← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

٢٢٣٢ - وعن أبي هريرة [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس شيء أكرم علي الله من الدعاء)) رواه الترمذي، وابن ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب [٢٢٣٢]. ٢٢٣٣ - وعن سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر)) رواه الترمذي. ــ الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ليس أكرم علي الله من الدعاء)) ((أكرم)) نصب خبر ((ليس)) فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين قوله تعالي: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ قلت: كل شيء يشرف في بابه فإنه يوصف بالكرم، قال الله تعالي ﴿فأنبتنا فيها من كل زوج كريم﴾. وإنما كان أكرم الناس أتقاهم؛ لأن الكرم من الأفعال المحمودة، وأكرمها ما يقصد به أشرف الوجوه فأشرف الوجوه ما يقصد به وجه الله تعالي، فمن قصد ذلك بمحاسن أفعاله فهو التقي، فإذا أكرم الناس أتقاهم، وعلي هذا حكم الدعاء؛ لأنه مخ العبادة كما مر. الحديث الرابع عن سلمان الفارسي ﵁: قوله: ((لا يرد القضاء إلا الدعاء)). ((تو)): القضاء الأمر المقدر، في تأويل الحديث وجهان: أحدهما أن يراد بالقضاء ما يخافه العبد من نزول المكروه، ويتوقاه، فإذا وفق للدعاء دفع الله عنه، فتكون تسميته بالقضاء علي المجاز، ويزيد توضيحه ما سئل ﷺ ((أرأيت رقى نسترقيها- إلي قوله: قال ((هي من قدر الله)) فقد أمر الله تعالي بالدعاء والتداوي، مع علم الخلق بأن المقدور كائن؛ لأن حقيقة المقدور وجودا أو عدما مخفية عنهم، وثإنيهما: أن يراد به الحقيقة، فيكون معنى رد الدعاء القضاء، تهوينه وتيسير الأمر فيه حتى يكون القضاء النازل كأنه لم ينزل به، ويؤيده الحديث التالي: ((إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل)) أما نفعه مما نزل عليه، فصبره عليه، وتحمله له، رضاه به، حتى لا يكون في نزوله متمنيًا خلاف ما كان، وأما نفعه مما لم ينزل، فهو أن يصرفه عنه، أو يمده قبل النزول بتأييد من عنده، حتى تخف معه أعباء ذلك إذا نزل به. قال أبو حامد الغزالي ﵀: فإن قيل: فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له؟ فاعلم أن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب لرد البلاء، ووجود الرحمة، كما أن الترس سبب لدفع السلاح، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع

стр. 1227

٢٢٣٤ - وعن ابن عمر] ﵁ [، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء)) رواه الترمذي. [٢٢٣٤] ــ السهم فيتدافعان، كذلك الدعاء والبلاء، وليس من شرط الاعتراف بالقضاء أن لا يحمل السلاح، وقد قال تعالي: ﴿وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾. فقدر الله تعالي الأمر وقدر سببه، وفي الدعاء من الفوائد ما ذكرنا من حضور القلب، والافتقار، وهما نهاية العبادة والمعرفة. قوله: ((ولا يزيد في العمر إلا البر)) ((شف)): قيل: معناه إذا أبر فلا يضيع عمره، فكأنه زاد. وقيل: يزاد في العمر حقيقة، قال الله تعالي: ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب﴾. وقال تعالي: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾. وذكر في الكشاف أنه لا يطول عمر إنسان ولا يقصر إلا في كتاب. وصورته: أن يكتب في اللوح المحفوظ إن حج فلان أو غزا فعمره أربعون سنة، وإن حج وغزا فعمره ستون سنة، فإذا جمع بينهما، فبلغ الستين، فقد عمر، وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به الأربعين، فقد نقص من عمره الذي هو الغاية وهو الستون. وذكر نحوه في معالم التنزيل، ثم قال: فقيل للقائل: إن الله يقول: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ فقال: هذا إذا حضر الأجل، فأما ما قبل ذلك، فيجوز أن يزاد وينقص، وقرأ ﴿إن ذلك علي الله يسير﴾. ((مح)): إذا علم الله تعالي أن زيدًا يموت سنة خمسمائة استحال أن يموت قبلها أو بعدها، فاستحال أن تكون الآجال التي عليها علم الله أن تزيد أو تنقص، فيتعين تأويل الزيادة أنها بالنسبة إلي ملك الموت أو غيره ممن وكل بقبض الأرواح، وأمره بالقبض بعد آجال محدودة، فإنه تعالي بعد أن يأمره ذلك أو يثبت في اللوح المحفوظ ينقص منه أو يزيد علي ما سبق به علمه في كل شيء وهو معنى قوله تعالي: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾. وعلي ما ذكر يحمل قوله تعالي: ﴿ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده﴾، فالإشارة بالأجل الأول إلي ما في اللوح المحفوظ، وما عند ملك الموت وأعوانه، وبالأجل الثاني إلي قوله: ﴿وعنده أم الكتاب﴾ وقوله تعالي: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾. الحديث الخامس عن ابن عمر ﵄: قوله: ((فعليكم عباد الله بالدعاء)) الفاء جزاء شرط محذوف، يعني إذا رزق بالدعاء الصبر والتحمل علي القضاء النازل، ويرد به القضاء غير

стр. 1228

٢٢٣٥ - ورواه أحمد عن معاذ ابن جبل، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. ٢٢٣٦ - وعن جابر [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل، أو كف عنه من السوء مثله، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم)) رواه الترمذي. [٢٢٣٦] ٢٢٣٧ - وعن ابن مسعود [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج)) رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب. [٢٢٣٧] ــ النازل، فالزموا عباد الله الدعاء، وواظبوا عليه، وخص ((عباد الله)) بالذكر تحريضًا علي الدعاء وإشارة إلي أن الدعاء هو العبادة. الحديث السادس عن جابر ﵁: قوله: ((مثله)) الضمير راجع إلي ما سأله. فإن قلت: كيف مثل جلب النفع بدفع الضرر، وما وجه التشبيه؟ قلت: الوجه ما هو السائل مفتقر إليه، وما ليس مستغنى عنه. الحديث السابع عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((وأفضل العبادة انتظار الفرج)) ((مظ)): يعني إذا نزل بأحد بلاء، فترك الشكاية وصبر، وانتظر الفرج، فذلك أفضل العبادات؛ لأن الصبر في البلاء انقياد لقضاء الله، وإنما استتبع انتظار الفرج قوله: ((يحب أن يسأل))؛ لأن المراد بقوله: ((سلوا الله من فضله)) ادعوا الله لإذهاب البلاء، والحزن وانتظروا الفرج، ولا تستعجلوا في طلب إجابة الدعاء. أقول: الفضل الزيادة، وكل عطية لا تلزم من يعطي يقال له: فضل، نحو قوله تعالي ﴿واسألوا الله من فضله﴾ و ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾. المعنى أن فضل الله تعالي ليس بسبب استحقاق العبد، بل إكرام وإفضال من غير سابقة، فلا يمنعكم شيء من السؤال، ثم علل ذلك بقوله: ((فإن الله يحب أن يسأل)) أي من فضله؛ لأن خزانته ملأي لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، فلما حث علي السؤال هذا الحث البليغ، وعلم أن بعضهم يمتنع من الدعاء لاستبطاء الإجابة، فسيتحسر عند ذلك ويدعه، قال: ((أفضل العبادة انتظار الفرج)) أي أفضل الدعاء أن يستبطأ بالإجابة، فينتظر الداعي الفرج والإجابة، فيزيد في خضوعه وخشوعه، وعبادته التي يحبها الله تعالي، وهو المراد من قوله: ((فإن الله يحب أن يسأل)) والله أعلم. اللهم عجل فرجنا وفرج المسلمين أجمعين آمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

стр. 1229

٢٢٣٨ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من لم يسأل الله يغضب عليه)) رواه الترمذي. [٢٢٣٨] ٢٢٣٩ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وما سئل الله شيئا - يعني أحب إليه - من أن يسأل العافية)) رواه الترمذي. [٢٢٣٩] ٢٢٤٠ - وعن أبي هريرةَ [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سرَّه أن يستجيبَ الله عند الشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٢٢٤٠] ٢٢٤١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ادعوا الله وانتم موقنون بالإجابة، ــ الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من لم يسأل الله يغضب عليه)) وذلك لأن الله تعالي يحب أن يسأل من فضله علي ما مر، فمن لم يسأل الله يبغضه، والمبغوض مغضوب عليه لا محالة، ((تو)): اعلم أن المذهب المختار الذي عليه الفقهاء والمحدثون، وجماهير العلماء من الطوائف كلها سلفًا وخلفًا: أن الدعاء مستحب بدليل الكتاب والسنة. الحديث التاسع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((يعني أحب إليه)) تقييد للمطلق، فهو نصب بـ ((يعني))، وفي الحقيقة صفة لـ ((شيئا)). وأوصل الكلام: ما يسأل الله شيئا أحب إليه من العافية؛ فأقحم المفسر لفظة ((أن يسأل)) تقريرا للسؤال واعتناء به، وإنما كانت العافية أحب؛ لأنها لفظة جامعة لأنواع خير الدارين من الصحة في الدنيا، والسلامة فيها وفي الآخرة. ((نه)): ((العافية)) أن يسلم من الأسقام، والبلايا، وهي الصحة ضد المرض، ونظيرها الثاغية، والراغية، بمعنى الثغاء والرغاء. الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من سره أن يستجيب الله)) من شيمة المؤمن الشاكر الحازم أن يريش السهم قبل الرمي، ويلتجئ إلي الله قبل الاضطرار إليه، بخلاف الكافر الغبي، كما قال تعالي ﴿وإذا مس الإنسان الضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا﴾. الآية. الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((موقنون بالاجابة)).

стр. 1230

واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلبٍ غافلٍ لاهٍ)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب [٢٢٤١]. ــ ((تو)): فيه وجهان: أحدهما، أن يقال: كونوا أوان الدعاء علي حالة تستحقون منها الإجابة، وذلك بإتيان المعروف، واجتناب المنكر، وغير ذلك من مراعاة أركان الدعاء وآدابه، حتى تكون الإجابة علي قلبه أغلب من الرد، وثإنيهما: أن يقال: ادعوه معتقدين لوقوع الإجابة؛ لأن الداعي إذا لم يكن متحققًا في الرجاء لم يكن رجاؤه صادقًا، وإذا لم يكن الرجاء صادقًا، لم يكن الدعاء خالصًا، والداعي مخلصًا، فإن الرجاء هو الباعث علي الطلب، ولا يتحقق الفرع إلا بتحقق الأصل. ((مظ)): المعنى ليكن الداعي ربه علي يقين بأنه تعالي يجيبه؛ لأن رد الدعاء إما لعجز في إجابته، أو لعدم كرم في المدعو، أو لعدم علم المدعو بدعاء الداعي، وهذه الأشياء منفية عن الله تعالي، وأنه ﷻ عالم كريم، قادر لا مانع له من الإجابة، فإذا كان الأمر كذلك، فليكن الداعي موقنًا بالإجابة وأقول: قيد الأمر بالدعاء باليقين، والمراد النهي عن التعرض لما هو مناف للإيقان من الغفلة واللهو، بصدهما من إحضار القلب، والجد في الطلب بالعزم في المسألة، فإذا حصلا حصل اليقين، ونبه ﷺ هذا التنبيه بقوله: ((واعلموا)) ونظيره في الكناية قوله تعالي: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ نهاهم عن الموت علي حالة غير الإسلام، وليس ذلك بمقدورهم، لكنه أمر علي الثبات علي حالة الإسلام بحيث إذا أدركهم الموت أدركهم عل تلك الحالة، ثم اعلم أن التقيظ، والجد في الدعاء من أعظم آدابه، وأوثق عراه. ((مح)): ومن آداب الدعاء: حضور القلب، وهو القصد الأولي منه، وقال أبو حامد في - الإحياء -: آداب الدعاء عشرة: ترصد الأزمان الشريفة كيوم عرفة، واغتنام الأحوال الشريفة كحالة السجود، واستقبال القبلة، ورفع اليدين، وخفض الصوت بين المخافتة والجهر، وأن لا يتكلف السجع، وأن يتضرع ويتخشع، وأن يجزم بالطلب، ويوقن بالإجابة، وأن يلح في الدعاء، ولا يستبطئ، وأن يفتتح الدعاء بذكر الله تعالي، ويرد المظالم، وزاد الشيخ محيي الدين علي هذا، بأن قال: وأن يصلي علي النبي ﷺ بعد الحمد لله تعالي، وأقول: وأن يختتم الدعاء بالطابع، أي بآمين، وأن لا يخص نفسه بالدعاء، بل يعم ليدرج دعاءه وطلبه في تضاعيف دعاء الموحدين، ويخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتهم، وتجاب. وإلي هذا يلوح قول القارئ والمصلي: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم﴾ وأصل ذلك كله ورأسه: اتقاء الشبهات فضلا عن الحرام.

стр. 1231

٢٢٤٢ - وعن مالك بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها)) [٢٢٤٢]. ٢٢٤٣ - وفي رواية ابن عباس، قال: ((سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم)) رواه أبو داود [٢٢٤٣]. ــ الحديث الثاني عشر من مالك: قوله: ((ببطون أكفكم)) ((الباء)) للآلة، ويجوز أن تكون للمصاحبة. ((مظ)): عادة من طلب شيئا من غيره، أن يمد كفه إليه، فالداعي يبسط كفه إلي الله تعالي متواضعا متخشعا، ولا يرفع ظهر كفه؛ لأنه إشارة إلي الدفع، لكن من أراد دفع بلاء فليرفع ظهر كفه. وأقول: ولعل الظاهر أن من يطلب شيئًا من غيره يمد يده إليه ليضع النائل فيها، ومن جمع اليدين يؤذن بكثرة العطية لتمتلئا منها. وإليه ينظر الحديث التالي ((يستحيي أن يردهما صفرا)). ومن جعل بطن الكفين إلي أسفل، كأنه أشار إلي عكس ذلك، وخلوهما عن الخير. ويؤيده مسح الوجه بهما تفاؤلا بإصابة ما طلبه، وتبركا باتصاله إلي وجهه الذي هو أولي الأعضاء وأولاها، فمنه يسري إلي سائر الأعضاء. وأما حديث الاستسقاء، وأنه ﷺ استسقى وأشار بظهر كفيه إلي السماء، فمعناه: أنه رفعهما رفعًا تامًا حتى ظهر بياض إبطيه، وصارت كفاه محاذيتين لرأسه ملتمسًا أن يغمره برحمته من رأسه إلي قدميه. وذلك لشدة مساس الحاجة إلي الغيث. ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته﴾. هذا وقد تقرر: أن شرعية الدعاء إنما كانت لإظهار الافتقار والضراعة. بين يدي الجبار، وكان الثناء علي الله تعالي بمحامده، والاعتراف بالذلة والمسكنة، والقصور عما يبتغيه ابتهالا قوليا، ومد اليد علي سبيل الضراعة ابتهالا فعليا، لأنه يصير بذلك كالسائل المتكفف؛ لأن يملأ كفه بما يسد حاجته. ولما كانت هذه الصورة صورة ضراعة، وإظهار فاقة؛ استحب مد اليد. فكلما كانت الحاجة أمس كان مد اليد أشد، كالحريص علي الشيء يتوقع تناوله. وذلك في الاستسقاء لامتساس الحاجة إلي الغيث عند الجدب، وحبس المطر. هذا مختصر كلام التوربشتي، وقع علي سبيل توارد الخاطر، وقع الحافر علي الحافر.

стр. 1232

٢٢٤٤ - وعن سلمان، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن ربكم حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا)) رواه الترمذي وأبو داود، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)) [٢٢٤٤]. ٢٢٤٥ - وعن عمر [﵁]، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطها حتى يمسح بها وجهه. رواه الترمذي [٢٢٤٥]. ٢٢٤٦ - وعن عائشة [﵂]، قالت: كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك. رواه أبو داود [٢٢٤٦]. ــ الحديث الثالث عشر عنه سلمان ﵁: قوله: ((يستحيي من عبده)) الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، ويذم. وهو علي الله تعالي محال فيحمل علي التمثيل، مثل تركه تعالي تخييب العبد، وأنه لا يرد يديه صفرا من عطائه لكرمه بترك من يترك رد المحتاج إليه حياء منه. في الكشاف: فقوله: ((يستحيى)) إلي آخره جملة مستأنفة بإعادة صفة من استؤنف عنه الحديث، يعني حياؤه وكرمه يمنعه من أن يخيب عبده السائل. قوله: ((صفرا)) أي خالية، يقال: صفر الشيء – بالكسر - أي خلا، والمصدر الصفر بالتحريك، ويستوي فيه المذكر، والمؤنث والتثنية، والجمع. الحديث الرابع والخامس عشر عن عائشة ﵂. قوله. ((الجوامع من الدعاء)) ((نه)): هي التي تجمع الأغراض الصالحة والمقاصد الصحيحة، أو تجمع الثناء علي الله تعالي وآداب المسألة. ((مظ)): هي ما كان من لفظه قليلا ومعناه كثيرًا، جمع فيه خير الدنيا والآخرة، نحو قوله تعالي: ((ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة)). قوله: ((ويدع ما سوى ذلك)) و ((ذلك)) إشارة إلي معنى ما يراد به من ((الجوامع))، فيختلف معنى ((سوى ذلك)) بحسب اختلاف تفسير ((الجوامع)) انعكاسًا.

стр. 1233

٢٢٤٧ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أسرع الدعاء إجابة دعوة غائب لغائب)) رواه الترمذي، وأبو داود. ٢٢٤٨ - وعن عمر بن الخطاب [﵁] قال: استأذنت النبي ﷺ في العمرة فأذن لي، وقال: ((أشركنا يا أخي في دعائك ولا تنسنا)) فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا. رواه أبو داود، والترمذي وانتهت روايته عن قوله: ((ولا تنسنا)) [٢٢٤٨]. ــ الحديث السادس والسابع عشر عن عمر ﵁: قوله: ((أشركنا يا أخي في دعائك)) ((قض)): في هذا الالتماس إظهار الخضوع, المسكنة في مقام العبودية، وتحضيض للأمة علي الرغبة في دعاء الصالحين. وتفخيم شأن عمر، وإشادة بذكره، وإرشاد إلي ما يحمى دعاءه من الرد، ويوجب إجابته، وتعليم للأمة بأن لا يخصوا أنفسهم بالدعاء، ويشاركوا فيه أقاربهم وأحباءهم، لا سيما في مظان الإجابة. وأتى ((أخي)) بالتصغير تلطفا وتعطفا كالتصغير في يا بني. وقوله: ((فقال كلمة)) يحتمل أن يكون المراد بها ما سبق، وأن يكون غيره، ولم يصرح به توقيا عن تفاخر أو نحوه، والباء في ((بها)) بدليه أي لو كانت الدنيا لي بدل تلك الكلمة لما سرني؛ لعلمي بأن تلك الكلمة خير لي من الدنيا. أقول: الفاء في قوله: ((فقال)) عاطفة علي ((قال: أشركنا)) إما لتعقيب القول بعد القول، أو تعقيب المفسر بالمفسر، و ((كلمة)) نكرة نصب بـ ((قال)) علي معنى تكلم، فالفاء علي الأول تقتضي أن يكون القول الثاني غير الأول، وعلي الثاني هو الأول تفسيرا، وإنما نكرها تفخيما لشأنها, وعلي كلا التقديرين الكلمة يراد بها الجملة من الكلام؛ لقوله تعالي: ﴿وجعلها كلمة باقية في عقبه﴾ وكقولك: كلمة الحويدرة تريد قصيدته. والظاهر أن المراد بالكلمة ما سبق، وأي فضيلة لعمر ﵁ أرفع وأسنى من قوله: ((أشركنا)) حيث وصاه بالشركة في الدعاء، ومن أشرك غيره مع نفسه جعله مصاحبا وقينا له، ثم ترقى من كونه قرينا له إلي كونه قريبا له وبمنزلة الأخ، ثم ترقى بالتصغير إلي أن ذلك الأخ ليس كسائر الأخوة، بل كأخ شفيق متعطف، ثم توكيد الوصية بقوله: ((لا تنسنا)) إظهار لغاية الاهتمام بما وصاه، وأنه مستقل به، ولا يصدر إلا عن مثله، وأن دعاءه مستجاب البتة، فينبغي أن يشركه فيه. والله أعلم.

стр. 1234

٢٢٤٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين)) رواه الترمذي [٢٢٤٩]. ٢٢٥٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاث دعوات مستجابات لاشك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجة. [٢٢٥٠]. ــ الحديث الثامن عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ثلاث لا ترد دعوتهم الصائم)) ((الصائم)) بدل من ((دعوتهم)) علي حذف المضاف، أي دعوة الصائم، ودعوة الإمام بدليل عطفه ((ودعوة المظلوم)) عليه، و ((يرفعها)) حال من ضمير الدعوة، كذا قيل. والأولي أن يكون خبرا لقوله: ((ودعوة المظلوم))، وقطع هذا القسم عن أخويه لشدة الاعتناء بشأنه، وينصر هذا الوجه عطف قوله: ((ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك)) علي قوله: ((وتفتح)) لأن هذا لا يستقيم علي الوجه الأول. ((قض)): استأنف بهذه الجملة الكلام لفخامة شأن دعاء المظلوم، واختصاصه بمزيد القبول، ورفعها فوق الغمام، وفتح أبواب السماء لها مجاز عن إثارة الآثار العلوية وجمع الأسباب السماوية علي انتصاره بالانتقام من الظالم، وإنزال البأس عليه. وقوله: ((ولو بعد حين)) يدل علي أنه سبحانه وتعالي يمهل الظالم، ولا يهمله، قال تعالي: ﴿وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا﴾. الحديث التاسع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ثلاث دعوات مستجابات)) وإنما قال في الحديث السابق ((ثلاثة)) وفي هذا ((ثلاث دعوات))؛ لأن الكلام علي الأول في شأن الداعي، وتحريه في طريق الاستجابة، وما هي منوطة به من الصوم، والعدل، بخلاف الوالد والمسافر؛ إذ ليس عليهما الاجتهاد في العمل وقال هناك: ((لا ترد دعوتهم)) وهنا ((مستجابات)) وقيدها بقوله: ((لا شك فيهن)) ليتفقا في التقرير؛ لأن ((لا ترد)) كناية عن الاستجابة. وقد تقرر عند علماء البيان: أن الكناية أبلغ من التصريح، فجبر التصريح بقوله: ((لا شك فيهن)). وقوله: ((دعوة الوالد)) مطلق يحتمل للولد، وعليه ليسعي في مراضيه حتى يدعو له، ويجتنب عما يسخطه لئلا يدعو عليه. وإنما لم يذكر الوالدة علي أن حقوقها أكثر فيكون دعائها أقرب إلي

стр. 1235

الفصل الثالث ٢٢٥١ - عن أنس [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ ((ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع)) [٢٢٥١]. ٢٢٥٢ - زاد في رواية عن ثابت البنإني مرسلا ((حتى يسأله الملح، وحتى يسأله شسعه إذا انقطع)). رواه الترمذي [٢٢٥٢]. ٢٢٥٣ - وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه. [٢٢٥٣] ٢٢٥٤ - وعن سهل بن سعيد، عن النبي ﷺ ، قال: كان يجعل أصبعيه حذاء منكبيه، ويدعو. ــ الإجابة؛ لما علم ذلك بطريق الأولوية، يدل عليه قوله تعالي: ((ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا علي وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك)) حيث أوقع ((حملته أمه- إلي قوله- في عامين)) اعتراضا بين المفسر أعني ((أن اشكر لي)) والمفسر أي ((وصينا))، وفائدة الاعتراض التوكيد في التوصية في حقهما، خصوصا في حق الوالدة لما تكابد من مشاق الحمل والرضاع. الفصل الثالث الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((حتى يسأل شسع نعله)) ((نه)): الشسع أحد سيور النعل، وهو الذي يدخل بين الأصبعين، ويدخل طرفه في النقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام. والزمام السير الذي يدخل فيه الشسع. وقد ذكرنا في - فتوح الغيب - أن الرحمن أبلغ من الرحيم؛ لأنه دل علي جلائل النعم، والرحيم علي دقائقها، فيكون من باب التتميم لا الترقي، ولو لمح فيه هذا المعنى لكان من باب الترقي؛ لأن طلب أحقر الأشياء من أعظم العظماء أبلغ في الطلب من طلب الشيء العظيم منه، ومن ثم قال: ((ليسأل)) وكرره؛ لأنه يدل علي أن لا منع هناك، ولا رد للسائل عما طلب. وفيه أن العبد لا يلتجئ ولا يظهر الافتقار إلا إلي الله تعالي، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه. الحديث الثاني والثالث عن سهل: قوله: ((كان يجعل أصبعيه)) دل هذا الحديث علي القصد في رفع اليدين، والسابق علي الزيادة علي القصد.

стр. 1236

٢٢٥٥ - وعن السائب بن يزيد، عن أبيه،: أن النبي ﷺ كان إذا دعا، فرفع يديه مسح وجهه بيديه [٢٢٥٥]. ٢٢٥٦ - وعن عكرمة، عن ابن عباس [﵄]، قال: المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما، والاستغفار أن تشير بأصبع واحدة، والابتهال أن تمد يديك جميعا. وفي رواية. قال: والابتهال هكذا، ورفع يديه، وجعل ظهورهما مما يلي وجهه. رواه أبو داود. ٢٢٥٧ - وعن ابن عمر، أنه يقول: إن رفعكم أيديكم بدعة، ما زاد رسول الله ﷺ عن هذا - يعنى إلي الصدر - رواه أحمد. ٢٢٥٨ - وعن أبي بن كعب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه رواه الترمذي، وقال هذا حديث حسن غريب صحيح. [٢٢٥٨] ــ الحديث الرابع عن السائب: قوله: ((فرفع)) عطف علي الشرط، وجوابه ((مسح)). وفائدته دلالة المفهوم، يعنى إذا دعا ولم يرفع يديه لم يمسح وجهه. الحديث الخامس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((المسألة أن ترفع)) المسألة مصدر بمعنى السؤال. والمضاف محذوف؛ ليصح الحمل، أي أدب السؤال وطريقة رفع اليدين، وأدب الاستغفار الإشارة بالسبابة سبا للنفس الأمارة والشيطان، والتعوذ منهما إلي الله تعالي. ولعل المراد من الابتهال دفع ما يتصوره من مقابلة العذاب، فيجعل يديه كالترس ليستره عن المكروه. ((مظ)): العادة فيمن طلب شيئا أن يبسط الكف إلي المدعو متواضعا متخاشعا، وفيمن أراد كف مكروه، أن يرفع ظهر كفه إشارة إلي الدفع. الحديث السادس عن ابن عمر ﵄: قوله: ((يعني إلي الصدر)) تفسير لما فعله ابن عمر من رفع اليدين إلي الصدر، يعني أن رفعكم أيديكم إلي فوق الصدر بدعة، وما زاد رسول الله ﷺ علي رفع اليدين إلي الصدر. أنكر عليهم غالب أحوالهم في الدعاء والسؤال، وعدم تمييزهم بين الحالات من الرفع إلي الصدر لأمر، وفوقه إلي المنكبين لآخر، وفوقهما لغير ذلك.

стр. 1237

٢٢٥٩ - وعن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال: ((ما من مسلم يدعو لدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها)) قالوا: إذن نكثر. قال: ((الله أكثر)). رواه أحمد. [٢٢٥٩] ٢٢٦٠ - وعن ابن عباس [﵄]، عن النبي ﷺ ، قال: ((خمسُ دعوات يستجابُ لهنَّ: دعوة المظلوم حتى ينتصرَ، ودعوة الحاج حتى يصدر، ودعوة المجاهد حتى يقعد، ودعوة المريض حتى يبرأ، ودعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب)) ثم قال: ((وأسرع الدعوات إجابة دعوة الأخ بظهر الغيب)) رواه البيهقي في ((الدعوات الكبير)). [٢٢٦٠] ــ الحديث السابع عن أبي ﵁: قوله: ((فدعا له)) عطف علي الشرط، وجزاؤه ((بدأ)) فدل بالمفهوم علي: أنه إذا لم يحصل الشرط المقيد لم يوجد الجزاء؛ لأن الدعاء بعد الذكر يدل علي سابقة فيهتم بدعائه فبدأ بنفسه؛ ليكون أقرب إلي الإجابة ووسيلة إلي الفوز. الحديث الثامن عن أبي سعيد: قول: ((قال الله أكثر)) أي أكثر إجابة من دعائكم. المعنى أن غاية الله تعالي في بابها أكثر وأبلغ من دعائكم في بابه، وهو قريب من قوله: العسل أحلي من الخل، والصيف أحر من الشتاء، وإنما جيء ((أكثر)) بالثاء المثلثة مشاكلة لقولهم: ((نكثر)). الحديث التاسع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((حتى ينتصر)) ((حتى)) في القرائن الأربع بمعنى ((إلي)) كقولك: سرت حتى تغيب الشمس؛ لأن ما بعدها غير داخل فيما قبلها. فدعوة المظلوم مستجابة إلي أن ينتصر، أي ينتقم من ظالمه إما باللسان أو باليد، ودعوة الحاج حتى يفرغ من أعماله، ويصدر إلي أهله، ودعوة المجاهد حتى يقعد ما استتبت به مجاهدته، يعني حتى يفرغ منها. فإن قلت هذا يوهم أن دعاء هؤلاء الأربع لا يستجاب بعد ذلك, وكذا دعاء الغائب إلي أن يحضر؟ قلت: نعم، لكن الأسباب مختلفة فيكون سبب الإجابة حينئذ أمرًا آخر غير المذكور. وإنما كان دعاء الغائب أسرع إجابة؛ لأنه أقرب إلي الإخلاص، وأنه تعالي يعينه في دعائه كما ورد: ((إن الله تعالي في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم))، ومن ثم صرح بذكر الأخ في الحديث.

стр. 1238

(١) باب ذكر الله والتقرب إليه الفصل الأول ٢٢٦١ - عن أبي هريرة، وأبي سعيد [﵄] قالا: قال رسول الله ﷺ : ((لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده)). رواه مسلم. [٢٢٦١] ٢٢٦٢ - وعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة، فمر علي جبل يقال له: جمدان، فقال: ((سيروا هذا جمدان، سبق المفردون)). قالوا: وما المفردون؟ يا رسول الله قال: ((الذاكرون الله كثيرا والذاكرات)). رواه مسلم. [٢٢٦٢] ــ باب ذكر الله والتقرب إليه الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄: قوله: ((لا يقعد قوم يذكرون)) سبق شرحه في كتاب العلم. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((جمدان)) ((نه)): هو- بضم الجيم وسكون الميم وفي آخره نون- جبل علي ليلة من المدينة. قول: ((سبق المفردون)) ((نه)): وفي رواية ((طوبى للمفردين)) قيل: ((وما المفردون؟ قال: الذين [أُهتِرُوا] في ذكر الله تعالي)). يقال: فرد برأيه، وأفرد، وفرد، واستفرد بمعنى انفرد به. وقيل: [فرَّد] الرجل إذا تفقه واعتزل الناس، وخلا بمراعاة الأمر والنهي. ((تو)) و ((قض)): المفرد من فرد، إذا اعتزل الناس وتخلي للعبادة، فكأنه فرد نفسه بالتبتل إلي الله تعالي، ولذلك فسر بقوله: ((الذاكرون الله)) أي سبقوا بنيل الزلفي، والعروج إلي

стр. 1239

٢٢٦٣ - وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل الذي يذكر ربه، والذي لا يذكر مثل الحي والميت)). متفق عليه. ٢٢٦٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يقول الله تعالي: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي؛ وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم)). متفق عليه ــ الدرجات العلي. وإنما قالوا: ((ما المفردون)) ولم يقولوا: من هم؛ لأنهم أرادوا [فسر] اللفظ وبيان ما هو المراد منه، لا تتعين المتصفين به، وتعريف أشخاصهم، فعدل رسول الله ﷺ في الجواب عن بيان اللفظ إلي حقيقة ما يقتضيه توقيفا للسائل بالبيان المعنوي علي المعنى اللغوي إيجازا، فاكتفي فيه بالإشارة المعنوية إلي ما استبهم عليهم من الكناية اللفظية. أقول - وما توفيقي إلا بالله -: ولعلهم كانوا قافلين من غزو أو سفر، قاصدين المدينة، وقربوا منها واشتاقوا إلي الأوطان، فتفرد منهم جماعة مهترين سابقين، وبقي بعضهم غير باسطين، فقال ﷺ لهؤلاء المتخلفين: سيروا وقد قرب الدار، وهذا جمدان وسبقكم المفردون. وأما جواب رسول الله عن قولهم: ((ما المفردون)) بقوله: ((الذاكرون الله كثيرا)) فمن الأسلوب الحكيم الوارد علي سبيل الاستطراد، أي دعوا سؤالكم هذا؛ لأنه ظاهر مكشوف، واسألوه عن السابقين إلي الخيرات المتبتلين إلي الله تعالي بمداومة الذكر، المفردين الله بالذكر عمن سواه هذا، وأما المطابقة بين السؤال والجواب لفظًا، فهي حاصلة؛ لأن ((ما)) كما يسأل بها عن حقيقة الشيء يسأل بها عن وصفه أيضًا، نحو سؤال فرعون ((وما رب العالمين)) وجوابه ﵇ ((رب السموات والأرض)) في وجه. كأنهم يألوا ما صفة هؤلاء المفردين؟ فأجيبوا: صفتهم أنهم يذكرون الله كثيرا. قوله: ((والذاكرات)) ((مح)): أي الذاكراته فحذف الهاء كما حذف في التنزيل إنهاء رأس آية، ولأنه مفعول، وحذفه سائغ. الحديث الثالث عن أبي موسي: قول: ((مثل الذي يذكر ربه)) شبه الذاكر بالحي الذي تزين ظاهره بنور الحياة وإشراقها فيه، وبالتصرف التام فيما يريد، وباطنه منور بنور العلم والفهم والإدراك، كذلك الذاكر مزين ظاهرة بنور العمل والطاعة، وباطنه بنور العلم والمعرفة، [فقلبه] مستقر في حظيرة القدس، وسره في مخدع الوصل، وغير الذاكر عاطل ظاهره وباطل باطنه.

стр. 1240

٢٢٦٥ - وعن أبي ذر [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ ((يقول الله ــ الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ظن عبدي بي)) ((تو)): الظن لما كان واسطة بين اليقين والشك، استعمل تارة بمعنى اليقين. وذلك إذا ظهرت أماراته، وبمعنى الشك إذا ضعفت أماراته. وفي المعنى الأول ورد قوله تعالي: ((الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم)) أي يوقنون، وعلي الثاني قوله: ((وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون)) أي توهموا. ((قض)): الظن في الحديث يصح إجراؤه علي ظاهره، ويكون المعنى أنا عند ظن عبدي بي، أي أعامله علي حسب ظنه، وأفعل به ما يتوقعه مني. والمراد الحث علي تغليب الرجاء علي الخوف، وحسن الظن بالله، كما قال ﷺ : ((لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)). ويجوز أن يفسر بالعلم، والمعنى أنا عند يقينه بي وعلمه بأن مصيره إلي، وحسابه علي، وأن ما قضيت له من خير أو شر فلا مرد له، لا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، أي إذا تمكن العبد في مقام التوحيد، ورسخ في الإيمان والوثوق بالله تعالي، قرب منه ورفع دونه الحجاب بحيث إذا دعاه أجاب، وإذا سأله استجاب، كما روي في حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال عن الله تعالي: ((علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ به، غفرت له)). قوله: ((وأنا معه إذا ذكرني)) أي بالتوفيق، والمعونة، أو أسمع ما يقوله. ((فإن ذكرني في نفسه)) أي سرًا وخفية إخلاصًا وتجنبًا عن الرياء ((ذكرته في نفسي)) أي أسر بثوابه علي منوال عمله وأتولي بنفسي إثابته لا أكله إلي أحد من خلقي. وقوله: ((في ملأ خير منه)) أي ملأ من الملائكة المقربين وأرواح المرسلين. والمراد منه مجازاة العبد بأحسن مما فعله وأفضل مما جاء به. وأقول: وإنما قيده بقوله: ((وأرواح المرسلين)) لئلا يستدل بهذا الحديث أن الملائكة أفضل من البشر، علي أن المراد من الملأ الملائكة فحسب. واعلم أن ((الفاء)) في قوله: ((فإن ذكرني في نفسه)) إلي آخره، تفصيل للسابق فينبغي للحاذق الماهر أن يجعل السابق محلا للتفصيل ومتضمنًا معناه علي سبيل الإبهام، فمعنى المفصل، أنه تعالي عالم بسر العبد وعلإنيته، وإخلاصه في العمل وريائه فيه، وأنه مجازيه علي أعماله بأفضل وأكمل مما عمله، وإذا تقرر هذا ينبغي أن يحمل الظن علي الاعتقاد الجازم بأنه تعالي كريم جواد يجازي العبد بأفضل وأحسن مما عمل، وأنه معه رقيب عليه حافظ لما أسره وما أعلنه، لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع البصير. وقوله: ((ذكرته في نفسي)) جاء علي سبيل المشاكلة؛ لأن المراد من قوله: ((في نفسه)) قلبه وسره؛ ولأنه جعل النفس ظرفًا للذكر، تعالي الله أن يتصف بهما. الحديث الخامس عن أبي ذر ﵁: قوله: ((تقربت منه)) ((مح)): هذا الحديث من

стр. 1241

تعالي: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، وأزيدُ؛ ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر؛ ومن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا؛ ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا؛ ومن أتإني يمشي أتيته هرولة؛ ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة)). رواه مسلم. [٢٢٦٥] ــ أحاديث الصفات، ويستحيل إرادة ظاهرة. ومعناه من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي, والتوفيق في الإعانة، وإن زاد زدت، وإن أتإني يمشي ويسرع في طاعتي أتيته هرولة، أي صببت عليه الرحمة، وسبقته بها، ولم أحوجه إلي المشي الكثير في الوصول إلي المقصود، والمراد أن جزاءه يكون تضعيفه علي حساب تقربه. ((تو)): الهرولة ضرب من التسرع في السير، وهو فوق المشي ودون العدو، وهذه أمثال يقرب بها المعنى المراد منها إلي أفهام السامعين. والمراد منها: أن الله تعالي يكافئ العبد ويجازيه في معاملاته التي يقع بها التقرب إلي الله بأضعاف ما يتقرب العبد به إلي الله. وسمي الثواب تقربًا مشاكلة وتحسينًا، ولأنه من أجله وبسببه، كقوله تعالي ((وجزاء سيئة سيئة مثلها)). وقيل: تقرب الباري سبحانه إليه بالهداية، وشرح صدره لما تقرب به، وكأن المعنى: إذا قصد ذلك وعمله أعنته عليه وسهلته له. والقراب ما يقارب ملاءها وهو مصدر قارب. ((شف)): قلما يوجد في الأحاديث حديث أرجى من هذا، فإنه ﷺ رتب قوله: ((لقيته بمثلها مغفرة)) علي عدم الإشراك بالله فقط، ولم يذكر الأعمال الصالحة. ((مظ)): لا يجوز لأحد أن يغتر بهذا الحديث ويقول: إذا كان كذلك، فأكثر الخطيئة حتى يكثر الله مغفرتي، وإنما قال ذلك كيلا ييأس المذنبون من رحمته، ولا شك أن لله مغفرة وعقوبة، ومغفرته أكثر، ولكن لا يعلم أحد أنه من المغفورين أو من المعاقبين، فإذن ينبغي للمرء أن يكون بين الخوف والرجاء. وأقول: هذا الحديث عام خص بحسب الأحوال والأوقات. فإن جانب الخوف في ابتداء الأحوال ينبغي أن يكون راجحا علي الرجاء، وفي أواخرها يكون مرجوحا، أو مطلق محمول علي المقيد بالمشيئة كما في قوله تعالي: ((ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)) أو بالعمل الصالح مع الإيمان كما في قوله تعالي: ((إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات)) فدل ((أولئك)) أن ما بعدها جدير بمن ذكر قبلها، بسبب ما اختص به من الصفات.

стр. 1242

ــ والمذكور في الآية التائب الذي آمن بالله وعمل عملا صالحًا. والتمثيل مركب من عدة أمور متوهمة، مثلت صورة تقرب العبد إلي الله بالطاعة والإخلاص فيها مع معاونة الله تعالي بتيسير الطاعة وتسهيل السلوك إليه، بصورة تقرب من يعنى بحالة من الخواص إلي بعض العظماء فإنه يستقبله، ويخطو خطوات نحوه تقليلا للمسافة إكراما له، وهذا المعنى يقرب من الوجه الثاني الذي ذكره الشيخ التوربشتي، ويكشف عن هذا المعنى في الحديث الذي يليه كشفًا يتحقق به مغزى الكلام. فإن قلت: ما معنى التعريف في ((الحسنة والسيئة))، ولم خصت القرينة الثانية أعني ((من جاء بالسيئة)) بلفظ الجزاء، ولم وضعت ((سيئة)) موضع الضمير الراجع إلي المذكور في الشرط ونكرت؟ ولم قيل في القرينة الأولي ((وأزيد)) بالواو، وفي الثانية أغفر ((أو أغفر))؟ وما وجه النظم بين قوله: ((ومن تقرب إلي)) إلي آخر الحديث، وبين الكلام السابق؟ قلت- وبالله التوفيق-: أما التعريف فيهما فللعهد الذهني، كقولك: دخلت السوق في بلد كذا أي سوقًا من الأسواق، ويعرف كل أحد أن السوق ما هو، فالمعنى: أية حسنة كانت، وأية سيئة كانت. وأما اختصاص ذكر الجزاء بالثانية، فلأن ما يقابل العمل الصالح من الثواب، كله إفضال وإكرام من الله تعالي، وما يقابل السيئة هو عدل وقصاص، فلا يكون مقصودا بالذات كالثواب، فنص بالجزاء. وأما إعادة السيئة نكرة، فلتنصيص معنى الوحدة المبهم في السيئة، والمعرفة المطلقة وتقريرها. وأما معنى واو العطف في ((وأزيد)) فلمطلق الجمع، إن أريد بالزيادة الرؤية كقوله تعالي: ((للذين أحسنوا الحسنى وزيادة))، وإن أريد بها الأضعاف كما في قوله تعالي: ((كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة)) الآية، فالواو بمعنى أو التنويعية، كما هي في قوله: ((أو أغفر)) في الحديث. وأما وجه النظم، فإن تركيب الحديث من باب اللف والنشر؛ لأن قوله: ((من تقرب مني- إلي قوله- هرولة)) مناسب للقرينة الأولي، وقوله: ((ومن لقيني)) إلي آخر الحديث مناسب للقرينة الأولي أن القرب إلي الله تعالي إنما يحصل بواسطة الطاعة المقارنة بالإخلاص، وقمع هوى النفس الأمارة بالسوء، والفناء عن الأوصاف البشرية المانعة عن الوصول إلي حظيرة القدس، فكلما زاد الإخلاص في الطاعة والتوغل فيه، وبعد عن هوى النفس وشهواتها ولذاتها، ازداد قربا إلي الله تعالي. ومراتب القرب لا تحصى، فذكر منها في الحديث ثلاثا تقريبا. وقوله: ((أمثالها)) من إقامة صفة الجنس المميز مقام الموصوف، أي عشر حسنات أمثالها. وقوله: ((شبرًا، وذراعًا، وباعًا)) في الشرط والجزاء منصوبات علي الظرفية، أي من تقرب إلي

стр. 1243

٢٢٦٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالي قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي ــ مقدار شبر. وقوله: ((يمشي)) و ((هرولة)) حالان. وقوله: ((خطيئة)) و ((مغفرة)) تمييزان، و ((هرولة)) يجوز أن تكون مفعولا مطلقا؛ لأنه نوع من الإتيان نحو رجعت القهقرى، لكن الحمل علي الحال أولي؛ لأن قرينته ((يمشي)) حال لا محالة. ((تو)): الحديث علي الوجه الذي ورد في المصابيح من رواية أبي ذر: ((من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا)) هكذا مخرج في كتاب ابن ماجة، وفي كتاب مسلم ((تقربت إليه ذراعًا، تقربت إليه باعًا)). ولما ذكر الحديث في قسم الصحاح لم يكن له أن يأتي فيه بما لا يوجد في الكتابين - كتاب البخاري وكتاب مسلم، وذلك من التجوز الذي لا يتدين به المحدثون. أقول: هذا الحديث من أفراد مسلم، ذكره الحميدي في كتابه كما في المصابيح والمشكاة. وكذا في نسخة معتمدة لمسلم, وعلي هذا شرحه الشيخ محيي الدين النواوي، ولعل الشيخ وجد نسخة علي ما نقله فأخذ يطعن علي مؤلف المصابيح، ولا يسعه ذلك. الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله ((من عادى لي وليا)) ((نه)): الولي: هو الناصر. وقيل: المتولي للأمور. ((شف)): الولي له معنيان: أحدهما أنه فعيل بمعنى مفعول، وهو من يتولي الله تعالي أمره فلا يكله إلي نفسه لحظة، قال الله تعالي: ((وهو يتولي الصالحين))، وثإنيهما أنه فعيل بمعنى فاعل مبالغة، وهو الذي يتولي عبادة الله تعالي وطاعته. وكلا الوصفين شرط في ولاية الولي، فيجب قيامه بحقوق الله تعالي علي الاستقصاء والاستبقاء؛ ليدوم حفظ الله تعالي وتولي أموره إياه في السراء والضراء. و ((آذنته)) أعلمته، أي فقد أعلمت معادي وليي بمحاربتي معه وليي. وفي قوله: ((ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)) إرشاد إلي أن باب [المحبة] * إلي الله تعالي للعبد هو التقرب إلي الله تعالي بالنوافل الزائدة علي الفرائض فلا يزال العبد يتقرب إلي الله تعالي بأنواع الطاعات، ويرتقي من مقام إلي آخر بأصناف الرياضات، حتى يحبه الله، فيستغرق بملاحظة جناب قدسه بحيث ما لاحظ شيئا إلا رأي الله تعالي فيه، وهو آخر درجات السالكين وأول درجات الواصلين. قول: ((فكنت سمعه)) ((حس)): سئل أبو عثمان الخيري عن معنى هذا الخبر، فقال: كنت أسرع إلي قضاء حوائجه من سمعه في الاستماع، وبصره في النظر، ويده في اللمس، ورجله في المشي، [((خط))]: هذه أمثال ضربها، والمعنى- والله أعلم- توفيقه في الأعمال التي

стр. 1244

يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولابد له منه)). رواه البخاري ــ يباشرها بهذه الأعضاء، يعني ييسر عليه فيها سبيل ما يحبه، ويعصمه عن مواقعة ما يكره من إصغاء إلي اللهو يسمعه، ونظر إلي ما نهي عنه ببصره، وبطش ما لا يحل بيده، وسعي في الباطل. وقد يكون معناه سرعة إجابة في الدعاء والإنجاح في الطلبة، وذلك أن مساعي الإنسان إنما تكون بهذه الجوارح الأربع. ((تو)): معنى قوله: ((كنت سمعه)) إلي تمام الفصل، أجعل سلطان حبي غالبًا عليه، حتى يسلب عنه الاهتمام بشيء غير ما يقربه إلي، فيصير متخلفا عن الشهوات، ذاهلا عن الحظوظ واللذات، حيثما تقلب وأينما توجه لقي الله تعالي بمرأي منه وبمستمع، لا تطور حالته الغفلة، ولا تحول دون شهوده الحجبة، ولا يعتري ذكره النسيان، ولا يخطر بباله الأحداث والأعيان، يأخذ بمجامع قلبه حب الله، فلا يرى ولا يسمع ولا يفعل إلا ما يحبه، ويكون الله سبحانه في ذلك له يدا ومؤيدا وعونا ووكيلا يحمي سمعه، وبصره، ويده، ورجله عما لا يرضاه. وحقيقة هذا القول ارتهان كلية العبد بمراضي الله تعالي، وحسن رعاية الله له، وذلك علي سبيل الاتساع، فإنهم إذا أرادوا اختصاص الشيء بنوع منه، والاهتمام به، والعناية والاستغراق فيه، والفناء والوله إليه، والنزوع له، سلكوا هذا الطريق، قال: جنوني فيك لا يخفي وناري فيك لا تخبو فأنت السمع والنظر والمهجة والقلب ولسلفنا من مشايخ الصوفية في هذا الباب فتوحات غيبية، وإشارات ذوقية، تهتز منها العظام البالية، غير أنها لا تصلح إلا لمن سلك سبيلهم، فعلم مشربهم، وأما غيرهم فلا يؤمن عليه عن سماعها من الأغاليط التي تهوى بصاحبها إلي مهواة الحلول والاتحاد. وتعالي الله الملك الحق عن صفات المخلوقين، ونعوت المربوبين. وحسب ذوي الألباب من شواهد هذا الباب، أن الله تبارك وتعالي لما أراد أن يقرر في قلوب السامعين عنه الواقفين معه أن عقد الميثاق مع الرسول ﷺ كعقده معه، أضاف المبايعة معه إلي نفسه بآكد الألفاظ وأخص المعإني، فقال: ((إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم)). قوله: ((وأنا أكره مساءته)) هذا آخر الحديث في كتاب البخاري والحميدي وجامع الأصول وشرح السنة وليس فيها ((فإذا أحببته)) كما في بعض نسخ المصابيح، ولا زيادة لفظة ((قبض)) عند قوله: ((عن قبض نفس المؤمن))، ولا قول: ((ولابد له منه)) في آخر الحديث، والمذكورات وردت في حديث روى أنس نحوه في شرح السنة.

стр. 1245

ــ قوله: ((وما ترددت عن شيء)) ((قض)): التردد تعارض الرأيين، وترادف الخاطرين، وهو وإن كان محالا في حقه تعالي إلا أنه أسند إليه باعتبار غايته ومنتهاه الذي هو التوقف والتإني في الأمر، كذلك سائر ما يسند إلي الله تعالي من صفات المخلوقين كالغضب والحياء والمكر، فالمعنى: ما أخرت وما توقفت توقف المتردد في أمر أنا فاعله إلا في قبض نفس عبدي المؤمن، أتوقف فيه حتى يسهل عليه، ويمل قلبه إليه شوقا إلي أن ينخرط في سلك المقربين، ويتبوأ في أعلي عليين. وأقول: تفسير الولي علي ما نقلناه يستلزم المحبة، وأن يكون الولي محبوبا، وإلي المحبة ألإشارة بقوله: ((حتى أحبه)) وإلي معنى تولي الأمور لمح قوله: ((فكنت سمعه الذي يسمع به)) إلي آخر الفصل. وقوله ((أحب إلي مما افترضت عليه)) يقتضي أن تكون وسائل التقرب كثيرة، وأحبها إلي الله تعالي أداء الفرائض، فتندرج فيها النوافل. وقوله: ((وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل)) إلي آخره بيان أن حكم بعض المفضل عليه الذي هو النافلة بهذه المثابة، فما الظن بالمفضل الذي هو الفرائض؟ فالتقرب المذكور في هذا الحديث وما رتب عليه من قوله: ((فكنت سمعه)) إلي آخره تفسير للمبهم، وتفصيل للمجمل في الحديث السابق. قال فيه: ((من تقرب إلي شبرًا)) ولم يبين المتقرب به، وفسر هنا بأداء الفرائض والنوافل، وقال هناك: ((تقربت إليه ذراعا)) ولم يبين بماذا تقرب، فبين هنا بقوله: ((فكنت سمعه)) دلالة علي التأييد، والتوفيق، وتسهيل سلوك الطريق المستقيم، وإليه يلمح ترتب قوله: ((اهدنا الصراط المستقيم)) إلي آخره علي قوله: ((إياك نعبد وإياك نستعين))، فلما بنى افتتاح الكلام علي ذكر الولاية والمحبة تكرما وتفضلا، ونبه أنه تعالي لا يحوج وليه إلي انتقام من يعاديه، بل هو بذاته ينتصر منه، ويتولي حربه، وأنه سبحانه يتلقاه في التقرب منه بما تقر به عينه، وينشرح به صدره بقوله: ((فكنت سمعه وبصر)) إلي آخره، ختمه بالتأخير عما يسوء المحبة ويكرهه تلطفًا وتعطفًا. وقوله: ((وما ترددت في شيء أنا فاعله)) مرتب عليه قوله: ((هو يكره الموت، وأنا أكره مساءته)) من باب التمثيل، سبه صورة توقف الله تعالي وتأخيره العبد عما يسوءه من الموت الذي في الظاهر مضرة، وتنبؤ عنه بشرية العبد، وفي ضمنه المنافع والوصول إلي غاية المطالب حتى تزول تلك الكراهة بلطائف يحدثها الله تعالي، ويظهرها عليه، فيشتاق إليه بما يتحقق عنده من البشرى برضوان الله تعالي وكرامته، بصورة أب مشفق بولده متعطف له، يريد إيصاله إلي ما يتم به كمال نفسه من العلم والأدب، ولا يتم ذلك إلا بنصب التكرار وتعب السهر، والولد يكرهه، وهو لا يريد مساءته، ولا أن يترك ما هو صلاحه فيه، فيتوخى لطائف الحيل، حتى يميل إليه قلب الولد، وينزع إليه. ثم أدخل صورة المشبه في جنس المشبه به مبالغة، ثم استعمل في المشبه اللفظ الذي كان مستعملا في المشبه اللفظ الذي كان مستعملا في المشبه به من التردد، وهذا التأويل موافق

стр. 1246

٢٢٦٧ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكروا الله تنادوا: هلموا إلي حاجتكم)) قال: ((فيحفونهم بأجنحتهم إلي السماء الدنيا)) قال: ((فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: ما يقول عبادي؟)) قال: ((يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك)) قال: ((فيقول: هل رأوني؟)) قال: ((فيقولون: لا والله ما رأوك)) قال: ((فيقول: كيف لو ــ للحديث المتفق علي صحته ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، والموت قبل لقاء الله)) قالت عائشة: ((إنا لنكره الموت؟ قال: ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بضر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه)) هذان الحديثان توأمان بلغا غايتهما في دقة المعنى ورقة الألفاظ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أهل الذكر)) المراد بالذكر التسبيح، والتكبير، والتحميد، والتمجيد، ولم يذكر التهليل؛ لدلالة التمجيد عليه، وينصره رواية مسلم ((التهليل)) بدل التمجيد. قوله: ((هلموا)) ((نه)): معناه تعالوا، وفيه لغتان: أهل الحجاز يطلقونه علي الواحد، والجمع، والاثنين، والمؤنث بلفظ واحد مبني علي الفتح، وبنو تميم يثنى، ويجمع ويؤنث. قوله: ((فيحفونهم بأجنحتهم)) [((تو))]: أي يطوفون بهم ويدورون حولهم؟ ((مظ)): الباء للتعدية، يعني يديرون أجنحتهم حول الذاكرين. أقول: الظاهر أن الباء للاستعانة كما في قولك: كتبت بالقلم؛ لأن حفهم الذي ينتهي إلي السماء إنما يستقيم بواسطة الأجنحة كما في العرف. قوله: ((وهو أعلم بهم)) حال؛ والأحسن أن تكون معترضة، أو تتميما صيانة عن التوهم، وفائدة السؤال مع العلم بالمسئول التعريض بالملائكة، وبقولهم في بني آدم: ((أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون)) وفي قوله: ((هل رأوني، وهل رأوا جنتي، وهل رأوا ناري)) تقريع للملائكة وتنبيه علي أن تسبيح بنى آدم وتقديسهم أعلي وأشرف من تقديسهم، لحصول هذا في عالم الغيب مع وجود الموانع والصوارف، وحصول ذلك في عالم المشهادة من غير صارف. وقد ورد ((أفضل العبادة أحمزها)). قوله: ((عبد خطاء)) بدل من ((فلان)) وفي الرواية الأولي ((فلان ليس منهم)) فـ ((ليس منهم)) حال من المستتر في الخبر يعني فيهم. قوله: ((هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)) يعني أن مجالستهم مؤثرة في الجليس، فإذا لم يكن للجليس نصيب مما أصابهم كان محرومًا فيشقى. فإذًا لا يستقيم وصف القوم بهذه الصفة. ولو

стр. 1247

رأوني؟)) قال: ((فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيدا، وأكثر لك تسبيحًا)) قال: ((فيقول: فما يسألون؟ قالوا: يسألونك الجنة)) قال: ((يقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا والله يارب ما رأوها)) قال: ((فيقول: فكيف لو رأوها؟)) قال: ((يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا، وأشد لها طلبا، وأعظم فيها رغبة)) ((قال: فمم يتعوذون؟)) قال: ((يقولون: من النار)) قال: ((يقول: فهل رأوها؟)) قال: ((يقولون: لا والله يارب ما رأوها)) قال: ((يقول فكيف لو رأوها؟)) قال: ((يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا، وأشد لها مخافةً)) قال: ((فيقول فأشهدكم إني قد غفرت لهم)) قال: هم الجلساء لا يشقى جليسهم)). رواه البخاري وفي وراية مسلم، قال: ((إن لله ملائكة سيارة فضلا يبتغون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم، حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلي السماء، قال: فيسألهم الله، وهو أعلم: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادك في الأرض يسبحونك ويكبرونك، ويهللونك، [ويمجدونك]، ويحمدونك، ويسألونك. قال: وماذا يسألوني؟ قالوا يسألونك جنتك. قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا أي ربِّ! قال: ــ قيل: هم قوم يسعد بهم جليسهم لم يكن بهذه الحيثية. وأما علي رواية مسلم فتعريف الخبر يدل علي الكمال، أي هم القوم، أي القوم الكاملون فيما هم فيه من السعادة، فيكون قوله: ((لا يشقى بهم جليسهم)) استئنافًا لبيان الموجب. ويجوز أن يكون صفة؛ لأن المعرف بلام الجنس كالنكرة. قوله: ((فضلا)) بإسكان الضاد جمع فاضل، صفة بعد صفة للملائكة كبزل وبازل. قوله: ((فإذا تفرقوا عرجوا)) الضمير في فعل الشرط للقوم، وفي الجزاء للملائكة، فكما كان اجتماع القوم سببا لنزول الملائكة وحفهم، كان تفرقهم سببًا لعروجهم وقربهم إلي الله تعالي ومكالمتهم مع الله تعالي. قوله: ((وكيف لو رأوا جنتي)) جواب ((لو)) ما دل عليه ((كيف)) لأنه سؤال عن الحال، أي لو رأوا جنتي ما يكون حالهم في الذكر؟ فإن قلت: ما الفرق بين مجيء جواب الملائكة في رواية

стр. 1248

وكيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجيرونك. قال: ومم يستجيرونني؟ قالوا: من نارك يارب. قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا. قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا: ويستغفرونك)). قال: ((فيقول: قد غفرت لهم، فأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا)) قال: ((فيقولون: رب فيهم فلان عبد خطاء، إنما مر فجلس معهم)) قال: ((فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)). ٢٢٦٨ - وعن حنظله بن الربيع الأسيدي، قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله ما تقول؟ قلتُ: نكونُ عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا ــ البخاري: ((لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصًا)) وبين ذكر الجواب في رواية مسلم؟ قلت: ((كيف)) في رواية البخاري لمجرد السؤال عن الحال، وفي رواية مسلم للتعجيب والتعجب مثلا قوله: ((إنما مر)) فإن قلت: ((إنما مر)) مشكل، لأن ((إنما)) توجب حصر ما بعده في آخر الكلام، كما تقول: إنما يجيء زيد أو إنما زيد يجيء، ولم يصرح هنا، غير كلمة واحدة، وكذلك قوله ((وله غفرت)) يقتضي تقديم الظرف علي عامله اختصاص الغفران بالمار دون غيره، وليس كذلك. قلت: في التركيب الأول تقديم وتأخير، أي إنما فلان مر، أي ما فعل فلان إلا المرور والجلوس عقيبه، يعني ما ذكر الله تعالي. فإن قلت: لِمَ لَمْ يجعل الضمير في ((مر)) بارزًا ليكون الحصر فيه؟ قلت: لو أريد هذا، لوجب الإبراز، ولئن سلم لأدى إلي خلاف المقصود، وأن المرور منحصر في ((فلان))، ولا يتعدى إلي غيره، وهو خلف. وفي التركيب الثاني الواو للعطف، وهو يقتضي معطوفًا عليه، أي قد غفرت لهم وله. ثم أتبع ((غفرت)) تأكيدًا وتقريرًا، نحوه قوله تعالي: ((لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب)) ((الكشاف)): أحد المفعولين ((الذين يفرحون)) والثاني ((بمفازة)) وقوله: ((فلا تحسبنهم)) تأكيد، أي لا تحسبنهم فائزين. الحديث الثامن عن حنظلة: قول: ((كيف أنت يا حنظلة)) ((كيف)) سؤال عن الحال، أي أمستقيم علي الطريق أم لا؟ فأجاب: نافق حنظلة. وفيه تجريد؛ لأن أصل الكلام: نافقت، فجرد من نفسه شخصا آخر مثله، فهو يخبر عنه لما رأي من نفسه ما لا يرضي لمخالفة السر العلن، والحضور الغيبة. قوله: ((سبحان الله!)) كلمة تعجب، و ((ما)) استفهامية، فقوله: ((ما تقول؟)) هو المتعجب منه. قوله: ((رأي عين)) ((فا)): منصوب بإضمار ((نرى)) ومثله ((حمد الله)). قوله: ((عافسنا)) ((فا)): المعافسة: المعالجة، والممارسة، والضيعة: الصناعة والحرفة. ويقال للرجل: ما ضيعتك؟ ((نه)): ضيعة الرجل ما يكون معاشه به كالتجارة، والزراعة وغير ذلك.

стр. 1249

الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرًا. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا علي رسول الله ﷺ . فقلت: نافق حنظله يا رسول الله قال رسول الله ﷺ : ((وما ذاك؟)) قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرًا. فقال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده، لو تدومون علي ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة علي فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة! ساعة وساعة)) ثلاث مراتٍ. رواه مسلم. الفصل الثاني ٢٢٦٩ - وعن أبي الدرداء [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم؟، وأزكاها عند مليككم؟، وأرفعها في درجاتكم؟، وخيرٍ لكم ــ قوله: ((نسينا كثيرًا)) أي نسينا أكثر مما ذكرتنا به، أو نسينا نيسانًا كثيرًا، كأنا ما سمعنا منك شيئًا قط، هذا مناسب لقوله: ((رأي عين)) إذا أريد به المصدر في إرادة المبالغة منها. قوله: ((وفي الذكر)) عطف علي خبر ((كان)) الذي هو ((عندي)). قوله: ((علي فرشكم وطريقكم)) يريد به الديمومة في جميع الحالات. ((شف)): أي في حالتي فراغكم وشغلكم، وفي زمإني أيامكم ولياليكم. أقول: ((لو)) لامتناع الشيء لامتناع غيره، فتنتفي المداومة، علي حالة حاصلة عند الحضور وعلي الذكر بانتفاء مصافحة الملائكة عيانا علي الدوام. فقوله: ((ولكن يا حنظلة ساعة وساعة)) استدراك عن هذا التعليق، وتقرير علي الحالة التي كان عليها حنظلة، وأنكر عليها، ومن ثم ناداه باسمه تنبيهًا علي أنه كان ثابتًا علي الطريق المستقيم، وما نافق قط. قوله: ((ثلاث مرات)) أي قال: يكونون ساعة في الحضور في الذكر، وساعة في المعافسة- ثلاث مرات- تأكيدًا لتأثير القول حتى يزيل عنهم ما اتهم به نفسه. ((تو)): ((ساعة وساعة)) محتمل للترخيص، وهو أظهر، ومحتمل للحث علي التحفظ به لئلا تسأم النفس عن العبادة. ((مظ)): معنى الحديث لو كنتم في غيبتي مثل ما كنتم في حضوري، من صفاء القلب والخوف من الله تعالي، ولو دمتم علي الذكر، لزارتكم الملائكة وصافحتكم عيانًا. ولابد من هذا القيد؛ لأن الملائكة يصافحون أهل الذكر غير عيان. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي الدرداء ﵁: قوله: ((وخير لكم من إنفاق الذهب)) مجرور

стр. 1250

من إنفاق الذهب والورق؟ وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟)) قالوا: بلي. قال: ((ذكر الله)). رواه مالك، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه، إلا أن مالكا وقفه علي أبي الدرداء [٢٢٦٩]. ٢٢٧٠ - وعن عبد الله بن بُسر، قال: جاء أعرابي إلي النبي ﷺ ، فقال: أي الناس خير؟ فقال: ((طوبى لمن طال عمره، وحسن عمله)). قال: يا رسول الله! أي ــ عُطف علي ((خير أعمالكم)) من حيث المعنى؛ لأن المعنى ألا أنبئكم بما هو خير لكم من بذل أموالكم، ونفوسكم؟. قال الشيخ ابن عبد السلام في كتاب القواعد: هذا الحديث مما يدل علي أن الثواب لا يترتب علي قدر النصب في جميع العبادات، بل قد يؤجر الله تعالي علي قليل الأعمال أكثر مما يؤجره علي كثيرها، فإن* الثواب يترتب علي تفاوت الرتب في الشرف. ((شف)): لعل الخيرية والأرفعية في الذكر؛ لأجل أن سائر العبادات من إنفاق الذهب، والفضة، ومن ملاقاة العدو، والمقاتلة معهم إنما هي وسائل ووسائط يتقرب العباد بها إلي الله، والذكر إنما هو المقصود الأسني، والمطلوب الأعلي، وناهيك عن فضيلة الذكر قوله تعالي: ((فاذكروني أذكركم))، وقوله: ((أنا جليس من ذكرني، وأنا معه إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي)) - الحديث. أقول: ولا ارتياب أن أفضل الذكر قول لا إله إلا الله، وهي الكلمة العليا، وهي القطب الذي يدور عليها رحى الإسلام، وهي القاعدة التي بنى عليها أركان الدين، وهي الشعبة التي هي أعلي شعب الإيمان بل هو الكل، وليس غيره، ((قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد)) أي الوحي مقصور علي استئثار الله تعالي بالوحدإنية؛ لأن المقصود الأعظم من الوحي هو التوحيد، وسائر التكاليف متفرع عليه، ((وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)) ولأمر ما تجد العارفين وأرباب القلوب يستأثرونها علي سائر الأذكار؛ لما رأوا فيها خواص ليس الطريق إلي معرفتها إلا الوجدان والذوق، رزقنا الله وإياكم. الحديث الثاني عن عبد الله: قوله: ((طوبى)) قال الشارحون: لما كان السؤال عما هو غيب لا يعلمه إلا الله تعالي عدل عن الجواب إلي كلام مبتدأ يشعر بأمارات تدل علي المسئول عنه، وهو طول العمر مع حسن العمل، فإنه يدل علي سعادة الدارين والفوز بالحسنين.

стр. 1251

الأعمال أفضل؟ قال: ((أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله)). رواه أحمد، والترمذي. [٢٢٧٠] ٢٢٧١ - وعن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)) قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: ((حلق الذكر)). رواه الترمذي. [٢٢٧١] ــ وأقول: ((طوبى)) كلمة إنشاء؛ لأنها دعاء معناها أصاب خيرا من طال عمره، وحسن عمله، وكان من الظاهر أن يجاب عنه بقوله: ((من طال)) فالجواب من الأسلوب الحكيم، أي غير خاف أن خير الناس من طال عمره وحسن عمله؛ بل الذي يهمك أن تدعو له فتصيب من بركته. وإنما كان خير الناس من طال عمره، وحسن عمله؛ لأن مثل الإنسان في الدار الدنيا مع عمله الصالح، كمثل تاجر سافر من مقره إلي فرضة* ليتجر فيها ويربح، فيرجع إلي وطنه سالما غانما، فيصيب خيرا، فرأس مال الإنسان عمره، ونقده أنفاسه ومزاولة جوارحه، وربحه الأعمال الصالحة، فكلما زاد رأس المال زاد الربح، ومقره ومستقره الدار الآخرة، فمتى استقر فيها وجد ثواب ما ربح موفي، ﴿إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلوة وأنفقوا مما رزقنهم سرا وعلإنية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله﴾ ومن لم ينتبه لذلك، وأضاع رأس ماله فلم يوفق للعمل، ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين﴾. قوله: ((ولسانك رطب)) رطوبة اللسان عبارة عن سهولة جريانه، كما أن يبسه عبارة عن ضده، ثم أن جريان اللسان حينئذ عبارة عن مداومته الذكر قبل ذلك، فكأنه قيل: وخير الأعمال مداومة الذكر، فهو من أسلوب قوله تعالي: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾. الحديث الثالث عن أنس ﵁: قوله: ((إذا مررتم برياض الجنة)) هذا الحديث مطلق من وجهين: أن تلك الحلق في أي مكان هي؟ وأن ذلك الذكر ما هو؟ فيحمل علي المقيد في باب المساجد، أن المكان هو المسجد وأن الذكر هو قوله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقد مر تحقيقه هناك.

стр. 1252

٢٢٧٢ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قعد مقعدًا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضجعًا لا يذكر الله فيه كان عليه من الله ترة)). رواه أبو داود. [٢٢٧٢] ــ قوله: ((حلق الذكر)) ((نه)): الحلق- بكسر الحاء وفتح اللام- هي جمع حلقة مثل قصعة وقصع، وهي جماعة من الناس يستديرون كحلقة الباب وغيره. وقال الجوهري: جمع الحلقة حلق- بفتح الحاء- علي غير قياس. وحكي ابن عمرو أن الواحد حلقة- بالتحريك- والجمع حلق بالفتح. ((مح)): أعلم أنه كما يستحب الذكر يستحب الجلوس في حلق أهله، وقد تظاهرت الأدلة علي ذلك. والذكر قد يكون بالقلب، وقد يكون باللسان، والأفضل منهما ما كان بالقلب واللسان جميعا، فإن اقتصر علي أحدهما فالقلب أفضل. وينبغي أن لا يترك الذكر باللسان مع القلب بالإخلاص خوفا من أن يظن به الرياء، وقد نقل عن التفضيل ﵀: ترك العمل لأجل الناس رياء، وقال: لو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس، والاحتزاز عن طريق ظنونهم الباطلة، لانسد عليه أكثر أبواب الخير، [وضيع] علي نفسه شيئا عظيما من مهمات الدين، وليس هذا من وظيفة العارفين. وأن يكون علي أكمل الصفات بأن يكون جاسًا مستقبل القبلة، متخشعًا مع سكينة ووقار، مطرقًا رأسه، وأن يكون الموضع خاليًا نظيفًا، فإنه أعظم في احترام الذكر والمذكور. وينبغي أن يدوم علي الذكر إلا زمان قضاء الحاجة، والجماع، وسماع الخطبة في الجمعة وغيرها، وفي القيام للصلاة، وفي حالة النعاس، ولا يكره في الطريق، ولا في الحمام. وينبغي له أن يحضر قلبه؛ لأنه هو المقصود في الذكر فيتحرى في تحصيله، ويتدبر ما يذكره. والمذهب الصحيح أن أولي الأذكار قول: لا إله إلا الله، وأقوال السلف وأئمة الخلف في هذا مشهورة. وإذا اعترضت للذكر أحوال يستحب له قطع الذكر، ثم الإعادة بعد زوالها، منها رد تسليم الداخل عليه، وتشميت العاطس، وجواب المؤذن في الأذان والإقامة، ورفع المنكر والإرشاد إلي المعروف عند رؤيتهما، وإجابة المسترشد، وما أشبه ذلك كله في الأذكار. الحديث الرابع إلي السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((كانت عليه من الله ترة)) ((تو)): قيل: أي حسرة، والموتر الذي قتل له قتيل، ولم يدرك بدمه. وكذلك وتره حقه، أي نقصه، وكلا الأمرين معقب للحسرة. أقول: قوله: ((من قعد مقعدا)) الحديث ((كانت)) في الموضعين رويت علي التإنيت في أبي داود، وجامع الأصول. وفي الحديثين اللذين يليانه علي

стр. 1253

٢٢٧٣ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرة)). رواه أحمد، وأبو داود. [٢٢٧٣] ٢٢٧٤ - وعنه: قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا علي نبيهم، إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم)) رواه الترمذي. [٢٢٧٤] ٢٢٧٥ - وعن أم حبيبة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((كل ُّكلام ابن آدم عليه لا ــ التذكير فيهما، فعلي رواية التإنيث في ((كانت)) ورفع ((ترة)) ينبغي أن يؤول مرجع الضمير من ((كانت)) مؤنثا، أي القعدة أو الاضطجاعة، فيكون ((ترة)) مبتدأ والجار والمجرور خبره، والجملة خبر كان. وأما علي رواية التذكير ونصب ((ترة)) كما هو في المصابيح فظاهر، والجار والمجرور متعلق بـ ((ترة)) ويؤيد هذه الرواية الأحاديث الآتية بعد. وذكر المكإنين هنا لاستيعاب الأمكنة، كذكر الزمإنين بكرة وعشيا لاستيعاب الأزمنة، يعنى من فتر ساعة من الأزمنة، وفي مكان من الأمكنة كان عليه حسرة وندامة؛ لأنه ضيع رأس ماله، وفوت ربحه، كما مر قبيل هذا، وأية حسرة أعظم من هذا!. قوله: ((إلا قاموا)) استثناء مفرغ التقدير: ما يقومون قياما إلا هذا القيام، وضمن ((قاموا)) معنى التجاوز فعدى بـ ((عن)) والمثل يراد به الكلام الذي يجري بين الناس في المجالس من الأمور الدنيوية والهفوات، والسقطات، فإذا لم تجر باسم الله تعالي يكون كجيفة يعافها الناس. وخص الحمار بالذكر ليشعر ببلادة أهل المجلس، وينصر هذا التأويل حديث أبي هريرة ((من جلس مجلسا فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه)). وقوله ((وإن شاء عذبهم)) من باب التشديد، والتغليظ، ويحتمل أن يصدر من أهل المجلس ما يوجب العقوبة من حصائد ألسنتهم، والصلوات علي الرسول في هذا الحديث تلميح إلي معنى قوله تعالي: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾. الحديث السابع عن أم حبيبة: قوله: ((عليه لا له)) ((مظ)): قد يكون بعض الكلام لا عليه ولا

стр. 1254

له، إلا أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر الله)) رواه الترمذي، وابن ماجة. وقال الترمذي: هذا حديثٌ غريب. ٢٢٧٦ - وعن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تُكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي)) رواه الترمذي [٢٢٦٧]. ٢٢٧٧ - وعن ثوبان، قال: لما نزلت ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ ــ له؛ لأن الكلام إما خير أو شر أو مباح، ففي الخير أجر، وفي الشر إثم، وفي المباح عفو لا إثم فيه ولا أجر، والمراد بذكر الله هنا ما فيه رضي الله من الكلام، كالتلاوة، والصلاة علي النبي ﷺ ، والتسبيح، والتهليل، والدعاء للمؤمنين وما أسبه ذلك. أقول: قوله: ((إلا أمر بمعروف)) استثناء من قوله: ((كل كلام ابن آدم)) فلا يخرج المباح من جملة ما عليه، وأقله أن يحاسب عليه، قال تعالي: ((ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)) ويورث قساوة القلب، كما يشير إليه الحديث الآتي، وقوله الشارح: ((وفي المباح عفو)) دليل علي أنه مما عليه؛ لأن العفو يقتضي الجرمية، يعفي عنها تفضلا والحاصل: أن قوله: ((كل كلام ابن آدم عليه لا له)) دل علي أن جميع ما ينطق به الإنسان مضرة عليه، ولذلك ورد ((من صمت نجا)) ثم خص هذا العام مرة بما لابد منه للإنسان من الأمور الدينية، كذكر الله وما والاه، وأخرى بالأمور الدنيوية، [وما نظام] أمر المكلف عليه من المباحات، تفضلا من الله تعالي وعفوا منه. الحديث الثامن عن ابن عمر ﵄: قوله: ((قسوة للقلب)) أي سبب لقسوة القلب، ((مظ)) وهي عبارة عن دعم قبول ذكر الله، والخوف، والرجاء، وغير ذلك من الخصال الحميدة، وعدم هذه الخلال يبعد الناس عن الله تعالي ولابد في الكلام من التقدير بأن يقال: إن أبعد القلوب من الله القلب القاسي، أو إن أبعد الناس من الله القلب القاسي. أقول: ويمكن أن يعبر بالقلب عن الشخص؛ لأنه به كما قيل: المرء بأصغريه، أي بقلبه ولسانه أو يقدر: ذو القلب، فلا يحتاج إذن إلي حذف الموصول مع بعض الصلة. الحديث التاسع عن ثوبان: قوله: ((لو علمنا أي المال خير فنتخذه)) ((لو)) للتمني، ولذلك نصب ((فنتخذه)) و ((أي)) رفع بالابتداء، والخبر ((خير))، والجملة سادة مسد المفعولين لـ ((علمنا))

стр. 1255

كنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، فقال بعض أصحابه: نزلت في الذهب والفضة، لو علمنا أي المال خير فنتخذه؟ فقال ((أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه علي إيمانه)) رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. الفصل الثالث ٢٢٧٨ - عن أبي سعيد، قال: خرج معاوية علي حلقة في المسجد، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: آلله ما أجلسنا غيره. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلي اله عليه وسلم أقل عنه حديثا مني، وإن رسول الله ﷺ أقل عنه حديثا مني، وإن رسول الله ﷺ خرج علي حلقة من أصحابه، فقال: ((ما أجلسكم ها هنا؟)) قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده علي ما هدانا ــ تعليقًا، والضمير في ((أفضله)) راجع إلي ((المال)) علي تأويل النفع، أي لو علمنا أفضل الأشياء نفعا فنقتنيه، ولهذا السر استثنى الله تعالي)) من أتى الله بقلب سليم)) من قوله: ((مال ولا بنون)) والقلب إذا سلم من آفاته شكر الله تعالي، فسرى ذلك إلي لسانه، فحمد الله وأثنى عليه، ولا يحصل ذلك إلا بفراغ القلب ومعاونة رفيق يعينه في طاعة الله تعالي. الفصل الثالث الحديث الأول عن أبي سعيد: قوله: ((الله ما أجلسكم؟)) هو بالنصب، أي أتقسمون بالله، فحذف الجار وأوصل الفعل، ثم حذف الفعل، وقولهم: ((آلله ما أجلسنا غيره)) تقديره: إي أو نعم نقسم بالله ما أجلسنا غيره، فوضع الهمزة موضعها مشاكلة وتقريرا لذلك. وقوله: ((وإن رسول الله ﷺ ) إلي آخره متصل بقوله: ((إني لم أستحلفكم)) اتصال الاستدراك بالمستدرك يدل عليه قوله: ((ولكنه أتإني)) وقوله: ((وما كان أحد بمنزلتي)) إلي آخره اعتراض وقع تأكيدا بين الاستدراك والمستدرك، وآذن به أنه لم ينسه. فإن قلت: ما معنى الاستدراك، وانه لم يستحلفه تهمة، وإنما استحلفه لما سمع من رسول الله ﷺ ما سمع، وكذا رسول الله ﷺ من جبريل ﵇؟ قلت: الجملة القسمية إنما وضعت لدفع التهمة، ورفع الإنكار البليغ، فأوجب أن تضمن التأكيد البليغ. وربما تستعمل فيما لا يكون فيه تهمة ولا إنكار، بل يجاء بها لمجرد التأكيد تقريرا له في النفوس وتثبيتا لها، كما تقول لمن بعثته إلي مهم وقد جاءك: والله لقد جئتني، أي نعم ما فعلت، تحسينا له علي

стр. 1256

للإسلام، ومن به علينا. قال: ((الله ما أجلسكم إلا ذلك؟)) قالوا: الله ما أجلسنا إلا ذلك. قال: ((أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتإني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة)) رواه مسلم. ٢٢٧٩ - وعن عبد الله بن بسر: أن رجلا قال: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بشيءٍ أتشبث به. قال: ((لا يزالُ لسانكَ رطبًا من ذكر الله)) رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ غريب. ٢٢٨٠ - وعن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ سُئلَ: أيُّ العباد أفضلُ وأرفع درجة عن الله يوم القيامة؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات)). قيل: يا رسول الله! ومن الغازي في سبيل الله؟ ((قال: ((لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دمًا، فإن الذاكر لله أفضل منه درجة)) رواه أحمد، الترمذي. وقال: هذا حديثٌ حسنٌ غريب. ــ فعله، وعلي هذا جل أقسام الله تعالي: وأكثر أقسام الرسول ﷺ مع المؤمنين، وهو من هذا القبيل. الحديث الثاني عن عبد الله: قوله: ((إن شرائع الإسلام)) ((نه)): الشريعة مورد الإبل علي الماء الجاري، وفي الشريعة ما شرع الله لعباده من الدين، أي سنه لهم، وافترضه عليهم، والتنكير في بـ ((شيء)) للتقليل المتضمن لمعنى التعظيم، كقوله تعالي: ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ معناه أخبرني بعمل يسير مستجلب لثواب كثير، فألازم عليه، وأعتصم به، ولم يرد بقوله: ((كثرت علي)) أنه يترك ذلك رأسا، ويشتغل بغيره فحسب، وإنما أراد أنه بعد أداء ما افترض عليه يتشبث بما يستغنى به عن سائر ما لم يفترض عليه. وعدى ((كثرت)) بـ ((علي)) تضمينا لمعنى غلبتها إياه وعجزه عنها. الحديث الثالث عن أبي سعيد: قوله: ((ومن الغازي)) فيه معنى التعجب، وهو عطف علي مقدر لأن تقدير السؤال: أي العباد أفضل من غيره؟، وتقرير الجواب الذاكرون الله أفضل من غيرهم، ((ومن الغازي)) عطف علي هذا. وقوله: ((في الكفار)) من باب قوله: يجرح في عراقيبها نصلي، حيث جعل المفعول به مفعولا فيه مبالغة أي يوجد فيهم الضرب، ويجعلهم مكانا للضرب بالسيف. قوله: ((فإن الذاكر لله أفضل)) تكرير للتأكيد والتقرير. وقوله: ((درجة)) يحتمل الوحدة والنوع، أي درجة عظيمة.

стр. 1257

٢٢٨١ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الشيطان جاثم علي قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس، وإذا غفل وسوس)) رواه البخاري تعليقًا. ٢٢٨٢ - وعن مالك، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ كان يقولُ: ((ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل خلف الفارين، وذاكر الله في الغافلين كغصن أخضر في شجر يابس)) [٢٢٨٢]. ٢٢٨٣ - وفي رواية: ((مثل الشجرة الخضراء في وسط الشجر، وذاكر الله في الغافلين مثل مصباح في بيت مظلم، وذاكر الله في الغافلين يريه الله مقعده من الجنة وهو حي، وذاكر الله في الغافلين يغفر له بعدد كل فصيح وأعجم)). والفصيح: بنو آدم، والأعجم: البهائم. رواه رزين. ٢٢٨٤ - وعن معاذ بن جبلٍ، قال: ما عملَ العبدُ عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر اللهِ. رواه مالك، والترمذي، وابن ماجه. ــ الحديث الرابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((جاثم)) ((نه)) أصل الجثوم في الطير، والأرانب وما أشبههما مما يجثم بالأرض، أي يلزمها ويلتصق بها، وهو بمنزلة البروك للإبل. ((فا)) ((خنس)) انقبض وتأخر، هو من قوله تعالي: ((ومن شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس)) ومعنى التعليق قد سبق. الحديث الخامس عن مالك: قوله: ((ذاكر الله في الغافلين)) من باب الترديد. كرر ليناط به كل مرة ما لم ينط به أولا. قوله: ((كالمقاتل خلف الفارين)) شبه الذاكر الذي يذكر الله بين جماعة لم يذكروا، بالمجاهد الذي يقاتل الكفار بعد فرار أصحابه منهم، فالذاكر قاهر لجند الشيطان وهازم له، والغافل مقهور ومنهزم منه. ثم شبهه ثإنيا بالغصن الأخضر الذي يعد للإثمار، والغافل باليابس الذي تهيأ للإحراق. ثم شبهه ثالثا بالمصباح في مجرد كونه مضيئا في نفسه والغافل في مجرد الظلمة، كما في قول الشاعر: وكأن النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهن ابتداع شبه النجوم بالسنن في مجرد الإشراق، والبدع بالليل في مجرد الظلمة.

стр. 1258

٢٢٨٥ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((إنَّ اللهَ تعالي يقولُ: أنا معَ عبْدي إذا ذكرني، وتحركتْ بي شفتاهُ)) رواه البخاريُّ [٢٢٨٥]. ٢٢٨٦ - وعن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ ، أنه كانَ يقولُ: ((لكل شيء صقالة، وصقالة القلوب ذكر الله، وما من شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله)). قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع)) رواه البيهقي في ((الدعوات الكبير)). ــ الحديث السادس والسابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أنا مع عبدي)) قيل: أي بالرحمة، والإعانة، والتوفيق. أقول: معنى المعية كناية عن القربة، والشرف، لما ورد ((أنا جليس من ذكرني)) كما يقال: فلان جليس السلطان، أي مقرب مشرف عنده والحديث أبلغ حيث لم يقل هو جليسي. وقوله: ((وتحركت بي)) أي بذكري، فيه من المبالغة ما ليس في قوله: إذا ذكرني باللسان, هذا إذا كان الواو للحال، وأما إذا كان للعطف فيحتمل الجمع بين الذكر باللسان وبالقلب، وهذا الثاني أولي؛ لأن المؤثر النافع هو الذكر باللسان مع حضور القلب، وأما الذكر باللسان والقلب لاه، فهو قليل الجدوى. الحديث الثامن عن ابن عمر ﵄: قوله: ((لكل شيء صقالة)) ((كل شيء)) عام خص بقينه العقل، أي لكل شيء مما يصدأ حقيقة ومجازا، فإن صداء القلوب الرين في قوله تعالي: ((كلا بل ران علي قلوبهم ما كانوا يكسبون)) بمتابعة الهوى، المعني بها في قوله تعالي: ((أفرأيت من اتخذ إلهه هواه)) فكلمة ((لا إله)) يخليها و ((إلا الله يحليها، وباقي الحديث مضى شرحه في الفصل الثاني في حديث أبي الدرداء.

стр. 1259

(٢) كتاب أسماء الله تعالي الفصل الأول ٢٢٨٧ - عن أبي هريرة [﵁]، قال قال رسول الله ﷺ : ((إن لله تعالي تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة)). وفي رواية: ((وهو وتر يحب الوتر)). متفق عليه. الفصل الثاني ٢٢٨٨ - عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن لله ــ كتاب أسماء الله تعالي [((غب))]: أسماء الله مائح أن يطلق عليه سبحأنه وتعالي بالنظر إلي ذاته، أو باعتبار صفة من صفاته السلبية، كالقدوس والأول، أو الحقيقة به كالعليم والقادر، أو الإضافية كالحميد واملك، أو باعتبار فعل من أفعاله كالخالق والرازق. وقالت المعتزلة: الاسم هو التسمية دون المسمى. قال الشيخ أبو حامد الغزالي ﵀: الاسم هو اللفظ الدال علي المعنى بالوضع لغة، والمسمى هو المعنى الموضوع له الاسم والتسمية هو اللفظ الدال علي المسمى والاسم هو المعنى الموضوع له الاسم والتسمية وضع اللفظ له أو إطلاقه عليه. وقال مشايخنا ﵏: التسمية هو اللفظ الدال علي المسمى، والاسم نهو المعن المسمى به، كمان الوصف هو لفظ الواصف، والصفة دلولة، وهو المعنى القائم بالموصوف. وقد يطلق ويراد به اللفظ كمتطلق الصفة ويراد به الوصف إطلاق الاسم المدلول علي الدال وعليه اصطلحت النحاة. ((غب)): الرق بين الاسم والمسمى إنما يظهر من قولك: رأيت زيدًا، فإن المراد بالاسم المسمى؛ لأن المرئي ليس زاجا وياء ودالا، وإذالة: سميته زيدًا، فالمراد غير المسمى؛ لأن معناه سميته بما يتركب من هذه الحروف. وقولك: زيد حسن لفظ مشترك إن يعن به هذا اللفظ حسن، وإن يعن به المسمى حسن. وما تصور من قال: لو كان الاسم هو المسمى لكان من قال نار: احترق فمه، فهو بعيد؛ لأن العاقل لايقول: إن الذي هو زاي وياء ودال هو الشيخ. الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁ قوله: ((إن لله تسعة وتسعين اسما)) سيرد الكلام فيها مشبعا بعد في الفصل الثاني.

стр. 1260

تعالي تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة، هو الذي لا إله إلا هو، ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁ قوله: ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا)) رواه الشيخ محيى الدين النوأوي عن الإمام أبي القاسم القشيري. في الحديث دليل علي أن الاسم هو المسمى، إذ لو كان غيره لكانت الأسماء لغيره. لخص هذ المعنى القاضي، وأجاب عنه حيث قال: فإن قيل: إذا كان الاسم عين المسمى لزم من قوله ((إن لله تسعة وتسعين اسما)) الحكم بتعدد الإله؛ فالجواب من وجهين: الأول أن المراد من الاسم هاهنا اللفظ، ولا خلاف ورود الاسم بهذا المعنى، إنما النزاع في أنه هل يطلق ويراد به المسمى عينه، ولا يلزم تعدد الأسماء تعدد المسمى. والثاني: أن كل واحد من الألفاظ المطلقة علي الله سبحأنه يدل علي ذاعت باعتبار صفة حقيقية، أو غير حقيقية، وذلك يستدعى التعدد في الاعتبارات والصفات دون الذات، ولا استحالة في ذلك. ((خط)): فيه دليل علي أن أشهر أسماء الله تعالي ((الله)) لإضافة هذه الأسماء إليه، وقد روي ((إن الله هو اسمه الأعظم)) وقال الملكي النحوي: ولكون ((الله)) اسم علم وليس بصفة، قيل في كل اسم من اسمائه تعالي سواه: اسم من أسماء الله تعالي، وهو من قول الطبري هللي ما رواه الشيخ محيى الديالي الله ينسب كل اسم له. ويقال: الكريم من أسماء الله، ولا يقال من أسماء الكريم ((الله)). وجاء في الروايات الصحاح ((مائة إلا واحدة)) أنت واحدة ذهابا إلي معنى التسمية، أو الصفة، أو الكلمة. فإن قلت: ما فائدة هذا التأكيد؟ قلت: ما ذكره الشيخ التوربشتي: إن معرفة أسماء الله تعالي وصفاته توقيفية، تعلم من طريق الوحي والسنة، ولم يكن لنا أن نتصرف فيها بما نهتدى إليه بمبلغ علمنا، ومنتهي عقولنا، وقد نعنا عن إطلاق مالم يرد به التوقيف من ذلك وإن جوزه العقل وحكم به القياس، كان الخطب في ذلك غير هي، والمخطئ فيه غير معذور، والنقصان عنه كالزيادة فيه غير مرضي، وكان الاحتمال في رسم الخط واقعًا باشتباه تسعة وتسعين في زلة الكاتب، وهفوة القلم بسبعة وتسعين أو سبعة وسبعين أو تسعة وسبعين، فبنشأ الاختلاف في المسموع من المسطور، فأكده به حسم المادة الخلاف وإرشادًا إلي الاحتياط في هذا الباب. وقال محيي السنة في معالم التنزيل: الإلحاد في أسمائه تسميته بما لا ينطق به كتاب ولا سنة. وقال أبو القاسم القشيري في مفاتيح الحجج: أسماء الله تؤخذ توقيفًا، ويراعي فيها الكتاب والسنة والإجماع، فكل اسم ورد في هذه الأصول زج إطلاقه في [وصف] تعالي، ومالم يرد فيها لا يجوز إطلاقه في وصفه تعالي وإن صح معناه. قال الراغب: ذهبت المعتزلة

стр. 1261

ــ إلي أنه يصح أن يطلق علي الله كل اسم يصح مع تهافيه، والأفهام الصحيحة البشرية لها سعة ومجال في اختيار الصفات. وقال: وما ذهب إليه أهل الحديث هو الصحيح. ولو ترك الانسان وعقله لما جسر أن يطلق عليه غاية هذه الأسماء التي ورد الشرع بها، إذا كان أكثرها تعارفنا يقتضى أعراضًا، إما كمية نحو العظيم والكبير، وإما كيفية نحو الحي والقادر، أو زمانا نحو القديم والباقي، أو مكانًا نحو العلي والمتعالي، أو انفعالا نحو الرحيم والودود، وهذه معان له تصح عليه سبحأنه علي حسب ما هو متعارف بيننا، وإن كان لها معان معقولة عند أهل الحقائق، من أجلها صح إطلاقها عليه . وقال الزجاج: لا ينبغي لأحد أن يدعوه بمال يصف به نفسه، فيقول: ((يا رحيم)) لا ((يا رفيق))، ويقول ((يا قوي))، لا ((يا جليد)). وقال الإمام فخرالدين الرازي: قال أصحابنا: ليس كل مائح معناه جاز إطلاقه عليه سبحأنه وتعالي؛ فأنه الخاق للأشياء كلها، ولا يجوز أن يقال: ((يا خالق الذئب، والقردة))، وورد ((وعلم آدم الأسماء كلها))، ((وعلمك مالم تكن تعلم)) ((وعلمناه من لدنك علما)) ولا يجوز ((يا معلم))، ولا يجوز عندي ((يا محب)) وقد ورد ((يحبهم ويحبونه)). فإن قلت: ما ورد في شرح السنة عن أبي أمية قال: أنه رأي الذي بظهر رسول الله صلة الله عليه وسلم، فقال دعني أعالجه، فإني طبيب، فقال: ((أنت رفيق والله الطبيب))، هل هو إذن منه ﷺ في تسمية الله بـ ((الطبيب))؟ قلت: لا، لوقوعه مقابلا لقوله: ((فإني طبيب)) مشاكلة وطباقًا للجواب علي السؤال لقوله تعالي: ((تعلم ما في نفسى ولا أعلم ما في نفسك)) قوله: ((من أحصاها)) فيه وجوه: أحدها ((مح)): معنى ((أحصاها)) حفظها، هكذا فسره البخاري والأكثرون. ويؤيده أنه ورد في رواية في الصحيح ((من حفظها دخل الجنة)). أقول: أراد بالحفظ القراءة بظهر القلب، فيكون كناية؛ لأن الحفظ يستلزم التكرار، فالمراد بإحصاء تكرار مجموعها. وثإنيها: أن يكون بمعنى الضي، والتفقد، والرعاية، فيرجع إلي معنى ما ذكره الشارحون: من أتى عليه حصرًا وتعدادًا وعلمًا وإيمانًا، فدعا الله بها استحق بذلك دخول الجنة، وذكر الجزاء بلفظ الماضى تحقيقًا. وثالثها: أن يكون بمعنى الإطاقة، أي أطاق القيام بحقها والعمل بمقتضاها، وذلك بأن يعتبر معإنيها فيطالب نفسه بما تتضمنه من صفات الربوبية وأحكام العبودية، فيتخلق بها. ورابعها: أن تكون بمعنى العلم، أي عقلها وأحاط بمعإنيها، ويكون من قولهم: فلان ذو حصاة، أي ذو عقل ولب. وخامسها: أن يكون مستعارًا للعلم من الإحصاء الذي هو عد الشيء؛ لكونه موجبًا للعلم به. وأقول: لما أكد الأعداد دفعًا للتجوز واحتمال الزيادة والنقصان، وقد أرشد الله تعالي بقوله:

стр. 1262

ــ ((ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه)) إلي عظم الخطب في الإحصاء، بأن لا يتجأوز المسموع والأعداد المذكورة، وأن لا يلحد منها إلي الباطل، بل يستقيم فيها، ويعمل بمقتضاها. وقد علم من قوله: ((استقيموا ولن تحصوا)) أن الاستقامة أمر شاق. فقوله: ((أحصى)) كلمة جامعة لا تحصى فائدتها، ضرب لمعنى التجنب عن الزيادة والنقصان في عدد مثل تلك الأسماء مثل، وهو أن الطبيب الحاذق إذا وصف لداء مخصوص معجونا مركبا من أدوية معدودة بأوزان معينة، فإذا تصرف فيها بالزيادة والنقصان في العدد والوزن علي ما وصفه، لم يفد فائدة ما إذا لم يتصرف فيها. وهكذا قيل: إذا وصى الوالد ولده بأنى خبأت لك كنزا، ومن موضع كذا إليه كذا خطوات، فإن تعدى خطوة جأوز عنه، وإن نقص خطوة لم يصل إليه؛ لأن لمراتب الأعداد خواص في الشرع علي سبيل التعبد، كأعداد الركعات، ونصب الزكاة، ومقادير الحدود والكفارات، لا يعقل معناها وإن كانت لا تخلو عن حكمة بالغة، وجاء أيضا في رواية الصحاح. ((الوتر)) ((تو)): الوتر الفرد، الله سبحأنه هو الفرد الوتر؛ لأنه واحد لا شريك له، بل هو الوتر من حيث ماله الوحدة من كل وجه. وقوله: ((يحب الوتر)) أي يثيب علي العمل الذي أتى به وترا، ويقبله من عامله؛ لما فيه من التنبيه علي معإني الفردإنية قلبا، ولسانا، وإيمانا، وإخلاصا، ثم أنه أدعى إلي معإني التوحيد. قوله: ((هو الله الذي)) ((هو)) مبتدأ ((الله)) خبره ((الذي لا إله إلا هو)) صفته، و ((الرحمن)) إلي آخره خبر بعد خبر، والجملة مستأنفة، إما بيان لكمية تلك الأعداد أنها ما هي في قوله: ((إن لله تسعة وتسعين اسما)) وذكر الضمير نظرا إلي الخبر، وإما بيان لكيفية الإحصاء في قوله: ((من أحصاها دخل الجنة)) دالة كيف تحصى، فالضمير راجع إلي المسمى الدال عليه قوله ((الله)). كأنه لما قيل: ((ولله الأسماء الحسنى)) سئل وما تلك الأسماء؟ فأجيب: هو ((الله))، أو لما قيل: ((من أحصاها دخل الجنة)) كيف أحصيها؟ فأجيب: قل ((هو الله))، فعلي هذا الضمير ضمير الشأن، و ((الله)) مبتدأ وقوله: ((الذي لا إله إلا هو)) خبره، والموصول مع الصلة صفة ((الله)). فإن قلت: الإحصاء يقتضى أن يلقيها أغفالا من سمية الإعراب، فيقول: الله، الرحمن، الرحيم، موقوفة كما يلقى علي الحاسب أجناسا مختلفة ليرفع حسبأنها فيقول: دار، غلام، جارية، ولو أعربت ركبت شططا. قلت: إنما عدل عن التعداد تفخيما لشأنها، وإدخالا للروعة في قلب السامع، فيحصل منه.

стр. 1263

ــ التعداد ضمنًا، كما قالت قريش لرسول الله ﷺ : ((صف لنا ربك الذي تدعونا إليه)) فنزلت ((قل هو الله أحد)) يعنى الذي سألتموني وصفه، هو الله. قال الشيخ أبو القاسم القشيري في التحبير في شرح أسماء الله الحسنى: هو للإشارة، وهو للإشارة، وهو عند هذه الطائفة إخبار عن نهاية التحقيق، فإذا قلت: ((هو)) لا يسبق إلي قلوبهم غير الحق فيكتفون عن كل بيان يتلوه لا ستهلكهم في حقائق القرب، واستيلاء ذكر الحق علي أسراهم، وانمحاقيهم عن شواهدهم، فضلا عن إحساسهم ممن سواه. أقول: فيكون ((هو)) إذن بمنزلة اسم الإشارة في قول الشاعر: كأنه في الجلد ... توليع ... البهق كأنه قيل: ما ذلك المسمى، وما تلك الأسماء؟ قيل: ذلك المسمى هو الذي له هذه الأسماء المعدودة، فكان هذا الوجه أولي الوجوه علي التقديرين: المراد بقوله: ((الله)) المسمى لا الاسم. فإن قلت: قد سبق أن ((الله)) اسم علم، والبواقى صفات، فكيف سميت بالاسم، وجعلت أخبارا لا صفات؟ قلت: لقوله تعالي: ((ولله الأسماء الحسنى فأدعوه بها))، لأنه إذا دعى بها قيل: ياالله يا رحمن، يا رحيم، فالرحمن صفة أقيمت مقام ذات له الرحمة، فلا يكون حينئذ صفة كما يقال: شجاع باسل، فيصفه بالبسالة علي تأويل ذات له الشجاعة، وهو باسل. ((الله)) ((قض)): قيل: أصله ((لاها)) بالسريإنية، فعرب. وقيل: عربي وضع لذاته سبحأنه كالعلم له؛ لأنه يوصف ولا يوصف به؛ ولأنه لابد من اسم يجرى عليه صفاته، وليصلح له غيره، فتعين أن يكون هو اسمه، ولأنه لو كان وصفًا لم يكن قولنا: ((لا إله إلا الله)) توحيدًا، كمثل لا إله إلا الرحيم، فأنه لا يمنع لشركة. والحق أنه وصف في أصله؛ لأن ذاته من حيث هو بلا اعتبار أمر آخر حقيقي أو غير حقيقي معقول للبشر، فلا يمكنه وضع الفظ له، ولا الإشارة إليه بإطلاق اللفظ عليه. أقول: وفيه نظر؛ لأن الواضع إن كان الله تعالي فظاهر، وإن كان غيره فيكفي في الوضع تعقله بوجه ما. ثم قال: لكنه لما غلب بحيث لا يستعمل في غيرهن وصار كالعلم أجرى مجراه في إجراء الأوصاف به، وعدم تطرق احتمال الشركة إليه، ومعناه المستحق للعبادة، وأصله أله إلاهة وألوهة بمعنى عبادة وعبودة، أومن إذا تحير، لأن العقول تتحير في معرفته. واعلم ان إحصاء العوام له: إجراؤه علي اللسان، والذكر به علي الخشية والتعظيم: وإحصاء الخواص أن يتأملوا معناه، ويعلموا أن هذا الاسم لا يستحق ولا يستأهل لأن يطلق إلا علي من كان موجودًا، فائض الجود، جامعا لصفات الإلهية، منعوت الربوبية. وإحصاء الأخص

стр. 1264

ــ له أن يستغرق له قلبه باللهن فلا يلتفت إلي أحد سواه، ولا يرجو ولا يخاف فيما يأتى ويذر إلا إياه؛ لأنه هو الحق الثابت، وما عداه باطل، قال تعالي: ((كل شيء هالك إلأوجهه)). وقال إياه؛ لأنه هو الحق الثابت، ماقال أحد ((الله)) سوى الله، فإن من قال قاله بحظ، وأنى تدرك الحقائق بالحظوظ! قال الشيخ أبو القاسم: قال بعضهم: كل اسم من أسمائه يصلح للتخلق به إلا هذ الاسم، فأنه للتعلق دون التخلق. وقال فياسم المؤمن: اعلم أن الموافقة في الأسماء لا تقتضى المشابهة في الذوات، فيصبح أن يكون الحق سبحانه وتعالي مؤمنًا، والعبد مؤمنًا، ولا يقتضي مشابهة العبد الرب، ألا ترى أن الكلاميين يشتركان في الاسم، ولا يتشبهان. وقال أبو حامد ﵀: إن هذا الاسم أعظم الاسماء؛ لأنه دال علي الذات الجامعة لصفات الإلهية كلها حتى لا يشذ منها شيء، وسائر الأسماء لا تدل أحادها إلا علي آحاد الصفت من علم، أو قدرة، أو غيرها. قوله: ((الذي لا إله إلا هو)) قال الشيخ أبو القاسم: هذا القول وان كان المراد ابتداؤه النفي، فالمراد به غاية الاثبات، ونهاية التحقيق، فإن قول القائل: لا أخ لي سواك، ولا معين لي غيرك، أكد من قولهم: أنت أخي، وانت معين. قالوا في هذه الكلمة: أننها نفي ما يستحيل كوننه، وأثبات ما يستحيل فقده، أي أن كون الشريك له سبحأنه وتعالي محال وتقدير العدم لوجوده مستحيل. قال الشيخ أبو علي الدقاق: إذا قال العبد ((لا إله)) صفا قلبه، وحض سره، فيكون ورود قوله ((إلا الله)) علي القلب منقي، وسر مصفي. أقول: كذا فيئ قوله تعالي: ﴿فلبثت فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا﴾ الاستثناء في التأكيد لإثبات المعدود بمنزلة المؤكدات في الشمول، نحو كل وأجمع، وفي خبر ((لا)) في هذه الكلمة مذهبان: حجازي، وتميمي. وقد حققنا القول فيه في شرح التبيان ((قض)): لهذه الكلمة فوائد جمة يقف الحصر دون إحصائها، ولها خمس مراتب: الأولي: أن يتكلم بها المنافق مجردًا عن تصديق قلب، قلت وهي وإن لم تنفعه في الأخرة، لكن لا تدعه محروما من بركتها، من حقن دمه وحرز ماله وأهله. ولعله يحظيه من مال الغنيمة، وربما يفضى به إلي الإخلاص. والثانية: ان ينضم إليها عقد قلب علي سبيل التقليد، وفي صحته خلاف. والثالثة: أن يكون صدورها عن اعتقاد مستفاد من الأمارات، والأكثر علي اعتبارها. والرابعة: أن تكون معربة عن عقد جازم مستفاد من حجج قاطعة، وهي مقبولة بالاتفاق،

стр. 1265

الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، ــ مخلصة عن العذاب، موصلة إلي الثواب. والخامسة: أن يكون المتكلم بها مكاشفًا بمفهومها، كأنه يعاينه بصيرته، ويشاهده بقلبه، وهذه هي المرتبة العليا، والنهاية القصوى. قال الشيخ أبو القاسم: فالأهل الإشارة: إذا كان مخلصًا في مقالته، كان داخلا في الجنة في حالته، قال تعالي ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ قيل: جنة معجلة، وهي حلأوة الطاعات، ولذة المناجاة، والاستئناس بقبول المكاشفات، وجنة مؤجلة، وهي قبول المثوبات، وعلو الدرجات. ((الرحمن الرحيم)) اسمان بنيا للمبالغة من رحم، كالغضبان من غضب، والعليم من علم، والرحمة في اللغة رقة القلب وانعطاف، يقتضى التفضيل والإحسان علي من رق له. وأسماء الله تعالي وصفاته إنما تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادئ التي تكون انفعالات، فرحمة الله علي العباد إما إرادة الإنعام عليهم، ودفع الضرر عنهم، فيكون الاسمان من صفات الذات، أو نفس الإنعام والدفع، فيعودان إلي فات الأفعال. و ((الرحمن)) أبلغ من الرحيم لزيادة بنائه. وحظ العارف منهما: أن يتوجه بكليته إلي جناب قدسه، ويتوكل عليه، ويلتجئ فيما يعن له إليه، ويشغل سره بذكره، والاستمداد به عن غيره، لما فهم منهما أنه المنعم الحقيقي المولي للنعم كلها، عاجلها وآجلها، ويرحم عباد الله؛ فيعأون المظلوم، ويصرف الظالم عن ظلمه بالطريق الأحسن، وينبه الغافل، وينظر إلي العاصي بعين الرحمة دون الإزاء، ويجتهد في إزالة المنكر وإزاحته علي أحسن ماي ستطيعه، ويسعى في سد خلة المحتاجين بقدر وسعة وطاقته. وعن عبد الله بن المبارك: ((الرحمن)) هو الذي إذا سؤل أعطي، و ((الرحيم)) هو الذي إذا لم يسأل غضب. وفي الحديث: ((مالم يسأل الله يغضب عليه)). قال بعض المفسرين: إنما يلي الرحمن ((الله))، لأنه كالعلم إذا كان لا يوصف به غير اله، فكأنه الموصوف، وهو الأقدم، إذ الأصل في نعم الله أن تكون عظيمة، فالبداية بما يدل علي عظمها أولي. وهذا المعنى قريب مما في نعم الله أن تكون عظيمة، فالبداية بما يدل علي عظمها أولي. وهذا المعنى قريب مما في – الكشاف - لما قال: ((الرحمن)) فيتنأول جلائل النعم وعظمائها وأصولها، أردفه ((بالرحيم)) كالتتمة والرديف، ليتنأول ما دق منها ولطف. وأقول: قد تقرر في موضعه أن هذا الأسلوب من باب التتميم، وموقع ((الملك)) في الحديث كموقع ((ملك يوم الدين)) في التنزيل علي سبيل التكميل؛ لأنه تتالي لما ذكر ما دل علي النعم والألطاف، أردفه بما يدل علي الغلبة والقوة، وأنه الملك الحقيقي، وأن لا ملم سواه، إذ القدرة الكاملة ليست إلا له. ثم أنه لما وصفه بما قد يوصف به المخلوق، وكان مظنة للتشبيه، فإرداد أن ينزهه عن ذلك أتبعه بقوله. ((القدوس)) بما قد يوصف به المخلوق، وكان مظنة للتشبيه، فأرد أن ينزهه عن ذلك أتبعه بقوله ((القدوس)) وهلم جرا يتابع سائر الأسماء في التناسب، فليتأمل، والله الموفق.
следующие страницы →