ يا بلالُ أنَّ الصَّائمَ تسبِّحُ عظامُه، وتستغفِرُ له الملائكةُ ما أُكِلَ عندَه؟)) رواه البيهقي في ((شعبِ الإيمان)). (٨) باب ليلة القدر الفصل الأول ٢٠٨٣ - عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((تحرَّوا ليلةَ القدْرِ في الوِتْرِ من العَشْرِ الأواخرِ منْ رمضانَ)) رواه البخاري. ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن بريدة: قوله: ((الغداء)) منصوب بفعل مضمر، أي احضر الغداء، أو هلم إليه، أو ائت. والغداء الطعام بعينه، والظاهر أن يقال: رزق بلال في الجنة، فقال: فضل رزقه، إشعارًا بأن رزقه الذي هو بدل هذا الرزق زيادة علي هذا، وهذا القول من رسول الله ﷺ أولا ليس للوجوب. باب ليلة القدر ((مح)): قال العلماء: سميت ليلة القدر؛ لما يكتب فيها الملائكة من الأقدار، والأرزاق والآجال التي تكون في تلك السنة؛ لقوله تعالي: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ وقوله تعالي: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ ومعناه يظهر للملائكة ما سيكون فيها، ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم، وكل ذلك مما سبق علم الله تعالي به، وتقديره له. وقيل: سميت بها لعظم قدرها وشرفها، وأجمع من يعتد به علي وجودها ودوامها إلي آخر الدهر؛ للأحاديث الصحيحة المشهورة.

стр. 1138

٢٠٨٤ - وعن ابنِ عمر، قال: إِنَّ رجالاً من أصحاب النبيِّ ﷺ أًروا ليلة القَدْرِ في المنامِ في السبع الأواخر، فقال رسولُ الله ﷺ : ((أرَى رؤياكم، قد تواطأت في السبع الأواخرِ، فمن كان مُتحرِّيها فلْيَتَحرَّها في السبع الأواخر)) متفق عليه. ــ قال القاض عياض: واختلفوا في محلها، فقال جماعة: هي منتقلة، تكون في سنة في ليلة، وفي سنة أخرى في ليلة أخرى. وهذا الجمع بين الأحاديث المختلفة أوقاتها وهو قول مالك، والثورى، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وغيرهم، قالوا: إنما تنتقل في العشر الأواخر من رمضان، وقيل: إنها معينة لا تنتقل أبدًا، وقيل: هي في السنة كلها، وهو قول ابن مسعود، وأبي خيفة، وقيل: هي في شهر رمضان كله، وهو قول ابن عمر وجماعة من أصحابه، وقيل: تختص بأوتار العشر. ((تو)): إنما جاء ((القدر)) بتسكين الدال، وإن كان الشائع في القدر - الذي هو قرينة القضاء - فتح الدال؛ ليعلم أنه لم يرد به ذلك، فإن القضاء سبق الزمان، وإنما أريد به تفصيل ما قد جرى به القضاء، وتبيينه وتجديده في المدة التي بعدها إلي مثلها من القابل ليحصل ما يلقى إليهم فيها مقدارًا بمقدار. الفصل الأول الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((تحروا)) ((نه)): أي تعمدوا طلبها فيها، والتحرى القصد والاجتهاد في الطلب، والعزم علي تخصيص الشيء بالفعل والقول. الحديث الثانى عن ابن عمر ﵄: قوله: ((أروا)) أصله أريوا من الرؤيا، أي خيل لهم في المنام. قوله: ((تواطت)) ((مح)): هكذا هو في النسخ بطاء ثم تاء، وهو مهموز، وكان ينبغي أن يكتب بألف بين الطاء والتاء، ولابد من قراءته مهموزًا، قال الله تعالي ﴿ليواطئوا عدة ما حرم الله﴾. ((تو)): المواطأة: الموافقة، وأصله أن يطأ الرجل برجله موطئ صاحبه، وقد رواه بعضهم بالهمزة، وهو الأصل. ((والسبع الأواخر)) يحتمل أن يراد بها السبع التي تلي آخر الشهر، وأن يراد بها السبع بعد العشرين وحمله علي هذا أمثل لتناوله إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين. وقوله ((فليتحرها في السبع الأواخر)) لاينافي قوله: ((فالتمسوها في العشر الأواخر))؛ لأنه ﷺ لم يحدث بميقاتها مجزومًا، فذهب كل واحد من الصحابة بما سمعه، أو رآه هو. وقال الشافعى: والذي عندى - والله أعلم - أن النبي ﷺ كان يجيب علي نحو ما يسأل عنه، يقال له تلتمسها في ليلة كذا، فيقول: التمسوها في ليلة كذا، فعلي هذا نوع اختيار كل فريق من أهل العلم، والذاهبون إلي سبع وعشرين، هم الأكثرون. ويحتمل أن فريقًا منهم علم بالتوقيف، ولم يؤذن له في الكشف عنه؛ لما كان في حكمة الله البالغة في تعميتها علي العموم؛ لئلا يتكلوا، وليزدادوا جدًا واجتهادًا في طلبها، ولهذا السر أرى رسول الله ﷺ ثم أنسى.

стр. 1139

٢٠٨٥ - وعن ابن عبَّاسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: ((التمسوها في العشرِ الأواخرِ منْ رمضان، ليلَةَ القدرِ: في تاسعةٍ تبقى، في سابعةٍ تبقى، في خامسةٍ تبقى)) رواه البخاري. ٢٠٨٦ - وعن أبي سعيد الخدري: أنَّ رسول الله ﷺ اعتكفَ العشرَ الأوَّلَ من رمضان، ثمَّ اعتكفَ العشرَ الأوسطَ في قبَّةٍ تُرْكيَّةٍ، ثمَّ أطلعَ رأسهُ نقال: ((إني أعتكفُ العشر الأوَّل ألتمس هذه الليلةَ، ثمَّ أعتكفُ العشر الأوسطَ، ثمَّ أتيت فقيل لي: ((إنها في العشرِ الأواخرِ، فمن كان اعتكفَ معى فليعتكفِ العشر الأواخر، فقد أريتُ هذه الليلةَ، ثم أُنْسيتُها، وقد رأيْتُني أسجدُ في ماء وطينٍ من صبيحتها، فالتمسُوها في العشر الأواخرِ والتمسُوها في كلّ وترٍ)). قال: فمَطَرتِ السماءُ تلْكَ الليلةَ، وكان المسجدُ علي عَريشٍ، فوَكفَ المسجدُ، فبصُرَتْ عينايَ رسولَ الله ﷺ وعلي جبهتهِ ــ الحديث الثالث عن ابن عباس ﵄: قوله: ((التمسوها)) الضمير المنصوب مبهم، يفسره قوله: ﴿ليلة القدر﴾ كقوله تعالي: ﴿فسواهن سبع سموات﴾ وليس في نسخ المصابيح هذا الضمير. وقوله: ((في تاسعة تبقى)) إلي آخره بدل من قوله: ((في العشر الأواخر)) و ((تبقى)) صفة لما قبله من العدد. الحديث الرابع عن أبي سعيد: قوله: ((قبة تركية)) ((مح)): أي قبة صغيرة من لبود. قوله: ((إنى أعتكف العشر الأول)) والظاهر أن يقال: اعتكف، وهو علي حكاية الحال الماضية تصويرًا لها، وأنه ﷺ ما قصر في تحريها والتماسها، وإنما أمر بالاعتكاف لمن كان معه في العشر الأول والأوسط، لئلا يضيع سعيهم في الاعتكاف، والتحرى، والأمر بالاعتكاف للدوام والثبات فيه. [((نه))]: في بعض النسخ لمسلم ((فليثبت)) من الثبوت، وفي بعضها ((فليلبث)) من اللبث، وفي أكثرها ((فليبت في معتكفه)) من المبيت وكله صحيح. قوله: [((نه))] ((العريش)) والعرش كل ما يستظل به، ((وكف المسجد)) أي قطر ماء المطر، من سقفه. قوله: ((فبصرت عينأي)) هو مثل قولك: أخذت بيدى، ونظرة بعينى. وإنما يقال في أمر يعز الوصول إليه إظهارًا للتعجب من حصول تلك الحالة الغريبة. ومن ثم أوقع ((رسول الله)) مفعولاً، ((وعلي جبهته)) حالاً منه، وكان من الظاهر أن يقال: رأيت علي جبهة رسول الله

стр. 1140

أثرُ الماءِ والطينِ من صبيحةِ إحدى وعشرين. متفق عليه في المعنى. واللَّفظُ لمسلم إلي قوله: ((فقيل لي: إنها في العشر الأواخر)) والباقي للبخاري. ٢٠٨٧ - وفي رواية عبد الله بن إنيس قال: ((ليلة ثلاث وعشرين)) رواه مسلم. ٢٠٨٨ - وعن زرِّ بنِ حُبَيْشٍ قال: سألتُ أُبيَّ بن كعبٍ فقلت: إنَّ أخاكَ ابن مسعود يقول: من يَقُم الحولَ يُصِبْ ليلة القدر. فقال: ﵀، أراد أن لا يتكل الناسُ أما إِنَّه قد عَلِمَ أنها في رمضانَ، وأنها في العشرِ الأواخر، وأنها ليلةُ سبعٍ ــ ﷺ أثر الماء والطين. فإن قلت: لم خولف بين الأوصاف، فوصف العشر الأول والأوسط بالمفرد، والآخر بالجمع؟ قلت: ((تصور في كل ليل من الليالي العشر الأخير كليلة القدر فجمعه، ولا كذلك في العشرين،. ((مح)): ((ثم اعتكف في العشر الأوسط)) كذا في جميع نسخ مسلم، والمشهور في الاستعمال تإنيث العشر، وتذكيره أيضًا لغة صحيحة باعتبار الأيام، أو باعتبار الوقت والزمان، ويكفي في صحتها ثبوت استعمالها في هذا الحديث من النبي ﷺ . ((حس)): وفيه دليل علي وجوب السجود علي الجبهة، ولولا ذلك لصانها عن الطين. وفيه أن ما رآه النبي ﷺ في المنام قد يكون تأويله أن يرى مثله في اليقظة. ((مح)): قال البخاري: كان الحميدى يحتج بهذا الحديث علي أن السنة للمصلي أن لايمسح جبهته في الصلاة، وكذا قال العلماء: هذا محمول علي أنه كان شيئًا يسيرًا لايمنع مباشرة بشرة الجبهة للأرض، فإنه لو كان كثيرًا لم تصح صلاته. قوله: ((في حديث عبد الله بن إنيس)) ولو قال: في روايته لكان أولي؛ لأنه ليس بحديث آخر، بل رواية أخرى فيه، والاختلاف في زيادة ليلة واختلاف العدد بأنة ثلاث وعشرون، أو إحدى وعشرون. الحديث الخامس عن زر بن حبيش: قوله: ((سألت أبي بن كعب فقلت)) أي أردت أن أسأله فقلت، كقوله تعالي: ﴿إذا قرأت القرآن فاستعذ﴾ قوله: ((ثم حلف لا يستثنى)) قيل: هو قول الرجل ((إن شاء الله)) يقال: حلف فلان يمينًا ليس فيها ثنا، ولاثنى ولا ثنية، ولا استثناء، كلها واحد، وأصلها من الثنى، وهو الكف والرد، وذلك أن الحالف إذا قال: والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غيره، فقد رد انعقاد ذلك اليمين. فإن قلت: فقد جزم أبي علي اختصاصها بليلة مخصوصة، وحمل كلام ابن مسعود علي العموم مع إرادة الخصوص، فهل هو إخبار عن الشيء علي خلاف ما هو به، فإن بين العموم

стр. 1141

وعشرين، ثمَّ حلفَ لايستثنى أنها ليلةُ سبعٍ وعشرينَ. فَقُلْتُ: بأيّ شيءٍ تقولُ ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامةِ - أو بالآيةِ - التي أخبرنا رسولُ الله ﷺ أنهاَ تطْلُعُ يومئذٍ لاشُعاع لها. رواه مسلم. ٢٠٨٩ - وعن عائشة، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يجتهدُ في العشرِ الأواخرِ مالا يجتهد في غيره. رواه مسلم. ٢٠٩٠ - وعنها، قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا دخلَ العشرُ شدَّ مئزَرَهُ، وأحيا ليله، وأيقظ أهله. متفق عليه. ــ والخصوص تنافيًا؟ قلت: لا، إذا ذهب إلي التعريض، كما قال إبرا هيم ﵇ في سارة ((أختى)) تعريضًا بأنها أخته في الدين. قوله: ((لا شعاع لها)) ((مح)): الشعاع هو ما ترى من ضوء الشمس عند ذرورها مثل الحبال والقضبان، مقبلة إليك إذا نظرت إليها. قيل: معنى ((لا شعاع لها)) أن الملائكة لكثرة اختلافها في ليلتها، ونزولها إلي الأرض وصعودها، تستر بأجنحتها، وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس. الحديث السادس والسابع عن عائشة ﵂: قوله: ((شد مئزره)) ((مح)): قيل: معنى شد المئزر الاجتهاد في العبادات زيادة علي عادته ﷺ في غيره، ومعناه التشمر في العبادة، يقال: شددت في هذا الأمر مئزرى، أي تشمرت له وتفرغت. وقيل: هو كناية عن اعتزال النساء، وترك النكاح، ودواعيه، وأسبابه. ((نه)): أو هو كناية عن التشمر للعبادة، والاعتزال عن النساء معًا. أقول: قد تقرر عند علماء البيان أن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة، كما إذا قلت: فلان طويل النجاد، وأردت طول نجاده مع طول قامته، لذلك ﷺ لا يستبعد أن يكون قد شد مئزره ظاهرًا، وتفرغ للعبادة، واشتغل بها عن غيرها، وإليه يرمز قول الشاعر: دببت للمجد والساعون قد بلغوا جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا قوله: ((أحى ليلته)) [((نه))]: أي استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها. وأما قول أصحابنا: يكره قيام الليل كله، فمعناه الدوام عليه، ولم يقولوا بكراهة ليلة، أو ليلتين، والعشر. واتفقوا علي استحباب إحياء ليلتى العيد وغير ذلك. وأقول: وفي إحياء الليل وجهان: أحدهما راجع إلي نفس العابد، فإن العابد إذا اشتغل بالعبادة عن النوم الذي هو بمنزلة الموت، فكأنما أحى نفسه، كما قال الله تعالي: ﴿الله يتوفي

стр. 1142

الفصل الثاني ٢٠٩١ - عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله! أرأيت إن علمتُ أي ليلة القدر، ما أقولُ فيها. قال: ((قولي: اللهمَّ إنك عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عنى)) رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذى وصححه. [٢٠٩١] ٢٠٩٢ - وعن أبي بكرةَ، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((التمسوها _ يعنى ليلة القدر - في تسع يَبْقَيْنَ، أو في سبع يَبْقَيْنَ، أو في خمس يَبْقَيْنَ، أو ثلاثٍ، أو آخر ليلة)) رواه الترمذى. [٢٠٩٢] ٢٠٩٣ - وعن ابن عمر، قال: سُئل رسولُ الله ﷺ عن ليلة القدر، فقال: ((هي في كل رمضانَ)) رواه أبو داود وقال: رواه سفيان وشعبةُ، عن أبي إسحاق موقوفًا علي ابن عمر. [٢٠٩٣] ــ الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾، وثإنيهما: أنه راجع إلي نفس الليل، فإن ليلة لما صار بمنزلة نهاره في القيام فيه، كأنه أحياه، وزينه بالطاعة والعبادة، ومنه قوله تعالي: ﴿فانظر إلي آثار رحمة الله كيف يحي الأرض بعد موتها﴾ فمن اجتهد فيه، وأحياه كله وفر نصيبه منها، ومن قام في بعضه أخذ نصيبه بقدر ما قام فيها، وإليه لمح سعيد بن المسيب بقوله: ((من شهد العشاء ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها)). الفصل الثاني الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((أي ليلة)) مبتدأ و ((ليلة القدر)) خبره، والجملة سدت مسد المفعولين لـ ((علمت)) تعليقًا: و ((ما أقول فيها)) جواب الشرط، وكان الواجب أن يأتى بالفاء للاستفهام، ولعله سقط من الناسخ. وفيه دليل علي أن طلب العفو رأس كل خير، وفتح باب كل فلاح ونجاة؛ لأنه يستعد به للزلفي إلي الجناب الأقدس. الحديث الثانى عن أبي بكرة: قوله: ((أواخر ليلة)) يحتمل التسع، أو السلخ، رجحنا الأول بقرينة الأوتار. الحديث الثالث عن ابن عمر ﵄: قوله: ((هي في كل رمضان)) يحتمل وجهين، أحدهما: أنها واقعة في كل رمضان من الأعوام، فيختص به، فلا يتعدَّى إلي سائر الشهور.

стр. 1143

٢٠٩٤ - وعن عبد الله بن إنيس، قال: قلت: يا رسول الله إنَّ لي باديةً أكونُ فيها، وأنا أُصلي فيها بحمدِ اللهِ، فمرنى بليلةٍ أنزلها إلي هذا المسجد. فقال: ((انزلْ ليلة ثلاثٍ وعشرين)). قيل لابنه: كيف كان أبوك يصنعُ؟ قال: كان يدخلُ المسجدَ إذا صلي العصرَ، فلا يخرجُ منهُ لحاجةٍ حتى يُصلي الصبحَ، فإذا صلي الصبحَ وجدَ دابَّته علي باب المسجدِ، فجلسَ عليها ولحقَ بباديته. رواه أبو داود. [٢٠٩٤] الفصل الثالث ٢٠٩٥ - عن عُبادةَ بنِ الصُّامِتِ، قال: خرج النبي ﷺ ليُخبرنا بليلةِ القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: ((خرجتُ لأخبرَكم بليلة القدر، فتلاحى فلانٌ وفلانٌ فرُفِعَتْ، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعةِ، والسابعةِ والخامسةِ)) رواه البخاري. ــ وتإنيهما: أنها واقعة في كل أيام رمضان، فلا يختص بالبعض الذي هو العشر الآخر؛ لأن البعض في مقابلة الكل، فلا ينافي وقوعها في سائر الشهور، اللهم إلا أن يختص بدليل خارجي. ويتفرع علي الوجه الثانى ما إذا علق الطلاق بدخول ليلة القدر في الليلة الثانية من شهر رمضان فما دونها، إلي السلخ، فلا يقع الطلاق إلا في السنة القابلة في ذلك الوقت الذي علق الطلاق فيه، بخلاف غرة الليلة الأولي، فإن الطلاق يقع في السلخ. الحديث الرابع عن عبد الله بن إنيس: قوله: ((أنزلها إلي هذا المسجد)) أي أنزل فيها قاصدًا إلي هذا المسجد، أو منتهيًا إليه. قوله: ((فلا يخرج منه لحاجة)) كذا في سنن أبي داود، وجامع الأصول. وفي شرح السنة والمصابيح ((فلم يخرج إلا في حاجة)) والتفكير في ((حاجة)) للتنويع، فعلي الأول معناه لا يخرج لحاجة منافية للاعتكاف، كما سيجىء في باب الاعتكاف في حديث عائشة ﵂. وعلي الثانى: فلا يخرج الا في حاجة يضطر إليها المعتكف. الفصل الثالث الحديث الأول عن عبادة: قوله: ((فتلاحى رجلان)) ((نه)): نهيت عن ملاحاة الرجال، أي مقاولتهم ومخاصمتهم، ولاحيته ملاحاةً إذا نازعته. قوله: ((فرفعت)) قيل: رفعت معرفة ليلة القدر لتلاحى الناس. أقول: لعل مقدر المضاف ذهب إلي أن رفع ليلة القدر مسبوق بوقوعها، وحصولها، فإذا حصلت لم يكن لرفعها معنى. ويمكن أن يقال: إن المراد برفعها أنها شرعت أن تقع، فلما

стр. 1144

٢٠٩٦ - وعن أنسٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كانَ ليلةُ القدر نزلَ جبريل [﵇] في كبَكَبَةٍ من الملائكةِ، يُصلون علي كل عبدٍ قائمٍ أو قاعدٍ يذكر الله ، فإذا كان يومُ عيدهم - يعني يوم فطرهم - باهي بهم ملائكته، فقال يا ملائكتي! ما جزاءُ أجيرٍ وفي عمله. قالوا: ربنَّا جزاؤه أن يُوفي أجرهُ. قال: ملائكتي! عبيدي وإمائي قضوا فريضتي عليهم، ثمَّ خرجوا يعجُّون إلي الدُّعاء، وعزَّتي وجلالي وكرمي وعلوِّي وارتفاع مكإني لأجيبنَّهم. فيقول: ارجعوا فقد غفرتُ لكم، وبدَّلتُ سيئاتِكم حسناتٍ. قال: فيرجعون مغفورًا لهم)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٢٠٩٦] (٩) باب الاعتكاف الفصل الأول ٢٠٩٧ - عن عائشة: أنَّ النبي ﷺ كان يعتكفُ العشر الأواخرَ من رمضانَ حتى ــ تلاحيا ارتفعت، فنزل الشروع منزلة الوقوع، ومن ثم عقبة بقوله: ((فالتمسوها في التاسعة)) أي التمسوا وقوعها لامعرفتها. الحديث الثانى عن أنس ﵁: قوله: ((في كبكبة)) ((نه)): هي - بالضم والفتح - الجماعة المتضامة من الناس وغيرهم. قوله: ((باهي بهم)) ((نه)): المباهاة المفاخرة، وقد باها به يباهي مباهاة. أقول: هذه المباهاة مثل المخاصمة في قوله ﷺ حكاية عن الله تعالي: ((فيم يختصم الملأ الأعلي؟ قال: في الكفارات)) إلي آخره، وهي غبطة الملائكة فيما يختص به الإنسان مما ليس لهم فيه حظ، وهي ها هنا الصوم، وقيام الليل، وإحياؤه والذكر فيه، وغيرها من الطاعات والعبادات، وإليه ينظر قوله ﷺ : ((يدع شهوته وطعامه من أجلي)) ومن ثم فسر يوم العيد بـ ((يوم الفطر)) وأضافه إليه، والعج رفع الصوت بالدعاء. قوله: ((وارتفاع مكانى)) كناية عن علو شأنه، وعظمة سلطانه، وإلا فالله تعالي منزه عن المكان، وما ينسب إليه من العلو والسفل. باب الاعتكاف ((مح)): الاعتكاف لغة: الحبس، والمكث، واللزوم، وفي الشرع: المكث في المسجد من شخص مخصوص بصفة مخصوصة. ومذهب الشافعى وأصحابه: أن الصوم ليس بشرط لصحة الاعتكاف، ويصح الاعتكاف ساعة واحدة، وهو يحصل بمكث يزيد علي طمإنينة الركوع. ولنا

стр. 1145

توفَّاه اللهُ، ثم اعتكف أزواجُهُ من بعدِه. متفق عليه. ٢٠٩٨ - وعن ابن عبَّاس، قال: كان رسولُ الله ﷺ أجود النَّاس بالخير، وكانَ أجوَدَ ما يكونُ في رمضانَ، وكان جبريل يلقاه كلَّ ليلةٍ في رمضانَ، يعرِضُ عليه النبيُّ ﷺ القرآنَ، فإذا لقيه جبريلُ كانَ أجودَ بالخيرِ من الرَّيحِ الُمرسلَةِ. متفق عليه. ــ وجه: أنه يصح اعتكافه المار في المسجد، والمشهور الأول، فينبغى لكل حابس في المسجد لانتظار الصلاة، أو لشغل آخر من آخرة أو دنيا: أن ينوى الاعتكاف، فإذا خرج ثم دخل يجدد النية، ولو تكلم بكلام دنيا، أو عمل صنعة لم يبطل الاعتكاف؛ لأن الاعتكاف ليس إلا لبثًا في المسجد مع النية. الفصل الأول الحديث الأول والثانى عن ابن عباس ﵄: قوله: ((أجود الناس بالخير)) ((تو)): كان رسول الله ﷺ يسمح بالموجود، لكونه مطبوعًا علي الجود مستغنيًا عن الفإنيات بالباقيات الصالحات، إذا بدا له عرض من أعراض الدنيا لم يعره مؤخر عينيه وإن عز وكثر ببذل المعروف قبل أن يسأل. وكان إذا أحسن عاد، وإن وجد جاد، وإن لم يجد وعد ولم يخلف الميعاد. وكان يظهر منه أكثر آثار ذلك في رمضان أكثر مما يظهر منه في غيره؛ لمعان، أحدها: أنه موسم الخيرات، وثإنيها: أن الله تعالي يتفضل علي عباده في ذلك الشهر ما لا يتفضل عليهم في غيره، وكان ﷺ يؤثر متابعة سنة الله تعالي في عباده، وثالثها: أنه كان يصادف البشرى من الله بملاقاة أمين الوحى، وبتتابع إمداد الكرامة عليه في سواد الليل وبياض النهار، فيجد في مقام البسط حلاوة الوجد، وبشاشة الوجدان، فينعم علي عباد الله بما يمكنه مما أنعم الله عليه، ويحسن إليهم كما أحسن الله إليه شكرًا لله علي ما آتاه. قوله: ((وكان أجود من الريح المرسلة)) قيل: يحتمل أنه أراد بها التي أرسلت بالبشرى بين يدى رحمة الله تعالي، وذلك لشمول روحها وعموم نفعها. قال الله تعالي: ﴿والمرسلات عرفَا﴾ وأحد الوجوه في الآية: أنه أراد بها الرياح المرسلات للإحسان والمعروف. ويكون انتصاب ((عرفَا)) بالمفعول له. فلهذه المعانى المذكورة في المرسلة، شبه نشر جوده بالخير في العباد بنشر الريح القطر في البلاد، وشتان ما بين الأثرين؛ فإن أحدهما يحيى القلب بعد موته، والآخر يحيى الأرض بعد موتها. وإنما لم يقتصر في تأويل الخير علي ما يبذله من مال، ويوصله من احتاج؛ لما عرفنا من تنوع أغراض المعترين إليه، واختلاف حاجات السائلين عنه،

стр. 1146

٢٠٩٩ - وعن أبي هريرةَ، قال: كانَ يُعرض علي النبي ﷺ القرآنُ كلَّ عام مرَّةً، فعُرِضَ عليه مرَّتينِ في العام الذي قُبضَ، وكانَ يعتكِفُ كلَّ عامٍ عشرًا، فاعتكفَ عشرينَ في العامِ الذي قُبضَ. رواه البخاري. ــ وكان ﷺ يجود علي كل واحد منهم بما يسد خلته، وينقع غلته، ويشفي علته، وذلك المراد من قوله: ((أجود بالخير من الريح المرسلة)). ((مظ)): ((ما)) في ((ما يكون)) مصدرية، وهو جمع؛ لأن أفعل التفضيل إنما يضاف إلي جمع. والتقدير: وكان أجود أكوانه في رمضان. وأقول: لا نزاع في أن ((ما)) مصدرية، والوقت مقدر، كما في مقدم الحاج، والتقدير: كان أجود أوقاته وقت كونه في رمضان، فإسناد الجود إلي أوقاته ﷺ كإسناد الصوم إلي النهار، والقيام إلي الليل في قولك: نهاره صائم وليله قائم. وفيه من المبالغة ما لا يخفي. وقوله: ((كان جبريل)) إلي آخره استئناف وتخصيص بعد تخصيص علي سبيل الترقى. فضل أولاً جوده مطلقًا علي جود الناس كلهم، ثم فضل ثإنيا جود كونه في رمضان علي جوده في سائر أوقاته، ثم فضل ثالثًا جوده في ليالي رمضان عند لقاء جبريل علي جوده في رمضان مطلقًا، ثم شبهه بالريح، ووصفها بالمرسلة، ولا ارتياب أن مرسلها هو الله تعالي، وهو من صفات جوده علي الخلق طرًا، ﴿وهو الذي أرسل الرياح بشرًا بين يدى رحمته﴾ وأكرم بجود مشبه بجود الله تعالي. فإن قلت: أي مناسبة لهذا الحديث بباب الاعتكاف؟ قلت: من حيث إتيان أفضل ملائكة إلي أفضل خليقة بأفضل كلام من أفضل متكلم في أفضل أوقات، فالمناسب أن يكون في أفضل بقاع. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((كان يعرض علي النبي ﷺ ) ((مظ)): يعنى يأتيه جبريل ﵇، ويقرأ النبي ﷺ القرآن عليه من أوله إلي آخره؛ لتجديد اللفظ، وتصحيح إخراج الحروف من مخارجها؛ وليكون سنة في حق الأمة لتجدد التلامذة علي الشيوخ قراءتهم. أقول: لا يساعد هذا التأويل تعدية ((يعرض)) بـ ((علي))؛ لأن المعروض عليه هو رسول الله ﷺ ، بل الذي يساعد عليه ما روى في شرح الله عن أبي عبد الرحمن السلمى: قرأ زيد بن ثابت علي رسول الله ﷺ في العام الذي توفاه الله فيه مرتين. اللهم إلا أن يحمل علي باب القلب، كنحو قولهم: عرضت الناقة علي الحوض، أي الحوض علي الناقة، ويؤيده ما وواه أيضًا: أن زيد بن تابت شهد العرضة الأخيرة التي عرضها رسول الله ﷺ علي جبريل ﵇. وروى أيضًا: أن قراءة زيد هي القراءة التي قرأها رسول الله ﷺ علي جبريل ﵇ مرتين في العام الذي قبض فيه. والله أعلم.

стр. 1147

٢١٠٠ - وعن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا اعتكف أدْنى إلي رأسَه وهوَ في المسجدِ، فأرجلُه، وكانَ لا يدخل البيت إلَاّ لحاجةِ الإنسانِ. متفق عليه. ٢١٠١ - وعن ابن عمرَ: أنَّ عمرَ سأل النبي ﷺ قال: كنُت نَذَرْتُ في الجاهلية أن أعتكفَ ليلةً في المسجد الحرام؟ قال: ((فأوف بنذرِكَ)) متفق عليه. الفصل الثاني ٢١٠٢ - عن أنس، قال: كان النبي ﷺ يعتكفُ في العشرِ الأواخر من رمضانَ، فلم يعتكف عامًا. فلمَّا كان العامُ المقبِلُ اعتكفَ عشرينَ رواه الترمذي. ــ الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله ((أدنى إلي رأسه)) ((خط)): فيه من الفقه أن المعتكف ممنوع من الخروج إلا لغائط أو بول، وفيه أن ترجيل الشعر أي استعمال المشط فيه مباح للمعتكف، وفي معناه حلق الرأس، وتقليم الأظفار، وتنظيف البدن من الدرن. وفيه: أن من حلف لا يدخل بيتًا فأدخل رأسه فيه وسائر بدنه خارج، لا يحنث. وفيه أن بدن الحائض طاهر غير نجس. أقول: أضافت الحاجة إلي الإنسان لتنبه علي أن الخروج لا يضر إلي مما يضطر إليه الإنسان من الأكل والشرب، ودفع الأخبثين. وأما إذا خرج إلي ما له بد منه بطل اعتكافه إن نوى أيامًا متتابعة، ويلزمه الاستئناف، وإن لم ينو التتابع لم يستأنف، وحمل له ثواب الوقت الذي اعتكف فيه. الحديث الخامس عن ابن عمر ﵄: قوله: ((كنت نذرت في الجاهلية)) [((مظ))]: فيه من الفقه: أن نذر الجاهلية إذا كان علي وفاق حكم الإسلام كان معمولاً به، ويجب عليه الوفاء به بعد الإسلام. وفيه دليل علي أن من حلف في كفره فأسلم ثم حنث يلزمه الكفارة، وهو مذهب الشافعى ﵁، وكذلك ظهاره صحيح موجب للكفارة. وفي الحديث دليل علي أن الصوم ليس بشرط لصحة الاعتكاف، وعلي أنه لو نذر أن يعتكف في المسجد الحرام، لا يخرج عن النذر بالاعتكاف في موضع آخر. الفصل الثاني الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((اعتكف عشرين)) ((خط)): في الحديث من الفقه: أن النوافل المؤقتة تقضى إذا فاتت، كما تقضى الفرائض. وفيه مستدل لمن جوز الاعتكاف يغير صوم، وهو قول الشافعى ﵁، وذلك؛ لأن صومه في شهر رمضان إنما كان للشهر؛ لأن الوقت مستحق له لا للاعتكاف.

стр. 1148

٢١٠٣ - ورواه أبو داود، وابنُ ماجه عنْ أبي بنِ كعب. [٢١٠٣] ٢١٠٤ - وعن عائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا أرادَ أنْ يعتكف صلي الفجر ثمَّ دخل في مُعتكفِه. رواه أبو داود، وابنُ ماجه. [٢١٠٤] ٢١٠٥ - وعنها، قالتْ: كانَ النبيُّ ﷺ يعودُ المريضَ وهوَ معتكفٌ، فيمُر كما هوَ فلا يُعرِّجُ يسألُ عنه. رواه أبو داود، وابن ماجه. ٢١٠٦ - وعنها، قالتْ: السُّنَّةُ علي المعتكفِ أن لا يعودَ مريضًا، ولا يشهَدَ جنازةً، ولا يمس المرأةَ، ولا يُباشرها، ولا يخرجَ لحاجةٍ، إلَاّ لما لابدَّ منه، ولا اعتكافَ إلَاّ بصومٍ، ولا اعتكافَ إلَاّ في مسجدٍ جامعٍ. رواه أبو داود. [٢١٠٦] ــ الحديث الثانى عن عائشة ﵂: قوله: ((صلي الفجر ثم دخل في معتكفه)) ((مح)): احتج به من يقول: يبدأ بالاعتكاف من أول النهار، وبه قال الأوزاعى، والثورى، والليث في أحد قوليه. وقال مالك، وأبي حنيفة، والشافعى، وأحمد: يدخل فيه قبل غروب الشمس إذا أراد اعتكاف شهر أو عشر. وتأولوا الحديث علي: أنه دخل المعتكف، وانقطع فيه، وتخلي بنفسه بعد صلاة الصبح، لا أنه وقت ابتداء الاعتكاف؛ بل كان من قبل المغرب معتكفًا لابثًا في المسجد، فلما صلي الصبح انفرد. ((تو)): المراد من المعتكف في هذا الحديث الموضع الذي كان يخلو فيه بنفسه من المسجد، فإنه ﷺ كان ينفرد لنفسه موضعًا يستتر فيه عن أعين الناس، وفي معناه ورد الحديث الصحيح ((اتخذ حجرة من حصير)). الحديث الثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((فيمر كما هو)) الكاف صفة مصدر محذوف، و ((ما)) موصولة، ولفظ ((هو)) مبتدأ والخبر محذوف، والجملة صلة، أي يمروا مرورًا مثل الهيئة التي هو عليها، فلا يميل إلي الجوانب، ولا يقف. فيكون قوله: ((ولا يعرج)) بيانًا للمجمل؛ لأن التعريج الإقامة، والميل علي الطريق إلي جانب، وقوله ((يسأل عنه)) بيان لقوله: ((يعود المريض)) علي سبيل الاستئناف. ((مظ)): وفيه: أن من خرج لقضاء حاجة، واتفق له عيادة المريض، والصلاة علي الميت، فلم ينحرف عن الطريق، ولم يقف فيه وقوفًا أكثر من قدر الصلاة علي الميت مثلا، لم يبطل اعتكافه وإلا بطل عند الأئمة الأربعة. وقال الحسن، والنخعى: يجوز الخروج للمعتكف لصلاة الجمعة وعيادة المريض وصلاة الجنازة. الحديث الرابع عن عائشة رضي الله عتها: قوله: ((السنة علي المعتكف)) السنة الدين

стр. 1149

ــ والشرع. ((خط)): إن أرادت عائشة ﵂ بذلك إضافة هذه الأمور إلي النبي ﷺ قولاً أو فعلاً، فهي نصوص لا يجوز خلافها، وإن أرادت به الفتيا علي ما عقلت من السنة، فقد خالفها بعض الصحابة في بعض هذه الأمور، والصحابة إذا اختلفوا في مسألة كان سبيلها النظر، علي أن أبا داود قد ذكر علي أتر هذا الحديث: أن غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه أنها قالت: ((السنة كذا)) فدل ذلك علي احتمال أن يكون ما قالته فتوى منها، وليس برواية عن النبي ﷺ . ويشبه أن تكون أرادت بقولها: ((لا يعود مريضًا)) أي لا يخرج من معتكفه قاصدًا عيادته، وأنه لا يضيق عليه أن يمر به فيسأله غير معرج، كما ذكرته عن النبي ﷺ في الحديث الذي قبل هذا. قوله: ((ولا يمس المرأة)) ((حس)): أي لا يجامعها، ولا خلاف في أنه لو جامع يبطل اعتكافه، أما لو قبل، أو باشر فيما دون الفرج فقد اختلفوا فيه، نذهب قوم إلي أنه لا يبطل وإن أنزل، كما لا يفسد به الحج، وهو أظهر قولي الشافعى، ذكر الإمام الرافعى ﵀ في الشرح الكبير: لو لمس أي المعتكف، أو قبل بشهوة أو باشر فيما دون الفرج متعمدًا، فهل يفسد اعتكافه؟ فيه طريقان: أظهرهما: أن المسألة علي القولين، أحدهما - ويروى عن الإملاء - أنها تفسده، والثانى - ويروى عن الأم أنها لا تفسد؟ لأنها مباشرة لا تبطل الحج، فلا يبطل الاعتكاف، كالقبلة بغير شهوة. والطريق الثانى: القطع بأنها لا تفسد، حكاه الشيخ أبو محمد أو المسعودى. ثم قال الإمام: لو احتصرت الخلاف في المسألة، قلت: فيها ثلاتة أقوال، أحدها: أنه لا يفسد الاعتكاف أنزل أم لم ينزل، والثانى: تفسده أنزل أم لم ينزل، وبه قال مالك، والثالث، وبه قال أبو حنيفة، والمزنى، وأصحاب أحمد: أن ما أنزل منها أفسد الاعتكاف، وما لا فلا. والمفهوم من كلام الأصحاب بعد الفحص: أن هذا القول أرجح، وإليه ميل أبي إسحاق المروزى، وإن استبعده صاحب المهذب ومن تابعه. أقول: أما الاستدلال بنص القرآن، فإن قوله تعالي: ﴿لا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ نهي، عطف علي الأمر من قوله: ﴿فالآن باشروهن﴾ ولا يستراب أن المراد منه الجماع لما سبق من قوله: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلي نسائكم﴾ ثم قوله: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ فقوله: ﴿لا تباشروهن﴾ رخصة فيها بعد ما كانت منهية، فيجب الحمل علي الجماع فقط ليتجاوب النظم، فينبغى أن يحمل أظهر قولي الشافعى علي هذا. قوله: ((لا اعتكاف إلا بصوم)) أي لا اعتكاف كاملاً، أو فاضلاً، وإلا فالاعتكاف يصح بدون الصوم كما مر. قوله: ((ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع)) ((حس)): فيه دليل أن الاعتكاف يختص

стр. 1150

الفصل الثالث ٢١٠٧ - عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ : أنَّه كان إذا اعتكفَ طُرح له فِراشُه، أو يوضعُ لو سريرهُ وراء أسطوانةِ التوبة. رواه ابن ماجه. [٢١٠٧] ٢١٠٨ - وعن ابن عباسٍ: أن رسول الله ﷺ قال في المعتكف: ((هوَ يعتكفُ الذنوب ويُجرى له منَ الحسنات كعاملِ الحسناتِ كُلِّها)) رواه ابنُ ماجه. [٢١٠٨] كتاب فضائل القرآن الفصل الأول ٢١٠٩ - عن عثمان [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((خيركم من ــ بالجامع، وذهب أكثر أهل العلم إلي جوار الاعتكاف في جميع المساجد، قال الله تعالي: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ ولم يفصل. وبه قال الشافعى، وأبو حنيفة، وأصحابه ﵃. وروى عن علي ﵁ أنه قال: ((لا يجوز إلا في المسجد الجامع))، قال مالك، والشافعي: إذا كان اعتكافه أكثر من ستة أيام يجب أن يعتكف في المسجد الجامع؛ لأنه إذا اعتكف في غيره يجب عليه الخروج لصلاة الجمعة، وفيه قطع لاعتكافه، فإن كان أقل من ذلك، أو كان المعتكف ممن لا جمعة عليه، اعتكف في أي مسجد شاء. الفصل الثالث الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((أسطوانة التوبة)) لعل إضافتها إليها: أن بعضًا من الصحابة تيب عليه عندها. الحديث الثانى عن ابن عباس ﵄: قوله: ((في المعتكف)) أي في حقه. و ((الذنوب)) نصب علي نزع الخافض، أي يحتبس عن الذنوب، والتعريف في الحسنات للعهد أي الحسنات التي يمتنع عنها بالاعتكاف، كعيادة المريض، وتشييع الجنازة، والصلاة عليها، وزيارة الإخوان، وغيرهما. كتاب فضائل القرآن الفضائل جمع فضيلة، وهي ما يزيد به الرجل علي غيره، وأكثر ما يستعمل في الخصائل المحمودة، كما أن الفضول أكثر استعماله في المذموم. الفصل الأول الحديث الأول عن عثمان ﵁: قوله: ((خيركم من تعلم القرآن)) ((مظ)): يعنى إذا

стр. 1151

تعلَّم القرآنَ وعلَّمه)) رواه البخاري. ٢١١٠ - وعن عُقبةَ بن عامرٍ، قال: خرج رسول الله ﷺ ونحنُ في الصُّفَّة، فقال: ((أيُّكم يُحبُّ أن يغدُوَ كلَّ يومٍ إلي بُطحانَ أو العقيق فيأتي بناقتين كوماوينِ في غير إثمٍ ولا قطعِ رحمٍ؟)) فقلنا: يا رسول الله! كلُّنا يُحب ذلك. فقال: ((أفلا يغدو أحدُكم إلي المسجدِ فيُعلِّم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خسرٌ له من ناقةِ أو ناقتينِ، وثلاثٌ خسرٌ له من ثلاثٍ، وأربعٌ خيرٌ له من أربعٍ، ومن أعدادهنَّ من الإبل)) رواه مسلم. ٢١١١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيُحب أحدُكم إذا رجع إلي أهله أنْ يجدَ فيه ثلاث خلفاتٍ عظامٍ سمانِ؟)) قُلنا: نعم. قال: ((فثلاث آيات يقرأُ بهنَّ أحدُكم في صلاتِه خيرٌ له من ثلاثِ خلفاتٍ عظامٍ سمانٍ)) رواه مسلم. ــ كان خير الكلام كلام الله، فكذلك خير الناس بعد النبيين من يتعلم القرآن، ويعلمه. وأقول: لابد من تقييد التعلم والتعليم بالإخلاص، ومن أخلصهما وتخلق بهما، دخل في زمرة النبيين، والصديقين، وكان مفضلاً علي غيره ممن لم يتخلق به. الحديث الثانى عن عقبة: قوله: ((بطحان)) - بضم الباء وسكون الطاء - اسم واد بالمدينة، سمى بذلك لسعته وانبساطه، من البطح، وهو البسط. و ((العقيق)) يريد به العتيق الأصغر، وهو واد علي ثلاثة أميال، وقيل: علي ميلين من المدينة، عليه أموال أهلها. وإنما خصَّهما بالذكر؛ لأنهما أقرب المواضع التي يقام فيها أسواق الإبل إلي المدينة. و ((الكوماء)) الناقة العظيمة السنام المشرفة. وإنما ضرب المثل بها؛ لأنها من خيار مال العرب. قوله: ((في غير إثم)) أي في غير ما يوجب إثمًا، كسرقة، وغصب. سمى موجب الإثم إثمًا مجازًا. قوله: ((فيعلم)) صحح في جامع الأصول - بفتح الياء وسكون العين - أي فيعلم آيتين أو يقرأ، فـ ((أو)) لشك الراوى. قوله: ((خير له)) خير له مبتدأ خبر محذوف، أي هما خير له. قوله: ((ومن أعدادهن من الإبل)) ((قض)): متعلق بمحذوف تقديره: وأكثر من أربع آيات خير من أعدادهن من الإبل، فخمس آيات خير من خمس من الإبل، وكذلك الست والسبع إلي ما فوق من الأعداد. ((شف)): ويحتمل أن يكون المعنى الآيتان خير من ناقتين، ومن أعداد النوق من الإبل، أي الآيات تفضل علي مثل عددها من النوق، ومثل عددها من الإبل. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ثلاث خلفات)) ((مح)): الخلفات - بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام - الحوامل من الإبل إلي أن يمضى عليها نصف أمدها، ثم هي عشار. والواحدة خلفة. أقول: ((الفاء)) في ((فثلاث آيات)) جزاء شرط محذوف، فالمعنى: إذا

стр. 1152

٢١١٢ - وعن عائشةَ، قالتْ: قال رسولُ الله ﷺ : ((الماهرُ بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأُ القرآن ويتَتَعْمَعُ فيه، وهوَ عليه شاقٌ، له أجراْن)) متفق عليه. ٢١١٣ - وعن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله ﷺ : لاحَسَدَ إلَاّ علي اثنين: رجُلٍ آتاهُ الله القرآن، فهو يقومُ به آناء الليل وآناءَ النَّهار؛ ورجلٍ آتاهُ الله مالاً، فهو ينفقُ منه آناء الليل وآناءَ النهار)) متفق عليه. ٢١١٤ - وعن أبي موسى الأشعريِّ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل المؤمنِ الذي يقرأ القرآن مثل الأترجَّةِ، ريحُها طيبٌ، وطعمُها طيبٌ؛ ومثلُ المؤمنِ الذي لا ــ تقرر ما زعمتم أنكم تحبون ما ذكرت لكم، فقد صح أن تفضلوا عليها ما أذكره لكم من قراءة ثلاث آيات؛ لأن هذا من الباقيات الصالحات، وتلك من الزائلات الفإنيات. فإن قلت: كان من حق الظاهر أن يعرف ((خلفات)) وصفتيها؛ ليعود إلي تلك المذكورات؟ قلت: لا يستبعد أن يخالف بين التنكيرين، فإن التنكير في الأولي للشيوع وبيان الأجناس، وفي الثانى للتفخيم والتعظيم. ولو ذهب إلي التعريف لم يحسن حسنه. الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((الماهر بالقرآن)) ((مح)): الماهر الحاذق الكامل الحفظ الذي لا يتوقف في القراءة ولا تشق عليه لجودة حفظه، وإتقانه. و ((السفرة)) جمع سافر، ككاتب وكتبة، وهم الرسل؛ لأنهم يسفرون إلي الناس برسالات الله. وقيل: السفرة الكتبة. و ((البررة)) المطيعون من البر، وهو الطاعة. قال القاضى عياض: يحتمل أن يكون مع الملائكة أن له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقًا للملائكة السفرة؛ لاتصافه بصفتهم من حمل كتاب الله. ويحتمل أن يراد أنه عامل بعملهم، وسالك مسلكهم من كون أنهم يحفظونه، ويؤدونه إلي المؤمنين، ويكشفون لهم ما يلتبس عليهم. وأما الذي يتتعتع فيه، أي يتردد في قراءته، ويتلبد فيها لسانه لضعف حفظه فله أجران: أجر بالقراءة، وأجر بالتعب. قال: وليس معناه أن من يتتعتع به أجره أكثر من أجر الماهر. فكيف بذاك، وهو مع السفرة الكرام البررة، أم كيف يلتحق به من لم يعتن بكتاب الله تعالي وحفظه، وإتقانه، وكثرة تلاوته، ودراسته، كاعتنائه حتى مهر فيه. الحديث الخامس عن ابن عمر ﵄: قوله: ((لا حسد إلا علي اثنين)) قد مضى شرحه مستقصى في الفصل الأول من باب العلم في حديث ابن مسعود. ((مح)): ((آناء الليل)) ساعاتها، واحدها آنا، وأنا، وآنى، وآنو، أربع لغات. الحديث السادس عن أبي موسى: قوله: ((مثل الأترجة)) ((مظ)): فالمؤمن الذي يقرأ القرآن

стр. 1153

يقرأُ القرآن مثلُ التمرة، لا ريحَ لها وطعمها حلوٌ؛ ومثلُ المنافق الذي لا يقرأُ القرآنَ كمثلِ الحنظلة، ليس لها ريحٌ وطعمُها مُرٌ ومثلُ المنافقِ الذي يقرأ القرآن مثل الرَّيْحانةِ، ريحُها طيبٌ وطعمُها مُرٌّ)) متفق عليه. وفي رواية: ((المؤمنُ الذي يقرأ القرآنَ ويعملُ به كالأترُجَّةِ، والمؤمنُ الذي لا يقرأ القرآنَ ويعمَلُ به كالتَّمرةِ)). ــ هكذا من حيث الإيمان في قلبه ثابت طيب الباطن، ومن حيث إنه يقرأ القرآن، ويستريحُ الناس بصوته، ويثابون بالاستماع إليه، ويتعلمون منه مثل الأترجة يستريح الناس برائحتها. ((تو)): الأترجة أفضل ما يوجد من الثمار في سائر البلدان، وأجدى لأسباب كثيرة جامعة للصفات المطلوبة منها، والخواص الموجودة فيها، فمن ذلك: كبر جرمها، وحسن منظرها، وطيب مطعمها، ولين ملمسها، تأخذ الأبصار صبغة ولونًا، فاقع لونها تسر الناظرين، تشوق إليها النفس قبل التناول، يفيد أكلها بعد الالتذاذ بذوائقها، طيب نكهة، ودباغ معدة، وقوة هضم، اشتركت الحواس الأربع دون الاحتظاء بها: البصر، والذوق، والشم، واللمس. ثم إنها في أجزائها تنقسم علي طبائع، فقشرها حار يابس، ولحمها حار رطب، وحماضها بارد يابس، وبذرها حار مجفف. وفيها من المنافع ما هو مذكور في الكتب الطبية، وأية ثمرة تبلغ هذا المبلغ في كمال الخلقة، وشمول المنفعة؟ ثم إنه ﷺ ضرب المثل بما ينبته الأرض، ويخرجه الشجر، للمشابهة التي بينها وبين الأعمال، فإنها من ثمرات النفوس، فخص ما يخرجه الشجر من الأترجة والتمر بالمؤمن، وما تنبته الأرض من الحنظلة والريحانة بالمنافق، تنبيهًا علي علو شأن المؤمن، وارتفاع عمله، ودوام ذلك، وتوقيفًا علي ضعة شأن المنافق، وإحباط عمله، وقلة جدواه. وأقول - والله الموفق للصواب -: اعلم أن هذا التشبيه والتمثيل في الحقيقة وصف لموصوف اشتمل علي معنى معقول صرف لا يبرزه عن مكنونه إلا تصويره بالمحسوس المشاهد. ثم إن كلام الله المجيد له تأثيره، في باطن العبد وظاهره، وإن العباد متفاوتون في ذلك، فمنهم من له النصيب الأوفر من ذلك التأثير، وهو المؤمن القارىء. ومنهم من لا نصيب له البتة، وهو المنافق الحقيقى. ومن تأثر ظاهره دون باطنه، وهو المرائى. أو بالعكس، وهو المؤمن الذي لم يقرأه. وإبراز هذه المعانى وتصويرها في المحسوسات ما هو مذكور في الحديث. ولم يجد ما يوافقها ويلائمها، أقرب ولا أحسن، ولا أجمع من ذلك؛ لأن المشبهات والمشبه بها واردة علي التقسيم الحاصر؛ لأن الناس إما مؤمن، أو غير مؤمن. والثانى: إما منافق صرف، أو ملحق به. والأول إما مواظب علي القراءة، أو غير مواظب

стр. 1154

٢١١٥ - وعن عمر بن الخطاب، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((إنَّ الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضعُ به آخرين)) رواه مسلم. ٢١١٦ - وعن أبي سعيد الخُدري، أنَّ أسيْدَ بن حُضّيرٍ، قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسُه مربوطة عنده، إذ جالت الفرَس، فسكت فسكنت: فقرأ فجالتْ، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالتِ الفرسُ، فانصرفَ، وكان ابنُه يحيى قريبًا ــ عليها. فعلي هذا قس الأثمار المشبه بها. ووجه التشبيه في المذكورات مركب منتزع من أمرين محسوسين: طعم وريح، وليس بمفرق، كما في قول امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا لدى وكرها العناب والحشف البالي ثم إن إثبات القراءة في قوله ﷺ : ((يقرأ القرآن)) علي صيغة المضارع، ونفيه في قوله: ((لا يقرأ)) ليس المراد منها حصولها مرة ونفيها بالكلية، بل المراد منها الاستمرار والدوام عليها، فإن القراءة دأبه وعادته، أو ليس ذلك من هجيراه، كقولك: فلان يقرى الضيف ويحمى الحريم. والله أعلم. الحديث السابع عن عمر ﵁: قوله: ((إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا)) أي من قرأه، وعمل بمقتضاه مخلصًا، لقوله تعالي: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ ومن قرأه مرائيًا يضعه أسفل السافلين، لقوله تعالي: ﴿والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور﴾. الحديث الثامن عن أبي سعيد: قوله: ((جالت الفرس)) ((نه)): جال يجول جولة إذا دار. قوله: ((اقرأ يا ابن حضير)) ((مح)): ((اقرأ)) معناه كان ينبغى أن تستمر علي القراءة، وتغتنم ما حصل لك من نزول السكينة والملائكة، وتستكثر من القراءة التي هي سبب بقائها. أقول: يريد أن ((اقرأ)) لفظة أمر طلب للقراءة في الحال، ومعناه تخصيص وطلب للاستزادة في الزمان الماضي، هذا كما إذا حكى صاحبك عندك ما جرى في الزمان الماضى مما يجب أن يفعله، أي هلا زدت، كأنه ﷺ استحضر تلك الحالة العجيبة الشأن، فيأمره تحريضًا عليه. وكأن هذا من توارد الخواطر ووقوع الحافر علي الحافر، والدليل علي أن المراد من الأمر الاستزادة وطلب دوام القراءة، والنهي عن قطعها، قوله في الجواب: ((أشفقت يا رسول الله)) أي خفت إن دمت عليها أن يطأ الفرس ولدى يحيى.

стр. 1155

منها، فأشْفقَ أن تُصيبَه، ولما أخرَّه رفعَ رأسه إلي السماء، فإذا مثلُ الظُّلة، فيها أمثالُ المصابيحِ، فلمَّا أصبحَ حدَّث النبيَّ ﷺ ، فقال: ((اقرأ يابن حُضيرٍ! اقرأ يابن حُضَيرٍ!)) قال: فأشفقتُ يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكانَ منها قريبًا، فانصرفت إليهِ، ورفعت رأسي إلي السَّماء، فإذا مثل الظُّلةِ، فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أَراها. قال: ((وتدري ما ذاكَ؟)) قال: لا. قال: ((تلكَ الملائكةُ دَنَتْ لصوتِكَ، ولو قرأت لأصبحت ينظرُ الناس إليها لا تتوارى منهم)) متفق عليه، واللفظ للبخاريِّ، وفي مسلم: عرَجَتْ في الجوِّ، بدل: فخرجتُ علي صيغة المتكلم. ٢١١٧ - وعن البراء، قال: كان رجلٌ يقرأُ سورة الكهف، وإلي جانِبِه حصانٌ مربوطٌ بشطنين، فتغشَّتهُ سحَابةٌ، فجَعَلتْ تدنو وتدنو، وجعلَ فرسُهُ ينفِر، فلما أصبحَ أتى النبيَّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال: ((تلكَ السكينةُ تنزلت بالقرآنِ)) متفق عليه. ٢١١٨ - وعن أبي سعيد بن المعَلي، قال: كنتُ أُصلي في المسجد فدعإني النبيُّ ﷺ فلم أُجبهُ [حتى صليتُ] ثم أتيته فقلتُ: يا رسول الله! إنى كنتُ أُصلي. قال: ((ألم يقل اللهُ: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم﴾ ثم قال: ((ألا أعلمُكَ أعظمَ سورةٍ في القرآن قبل أن تخرُجَ من المسجد؟)) فأخذ بيدي، فلما أردْنا أن نخرُجَ قلتُ: يا رسول الله! قلتَ لأعَلِّمنَّكَ أعظمَ سورةٍ من القرآن قال: ﴿الحمد لله ربِّ ــ الحديث التاسع عن البراء: قوله: ((حصان مربوط بشطنين)) ((تو)): الحصان - بكسر الحاء - الكريم من فحولة الخيل، يقال فرس حصان بين التحصين والتحصن، وسمى به؛ لأنه ضن بمائه فلم ينز إلا علي كريمة، ثم كثر ذلك حتى سموا كل ذكر من الخيل حصانًا. والشطن - بفتح الطاء - الحبل. وقيل: هو الحبل الطويل، وإنما ذكر الربط بشطنين، تنبيهًا علي جموحه واستصعابه. قوله: ((تلك السكينة)) في الغريبين: هي السكون والطمإنينة. قال بعضهم: هي الرحمة، وقيل: الوقار، وما يسكن به الإنسان. وقوله: ((بالقرآن)) أي بسببه، ولأجله. ((تو)): وإظهار أمثال هذه الآيات علي العباد من باب التأييد الإلهي يؤيد بها المؤمن، فيزداد يقينًا ويطمئن قلبه إذا كوشف بها. الحديث العاشر عن أبي سعيد بن المعلي: قوله: ((أعظم سورة)) ((تو)): السورة كل منزلة من

стр. 1156

العالمين﴾ هي السبعُ المثانى، والقرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُه)) رواه البخاري. ــ البناء، ومنها سورة القرآن؛ لأنها منزلة بعد المنزلة مقطوعة عن الأخرى، أو لأنها من سور المدينة تشبيهًا بها؛ لكونها محيطة بها إحاطة السور بالمدينة، وإنما قال: ((أعظم سورة)) اعتبارًا بعظم قدرها، وتفردها بالخاصية التي لم يشاركها فيها غيرها من السور، ولاشتمالها علي فوائد ومعان كثيرة مع وجارة ألفاظها. ولذلك سميت أم القرآن لاشتمالها علي المعانى التي في القرآن من الثناء علي الله بما هو أهله، من التعبد بالأمر، والنهي، والوعد، والوعيد. وقد اختلفوا في تفسير ((المثانى))، فمن قائل: إنه من التثنية، ومن قائل: إنه من المثنا جمع مثناة، أو مثنية صفة للآية، فعلي الأول معناها أنها تثنى علي مرور الأوقات أي تكرر، فلا تنقطع، وتدرس فلا تندرس، وقيل: لما يثنى ويتجدد من فوائد حالاً فحالاً، ولا يبعد أن يحمل علي هذا قوله ﷺ : ((وما من آية إلا ولها ظهر وبطن)) وعلي الثانى أنها لاشتمالها علي ما هو ثناء علي الله تعالي، فكأنها تثنى علي الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلي، أو لأنها أبدًا تدعو بوصفها المعجز إلي غرابة المنظم، وغرارة المعنى إلي الثناء عليها، ثم علي من يتعلمها، ويعمل بها. فإن قيل: في الحديث ((السبع المثانى)) وفي الكتاب ((سبعًا من المثانى)). قلنا: لا اختلاف في الصيغتين إذا جعلنا ((من)) للبيان. فإن قيل: كيف صح عطف ((القرآن)) علي ((السبع المثانى))، وعطف الشيء علي نفسه مما لا يجوز؟ قلنا: ليس بذلك، وإنما هو من باب ذكر الشىء بوصفين: أحدهما معطوف علي الآخر، والتقدير: آتيناك ما يقال له: السبع المثانى والقرآن العظيم، أي الجامع لهذين النعتين، والسبع بيان لعدد آياتها. وأقول: لا يبعد أن يكون التعريف في السبع للعهد، والمشار إليه ما في القرآن، كقوله تعالي: ﴿أرسلنا إلي فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول﴾ وتنكير ((سبعًا)) في التنزيل للتعظيم والتفخيم، ويشهد له ما يتبعه من قوله: ﴿لا تمدن عينيك إلي ما منَّعْنا به أزواجًا منهم﴾ أي ولقد آتيناك هذا العظيم الشأن الذي لا يوازيه شىء، فلا تطمح عينك إلي هذا الدنىء الحقير. وأما عطف ((القرآن)) علي ((السبع المثانى)) المراد منه الفاتحة، فمن باب عطف العام علي الخاص، تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات، وإليه أومأ ﷺ بقوله: ((ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن)) حيت نكر السورة، وأفردها؛ ليدل علي أنك إذا تقصيت سورة سورة في القرآن، وجدتها أعظم منها. ونظيره في النسق ((لكن)) من عطف الخاص علي العام قوله تعالي: ﴿من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾. قوله: ((قال: الحمد لله)) ((قض)): هو خبر مبتدأ محذوف، أي هي السورة التي مستهلها

стр. 1157

٢١١٩ - وعن أبي هريرة، قال: رسول الله ﷺ : ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر. إنَّ الشيطان ينفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة)) رواه مسلم. ٢١٢٠ - وعن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، ــ ((الحمد لله)). ((تو)): الحمد أعلي مقامات العبودية. وإلي هذا المعني أشار بقوله ﷺ : ((بيدي لواء الحمد يوم القيامة)) وإنما يؤتى لواء محمد، لأنه أحمد الحامدين، ولا منزلة فوق ذلك. ومنه اشتق اسمه، وبه فتح كتابه، وبه ختم حاله، ووصف به مقامه، وهو المقام الذي لا يقومه أحد غيره. ((حس)): وفي الحديث دليل علي أن إجابة الرسول ﷺ في الصلاة* لا تبطلها، كما أنك تخاطبه بقولك: ((السلام عليك أيها النبي))، ومثله يبطل الصلاة مع غيره. الحديث الحادى عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر)) ((قض)): أي كالمقابر خالية عن الذكر، والطاعة. واجعلوا لها نصيباً من القراءة والصلاة. فإن الشيطان ينفر من البيت الذي يقرأ فيه البقرة، أي يئس من إغواء أهله وتسويلهم، لما يرى من جدهم في الدين، ورسخوهم في الإسلام. قال ﷺ : ((من قرأ البقرة وآل عمران جد فينا)) وذلك لما في حفظهما والمواظبة علي تلاوتهما من الكلفة والمشقة، واشتمالهما علي الحكم، وبيان الشرائع، والقصص، والمواعظ، والوقائع الغربية، والمعجزات العجيبة، وذكر خالصة أوليائه والمصطفين من عباده، وتفضيح الشيطان ولعنه، وكشف ما توسل به إلي تسويل آدم وذريته. أقول: قوله: ((إن الشيطان ينفر)) استئناف كالتعليل للنهي، كقوله تعالي: ﴿ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون﴾ فلابد من بيان وجه المناسبة بين التعليل والمعلل. وذلك أن معنى التشبيه، لا تكونوا كالموتى في القبور، عارين عن القراءة والذكر، غير منفرين للشيطان. ونحوه في النهي قوله تعالي: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ نهاهم عن أن تموتوا علي غير الإسلام، والمراد الأمر علي ثباتهم في الإسلام، حيث إذا أدركهم الموت كانوا مسلمين، فكذا ها هنا المراد أمرهم علي قراءة القرآن، والعمل به، والتحري في استنباط معإنيه، والكشف عن حقائقه بحيث يصير ذا جد وحظ وافر من ذلك مراغمة للشيطان. وقوله: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر)) كناية تلويحية عن هذه المعإني. ((حس)): في الحديث دليل علي أنه يجوز أن يقال: سورة البقرة، وكرهه بعضهم. وقال: ينبغي أن يقال: السورة التي تذكر فيها البقرة، وأمثالها.

стр. 1158

فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة)) رواه مسلم. ــ الحديث الثانى عشر عن أبي أمامة: قوله: ((اقرءوا الزهراوين)) الزهراء تإنيث الأزهر، وهو المضئ، ويقال للنيرين: الأزهران، مثل حراسة السورة إياه، وخلاصة بركتهما عن حر الموقف، وكرب يوم القيامة بإظلال أحد هذه الأشياء الثلاثة. والغمامة السحابة. والغيابة كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه مثل السحابة وغيرها، ويقال: غيأي القوم فوق رأس فلان بالسيف، كأنهم أظلوه، كذا في الغريبين. والفرقان القطعتان، والفرق، والفريق، والفرقة القطعة. والصواف الباسطات أجنحتها متصلاً بعضها ببعض جمع صافة. ((حس)): (أو)) في الحديث للتنويع لا لشك الراوي، لاتساق الروايات كلها علي هذا الوجه. قالوا: الأول لمن يقرأهما، ولا يفهم معناهما. والثانى لمن وفق للجمع بين تلاوة اللفظ ورواية المعني. والثالث لمن ضم إليهما تعليم المستعدين، وبيان حقائقها لهم، لا جرم تتمثل له يوم القيامة مساعيه طيوراً صواف، يحرسونه ويحاجون عنه- انتهي كلامه. وإذا تحقق التفاوت في المشبهات يلزم التفاوت في المشبه بها، فالتظليل بالغمامة دون التظليل بالغيابة. فإن الأول عام في كل أحد، والثاني مختص بمثل الملوك، والثالث مختص بمن دعا بقوله: ﴿رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾. ثم في هذا التشبيه من الغرابة أن شبههما أولاً بالنيرين في الإشراق وسطوع النور، وثإنياً بالغمامة والغياية، وبما ينبئ عما يخالف النور من الظل السواد كما في الحديث الذي يلي هذا الحديث ((أو ظلتان سوداوان)) فآذن بهما أن تينك المظلتين علي غير ما عليه المظلة المتعارفة في الدنيا، فإنها وإن كانت لدفع كرب الحر عن صاحبها ولتكرمته، ولكن لم تخل عن نوع كدورة وشائبة نصب وتلك- رزقنا الله منها- مبرأة عن ذلك، لكونهما كالنيرين في النور والإشراق، مسلوبتي الحرارة والكرب. وآذن بالتشبيه الثالث: أنهما مع كونهما مشرقتين مشبهتين بمظلة نبي الله، ثم بولغ فيه فزيد ((تحاجان)) لينبه به علي أن ذينك الفرقين من الطير علي غير ما عليه طير نبي الله، من كونهما حاميتين صاحبهما عما بسوؤه، شبههما أولاً بالنيرين لينبه علي أن مكانهما مما عداهما مكان القمرين بين سائر النجوم فيما ينشعب منهما لذوي الأبصار. ثم أوقع قوله: ((البقرة وآل عمران)) بدلاً منهما مبالغة في الكشف والبيان، كما تقول: هل أدلك علي الأكرم الأفضل فلان، وهو أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك: هل أدلك علي فلان الأكرم

стр. 1159

٢١٢١ - وعن النواس بن سمعان، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به. تقدمه سورة البقرة وآل عمران، كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما)) رواه مسلم. ــ الأفضل، لأنك ثنيت ذكره مجملاً أولاً ومفصلاً ثإنياً، وأوقعت البقرة وآلا عمران تفسيراً وإيضاحاً لـ ((الزهراوين))، فجعلتهما علمين في الإشراق والإضاءة، ثم إن هذا البيان أخرج ((الزهراوين)) من الاستعارة إلي التشبيه، كقوله تعالي: ﴿حتى يبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ وهو مع كونه تشبيهاً أبلغ من الاستعارة، لا دعاء أنه مفسر مبين للمبهم. قوله: ((اقرءوا سورة البقرة)) تخصيص بعد تخصيص، عم أولاً بقوله: ((اقرءوا القرآن)) وعلق به الشفاعة، وخص منه ثإنياً الزهراوان، ونيط بهما معني التخليص من كرب حر القيامة، والمحاجة عن أصحابهما. وأفراد ثالثاً ((البقرة)) وضم إليها المعإني الثلاث دلالة علي أن لكل منها خاصية لا يقف عليها إلا صاحب الشرع. قوله: ((البطلة)) ((قض)): أي السحرة، عبر عن السحرة بالبطلة، لأن ما يأتونه باطل، سماهم باسم فعلهم. وإنما لم يقدروا علي حفظها ولم يستطيعوا قراءتهما، لزيغهم عن الحق وإتباعهم للوساوس، وانهماكهم في الباطل. وأقول: يحتمل أن يراد بـ ((البطلة)) المؤاخذون من سحرة البيان، حيث تحدي فيها بقوله: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ فأفحموا وعجزوا. وهو من قوله: ﷺ : ((إن من البيان سحراً)). وقيل: أرد بـ ((البطلة)) أصحاب البطلة، أي لا يستطيع قراءة ألفاظها، وتدبر معإنيها، والعمل بأوامرها ونواهيها، أصحاب البطالة والكسالة. الحديث الثالث عشر عن النواس: قوله: ((يعملون به)) ((مظ)): هذا إعلام بأن من قرأ القرآن، ولم يعمل به، ولم يحرم حرامه، ولا يحلل حلاله، ولا يعتقد عظمته لم يكن القرآن شفيعاً له يوم القيامة. قوله: ((يقدمه)) الضمير راجع إلي ((القرآن)). قيل: يقدم ثواب القرآن ثوابهما. وقيل: يصور القرآن صورة بحيث يجئ يوم القيامة ويراه الناس كما يجعل الله لأعمال العباد خيرها وشرها صورة ووزناً يوضع في الميزان، فليقبل المؤمن هذا وأمثاله، ويعتقده بإيمانه، لأنه ليس للعقل إلي مثل هذا سبيل، وفي تقدم هاتين السورتين علي القرآن دليل علي أنهما أعظم من غيرهما، لأهما أطول، والأحكام فيهما أكثر. قوله: ((بينهما شرق)) ((نه)): أي ضوء، وهو الشمس، والشق أيضاً. وفي الفائق: هو من

стр. 1160

٢١٢٢ - وعن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله تعالي معك أعظم؟)) قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ((يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله تعالي معك أعظم؟)) قلت: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم). قال: فضرب في صدري وقال: ((ليهنك العلم يا أبا المنذر)) رواه مسلم. ــ قولهم: شاة شرفاء، أي بينهما فرجة وفصل، لتمييزهما بالتسمية ((تو)): إنما وصفهما بالسواد، لكثافتهما وارتكام البعض منهما علي بعض، وذلك أجدي ما يكون من الظلال في الأمر المطلوب عنهما، ثم بين ﷺ بقوله: ((بينهما شرق)) إنهما مع ارتكامهما وكثافتهما لا يستران الضوء، ولا يمحوانه. فعلي هذا الأشبه أن لا يراد بالشرق الشق، ولأنه استغني بقوله: ((ظلتان)) عن بيان البينونة. ((مح)): شرق- بفتح الراء وإسكانها- عن الأكثرين، والأشهر في الرواية واللغة والإسكان. الحديث الرابع عشر عن أبي بن كعب: قوله: ((أتدري أي آية)) ((تو)) اسم معرب يستفهم به، وهو لازم الإضافة. وذلك أن تلحق به تاء التإنيث في إضافته إلي المؤنث، ولك أن تتركها. وقوله: ((معك)) وقع موقع البيان لما كان يحفظه من كتاب الله، لأن ((مع)) كلمة تدل علي المصاحبة. وأما جوابه أولاً بقوله: ((الله ورسوله أعلم))، وثإنياً بما أتي به، فهو أن سؤال الرسول ﷺ عن الصحابي في باب العلم إما أن يكون للحث علي الاستماع لما يريد أن يلقي عليه، أو الكشف عن مقدار فهمه، ومبلغ علمه. فلما راعي الأدب بقوله: ((الله ورسوله أعلم)) ورآه لا يكتفي بذلك وأعاد السؤال، علم أنه يريد بذلك استخراج ما عنده من مكنون العلم، فأجاب عنه. أقول: يمكن أن يقال: إنه ما علم أولاً، وأحال علمه إلي الله وإلي رسوله، فشرح الله صدره بقذف النور وأعلمه، فأجاب بما أجاب، ألا تري كيف هناه ﷺ بقوله: ((ليهنك)). ((قض)): إنما كان آية الكرسي أعظم آية، لأنها مشتملة علي أمهات المسائل الإلهية، فإنها دالة علي أنه تعالي واحد في الإلهية، متصف بالحياة، قائم بنفسه، مقوم لغيره، منزه عن التحيز والحلول، مبرأ عن التغير والفتور، لا يناسب الأشباح، ولا يعتريه ما يعترى الأرواح، مالك الملك والملكوت، مبدع الأصول والفروع، ذو البطش الشديد الذي لا يشفع عنده إلا من أذن له، العالم وحده بالأشياء كلها جليها وخفيها، كليها وجزئيها، واسع الملك والقدرة، ولا يئوده شاق، ولا يشغله شأن، متعال عما يدركه وهم، عظيم لا يحيط به فهم. ذكره في تفسيره. ومن أراد المزيد عليه فعليه بفتوح الغيب.
следующие страницы →