← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

تحب أن تصيبك وأمتك؟ قال: ((خاتمة سورة (البقرة) فإنها من خزائن رحمة الله تعالي من تحت عرشه، أعطاها هذه الأمة، لم تترك خيراً من خير الدنيا والأخرة إلا أشتملت عليه)). رواه الدرامى. ٢١٧٠ - وعن عبدالملك بن عمير مرسلا، قال: قال رسول الله ﷺ : ((في فاتحة الكتاب شفاء من كل داء)) رواه الدارمى، والبيهقى في ((شعب الإيمان)). [٢١٧٠]. ٢١٧١ - وعن عثمان بن عفان [﵁]، قال: من قرأ اَخر (اَل عمران) في ليلة كتب له قيام ليلة. [٢١٧١]. ٢١٧٢ - وعن مكحول، قال: من قرأ سورة ﴿اَل عمران﴾ يوم الجمعة صلت عليه الملائكة إلي الليل. رواهما الدارمى. [٢١٧٢]. ٢١٧٣ - وعن جبير بن نفير [﵁] أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله ختم سورة (البقرة) باَيتين، أعطيتما من كنزه الذي تحت العرش، فتعلموهن وعلموهن نسائكم، فإنها صلاة وقربان ودعاء)). رواه الدارمى مرسلا. [٢١٧٣]. ــ وفتح الفاء. قوله: ((تحب أن تصيبك)) أي فائدتها، يدل علي هذا التقدير قوله: ((لم تترك خيراً من خير الدنيا والَاخرة الإ اشتملت عليه)) أما خير الَاخرة فإن قوله: ﴿اَمن الرسول - إلي قوله – لا نفرق بين أحد من رسله﴾ إشارة إلي الإيمان والتصديق، وقوله: ﴿سمعنا وأطعنا﴾ إلي الإسلام والانقياد والأعمال الظاهرة، وقوله: ﴿وإليك المصير﴾ إشارة إلي جزاء العمل في الَاخرة، وقوله: ﴿لا يكلف الله نفساً - إلي قوله – وانصرنا علي القوم الكافرين﴾ إشارة إلي المنافع الدنيوية. الحديث السادس عن عبد الملك بن عمير: قوله: ((مرسلا)) لأن عبدالملك كان من مشاهير التابعين وثقاتهم، وكان علي قضاء الكوفة بعد الشعبى. قوله: ﴿شفاء من كل داء﴾ يشتمل عليداء الجهل، والكفر، والمعاصى، والأمراض الظاهرة، ولعمرى! إنها كذلك لمن تفكر وتأمل وجرب. الحديث السابع إلي التاسع عن جبير بن نفير: قوله: ((فإنها صلاة)) ضمير المؤنث راجع إلي معنى الجماعة من الحروف في قوله: ((باَيتين)) وعلي هذا قوله: ((فتعلموهن)) نحو قوله

стр. 1192

٢١٧٤ - وعن كعب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((اقرأوا سورة (هود) يوم الجمعة)). رواه الدارمى مرسلا. ٢١٧٥ - وعن أبي سعيد ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((من قرأ سورة (الكهف) في يوم الجمعة أضاء له النور مابين الجمعتين)). رواه البيهقى في ((الدعوات الكبير)). ٢١٧٦ - وعن خالد بن معدان قال: اقرءوا المنجية وهي ﴿الم تنزيل﴾، فإنه بلغنى أن رجلا كان يقرؤها، مايقرأ شيئاً غيرها، وكان كثير الخطايا، فنشرت جناحها عليه، قالت: رب اغفر له فإنه كان يكثر قراءتى، فشفعها الرب تعالي فيه، وقال: اكتبوا له بكل خطئة حسنة، وارفعوا له درجة)) وقال أيضاً: ((إنها تجادل عن صاحبها ــ قال الله تعالي: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ والصلاة لا تحمل علي الأركان المخصوصة لانها غيرها، ولا علي الدعاء؛ لئلا يلزم التكرار، بل علي الاستغار لقوله: ((غفرانك)) وقوله: ﴿واغفر لنا﴾ فإنهم حملوا صلاة الملائكة في قوله تعالي: ﴿إن الله وملائكته يصلون علي النبي﴾ علي الأستغفار. وأما كونها قرباناً، فإما إلي الله تعالي، وهو الإشارة بقوله: ﴿وإليك المصير﴾ وإما إلي الرسول ﷺ . وعطف قوله: ﴿والمؤمنون﴾ علي ﴿الرسول﴾، ثم جمعه في قوله: ﴿كل اَمن بالله﴾ أي كل من الرسول والمؤمنين اَمن بالله وملائكته، والتنوين في ((كل)) عوض من الرسول والمؤمنين. الحديث العاشر والحادى عشر عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((أضاء له)) يجوز أن يكون لازاماً، وقوله: ((ما بين الجمعتين)) ظرف، فيكون إشراق ضوء النور فيما بين الجمعتين بمنزلة إشراق النور نفسه مبالغة. ويجوز أن يكون متعدياً، والظرف مفعول به وعلي الوجهين فسر قوله تعالي: ﴿فلما أضاءت ما حوله﴾. الحديث الثانى عشر عن خالد بن معدان: قوله: ((قال: اقرءوا)) يشعر بأن الحديث موقوف عليه، فقوله: ((اقرءوا)) يحتمل أن يكون من كلام الرسول، وقوله: ((فإنه بلغنى أن رجلا كان يقرؤها)) إخبار منه ﷺ ، كما أخبر في قوله: ((إن سورة في القراَن ثلاثون اَية شفعت لرجل))،

стр. 1193

في القبر، تقول: اللهم إن كنت من كتابك فشفعنى فيه، وإن لم أكن من كتابك فامحنى عنه، وإنها تكون كالطير تجعل جناحها عليه فتشفع له، فتمنعه من عذاب القبر)). وقال في (تبارك) مثله. وكان خالد لا يبيت حتى يقرأهمها. [٢١٧٦]. وقال طاووس: فضلتا علي كل سورة في القراَن بستين حسنة. رواه الدارمى. ٢١٧٧ - وعن عطاء بن أبي رباح. قال: بلغنى أن رسول الله ﷺ قال: ((من قرأ (يسَ) في صدر النهار قضيت حوائجه)). رواه الدارمى مرسلا. [٢١٧٧]. ٢١٧٨ - وعن معقل بن يسار المزنى ﵁، أن النبي ﷺ ، قال: ((من قرأ (يسَ) ابتغاء وجه اللي تعالي غفر له ماتقدم من ذنبه، فاقرءوها عند موتاكم)). رواه البيهقى في ((شعب الإيمان)). [٢١٧٨]. ٢١٧٩ - وعن عبدالله بن مسعود، أنه قال: إن لكل شيء سناماً، وإن سنام القراَن سورة (البقرة)، وإن لكل شيء لباباً وإن لباب القراَن المفصل. رواه الدارمى. [٢١٧٩]. ــ وأن يكون من كلام الراوى. وقوله: ((مايقرأ شيءياً غيرها)) معناه أنه لم يجعل لنفسه ورداً غيره. وقوله: ((اكتبوا له بكل خطئة حسنة)) نحو قوله تعالي: ﴿فؤلئك يبدل الله سياَتهم حسنات﴾. وقوله: ((إن كنت من كتابك)) إلي اَخره بيان للمجادلة، وهو كما يقول الأب لابنه الذي لم يراع حقه: إن كنت لك أباً فراع حقى، وإن لم أكن لك أباً فكيف تراعى حقى، وهذه المجادلة ونشر الجناح علي قارئها، كالمحاجة، والتظليل المذكور في الزهراوين، كأنهما طيران صواف يحاجان عن أصحابهما، وهي من الكناية الزبدية التي ماَل معناها أن قراءة هذه السورة وبركتها وتنجى صاحبها من كرب القيامة والقبر، وإلي هذا المعنى أشار في صدر الحديث ((اقرأوا المنجية)). الحديث الثالث عشر والرابع عشر عن معقل بن يسار: قوله: ((فاقرءوها عند موتاكم)) الفاء جواب شرط محذوف، أي إذا كان قراءة (يسَ) بالإخلاص تكحو الذنوب السالفة فاقرءوا علي من شارف الموت حتى يسمعها أو يجربها علي قلبه فيغفر له ما أسلفه. الحديث الخامس عشر عن عبد الله بن مسعود: قوله: ((إن لكل شيء سناماً)) أي رفعة وعلواً،

стр. 1194

٢١٨٠ - وعن علي [﵁]، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لكل شيء عروس، وعروس القراَن (الرحمن))) [٢١٨٠]. ٢١٨١ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قرأ سورة (الواقعة) في كل ليلة لم تصبه فاقة ابداً)). وكان ابن مسعود يأمر بناته يقرأن بها في كل ليلة. [٢١٨١]. رواهما البيهقى في ((شعب الإيمان)). ٢١٨٢ - وعن علي ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يحب هذه السورة ﴿سبح اسم ربك الأعلي﴾ رواه أحمد. ٢١٨٣ - وعن عبدالله بن عمرو، قال: أتى رجل النبي ﷺ ، فقال: أقرأنى ــ استعير من سنام الجمل، ثم كثر أستعماله فيها حتى صار مثلا، ومنه سميت البقرة سنام القراَن، ولباب كل شيء خلاصته، وزبدته مأخوذ من الزبد. الحديث السادس عشر عن علي ﵁: قوله: ((لكل شيء عروس)) ((نه)): أعرس الرجل يعرس فهو معرس إذا دخل بإمرأته عند بنائها، ويقال للرجل: عروس، كما يقال للمرأه، وهو أسم لهمها عند دخول أحدهما بالأخر. ((كل شيء)) ها هنا مثل ما في قوله تعالي حكاية سليمان: ﴿وأوتينا من كل شيء﴾ أي من كل مايليق بحالنا، وما يصح أن ينسب إلينا من النبؤة، والعلم، والملك، وفي حق بلقيس ﴿وأوتيت من كل شيء﴾ أي من كل مايستقيم أن ينسب إليها، فالمعنى أن كل شيء يستقيم أتضاف إليه العروس. والعروس ها هنا يحتمل وجهين: أحدهما ازينة كما أريد بقوله: ((لكل شيء قلب ولب)) ومنه قوله تعالي: ﴿حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت﴾ شبهها بالعروس إذا تزينت بالحلي والثياب الفاخرة، وثإنيهما: الزلفي إلي المحبوب والوصول إلي المطلوب، وذلك أنه كلما كرر قوله: ﴿فبأي اَلَاء ربكما تكذبان﴾ كأنه يجلو نعمة السابغة علي الثقلين، ويزينها ويمن عليهم بها. الحديث السابع والثامن والتاسع عشر عن عبدالله بن عمرو: قوله: ((من ذوات الر)) أي من

стр. 1195

يا رسول الله! فقال: ((اقرأ ثلاثاً من ذوات (الر))). فقال: كبرت سنى، وأشتد قلبى، وغلظ لسانى. قال: ((فاقرأ ثلاثاً من ذوات (حم))). فقال مثل مقالته، قال الرجل: يارسول الله! أقرئنى سورة جامعة، فأقرأه رسول الله ﷺ ﴿إذا زلزلت﴾ حتى فرغ منها. فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليه أبداً، ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله ﷺ : ((أفلح الرويجل)) مرتين. رواه أحمد، وأبوداود. [٢١٨٣]. ٢١٨٤ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا يستطيع أحدكم أن يقرأ ألف اَية في كل يوم؟)) قالوا: ومن يستطيع أن يقرأ ألف اَية في كل يوم؟ قال: ((أما يستطيع أحدكم أن يقرأ ﴿ألهاكم التكاثر﴾؟)). رواه البيهقى في ((شعب الإيمان)). [٢١٨٤]. ٢١٨٥ - وعن سعيد بن المسيب، مرسلا، عن النبي ﷺ ، قال: ((من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ عشر مرات بنى له قصر في الجنة، ومن قرأ عشرين مرة بنى له ــ السور التي صدرت بهذه الفواتح. قوله: ((فأقرأه (إذا زلزلت))) إجابة عن سؤاله، يدل علي أنها من الجوامع التي حوت معانى جمة، وما ذلك إلا قوله: ((فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره)) إلي اَخرها علي ما ورد أنه ﷺ سئل عن الخمر، قال: ((لم ينزل علي فيها شيء إلا هذه الَاية الجامعة الفاذة ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾)). وبيان ذلك أنها وردت لبيان الاستقصاء في عرض الأعمال والجزاء عليها، كقوله تعالي: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفي بنا حاسبين﴾. ولعل طلب الرجل القراءة بقوله: ((أقرأنى)) كان طلباً لما يحصل به الفلاح إذا عمل به وقام عليه، وكان موجزاً جامعاً، ومن ثم قال: ((لا أزيد عليه ابداً)) فلما طبق المفصل قال رسول الله ﷺ : ((أفلح الرويجل)) علي تصغير التعظيم لبعد غوره وقوة إدراكه، وينصر هذا التأويل ما روى الإمام أحمد عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه أتى النبي ﷺ فقرأ الَاية، فقال: ((حسبى لا أبالي أن لا أسمع غيرها)) والرويجل تصغير شاذ؛ لأن القياس رجيل. الحديث العشرون والحادى والعشرون عن سعيد بن المسيب: قوله: ((إذاً تكثرون)) ((إذاً)) جواب وجزاء، وفيه معنى التعجب، أي إذا كان جزاء قراءة عشر مرات قصراً فلا حد له حينئذ

стр. 1196

بها قصران في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة بنى له بها ثلاثة قصور في الجنة)). فقال عمر بن الخطاب ﵁. والله يارسول الله! إذا لنكثرن قصورنا. فقال رسول ﷺ : ((الله أوسع من ذلك)) رواه الدارمي. [٢١٨٥]. ٢١٨٦ - وعن الحسن، مرسلا: أن النبي ﷺ قال: ((من قرأ في ليلة مائة آية لم يحاجه القرآن تلك الليلة ومن قرأ في ليلة مائتى آية كتب له قنوت ليلة، ومن قرأ في ليلة خمسمائة إلي الألف أصبح وله قنطار من الاجر)) قالوا: وما القنطار؟ قال: ((اثنا عشر ألفاً)). رواه الدارمى. [٢١٨٦] (١) باب [آداب التلاوة ودروس القرآن] الفصل الأول ٢١٨٧ - عن أبي موسى الاشعرى ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لنر أشذ تفصيأ من الإبل في عقلها)). متفق عليه. ــ ولذلك أجاب بقوله: ((أوسع من ذلك)) أي قدرة الله ورحمته وفضله أوسع، فلا تتعجب٠ الحديث الثانى والعشرون عن الحسن: قوله: ((لم يحاجه القرآن)). فيه أن قراءته لازمة لكل إنسان وواجبة عليه، فإذا لم يقرأه يخاصمه الله تعالي ويغلبه بالحجة، فإسناد المحاجة إلي القرآن مجاز. قوله: ((قنوت ليلة)) أي قيامها. قوله: ((وله قنطار)) أي له ثواب بعدد القنطار أو بوزنه. ((نه)): في الحديث: ((أن القنطار ألف ومائتا أوقية، والآوقية خير مما بين السماء والأرض)). باب آداب التلاوة ودروس القرآن الفصل الأول الحديث الأول عن أبي موسى ﵁: قوله: ((تعاهدوا القرآن)) تعاهد الشىء وتعهده محافظته وتجديد العهد به، أي واظبوا علي تلاوته، وداوموا علي تكراره ودرسه كيلا ينسى

стр. 1197

٢١٨٨ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت اَية كيت وكيت؛ بل نسى، واستذكروا القراَن فإنه أشد تفصياً من صدور الرجال من النعم)). متفق عليه، وزاد مسلم: ((بعقلها)). ــ قوله ((أشد تفصياً)) التفصى من الشىء التخلص منه، تقول: تفصيت من الديون اذا خرجت منها، شبه القرآن وكونه محفوظا علي ظهر القلب بالإبل الأبدة النافرة، وقد عقل عليها، وشد بذراعيها بالحبل المتين، وذلك ان القرآن ليس من كلام البشر بل هو كلام خالق القوى والقدر، وليس بينه وبين، البشر مناسبة قريبة؛ لانه حادث وهو قديم والله سبحانه بلطفه العميم، وكلامه القديم من عليهم ومنحهم هذه النعمة العظيمة قينبغى له أن يتعاهده بالحفظ والمواظبة عليه ما أمكنه. ((قوله قى عقلها)) ((تو)): هي جمع عقال مثل كتاب وكتب، يقال: عقلت البعير أعقله عقلأ، وهو أن يثنى وظيفه مع ذراعه فيشدهما جمينا في وسط الذراع، وذلك الحبل هو العقال. ويجوز تخفيف الحرف الوسط في الجمع مثل كتب وكتب، والرواية فيه من غير تخفيف. الحديث الثاني عن ابن مسعود ﵁: قوله ((بئس ما لآحدهم)) ((ما)) نكرة موصوفة، و ((أن يقول)) مخصوص بالذم (كقوله تعالي ﴿بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا﴾ أي بئس شيئاً كائنا للرجل. قوله: ((نسيت آية كيت وكيت)) وذلك ان هذا القول يدل علي أنه لم يتعاهد القرآن ولم يلازم عليه، وقوله: ((بل ننسي)) إشارة إلي عدم تقصيره في المحافظة. لكن الله تعالي نساه لمصالح، قال: ﴿ما ننسخ من آية او ننسها نأت بخير منها﴾. ((خط)): قوله: ((بل نسى)) يحتمل أن يكون ذلك خاصاً في زمن رسول الله ﷺ ، ويكون معنى قوله: ((نسى)) أي نسخت تلاوته، نهاهم عن هذا القول لئلا يتوهم السضياع علي محكم القرآن، قأعلمهم بأن ذلك من قبل الله لما رأي فيه من الحكمة يعنى نسخ التلاوة٠ قوله: ((واستذكروا)) السين للمبالغة أي اطلبوا من انفسكم المذاكرة به، والمحافظة عل قراءته. وهو عطف من حيث المعني علي قوله: ((بئس ما لأحدهم ان يقول)) أي لا تقصروا في معاهدة القرآن واستذكروه. وقوله: بالإ نساء الذي اضراب عن القول بنسبة النسيان إلي النفس المسبب عن عدم التعاهد إلي القول بالإنساء الذي هو من فعل الله من غير تقصير منه، أي لا تقولوا ذلك القول، بل قولواما قيل في عهد الرسول فلو كما يشهد له ما روى عن عائشة: سمع رسول الله ﷺ رجلا يقرأ بالليل، ققال ((يرحمه الله! قد أذكرنى كذا وكذا آية كنت أنسيتها)) قال أبو عبيد: أما الحريص علي حفظ القرآن الدائب في تلاوته، لكن النسيان يغلبه، فلا يدخل في هذا الحكم بدليل هذا

стр. 1198

٢١٨٩ - وعن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: ((إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعلقة، إذ عاهد عليها امسكها، وإذ أطلقها ذهبت)) متفق عليه. ٢١٩٠ - وعن جندب بن عبدالله، قال: قال رسول الله ﷺ : (اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فاذا اختلفتم فقوموا عنه)) متفق عليه. ٢١٩١ - وعن قتادة، قال: سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي صى الله عليه وسلم؟ فقال: ((كانت مداً مداً، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بيسم الله، ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم. رواه البخاري. ٢١٩٢ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما اذن الله لشىء ما أذن لنبى يتغئى بالقرآن)) متفق عليه. ــ الحديث. وقيل: معنى ((نسي)) عوقب بالنسيان علي ذنب أو سوء تعهد بالقرآن. أقول: هو من قوله تعالي ﴿أتتك اَياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى﴾ الحديث الثالث والرابع عن جندب: قوله: ((ما ائتلفت عليه قلوبكم)) يعني اقرأوه علي نشاط منكم وخواطركم مجموعة، فإذا حصل لكم ملالة وتفرق القلوب فاتركوه، فإنه أعظم من ان يقرأه أحد من غير حضور القلب. يقال: قام بالأمر إذا جد فيه ودام عليه، وقام عن الآمر إذا تركه وتجاوز عنه. الحديث الخامس عن قتادة: قوله: ((كانت مدا)) ((تو)) أي ذات مد، وفي كتاب البخاري ((كان يمده مدا)) وفي رواية ((كانت مداً)) أي كان يمده مدا، وفي المصابيح ((كانت مداً)) ولم نطلع عليه رواية، وفي أكثر النسخ قيد مداء علي زنة قعلاء، والظاهر أنه قول علي التخمين. ((مظ)): يعنى كانت قراءته مداء أي قراءته كثيرة المد، وهي تإنيث أمد، وحروف المد ثلاثة الالف والواو والياء، فإذا كانت بعدها همزة يمد ذلك الحرف، وفي قدره اختلفوا، فبعضهم يمد يقدر ألف وبعضهم يمد بقدر ألفين إلي خمس ألفات، ويعنى بقدر الألف قدر مد صوتك إذا قلت باء أو تاء. وإن كان بعدها تشديد تمد بقدر أربع ألفات بالاتفاق مثا داَبة، وإن كان بعدها ساكن تمد بقدر ألفين، نحو صاد ويعلمون، ونستعين، عند الوقف، وإذا كان بعد حروف المد غير ماذكر لم تمد حروف المد إلا بقدر خروجها من الفم، نحو إياك وكذا تعملون ونستعين عند الوصل. وما نحن فيه من هذا القبيل، بسم الله الرحمن الرحيم لم يكن الإ بقدر خروج المد من الفم الإ الرحيم عند الوقف فيمد ألفين. الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ما أذن الله لشيء)) ((نه)): أي ما

стр. 1199

٢١٩٣ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أذن الله لشيء ما أذن لنبى حسن الصوت بالقراَن، يجهر به)) متفق عليه. ــ استمع الله لشيء كاستماعه لنبى يستغنى بالقراَن، أي يتلوه ويجهر به. ((حس)): يقال: أذنت لشيء اَذن أذناً- بفتح الالف والذال – إذا استمعت له. أقول: والمراد بـ ((شيء)) المسموع لقوله تعالي: ﴿فاستمع لما يوحى﴾، وقوله: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له﴾ فلا بد من تقدير مضاف عند قوله: ((لنبى)) أي لصوت نبى، والنبي جنس شائع في كل نبى، فالمراد بالقراَن القراءة. ((مح)): قالوا: لا يجوز أن يحمل الاستمتاع علي الإصغاء، فإنه يستحيل علي الله تعالي، بل هو كناية عن تقريبه وإجزال ثوابه؛ لأن سماع الله لا يختلف. قوله: ((يتغنى بالقراَن)) معناه عند الشافعى وأصحابه، وأكثر العلماء: تحسين الصوت به، وعند سفيان بن عيينه: يستغنى به الناس. وقيل: عن غيره من الأحاديث والكتب. قال القاضى عياض: يقال: تغنيت وتغإنيت بمعنى استغنيت. وقال الشافعى وموافقوه: معناه تحزين القراءة وترقيقها، واستدلوا بالحديث الَاخر ((زينوا القراَن بأصواتكم)) قال الأزهرى: معنى ((يتغنى به)) يجهر به. وأنكر أبو جعفر الطبرى تفسير من قال: يستغنى به، وخطأه من حيث اللغة، والمعنى، والصحيح: أنه من تحسين الصوت، وتؤيده الرواية الَاخرى ((يتغنى بالقراَن يجهر به)). أقول: يريد أن قوله: ((يجهر به)) جملة مبينة لقوله: ((يتغنى بالقراَن)) فلن يكون المبين علي خلاف البيان، كذلك ((يتغنى بالقراَن)) في الرواية الاولي بيان لقوله: ((ما أذن لنبى)) أي لصوته، فكيف يحمل علي غير حسن الصوت؟ علي أن الاستماع ينبو عن الاستغناء، وينصره الحديث الَاتى: ((ما أذن لنبى حسن الصوت بالقراَن يجهر به)). ((حس)): في الحديث دليل علي أن المسموع من قراءة القارئ هو القراَن، وليس بحكاية القراَن. قال الشافعى ﵁: لو كان معنى ((يتغنى بالقراَن)) علي الاستغناء لكان يتغانى، وتحسين الصوت هو يتغنى. قال: ولا بأس في القراَن بالألحان، وتحسين الصوت بأي وجه كان. ((مح)): يستحب تحسين الصوت بالقراءة، وتزيينها بالألحان ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط، فإن أفرط حتى زاد حرفاً، أو أخفي حرفاً فهو حرام. ذكره في الأذكار.

стр. 1200

٢١٩٤ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس منا من لم يتغن بالقراَن)) رواه البخاري .. ٢١٩٥ - وعن عبدالله بن مسعود، قال: قال لي رسول الله ﷺ وهو علي المنبر: ((اقرأ علي)). قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: ((إنى أحب أسمعه من غيرى)). فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلي هذه الأية ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمه بشهيد وجئنا بك عى هؤلاء شهيداً﴾، قال: ((حسبك الَان))، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. متفق عليه. ــ الحديث السابع والثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ليس منا لم يتغن بالقراَن)) ((يتغنى)) ها هنا يحتمل أن يكون بمعنى الاستغناء، وأن يكون بمعنى التغنى، ما لم يكن بياناً للسابق ومبيناً للاحق، كما في الحديث السابق. ((ومن)) في ((منا)) اتصالية كما في قوله ﷺ : ((ما أنا من دد ولا الدد منى)) أي ما انا متصل باللهو، ولا اللهو متصل بلا، والشيخ التوربشتى رجح جانب الاستغناء، وقال: المعنى ليس من أهل سنتنا، وممن يتبعنا في أمرنا، وهو وعيد، ولا خلاف بين الأمة أن القراَن مثاب علي قراءته، ومأجور من غير تحسين صوته، فكيف يحمل علي كونه مستحقاً للوعيد، وهو مثاب مأجور؟ وأقول: يمكن أن يحمل علي معنى التغني، أي ليس منا معشر الأنبياء ممن يحسن صوته بالقراءة، ويستمع الله منه، بل يكون من جملة من هو نازل عن مرتبتهم، فيثاب علي قراءته كسائر المسلمين، لا علي تحسين صوته كالأنبياء ومن تابعهم فيه. الحديث التاسع عن عبد الله بن مسعود ﵁: قوله: ﴿فكيف إذا جئنا﴾ الَاية، ((مظ)): يعنى فكيف حال الناس في يوم تحضر أمه كل نبى، ويكون بينهم شهيداً بما فعلوا من قبولهم النبي أو ردهم إياه، وكذلك نفعل بك يا محمد وبأمتك. أقول: ينافي هذا القول قوله تعالي: ﴿لتكونوا شهداء علي الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾ أي حفيظاً لكم ومزكياً لكم، فالشهادة لهم لا عليهم، فكيف يفسر هذا بما يناقضه، بل المعنى بـ ((هؤلاء)) أشخاص معينون من الكفرة. الكشاف: المعنى كيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمه بشهيد يشهد عليهم بما فعلوا، وهو نبيهم. وأما بكاؤه ﷺ فلفرط رأفته، ومزيد شفقته حيث عز عليه عنتهمظن فعوى عليهم وبكى ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم﴾.

стр. 1201

٢١٩٦ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بن كعب: ((إن الله أمرنى أن اقرأ عليك القراَن)) .. قال: الله سمانى لك؟ قال: ((نعم)). قال: وقد ذكرت عند رب العالمين؟ قال ((نعم)) فذرفت عيناه. وفي رواية: ((إن الله أمرنى أن أقرأ عليك ﴿لم يكن الذين كفروا﴾)) قال: وسمانى؟ قال: ((نعم)). فبكى. متفق عليه ــ ((مح)): في الحديث فوائد: منها استحباب استماع القراءة والإصغاء لها، والبكاء عندها، والتدبر فيها، واستحباب طلب القراءة من الغير ليستمع له، وهو أبلغ في التفهم والتدبر من قراءته بنفسه، وفيه تواضع لأهل العلم والفضل، ورفع منزلتهم. قوله: ((تذرفان)) ((نه): يقال: ذرفت العين إذا جرى دمعها. الحديث العاشر عن أنس ﵁: قوله: ((الله سمانى)) أي أن الله بتحقيق الهمزتين، وحذف الأولي، أو الله بالمد بغير حذف، والهمزة للتعجب إما هضما لنفسه أي أنى لي هذه المنزلة، أو استلذاذاً لذلك، قال: بلي سرنى أن خطرت ببالك. وقوله: ((وقد ذكرت عنده)) تقرير للتعجب بعد تقرير، أي وقد ذكرنى، و ((عند)) ها هنا كناية عن الذات وعظمته، كقوله تعالي: ﴿من خاف مقان ربه﴾ أي عظمته وجلالته. في الحديث فوائد جمه: منها استحباب القراءة علي الحداق وأهل العلم به والفضل، وإن كان القارئ أفضل من المقروء عليه، ومنها المنقبة الشريفة لأبي، ولا نعلم أن أحداً شاركه فيها، ومنها منقبة اَخرى له بذكر الله تعالي إياه ونصه عليه، ومنها البكاء للسرور والفرح بما يبشر الإنسان به، وبما يعطاه من معالي الأمور. وأما تخصيص قراءة ﴿لك يكن﴾ فلأنها وجيزه جامعة لقواعد كثيرة من أصول الدين، ومهمات في الوعد، والوعيد، والإخلاص وتطهير القلوب. وكان أبي مقدماً علي قراء الصحابة، وقد قال ﷺ : ((أقرأكم أبي)). ((تو)) إنما خص به أبي لماقيض له من الأمانة في هذا الشأن، فأمر الله نبيه ﷺ أن يقرأ عليه ليأخذ عنه رسم التلاوة كما أخذه نبى الله ﷺ عن جبريل ﵇، ثم يأخذه علي هذا النمط الَاخر عن الأول، والخلف عن السلف، وقد أخذ عن أبي ﵁ بشر كثير من التابعين، وهلم جرا.

стр. 1202

٢١٩٧ - وعن ابن عمر، قال: نهي رسول الله ﷺ أن يسافر بالقراَن إلي أرض العدو. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: ((لا تسافروا بالقراَن، فإنى لا اَمن أن يناله العدو)). الفصل الثانى ٢١٩٨ - عن أبي سعيد الخدرى، قال: جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين، وإن بعضهم ليستتر ببعض من العرى وقارئ يقرأ علينا، إذ جاء رسول ــ الحديث الحادى والعشرون عن ابن عمر ﵄: قوله: ((أن يسافر بالقراَن)) الباء في ((بالقراَن)) زائدة، و ((القراَن)) أقيم مقام الفاعل، وليست كما في قوله: ((لا تسافروا بالقراَن)) فإنها حال، كما في قولك: ((دخلت عليه بثياب السفر)) وعلل النهي بالخوف علي إصابة العدو وإياه فيحقره ويستخف به، وذلك خلاف ما هو من شأنه من التعظيم، فالقراَن يراد به المصحف. ((شف)): كان جميع القراَن محفوظاً عند جميع الصحابة، فلو مشى من عنده بعض القراَن به إلي أرض العو ومات، لضاع ذلك القدر الذي كان عنده. أقول: ذهب في هذا إلي الكناية؛ لأن المصحف لم يكن في عهد النبي ﷺ فنقول: لم لا يجوز أن يراد بـ ((القراَن)) بعض مانسخ وكتب في عهده ﷺ ، أو يكون إخباراً عن الغيب. ((حس)): حمل المصحف إالي دار الكفر مكروه، كما جاء في الحديث، ولو كتب إليهم كتاباً فيه اَية من القراَن لا بأس به، كتب النبي ﷺ إلي هرقل ﴿يا أهل الكتاب تعالوا﴾ الَاية، ويكره تنفيش الجدر والثياب بالقراَن، وذكر الله تعالي، ورخص قوم في تحريق ما يجتمع عنده من الرسائل، وسئل مالك عن تفضيض المصاحف؟ فأخرج مصحفاً، وقال: حدثنى أبي عن جدى: أنهم جمعوا القراَن علة عهد عثمان ﵁، وفضضوا المصاحف علي هذا أو نحوه. الفصل الثانى الحديث الأول عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((إذ جاء رسول الله)) إذ للمفاجأة. ((مظ)): يعنى كنا غافلين عن مجيئه، فنظرنا فإذا هو قائم فوق رؤسنا يستمع إلي كتاب الله، أي يصغى إليه. ((قوله)): ((فقال: الحمد لله الذي جعل من أمتى)) لما رأي ﷺ من حالهم وفقرهم وعريهم، ثم تلاوتهم كتاب الله، وإصغائهم إليه بشراشرهم*، شكر صنعيتهم، وذكر ما قال الله تعالي

стр. 1203

الله ﷺ ، فقام علينا، فلما قام رسول الله ﷺ سكت القارئ، فسلم، ثم قال: ((ما كنتم تصنعون؟)) قلنا: كنا نستمع إلي كتاب الله. فقال: ((الحمد لله الذي جعل من أمتى من أمرت أن أصبر نفسى معهم)) قال: فجلس وسطنا ليعدل بنفسه فينا، ثم قال بيده هكذا، فتحلقوا وبرزت وجوههم له، فقال: ((أبشروا يامعشر صعاليك المهاجرين! بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك خمسمائة سنة)). رواه أبو داود. [٢١٩٨]. ٢١٩٩ - وعن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((زينوا القراَن بأصواتكم)) رواه أحمد، وأبوداود، وابن ماجه والدارمى. [٢١٩٩]. ــ في حقهم، وما أمره أن يصبر معهم في قوله: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾ وحمد علي ذلك. نظلت الَاية في فقراء المهاجرين حين قال كفار قريش لرسول الله ﷺ : اطرد هؤلاء الفقراء من عندك حتى نجالسك ونؤمن بك فمال إلي ما قالوا، فنزلت ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى﴾ وهذه الَاية. وقوله: ((ليعدل بنفسه)) ((تو)): أي ليجعل نفسه عديلا ممن جلس إليهم، ويسوى بينه وبين اؤلئك الزمرة في المجلس رغبة فيما كانوا فيه، وتوا١عاً لربه سبحانه وتعالي. قوله: ((ثم قال بيده هكذا)) يعنى لما جلس بينهم لم تكن وجوه القوم بارزة له، ثم أشار بيده إلي أن يجلسوا حلقه لتظهر وجوههم له، ويراهم كلهم، امتثالا لقوله تعالي: ﴿ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا﴾ وإن كانت كناية عن الإزدراء بهم، وأن ينبو عن رثاثه زيهم طموحاً إلي زى الأغنياء وحسن سادتهم، لكن لا ينافي إرادة الحقيقة، وأن ينظر إليهم بعينه جميعاً بين مدلولي المفهوم والمنطوق. ((تو)): الصعلوك الذي لا مال له، وصعاليك العرب دونها*، وصعاليك المهاجرين فقراؤهم. قوله: ((بنصف يوم)) ((مظ)): وذلك لأن الأغنياء وقفوا في العرصات للحساب، وسئلوا من أين حصلوا المال، وفي أي شيء صرفوه، ولم يكن مال حتى يتوقفوا. وعنى رسول الله ﷺ بالفقراء، الصابرين والصالحين منهم، وبالأغنياء، الشاكرين المؤدين حقوق أموالهم. الحديث الثانى عن البراء: قوله: ((زينوا القراَن بأصواتكم)) ((قض)): قيل: إنه من المقلوب،

стр. 1204

٢٢٠٠ - وعن سعد بن عبادة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من امرئ يقرأ القراَن ثم ينساه إلا لقى الله يوم القيامه أجزم)) رواه أبو داود، والدارمى. [٢٢٠٠]. ــ ويدل عليه أنه روى أيضاً عن البراء عكس ذلك. ونظيره في كلام العرب قولهم: عرضت الناقة علي الحوض، والمعروض هو الحوض علي الناقة، وقولهم: إذا طلعت الشعرى، واستوى العود علي الحرباء، فإن الحرباء تستوى علي العود. ويجوز أ، يجرى علي ظاهره، فيقال: المراد تزيينه بالترتيل، والجهر به، وتحسين الصوت، فإنه إذا سمه من صيت حسن الصوت يقرأ بصوت طيب ولحن حزين، يكون أوقع في القلب وأشد تأثيراً، وأرق لسامعيه، وسماه تزييناً، لانه تزيين اللفظ والمعنى. ((تو)): هذا إذا لم يخرجه التغنى عن التجويد، ولم يصرفه عن مراعاة النظم في الكلمات والحروف، فإذا انتهي إلي ذلك عاد الاستحباب فيه كراهة، وأما الذي أحدثه المتكلفون بمعرفة الأوزان والموسيقى، فيأخذون في كلام الله مأخذهم في التنشيد والغزل، فإنه من أشد البد وأسوأ الأحداث، فيوجب علي السامع النكير، وعلي التالي التعزيز. ((مح)): في الروضة: أما تحسين الصوت بقراءة القراَن فمسنون، وأما القراءة بالألحان، فقال الشافعى في المختصر: لا بأس بها، وفي رواية أنه مكروه. قال جمهور الأصحاب: ليست علي القولين، بل المكروه أن يفرط في المد وفي إشباع الحركات، حتى يتولد من الفتحة ألف، ومن الضمة واو، ومن الكسرة ياء، أو يدغم في غير موضع الإدغام، فإن لم ينته إلي هذا الحد فلا كراهة. قال الشيخ محى الدين: الصحيح أنه إذا أفرط علي الوجه المذكور فهو حرام، صرح به صاحب الحاوى، فقال: هو حرام يفسق به القارئ ويأثم المستمع؛ لانه عدل به عن نهجه القويم، وهذا مراد الشافعى بالكراهة. الحديث الثالث عن سعد: قوله: ((أجذم)) ((نه)): أي مقطوع اليد، من الجذم وهو القطع. وفي الغريبين احتج أبو عبيد في هذا القول بقول علي رضي الله هنه: ((من نكث بيعته لقى الله تعالي وهو أجذم ليس له يد)). وقال القتيبى: الأجذمها هنا الذي ذهبت أعضاؤه كلها، وليست يد الناسى للقراَن اولي بالعقوبة من سائر أعضائه، يقال: رجل أجذم، إذا تهافتت اعضاؤه من الجذام. قال ابن الأنبارى: القول ما قال أبو عبيد، فإن العقاب لو كان يقع بالجارحه التي باشرت المعصية لما عوقب الزانى بالنار في الَاخر، وبارجم والجلد في الدنيا. وقيل: معناه أنه أجذم الحجه، لا لسان له يتكلم، ولا حجة في يده. واليد يراد به الحجة، ألا ترى أن الصحيح اليد يقول لصاحبة: قطعت يدى، أي أذهبت حجتى. وقال الخطأبي: معناه ما ذكره

стр. 1205

٢٢٠١ - وعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: ((لم يفقه من قرأ القراَن في أقل من ثلاث)) رواه الترمذى، وأبوداود، والدارمى [٢٢٠١]. ٢٢٠٢ - وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الجاهر بالقراَن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقراَن كالمسر بالصدقة)) رواه الترمذى، وأبوداود، والنسائى. وقال الترمذى: هذا الحديث حسن غريب ــ ابن الأعرأبي، أي خالي اليد عن الخير، وكنى باليد عما تحويه اليد وأقول: ويطابقه قوله تعالي: ﴿ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكاً- إلي قوله – وكذلك اليوم تنسى﴾. الحديث الرابع عن عبد الله: قوله: ((لم يفقه)) أي لم يفهم ظاهر معانى القراَن في أقل من هذه المدة، وأما إذا أعمل الفكر وأراد التدبر فيه، فلم يف عمره في أسرار أقل اَية بل كلمة منه، ويفهم من هذا نفي التفهم لا نفي الثواب، ثم يتفاوت هذا بتفاوت الأشخاص وأفهامهم. ((مح)): قد كان للسلف ﵃ عادات مختلفة في القدر الذي يختمون فيه. فمنهم من يختم كل شهرين ختمه، واَخرون في شهر وعشر، وفي أسبوع إلي أربع وكثيرون في ثلاث وكثيرون في يوم وليلة، وختم ثمانى ختمات أربعاً بالنهار وأربعاً بالليل السيد الجليل ابن الكاتب الصوفي ﵀. وأما الذين ختموا القراَن في ركعة فلا يحصون كثرة، فمنهم عثمان، وتميم الدارى، وسعيد جبير ﵃. والمختار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له تدقيق فكر اللطائف والمعارف فليقتصر علي قدر يحصل له معه كمال فهم مايقرأ، ومن أشتغل بنشر العلم أو فصل الحكومات من مهمات المسلمين فليقتصر علي قدر لا يمنه من ذلك ولا يختل بما هو مترصد له، ومن لم يكن من هؤلاء فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلي حد الملال أو الهذرمة. ذكر كله في الاذكار. الحديث الخامس عن عقبة: قوله: ((الجاهر بالقراَن كاجاهر بالصدقة)) شبه القراَن جهراً وسراً بالصدقة جهراً وسراً. ووجه الشبه ماذكره الشيخ محيى الدين النواوى حيث قال: جاءت اَثار بفضيلة رفع الصوت بالقراَن واَثار بفضيلة الإسرار. قال العلماء: والجمع بينهما أن الإسرار أبعد من الرياء، فهو أفضل في حق من يخاف ذلك، فإن لم يخف، فالجهر أفضل بشرط أن لا يؤذى غيره من مصل أو نائم أو غيرهما. ودليل فضيلة الجهر أن العمل فيه أكثر؛ ولأنه

стр. 1206

٢٢٠٣ - وعن صهيب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما اَمن بالقراَن من استحل محارمه)) رواه الترمذى: وقال: هذا حديث ليس إسناده بالقوى. [٢٢٠٣]. ٢٢٠٤ - وعن الليث بن سعد، عن أبن أبي مليكة، عن يعلي بن مملك، أنه سأل أم سلمة عن قراءة النبي ﷺ فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفاً حرفاً. رواه الترمذى، وأبوداود، والنسائى. ٢٢٠٥ - وعن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته، يقول: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ثم يقف، ثم يقول ﴿الرحمن الرحيم﴾ ثم يقف. رواه الترمذى، وقال: ليس إسناده بمتصل، لأن الليث روى هذا الحديث عن ابن مليكة، عن يعلي بن مملك، عن أم سلمة وحديثة الليث أصح. [٢٢٠٥]. ــ يتعدى نفعه إلي غيره؛ ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همه إلي الفكر، ويصرف سمعه إليه؛ ولانه يطرد النوم، ويزيد في النشاط، ويوقظ غيره من نائم وغافل، وينشطه، فمتى حضره شيء من هذه النيات، فالجهر أفضل. الحديث السادس عن صهيب: قوله: ((مل اَمن بالقراَن من استحل ما حرم الله تعالي في القراَن فقد كفر مطلقاً. فخص ذكر القراَن لعظمته وجلاله. الحديث السابع عن يعلي: قوله: ((فإذا هي نعت)) أي تصف. ويحتمل وجهين، أحدهما أن تقول: كانت قراءته كيت وكيت، وثإنيهما: أن تقرأ مرتلة مبينة، كقراءة النبي ﷺ ، نحوه قولهم: وجهها يصف الجمال. ومنه قوله تعالي: ﴿وتصف ألسنتهم الكذب﴾. الحديث الثامن عن أم سلمة ﵂: قوله: يقول: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ثم يقف، بيان لقوله: ((يقطع قراءته)). ((نه)): هذه الرواية ليست بسديده في الألسنة، ولا بمرضية في اللهجة العربية، بل هي صيغه لا يكاد يرتضيها أهل البلاغة، وأصحاب اللسان، فإن الوقف الحسن ما اتفق عند الفصل، والوقف التام من أول الفاتحة عند قوله: ((مالك يوم الدين))

стр. 1207

الفصل الثالث ٢٢٠٦ - عن جابر، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القراَن، وفينا الأعرأبي والأعجمى. قال: اقرأوا فكل حسن؛ وسيجئ أقوام يقيمونه كما يقام القدح، يتعلجونه ولا يتأجلونه)) رواه أبوداود، والبيهقى في ((شعب الإيمان)). [٢٢٠٦]. ــ وكان ﷺ أفصح الناس لهجة، واتمهم بلاغة. وقد استدرك الراوى ذلك بقوله: ((والأول أصح)). والمظهر اختار هذا القول علي ماذكره أولا، إنما كان ﷺ يقف علي الَاية ليتبين للمستمعين روؤس الَاية، ولو لم يكن لهذه العلة لما وقف علي ﴿رب العالمين﴾ ولا علي ﴿الرحمن الرحيم﴾؛ لأن الوقف عليهما قطع للصفة عن الموصوفظن وهذا غير صواب. قال صاحب الكواشى: كيف الوقف علي ﴿الرحمن الرحيم﴾؟! قالوا: لأن النبي ﷺ وقفه، ولأن ما بعده فيه معنى القوة والجبروت، وفيها بعد عن الرحمة. أقول: أراد أن معنى ﴿مالك يوم الدين﴾ يلتقى ومعنى قوله تعالي ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾. واعلم أن قوله: ﴿رب العالمين﴾ يشير إلي أنه تعالي مالك لذوى العلم من الملائكة، والثقلين، مدبر أمورهم ومصالحهك في الدنيا، وقوله: ﴿مالك يوم الدين﴾ يشير أنه متصرف فيهم في الَاخره يثيبهم ويعاقبهم علي أعمالهم، وقوله: ﴿الرحمن الرحيم﴾ متوسط بينهما، ولذلك قيل: رحمن الدنيا ورحيم الَاخرة، فكما جاز ذلك الوقف يجوز هذا. والنقل اولي أن يتبع. وأما قول الراوى: ((والأول أصح)) فلا يوجب أن يضرب عن الثانى صفحاً. وقد قال تعالي: ﴿كتاب فصلت اَياته﴾، الكشاف: فصله سوراً، وسورة اَيات. الفصل الثالث الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((وفينا الأعرأبي والأعجمى)) يحتمل وجهين: أحدهما: أن كلهم منحصرون في هذين الصنفين، وثإنيهما: أن فينا معشر العرب أصحاب النبي ﷺ ، وفيما بيننا تلك الطائفتان، وهذا الوجه أظهر؛ لأنه فرق بين الأعرأبي، والعربى، بمثل ما في خطبته: مهاجر ليس بأعرأبي، جعل المهاجر ضد الأعرأبي، والأعراب ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها الإ لحاجة. والعرب اسم لهذا الجيل المعروف من الناس، ولا واحد له من لفظه، سواء أقام بالبادية او الدن. قوله: ((فكل حسن)) أي فكل قراءة مما يقرأ أحدكم من العرب، والأعراب، والعجم حسن إذا آثرتم ثواب الَاجلة علي العاجلة، ولا عليكم أن تقيموا ألسنتكم إقامة السهم قبل أن يراش.

стр. 1208

٢٢٠٧ - وعن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اقرأوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل العشق*، ولحون أهل الكتابين، وسيجىء بعدي قومٌ يرجعون بالقرآن ترجع الغناء والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان))، ورزينٌ في ((كتابه)). [٢٢٠٧] ٢٢٠٨ - وعن البراء بن عازب [﵁]، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((حَسِّنُوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيدُ القرآن حُسنًا)) رواه الدارمي. [٢٢٠٨] ــ وسيجىء أقوام يقيمونه إلي آخره. وفيه رفع الحرج، وبناء الأمر علي المساهلة في الظاهر، وتحري الحسنة والإخلاص في العمل، والتفكر في معإني القرأن، والوص في عجائب أمره. ذكر الشيخ أبو حامد في الإحياء أن أكثر الناس منعوا من فهم معإني القرآن لأسباب وحجب أسدلها الشيطان علي قلوبهم، فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن، منها: أن يكون الهم منصرفًا إلي تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها. وهذا يتولي حفظه شيطان وكل بالقراء ليصرفهم عن معإني كلام الله، فلا يزال يحملهم علي ترديد الحروف، ويخيل إليهم أنه لم يخرج الحرف من مخرجه، فهذا يكون تأمله مقصورًا علي مخارج الحروف، فأنى تنكشف له المعإني؟ وأعظم ضحكة للشيطان من كان مطيعًا لمثل هذا التلبيس. الحديث الثاني عن حذيفة: قوله: ((يلحون العرب)) قال صاحب جامع الأصول: اللحون والألحان جمع لحن، وهو التطريب، وترجيع الصوت، وتحسين قراءة القرآن، أو الشعر، أو الغناء. ويشبه أن يكون هذا الذي يفعله قراء زماننا بين يدي الوعاظ وفي المجالس، من اللحون الأعجمية التي يقرأون بها مما نهي عنه رسول الله ﷺ . قوله: ((يرجعون)) الترجيع في القراءة ترديد الحروف كقراءة النصاري. ((الحناجر)) جمع الحنجرة، وهي رأس الفلصمة حيث تراه ثابتًا من خارج الحلق، و ((التجاوز)) يحتمل الصعود والحدور، والمعنى علي الصعود: لا يرفعها الله ولا يقبلها، فكأنها لم تتجاوز حلوقهم، وعلي الحدور: أن قراءتهم لا يصل أثرها إلي قلوبهم، فلا يتفكرون فيه، ولا يعملون بمقتضاه، فلا يثابون علي قراءته، ولا يحصل لهم غير بلوغ الصوت إلي الحناجر. ويؤيد المعنى الثاني قوله: ((مفتونة قلوبهم)) أي مبتلي بحب الدنيا، وتحسين الناس لهم. وهي صفة أخرى بعد صفة القوم. الحديث الثالث عن البراء: قوله: ((حسنوا القرآن بأصواتكم)) معناه ما سبق من أن المراد

стр. 1209

٢٢٠٩ - وعن طاوسٍ، مرسلا، قال: سئل النبي ﷺ : أي الناس أحسن صوتا للقرآن؟ وأحسن قراءة؟ قال: ((من إذا سمعته يقرأ أريت أنه يخشى الله)) قال طاوس: وكان طلق كذلك. رواه الدرامي [٢٢٠٩]. ٢٢١٠ - وعن عبيدة المليكي، وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا أهل القرآن! لا تتوسدوا القرآن، واتلوه حق تلاوته، من آناء الليل والنهار، وأفشوه وتغنوه وتدبروا ما فيه لعلكم تفلحون، ولاتعجلوا ثوابه، فإن له ثوابا)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) [٢٢١٠]. ــ بالتزيين الترتيل، والجهر به، وتحسين الصوت. وهذا الحديث لا يحتمل القلب، كما احتمله الحديث السابق، لتعليله بقوله: ((فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا)). الحديث الرابع عن طاوس: قوله: ((أريت أنه يخشى الله)) أن من حسبته وظنته أنه يخشى الله، وتظهر أمارات الخشية منه، ويتأثر به قلبك. ولا يكون القارىء حينئذ إلا عالما بزواجره، وقوارعه، ومواعيده، فيخشى عذاب الله، ويرجو رحمته. وكأن الجواب من الأسلوب الحكيم حيث اشتغل في الجواب عن الصوت الحسن بما يظهر الخشية في القاريء والمستمع. الحديث الخامس عن عبيدة: قوله: ((لا تتوسدوا القرآن)) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون كناية رمزية عن التكاسل، أي لا تجعلوه وسادة تنامون عليه، بل قوموا به واتلوه آناء الليل وأطراف النهار. هذا معنى قوله: ((واتلوه حتى تلاوته)). وثإنيهما: أن يكون كناية تلويحية عن التغافل، فإن من جعل القرآن وسادة يلزم منه النوم، فتلزم منه الغفلة، يعني لا تغفلوا عن تدبر معإنيه، وكشف أسراراه، ولا تتوانوا في العمل بمقتضاه، والإخلاص فيه. وهذا معنى قوله: ((واتلوه حتى تلاوته)). وقول الله تعالي ﴿إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلإنية يرجون تجارة لن تبور﴾ جامع للمعنيين، فإن قوله: (أقاموا، وأنفقوا) ماضيان عطفا علي ((يتلون)) وهو مضارع، دلالة علي الدوام والاستمرار في التلاوة المثمرة، لتجدد العمل المرجو منه التجارة المربحة. قوله: ((وأفشوه)) أي سمعوا الناس قراءته، وعلموهم، وأكثروا من كتابته، وتفسيره،

стр. 1210

(٢) باب [اختلاف القراءات وجمع القرآن] الفصل الأول ٢٢١١ - عن عمر بن الخطاب [﵁]، قال: سمعت هشام بن حكيم ابن حزام يقرأ سورة (الفرقان) علي غير ما أقرؤها، وكان رسول الله ﷺ اقرإنيها، فكدت أن أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لببته بردائه فجئت به رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! إني سمعت هذا يقرأ سورة (الفرقان) علي غير ما أقرأتنيها. فقال رسول الله ﷺ ((أرسله، اقرأ)) فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ. فقال رسول الله ﷺ : ((هكذا أنزلت)) ثم قال لي ((اقرأ)) فقرأت. فقال: ((هكذا أنزلت، إن ــ وتدرسيه. وقوله: ((تغنوه)) يحتمل الاستغناء والتغني بالجهر، والترتيل. ((ولا تعجلوا)) أي لا تستعجلوا الحظوظ الدنوية به، فإن ثوابه في الآخرة مما لا يقادر قدره، ولا يكننه كنهه، ومن ثم أعاد الثواب منكرا مفخما. باب الفصل الأول الحديث الأول عن عمر بن الخطاب ﵁: قوله: ((فكدت أن أعجل عليه)) أي أن أخاصمه، وأظهر بوادر غضبي عليه. قوله: ((لببته)) - بالتشديد - ((نه)): يقال: لببت الرجل ولببته، إذا جعلت في عنقه ثوبا، وجررته به. ((مح)): في هذا بيان ما كانوا عليه من الاعتناء بالقرآن، والذب عنه، والمحافظة علي لفظه كما سمعوه من غير عدول إلي ما تجوزه العربية. وقال: قال العلماء: سبب إنزاله عى سبعة أحرف: التخفيف والتسهيل، ولهذا قال النبي ﷺ : ((هون علي أمتى)) كما صرح به في آخر الحديث ((فاقرأوا ما تيسر منه)). واختلفوا في المراد بسبعة أحرف. وأصحها وأقربها إلي معنى الحديث قول من قال: هي كيفية النظق بكلماتها من إدغام وإظهار، وتفحيم وترقيق، وإمالة ومد، وهمز وتليين؛ لأن العرب كانت مختلفة اللغات في هذه الوجوه، فيسر الله تعالي عليهم ليقرأ كل بما يوافق لغته، ويسهل علي لسانه. قال أبو الفتوح العجلي في تفسيره: فإن قيل: روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((أنزل القرآن علي سبعة أحرف))، فكيف وجه الزيادة علي السبع؟

стр. 1211

هذا القرآن أنزل علي سبعة أحرفٍ، فاقرأوا ما تيسَّرَ منه)) متفق عليه، واللفظ لمسلم. ٢٢١٢ - وعن ابن مسعود [﵁] قال: سمعت رجلا قرأ، وسمعت النبي ﷺ يقرأ خلافها، فجئت به النبي ﷺ ، فأخبرته، فعرفت في وجهه الكراهية، فقال: ((كلاكما محسن، فلا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا)) رواه البخاري. ــ فالجواب: أن الأئمة قالوا في معنى الخبر: إن الاختلاف في القراءات وإن كثرت وتعددت، الكلمة في نفسها، كقوله تعالي: ﴿ننشزها﴾ و ﴿ننشرها﴾ وبالزيادة والنقصان كقوله تعالي: ﴿قالوا اتخد الله﴾، ﴿وقالوا اتخد الله﴾ بزيادة الواو ونقصها، والوجوه الستة الباقية تكون بأن تثبت الكلمة نفسها جنسها، وتتغير من قبل لواحقها، كالجمع والتوحيد في قوله تعالي: ﴿كطي السجل للكتاب﴾، ﴿والكتب﴾. والثاني: كالتذكير والتإنيث في قوله: ﴿لتحصنكم من بأسكم﴾ و ﴿ليحصنكم﴾. والثالث: الاختلاف التصريفي، كقوله: ﴿ولا كذابا﴾، ﴿ولا كذبا﴾ بالتخفيف والتثقيل، ﴿ومن يقنط﴾ *، و ﴿ومن يقنط﴾ بفتح النون وكسرها. والرابع: الاختلاف الإعرابي: كقوله تعالي: ﴿ذو العرش المجيد﴾ برفع الدال وجرها، والخامس: اختلاف الأدوات، كقوله تعالي: ((ولكن الشياطين)) بتشديد النون وتخفيفها والسادس: اختلاف اللغات، كالتفخيم والإمالة. الحديث الثاني عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((كلاكما محسن)) فإن قلت: كيف يستقيم هذا القول مع إظهار الكراهية؟ قلت: معنى الإحسان راجع إلي ذلك الرجل لقراءته، وإلي ابن مسعود لسماعه من رسول الله ﷺ ثم تحريه في الاحتياط، والكراهية راجعة إلي جداله مع ذلك الرجل كما فعل عمر بهشام؛ لأن ذلك مسبوق بالاختلاف، وكان الواجب عليه أن يقره علي قراءته، ثم يسأله عن وجهها. ((مظ)): الاختلاف في القرآن غير جائز؛ لأن كل لفظ منه إذا جاز قراءته علي وجهين أو أكثر، فلو أنكر أحد واحدًا من ذينك الوجهين أو الوجوه، فقد أنكر القرآن ولا يجوز في القرآن القول بالرأي؛ لأن القرآن سنة متبعة، بل عليهما أن يسألا عن ذلك ممن هو أعلم.

стр. 1212

٢٢١٣ - وعن أبي بن كعب، قال: كنتُ في المسجد، فدخل رجلٌ يصلي، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة، دخلنا جميعًا علي رسول الله ﷺ ، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه. فأمرهما النبي ﷺ فقرأ، فحسن شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأي رسول الله ﷺ ما قد ــ الحديث الثالث عن أبي بن كعب ﵁: قوله: ((ودخل آخر)) عطف علي مقدر، أي قلت: إن هذا دخل في المسجد فقرأ قراءة انكرتها، ودخل آخر. قوله: ((فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذا كنت)) ((مظ)): يعني وقع في خاطري من تكذيب النبي ﷺ في تحسينه لشأنهما تكذيبًا أكثر من تكذيبي إياه قبل الإسلام. ((مح)): معناه وسوس لي الشيطان تكذيبًا أشد مما كنت عليه في الجاهلية؛ لأنه كان في الجاهلية غافلا، أو متشككا. ((تو)): إنما استعظم الحالة التي ابتلي بها فوق ما استعظم حالته الأولي؛ لأن الشك الذي يداخله في أمر الدين، ورد علي مورد اليقين، والمعرفة بعد النكره أطم وأعظم. وقيل: فاعل ((سقط)) محوف، أي فوقع في نفسي من التكذيب ما لم أقدر علي وصفه، ولم أعهد بمثله، ولا إذا كنت في الجاهلية. أقول: قد أحسن هذا القائل وأصاب في هذا التقدير، ويشهد له قوله: ((فلما رأي رسول الله ﷺ ما قد غشيني)) أي من التكذيب، فـ ((من)) علي هذا بيإنية، و ((الواو)) في ((ولا إذ كنت)) تستدعي معطوفا عليه، و ((لا)) المؤكدة توجب أن يكون المعطوف عليه منفيا، وهو هذا المحذوف. وها أسد في العربية من جعل ((ولا إذ كنت)) صفة لمصدر محذوف، كما سبق؛ لأن واو العطف مانعة. ولو ذهب إلي الحال لجاز علي التعسف. وفي استعمال السقوط والقذف في المعإني، وأنهما مستعملان في الأجسام، إشعار بشدة الخطب، وفخامة الأمر، فاستعارة ((سقط)) لفخامة في الحديث، كاستعارة القذف للإزالة، والمغ للمحق، في قوله تعالي: ﴿بل نقذف بالحق علي الباطل فيدمغه﴾. قوله: ((ففضت عرقا)) ((مظ)): ((عرقًا وفرقًا)) منصوبان علي التمييز، والتظاهر أن يكون ((فرقًا)) مفعولا له، أو حالا؛ لأنه لا يجوز أن يقال: نظر في فرقي. كان أبي من أفاضل الصحابة، ومن الموقنين، وكان طريان ذلك التكذيب بسبب الاختلاف نزعة من الشيطان، فلما أصاب بركة يده وضربه ﷺ علي صدره، زالت تلك الهاجسة إلي الخارج مع العرق، فرجع الشك المسبوق بعلم اليقين إلي عين اليقين، فنظر إلي الله خوفا، خجلا مما غشيه من الشيطان.

стр. 1213

غشيني، ضرب في صدري، ففضت عرقاً، وكأنما أنظر إلي الله فرقاً، فقال لي: ((يا أبي! أرسل إلي: أن اقرأ القرآن علي حرف. فرددت إليه: أن هون علي أمتي، فرد إلي الثانية: اقرأه علي حرفين، فرددت إليه: أن هون علي أمتي، فرد إلي الثالثة: اقرأه علي سبعة أحرف، ولك بكل ردة رددتكها مسألة تسألينها، فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم ﵇) رواه مسلم. ــ قوله: ((أن هون علي أمتي)) ((أن)) يجوز أن تكون مفسرة لما في ((رددت)) من معنى القول، ويجوز أن تكون مصدرية وإن كان مدخوله أمراً. وجوز ذلك صاحب الكشاف نقلا عن سيبويه. والرد هاهنا ليس ضد القبول، وإنما هو سجع ورد للجواب، ولذلك سمي إجابة الله تعالي أيضاً رداً. فإن قلت: قوله: ((فرد إلي الثانية)) يستدعي الردة الأولي، وليس في الكلام ما يشعر به؟ قلت: قوله: ((أرسل إلي)) سمي رداً: إما مشاكلة، أو مسبوقاً بطلب من الرسول كيفية القراءة. قوله: ((تسألينها)) صفة مؤكدة لمسألة، كقوله تعالي: ﴿ولا طائر يطير﴾ أي مسألة ينبغي لك أن تسألها، وأنك لا تخيب فيها. قوله: ((وأخرت الثالثة)) قيل: لما انقسم من يحتاج إلي مغفرته تعالي من أمة محمد ﷺ إلي مفرط ومفرط، استغفر ﷺ مرة للمقتصد المفرط في الطاعة، وأخرى للظالم المفرط في المعصية، وأخر الثالثة لاحتياج جميع الأولين والآخرين يومئذ إليها. وأقول: جعل رسول الله ﷺ المسائل الثلاث مقصورة علي واحدة، لكن جعل تعدادها بحسب الزمان، مرتين في الدنيا، ومرة في الآخرة، يوم يقول الأنبياء كلهم: ((نفسي نفسي))، وهو يقول: ((أمتي أمتي)) فقوله: ((يرغب إلي الخلق)) صفة لـ ((يوم)) أي أخرت قولي: ((اللهم اغفر لأمتي)) لأجل يوم هذا وصفه، وينصر هذا التأويل ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، فإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي إلي يوم القيامة)) انظر إلي هذه الرأفة، والمرحمة، والحدب لأمته ﷺ . وفيه: أنه ﷺ طلب من الله تعالي لأمته السهولة واليسر في القراءة ثلاث مرات، فأسعفه الله تعالي وأنجح مطلوبه، ولم يكتف بذلك بل أمره بأن يزيد علي المسألة بما يسهل عليهم في الآخرة ليجمع لهم التيسير والتسهيل في الدارين. فالله أرأف بهم وأرحم لهم.

стр. 1214

٢٢١٤ - وعن ابن عباس [﵄]. قال: إنَّ رسول الله ﷺ ، قال: ((أقرإني جبريل علي حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني، حتى انتهي إلي سبعة أحرف)). قال ابن شهاب: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر تكون واحداً لا تختلف في حلال ولا حرام. متفق عليه. الفصل الثاني ٢٢١٥ - عن أبي بن كعب [﵁] قال: لقي رسول الله جبريل، فقال: ((يا جبريل! إني بعثت إلي أمة أميين، منهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط. قال: يا محمد! إن القرآن أنزل علي سبعة أحرف)). رواه الترمذي. وفي رواية لأحمد، وأبي داود: قال: ((ليس منها إلا شاف كاف)). وفي رواية للنسائي، قال: ((إن جبريل وميكائيل أتيإني، فقعد جبريل عن يميني ــ الحديث الرابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((فلم أزل أستزيده)) ((مح)): أي لم أزل أطلب منه أن يطلب من الله الزيادة في الأحرف للتوسعة والتخفيف، ويسأل جبريل ربه تعالي فيزيده. قوله: ((إنما هي في الأمر تكون واحداً)) معناه أن ذلك الاختلاف يرجع إلي معنى واحد وإن اختلف اللفظ من هيئته إلي سبعة أنحاء. وأما إذا اختلف اللفظ بحسب الاختلاف في الأداء إلي أن يصير المنفي مثبتاً، والمثبت منفياً، والحرام حلالاً، والحلال حراماً، مثلا، فلا يجوز ذلك، لقوله تعالي: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ الفصل الثاني الحديث الأول عن أُبي ﵁: قوله: ((قال: يا محمد! إن القرآن أنزل علي سبعة أحرف)) يعني ذكرت أن أمتك أميون، عاجزون غير قادرين علي أن يتفقوا علي قراءة واحدة، فإن الله تعالي سهل عليهم، ويسر لهم، فأنزل القرآن علي سبع لغات، فيقرأ كل بما يسهل عليه. قوله: ((وليس منها إلا شاف كاف)) أي ليس حرف من تلك الأحرف في أداء المقصود من فهم المعنى إلا شاف للعليل، ومن إظهار البلاغة والفصاحة إلا كاف للإعجاز. ((حس)): يريد - والله أعلم - أن كل حرف من هذه الأحرف السبعة شاف لصدور المؤمنين لاتفاقها في

стр. 1215

وميكائيل عن يساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن علي حرف، قال ميكائيل: استزده، حتى بلغ سبعة أحرف، فكل حرف شاف كاف)). ٢١٦٦ _ * وعن عمران بن حصين [﵄]، أنه مر علي قاص يقرأ، ثم يسأل. فاسترجع ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجىء أقوام يقرأون القرآن يسألون به الناس)) رواه أحمد، والترمذي. الفصل الثالث ٢١٧٧ - عن بريدة [﵁]، قال: رسول الله ﷺ : ((من قرأ القرآن يتأكل به الناس، جاء يوم القيامة ووجهه عظم ليس عليه لحم)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). ــ المعنى، وكونها من عند الله تعالي، وهو كاف في الحجة علي صدق النبي ﷺ لإعجاز نظمه، وعجز الخلق عن الإتيان بمثله. الحديث الثاني عن عمران بن حصين: قوله ((علي قاص)) أي يقص الأخبار ويكدي، فاسترجع عمران، وقال: ((إنا لله وإنا إليه راجعون)) لما ابتلي بهذه المصيبة، ولأنها من أمارات القيامة. قوله: ((فيسأل الله به)) يحتمل وجهين: أحدهما: أنه كلما قرأ آية رحمة ذكرت فيها الجنة يسأل الله، وآية عذاب فيها ذكر النار يتعوذ منها إلي غير ذلك. وثإنيهما: أن يدعو بعد الفراغ من القراءة بالأدعية المأثورة. ((مح)): يستحب الدعاء بعد قراءة القرآن استحباباً متأكداً تأكيداً شديداً، فينبغي أن يلح في الدعاء، وأن يدعو بالأمور المهمة، والكلمات الجامعة، وأن يكون معظم ذلك بل كله في أمور الآخرة، وأمور المسلمين، وصلاح سلطانهم، وسائر ولاة أمورهم، وفي توفيقهم للطاعات وعصمتهم من المخالفات، وتعاونهم علي البر والتقوى، وقيامهم بالحق، واجتماعهم عليه، وظهورهم علي أعداء الدين. الفصل الثالث الحديث الأول عن بريدة: قوله: ((يتأكل به الناس)) يتأكل بمعنى يستأكل، كقوله تعالي: ﴿فمن تعجل في يومين﴾ أي استعجل، و ((الباء)) في ((به)) للآلة، كما في قولك: كتبت بالقلم، أي من تعجل القرآن ذريعة ووسيلة إلي حطام الدنيا، جاء يوم القيامة في أسوأ حالة

стр. 1216

٢١١٨ - وعن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه (بسم الله الرحمن الرحيم) رواه أبو داود. ٢٢١٩ - وعن علقمة، قال: كنا بحمص، فقرأ ابن مسعود سورة (يوسف)، فقال رجل: ما هكذا أنزلت. فقال عبد الله: والله لقرأتها علي عهد رسول الله ﷺ ، فقال: ((أحسنت)). فبينما هو يكلمه إذ وجد منه ريح الخمر. فقال: أتشرب الخمر وتكذب بالكتاب؟! فضربه الحد. متفق عليه. ٢٢٢٠ - وعن زيد بن ثابت قال: أرسل إلي أبو بكر [﵁] مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر: إن عمر أتإني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى إن استحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب ــ وأقبح صورة، حيث عكس وجعل الأشياء وأعزها وصلة إلي أذل الأشياء وأحطها. وهو أبلغ مما روي عنه ﷺ ((ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مذعة لحم)) [لأنه أخبر عن وجهه بأنه عظم حرق ثم أكده بقوله: ((وليس عليه مزعة لحم))]. ومنه قول الشيخ الشاطبي: تخيرهم نقادهم كل بارع ... وليس علي قرآنه متأكلا سمعت شيخي عبد الرحمن الأفضلي ﵀ يقول: من استجر الجيفة ببعض الملاهي والمعارف أهون ممن استجرها بالمصحف، وفي الإحياء: من طلب بالعلم المال كان كمن مسح أسفل مداسه ونعله بمحاسنه لينظفه. الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((حتى ينزل عليه بسم الله)) هذا الحديث وما يسرد في آخر الباب دليلان ظاهران علي أن البسملة آية من كل سورة، أنزلت مكررة للفصل. الحديث الثالث عن علقمة: قوله: ((فقال: أحسنت)) أي قال رسول الله ﷺ لي: ((أحسنت)) وفي ظاهر قوله: ((يكذب بالكتاب)) أن من أنكر شيئاً من القراء المشهورة، فقد كذب بالكتاب، والمكذب كافر، لكن قالو: ليس بكافر؛ لأن إنكار القراءة إنكار في أداء الكلمة، لا في جوهرها، ولذلك أجرى عليه حد الشارب، لاحد المرتد، فنسبة التكذيب إليه تغليظ. الحديث الرابع عن زيد بن ثابت: قوله: ((مقتل أهل اليمامة)) ((مقتل)) ظرف زمان، أي أيام قتل أهل اليمامة، واليمامة بلاد الجو، وكان يقال لها: زرقاء، يضرب بها المثل في قوة البصر، فيقال: أبصر من زرقاء اليمامة، ثم إن أبا بكر بعث خالد بن الوليد مع جيش من

стр. 1217

كثير من القرآن، وإني أرى تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأي عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قال: قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبو بكر وعمر. فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة (التوبة) مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره: ﴿لقد جاءكم ــ المسلمين، فاقتتل المسلمون وبنو حنيفة قتالا ما رأي المسلمون قتلة مثلها، وقتل المسلمين ألف ومأتان، وخرج من بقى، وكان عدة من قتل من القراء يومئذ سبعمائة، ثم إن براء بن مالك ثار، فحمل علي أصحاب مسيلمة، فانكشفوا وتبعهم المسلمون، وقتلوا مسيلمة وأصحابه. قوله: ((قد استحر)) ((نه)): أي كثر واشتد، وهو استفعل من الحر الشدة. قوله: ((إني أخشى إن استحر القتل بالقراء)) ((إن استحر)) مفعول ((أخشى)) و ((الفاء)) في ((فيذهب)) للتعقيب. ويجوز أن يكون مفعول ((أخشى)) محذوفاً، و ((إن)) بالكسر، والجملة الشرطية بيان للمحذوف. والخشية إنما تكون مما لم يوجد من المكروه، فعلي هذا المراد من ((استحر)) الزيادة علي ما كان. قوله: ((هذا والله خير)) رد لقوله: ((كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ) وإشعار بأن من البدع ما هو حسن وخير. قوله: ((إنك رجل شاب)) وفي التقييد بـ ((شاب)) إشارة إلي حدة نظره، وبعده عن النسان، وضبطه وإتقانه، و ((لا نتهمك)) إلي عدم ضعفه، ونسيانه، وكذبه، وأنه صدوق، وذلك صريح بكمال ورعه، وتمام معرفته، وغزارة علومه، وشدة تحقيقه، وتقعده في هذا الشأن وتمكنه منه. قوله: ((اجمعه من العسب)) حال من فاعل ((تتبعت) أو من مفعوله. ((العسب)) جمع عسيب، وهو سعف النخل. و ((اللخاف)) جمع لخفة، وهي الحجارة البيض الرقاق، والمراد بصدور الرجال الذين جمعوا القرآن، وحفظوه في صدورهم كاملاً في حياة رسول الله ﷺ كأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبي زيد. وفي رواية أبي الدرداء بدل أبي فيكون ما في العسب واللخاف وغيرهما تقريراً علي تقرير. فإن قلت: كيف التوفيق بين قولك هذا وبين

стр. 1218

رسول من أنفسكم﴾ حتى خاتمة (براءة)، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر. رواه البخاري. ٢٢٢١ - وعن أنس بن مالك: أن حذيفة بن اليمان قدم علي عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلي حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف، ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلي عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث ابن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاث: إذا اختلفتم في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلي حفصة، وأرسل إلي كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن ــ قوله: ((لم أجدها مع أحد غير أبي خزيمة))؟ قلت: الحفاظ حفظوها ثم نسوها، فلما سمعوها استذكروا كما قال زيد: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة ابن ثابت. قال السخاوي في شرح الرائية: فإن قيل: فما قصد عثمان بإرساله إلي حفصة، وإحضاره الصحف, وقد كان زيد ومن أضيف إليه حفظه في زعمكم؟ قلت: الغرض بذلك سد باب المقالة وأن يزعم زاعم أن في المصحف قرآنا لم يكتب، ولئلا يرى إنسان فيما كتبوه شيئا مما لم يقرأ به فينكره، فالصحف شاهدة بصحة جميع ما كتبوه. الحديث الخامس عن أنس ﵁: قوله: ((إذا اختلفتم- إلي قوله- فاكتبوه بلسان قريش)) فإن قلت كيف الجمع بين هذا وبين قوله: ((أنزل القرآن علي سبعة أحرف)) أي لغات؟ قلت: الكتابة والمثبت في المصحف بلغة قريش لا يقدح في القراءة بتلك اللغات. وقوله: ((إنما نزل بلسانهم)) يريد به: أن أول ما نزل بلغة قريش، وهو الأصل ثم خفف ورخص أن يقرأ بسائر اللغات. قول ((أن يحرق)) بالحاء المهملة. وفي- شرح السنة- بالخاء المعجمة، وحققه بما في شرح السنة عن الوليد ابن مسلم سألت مالكا عن تفضيض المصحف، فأخرج إلينا مصحفا، فقال: حدثني أبي عن جدي: أنهم جمعوا القرآن علي عهد عثمان ﵁ وأنهم فضضوا المصاحف علي هذا ونحوه.

стр. 1219

يحرق. قال ابن شهاب: فأخبرني خارجة ابن زيد بن ثابت: أنه سمع زيد بن ثابت قال: فقدت آية من (الأحزاب) حين نسخنا المصحف، قد كنت اسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾، فألحقناها في سورتها في المصحف. رواه البخاري. ٢٢٢٢ - وعن ابن عباس، قال: قلت لعثمان: ما حملكم علي أن عمدتم إلي (الأنفال)، وهي من المثإني، وإلي (براءة)، وهي من المثين، فقرنتم بينها ولم تكتبوا سطر ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، ووضعتموها في السبع الطوال؟ ما حملكم علي ذلك؟ قال عثمان: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان، وهو تنزل عليه السور ذوات العدد، وكان إذا نزل عليه شيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: ((ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا)) فإذا نزلت عليه الآية فيقول: ((ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا)). وكانت (الأنفال) من أوائل ما نزلت بالمدينة، وكانت (براءة) من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب سطر ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ووضعتها في السبع الطوال. رواه الترمذي، وأبو داود. [٢٢٢٢] ــ ((حس)): في الحديث البيان الواضح أن الصحابة ﵃ جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزل الله تعالي علي رسوله ﷺ ، من غير أن زادوا فيه أو أنقصوا منه شيئا باتفاق من جميعهم، وكتبوه كما سمعوه من رسول الله ﷺ من غير أن قدموا شيئا، أو أخروا، أو وضعوا له ترتيبا لم يأخذوه من رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ يلقن أصحابه ويعلمهم ما ينزل عليه من القرآن علي الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل صلوات الله عليه إياه علي ذلك، وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقب آية في السورة التي يذكر فيها كذا، روى معنى هذا عن عثمان ﵁. الحديث السادس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((وهي من المثإني)) أي من السبع

стр. 1220

كتاب الدعوات الفصل الأول ٢٢٢٣ - عن أبي هريرة [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي إلي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا)) رواه مسلم، وللبخاري أقصر منه [٢٢٢٣]. ــ المثإني، وهي السبع الطول ((وإلي براءة وهي من المثين)) أي مائة وثلاثون آية، فقرنتم بينهما، ولم تفصلوا بالبسملة. وتوجيه السؤال: أن الأنفال ليست من السبع الطول لقصرها عن المثين؛ لأنها سبع وسبعون آية، وليست غيرها لعم الفصل بينا وبين براءة، فأجاب عثمان ﵁ بما يشاكل ما وجده، فعلم من جوابه أن الأنفال والبراءة نزلتا منزلة سورة واحدة، وكملت السبع الطوال بها. كتاب الدعوات ((غب)): الدعاء كالنداء، وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر، قال تعالي ﴿كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء﴾ ويستعمل استعمال التسمية نحو: دعوت ابني زيدًا، أي سميته، قال الله تعالي: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ أي لا تقولوا: يا محمد؛ تعظيما له وتوقيرا. ((مح)): دلت الأحاديث الصحيحة علي استحباب الدعاء والاستعاذة، وعليه أجمع العلماء وأهل الفتاوى في الأمصار في كل الأعصار، وذهب طائفة من الزهاد وأهل المعارف إلي أنترك الدعاء أفضل استسلاما للقضاء. وقال آخرون منهم: إن دعا للمسلمين فحسن، وإن خص نفسه فلا، ومنهم من قال: إن وجد في نفسه باعثا للدعاء استحب وإلا فلا. ودليل الفقهاء ظواهر القرآن والسنة في الأمر بالدعاء والإخبار عن الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((اختبأت دعوتي)) أي ادخرتها وجعلتها خبيئة لنفسي. الاختباء: الاختفاء والستر. قول: ((نائلة)) أي واصلة. يقال: نال ينال نيلا، إذا

стр. 1221

٢٢٢٤ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((اللهم إني اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه، فإنما أنا بشر، فأي المؤمنين آذيته: شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة)) متفق عليه. ــ أصاب فهو نائل. ((شف)): ((من مات)) في محل النصب علي أنه مفعول لـ ((نائلة)) وقوله: ((لا يشرك بالله)) نصب علي الحال من فاعل ((مات)) أي شفاعتي نائلة من مات من أمتي غير مشرك بالله شيئًا. ((مظ)): اعلم أن جميع دعوات الأنبياء مستجابة, والمراد بهذا الحديث: أنَّ كلَّ نبي دعا علي أمته بالإهلاك، كنوح، وصالح، وشعيب، وموسى، وغيرهم، وأما نبينا ﷺ ، فلم يدع علي أعدائه بالإهلاك، فأعطى قبول الشفاعة يوم القيامة عوضا عما لم يدع علي أمته، وصبر علي أذاهم، ونعني بالأمة هنا أمة الدعوة، لا أمة الإجابة، فإن أحدا من الأنبياء لم يدع علي من أجابه من أمته، بل دعا علي من كفر به. أقول: هذا مشكل؛ لأنه ﷺ دعا علي أحياء من العرب بقوله: ((اللهم العن فلانا وفلانا))، ودعا علي رعل، وذكوان، وعصية، ودعا علي مضر، وقال: ((اللهم اشدد وطأتك علي مضر، واجعلها سنين كسني يوسف)) فالتأويل المستقيم، أن معنى قوله: ((لكل نبي دعوة مستجابة)) أن الله تعالي جعل لكل نبي دعوة واحدة مستجابة في حق أمته، فكل من الأنبياء نالوها في الدنيا بإهلاك قومه، وأنا ما نلتها في الدنيا، حيث دعوت علي بعض أمتي فقيل لي: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم﴾ فبقيت تلك الدعوة المستجابة مدخرة في الآخرة، وأما دعاؤه علي مضر فليس للإهلاك، بل للارتداع لينيبوا إلي الله تعالي، فانظر أيها المتأمل بين الدعاءين، ثم تحقق قوله تعالي: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، وأما قوله: ((إن جميع دعوات الأنبياء مستجابة)) فيقف عليه عند قوله ﷺ : ((سألت الله ثلاثا فأعطإني اثنين ومنعني واحدة)) وهي: أن لا يذيق بعض أمته بأس بعض، والله أعلم. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((اتخذت عندك عهدا)) ((قض)): لما كان كل واحد من العهد والوعد متضمنا معنى الآخر، عبر عن الوعد بالعهد تأكيدًا وإشعارًا بأنه من المواعيد التي لا يتطرق إليها الخلف، وقال ((لن تخلفنيه)) ولا ينبغي أن يتطرق إليها كالمواثيق، ولذلك استعمل فيه الخلف، فقال: ((لن تخلفنيه)) للمبالغة وزيادة التأكيد. ((تو)): العهد هنا الأمان، المعنى: أسألك أمانًا لن تجعله خلاف ما أترقبه وأرتجيه، وإنما وضع الاتخاذ موضع السؤال تحقيقًا للرجاء بأنه حاصل إذا كان موعودا بإجابة الدعوة؛ ولهذا قال: ((لن تخلفنيه)) أحل العهد المسئول محل الشيء الموعود، ثم أشار إلي أن وعد الله لا يتأتى فيه الخلف، فإن الإلوهية تنافيه.

стр. 1222

٢٢٢٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دعا أحدكم فلا بقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت، وليعزم مسألته، غنه يفعل ما يشاء، ولا مكره له)) رواه البخاري. ٢٢٢٦ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم ــ ((غب)): العهد: حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال، وسمي الموثق الذي يلزم مراعاته عهدا، والاتخاذ: افتعال من الأخذ، وقد تعدى إلي مفعولين، ويجري مجرى الجعل. أقول: أصل الكلام، إني طلبت منك حاجة تسعفني إياها، ولا تخيبني فيها. فوضع العهد الموثق موضع الحاجة مبالغة في كونها مقضيه، ﴿إن العهد كان مسئولا﴾، ووضع ((لن تخلفنيه)) موضع لا تخيبني فيها نظرا إلي أن الألوهية منافية لخلف الوعد، أو أن العهد إنما يقع بين الاثنين فيوحي علي كل واحد من المتعاهدين مراعاته بالحفظ والاستيفاء، فوضع ((لن تخلفنيه)) موضع ((لن تنقضه)) مبالغة كما مر. ((قض)): قوله: ((فإنما أنا بشر)) تمهيد لمعذرته فيما يندر عنه ﷺ ، لأن من لوازم البشرية الغضب المؤدي إلي ذلك. وقوله: ((فأي المؤمنين)) إلي آخره بيان وتفصيل لما كان يلتمسه، قابل أنواع الفظاظة والإيذاء بما يقابلها من أنواع التعطف والألطاف، وعد الأقسام الأول متناسقة من غير عاطف، وذكر ما يقابلها بالواو لما كان المطلوب معارضة كل واحد من تلك بهذه الأمور، وأقول: لعل قوله: ((شتمته، لعنته، جلدته)) تفصيل لقوله ((آذيته)) ومن ثم أفرد الضمير ثلاثة، وإتيانه في قوله: ((صلاة وزكاة وقربة)) ليجمعها بإزاء واحدة من تلك الخلال علي سبيل الاستقلال، وليس من باب اللف والنشر*، ((تو)): و ((الصلاة)) وضعت ها هنا موضع الترحم والرأفة، و ((الزكاة)) يراد بها الطهارة من الذنوب، والنماء، والبركة في الأفعال. وهذه هي الرأفة التي أكرم الله بها وجهه حتى حظي بها المسيء، فما ظنك بالمحسن؟. قال الله تعالي: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم- إلي قوله- بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ وقال تعالي: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾. الحديث الثالث والرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وليعزم مسألته)) ((نه)): أي يجد فيها ويقطعها. ((مظ)): نهي عن قوله: ((إن شئت)) في الدعاء؛ لأنه شك في القبول، بل ليعزم مسألته، وليكن متيقنا في قبول الدعاء، فإن الله تعالي كريم لا بخل عنده، وقدير لا يعجز عن شيء، ولا يكرهه أحد، ولا يحكم عليه، فلا يجوز أن يقال: اغفر لي إن شئت.

стр. 1223

اغفر لي إن شئت؛ ولكن ليعزم وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه)) رواه مسلم [٢٢٢٦]. ٢٢٢٧ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل)). قيل: يا رسول الله ما الاستعجال قال: ((يقول: قد دعوت، وقد دعوت. فلم أر يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء)). رواه مسلم [٢٢٢٧]. ــ والضمير في ((أعطاه)) يرجع إلي ((شيء)) يعني لا يعظم عليه إعطاء، بل جميع الموجودات في أمره يسير، أقول: قوله: ((إن شئت)) في الحديثين ليس بمعنى واحد؛ لأن تعليل قوله: ((ليعزم)) بما بعده يوجب الفرق، فقوله: ((إن الله يفعل ما يشاء ولا مكره له)) يقتضي أن يُأول قوله: ((اغفر لي إن شئت)) بأنه لا مشيئة لأحد غيرك؛ ليطابق التعليل، ويأول الثاني: بأنه لا كراهة لك فيما تعطي؛ لأن العظيم والحقير عندك سيان. الحديث الخامس عن أبي هريرة: قوله: ((ما لم يدع)) ((ما)) ظرف لـ ((يستجاب)) بمعنى المدة، وكان من حق الظاهر أن يجاء بالعاطف في قوله: ((ما لم يستعجل)) فتركه العاطف علي تقدير عامل آخر استقلالا لكل من القيدين؛ أي يستجاب ما لم يدع بإثم، يستجاب ما لم يستعجل، فترك العاطف استئنافا كأنه لما سمع المخاطب قوله: يستجاب ما لم يدع بإثم، سأل هل الاستجابة مقصورة علي هذا القيد أم لا؟ فأجيب: لا، بل يستجاب ما لم يستعجل. قول: ((قد دعوت وقد دعوت)) التكرار والاستمرار، أي دعوت دعوة مرارا كثيرة، وقوله: ((فلم أر يستجاب)) أي: فلم أعلم، مفعول أول ((أر)) محذوف، و ((يستجاب)) مفعول ثان، قيل: جاز ذلك، لأنها من دواخل المبتدأ والخبر، فكما جاز المبتدأ جاز ما أقيم مقامه، كذا ذكر صاحب الكشاف في قوله تعالي: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء﴾ أي بل هم أحياء. قوله: ((فيستحسر)) أي يمل. ((نه)): هو استفعال من حسر إذا أعيى وتعب. ((مظ)): من كان

стр. 1224

٢٢٢٨ - وعن أبي الدرداء] ﵁ [قال: قال رسول الله ﷺ : ((دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة وعند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل)) رواه مسلم [٢٢٢٨]. ٢٢٢٩ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تدعو علي أنفسكم، ولا تدعوا علي أولادكم، ولا تدعوا علي أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم)) رواه مسلم [٢٢٢٩]. وذكر حديث ابن عباس: ((اتق دعوة المظلوم)) في كتاب الزكاة. ــ ملاله من الدعاء لا يقبل الله دعاءه؛ لأن الدعاء عبادة حصلت الإجابة أو لم تحصل، فلا ينبغي للمؤمن أن يمل من العبادة، وتأخير الإجابة إما لأنه لم يأت وقتها؛ فإن لكل شيء وقتا، وإما لأنه لم يقدر في الأزل قبول دعائه في الدنيا، ليعطى عوضه في الآخرة، وإما أن يؤخر القبول ليلح، ويبالغ فيها، فإن الله تعالي يحب الإلحاح في الدعاء. الحديث السادس عن أبي الدرداء ﵁: قوله: ((بظهر الغيب)) الظهر: مقحم وموضعه نصب علي الحال من المضاف إليه؛ لأن الدعوة مصدر أضيف إلي الفاعل. ويجوز أن يكون ظرفا للمصدر. وقوله: ((مستجابة)) خير لها. وقوله ((عند رأسه ملك)) جملة مستأنفة مبينة للاستجابة، والباء في ((بمثل)) زائدة في المبتدأ، كما في قولك: بحسبك درهم. ((مح)): معناه دعوة المسلم في غيبة المدعو له وفي السر مستجابة؛ لأنها أبلغ في الإخلاص. وقوله: ((ولك بمثل)) بكسر الميم رواية مشهورة, وعن القاضي عياض: بفتح الميم والثاء وبزيادة الياء والهاء، بمثله أي عديله سواء, وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوة؛ لأنها تستجاب ويحصل له مثلها. الحديث السابع عن جابر ﵁: قوله: ((لا توافقوا)) نهي للداعي وعلة للنهي، أي لا تدعوا علي أنفسكم وعلي أولادكم، كي لا توافقوا ساعة الإجابة فتندموا، قوله: ((فيستجيب)) نصب علي أنه جواب النهي من قبيل ((لا تدن من الأسد يأكلك)) علي مذهب الكسائي. ويحتمل أن يكون مرفوعًا، أي فهو يستجيب.

стр. 1225

الفصل الثاني ٢٢٣٠ - عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الدعاء هو العبادة)) ثم قرأ: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ رواه أحمد والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة [٢٢٣٠]. ٢٢٣١ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الدعاء مخ العبادة)) رواه الترمذي [٢٢٣١]. ــ الفصل الثاني الحديث الأول والثاني عن النعمان بن بشير ﵁: قوله: ((الدعاء هو العبادة)) أتى بضمير الفصل، والخبر المعرف باللام، ليدل علي الحصر، وأن العبادة ليست غير الدعاء. ((قض)): لما حكم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة من حيث إنه يدل علي أن فاعله مقبل بوجهه إلي الله تعالي معرض عما سواه، لا يجو ولا يخاف إلا منه، استدل عليه بالآية، فإنها تدل علي أنه أمر مأمور به، إذا أتى به المكلف قبل منه لا محالة، وترتب عليه المقصود ترتب الجزاء علي الشرط، والمسبب علي السبب، وما كان كذلك كان أتم العبادات وأكملها، وتقرب منه الرواية الأخرى، فإن مخ الشيء خالصه. ((غب)): العبودية: إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها، لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وأقول: يمكن أن تحمل العبادة علي المعنى اللغوي، أي الدعاء ليس إلا إظهار غاية التذلل، والافتقار والاستكانة. قال الله تعالي: ﴿يأيها الناس أنتم الفقراء إلي الله والله هو الغني الحميد﴾. الجملتان واردتان علي الحصر، وما شرعت العبادات إلا للخضوع للباري، وإظهار الافتقار إليه، وينصر هذا التأويل ما بعد الآية المتلوة ﴿إن اللذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾. حيث عبر عن عدم الافتقار والتذلل بالاستكبار ووضع ((عبادتي)) موضع دعائي، وجعل جزاء ذلك الاستكبار، الصغار والهوان.

стр. 1226

٢٢٣٢ - وعن أبي هريرة [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس شيء أكرم علي الله من الدعاء)) رواه الترمذي، وابن ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب [٢٢٣٢]. ٢٢٣٣ - وعن سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر)) رواه الترمذي. ــ الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ليس أكرم علي الله من الدعاء)) ((أكرم)) نصب خبر ((ليس)) فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين قوله تعالي: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ قلت: كل شيء يشرف في بابه فإنه يوصف بالكرم، قال الله تعالي ﴿فأنبتنا فيها من كل زوج كريم﴾. وإنما كان أكرم الناس أتقاهم؛ لأن الكرم من الأفعال المحمودة، وأكرمها ما يقصد به أشرف الوجوه فأشرف الوجوه ما يقصد به وجه الله تعالي، فمن قصد ذلك بمحاسن أفعاله فهو التقي، فإذا أكرم الناس أتقاهم، وعلي هذا حكم الدعاء؛ لأنه مخ العبادة كما مر. الحديث الرابع عن سلمان الفارسي ﵁: قوله: ((لا يرد القضاء إلا الدعاء)). ((تو)): القضاء الأمر المقدر، في تأويل الحديث وجهان: أحدهما أن يراد بالقضاء ما يخافه العبد من نزول المكروه، ويتوقاه، فإذا وفق للدعاء دفع الله عنه، فتكون تسميته بالقضاء علي المجاز، ويزيد توضيحه ما سئل ﷺ ((أرأيت رقى نسترقيها- إلي قوله: قال ((هي من قدر الله)) فقد أمر الله تعالي بالدعاء والتداوي، مع علم الخلق بأن المقدور كائن؛ لأن حقيقة المقدور وجودا أو عدما مخفية عنهم، وثإنيهما: أن يراد به الحقيقة، فيكون معنى رد الدعاء القضاء، تهوينه وتيسير الأمر فيه حتى يكون القضاء النازل كأنه لم ينزل به، ويؤيده الحديث التالي: ((إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل)) أما نفعه مما نزل عليه، فصبره عليه، وتحمله له، رضاه به، حتى لا يكون في نزوله متمنيًا خلاف ما كان، وأما نفعه مما لم ينزل، فهو أن يصرفه عنه، أو يمده قبل النزول بتأييد من عنده، حتى تخف معه أعباء ذلك إذا نزل به. قال أبو حامد الغزالي ﵀: فإن قيل: فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له؟ فاعلم أن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب لرد البلاء، ووجود الرحمة، كما أن الترس سبب لدفع السلاح، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع

стр. 1227

٢٢٣٤ - وعن ابن عمر] ﵁ [، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء)) رواه الترمذي. [٢٢٣٤] ــ السهم فيتدافعان، كذلك الدعاء والبلاء، وليس من شرط الاعتراف بالقضاء أن لا يحمل السلاح، وقد قال تعالي: ﴿وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾. فقدر الله تعالي الأمر وقدر سببه، وفي الدعاء من الفوائد ما ذكرنا من حضور القلب، والافتقار، وهما نهاية العبادة والمعرفة. قوله: ((ولا يزيد في العمر إلا البر)) ((شف)): قيل: معناه إذا أبر فلا يضيع عمره، فكأنه زاد. وقيل: يزاد في العمر حقيقة، قال الله تعالي: ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب﴾. وقال تعالي: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾. وذكر في الكشاف أنه لا يطول عمر إنسان ولا يقصر إلا في كتاب. وصورته: أن يكتب في اللوح المحفوظ إن حج فلان أو غزا فعمره أربعون سنة، وإن حج وغزا فعمره ستون سنة، فإذا جمع بينهما، فبلغ الستين، فقد عمر، وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به الأربعين، فقد نقص من عمره الذي هو الغاية وهو الستون. وذكر نحوه في معالم التنزيل، ثم قال: فقيل للقائل: إن الله يقول: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ فقال: هذا إذا حضر الأجل، فأما ما قبل ذلك، فيجوز أن يزاد وينقص، وقرأ ﴿إن ذلك علي الله يسير﴾. ((مح)): إذا علم الله تعالي أن زيدًا يموت سنة خمسمائة استحال أن يموت قبلها أو بعدها، فاستحال أن تكون الآجال التي عليها علم الله أن تزيد أو تنقص، فيتعين تأويل الزيادة أنها بالنسبة إلي ملك الموت أو غيره ممن وكل بقبض الأرواح، وأمره بالقبض بعد آجال محدودة، فإنه تعالي بعد أن يأمره ذلك أو يثبت في اللوح المحفوظ ينقص منه أو يزيد علي ما سبق به علمه في كل شيء وهو معنى قوله تعالي: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾. وعلي ما ذكر يحمل قوله تعالي: ﴿ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده﴾، فالإشارة بالأجل الأول إلي ما في اللوح المحفوظ، وما عند ملك الموت وأعوانه، وبالأجل الثاني إلي قوله: ﴿وعنده أم الكتاب﴾ وقوله تعالي: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾. الحديث الخامس عن ابن عمر ﵄: قوله: ((فعليكم عباد الله بالدعاء)) الفاء جزاء شرط محذوف، يعني إذا رزق بالدعاء الصبر والتحمل علي القضاء النازل، ويرد به القضاء غير

стр. 1228

٢٢٣٥ - ورواه أحمد عن معاذ ابن جبل، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. ٢٢٣٦ - وعن جابر [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل، أو كف عنه من السوء مثله، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم)) رواه الترمذي. [٢٢٣٦] ٢٢٣٧ - وعن ابن مسعود [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج)) رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب. [٢٢٣٧] ــ النازل، فالزموا عباد الله الدعاء، وواظبوا عليه، وخص ((عباد الله)) بالذكر تحريضًا علي الدعاء وإشارة إلي أن الدعاء هو العبادة. الحديث السادس عن جابر ﵁: قوله: ((مثله)) الضمير راجع إلي ما سأله. فإن قلت: كيف مثل جلب النفع بدفع الضرر، وما وجه التشبيه؟ قلت: الوجه ما هو السائل مفتقر إليه، وما ليس مستغنى عنه. الحديث السابع عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((وأفضل العبادة انتظار الفرج)) ((مظ)): يعني إذا نزل بأحد بلاء، فترك الشكاية وصبر، وانتظر الفرج، فذلك أفضل العبادات؛ لأن الصبر في البلاء انقياد لقضاء الله، وإنما استتبع انتظار الفرج قوله: ((يحب أن يسأل))؛ لأن المراد بقوله: ((سلوا الله من فضله)) ادعوا الله لإذهاب البلاء، والحزن وانتظروا الفرج، ولا تستعجلوا في طلب إجابة الدعاء. أقول: الفضل الزيادة، وكل عطية لا تلزم من يعطي يقال له: فضل، نحو قوله تعالي ﴿واسألوا الله من فضله﴾ و ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾. المعنى أن فضل الله تعالي ليس بسبب استحقاق العبد، بل إكرام وإفضال من غير سابقة، فلا يمنعكم شيء من السؤال، ثم علل ذلك بقوله: ((فإن الله يحب أن يسأل)) أي من فضله؛ لأن خزانته ملأي لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، فلما حث علي السؤال هذا الحث البليغ، وعلم أن بعضهم يمتنع من الدعاء لاستبطاء الإجابة، فسيتحسر عند ذلك ويدعه، قال: ((أفضل العبادة انتظار الفرج)) أي أفضل الدعاء أن يستبطأ بالإجابة، فينتظر الداعي الفرج والإجابة، فيزيد في خضوعه وخشوعه، وعبادته التي يحبها الله تعالي، وهو المراد من قوله: ((فإن الله يحب أن يسأل)) والله أعلم. اللهم عجل فرجنا وفرج المسلمين أجمعين آمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

стр. 1229

٢٢٣٨ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من لم يسأل الله يغضب عليه)) رواه الترمذي. [٢٢٣٨] ٢٢٣٩ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وما سئل الله شيئا - يعني أحب إليه - من أن يسأل العافية)) رواه الترمذي. [٢٢٣٩] ٢٢٤٠ - وعن أبي هريرةَ [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سرَّه أن يستجيبَ الله عند الشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٢٢٤٠] ٢٢٤١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ادعوا الله وانتم موقنون بالإجابة، ــ الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من لم يسأل الله يغضب عليه)) وذلك لأن الله تعالي يحب أن يسأل من فضله علي ما مر، فمن لم يسأل الله يبغضه، والمبغوض مغضوب عليه لا محالة، ((تو)): اعلم أن المذهب المختار الذي عليه الفقهاء والمحدثون، وجماهير العلماء من الطوائف كلها سلفًا وخلفًا: أن الدعاء مستحب بدليل الكتاب والسنة. الحديث التاسع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((يعني أحب إليه)) تقييد للمطلق، فهو نصب بـ ((يعني))، وفي الحقيقة صفة لـ ((شيئا)). وأوصل الكلام: ما يسأل الله شيئا أحب إليه من العافية؛ فأقحم المفسر لفظة ((أن يسأل)) تقريرا للسؤال واعتناء به، وإنما كانت العافية أحب؛ لأنها لفظة جامعة لأنواع خير الدارين من الصحة في الدنيا، والسلامة فيها وفي الآخرة. ((نه)): ((العافية)) أن يسلم من الأسقام، والبلايا، وهي الصحة ضد المرض، ونظيرها الثاغية، والراغية، بمعنى الثغاء والرغاء. الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من سره أن يستجيب الله)) من شيمة المؤمن الشاكر الحازم أن يريش السهم قبل الرمي، ويلتجئ إلي الله قبل الاضطرار إليه، بخلاف الكافر الغبي، كما قال تعالي ﴿وإذا مس الإنسان الضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا﴾. الآية. الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((موقنون بالاجابة)).

стр. 1230

واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلبٍ غافلٍ لاهٍ)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب [٢٢٤١]. ــ ((تو)): فيه وجهان: أحدهما، أن يقال: كونوا أوان الدعاء علي حالة تستحقون منها الإجابة، وذلك بإتيان المعروف، واجتناب المنكر، وغير ذلك من مراعاة أركان الدعاء وآدابه، حتى تكون الإجابة علي قلبه أغلب من الرد، وثإنيهما: أن يقال: ادعوه معتقدين لوقوع الإجابة؛ لأن الداعي إذا لم يكن متحققًا في الرجاء لم يكن رجاؤه صادقًا، وإذا لم يكن الرجاء صادقًا، لم يكن الدعاء خالصًا، والداعي مخلصًا، فإن الرجاء هو الباعث علي الطلب، ولا يتحقق الفرع إلا بتحقق الأصل. ((مظ)): المعنى ليكن الداعي ربه علي يقين بأنه تعالي يجيبه؛ لأن رد الدعاء إما لعجز في إجابته، أو لعدم كرم في المدعو، أو لعدم علم المدعو بدعاء الداعي، وهذه الأشياء منفية عن الله تعالي، وأنه ﷻ عالم كريم، قادر لا مانع له من الإجابة، فإذا كان الأمر كذلك، فليكن الداعي موقنًا بالإجابة وأقول: قيد الأمر بالدعاء باليقين، والمراد النهي عن التعرض لما هو مناف للإيقان من الغفلة واللهو، بصدهما من إحضار القلب، والجد في الطلب بالعزم في المسألة، فإذا حصلا حصل اليقين، ونبه ﷺ هذا التنبيه بقوله: ((واعلموا)) ونظيره في الكناية قوله تعالي: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ نهاهم عن الموت علي حالة غير الإسلام، وليس ذلك بمقدورهم، لكنه أمر علي الثبات علي حالة الإسلام بحيث إذا أدركهم الموت أدركهم عل تلك الحالة، ثم اعلم أن التقيظ، والجد في الدعاء من أعظم آدابه، وأوثق عراه. ((مح)): ومن آداب الدعاء: حضور القلب، وهو القصد الأولي منه، وقال أبو حامد في - الإحياء -: آداب الدعاء عشرة: ترصد الأزمان الشريفة كيوم عرفة، واغتنام الأحوال الشريفة كحالة السجود، واستقبال القبلة، ورفع اليدين، وخفض الصوت بين المخافتة والجهر، وأن لا يتكلف السجع، وأن يتضرع ويتخشع، وأن يجزم بالطلب، ويوقن بالإجابة، وأن يلح في الدعاء، ولا يستبطئ، وأن يفتتح الدعاء بذكر الله تعالي، ويرد المظالم، وزاد الشيخ محيي الدين علي هذا، بأن قال: وأن يصلي علي النبي ﷺ بعد الحمد لله تعالي، وأقول: وأن يختتم الدعاء بالطابع، أي بآمين، وأن لا يخص نفسه بالدعاء، بل يعم ليدرج دعاءه وطلبه في تضاعيف دعاء الموحدين، ويخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتهم، وتجاب. وإلي هذا يلوح قول القارئ والمصلي: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم﴾ وأصل ذلك كله ورأسه: اتقاء الشبهات فضلا عن الحرام.
следующие страницы →