← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وفي رواية لمسلم: ((يمين الله ملأى – قال ابن نمير ملآن – سحاء لا يغيضها شيء الليل والنهار)). ٩٣ - وعنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن ذراري المشركين، قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) متفق عليه. ــ للملأى، وأن تكون ((أرأيتم)) استئنافا، وفيه معنى الترقي؛ فإنه لما قيل: ((ملأى)) أوهم جواز النقصان فأزاله بقوله: ((لم يغضها)) وربما يمتلئ الشيء ولم يغض، فقيل: ((سحاء)) ليؤذن بالغيضان، وقرنها بما يدل على الاستمرار من ذكر الليل والنهار، ثم أتبعها بما يدل على أن ذلك مقررا، غير خاف على كل ذي بصر وبصيرة بعد أن انتقل من ذكر الليل والنهار إلى المدة المتطاولة بقوله: ((أرأيتم)) مستأنفا؛ لأنه خطاب عام ذو خطر، والهمزة في ((أرأيتم)) للتقرير أي أرأيتم ذلك كذلك ولو كان للإنكار لكن الظاهر أن يقال غاض بدل ((لم يغض)) والكلام إلى ههنا إذا أخذته بجملته وزيادته من غير نظر إلى المفردات كان كناية إيمائية، وإليه ينظر قول التوربشتي حيث قال: كل ذلك ألفاظ استعيرت لفضل الغنى، وكمال السعة، والنهاية في الجود، وبسط اليد في العطاء وإن صرح بذكر الاستعارة. قوله: ((وكان عرشه على الماء)) حال من ضمير ((خلق))، وكذا ((وبيده الميزان)) منه أو من الضمير في ((خبر)) كان؛ لأنه خلاف في اسم كان هل يقع منه حال أم لا؟ وسيأتي الكلام في تحقيق ((وكان عرشه على الماء)) في باب ((بدأ الخلق)) في الحديث الأول من الفصل الأول. ((مح)): في شرح صحيح مسلم: ((ملآن)) هكذا وقع في رواية عبد الله بن نمير، قالوا: هذا غلط منه، وصوابه ((ملأى)) بلا نون، كما في سائر الروايات. وأقول: إن أرادوا مما ذكروا رد هذه الرواية نقلا فلا نزاع، وإن أرادوا معنى لعدم مطابقة الخبر المبتدأ تأنيثا وتذكيرا فلا؛ لأن معنى ((يد الله)) إحسانه وإفضاله، فاعتبر المعنى وذكر، وأنشد صاحب الكشاف: تبيت نعمى على الهجران عاتبة سقيا ورعيا لذاك العاتب الزاري ابن جنى عن الإصمعي عن ابن عمرو قال: سمعت رجلا يقول: فلان لعوب جاءته كتابي فاحتقرها، فقلت: أتقول: جائته كتابي؟ فقال: أليس بصحيفة؟ والله أعلم. الحديث الخامس عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ذراري المشكرين)) الذرية من الذر بمعنى التفريق؛ لأن الله تعالى ذرهم في الأرض، وقيل: هو من ذرأ الله الخلق، فتركت همزته.

стр. 142

الفصل الثاني ٩٤ - وعن عبادة بن الصامت، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب فقال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر. فكتب ما كان وما هو كائن إلى الأبد)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب إسنادا [٩٤]. ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن عبادة ﵁: قوله: ((إن أول ما خلق الله القلم)) قال بعض المغاربة: وهو برفع القلم – وإن صحت الرواية بنصبه – فيكون منصوبا على لغة من ينصب خبر إن. قال المالكي: يجوز على مذهب الكسائي أن يكون منصوبا بكان المقدرة أي أن أول ما خلق الله كان القلم، وأنشد: يا ليت أيام الصبا رواجعا! أي كانت رواجعا. وقال المغربي: لا يجوز أن يكون ((القلم)) مفعول ((خلق)) لأن المراد أن القلم أول مخلوق خلقه الله تعالى، ولو جعل مفعولا لوجب أن يقال: إن اسم ((إن)) ضمير الشأن، و ((أول)) ظرف منصوب بـ ((إن)) فينبغي سقوط الفاء من قوله: ((فقال)) فرجع المعنى إلى قوله: ((فقال له: اكتب)) حين خلقه، فلا يكون في الحديث إخبار بأن القلم أول مخلوق، كما يقتضيه معنى الرواية الصحيحة، ورفع القلم. ولو صحت الرواية بالنصب لم تمنع الفاء من تنزيل الحديث على ذلك المعنى، وذلك أن يقدر قبل ((فقال)): أمره بالكتابة ((فقال اكتب)) فيكون هو العامل في الظرف، والجملة مفسرة للضمير. قوله: ((ما كان)) ليس حكاية عما أمر القلم بكتبه، إذ لو كان كذلك لقال: اكتب ما يكون، وإنما هو إخبار باعتبار حاله ﵊.

стр. 143

٩٥ - وعن مسلم بن يسار، قال: سئل عمر بن الخطاب [﵁] عن هذه الآية: ﴿وإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية، قال عمر: ــ الحديث الثاني عن مسلم ﵁: قوله: ((فقال)) تفسير لمحذوف، فالتقدير: سمعت جواب رسول الله ﷺ حال سؤال السائل عنه فقال، نحو قوله تعالى: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي﴾ والأصل سمعنا نداء مناد، حذف المضاف وجعل ((ينادي)) حالا من المفعول، ثم فسر النداء بقوله: ((أن آمنوا)) لأن النداء في معنى القول. فإن قلت: كيف يصح أن يكون ((فقال)) تفسيرا مع وجود الفاء؟ قلت: الفاء غير مانعة من ذلك؛ لأن المفسر يعقب المفسر، كما في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ على أن يكون القتل عين التوبة. قوله: ((مسح)) ((قض)): يحتمل أن يكون الماسح هو الملك الموكل على تصوير الأجنة وتخليقها، وجمع موادها، وإعداد عددها؛ وإنما أسند إلى الله من حيث هو الآمر به، كما أسند إليه التوفي في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ والمتوفى لها هو الملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ ويحتمل أن يكون الماسح الباري تعالى، والمسح من باب التمثيل. وقيل: هو من المساحة بمعنى التقدير، كأنه قال: قدر ما في ظهره من الذرية، وقال في معنى الآية: نزل تمكين بني آدم من العلم بربوبيته بنصب الدلائل، وخلق الاستعداد فيهم، وتمكينهم من معرفتها، والإقرار بها منزلة الإشهاد والاعتراف تمثيلا وتخييلا، لا قول ثمة ولا شهادة حقيقة. قال الإمام فخر الدين الرازي: أطبقت المعتزلة على أنه لا يجوز تفسير الآية بالحديث؛ لأن قوله: ((من ظهورهم)) بدل من قوله: ((بني آدم)) فالمعنى: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم، فلم يذكر أنه أخذ من ظهر آدم شيئا، ولأنه لو كان المراد أنه أخرج من ظهر آدم لما قال: ((من ظهورهم))، بل يجب أن يقول: من ظهره ذريته. وأجاب الإمام: أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أخرج الذرية من ظهور بني آدم، وأما أنه أخرج تلك الذرية من صلب آدم، فليس في لفظ الآية ما يدل على ثبوته ولا على نفيه، إلا أن الخبر قد دل عليه، فثبت إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالقرآن، وإخراج الذرية من ظهر آدم بالخبر، ولا منافاة بينهما، فوجب المصير إليهما معا، صونا للآية والخبر عن الاختلاف.

стр. 144

سمعت رسول الله ﷺ يسأل عنها فقال: ((إن الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون)). فقال رجل:. . . . ــ ((قض)): والتوفيق بينهما أن يقال: المراد من بني آدم في الآية آدم وأولاده، وكأنه صار اسما للنوع كالإنسان، والمراد من الإخراج توليد بعضهم من بعض على مر الزمان، واقتصر في الحديث على ذكر آدم اكتفاء بذكر الأصل عن ذكر الفرع. وأقول: ونظير معنى الآية على هذا قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ فإن قوله: ((ثم صورناكم)) شامل لآدم أيضا؛ لقوله: ﴿قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ ويعضده ما رويناه عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان – يعني عرفة – فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنشرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم، فتلا: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ أخرجه أحمد بن حنبل، والنسائي. ورواه محي السنة في معالم التنزيل عن مقاتل وغيره وفي آخره: ((ثم أعادهم جميعا في صلبه، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال، وأرحام النساء)). ويجيء من الأحاديث في الفصل الثالث ما يزيل الشك ويقطع الريب في أن المراد من هذا الحديث هذا، ولأن السائل كان أشكل عليه معنى الآية. فطلب منه ﵊ حل إشكاله، فلما فسره ﵊ بما فسر، وكشف له ما أبهم عليه سكت؛ لأنه كان بليغا عارفا بصناعة الكلام، وإلا لما سكت، وأما تأويل الإمام فينزل على ما تقرر في حديث (ما من مولود إلا يولد على الفطرة) أن العالم إما عالم الغيب، أو الشهادة، فالحديث وارد في عالم الغيب، والآية في عالم الشهادة، فتحقيق ذلك ما نقل عن المولى العلامة قطب الدين الشيرازي – ﵀ – أنه تقرر في بداية العقول أن بني آدم من ظهر آدم، فيكون كل ما

стр. 145

ــ أخرج من ظهور بني آدم في الإنزال إلى يوم القيامة، هم الذر قد أخرجهم الله تعالى في الأزل من صلب آدم، وأخذ منه الميثاق الأزلي؛ ليعرف منه أن هذا النسل الذي يخرج في الإنزال من أصلاب بني آدم، هو الذر الذي أخرج في الأزل من صلب آدم، وأخذ منه الميقاق الأول، وهو المقالي الأزلي، كما أخذ منه فيما لا يزال بالتدريج حين أخرجزا الميثاق الثاني، وهو الحالي (الإنزالي). والحاصل: أن الله تعالى لما كان له ميثاقان مع بني آدم، أحدهما: تهتدي إليه العقول من نصب الأدلة الباعثة على الاعتراف الحالي. وثانيهما: المقالي الذي لا يهتدي إليه العقل، بل يتوقف على توقيف واقف على أحوال العباد من الأزل إلى الأبد، كالأنبياء ﵈ أراد النبي ﵊ أن يعلم الأمة، ويخبرهم أن وراء الميثاق الذي يهتدون إليه بعقولهم ميثاقا آخر أزليا، فقال ما قال من مسح ظهر آدم في الأزل، وإخراج الذرية، والميثاق الآخر، انتهى كلامه. فإن قلت: فكيف يتطابق السؤال عن معنى الآية، والجواب عن معنى الحديث، وبينهما هذا الاختلاف؟ قلت: يتطابق من حيثية الأسلوب الحكيم على منوال قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ سألوا عن بيان ماذا ينفقونه، وأجيبوا ببيان المصرف، وضمن بيان ما ينفقونه، كذا ها هنا سأل الصحابي عن بيان الميثاق الحالي، فأجيب عن المقالي، وضمن فيه الحالي على ألطف وجه، كأنه قيل: الميثاق المسئول عنه ظاهر مكشوف بنصب الدلائل على ربوبيته ووحدانيته في العقول والبصائر، وجعلها مميزة بين الحق والباطل، لكن هنا ميثاق آخر خفي عن العقول لا يعلمه أحد إلا من أرشده الله إليه، فاسأل عن ذلك، وفائدته توكيد الميثاقين والقيام على العهدين، والله أعلم. ((شف)): قال ﵊ في حق أهل الجنة: ((ثم مسح ظهره بيمينه)) لأن الخير ينسب إلى اليمين، وفي حق أهل النار ((بيده)) ليفرق بين القبيلين من أهل الجنة والنار، وأعرض عن ذكر الشمال تأديبا على ما ورد ((كلتا يدي الرحمن يمين)).

стр. 146

ففيم العمل؟ يا سول الله؟! فقال رسول الله ﷺ : ((إن الله إذا خلق العبد للجنة؛ استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار؛ استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار)) رواه مالك، والترمذي، وأبو داود [٩٥]. ٩٦ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: خرج رسول الله ﷺ ، وفي يديه كتابان، ــ قوله: ((ففيم العمل)) وقع في موقع لام الغرض؛ لأن غرض كل شيء غايته، وظرف الشيء غاية حصوله فيه؛ ولهذا ((حيث)) و ((إذا)) يقعان علة، أي في أي شيء يفيد العمل إذا كان كون الرجل من أهل الجنة أو من أهل النار مقدرا قبل هذا؟. قوله: ((استعمله)) ((مظ)): استعمله من قولهم: استعمل إذا ألزم العمل على أحد، وتحقيقه قد مضى في الفصل الأول. الحديث الثالث عن عبد الله: قوله: ((خرج)) ((تو)): قول الراوي هذا إخبار لتقرير صدقه عما يخبر عنه صلوات الله عليه، واستقصاء في تحقيقه. قوله: ((وفي يديه كتابان)) تمثيل، وذلك أن المتكلم إذا أراد تحقيق قوله، وتفهيم غيره، واستحضار المعنى الدقيق الخفي في مشاهدة السامع حتى كأنه ينتقل إليه رأي العين صورة لصورة، وأشار إليه إشارته إلى المحسوس، فالنبي ﵊ لما كوشف بحقيقة هذا الأمر، وأطلعه الله تعالى عليه إطلاعا لم يبق معه خفاء،

стр. 147

فقال: ((أتدرون ما هذان الكتابان؟)) قلنا: لا، يا رسول الله! إلا أن تخبرنا فقال للذي في يده اليمنى: ((هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا)). ثم قال للذي في شماله: ((هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم؛ فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا)). فقال أصحابه: ففيم ــ مثل المعنى الحاصل في قلبه بالشيء الحاصل في يده، هذا ونحن لا نستبعد إطلاق ذلك على الحقيقة؛ فإن الله قادر على كل شيء، والنبي ﵊ مستعد لإدراك المعاني الغيبية، ومشاهدة الصور الموضوعة لها. وقوله: ((ألا أن تخبرنا)) استثناء منقطع، أي لا نعلم، ولكن إذا أخبرتنا نعلم، كأنهم طلبوا بالاستدراك إخباره إياهم، ويجوز أن يكون متصلا مفرغا، أي لا نعلمه بسبب من الأسباب إلا بإخبارك. قوله: ((وقال للذي بييده)) أي لأجله. وخص ذكر ((رب العالمين)) من بين الأسماء، دلالة وتنبيها على أنه مالكهم، وهم له مملكون يتصرف فيهم كيف شاء وأراد، فيسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، كل ذلك عدل منه وصواب فلا اعتراض لأحد عليه. قوله: ((وفيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم)) ((شف)): إن أهل الجنة مكتوب أسماؤهم، وأسماء آبائهم، وقبائلهم الذين هم أهل النار في الكتاب الذي باليمين، وفي عكسه أهل النار، ويكتب أسماء آبائهم، وقبائلهم من أهل الجنة في الذي بالشمال، وإلا فالآباء والقبائل إذا كانوا من جنس الأبناء في كونهم من أهل الجنة، أو من أهل النار فلا حاجة إلى إفراد ذكرهم لدخولهم تحت قوله: ((فيه أسماء أهل الجنة، وفيه أسماء أهل النار)). أقول: ولعل الظاهر أن كل واحد من أهل الجنة ومن أهل النار يكتب أسماء آبائهم وقبائلهم – سوار كان من أهل الجنة أو من أهل النار- للتمييز التام، كما يكتب في الصكوك، وهو أنسب بالكتاب، وضمن ((أجمل)) معنى أوقع، فعدى بعلى أي وقع الإجمال على ما انتهى إليه التفصيل. ويجوز أن يكون حالا، أي أجمل في حال وقوع انتهاء التفصيل إلى آخرهم، ومن عادة المحاسبين أن يكتبوا الأشياء مفصلات، ثم يوقعون في آخرها فذلكة ترد التفصيل إلى الجملة، ((فلا يزاد)) جزءا شرط محذوف، أي إذا كان الأمر على ما تقرر من التفصيل، والتعيين، والإجمال بعد التفصيل في الصك، فلا يزاد ولا ينقص.

стр. 148

العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه؟ فقال: ((سددوا وقاربوا؛ فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل)). ــ فإن قلت: قد ذكرتم أن حكم الله تعالى لا يتغير فما القول في ((يمحو الله ما يشاء ويثبت))؟ قلت: قوله: ((لكل أجل يمحو الله ما يشاء ويثبت)) إشارة إلى القضاء ((وعنده أم الكتاب)) إلى القدر, المعنى: لكل انتهاء مدة وقت مضروب, فمن انتهى أجله يمحوه, ومن بقي من أجله يبقيه على ماهو مثبت فيه, وكل ذلك مثبت فيه, وكل ذلك مثبت عند الله تعالى في ((أم الكتاب)). وقوله: ((سددوا)) اجعلوا أعمالكم مستقيمة على طريق الحق, ((وقاربوا)) اطلبوا قربة الله وطاعته بقدر متطيقونه, وهذا الجواب من الأسلوب الحكيم, أي فيم أنتم من ذكر القدر, وإنما خلقتم للعبادة فاعملوا, وسددوا, وقاربوا, وإليه لمح ما قال الشاعر: أتت تشتكي عندي مزاولة القرى وقد رأت الضيفان ينحون منزلي فقلت كأني ما سمعت كلامها هم الضيف جدي في قراهم وعجلي قوله: ((فرغ ربكم)) ((شف)): أي قدر أمرهم, وذلك أنه لما قسم العياد قسمين, وقجر لكل ثسم على التعيين أن يكون من أهل الجنة, أو من أهل النار, وعينهم تعيننا لا يقبل التغيير والتبديل, فكأنه فرغ من أمرهم, وإلا فالفراغ لا يجوز على الله تعالى. قوله: ((قال بيده)) أي أشار, ((نه)): العرب تجعل القول: عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام واللسان فتقول: ((قال بيده)) أي أخذ, و ((قال برجله)) أي مشى: وقالت له العينان سمعا وطاعة وحدرتا كالدر لما يثقب أي أو مأت, و ((قال بالماء على يده)) أي قلب, و ((قال بثوبه)) أي رفعه.

стр. 149

ثم قال رسول الله ﷺ بيديه فنبذهما, ثم قال: ((فرغ ربكم من العباد (فريق في الجنة وفريق في السعير)) رواه الترمذي [٩٦]. ٩٧ - وعن أبي خزامة, عن أبيه, قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت رقى ــ أقول: قوله: ((قال بيده فنبذهما)) أي نبذ الكتابين, هذا ك ((جف القلم بما أنت لاق)) كناية عن أن هذا الأمر قد فرغ منه, فصار بمنزلة ما تخلفه وراء ظهرك فيكون قوله: ((فرغ ربكم)) تفسيرا لهذا الفعل. الحديث الرابع عن أبي خزامة ﵁: قوله: ((رقى نسترقيها)) رقى وما عطف عليها منصوبات, والأفعال أوصاف لها, والمتعلق معنى ((أرأيت)) أي أخبرني عن ((رقى نسترقيها)) فنصب على نزع الخافض, ويجوز أن يتعلق بلفظ ((أرأيت)) والمفعول الأول الصفة مع الموصوف, والثاني الاستفهام على تقديرك مقولا في حقها هل ترد هذا؟ ليس هذا بتعليق؛ إنما التعليق أن يوقع بعده ما يسد مسد المفعولين جميعا, كقولك: علمت أيهما عمرو, وعلمت أزيد منطلق, ذكره صاحب الكشاف في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ رقى جمع رقية, كظلم وظلمة, وهي ما يقرأ من الدعاء لطلب الشفاء.

стр. 150

نسترقيها, ودواء نتداوى به, وتقاة نتقيها, هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: ((هي من قدر الله)) رواه أحمد والترمذي, وابن ماجه [٩٧]. ــ قوله: ((التقاة)) أصله الوقاة, قلبت الواو تاء, أو هو اسم ما يلتجيء به الناس من خوف الأعداء. ((نه)): وقي يقي وقاية إذا حفظ, ويجوز أن يكون تقاة مصدر بمعنى الاتقاء فحينئذ الضمير في ((نتقيها)) للمصدر, أي نتقي تقاة بمعنى اتقاء وهي من قدر الله أي هذه الأسباب يعني: كما أن الله تعالى قدر الداء مثلا قدر زواله بالدواء. ومن تداوى ولم يبرأ فاعلم أنه لم يقدر أن يكون التداوي نافعا في ذلك الداء – وإن اجتمع عليه الأطباء – ((تو)): كأن السائل عرف أنه من حق الإيمان أن يعتقد أن المقدور كائن لا محالة ووجد الشرع يرخص في الاسترقاء, ويأمر بالتداوي, والاتقاء عن مواطن المهلكات, فأشكل عليه الأمر, كما أشكل على الصحابة حين أخبروا أن الكتاب يسبق على الرجل, فقالوا: ((ففيم العمل؟)) فبين ﵊ بقوله: ((هي من قدر الله)). ((نه)): وقد جاء في بعض الآحاديث جواز الرقية كقوله ﷺ : ((استرقوا لها؛ فإن بها النظرة)) أي اطلبوا لها من يرقيها, وفي بعضها النهي عنها, كقوله ﵊ في باب التوكل: ((الذين لا يسترقون, ولا يكتوون)) والأحاديث في القسمين كثيرة. ووجه الجمع بينهما أن الرقية يكره منها: ما كان بغير أسماء الله, وصفاته وكلامه في كتبه المنزلة, أو بغير اللسان العربي, وما يعتقد منها أنها نافعة لا محالة, فيتكل عليها, وإياها أراد ﵇ بقوله: ((ما توكل من استرقى)) , ولا يكره منها ما كان على خلاف ذلك, كالتعوذ بالقرآن, وأسماء الله تعالى, والرقية المروية؛ ولذلك قال ﵇ للذين رقى بالقرآن, وأذخ عليه أجرا: ((من أخذ برقية باطل فقد أخذت برقية حق)) وقال في الآخر: ((خذوه, واضربوا لي بسهم)). وأما قوله ﵊: ((لا رقية إلا من عين, أو حمة)) فمعناه: لا رقية أولى وأنفع, وهذا كما قيل: لا فتى إلا علي, وقد أمر النبي ﵊ غير واحد من الصحابة بالرقية, وسمع ﵊ جماعة يرقون ولم ينكر عليهم. وفي اسم الراوي أبي خزامة خلاف للمحدثين.

стр. 151

٩٨ - وعن أبي هريرة. قال: خرج علينا رسول الله ﷺ , ونحن نتنازع في القدر, فغضب حتى احمر وجهه, حتى كأنما فقيء في وجنتيه حب الرمان, فقال: ((أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟! إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر, عزمت عليكم, عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه)). رواه الترمذي. [٩٨]. ٩٩ - وروى ابن ماجه نحوه عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده [٩٩]. ــ الحديث الخامس عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: قوله: ((نتنازع)) أي نتناظر ونتخاصم في أن يقول أحد الخصمين: إذا كان جميع ما يجري في العالم بقدر الله تعالى فلم يعذب المذنبين, ولم ينسب الفعل إلى العباد, كما قالت المعتزلة؟ والآخر يقول: فما الحكمة في تقدير بعض العباد للجنة, وبعضهم للنار, وما أشبه ذلك؟ وإنما غضب رسول الله ﵊ لأن القدر سر من أسرار الله تعالى وطلب سر الله تعالى منهي عنه؛ ولأن من يبحث في القدر لم يأمن أن يصير قدريا, أو جبريا, بل العباد مأمورون بقبول ما أمرهم الشرع, من غير أن يطلبوا ما لا يجوز طلب سره. قوله: ((عزمت عليكم)) أي أقسمت عليكم, وأصله عزمت بإلقاء اليمين وإلزامها عليكم, لا تبحثوا في القدر بعد هذا. قوله: ((فقىء)) شق, من فقأت البهمي إذا شققت لفائفها عن ثمرها, والبهمي نبت. و ((حتى)) الثانية غاية ((احمر)) , والأولى غاية ((غضب)) , والهمزة في ((أبهذا)) للإنكار, قدم الجار والمجرور على العامل, لمزيد الاهتمام بشأن المشار إليه, وكونه منكرا جدا, و ((أم)) منقطعة, والهمزة فيه أيضا للإنكار ترقيا من الأهون إلى الأغلظ, وإنكار غب إنكار ((وإنما هلك)) جملة مستأنفة جواب عما اتجه لهم من أن يقولوا: لم ينكر هذا لإنكار البليغ؟ فأجيب بقوله: ((إنما هلك)) يعني: أن ذلك الإنكار البليغ بسبب هذا العذاب البليغ الذي لا إمهال فيه. وقوله: ((حين تنازعوا في هذا)) القيد إشارة إلى أن غضب الله تعالى وإهلاكه إياهم كان من غير إمهال يعني: من تكلم من الأمم الماضية في القدر عجل الله تعالى إهلاكهم بخلاف سائر المهلكات.

стр. 152

١٠٠ - وعن أبي موسى, قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إ، الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض, فجاء بنو آدم على قدر الأرض, منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك, والسهل والحزن, والخبيث والطيب)) رواه أحمد والترمذي وأبو داود. [١٠٠]. ١٠١ - وعن عبد الله بن عمرو, قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله خلق خلقه في ظلمة, فألقى عليهم من نوره, فمن أصابه من ذلك النور اهتدى, ــ الحديث السادس عن أبي موسى الأشعري رضي اله عنه: قوله: ((من قبضة))) وهي ما يضم عليه الكف من كل شيء, و ((من)) إذا كان متعلقا ب ((خلق)) تكون ابتدائية أي ابتداء خلقه من قبضة, وإذا كان حالا من ((آدم)) يكون بيانية, والقبضة هاهنا مطابقة لما في قوله تعالى: ﴿والأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ في بيان عظمة الله وجلالة قدره, وأن المكونات الآفاقية والأنفسية منقادة لإرادته, ومسخرات بأمره, فإذا ورد عليها ((كن)) فكانت بما شوهد من الإنسان, وقبضة الشيء على السهولة تسخيرا له. قوله: ((على قدر الأرض)) أي مبلغها من الأكوان, ولما كانت الأوصاف الأربعة من الأمور الظاهرة في الإنسان, والأرض أجريت على حقيقتها, وتركت الأربع الأخيرة مفتقرة إلى تأويل؛ لأنها من الأخلاق الباطنة؛ فإن المعني ب ((السهل)) الرفق واللين, وب ((الحزن)) الخرق والعنف, وب ((الطيب)) الذي يعني به الأرض العذبة الؤمن الذي نفع كله, وب ((الخبيث)) الذي يراد به الأرض السبخة الكافر الذي هو ضر وخسران في الدارين, قال تعالى: ﴿والْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلَاّ نَكِدًا﴾ والذي سيق له الكلام في الحديث هو الأمور الباطنة؛ لأنها داخلة في حديث القدر ((من الخير والشر)) وأما الأمور الظاهرة من الأكوان وإن كانت مقدرة فلا اعتبار لها فيه, والله أعلم. الحديث السابع عن عبد الله بن عمرو ﵁: قوله: ((خلق خلقه)) أي الثقلين – من الجن, والإنس – ((في ظلمة)) أي كائنين في ظلمة النفس الأمارة بالسوء المجبولة بالشهوات

стр. 153

ومن أخطأه ضل, فلذلك أقول: جف القلم على علم الله)) رواه أحمد والترمذي [١٠١]. ــ المردية, والأهواء المضلة, كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ والنور الملقى عليهم ما نصب من الشواهد والحجيج, وما أنزل إليهم من الآيات والنذر, وإلى هذا المعنى أشير بقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَاّ شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ ومن يشاء هدايته هو الذي أصابه ذلك النور فتخلص من تلك الظلمة واهتدى ومن لم يشأ هدايته بقي في ظلمات الطبيعة مخبطا في الظلمات كالأنعام, بل هم أضل, مثل حال الكفرة المنهمكين في الشهوات, المعرضين عن الآيات. ويمكن أن يحمل قوله: ((خلق خلقة)) على خلق الذر المستخرج في الأزل من صلب آدم ﵇, فعبر بالنور عن الألطاف التي هي تباشير صبح الهداية, وإشراق لمعات برق العناية, ثم أشارة بقوله: ((أصاب وأخطأ)) إلى ظهور أثر تلك العناية فيما لا يزال من هداية بعض, وإضلال بعض. و ((الإلقاء)) في الأصل طرح الشيء حيث تلقاه, ثم صار في المتعارف اسما لكل طرح. و ((أخطأه)) جاوزه وتعداه لشقاوته حيث لم تتعلق المشيئة بهدايته, ((فلذلك)) يعني من أجل عدم تغير ما جرى في الأزل تقديره من الإيمان, الطاعة, والكفر, والمعصية. أقول: قوله: ((جف القلم)) ((شف)): في هذا تنبيه على أن الإنسان خلق على حالة لا ينفك عن الظللمة إلا من أصابه من النور الملقى عليهم. أقول – والعلم عند الله -: هذا التوفيق بين هذا المعنى وبين حديث أبي هريرة ﵁: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة)) أن يقال بأن الإنسان مركب من الروحانية التي تقتضي العروج إلى عالم القدس, هي مستعدة لقبول فيضان نور الله الهادي, ومهيأة للتجلي تجلية الدين, ومن النفسانية المائلة إلى الخلود في الأرض, والإنهماك في الشهوات, والركون إلى المرديات, لاحظ في هذا الحديث لكون الكلام مسوقا في القدر؛ لقوله: ((جف القلم)) معنى ماذكره. ((شف)): وفي ذلك الحديث لمح إلى القضاء بقوله: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة)) فأجرى الكلام على ما أجراه كما مر بيانه.

стр. 154

١٠٢ - وعن أنس, قال كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: ((يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك)) فقلت: يانبي الله: آمنا بك وبما جئت به, فهل تخاف علينا؟ قال: ((نعم؛ إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله, يقلبها كيف يشاء)) رواه الترمذي ابن ماجه [١٠٢]. ١٠٣ - وعن أبي موسى, قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل القلب كريشة بأرض فلاة يقلبها الرياح ظهرا لبطن)) رواه أحمد [١٠٣]. ــ الحديث الثامن عن أنس ﵁: قوله: ((يا مقلب القلوب)) فإن قلت ما الفائدة في تقديم هذه الكلمات في هذا الحديث, وتأخيرها في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ في الفصل الأول, وتخصيصه هنا ب ((ثبت)) , وهناك ب ((صرف)) وأضاف القلب إلى نفسه هنا, وهناك مع الجماعة؟ قلت – وبالله التوفيق -: قدم ههنا, وخص بذكر ثبت, وأضاف القلب إلى نفسه تعريضا بأصحابه؛ لأنه ﵊ مأمون العاقبة فلا يخاف على نفسه وعلى استقامتها؛ لقوله تعالى: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ومن ثم خص الدين بالذكر, ولذلك سأل أنس ((هل نخاف على ديننا)) وأخر هناك, وخص ب ((صرف)) وجمعالقلب؛ لأن سوق الكلام لبيان القدر, وكان ذكر الدعاء مستطردا له كما سبق. فإن قلت: لم خص ذكر ((الله)) في هذا الحديث, و ((الرحمن)) في ذلك؟ قلت: كان ذكر ((الرحمن)) هناك؛ لأنه في مطلع الحديث, ورحمته هي السابقة, وهنا جواب عن التعريض, والمقام مقام الهيبة والجلال أي الإلهية مقتضية لأن يخص كل واحد بما يخصه من الإيمان, والطاعة, والكفر والمعصية. الحديث التاسع عن أبي موسى لأشعري ﵁: قوله: ((مثل القلب)) المثل ههنا

стр. 155

١٠٤ - وعن علي, قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله لإلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق, ويؤمن بالموت, والبعث بعد الموت, ويؤمن بالقدر)) رواه الترمذي, وابن ماجه [١٠٤]. ــ بمعنى الصفة لا القول السائر؛ لأن المعني صفة القلب العجيبة الشأن, وورد ما يرد عليه من عالم الغيب من الدواعي, وسرعة تقلبها بسبب الدواعي, كصفة ريشة واحدة تقلبها الرياح بأرض خاالية عن العمران؛ فإن الرياح أشد تأثيرا فيها في العمران, وجمع الرياح لدلالتها على التقلب ظهرا لبطن؛ إذا لو استمر الريح على جانب واحد لم يظهر القلب, كما يظهر من الرياح المختلفة, ولفظ ((الأرض)) مقحمة؛ لأن في ذكر الفلاة استغناء عنها, وهو كقولك: أخذت بيدي ونظرت, يعني تقريرا ورفعا للتجوز, وأن يتوهم متوهم خلافه, ولا يسلك إلا في أمر خطير, و ((يقلبها) صفة أخري ل ((ريشة)). ((مظ)): ((ظهرا لبطن)) ظهر بدل البعض من الضمير في ((يقلبها)) واللام في ((لبطن)) بمعنى إلى, كقوله: ﴿مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإيمَانِ﴾ ويجوز أن يكون ((ظهرا لبطن)) مفعولا مطلقا أي يقلبها تقليبا مختلفا, وان يكون حالا أي يقلبها مختلفة؛ ولهذا الاختلاف سمي القلب قلبا. ((غب)): قلب الشيء تصريفه, وصرفه عن وجه إلى وجه, وسمي القلب قلبا لكثرة تقلبه, ويعبر القلب عن المعاني التي يختص به من الروح, والعلم, والشجاعة وغيرها. الحديث العاشر عن علي ﵁: قوله: ((لا يؤمن عبد)) هذا نفي أصل الإيمان لا نفي الكمال, فمن لم يؤمن بواحد من هذه الأربعة لم يكن مؤمنا, أحدها: الإقرار بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, بعثه بالحق إلى كافة الجن والإنس. الثاني: أن يؤمن بالموت حتى يعتقد أن الدنيا وأهلها تفنى, كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَاّ وجْهَهُ﴾ وهذا احتراز عن مذهب الدهرية؛ فإنهم يقولون: العالم قديم باق. ويحتمل أن يراد ب ((الإيمان بالموت)) أن يعتقد الرجل أن الموت يحصل بأمر الله لا بالطبيعة, خلافا للطبعي؛

стр. 156

ــ فإنه يقول: يحصل الموت بفساد المزاج. الثالث: أن يؤمن بالبعث بعد الموت. والرابع: أن يؤمن بالقدر, يعني يعتقد أن جميع مافي العالم بقضاء الله وقدره, كما ذكر قبل هذا. أقول: إن ((حتى)) في قوله: ((حتى يؤمن)) للتدرج, كما في قوله ﵊: ((إن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقا)) يعني لا يعتبر التصديق بالقلب حتى يتمكن منه التصديق إلى أن يبلغه إلى هذه الأوصاف الأربعة. وقوله: ((بعثني بالحق)) استئناف, كأنه قيل: لم يشهد بذلك؟ فأجيب ((بعثني بالحق)) أي لأن الله بعثني بالحق. ويجوز أن يكون حالا مؤكدة, أو خبرا بعد خبر, فعلى هذا يدخل في حيز الشهادة. وقوله ﷺ حكاية معنى قول الشاهد لا قوله؛ فإن قوله: ((أن محمدا رسول الله بعثه بالحق)). فإن قلت: لم ذكر في الثلاث الأخيرة لفظة: ((يؤمن)) وذكر في الأولى لفظة ((يشهد))؟ قلت: ((يشهد)) إلى آخر تفصيل لقوله: ((حتى يؤمن بأربع)) فلن يكون التفصيل مخالفا للمجمل, كأن أصل الكلام أن يقال: يؤمن بالله بأن الله واحد لاشريك له, وبأني رسول الله ﵊ حقا, ويؤمن بكذا, ويؤمن بكذا, فعدل إلى لفظ الشهادة أمنا من الالتباس, ودلالة على أن النطق بالشهادتين أيضا ركن من الأركان؛ ولأن هذه الشهادة غاية للإيمان, ويتدرج منه إليه, فلا يتصور الشهادة باللسان دون التصديق بالقلب, كأنه قيل: يشهد باللسان بعد التصديق الراسخ في القلب. قوله: ((يؤمن بالموت)) أي يؤمن أن الموت حق, وان البعث حق, وتكريم الموت إيذان باهتمام شأنه, فهو مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ في أن المراد اهتمام شأن الموت, ثم الذي يليه من البعث؛ فإن الموت ذريعة إلى وصول السعادة الكبرى, ووسيلة إلى ارتقاء الدرجة العليا. ((غب)): ((الموت)) أحد الأسباب الموصلة إلى النعم, فهو وإن كان في الظاهر فناء زاضمحلالا, لكن في الحقيقة ولادة ثانية, وهو باب من أبواب الجنة, منه يتوصل إليها, ولو لم يكن لم تكن الجنة من الله تعالى على الإنسان, فقال: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والْحَيَاةَ﴾ قدم ((الموت)) على ((الحياة)) تنبيها على أنه يتوصل منه إلى الحياة الحقيقية, وعده علينا من الآلاء في قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ونبه الله تعالى بعد قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ على أن هذه التغييرات لخلق أحسن, فنقض هذه البنية لإعادتها على وجه أشرف, كالنوى المزروع الذي

стр. 157

١٠٥ - وعن ابن عباس, قال: قال رسول الله ﷺ : ((صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية)). رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب [حسن صحيح] [١٠٥]. ــ لا يصير نخلا مثمرا إلا بعد فساد حبتها, وكذلك البر إن أردنا أن نجعله زيادة في أجسادنا نحتاج إلى أن يطحن, ويعجن, ويطبخ, ونأكل, فهذه تغيرات كثيرة, هي فسادات في الظاهر, وكذا البذر إذا ألقى في الأرض يعده من لا يتصور حاله فسادا, فالنفس لا تحب البقاء في هذه الدار إلا إذا كانت قذرة راضية بالأعراض الدنيئة, رضى الجعل بالحش, أو تكون جاهلة نجاتها في المآل, والله أعلم. الحديث الحادي عشر عن ابن عباس ﵁: قوله: ((صنفان من أمتي)) ((تو)): الصنف النوع, و ((المرجئة)) بهمزة, من الإرجاء وهو التأخير, قيل: ((المرجئة)) هم الذين يقولون: ((الإيمان قول بلا عمل)) فيؤخرون العمل عن القول, وهذا غلط منهم؛ لأنا وجدنا أكثر أصحاب الملل والنحل ذكروا أن ((المرجئة)) هم ((الجبرية)) الذين يقولون: ((إن إضافة الفعل إلى العبد كإضافته إلى الجمادات)) فالجبرية خلاف القدرية, وبعض القدرية ألحقوا هذا النبز بالسلف ظلما وعدوانا, وسميت ((الجبرية)) مرجئة؛ لأنهم يؤخرون أمر الله, ويرتكبون الكبائر, وهم يذهبون في ذلك إلى الإفراط, كما تذهب القدرية إلى التفريط, وكلا الفريقين على شفا جرف هار. و ((القدرية)) إنما نسبوا إلى القدر – وهو ما يقدره الله تعالى – لأنهم يدعون أن كل عبد خالق فعله من الكفر والمعصية, ونفوا أن ذلك بتقدير الله وهؤلاء الضلال يزعمون أن القدرية هم الذين يثبتون القدر. والجواب: ونحن لا نثبت هذا السر من طريق القياس حتى تقابلونا بدعواكم هذه, وإنما أخذناه من النصوص الصحيحة فمنها: ((إنا كل شيء خلقناه بقدر)) ومنها قوله ﵊: ((وأن يؤمن بالقدر خيره وشره)) ومنها قوله ﵊: ((كل شيء بقدر)) ومنها ((القدرية مجوس هذه الأمة)) في أحاديث لا تحصى كثرة.

стр. 158

١٠٦ - وعن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يكون في أمتي خسف ومسخ، وذلك في المكذبين بالقدر)) رواه أبو داود، وروى الترمذي نحوه [١٠٦]. ــ وقال في قوله: ((ليس لها في الإسلام نصيب)): ربما يتمسك به من يكفر الفريقين، والصواب أن لا يسارع إلى أن يكفر أهل الأهواء المتأولين؛ لأنهم لا يقصدون بذلك اختيار الكفر، وقد بذلوا وسعهم في إصابة الحق فلم يحصل لهم غير ما زعموه، فهم إذا بمنزلة الجاهل، أو المجتهد المخطئ. وهذا القول هو الذي يذهب إليه المحققون من علماء الأمة نظراً واحتياطاً، فيجري قوله: ((لا نصيب لهم)) مجرى الاتساع بين بيان سوء حظهم، وقلة نصيبهم من الإسلام: نحو قوله للبخيل: ليس له من ماله نصيب وأما قوله ﷺ : ((يكون في أمتي خسف ومسخ)) وقوله: ((ستة)) لعنهم الله)) وأمثال ذلك؛ فإنها تحمل على المكذب به إذا أتاه من البيان ما ينقطع العذر دونه، أو على ما يفضي به المعصية إلى تكذيب ما ورد فيه من النصوص، أو إلى تكفير من خالفه. وأمثال هذه الأحاديث واردة على التغليظ والتشديد زجراً وردعاً. الحديث الثاني عشر عن ابن عمرو ﵁: قوله: ((خسف)) خسف المكان ذهب في الأرض، وخسف الله به خسفاً أي غاب به في الأرض، و ((المسخ)) تحويل صورة إلى ما هو أقبح منها. ((شف)): معنى الحديث: إن يكن خسف ومسخ يكونا في المكذبين، أقول: لعله اعتقد أن هذه الأمة المرحومة مأمونة من الخسف والمسخ فأخرج الكلام مخرج الشرطية. وقوله: ((ذلك)) يؤذن أن الذي قبله إنما يستحق العذاب بسبب ما ذكره بعده من التكذيب على عكس قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ﴾ ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ وقد سبق عن التوربشتي أن الحديث من باب التغليظ والتشديد فلا يفتقر إلى تقدير الشرط. وأبو سليمان الخطابي ذهب إلى وقوع الخسف والمسخ في هذه الأمة، قال: ((المسخ)) قد يكون في هذه الأمة، وكذلك ((الخسف)) كما كانا في سائر الأمم، خلاف قول من زعم: أن ذلك لا يكون؛ إنما مسخها بقلوبها، ذكره في أعلام السنن.

стр. 159

١٠٧ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم)) رواه أحمد، وأبو داود [١٠٧]. ١٠٨ - وعن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم)) رواه أبو داود [١٠٨]. ــ الحديث الثالث عشر عن ابن عمر ﵁: قوله: ((القدرية مجوس هذه الأمة)) هذا التركيب من باب قولهم: ((القلم أحد اللسانين)) كما مر في حديث عائشة ﵂ ((عصفور من عصافير الجنة)). ولفظ ((هذه)) إشارة إلى تعظيم المشار إليه، وإلى النعي إلى القدرية، والتعجب منهم، أن انظروا إلى هؤلاء، كيف امتازوا من هذه الأمة المكرمة بهذه الهيئة الشنيعة حيث نزلوا من أوج تلك المناصب الرفيعة إلى حضيض السفالة والرذالة. وخص النهي عن حقوق المسلمين على المسلمين بهاتين الخصلتين، لأنهما ألزم وأولى، وذلك أن المرض والموت حالتنا مفتقرتان إلى الدعاء له بالصحة، والصلاة عليه بالمغفرة. ((تو)): إنما قال لهم ((مجوس هذه الأمة))؛ لأنهم أحدثوا في الإسلام مذهباً يضاهي مذهب المجوس من وجه، وهو أن المجوس يضيفون الكوائن في دعواهم الباطلة إلى إلهين اثنين يسمون أحدهما يزدان، والآخر أهرمن، ويزعمون أن يزدان يأتي منه الخير والسرور وأن أهرمن يأتي منه الغم والشرور، ويقولون ذلك في الأحداث والأعيان، فيضاهي قولهم الباطل في إضافة الخير إلى الله، وإضافة الشر إلى غيره، (مذهب المجوس) غير أن القدرية يقولون ذلك في الأحداث دون الأعيان. أقول: هذا تقرير كلام الخطابي، ومذهب المعتزلة بخلاف ذلك، قال الزمخشري في ((كتاب المنهاج)): فإن قلت: الحسنة والسيئة من الله أم من العبد؟ قلت: الحسنة التي هي الخصب ﴿والسعة من الله﴾ والصحة من الله، وأما الطاعات فمن العبد، ولكن الله قد لطف به في أدائها وبعثه عليها، والسيئة التي هي [الخطب والقحط] والمرض من الله تعالى، وهو صواب وحكمة، وأما المعصية فمن العبد، والله تعالى بريء منها. الحديث الرابع عشر عن عمر ﵁: قوله: ((ولا تفاتحوهم)) الفتاحة – بضم الفاء وكسرها – الحكم، قال الله : ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وأَنتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ﴾ أي احكم، وقيل: لا تبتدءوهم بالمجادلة والمناظرة، و ((لا تفاتحوهم)) وهو من (باب) عطف الخاص على العام؛ لأن المجالسة تشتمل على المؤاكلة، والمؤانسة، والمحادثة

стр. 160

١٠٩ - وعن عائشة [﵂] قالت؛ قال رسول الله ﷺ : ((ستة لعنتهم ولعنهم الله وكل نبي يجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمتسلط بالجبروت ليعز من أذله الله ويذل من أعزه الله، والمستحل لحرم الله، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والتارك لسنتي)). رواه البيهقي في ((المدخل)) ورزين في كتابه [١٠٩]. ــ وغيرها، وفتح الكلام في حديث القدر أخص من ذلك. ((مظ)): ((لا تفاتحوهم)) لا تناظروهم، ولا تبحثوا معهم عن الاعتقاد؛ فإنهم يوقعونكم في الشك، ويشوشون عليكم اعتقادكم. الحديث الخامس عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((لعنهم الله)) فيه وجهان، أحدهما: أنه إنشائي دعا عليهم، فيكون ((وكل نبي يجاب)) حالا من فاعل ((لعنتهم)) والجملة معترضة بين الحال وصاحبها. وثانيها: أن يكون إخبارياً استئنافاً، كأنه لما قيل: ((لعنتهم)) سئل فماذا بعد؟ فأجيب ((لعنهم الله)) فيكون الثانية مسببة عن الأولى. ويحتمل العكس، وذلك أنه حين قال: ((لعنتهم)) سأل سائل لم ذا؟ فأجاب لأنه ((لعنهم الله)) فعلى هذا يكون قوله: ((وكل نبي يجاب)) معترضاً بين البيان والمبين، يعني من شأن كل نبي أن يكون (مستجاباً). ((تو)): لا يصح عطف ((وكل نبي يجاب)) على فاعل ((لعنتهم)) وصححه الأشرفي لوجود الفاصل – وإن لم يؤكد بالضمير – وفيه نظر؛ لأن المانع هو عطف الجملة على المفرد. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون ((يجاب)) صفة لا [خبراً]؟ قلت: يلزم من ذلك أن لا يكون بعض الأنبياء مجاب الدعوة، ومنه فر التوربشتي، وأبطل رواية الخبر في ((يجاب)) [فيكون المعنى على هذا التقدير: ولعنهم كل مجاب]. قوله: ((الزائد في كتاب الله)) يجوز أن يراد به من يدخل في كتاب الله ما ليس منه، أو أن يأول بما يأبى عنه اللفظ ويخالف المحكم، كما فعلت اليهود بالتوراة من التبديل والتحريف. والزيادة في كتاب الله كفر، وتأويله بما يخالف الكتاب والسنة بدعة. ((تو)): ((الجبروت)) فعلوت، من التجبر، وإنما يطلق ذلك في صفة الإنسان على من يجبر نقيصته بإدعاء منزلة من التعالي لا يستحقها. أقول: ((اللام)) في قوله ((ليعز)) إذا كان للتعليل يلزم منه جواز التسلط بالجبروت لغير ذلك ظاهراً، فيجب أن تحمل اللام على مثلها في قوله: ((لدوا للموت، وابنوا للخراب)) وهي التي تسمى بلام العاقبة.

стр. 161

١١٠ - وعن مطر بن عكام، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قضى الله لعبد أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة)). رواه أحمد، والترمذي [١١٠]. ١١١ - وعن عائشة، ﵂، قالت: قلت: يا رسول الله! ذراري المؤمنين؟ قال: ((من آبائهم)). فقلت: يا رسول الله بلا عمل؟ قال: ((الله أعلم بما كانوا ــ وقوله: ((المستحل لحرم الله)) حرم مكة يعني من فعل في حرم مكة ما لا يجوز فعله من الاصطياد، وقطع الشجر، ودخولها بغير إحرام. ((والعترة)) القرابة، يعني من فعل بأقارب رسول الله ﵊ ما لا يجوز فعله من إيذائهم، وترك تعظيمهم. وتخصيص ذكر ((الحرم)) ((والعترة)) لشرفهما؛ لأن أحدهما منسوب إلى الله، والآخر إلى رسول الله، فعلى هذا ((من)) في ((من عترتي)) ابتدائية متعلقة بالفعل. قيل: يجوز أن تكون بيانية، وأن يراد بهذا ((المستحل)) من يستحل من أولاد رسول الله ﵊ شيئاً من ((مستجاب الدعوة)). وفيه تعظيم الجرم منهم كتعظيم الجرم الصادر عنهن – أزواج الرسول – في قوله: ((من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذب ضعفين)). قوله: ((والتارك لسنتي)) استخفافاً بها وقلة مبالاة، فهو كافر ملعون، ومن تركها تهاوناً وتكاسلا لا عن استخفاف بها فهو عاص، واللعنة عليه من باب التغليظ. الحديث السادس عشر عن مطر بن عكام ﵁: ظاهر. الحديث السابع عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((ذراري المؤمنين)) أي ما حكم ذراري المؤمنين؟ ((من آبائهم)) ((من)) فيها اتصالية كما في قوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ والْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ﴾، وقوله ﷺ : ((ما أنا من دد، ولا الدد مني)) وقولهم: ((فإني لست منك، ولست مني)). ((الكشاف: في انتسابه، فالمعنى: هم متصلون بآبائهم. قولون: ((بلا عمل)) وارد على سبيل التعجب في أنهم متصلون بآبائهم بلا عمل يوجب لهم الثواب والعقاب. وقوله ﵊: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) رد لتعجبها، وإشارة إلى القدر؛ ولهذا وضعه محيي السنة في باب القدر. ((تو)): ((قال: من آبائهم)) أي معدودين من جملتهم؛ لأن الشرع يحكم عليهم بالإسلام لإسلام أحد الأبوين، ويأمر بالصلاة عليهم، وبمراعاة أحكام المسلمين فيهم، وكذلك يحكم على

стр. 162

عاملين. قلت: فذراري المشركين؟ قال: ((من آبائهم)). قلت: بلا عمل؟ قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)). رواه أبو داود [١١١]. ــ ذراري المشركين بالاسترقاق، وبمراعاة أحكام المشركين فيهم قبل ذلك، وبانتفاء التوارث بينهم وبين المسلمين، فهم ملحقون في ظاهر الأمر بآبائهم. قوله: (([و] الله أعلم بما كانوا عاملين)) ومن ثمة قال النواوي في شرح صحيح مسلم: اختلف العلماء فيمن مات من أطفال المشركين، فمنهم من يقول: هم تبع لآبائهم في النار، ومنهم من توقف فيهم، والثالث – وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون -: أنهم من أهل الجنة، واستدل بأشياء، منها حديث إبراهيم خليل الله ﵇ حين رآه النبي ﷺ ((وحوله أولاد الناس، قالوا: يا رسول الله؛ وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين)) رواه البخاري في صحيحه، ومنه قوله تعالى: ((ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)) ولا يتوجه على المولود التكليف حتى يبلغ فيلزم الحجة، وهذا متفق عليه. أقول – والعلم عند الله -: والحق الأول؛ يعني التوقف، لما ورد في مسند أحمد بن حنبل عن علي في حديث خديجة في أولادها كما سيجيء في الفصل الثالث من هذا الباب، وحديث الوائدة والموءودة في النار)) مخالف لحديث إبراهيم ﵇، فالوجه أن يبني الكلام على حديث عائشة ﵂. وقولها: ((عصفور من عصافير الجنة)) في شأن ولد من المسلمين، كما سبق أن إنكار الرسول ﵊ بقوله: ((أو غير ذلك كان))؛ لأن حكمها على الصغير حكم على أبويه، و [الجزم] بأنهما من أهل الجنة؛ لأن الصغير تابع لهما، فعلى هذا أولاد المشركين الذين كانوا بين يدي إبراهيم الخليل ﵇ هم المشركون الذي لم يسلموا حينئذ، ثم في المآل آمنوا. وأما ولد خديجة، والموءودة، [فهم] الذين مات آباؤهم على الكفر، وأما قوله تعالى: ((ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)) فيحتمل أن يراد بالعذاب الاستئصال في الدنيا؛ لأن ((حتى)) تقتضي ظاهراً أن يكون العذاب في الدنيا، ويعضده ما أتبعه من قوله: ﴿وإذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ وقد يشتمل عذاب الاستئصال في الدنيا الظالم وغيره قال الله تعالى: ((واتَّقُوا فِتْنَةً لَاّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً)) وحديث الخسف بالزوراء ((يخسف بهم جميعاً، ويحشرون على قدر نياتهم)) معلوم، فحينئذ لا يتم الاستدلال بالآية.

стр. 163

١١٢ - وعن ابن مسعود، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الوائدة والموءودة في النار)). رواه أبو داود [١١٢] ــ ((قض)): الثواب والعقاب ليسا لأحد بالأعمال، وإلا لزم أن لا يكون ذراري المسلمين والكفار من أهل الجنة والنار، بل الموجب لهما هو اللطف الرباني، والخذلان الإلهي المقدر لهم وهم في أصلاب آبائهم، بل هم [وآباؤهم] وأصول أكوانهم بعد في العدم، فالواجب فيها التوقف وعدم الجزم بشيء من ذلك، فإن أعمالهم موكولة إلى علم الله تعالى فيما يعود إلى أمر الآخرة من الثواب والعقاب؛ لأن السعادة والشقاوة ليستا معللتين [عندنا]، بل الله تعالى خلق من شاء سعيداً، ومن شاء شقياً، وجعل الأعمال دليلا على السعادة والشقاوة، وأنت تعلم أن عدم الدليل وعدم العلم به – لا يوجبان عدم المدلول والعلم بعدمه، وكما أن البالغين منهم شقى وسعيد، وأما الذين شقوا، فهم مستعملون بأعمال أهل النار حتى يموتوا عليها، فيدخلوا النار فأما الذين سعدوا فهم موفقون للطاعات وصالح الأعمال، حتى يتوفوا عليها فيدخلوا الجنة، فأطفال منهم من سبق القضاء بأنه سعيد من أهل الجنة، فهو لو عاش عمل أعمال أهل الجنة، ومنهم من جف القلم بأنه شقى من أهل النار، فهو لو أمهل لاشتغل بالعصيان وانهمك في الطغيان. الحديث الثامن عشر عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((الوائدة)) وأد ابنته يئدها وأداً [فهي] موءودة: إذا دفنها في القبر وهي حية. ((قض)): كانت العرب في جاهليتهم يدفنون البنات حية، فالوائدة في النار لكفرها وفعلها، والموءودة فيها لكفرها، وفي الحديث دليل على تعذيب أطفال المشركين، ولعل المراد بـ ((الوائدة)) القابلة، وبـ ((الموءودة)) الموءودة لها – وهي أم الطفل – فحذفت الصلة، إذا كان من دينهم أن المرأة إذا أخذها الطلق حفر لها حفرة عميقة فجلست عليها، والقابلة وراءها تترقب الولد، فإن ولدت ذكراً [أمسكت]، وإن ولدت أنثى ألقتها في الحفرة وأهالت التراب عليها. قلت: هذا الحديث والذي قبله إنما أورد في هذا الباب استدلالا على إثبات القدر، وتعذيب أطفال المشركين، ومن أراد تأوليهما بغير هذا فيجب عليه أن يخرجهما من هذا الباب. وأما قولهم: ورد هذا الحديث في قصة خاصة، وهي أن ابني مليكة أتيا رسول الله ﷺ يسألانه عن أم لهما، كانت تئد، فقال ﵊: ((الوائدة والموءودة في النار)) فلا يجوز حمله على العموم. فجوابه: أن العبرة لعموم اللفظ لا الخصوص السبب عند قيام الشواهد، روينا في كتاب جامع الصحيح لأبي محمد الدارمي عن الوضين: ((أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا كنا أهل جاهلية، وعبدة أوثان، وكنا نقتل الأولاد، وكانت عندي ابنة لي، فلما أحانت، وكانت مسرورة بدعائي إذا دعوتها، ودعوتها يوماً فاتبعتني فممرت حتى أتينا

стр. 164

الفصل الثالث ١١٣ - عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله فرغ إلى كل عبد من خلقه من خمس: من أجله، وعمله، ومضجعه، وأثره، ورزقه)) رواه أحمد [١١٣]. ١١٤ - وعن عائشة، ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من تكلم في شيء من القدر سئل عنه يوم القيامة، ومن لم يتكلم فيه لم يسأل عنه)) رواه ابن ماجه [١١٤]. ــ بئراً من أهلي غير بعيد، فأخذت بيدها، فرديت بها في البئر، وكان آخر عهدي بها أن تقول: يا أبتاه! يا أبتاه! فبكى رسول الله ﷺ حتى وكف دمع عينيه، فقال رجل من جلساء النبي ﷺ : أحزنت رسول الله ﷺ ؟ فقال له: كف، فإن يسأل عما أهمه، ثم قال له: أعد على حديثك، فأعاده فبكى حتى وكف الدمع من عينيه على لحيته، ثم قال له: إن الله قد وضع عن الجاهلية ما علموا، إذا فاستأنف عملك)). الفصل الثالث الحديث الأول عن أبي الدرداء ﵁: قوله: ((فرغ إلى كل عبد)) فرغ يستعمل باللام يقال: فرغ لكذا، واستعماله بإلى إما للتضمين، أو يكون حالا، انتهى تقديره في الأزل من تلك الأمور إلى تدبير العبد بأبدانها، كما سبق من قوله: ((شئون يبديها لا يبتديها)). ويجوز أن يكون ((إلى)) بمعنى اللام، يقال: هداه إلى كذا، أو لكذا. و ((من)) في ((من خلقه)) صلة ((فرغ))، أي من خلقته، ومما يختص به، وما لابد منه من الأجل، والعمل وغيرهما، و ((من خمس)) عطف عليه، ولعل سقوط الواو من الكاتب، ويمكن أن يقال: إنه بدل منه بإعادة الجار، والوجه أن يذهب إلى أن ((خلقه)) بمعنى مخلوقه، و ((من)) فيه بيانية، و ((من)) في ((من خمس)) متعلق بـ ((فرغ)) أي فرغ إلى كل عبد كائن من مخلوقه من خمس، و ((أثره)) أي أثر مشيته في الأرض، لقوله تعالى: ﴿ونَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وآثَارَهُمْ﴾ جمع بين مضجعه وأثره، وأراد سكونه وحركته، ليشتمل جميع أحواله من الحركات والسكنات. الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((من تكلم في شيء من القدر)) قال: ((في

стр. 165

١١٥ - وعن ابن الديلمي، قال: أتيت أبي بن كعب، فقلت له: قد وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني لعل الله أن يذهبه من قلبي. فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه؛ عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك ــ شيء)) ولم يقل: ((في القدر)) ليفيد المبالغة في القلة، وفي النهي عنه، أي من تكلم بشيء يسير منه يسأل عنه يوم القيامة، فكيف بالكثير منه؟ فالسؤال للتهديد. الحديث الثالث عن ابن الديلمي: قوله: ((في نفسي شيء)) أي حرارة واضطراب عظيم أريد منك الخلاص منه، فحدثني بحديث يزيل ذلك مني، قال: أولا ((في نفسي)) وثانياً ((في قلبي)) إشعاراً بأن ذلك تمكن منه، وأخذ بمجامعه من ذاته وقبله. وقوله: ((أن يذهبه)) أدخل ((أن)) في خبر ((لعل)) تشبيهاً لها بعسى. وقوله: ((ولو أن الله عذب)) إرشاد عظيم وبيان شاف لإزالة ما طلب منه؛ لأنه هدم به قاعدة القول بالحسن والقبح عقلاً؛ لأنه مالك السموات والأرض وما فيهن، ويتصرف في ملكه كيف يشاء، ولا يتصور فيه الظلم؛ لأنه لا يتصرف في ملك غيره. ثم عطف عليه ((لو رحمهم)) إيذاناً بأن رحمته على الخلق ليست من إيجابهم عليه سبب أعمالهم، بل هو فضل ورحمة منه ولو شاء أن يصيب برحمته الأولين والآخرين، لا يخرج ذلك من حكمة وراء ما يحيط علمنا به. - وقوله: ((ولو أنفقت)) تمثيل على سبيل الفرض، لا تحديد، إذ لو فرض الإنفاق ملء السموات والأرض كان كذلك. وقوله: ((تعلم أن ما أصابك)) شروع في التخصيص بعد التعميم، وقوله: ((لم يكن ليخطئك)) وضع موضع المحال، كأنه يقول: محال أن يخطئك، كقوله تعالى: ﴿ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَلكُمْ عَلَى الغَيْبِ﴾ أي لا ينبغي ولا يصح، ومحال أن يطلعكم عليه؛ لأن فيه ثلاث مبالغات، أحدها: دخول الله المؤكدة للنفي في الخبر، وثانيها: تسليط النفي على الكينونة، وثالثها: سرايته في الخبر. قال بعض المغاربة: فائدة دخول ((كان)) المبالغة في نفس الفعل الداخلة هي عليه؛ لتعديد جهته، لنفيه عموماً باعتبار الكون، وخصوصاً باعتبار الخبر، فهو نفى مرتين، تم كلامه. [كأنه أشير] إلى أن هذا الفعل من الشئون التي عدمها راجح على الوجود، وأنها من قبيل المحال، ومنه قوله تعالى: ﴿ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنتَ فِيهِمْ﴾.

стр. 166

لم يكن ليصيبك. ولو مت على غير هذا لدخلت النار. قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود، فقال مثل ذلك. قال: ثم أتيت حذيفة بن اليمان، فقال مثل ذلك. ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي ﷺ مثل ذلك. رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه [١١٥]. ١١٦ - وعن نافع، أن رجلاً أتى ابن عمر فقال: إن فلاناً يقرأ عليك السلام. فقال: إنه بلغني أنه قد أحدث، فإن كان قد أحدث فلا تقرئه مني السلام؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يكون في أمتي – أو في هذه الأمة – خسف، أو مسخ، أو قذف في أهل القدر)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب [١١٦]. ــ قوله: ((ما أخطأك)) ((غب)): الخطأ العدول عن الجهة، ومن أراد شيئاً واتفق غيره، يقال: أخطأ، وإن وقع منه كما أراده، يقال: أصاب. واستعماله في الحديث مجاز، وفي سؤاله عن الصحابة واحداً بعد واحد، واتفاقهم في الجواب من غير تغيير، ثم انتهاء السؤال إلى حضرة الرسالة – حفت بالصلوات التامات – دليل على الإجماع المستند إلى النص الجلي. انظر إلى هذه التشديدات والمبالغات، ثم احكم على من خالفها بالمكابرة والعناد. ثم في قوله: ((وتعلم أن ما أصابك)) على الخطاب العام حث على التوكل، والتسليم، والرضي، ونفى الحول والقوة إلا بالله، وبعث على التصليب في دين الله مع [الأعداء]، والمضي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير مبالاة بأحد، ولزوم القناعة والصبر على المصيبات من الأهل والمال والولد، وعلى المرابطة للنفس الأمارة بالسوء في طريق السلوك، والعروج إلى معارج القدس – رزقنا الله، ووفقنا لإدراكه. الحديث الرافع عن نافع: قوله: ((إنه)) الضمير المنصوب فيه للشأن، والجملة بعده مفسرة له، وهو الخبر. قوله: ((أحدث)) أي أحدث في الدين ما ليس منه، من التكذيب بالقدر. قوله: ((فلا تقرئه مني السلام)) كناية عن عدم قبول إسلامه. قوله: ((والقذف)) الرمي بالحجارة، يريد عذاب الرمي، كقوله تعالى: ﴿وأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ [من السماء] والعطف بـ ((أو)) إما لشك الرواي، أو لتنويع العذاب. قوله: ((في أهل القدر)) بدل للبعض من قوله: ((في أمتي)) بإعادة العامل.

стр. 167

١١٧ - وعن علي، ﵁، قال: سألت خديجة النبي ﷺ ، عن ولدين ماتا لها في الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ : ((هما في النار)). قال: فلما رأى الكراهة في وجهها قال: ((لو رأيت مكانهما لأبغضتهما)). قالت: يا رسول الله! فولدي منك؟ قال: ((في الجنة)). ثم قال رسول الله ﷺ : (والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم [بِإيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ]) رواه أحمد [١١٧]. ــ الحديث الخامس عن علي ﵁: قوله: ((عن ولدين)) أي سألت عن شأنهما، وأنهما في الجنة أم في النار؟ فقال: ((هما في النار)) وفيه دليل على أن الأولاد تابعة لآبائهم في الآخرة دون أماتهم؛ ولذلك استشهد ﷺ لذلك بقوله: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. وأما طريق الاستشهاد لإلحاق أولاد الكفار بهم بالآية، أن يقال: لا ارتياب أن هذا الإلحاق لكرامة الآباء، ومزيد سرورهم وغبطتهم في الجنة، وإلا فينغص عليهم كل نعيم، ومن ثم قالوا: ((والذين آمنوا)) في موضع نصب، على تقدير: وأكرمنا الذين آمنوا ألحقنا بهم ذريتهم على شريط التفسير. الكشاف: ((والذين آمنوا)) مبتدأ، و ((إيمان)) (خبر)، والتنكير في ((إيمان)) للتعظيم. والمعنى بسبب إيمان عظيم، رفيع المحل، وهو إيمان الآباء ألحقنا بدرجاتهم ذريتهم – وإن كانوا لا يستأهلونها تفضلا عليهم وعلى آبائهم، ليتم سرورهم، ويكمل نعيمهم، وهذا المعنى مفقود في حق [الكفار و] أولاد الكفار. وقوله: ((لو رأيت)) أي لو رأيت منزلتهما من الحقارة والبعد عن نظر الله، لرأيت الكراهة، وأبغضتهما. ومنه حديث إبراهيم ﵇ مع أبيه في القيامة، ورؤيته إليه [بصفة] ذبح ملطخ. أو لو علمت ((مكانهما)) أي منزلتهما، وبغض الله إياهما، لأبغضتهما، وتبرأت منهما تبرأ إبراهيم [عن] أبيه حيث تبين أنه عدو الله.

стр. 168

١١٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط عن ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب! من هؤلاء؟ قال: ذريتك. فرأى رجلاً منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، قال: أي رب! من هذا؟ قال: داود. فقال: رب! كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة. قال: رب زده من عمري أربعين سنة)). قال رسول الله ﷺ : ((فلما انقضى عمر آدم إلا أربعين جاءه ملك الموت، فقال آدم: أولم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك ــ الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((نسمة)) النسمة كل ذي روح، وقيل: كل ذي نفس، مأخوذة من النسيم، و ((هو خالقها)) صفة لـ ((نسمة))، ذكرها ليتعلق به ((إلى يوم القيامة)). ((الوبيص)) البريق واللمعان. وفي هذا دليل على أن إخراج الذرية كان حقيقياً، وتفسير قوله: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ بالحديث كما ذكرنا عن القاضي في الوجه الأول من ذلك الحديث أظهر من الوجه الآخر. وقوله: ((وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً)) إيذان بأن الذرية كانت في صورة الإنسان على مقدار الذرة، وفي ذكر ((الوبيص)) تنبيه على الفطرة السليمة الأصلية كما مر، وفي تخصيص التعجب من وبيص داود ﵇ إظهار لكرامة من كراماته، ومدح له، فلا يدل على تفضيله على الغير؛ فإن في الأنبياء من هو أفضل منه، وأكثر كرامة. وفيه إشارة إلى ما رواه الشيخان ((يهرم ابن آدم، ويشب فيه اثنان: الحرص على المال، والحرص على العمر)). و ((نسى آدم)) وارد على سبيل الاستطراد، وابن آدم مجبول من أصل خلقته على الجحد، والنسيان، والخطأ، إلا من عصمه الله بتوفيقه. و ((بين عيني)) ثاني مفعول ((جعل)) أي جعل وبيصاً علامة بين عينيه، ويجوز أن يكون جعل بمعنى خلق، وحينئذ يكون ((بين عيني)) ((ظرفاً له))، و ((كم)) مفعول مقدم؛ لكونه استفهاماً، أي كم سنة ((جعلت عمره)) و ((أربعين)) ثاني مفعولي ((زد)) كقوله تعالى: ﴿وقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. قال أبو البقاء: زاد يستعمل لازماً كقولك زاد الماء، ويستعمل متعدياً إلى مفعولين، كقوله: زدته درهما، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾. و ((من عمري)) صفة ((أربعين)) فقدم، فصار حالا. فإن قلت: ما الفرق بين قوله: ((انقضى عمر آدم إلى أربعين)) وبينه إذا قيل: بقي من عمر آدم أربعون. قلت: في الاستثناء توكيد ليس فيه. قال الزجاج في قوله: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَاّ خَمْسِينَ عَامًا﴾: الاستثناء يستعمل في كلامهم، وتأويله تأكيد العدد وكماله، لأنك قد تذكر الجملة ويكون الحاصل أكثرها، وإذا أردت التوكيد في تمامها قلت: كلها، وإذا أردت التوكيد في

стр. 169

داود؟! فجحد آدم، فجحدت ذريته، ونسي آدم فأكل من الشجرة، فنسيت ذريته، وخطأ وخطأت ذريته)). رواه الترمذي [١١٨]. ١١٩ - وعن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: ((خلق الله آدم حين خلقه، فضرب كتفه اليمنى، فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كتفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي)). رواه أحمد [١١٩]. ١٢٠ - وعن أبي نضرة، أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ – يقال له: أبو عبد الله ــ نقصانها أدخلت الاستثناء، تقول: جاءني إخوتك، يعني: أن جميعهم جاءوك، وجائز أن يعني؛ أن أكثرهم جاءوك، فإذا قلت: كلهم أكدت معنى الجماعة، وأعلمت أنه لم يتخلف منهم أحد، وإذا قلت: إلا زيداً، أكدت أن الجماعة تنقص زيداً، ولهذا السر صارت هذه الصيغة أصلا في الاعتبار، ومقيساً عليها، فافهم. الحديث السابع عن أبي الدرداء ﵁: قوله: ((حين خلقه)) ظرف لقوله: ((فضرب)) ولا يمنع ((الفاء)) من العمل؛ لأنه ظرف، على أن ((الفاء)) السببية أيضاً غير مانعة لعمل ما بعدها فيما قبلها؛ فإن ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ متعلق بقوله: ((فليعبدوا)) على تقدير الشرط، أي إما ((لإيلاف قريش)) متعلق بقوله: ((فليعبدوا)) على تقدير الشرط، أي إما لا فليعبدوا، كذا في الكشاف، يقول العرب: افعل هذا إما لا، أي إن كنت لا تفعل غيره فافعل هذا. أو تقديم الظرف مع وجود فاء التعقيب للدلالة على أن الإخراج لم يتخلف عن خلقه ﷺ . ((الحمم)) جمع حمة، يقال: حمت الجمرة تحم – بالفتح – إذا صارت فحما؛ ((وإلى الجنة)) خبر مبتدأ محذوف أي لأجل الذي في يمينه هؤلاء أوصلهم إلى الجنة، و ((لا أبالي)) حال من الضمير المستتر في الخبر، وهو نحو قوله: ((وإن رغم أنف أبي ذر))، فإنه تعالى علم من بعض المبتدعة القول بخلافه. [وأما ذكر اليمين والكتف فلتصوير عظمة الله وجلالته من غير تشبيه]، كما مر.

стр. 170

- دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي، فقالوا له: ما يبكيك؟ ألم يقل لك رسول الله ﷺ : ((خذ من شاربك ثم أقره حتى تلقاني؟)) قال: بلى، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله قبض بيمينه قبضة وأخرى باليد الأخرى وقال: هذه لهذه، وهذه لهذه، ولا أبالي)) ولا أدري في أي القبضتين أنا. رواه أحمد [١٢٠]. ١٢١ - وعن ابن عباس، ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((أخذ الله ميثاق من ظهر آدم بنعمان – يعني عرفة – فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه ــ الحديث الثامن عن أبي نضرة ﵁: قوله: ((ألم يقل لك)) دخلت همزة الاستفهام على حرف النفي فأفادت التقرير والتعجب، أي كيف تبكي وقد تقرر أن رسول الله ﷺ وعد بأنك تلقاه لا محالة؟ وأجاب بأني أخاف من عد الاحتفال والاكتراث في قوله: ((ولا أبالي)). و ((خذ من شاربك)) أي قصه، ((ثم أقر)) على هذا ودم عليه ((حتى تلقاني)) في الحوض أو غيره، وفيه إشارة إلى أن قص الشارب من السنن، والمداومة عليه موصلة إلى هذه المرتبة السنية، وهو القرب إلى دار النعيم في جواز نبي الله وأن من ترك سنة أي سنة حرم خيراً كثيراً، فكيف المواظبة على ترك سائرها؟ فإن ذلك يؤدي إلى الزندقة. الحديث التاسع عن ابن عباس ﵁: قوله: ((بنعمان)) الجوهري: بالفتح، واد في طريق الطائف يخرج إلى العرفات. قوله: ((ذرأها)) ((غب)): الذرأ إظهار الله تعالى ما أبدأ، يقال: ذرأ الله الخلق أي أوجد أشخاصهم، قال الله تعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الجِنِّ والإنسِ﴾ والمعنى أخرج كل ذرية خلقها إلى يوم القيامة. وقال الجوهري: رأيته قبلا وقبلا بالضم مقابلة وعياناً، وقبلا بكسر القاف كذلك، وهو حال. ((نه)): إن الله تعالى كلمهم قبلا أي عياناً ومقابلة لا من وراء حجاب، من غير أن يولى أمره أو كلامه أحداً من ملائكته. و ((شهدنا)) تقرير لقوله: ﴿وأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ أي أنت ربنا شهدنا على أنفسنا، وأقررنا بوحدانيتك، وقوله: ((أن تقولوا)) مفعول له، أي فعلنا ذلك كراهة أن يقولوا يوم القيامة: ﴿إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ لم ننتبه إليه، أو كراهة أن يقولوا: ((إنما أشرك آباؤها من قبل)). ((تو)): هذا الحديث مخرج في كتاب أبي عبد الرحمن النسائي، ولا يحتمل من التأويل ما يحتمل حديث عمر ﵁ لظهور المراد منه، ولا أراهم يقابلون هذه الحجة، إلا بقولهم:

стр. 171

كالذر، ثم كلمهم قبلاً قال: (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون) رواه أحمد [١٢١]. ــ إن حديث ابن عباس من جملة الآحاد فلا يلزمنا أن نترك به ظاهر الكتاب، وقال: إنما جدوا في الهرب عن القول في معنى الآية بما يقتضي ظاهر الحديث، لمكان قوله سبحانه: ﴿أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ فقالوا: إن كان هذا الإقرار عن اضطرار، حيث كوشفوا بحقيقة الأمر وشاهدوه عين اليقين فلهم يوم القيامة أن يقولوا: شهدنا يومئذ، فلما زال عنا علمنا علم الضرورة، ووكلنا إلى رأينا كان منا من أصاب، ومنا من أخطأ – وإن كان عن استدلال – ولكنهم عصموا عنده من الخطأ، فلهم أيضاً أن يقولوا: أيدنا يوم الإقرار بتوفيق وعصمة، وحرمناها من بعد، ولو مددنا بهما أبداً لكانت شهادتنا في كل حين كشهادتنا اليوم الأول. فقد تبين أن الميثاق ما ركز الله فيهم من العقول وآتاهم وآباءهم من البصائر؛ لأنها هي الحجة الباقية المانعة لهم عن قولهم: ﴿إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ لأن الله تعالى جعل هذا الإقرار حجة عليهم في الإشراك كما جعل بعث الرسل حجة عليهم في الإيمان بما أخبروا عنه من الغيوب. ولهم في ذلك كلام كثير اكتفينا عنه بهذا المقدار، والغرض منه توفيق الطالبين على موضع الإشكال، والتوفيق بين الآية وحديث عمر على ما ذكرناه متعسر، والتوفيق بينهما وبين حديث ابن عباس على الوجه الذي لا يعارضه حجة أخرى من الكتاب مشكل جداً، إلا أن يعلل الحديث بما عللوه، انتهى كلامه. وأيضاً الاستدلال الذي بسببه حصل لهم العلم بالوحدانية يوم الميثاق إن كان حاصلا لهم في الدنيا وقت التكليف كان كافياً في المحجوجية، فلا فائدة في الميثاق السابق، وإن لم يكن حاصلا لهم في وقت التكليف لم يصيروا محجوجين بما فقدوه، كما لا يخفي تأمل. وأقول: خلاصة ما قالوا: أنه يلزم أن لا يكونوا محجوجين يوم القيامة. والجواب: أنهم إذا قالوا: شهدنا يومئذ، فلما زال علم الضرورة ووكلنا إلى رأينا كان منا من أصاب، ومنا من أخطأ – إلى تمام ما ذكرنا – قيل لهم: كذبتم، إنكم ما وكلتم إلى رأيكم، بل أرسلنا رسلنا تترى يوقظونكم عن سنة الغفلة؛ فإن الرسل بعثوا لينبهوا عن الغفلة، وليبعثوا على النظر. وتناسيهم، وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق. وأما الجواب عن قولهم: فلهم أن يقولوا: فإذا حرمنا اللطف والتوفيق فأي منفعة لنا في العقل، والبصيرة؟ والذي

стр. 172

١٢٢ - وعن أبي بن كعب في قول الله : (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) قال: جمعهم فجعلهم أزواجاً، ثم صورهم فاستنطقهم، فتكلموا، ثم أخذ عليهم العهد والميثاق، (وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم) ــ يقتضي منه العجب، أن الشيخ شهاب الدين التوربشتي كيف قرر مذهب المعتزلة، ولم يرد عليهم مع رسوخ علمه وعلو مرتبته، وكيف جعل حديث عمر ﵁ – المذكور في الفصل الثاني، وهو من المتشابه – أصلا في الاعتبار، وفسره بما يوافق مذهب الخصم، ورد هذا الحديث وهو محكم نص جلي، بأنه من الآحاد؟ وهلا جعل المحكم أصلا، ورد عليه التشابه، وأوله بما نقلناه عن المفسرين وعن القاضي؟ لأن الحديث النبوي مبين للتنزيل، كما قال الله تعالى: ﴿وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ ولعمري! إني لمنكر جداً لمن إذا ورد عليه حديث لا يوافق مذهبه، شمر في الرد بأنه من الآحاد. والغرض من هذا الإطناب الإرشاد إلى التفادي عن القول في الأحاديث الصادرة عن منبع الرسالة عن الثقات، بأنها متروكة العمل، لعلة كونها من الآحاد؛ لأن ذلك يؤدي إلى سد باب كثير من الفتوحات الغيبية، ويحرم قائله كثيراً من المنح الإلهية. روى الإمام البيهقي في المدخل عن الشافعي ﵁: الذين لقيناهم كلهم مثبتون خبر واحد عن واحد عن النبي ﵊ ويجعلونه سنة، حمد من تبعها، وعيب من خالفها، وقال الشافعي: من فارق هذا المذهب كان عندنا مفارقاً لسبيل أصحاب رسول الله ﷺ ، وأهل العلم بعدهم، وكان من أهل الجهالة، فقال الشافعي: فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل، فيه عن رسول الله ﷺ خلاف ما قلت، فالقول ما قال رسول الله ﷺ وهو قولي. وجعل يردده. وروى الدارمي عن الشعبي قال: ما حدثك هؤلاء عن النبي ﷺ فخذ بيده، وما قالوا برأيهم فألقه في الحش. وذكر ابن الصلاح عن أبي داود أنه قال: لأن أعمل بحديث ضعيف خير من أن أعمل بآراء هؤلاء الرجال. لفظ هذا معناه، ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾. الحديث العاشر عن أبي بن كعب ﵁: قوله: في قول الله ((أي ذكر في تفسيره قول الله : أزواجاً)) أصنافاً، ((غب)): يقال: زوج لكل ما يقترن بآخر، قال الله

стр. 173

قالوا: بلى. قال: فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة: لم نعلم بهذا. اعلموا أنه لا إله غيري، ولا رب غيري، ولا تشركوا بي شيئاً. إني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي. قالوا: شهدنا بأنك ربنا وإلهنا. لا رب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك. فأقروا بذلك، ورفع عليهم آدم ﵇ بنظر إليهم، فرأي الغني والفقير، وحسن الصورة ودون ذلك. فقال: رب لولا سويت بين عبادك! قال: إني أحببت أن أشكر ورأي فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور، خصوا بمثاق آخر في الرسالة والنبوة، وهو قوله ﵎ ﴿وإذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ إلى قوله: ــ تعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ﴾ أي أشباها وأقراناً، وبين الأصناف بقوله: ((فرأى الغني، والفقير)) إلى آخره، وقوله: ((فجعلهم أزواجاً)) أي أراد أن يجعلهم أصنافاً فصورهم، كقوله تعالى: ﴿فَإذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾. قوله: ((فإني أشهد عليكم السموات السبع)) إشارة إلى نصب الدلائل الظاهرة، والآيات الباهرة، و ((أشهد عليكم آباءكم)) – أي يذكرونكم عهدي – إشارة إلى النصوص الشاهدة، والتنبيهات من الرسل المبعوثين إليهم، فعلى هذا ينبغي أن يحمل حديث عمر ﵁؛ لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضا. و ((رفع)) أي أشرف و ((ينظر)) حال، ويجوز أن يكون مفعولا له، و ((أن مقدرة، أي لأن ينظر إليهم، كقول الشاعر: ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى. و ((لولا)) للتحضيض أي هلا سويت بينهم الغني والفقير وغير ذلك، ((أن أشكر)) أي ما سويت بينهم حتى ينظر الغني إلى الفقير، فيشكو نعمتي عليه، وينظر الفقير إلى دينه فيرى نعمته فوق الغني فيشكر نعمتي عليه، ويرى حسن الصورة إلى جماله فيشكر، وقبيح الصورة فيرى حسن خصاله فيشكر، وعلى هذا. ((ورأى الأنبياء)) يعني أن الأنبياء بعد الميثاق العام خصهم الله بميثاق آخر ((من فيها)) أي دخل الروح من في مريم ﵍، وذكر الروح على تأويل المنفوخ، أو في عيسى، وكذا في ((أرسله)) فكأنه أراد قوله تعالى: ﴿ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ أي فيها، وقرأ ابن مسعود ((فيها)) ﷺ كما قرئ في سورة الأنبياء، وتقييده بقوله: ((ودخل من فيها)) تسجيل على النصارى بركاكة عقولهم، أي كيف يتخذ إليها من دون الله من هذا حاله؟ كقوله: ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾.

стр. 174

(عيسى بن مريم) كان في تلك الأرواح، فأرسله إلى مريم ﵉ فحدث عن أبي: أنه دخل من فيها. رواه أحمد [١٢٢]. ١٢٣ - وعن أبي الدرداء، قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ نتذاكر ما يكون، إذ قال رسول الله ﷺ : ((إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوه، وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه فلا تصدقوا به، فإنه يصير إلى ما جبل عليه)). رواه أحمد [١٢٣]. ١٢٤ - وعن أم سلمة، قالت: يا رسول الله! لا يزال يصيبك في كل عام وجع من الشاة المسمومة التي أكلت. قال: ((ما أصابني شيء منها إلا وهو مكتوب علي وآدم في طينته)). رواه ابن ماجه [١٢٤]. ــ الحديث الحادي عشر عن أبي الدرداء ﵁: قوله: ((ما يكون)) ((ما)) موصولة أي الذي يحدث من الحوادث أهو شيء مقضي، أو شيء يتجدد آنفاً؟ ومن ثم قال رسول الله ﵊: ((وإنه يصير إلى ما جبل عليه)) يعني: الأمر على ما قدر وسبق، حتى العجز والكيس، فإذا سمعتم أن الرجل الكيس يصير بليداً أو بالعكس، وأن العاجز يرجع قوياً وبالعكس فلا تصدقوا به، وضرب زوال الجبال مثلا تقريباً؛ فإن هذا ممكن، وزوال الخلق المقدر عما كان في القدر غير ممكن. الحديث الثاني عشر عن أم سلمة ﵂: قوله: ((آدم في طينته)) مثل للتقدير السابق لا تعيين؛ فإن كون آدم في طينته مقدر أيضاً قبله، ونحوه قوله تعالى: ((وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلَى يَوْمِ الدِّينِ)). ((الكشاف)): هو قول لأبعد غاية يضربها الناس في كلامهم، وكذا قولهم في التأبيد: ما دام تغار، وما أقام ثبير، وما لاح كوكب وير ذلك من كلمات التأبيد – وإن لم تكن مؤبدة حقيقة.

стр. 175

(٤) باب إثبات عذاب القبر الفصل الأول ١٢٥ - وعن البراء بن عازب، عن النبي ﷺ ، قال: ((المسلم إذا سئل في القبر؛ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفِي الآخِرَةِ﴾)). وفي رواية عن النبي ﷺ ، قال: ((﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ نزلت في عذاب القبر، يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبيي محمد)). متفق عليه. ــ باب إثبات عذاب القبر الفصل الأول الحديث الأول عن البراء بن عازب ﵁: قوله: ((المسلم إذا سئل)) المسئول عنه محذوف أي عن ربه، وعن نبيه، ودينه، و ((الفاء)) في ((فذلك)) سببية، ولفظة ((ذلك)) إشارة إلى سرعة الجواب التي يعطيها، جعل الظرف معمولا ((ليشهد)) يعني: إذا سئل لم يتلعثم، ولم يتحير كالكافر، بل يجيب بديهاً بالشهادتين، وذلك دليل على ثباته عليه، واستقراره على كلمة التوحيد في الدنيا، ورسوخها في قلبه؛ ولذلك أتى بلفظ الشهادة؛ لأنها لا يصدر إلا عن صميم القلب، ومطابقة الظاهر بالباطن، ونظير هذه ((الفاء)) ((الباء)) في قوله تعالى: ﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ والتعريف فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ وهي كلمة التوحيد. وعن ابن عباس: ((هي شهادة أن لا إله إلا الله)) وثبوتها تمكنها في القلب واعتقاد حقيقتها، واطمئنان القلب بها. وتثبيتهم في الدنيا: إنهم إذا فتنوا لم يزالوا عنها – وإن ألقوا في النار – ولم يرتابوا بالشبهات، وتثبيتهم في الآخرة: إنهم إذا سئلوا في القبر لم يتوقفوا في الجواب، وإذا سئلوا في الحشر، وعند مواقف الأشهاد عن معتقدهم ودينهم لم يبهتوا من أهوال الحشر، وأعاد الجار ((في الدنيا وفي الآخرة))؛ ليدل على استقلاله في التثبت. فإن قلت: ليس في الآية ما يدل على عذاب المؤمن، فما معنى قوله: ((نزلت في عذاب القبر؟)) قلت: لعله سمى أحوال العبد في القبر بعذاب القبر على تغليب فتنة الكافر على فتنة المؤمن ترهيباً وتخويفاً؛ لأن القبر مقام الهول والوحشة؛ ولأن ملاقاة الملكين مما يهيب المؤمن.

стр. 176

١٢٦ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه [و] إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولون: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد ﷺ : فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، فيراهما جميعاً. وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري! كنت أقول ما يقول الناس! فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين)). متفق عليه، ولفظه للبخاري. ــ الحديث الثاني عن أنس رضي لله عنه: قوله: ((إذا وضع)) شرط، ((أتاه)) جزاءه، والجملة خبر ((إن))، و ((إنه ليسمع قرع نعالهم)) إما حال بحذف الواو كأحد الوجهين في قوله تعالى: ﴿ويَوْمَ القِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ أي ووجوههم، على أن الرؤية بمعنى الإبصار، ونحو كلمة ((فوه)) إلى ((في)) ذكره شارح اللباب، أو يكون جواباً للشرط على إضمار ((الفاء)) فيكون ((أتاه)) حالا من فاعل ((ليسمع)) و ((قد)) مقدرة، ويحتمل أن يكون ((إذا)) ظرفاً محضاً. قوله: ((إنه)) تأكيد لقوله: ((إن العبد)) كقوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إنَّا لا نُضِيعُ﴾ في أحد الوجهين. قوله: ((إنه ليسمع قرع نعالهم)) ((شف)): ظاهره دال على تعلق الروح ببدن الميت عند سؤال منكر ونكير في القبر عن الميت، إذا قالوا له: ((من ربك؟)) ((فيقعدانه)) وفي حديث البراء ((فيجلسانه)). ((تو)): هذا اللفظ أولى من اللفظين بالاختيار؛ لأن الفصحاء إنما يستعملون القعود في مقابلة القيام، فيقولون: القيام والقعود، لا نسمعهم أن يقولوا: القيام والجلوس، يقال: قعد الرجل عن قيامه، وجلس عن ضجعه واستلقائه. وحكى أن نضر بن شميل دخل على المأمون عند مقدمه مرو فمثل بين يديه وسلم، فقال له المأمون: اجلس، فقال: يا أمير المؤمنين، لست بمضطجع فأجلس، فقال: كيف أقول؟ قال: قل: اقعد. فعلى هذا المختار من بين الروايتين هو الإجلاس لما أشرنا إليه من دقيق المعنى وفصيح الكلام، وهو الأحق والأجدر ببلاغة الرسول ﷺ ، ولعل من روى ((فيعقدانه)) ظن أن اللفظين ينزلان من المعنى بمنزلة واحدة؛ ومن هذا الوجه أنكر كثير من السلف رواية الحديث بالمعنى خشية أن يزل في الألفاظ المشتركة، فيذهب عن المراد جانباً.

стр. 177

ــ أقول: لا ارتياب أن الجلوس والقعود مترادفان، وأن استعمال القعود مع القيام والجلوس مع الاضطجاع مناسبة لفظية، ونحن نقول بموجبه إذا كانا مذكورين، كقوله تعالى: ((دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا)) لكن لم قلت: إنه إذا لم يكن أحدهما منه مذكوراً كان كذلك؟ ألا ترى إلى حديث جبريل ﵇ ((حتى جلس إلى النبي ﷺ ) بعد قوله: ((إذا طلع علينا؟)) ولا خفاء أنه ﵇ لم يضطجع بعد الطلوع عليهم، وكذلك لم يرد في هذا الحديث الاضطجاع ليوجب أن يذكر معه الجلوس، وأما الترجيح بما رواه عن النضر وهو من رواة العربية على رواية الشيخين الثقتين فبعيد عن مثله، وهو من مشاهير المحدثين. قوله: ((في هذا الرجل لمحمد)) ((محمد)) بيان من الراوي للرجل، أي لأجل محمد ﵊، دعا له بالرجل من كلام الملك، فعبر بهذه العبارة التي ليس فيها تعظيم؛ امتحاناً للمسئول؛ لأن لا يتلقن تعظيمه عن عبارة القائل، ثم ((يثبت الذين آمنوا)). قوله: ((فيراهما جميعاً)) فيزداد فرحاً إلى فرح، ويعرف نعمة الله عليه بتخليصه من النار، وإدخاله الجنة، وأما الكافر فيزداد غماً إلى غم، وحسرة إلى حسرة، بتفويت الجنة وحصول النار. قوله: ((لا دريت ولا تليت)) أي اتبعت الناس بأن تقول شيئاً يقولونه، ويجوز أن يكون من قولهم: تلا فلان تلو غير عاقل، إذا عمل عمل الجهال، أي لا علمت ولا جهلت، يعني هلكت فخرجت من القبيلتين. وقيل: لا قرأت، فقلبت الواو ياء للازدواج، معناه ما علمت بنفسي بالنظر والاستدلال، ولا اتبعت العلماء بالتقليد وقراءة الكتب. قوله: ((ضربة)) أفرد ((الضربة)) وجمع ((المطارق)) على نحو قوله: ((معاً جياعاً)) ليؤذن بأن كل جزء من أجزاء تلك المطرقة مطرقة برأسها مبالغة، و ((الثقلان)) الإنس والجن، سميا به لثقلهما على الأرض، وإنما عزلا عن السماع لمكان التكليف والابتلاء، ولو سمعا ارتفع الابتلاء والامتحان، وصار الإيمان ضرورياً، لأعرضوا عن التدابير والصنائع ونحوهما مما يتوقع عليه بقاء الشخص والنوع، فينقطع معاشهم. ((مح)): اعلم أن مذهب أهل السنة والجماعة إثبات عذاب القبر، وقد تظاهرت عليه الدلائل من الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًا وعَشِيًا﴾ الآية، وأما الأحاديث فلا تحصى كثرة، ولا مانع في العقل أن يخلق الله تعالى الحيوة في جزء من الجسد أو في جميعه – على الخلاف بين الأصحاب – فيثيبه ويعذبه، وإذا لم يمنعه العقل وورد الشرع به وجب قبوله واعتقاده. ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه، كما يشاهد في العادة، أو أكلته السباع والطيور وحيتان البحر، كما أن الله تعالى يعيده للمحشر، وهو سبحانه قادر على ذلك.

стр. 178

١٢٧ - وعن عبد الله بن عمر، قال: قال: رسول الله ﷺ : ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان ــ فإن قيل: نحن نشاهد الميت على حاله فكيف يسأل، ويقعد، ويضرب، ولا يظهر أثر؟ فالجواب: أن ذلك غير ممتنع بل له نظير في الشاهد وهو النائم؛ فإنه يجد لذة أو ألما يحسه ولا تحسه، وكذا يجد اليقظان لذة وألما يسمعه، أو يتفكر فيه ولا يشاهد ذلك جليسه، وكذا كان جبريل ﵇ يأتي النبي ﵊ فيوحي إليه بالقرآن المجيد ولا يدركه الحاضرون، وكل ذلك دليل ظاهر جلي. ((قض)): من مات وتفرقت أجزاؤه في الشرق والغرب، فإن الله تعالى يعلق روحه بجزئه الأصلي الباقي في أول عمره إلى آخره، المستمر على حاله – حالتي النمو الذبول – الذي يتعلق به الروح أولا فيحي ويحيي بحياته سائر أجزاء البدن، ليسأل فيثاب أو يعذب. ولا يستبعد ذلك؛ فإن الله تعالى عالم بالجزئيات كلها حسب ما هي عليها، فيعلم الأجزاء بتفاصيلها، ويعلم مواقعها ومحالها، ويميز بين ما هو أصل وما هو فضل، ويقدر على تعليق الروح بالجزء الأصلي منها حال الانفراد، وتعليقه به حال الاجتماع؛ فإن البنية عندنا ليست شرطاً للحياة، بل لا يستبعد تعلق روح الشخص الواحد في آن واحد بكل واحد من تلك الأجزاء المتفرقة في المشارق والمغارب؛ فإن تعلقه ليس على سبيل الحلول حتى يمنعه الحلول في جزء من الحلول في آخر، والحديث ورد على ما هو الغالب. ((حس)): في الحديث دليل على جواز المشي بالنعال بحضرة القبور وبين ظهرانيها، والله أعلم. قوله: ((من يليه)) لا يذهب فيه إلا المفهوم في أن من بعد منه لا يسمعه، لما ورد نصاً في الفصل الثاني في حديث البراء بن عازب من أنه ((يسمعها ما بين المشرق والمغرب)) والمفهوم لا يعارض المنطوق و ((من)) لذوي العقول من الملائكة والثقلين، فغلب هاهنا على غير ذوي العقول، و ((غير الثقلين)) منصوب على الاستثناء. الحديث الثاني عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: ((إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة)) ((تو)): تقدير الكلام إن كان من أهل الجنة فمقعده من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه، وفيه ((حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة)) و ((الهاء)) يرجع إلى المقعد، ويجوز أن يعود الضمير إلى الله، وهذا لفظ المصابيح، وقد روي أيضاً في الأحاديث الصحاح ((حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة)) أي محشر يوم القيامة، فحذف المضاف. أقول: ويجوز أن يكون المعنى: فمن كان من أهل الجنة فيبشر بما لا يكتنه كنهه، ويفوز بما

стр. 179

من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة)). متفق عليه. ١٢٨ - وعن عائشة، ﵂، أن يهودية دخلت عليها، فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن ــ لا يقادر قدره، وإن كان من أهل النار فبالعكس؛ لأن هذا المنزل طليعة تباشير السعادة الكبرى، ومقدمة تباريح الشقاوة العظمى؛ لأن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل الجزاء على الفخامة، كقولهم: من أدرك الضمان فقد أدرك المرعى، وضع الضمان موضع كثير العشب، والضمير في ((يبعثك الله إليه)) إما أن يرجع إلى المقعد فالمعنى: هذا مقعدك تستقر فيه حتى تبعث إلى مثله من الجنة أو النار كقوله تعالى: ((هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ)) أي مثل الذي، وقولهم: أبو يوسف، أبو حنيفة، أو يرجع إلى الله أي إلى لقاء الله، أو إلى يوم الحشر، أي هذا الآن مقعدك إلى يوم الحشر، فيرى عند ذلك كرامة أو هواناً ما تنسي عنده هذا المقعد، كقوله تعالى: ((وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلَى يَوْمِ الدِّينِ)). ((الكشاف)): أي إنك مذموم ومدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين، فإذا جاء ذلك اليوم عذبت بما تنسي اللعن معه. ونظيره قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًا وعَشِيًا ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾. ((الكشاف)): عرضهم عليها إحراقهم بها، يقال: عرض الإمام الأساري على السيف إذا قتلهم و ((حتى)) في الحديث كحتى في حديث أبي هريرة ﵁ في الفصل الثاني ((حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك)). الحديث الرابع عن عائشة رضي الله تعالى عنها: قوله: ((فما رأيت رسول الله ﷺ بعد)) أي بعد سؤالي. ((تو)): المشكل لا ندري أكان النبي ﵊ يعلم ذلك ولا يتعوذ، أو كان يتعوذ ولم تشعر به عائشة ﵂، أو سمع ذلك من اليهودية فتعوذ؟ قال: ثم إني وجدت نقلا من الإمام الطحاوي أنه ﷺ سمع اليهودية بذلك فارتاع ﵊، ثم أوحي إليه بعد ذلك بفتنة القبر، ووجدت في حديث آخر أن عائشة ﵂ قالت: ((لا أدري أكان رسول الله ﷺ يتعوذ قبل ذلك ولم أشعر به، أو تعوذ لقول اليهودية)) ثم إنه ﷺ لما رأى استغرابها حيث سمعت من اليهودية، وسألت رسول الله ﷺ أعلن بعد لما كان يسر ليترسخ ذلك في عقائد أمته ويكونوا من قتنة القبر على خيفة.

стр. 180

عذاب القبر. فقال: ((نعم، عذاب القبر حق)). قالت عائشة: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلى صلاة إلا تعوذ بالله من عذاب القبر. متفق عليه. ١٢٩ - وعن زيد بن ثابت، قال: بينا رسول الله ﷺ في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه، إذ حادث به وكادت تلقيه. وإذا أقبر ستة أو خمسة، فقال: ((من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟)) قال رجل: أنا. قال: ((فمتى ماتوا؟)) قال: في الشرك. ــ وأقول: فيه إرشاد للخلق وتواضع منه ﷺ ، فإن مثله حين سمع من مثل تلك اليهودية الحق ما استنكف من ذلك، وعمل بما يوجب ما قاله ﵊: ((كلمة الحكمة ضالة كل حكيم)) ونعم ما قال علي ﵁: ((فانظر إلى ما قال، ولا تنظر إلى من قال)). الحديث الخامس عن زيد ﵁: قوله: ((في الحائط)) الحائط البستان، و ((بنو النجار)) قبيلة من الأنصار، و ((على بغلة)) حال من الضمير المستتر في الخبر، و ((نحن معه)) حال متداخلة؛ لأنه حال من الضمير في الحال، و ((إذا)) للمفاجأة، وقد سبق في أول الكتاب إعرابه، وهو أيضاً حال، كقول أبي الطيب: تدوس بنا الجماجم والتريبا، أي حادت ونفرت ملتبسة به ﵊. و ((إذا أقبر)) ((إذا))، للمفاجأة والواو للحال أي نحن على ذلك مع رسول الله ﵊، ((وإذا أقبر)) أي ظهرت لنا قبور متعددة فاجأناها. قوله: ((في الشرك)) لابد من تقدير ليطابق الجواب السؤال، أي متى ماتوا في الجاهلية مشركين أم بعدها مؤمنين؟ فأجاب: في أيام الشرك، أو يقال: متى ماتوا؟ فأجاب أي منذ سنة في الشرك. و ((إن هذه الأمة)) أي جنس الإنسان. ((غب)): الأمة كل جماعة يجمعهم أمر ما، إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيراً أو اختياراً. و ((هذه)) إشارة إلى ما في الذهن، والخبر بيان له، كقوله: هذا أخوك. قوله: ((أن يسمعكم)) مفعول ثان لقوله: ((دعوت)) على تضمين سألت. ((تو)): هذا كلام مجمل، وما يسبق إلى الفهم هو أنهم لو سمعوا ذلك لتركوا التدافن حذراً من عذاب القبر. وفيه نظر؛ لأن المؤمن لا يليق به ذلك، بل يجب عليه أن يعتقد أن الله تعالى إذا أراد تعذيب أحد عذبه – ولو في بطون الحيتان، وحواصل الطيور – وسيان دون القدرة الأزلية بطن الأرض وظهرها، وبعد ذلك فإن المؤمنين أمروا بدفن الأموات فلا يسعهم ترك ذلك إذا قدروا عليه. والذي نهتدي إليه بمقدار علمنا، وهو أن الناس لو سمعوا ذلك لهم كل واحد منهم خويصة نفسه، وعمهم من ذلك البلاء العظيم حتى أقضى بهم إلى ترك التدافن، وخلع الخوف أفئدتهم حتى لا يكادوا يقربوا جيفة ميت. مثل قوله ﵊: ((لو عملتم ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيراً)). وفيه أن الكشف بحسب الطاقة، ومن كوشف بما لا يسعه يطيح
следующие страницы →