Полный текст (3 308 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
١٢٦ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه [و] إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولون: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد ﷺ : فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، فيراهما جميعاً. وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري! كنت أقول ما يقول الناس! فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين)). متفق عليه، ولفظه للبخاري.
ــ
الحديث الثاني عن أنس رضي لله عنه: قوله: ((إذا وضع)) شرط، ((أتاه)) جزاءه، والجملة خبر ((إن))، و ((إنه ليسمع قرع نعالهم)) إما حال بحذف الواو كأحد الوجهين في قوله تعالى: ﴿ويَوْمَ القِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ أي ووجوههم، على أن الرؤية بمعنى الإبصار، ونحو كلمة ((فوه)) إلى ((في)) ذكره شارح اللباب، أو يكون جواباً للشرط على إضمار ((الفاء)) فيكون ((أتاه)) حالا من فاعل ((ليسمع)) و ((قد)) مقدرة، ويحتمل أن يكون ((إذا)) ظرفاً محضاً.
قوله: ((إنه)) تأكيد لقوله: ((إن العبد)) كقوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إنَّا لا نُضِيعُ﴾ في أحد الوجهين. قوله: ((إنه ليسمع قرع نعالهم)) ((شف)): ظاهره دال على تعلق الروح ببدن الميت عند سؤال منكر ونكير في القبر عن الميت، إذا قالوا له: ((من ربك؟)) ((فيقعدانه)) وفي حديث البراء ((فيجلسانه)). ((تو)): هذا اللفظ أولى من اللفظين بالاختيار؛ لأن الفصحاء إنما يستعملون القعود في مقابلة القيام، فيقولون: القيام والقعود، لا نسمعهم أن يقولوا: القيام والجلوس، يقال: قعد الرجل عن قيامه، وجلس عن ضجعه واستلقائه.
وحكى أن نضر بن شميل دخل على المأمون عند مقدمه مرو فمثل بين يديه وسلم، فقال له المأمون: اجلس، فقال: يا أمير المؤمنين، لست بمضطجع فأجلس، فقال: كيف أقول؟ قال: قل: اقعد. فعلى هذا المختار من بين الروايتين هو الإجلاس لما أشرنا إليه من دقيق المعنى وفصيح الكلام، وهو الأحق والأجدر ببلاغة الرسول ﷺ ، ولعل من روى ((فيعقدانه)) ظن أن اللفظين ينزلان من المعنى بمنزلة واحدة؛ ومن هذا الوجه أنكر كثير من السلف رواية الحديث بالمعنى خشية أن يزل في الألفاظ المشتركة، فيذهب عن المراد جانباً.
стр. 177
ــ
أقول: لا ارتياب أن الجلوس والقعود مترادفان، وأن استعمال القعود مع القيام والجلوس مع الاضطجاع مناسبة لفظية، ونحن نقول بموجبه إذا كانا مذكورين، كقوله تعالى: ((دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا)) لكن لم قلت: إنه إذا لم يكن أحدهما منه مذكوراً كان كذلك؟ ألا ترى إلى حديث جبريل ﵇ ((حتى جلس إلى النبي ﷺ ) بعد قوله: ((إذا طلع علينا؟)) ولا خفاء أنه ﵇ لم يضطجع بعد الطلوع عليهم، وكذلك لم يرد في هذا الحديث الاضطجاع ليوجب أن يذكر معه الجلوس، وأما الترجيح بما رواه عن النضر وهو من رواة العربية على رواية الشيخين الثقتين فبعيد عن مثله، وهو من مشاهير المحدثين.
قوله: ((في هذا الرجل لمحمد)) ((محمد)) بيان من الراوي للرجل، أي لأجل محمد ﵊، دعا له بالرجل من كلام الملك، فعبر بهذه العبارة التي ليس فيها تعظيم؛ امتحاناً للمسئول؛ لأن لا يتلقن تعظيمه عن عبارة القائل، ثم ((يثبت الذين آمنوا)). قوله: ((فيراهما جميعاً)) فيزداد فرحاً إلى فرح، ويعرف نعمة الله عليه بتخليصه من النار، وإدخاله الجنة، وأما الكافر فيزداد غماً إلى غم، وحسرة إلى حسرة، بتفويت الجنة وحصول النار.
قوله: ((لا دريت ولا تليت)) أي اتبعت الناس بأن تقول شيئاً يقولونه، ويجوز أن يكون من قولهم: تلا فلان تلو غير عاقل، إذا عمل عمل الجهال، أي لا علمت ولا جهلت، يعني هلكت فخرجت من القبيلتين. وقيل: لا قرأت، فقلبت الواو ياء للازدواج، معناه ما علمت بنفسي بالنظر والاستدلال، ولا اتبعت العلماء بالتقليد وقراءة الكتب.
قوله: ((ضربة)) أفرد ((الضربة)) وجمع ((المطارق)) على نحو قوله: ((معاً جياعاً)) ليؤذن بأن كل جزء من أجزاء تلك المطرقة مطرقة برأسها مبالغة، و ((الثقلان)) الإنس والجن، سميا به لثقلهما على الأرض، وإنما عزلا عن السماع لمكان التكليف والابتلاء، ولو سمعا ارتفع الابتلاء والامتحان، وصار الإيمان ضرورياً، لأعرضوا عن التدابير والصنائع ونحوهما مما يتوقع عليه بقاء الشخص والنوع، فينقطع معاشهم.
((مح)): اعلم أن مذهب أهل السنة والجماعة إثبات عذاب القبر، وقد تظاهرت عليه الدلائل من الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًا وعَشِيًا﴾ الآية، وأما الأحاديث فلا تحصى كثرة، ولا مانع في العقل أن يخلق الله تعالى الحيوة في جزء من الجسد أو في جميعه – على الخلاف بين الأصحاب – فيثيبه ويعذبه، وإذا لم يمنعه العقل وورد الشرع به وجب قبوله واعتقاده. ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه، كما يشاهد في العادة، أو أكلته السباع والطيور وحيتان البحر، كما أن الله تعالى يعيده للمحشر، وهو سبحانه قادر على ذلك.
стр. 178
١٢٧ - وعن عبد الله بن عمر، قال: قال: رسول الله ﷺ : ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان
ــ
فإن قيل: نحن نشاهد الميت على حاله فكيف يسأل، ويقعد، ويضرب، ولا يظهر أثر؟ فالجواب: أن ذلك غير ممتنع بل له نظير في الشاهد وهو النائم؛ فإنه يجد لذة أو ألما يحسه ولا تحسه، وكذا يجد اليقظان لذة وألما يسمعه، أو يتفكر فيه ولا يشاهد ذلك جليسه، وكذا كان جبريل ﵇ يأتي النبي ﵊ فيوحي إليه بالقرآن المجيد ولا يدركه الحاضرون، وكل ذلك دليل ظاهر جلي.
((قض)): من مات وتفرقت أجزاؤه في الشرق والغرب، فإن الله تعالى يعلق روحه بجزئه الأصلي الباقي في أول عمره إلى آخره، المستمر على حاله – حالتي النمو الذبول – الذي يتعلق به الروح أولا فيحي ويحيي بحياته سائر أجزاء البدن، ليسأل فيثاب أو يعذب. ولا يستبعد ذلك؛ فإن الله تعالى عالم بالجزئيات كلها حسب ما هي عليها، فيعلم الأجزاء بتفاصيلها، ويعلم مواقعها ومحالها، ويميز بين ما هو أصل وما هو فضل، ويقدر على تعليق الروح بالجزء الأصلي منها حال الانفراد، وتعليقه به حال الاجتماع؛ فإن البنية عندنا ليست شرطاً للحياة، بل لا يستبعد تعلق روح الشخص الواحد في آن واحد بكل واحد من تلك الأجزاء المتفرقة في المشارق والمغارب؛ فإن تعلقه ليس على سبيل الحلول حتى يمنعه الحلول في جزء من الحلول في آخر، والحديث ورد على ما هو الغالب.
((حس)): في الحديث دليل على جواز المشي بالنعال بحضرة القبور وبين ظهرانيها، والله أعلم.
قوله: ((من يليه)) لا يذهب فيه إلا المفهوم في أن من بعد منه لا يسمعه، لما ورد نصاً في الفصل الثاني في حديث البراء بن عازب من أنه ((يسمعها ما بين المشرق والمغرب)) والمفهوم لا يعارض المنطوق و ((من)) لذوي العقول من الملائكة والثقلين، فغلب هاهنا على غير ذوي العقول، و ((غير الثقلين)) منصوب على الاستثناء.
الحديث الثاني عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: ((إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة)) ((تو)): تقدير الكلام إن كان من أهل الجنة فمقعده من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه، وفيه ((حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة)) و ((الهاء)) يرجع إلى المقعد، ويجوز أن يعود الضمير إلى الله، وهذا لفظ المصابيح، وقد روي أيضاً في الأحاديث الصحاح ((حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة)) أي محشر يوم القيامة، فحذف المضاف.
أقول: ويجوز أن يكون المعنى: فمن كان من أهل الجنة فيبشر بما لا يكتنه كنهه، ويفوز بما
стр. 179
من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة)). متفق عليه.
١٢٨ - وعن عائشة، ﵂، أن يهودية دخلت عليها، فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن
ــ
لا يقادر قدره، وإن كان من أهل النار فبالعكس؛ لأن هذا المنزل طليعة تباشير السعادة الكبرى، ومقدمة تباريح الشقاوة العظمى؛ لأن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل الجزاء على الفخامة، كقولهم: من أدرك الضمان فقد أدرك المرعى، وضع الضمان موضع كثير العشب، والضمير في ((يبعثك الله إليه)) إما أن يرجع إلى المقعد فالمعنى: هذا مقعدك تستقر فيه حتى تبعث إلى مثله من الجنة أو النار كقوله تعالى: ((هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ)) أي مثل الذي، وقولهم: أبو يوسف، أبو حنيفة، أو يرجع إلى الله أي إلى لقاء الله، أو إلى يوم الحشر، أي هذا الآن مقعدك إلى يوم الحشر، فيرى عند ذلك كرامة أو هواناً ما تنسي عنده هذا المقعد، كقوله تعالى: ((وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلَى يَوْمِ الدِّينِ)). ((الكشاف)): أي إنك مذموم ومدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين، فإذا جاء ذلك اليوم عذبت بما تنسي اللعن معه. ونظيره قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًا وعَشِيًا ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾. ((الكشاف)): عرضهم عليها إحراقهم بها، يقال: عرض الإمام الأساري على السيف إذا قتلهم و ((حتى)) في الحديث كحتى في حديث أبي هريرة ﵁ في الفصل الثاني ((حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك)).
الحديث الرابع عن عائشة رضي الله تعالى عنها: قوله: ((فما رأيت رسول الله ﷺ بعد)) أي بعد سؤالي. ((تو)): المشكل لا ندري أكان النبي ﵊ يعلم ذلك ولا يتعوذ، أو كان يتعوذ ولم تشعر به عائشة ﵂، أو سمع ذلك من اليهودية فتعوذ؟ قال: ثم إني وجدت نقلا من الإمام الطحاوي أنه ﷺ سمع اليهودية بذلك فارتاع ﵊، ثم أوحي إليه بعد ذلك بفتنة القبر، ووجدت في حديث آخر أن عائشة ﵂ قالت: ((لا أدري أكان رسول الله ﷺ يتعوذ قبل ذلك ولم أشعر به، أو تعوذ لقول اليهودية)) ثم إنه ﷺ لما رأى استغرابها حيث سمعت من اليهودية، وسألت رسول الله ﷺ أعلن بعد لما كان يسر ليترسخ ذلك في عقائد أمته ويكونوا من قتنة القبر على خيفة.
стр. 180
عذاب القبر. فقال: ((نعم، عذاب القبر حق)). قالت عائشة: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلى صلاة إلا تعوذ بالله من عذاب القبر. متفق عليه.
١٢٩ - وعن زيد بن ثابت، قال: بينا رسول الله ﷺ في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه، إذ حادث به وكادت تلقيه. وإذا أقبر ستة أو خمسة، فقال: ((من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟)) قال رجل: أنا. قال: ((فمتى ماتوا؟)) قال: في الشرك.
ــ
وأقول: فيه إرشاد للخلق وتواضع منه ﷺ ، فإن مثله حين سمع من مثل تلك اليهودية الحق ما استنكف من ذلك، وعمل بما يوجب ما قاله ﵊: ((كلمة الحكمة ضالة كل حكيم)) ونعم ما قال علي ﵁: ((فانظر إلى ما قال، ولا تنظر إلى من قال)).
الحديث الخامس عن زيد ﵁: قوله: ((في الحائط)) الحائط البستان، و ((بنو النجار)) قبيلة من الأنصار، و ((على بغلة)) حال من الضمير المستتر في الخبر، و ((نحن معه)) حال متداخلة؛ لأنه حال من الضمير في الحال، و ((إذا)) للمفاجأة، وقد سبق في أول الكتاب إعرابه، وهو أيضاً حال، كقول أبي الطيب: تدوس بنا الجماجم والتريبا، أي حادت ونفرت ملتبسة به ﵊. و ((إذا أقبر)) ((إذا))، للمفاجأة والواو للحال أي نحن على ذلك مع رسول الله ﵊، ((وإذا أقبر)) أي ظهرت لنا قبور متعددة فاجأناها.
قوله: ((في الشرك)) لابد من تقدير ليطابق الجواب السؤال، أي متى ماتوا في الجاهلية مشركين أم بعدها مؤمنين؟ فأجاب: في أيام الشرك، أو يقال: متى ماتوا؟ فأجاب أي منذ سنة في الشرك. و ((إن هذه الأمة)) أي جنس الإنسان. ((غب)): الأمة كل جماعة يجمعهم أمر ما، إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيراً أو اختياراً. و ((هذه)) إشارة إلى ما في الذهن، والخبر بيان له، كقوله: هذا أخوك. قوله: ((أن يسمعكم)) مفعول ثان لقوله: ((دعوت)) على تضمين سألت.
((تو)): هذا كلام مجمل، وما يسبق إلى الفهم هو أنهم لو سمعوا ذلك لتركوا التدافن حذراً من عذاب القبر. وفيه نظر؛ لأن المؤمن لا يليق به ذلك، بل يجب عليه أن يعتقد أن الله تعالى إذا أراد تعذيب أحد عذبه – ولو في بطون الحيتان، وحواصل الطيور – وسيان دون القدرة الأزلية بطن الأرض وظهرها، وبعد ذلك فإن المؤمنين أمروا بدفن الأموات فلا يسعهم ترك ذلك إذا قدروا عليه. والذي نهتدي إليه بمقدار علمنا، وهو أن الناس لو سمعوا ذلك لهم كل واحد منهم خويصة نفسه، وعمهم من ذلك البلاء العظيم حتى أقضى بهم إلى ترك التدافن، وخلع الخوف أفئدتهم حتى لا يكادوا يقربوا جيفة ميت. مثل قوله ﵊: ((لو عملتم ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيراً)). وفيه أن الكشف بحسب الطاقة، ومن كوشف بما لا يسعه يطيح
стр. 181
فقال: ((إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوات الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه))، ثم أقبل بوجهه علينا، فقال: ((تعوذوا بالله من عذاب النار)). قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. قال: ((تعوذوا بالله من عذاب القبر)). قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر. قال: ((تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن)). قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال: ((تعوذوا بالله من فتنة الدجال)). قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال. رواه مسلم [١٢٩].
الفصل الثاني
١٣٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قبر الميت أتاه ملكان
ــ
ويهلك. قوله: ((الذي)) مفعول و ((أن يسمعكم من عذاب القبر)) بيان له، حال منه متقدم عليه، و ((بوجهه)) تأكيد لقوله: ((أقبل)) كقولك: نظرت بعيني، لمزيد الاهتمام بشأن التذكير. وقوله: ((ما ظهر منها وما بطن)) عبارة عن شمولها؛ لأن الفتنة لا تخلو من هذين الأمرين، عمم بعد التخصيص تأكيداً وتقريراً، ثم خص ذكر الرجال كالمستدرك لما فاته، والله أعلم بالصواب.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إذا أقبر)) أي أدفن، ((أسودان أزرقان)) الشارحون: أراد بالسواد سواد منظرهما، والزرقة زرقة أعينهما، وذلك لما في لون السواد وزرقة العين من الهول والنكير، والزرقة أبغض ألوان العيون إلى العرب؛ لأن الروم أعداؤهم وهو زرق العيون، ولذلك قالوا في صفة العدو: أسود الكبد أزرق العينين. ويحتمل أن يكون المراد قبح المنظر وفظاعة الصورة، يقال: كلمت فلاناً فما رد على سوداء ولا بيضاء، أي فما أجابني بكلمة قبيحة ولا حسنة. والزرقة تقليب البصر وتحديد المنظر، يقال: زرقت عيناه إذا انقلبت وظهر بياضها، وهي كناية عن شدة الغضب؛ فإن الغضبان ينظر إلى المغضوب عليه شزراً بحيث تنقلب عينيه. ويحتمل أن يراد بالزرقة العمى؛ فإن العين إذا ذهب نورها أزرقت، قال الله تعالى: ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ أي عمياً عيونهم لا نور لها، ويؤيده قوله ﷺ في حديث آخر: ((فيفيض له أعمى وأصم)).
стр. 182
أسودان أزرقان يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير. فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال له: نم. فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم. فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وإن كان منافقاً قال: سمعت الناس يقولون قولا فقلت مثله، لا أدري. فيقولان: قد كنا نعلم انك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم
ــ
((خط)): النكير فعيل بمعنى مفعول من: نكر بالكسر، والمنكر مفعول من: أنكر، كلاهما ضد المعروف، سميا به؛ لأن الميت لم يعرفهما ولم ير صورة مثل صورتهما، وإنما صور بتلك الصورة القبيحة ونكر ليخاف الكافر ويتحير في الجواب، وأما المؤمنون فيريهم الله تعالى كذلك امتحاناً، ويثبتهم بالقول الثابت امتناناً، فلا يخافون؛ لأن من خاف الله تعالى في الدنيا، وآمن به، وبرسله، وبكتبه لم يخف في القبر. وقال في قوله: ((قد كنا نعلم إنك تقول هذا)): يعني قد رأينا فيك سيماء أهل الإيمان وشعاع أهل اليقين، فعلمنا فيك السعادة، وأن تجيبنا على وجه يحبه الله تعالى، وعكسه الكافر.
قوله: ((يفسح له في قبره سبعون ذراعاً)) والأصل فيه: يفسح له قبره مقدار سبعين ذراعاً، فجعل القبر ظرفاً للسبعين، وأسند الفعل إلى سبعين مبالغة. قوله: ((العروس)) يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في أعراسهما، يقال: رجل عروس، وامرأة عروس، وإنما مثل بنومة العروس؛ لأن الإنسان أعز ما يكون في أهله وذويه، وأرغد وأنعم وهو في ليلة الإعراس.
((مظ)): ((لا يوقظه إلا أحب أهله)) عبارة عن عزته وتعظيمه عند أهله، يأتيه غداة ليلة زفافه من هو أحب وأعطف فيوقظه، على الرفق واللطف. و ((حتى)) متعلقة بمحذوف، يعني ينام طيب العيش حتى يبعثه الله تعالى، و ((التأم)) إذا اجتمع، ((والاختلاف)) إدخال شيء في شيء، يعني يؤمر قبره حتى يقرب كل جانب منه إلى الجانب الآخر ويضمه ويعصره. وقوله: ((سمعت الناس)) أي المسلمين: يقولون: إنه نبي، فقلت مثل قولهم وما شعرت غير ذلك.
أقول: قوله: ((هو عبد الله ورسوله)) هو الجواب إيجازاً وإبهاماً، وقوله: ((الشهادتين)) إطناب وبسط للكلام إظهاراً لنشاطه وافتخاراً به، كما عكسه جواب الكافرين ((نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين)) عن سؤال ما تعبدون؟ ولأجل وفور نشاطه قال أيضاً: ((ارجع إلى أهلي فأخبرهم)) كما قال الله تعالى: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾. ويجوز أن يكون ((حتى)) في قوله: ((حتى يبعثه الله)) متعلقة بـ ((هم)) على الالتفات، أي نم كما ينام العروس حتى يبعثك الله، فالتفت وقال: حتى يبعثه.
стр. 183
عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك)). رواه الترمذي [١٣٠].
١٣١ - وعن البراء بن عازب، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((يأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولون له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولون له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولون: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولون له: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت؛ فذلك قوله: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) الآية. قال: فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، ويفتح. قال:
ــ
الحديث الثاني عن البراء ﵁: قوله: ((ما هذا الرجل؟)) أي ما وصف هذا الرجل؛ لأن ((ما)) يسأل به عن الوصف أي أرسول هو أم ما تقول في حقه؟ فإن قيل: قوله: ((قرأت كتاب الله فآمنت به)) يدل على أن الإيمان بالنبي ﵊ مسبوقاً بقرائته كتاب الله فهو غير مستقيم؛ لأنه ما لم يعرف صدق الرسول لم يعرف أن القرآن حق؟ قلنا: المراد قرأت كتاب الله، ورأيت ما فيه من الفصاحة والبلاغة ما يعجز عنه البشر، ويفوت دونه القوى والقدر – فعملت أنه ليس من كلام البشر فآمنت به، أو تفكرت فيما فيه من البعث على مكارم الأخلاق، وفواضل الأعمال، وما فيه من ذكر الغيوب والإخبار عن الأمم السالفة عن غير أن يسمعه من واحد، أو يقرأ كتاباً – فعلمت أنه من عند الله، وآمنت به، وذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفِي الآخِرَةِ﴾ قد سبق في الحديث الأول من هذا الباب أن ذلك إشارة إلى سرعة الجواب، وأنها مسببة عن تثبيت الله إياه، وههنا إشارة إلى السرعة مع السؤال المكرر، والجواب المبسوط من غير انقباض ودهشة، بل مع وفور نشاط واستبشار.
قوله: ((فأفرشوه)) بألف القطع أي اجعلوا له فرشاً من فرش الجنة، ولم نجد الإفراش على هذا المعنى في المصادر، وإنما هو أفرش أي أقلع عنه وأقفل، فأفرش بهذا اللفظ على هذا المعنى من الباب القياسي الذي ألحق الألف بثلاثيه، ولو كان من الباب الثلاثي لكان من حقه أن يروى بألف الوصل، والمعنى ابسطوا له، ولم يجد الرواية إلا بالقطع.
стр. 184
فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له فيها مد بصره. وأما الكافر فذكر موته، قال: ويعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان، فيجلسانه فيقولان: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري! فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري! فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري! فينادي مناد من السماء: أن كذب فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار. قال: فيأتيه م حرها وسمومها. قال: ويضيق عليه قبره حتى يختلف فيه أضلاعه، ثم يقيض له أعمى أصم، معه مرزبة من حديد، لو ضرب بها جبل لصار تراباً، فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين، فيصير تراباً، ثم يعاد فيه الروح)) رواه أحمد، وأبو داود [١٣١].
ــ
قوله: ((فيأتيه من روحها)) أي فيأتيه روحها على مذهب الأخفش، أو بعض روحها أو شيء من روحها، فلم يؤت به إلا ليفيد أنه مما لا يقادر قدره ولا يوصف كنهه.
قوله: ((ويفسح له فيها مد بصره)) أي مداه، وهي الغاية التي ينتهي إليها بصره فإن قيل: كيف التوفيق بين قوله: ((ويفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين)) وبين قوله: ((ويفسح له مد بصره))؟ قلنا: إنما عبر بقوله: ((ويفسح له)) عن توسيع مرقده عليه، ويقول: يفسح مد بصره عما يعرض عليه وينظر إليه من رياض الجنة وروحها، ويحتمل أن تكون الكلمتان عبارتين عن فسحة القبر.
قوله: ((فذكر موته)) يريد الراوي أن رسول الله ﵊ ذكر ألفاظاً في شأن موت الكافر، ثم قال: ((ويعاد روحه)) ((مظ)): ((هاه هاه)): هذه الكلمة يقولها المتحير في الكلام م الخوف والدهشة، و ((أن كذب)) أي كذب فيما قاله: ((لا أدري)) لأن دين الله، ونبوة رسوله ﷺ كان ظاهراً في مشارق الأرض ومغاربها، وتغلغل في كل بيت مدر ووبر. و ((أن)) يجوز أن تكون مفسرة لما في ((ينادي)) من معنى القول، وأن تكون مصدرية مجرورة لـ ((أن كذب)) فالعامل ((فأفرشوه)) والفاء في قوله تعالى: ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ – إلى قوله - فَلْيَعْبُدُوا﴾ وهي جواب شرط محذوف، وكذلك في ((أن صدق عبدي)) سمى المؤمن عبداً، وأضافه إلى نفسه تعالى
стр. 185
١٣٢ - وعن عثمان، ﵁، أنه كان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟! فقال: إن رسول الله ﷺ قال: ((إن القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه)). قال: وقال رسول الله ﷺ : ((ما رأيت منظراً قط إلا والقبر أفظع منه)) رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب [١٣٢].
١٣٣ - وعنه، قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، فقال:
ــ
تشريفاً له، بخلاف الكافر، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وأَنَّ الكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾.
((تو)): ((ثم يقيض)) أي يقدر، وأصل الكلمة من القيض وهو القشر الأعلى من البيض، فقولك: قيض الله لي فلاناً أي أباحه فاستولى على استيلاء القيض على البيض، و ((أعمى وأصم)) أي من لا يرى عجزه فيرجمه، ولا يسمع عويله فيرق له. وأما ((المرزبة)) فإن المحدثين يشددون الباء منها، والصواب تخفيفها، وإنما يشدد الباء إذا أبدلت الهمزة من الميم وهي الإرزبة، وهي التي يكسر بها المدر، وأنشد [الفراء]: ضربك بالمرزبة عود الشجر انتهى كلامه. وكرر إعادة الروح في الكافر لبيان شدة العذاب وفظاعته، ولأنه كان ينكر الإعادة في الدنيا، فيقال له: ذق هذا جزاء ما كنت تنكره؛ إلزاماً له وتبكيتاً، ولا يبعد أن يتمسك به من يقول: إن في القبر إماتتين وإحيايين، في تفسير قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾.
الحديث الثالث عن عثمان ﵁: قوله: ((إلا والقبر)) الواو للحال، والاستثناء مفرغ، أي ما رأيت منظراً وهو ذو هول وفظاعة ((إلا والقبر أفظع منه)) يقال: فظع الأمر بالفم فظاعة فهو فظيع أي شديد شنيع جاوز المقدار، وعبر بالمنظر عن الموضع مبالغة؛ فإنه إذا نفى الشيء مع لازمه ينتفي الشيء بالطريق البرهان، و ((فظع)) كلمة يؤكد بها النفي في الفعل الماضي، كما أن عوض يؤكد بها النفي في المستقبل.
الحديث الرابع عن عثمان ﵁: قوله: ((الميت)) التعريف للجنس، وهو قريب من
стр. 186
((استغفروا لأخيكم، ثم سلوا له بالتثبيت، فإنه الآن يسأل)) رواه أبو داود [١٣٣].
١٣٤ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنيناً، تنهسه وتلدغه حتى تقوم الساعة، لو أن تنيناً منها نفخ في الأرض
ــ
النكرات. ((سلوا له بالتثبيت)) اطلبوا من الله أن يثبته على جواب الملكين بالقول الثابت، وضمن ((سلوا)) معنى الدعاء، كما قال الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾ أي ادعوا له بدعاء التثبيت، أي قولوا: ثبته الله تعالى بالقول الثابت.
((خط)): في هذا الحديث دليل على أن الدعاء نافع للميت، وليس فيه دلالة على التلقين عند الدفن كما هو العادة، ولا نجد فيه أيضاً حديثاً مشهوراً، ولا بأس به؛ لأنه ليس فيه إلا ذكر الله تعالى، وعرض الاعتقاد على الميت، والحاضرين، والدعاء له وللمسلمين، والإرغام لمنكري الحشر، وكل ذلك حسن.
((مح)): اتفق كثير من أصحابنا على استحباب التلقين، منهم القاضي حسين نص في تعليقه ونقله عن الأصحاب، وصاحبه أبو سعيد المتولي في التتمة، والشيخ أبو الفتح نصر المقدرسي، والإمام الرافعي وغيرهم، قال النصر في (كتاب التهذيب): إذا دفن الميت يقف رأس القبر ويقول: يا فلان بن فلان! اذكر العهد الذي خرجت عليه من الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، قل: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالكعبة قبلة، وبالقرآن إماماً، والمسلمين إخواناً، ربي الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم. وروى الخراسانيون فيه حديثاً عن أبي أمامة ليس بالقائم إسناده، ولكن اعتضد بشواهد، منها الحديث المذكور، وأهل الشام يعملون به قديماً، وقال: لا يلقن الصغير إلى أن يبلغ الحنث، وذكر في الأذكار عن الشافعي وأصحابه: أنه يستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن، قالوا: وإن ختموا القرآن كله كان حسناً، وفي سنن البيهقي أن ابن عمر استحب أن يقرأ على القبر بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمتها.
الحديث الخامس عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((تنيناً ينهسه)) التنين نوع من الحيات كثير السم كبير الجثة. النهس واللدغ هنا بمعنى كرر للتأكيد أو لبيان أنواع العذاب. ((تو)): الوقوف على تخصيص فائدة العدد إنما يحصل بطريق الوحي، ويتلقن من قبل الرسول ﵊، ثم إنا نجد فيه وجهاً من طريق الاحتمال. روينا أن النبي ﵊ قال: ((إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن، والإنس، والبهائم، والهوام، فبها
стр. 187
ما أنبتت خضراً)) رواه الدارمي، وروي الترمذي نحوه، وقال: ((سبعون)) بدل ((تسعة وتسعون)). [١٣٤]
الفصل الثالث
١٣٥ - عن جابر، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ حين توفى، فلما صلى عليه رسول الله ﷺ ووضع في قبره وسوي عليه، سبح رسول الله ﷺ ، فسبحنا طويلاً، ثم كبر، فكبرنا. فقيل: يا رسول الله! لم سبحت ثم كبرت الله قال: ((لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرجه الله عنه)) رواه أحمد [١٣٥].
ــ
يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها يعطف الوحش على ولدها، وأخر تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده)) والكافر لما كذب أوامر الله تعالى ولم يؤد حق العبودية، أعد له مكان كل رحمة تنيناً تنهسه. ويحتمل أن يقال: إن لله تسعة وتسعين اسماً كل اسم منها دال على صفة يجب الإيمان بها، والكافر لما كفر بها حرم الله بها عليه أقسام رحمته في الآخرة، وسلط عليه مكان كل عدد منها تنيناً في قبره. وإن ذهب إلى أن النبي ﵊ عبر عما يلحق به من التبعات، وينزل به من المكروهات بالتنانين، ففيه من طريق العربية مساغ، ولكن الأخذ بالظواهر في أمثال هذا أولى بأولى الألباب. وأما استحالة ذلك من طريق المعقول؛ فإنها سبيل من لا خلاق له في الدين، والله يعصمنا من عثرة العقل، وفتنة الصدر، ويوفقنا السلوك بحجة الكتاب والسنة.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((على هذا العبد الصالح)) ((هذا)) إشارة إلى كمال تميزه ورفع منزلته، ثم وصفه بـ ((العبد)) ونعته بـ ((الصلاح)) لمزيد التخويف، والحث على الالتجاء إلى الله تعالى من هذا المنزل الفظيع، يعني إذا كان حال هذا العبد الصالح هذا فما بال غيره – تعريضاً بالمؤمنين – و ((حتى)) متعلق بمحذوف، أي ما زلت اكبر وأسبح ويكبرون ويسبحون حتى فرجه الله عنه.
стр. 188
١٣٦ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة، لقد ضم ضمة ثم فرج عنه)) رواه النسائي [١٣٦].
١٣٧ - وعن أسماء بنت أبي بكر، قالت: قام رسول الله ﷺ خطيباً، فذكر فتنة القبر التي يفتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك، ضج المسلمون ضجة. رواه البخاري هكذا، وزاد النسائي: حالت بيني وبين أن أفهم كلام رسول الله ﷺ ، فلما سكنت ضجتهم قلت لرجل قريب مني: أي بارك الله فيك! ماذا قال رسول الله ﷺ في آخر قوله؟ قال: ((قد أوحي إلى أنكم تفتنون في القبور قريباً من فتنة الدجال)) [١٣٧].
ــ
الحديث الثاني عن ابن عمر ﵄: قوله: ((هذا لذي)) المشار إليه سعد بن معاذ، و ((هو)) للتعظيم كما سبق في الحديث الأول. قوله: ((تحرك)) وفي آخر: ((اهتز)) أي اهتز العرش لموت سعد، وأصل الهز الحركة، واهتز إذا تحرك، واستعمله في معنى ((الارتياح)) أي ارتاح بصعوده واستبشر لكرامته على ربه، وكل من خف لأمر وارتاح له فقد اهتز له. وقيل أراد فرح أهل العرش بموته.
وأقول: يمكن أن يقال: إن تحرك العرش لفقده على طريقة قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ والأَرْضُ﴾.
((الكشاف)): إذا مات رجل خطير قالت العرب في تعظيم مهلكه: بكت عليه السماء والأرض، وأظلمت له الشمس، ورثى ابن جرير لعمر بن عبد العزيز وقال:
نعى النعاة أمير المؤمنين لنا يا خير من حج بيت الله واعتمرا
حملت أمراً عظيماً فاصطبرت له وقمت فيه بأمر الله يا عمرا
الشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
و ((شهده)) أي حضر جنازته، ولقد ضم اللام فيه جواب القسم، والتنكير في ((ضمة)) يحتمل التفخيم والتقليل والأول أظهر؛ لدليل تسبيح رسول الله ﷺ وتكبيره، واقتداء المؤمنين به، فعلى هذا ((ثم)) في قوله: ((ثم فرج عنه)) لتراخى مدة الضم.
الحديث الثالث عن أسماء: قوله: ((التي بفتن)) صفة للفتنة وبيان له، يعني ذكر الفتنة.
стр. 189
١٣٨ - وعن جابر، عن النبي ﷺ قال: ((إذا أدخل الميت القبر مثلت له الشمس عند غروبها، فيجلس يمسح عينيه، ويقول: دعوني أصلي)) رواه ابن ماجه [١٣٨].
١٣٩ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((إن الميت يصير إلى القبر، فيجلس الرجل في قبره من غير فزع ولا مشغوب. ثم يقال: فيم كنت؟ فيقول: كنت في الإسلام. فيقال: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول الله جاءنا بالبينات من عند الله، فصدقناه. فيقال له: هل رأيت الله؟ فيقول: ما ينبغي لأحد أن يرى الله، فيفرج
ــ
بتفاصيلها كما يجري على المرء في قبره، ومن ثم ضج المسلمون، وصاحوا، وجزعوا، و ((أي)) نداء يعني يا فلان بارك الله فيك، و ((قريباً)) صفته مصدر محذوف أي فتنة قريبة وذكر كما في قوله تعالى: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ﴾ يريد فتنة عظيمة، إذ ليس فيه أعظم من فتنة الدجال.
الحديث الرابع عن جابر: قوله: ((مثلت له)) أي صورت وخيلت، وذلك لا يكون إلا في حق المؤمن، ولعل ذلك عند نزول الملكين إليه. ويمكن أن يقال: إن ذلك بعد السؤال والجواب، تنبيهاً على رفاهيته. وفي قوله: ((يمسح عينيه)) إيماء إليها كأنه يظن أنه بعد في الدنيا، ويؤدي ما عليه من الفرائض، ويمنعه من قيامه بعض الأصحاب وذلك من رسوخه في أدائه ومداومته عليه في الدنيا، وإما لتخصيص ذكر الغروب]؛ فإنه مناسب للغريب؛ فإن أول منزل ينزله عند الغروب، والله أعلم بالمراد [قوله: ((عند غروبها)) حال من الشمس لا ظرف لمثلت، و ((يمسح)) حال من الضمير في يجلس، أي يجلس ماسحاً].
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((غير فزغ)) هو حال، و ((فزع)) صفة مشبهة يدل على المبالغة، ثم أكده بقوله: ((ولا مشغوب)) من الشغف وهو تهيج الشر والفتنة وقوله: ((وكنت في الإسلام)) دليل على غاية تمكنه من الجواب لأن الجواب [الظاهر] أن يقول: في الإسلام، و ((ما)) استفهام مبتدأ، و ((هذا الرجل)) الصفة والموصوف خبره، وقد سبق أن ((ما)) يسأل به عن الوصف، ولذلك سماه ووصفه، أي صاحب ذلك الاسم المفخم المشتهر لا يخفى على كل أحد، وهو أنه رسول الله ﵊، فقوله: ((رسول الله)) يحتمل أن يكون خبراً، و ((جاءنا)) جملة استئنافية مبينة للجملة الأولى، وأن يكون صفة و ((جاءنا)) خبراً، والأول أوجه.
стр. 190
له فرجة قبل النار، فينظر إليه يحطم بعضها بعضاً، فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله، ثم يفرج له فرجة قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: هذا مقعدك، على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله تعالى. ويجلس الرجل السوء في قبره فزعاً مشغوباً، فيقال: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري! فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: سمعت الناس يقولون قولا فقلته، فيفرج له قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: انظر إلى ما صرف الله عنك، ثم يفرج له فرجة إلى النار، فينظر إليها يحطم بعضها بعضا، فيقال له: هذا مقعدك، على الشك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله تعالى)) رواه ابن ماجه [١٣٩].
ــ
و ((هل رأيت الله؟)) هذا السؤال إنشاء من قوله: ((من عند الله)) أي كيف تقول: من عند الله؟ هل رأيت الله في الدنيا؟ ومن ثم أجاب بقوله: ((ما ينبغي لأحد أن يرى الله)). ((فيفرج له)) أي يكشف له فرجة، ويطرح ما يمنعه من النظر، ذكر ضمير البارز في ((إليه)) بتأويل العذاب وأنثها في قوله: ((بعضها)) نظراً إلى اللفظ و ((الحطم)) الحبس في الموضع المتضايق الذي يتحطم فيه الخيل، أي يدوس بعضها بعضاً. و ((إلى زهرتها)) حسنها وبهجتها وكثرة خيرها، و ((على اليقين)) حال، والعامل ما في حرف التنبيه من معنى الفعل المتضمن لصاحب الحال، أي أنبهك، والتعريف في ((اليقين)) للجنس، و ((كنت)) صفة له، وعلى هذا ينزل قوله على الشك والتقدير: أنبهك حال كونك ثابتاً أو مثبتاً على يقينك. ويمكن أن يقال: إن معنى ((على)) في الموضعين للوجوب، [يعني هذا موضعك، مقعدك حال كذبه واجباً على الله تعالى وعداً ووعيداً لسبب اليقين والشك ومعنى] ((إن شاء الله)) في الموضعين للتبرك، والتحقيق كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ والله أعلم بالصواب.
стр. 191
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
الفصل الأول
١٤٠ - عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) متفق عليه.
ــ
باب الاعتصام بالكتاب والسنة
العصمة المنعة، والعاصم المانع الحامي، والاعتصام الاستمساك بالشيء، افتعال منه، قال الله تعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ أي تمسكوا بالقرآن والسنة.
الفصل الأول
الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((من أحدث في أمرنا)) ((قض)): الأمر حقيقة في القول الطالب للفعل، مجاز في الفعل، والشأن والطريق، وأطلق ههنا على الدين، من حيث إنه طريقه، أو شأنه الذي يتعلق به، وهو متهم بشأنه بحيث لا يخلو عن شيء من أقواله وأفعاله. والمعنى أن من أحدث في الإسلام رأياً لم يكن له من الكتاب والسنة سند ظاهر أو خفي، ملفوظ أو مستنط - فهو مردود عليه.
أقول: في وصف الأمر بـ ((هذا)) إشارة إلى أن أمر الإسلام كمل واشتهر، وشاع وظهر ظهور المحسوس، بحيث لا يخفى على كل ذي بصر وبصيرة، كقوله تعالى: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾، فمن رام الزيادة عليه حاول آمراً غير مرضي؛ لأنه من قصور فهمه رآه ناقصاً. فعلى هذا يناسب أن يقال: قوله: ((فهو)) راجع إلى ((من)) أي من ابتغى الزيادة على الكمال فهو ناقص مطرود. وفي قوله: ((ما ليس منه)) إشارة إلى أن إحداث ما لا ينازع الكتاب والسنة - كما سنقرره بعد - ليس بمذموم. روى محيي السنة عن يحيى بن سعيد سمعت أبا عبيد ﵁ يقول: جمع النبي ﷺ جميع أمر الآخرة في كلمة: ﴿من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد﴾، وجميع أمر الدنيا في كلمة: ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾، فإنهما يدخلان في كل باب.
قوله: ((ما ليس منه)) هكذا في البخاري، والمسلم، والحميدي، والجامع، وشرح السنة، وفي بعض نسخ المصابيح، وفي بعضها، وفي المشارق: ((ما ليس فيه)).
стр. 192
١٤١ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)) رواه مسلم [١٤١].
ــ
الحديث الثاني عن جابر ﵁: قوله: ((أما بعد)) هاتان الكلمتان يقال لهما فصل الخطاب، وأكثر استعمالهما بعد تقدم قصة، أو حمد لله تعالى، والصلاة على النبي ﵊، والأصل أن يقال: أما بعد حمد الله تعالى، و ((بعد)) إذ أضيف إلى شيء ولم يقدم عليه حرف جر فهو منصوب على الظرف، وإذا قطع عنه المضاف إليه يبنى على الضم، والمفهوم منهما أنه ﵊ قال ذلك في أثناء خطبته ووعظه، وأنشد التوربشتي لسحبان:
لقد علم الحي اليمانون أنني إذا قلت: ((أما بعد)) أني خطيبها
((تو)): والفاء لازمة لما بعد ((أما)) من الكلام، لما فيها من معنى الشرط.
أقول: ((أما)) وضع للتفصيل، فلابد من التعدد، روى صاحب المرشد عن أبي حاتم: أنه لا يكاد يوجد في التنزيل ((أما)) وما بعدها إلا وتثنى أو تثلث، كقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾، و ﴿وأَمَّا الغُلامُ﴾، و ﴿وأَمَّا الجِدَارُ﴾ وعامله مقدر أي مهما يكن من شيء بعد تلك القصة؛ فإن خير الحديث كتاب الله، فالذي يتضمن القرينة السابقة قول الراوي في الحديث: ((إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين – ويفرق بين إصبعيه السبابة والوسطى – ويقول: ((أما بعد)) إلى آخره.
و ((الهدى)) السيرة، يقال: هدى هدى زيد، إذا سار سيرته، من: تهادت المرأة في مشيها إذا تبخترت. ولا يكاد يطلق إلا على طريقة حسنة، وسنة مرضية، ولذلك حسن إضافة الخير إليه، والشر إلى الأمور. واللام في ((الهدى)) للاستغراق؛ لأن أفعل التفضيل لا يضاف (إلا) إلى متعدد وهو داخل فيه؛ ولأنه لو لم تكن للاستغراق لم تفد المعنى المقصود، وهو تفضيل دينه وسنته على سائر الأديان والسنن. وروى ((شر الأمور)) بالنصب، عطفاً على اسم ((إن)) وبالرفع، عطفاً على محل ((إن)) مع اسمه.
و ((المحدثات)) – بالفتح – جمع محدثة، والمراد بها البدع والضلالات من الأفعال والأقوال. يعني كل خصلة أتى بها جديداً فهي مخالفة للسنة، وكل مخالفة للسنة ضلالة؛ فحينئذ يكون
стр. 193
١٤٢ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أبغض الناس إلى الله
ــ
قوله ﵊: ((وكل بدعة ضلالة)) [عطف على محذوف. ((مج)): قوله: ((كل بدعة ضلالة))] عام مخصوص، كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وقوله: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾، والمراد بها غالب البدعة.
و ((البدعة)) كل شيء عمل على مثال سابق، وفي الشرع: إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله ﵊. قال الشيخ المجمع على إمامته وجلالته أبو محمد عزالدين بن عبد السلام – ﵀ – في آخر كتاب القواعد: البدع منقسمة على خمسة: واجبة، كالاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله تعالى، وكلام رسوله ﷺ ؛ لأن حفظ الشريعة واجب، ولا يتأتى إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وكحفظ غريب الكتاب والسنة، وكتدوين أصول الفقه، والكلام في الجرح والتعديل، وتمييز الصحيح من السقيم.
ومحرمة كمذاهب الجبرية، والقدرية، والمرجئة، والمجسمة. والرد على هؤلاء من البدع الواجبة؛ لأن حفظ الشريعة من هذه البدع فرض كفاية.
ومندوبة، كإحداث الربط، والمدارس، وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول، وكالتراويح، والكلام في دقائق التصوف، وكمجمع المحافل للاستدلال في المسائل إن قصد بذلك وجه الله تعالى.
ومكروهة، كزخرفة في المساجد وتزويق المصاحف.
ومباحة، كالمصافحة عقيب الصبح، والعصر، والتوسيع في لذيذ المأكل، والمشرب، والملابس، والمساكن، وتوسيع الأكمام.
وقد اختلف في كراهية بعض ذلك، روى البيهقي عن الشافعي في كتاب مناقبه: المحدثات من الأمور ضربان: ما أحدث مما يخالف كتاباً، أو سنة، أو أثراً، أو إجماعاً فهذه البدعة الضلالة. وما أحدث من الخير مما لا خلاف فيه لواجد من المذكورات فهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر ﵁ في قيام شهر رمضان: ((نعمت البدعة هذه)) يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت ليس فيها رد لما مضى. هذا آخر كلام الشافعي ﵁. وهذا أيضاً آخر كلام الشيخ محيي الدين – رحمة الله عليه – في كتاب تهذيب الأسماء واللغات، والله أعلم.
الحديث الثالث عن ابن عباس ﵁: قوله: ((أبغض الناس)) المراد بالناس المسلمون؛ لقوله: ((ومبتغ في الإسلام)) يعني أبغض المسلمين إلى الله تعالى هؤلاء الثلاثة؛ لأنهم جمعوا بين الذنب وما يزيد به قبحاً من الإلحاد، وكونه في الحرام، وإحداث البدعة في الإسلام، وكونها من أمر الجاهلية، وقتل نفس لا لغرض من الأغراض، بل لمطلق كونه قتلا، كما يفعل شطار
стр. 194
ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه)) رواه البخاري.
١٤٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى)) قيل: ومن أبى؟ قال: ((من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)). رواه البخاري.
ــ
زماننا، وإليه الإشارة بقوله: ((ليهريق دمه)) ومزيد القبح في الأول باعتبار المحل، وفي الثاني باعتبار الفاعل، وفي الثالث باعتبار الفعل وفي كل من لفظي المطلب والمبتغى مبالغة أخرى، وذلك أن هذا الوعيد إذا ترتب على الطالب والمتمني فكيف بالمباشر للفعل؟ وإطلاق السنة على فعل الجاهلية إما وارد على أصل اللغة، أو على التهكم، وهي مثل النياحة، والميسر، والنيروز.
((قض)): الإلحاد الميل عن الصواب، ومنه اللحد، والملحد في الحرام من أحدث فيه جنابة، أو أتى فيه بمعصية، فهو مخالف لأمر الله، وهاتك لحرمته من وجهين، فهو أحق بالغضب على الإطلاق ومزيد البغضاء، وكذا الطالب في الإسلام سنة الجاهلية. وأما القاصد لقتل امرئ بغير حق فهو يقصد ما يكرهه الله تعالى من وجهين: من حيث أنه ظلم، والظلم على الإطلاق مكروه مبغوض، ومن حيث أنه يتضمن موت العبد، وهو يسوءه، والله يكره مساءته، فيستحق مزيد المقت.
و ((ليهريق)) أصله ليؤريق من أراق على الأصل، فأبدلت الهمزة هاء، يقال: هرقت الماء وأرقته، كما يقال: هردت الشيء وأردته. قال سيبويه: وقد أبدلوا من الهمزة هاء، ثم التزمت، فصارت كأنها من نفس الحرف، ثم أدخلت الألف على الهاء، - وتركت به الهاء – عوضاً عن حذفهم حركة العين؛ لأن الأصل أهرق أريق.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((كل أمتي يدخلون الجنة)) يحتمل أن يراد بالأمة أمة الدعوة، أي كلهم يدخلون الجنة على التفصيل السابق في باب الإيمان، و ((الآبي)) هو الكافر. أو يراد بها أمة الإجابة، فـ ((الآبي)) هو العاصي من أمته، استثناه تغليظاً عليهم، وزجراً عن المعاصي ((ومن أبى)). عطف على محذوف، أي عرفنا الذين يدخلون الجنة، ومن الذي أبى؟ أي والذي أبى لا نعرفه، وكان من حق الجواب أن يقال: من عصاني، فعدل إلى ما هو عليه تنبيهاً به على أنهم ما عرفوا ذلك ولا هذا، إذ التقدير: من أطاعني وتمسك بالكتاب والسنة دخل الجنة، ومن اتبع هواه، وزل عن الصواب، وضل عن الطريق المستقيم – فقد دخل النار. فوضع ((أبى)) موضعه وضعاً للسبب موضع المسبب. ويشد هذا التأويل إيراد محيي السنة هذا الحديث في باب الاعتصام بالكتاب والسنة، والتصريح بذكر الطاعة؛ فإن المطيع هو الذي يعتصم بالكتاب والسنة، ويجتنب عن الأهواء والبدع.
стр. 195
١٤٤ - وعن جابر، قال: جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلاً؛ فاضربوا له مثلاً. قال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا: مثله كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مأدبة وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل معه من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم
ــ
الحديث الخامس عن جابر: قوله: ((مأدبة)) ((فا)): المأدبة – بالضم – اسم للصنيع نفسه كالوليمة، وشبهها سيبويه بالمشربة، وغرضه أنها ليست كفعلة ومفعلة في كونهما بنائين للمصادر والظروف. و ((المأدبة)) – بالفتح – مصدر بمعنى الأدب، وهو الدعاء إلى الطعام، كالمعتبة بمنزلة العتب، أو عبيدة: ((المأدبة)) المدعاة، وهي صنيع الرجل لضيفه يدعو إليه الناس.: ((قض)): الحديث يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون حكاية سمعها جابر عن النبي ﷺ فحكاها، وثانيهما أن يكون إخباراً عما شاهده هو نفسه وانكشف له. وقول بعضهم: ((إنه نائم))، وقول بعضهم: ((إن العين نائمة، والقلب يقظان)) مناظرة جرت بينهما بياناً وتحقيقاً لما أن النفوس القدسية الكاملة لا يضعف إدراكها بضعف الحواس، واستراحة الأبدان.
و ((أولوها)) أي فسروا الحكاية أو التمثيل بمحمد ﵊، من: أول تأويلاً، إذا فسر بما يؤول إليه الشيء والتأويل في اصطلاح العلماء تفسير اللفظ بما يحتمله احتمالا غير بين. والفاء في ((فمن أطاع محمداً)) فاء السببية، أي لما كان الرسول يدعوهم إلى الله بأمره، وهو سفير من قبله، فمن أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله. و ((فرق)) روى بالتشديد على صيغة الفعل، وبالسكون على المصدر، وصف به للمبالغة كالعدل، أي هو الفارق بين المؤمن والكافر، والفاسق والصالح، إذ به تميز الأعمال والعمال.
أقول – وبالله التوفيق -: قوله: ((مثله كمثل رجل)) مطلع للتشبيه، وهو مبني على أن هذا التشبيه ليس من التشبيهات المفرقة، كقول امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً لدى وكرها العناب، والحشف البالي
شبه القلوب الرطبة بالعناب، واليابسة بالحشف على التفريق؛ بل هو من التمثيل الذي ينتزع فيه الوجه من أمور متعددة متوهمة منضم بعضها مع بعض، إذ لو أريد التفريق لقيل: مثله كمثل داع بعثه رجل، ومن ثم قدمت الملائكة في التأويل الدار على الداعي وعلى المضيف. روعي في التأويل أدب حسن، حيث لم يصرح المشبه بالرجل، لكن لمح في قوله: ((من أطاع الله)) ما يدل على أن المشبه من هو؟ ونظيره في التمثيل قوله تعالى: ﴿إنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ
стр. 196
يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. فقالوا: أولوها له يفقهها. قال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا: الدار الجنة، والداعي محمد، فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس رواه البخاري.
ــ
أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ﴾، ((الكشاف)): ولى الماء الكاف وليس الغرض تشبيه الدنيا بالماء ولا بمفرد آخر يتمحل، لتقديره ومما هو؟ بين في هذه قول لبيد:
وما الناس إلا كالديار وأهلها وبها يوم خلوها وغدوا بلاقع
لم يشبه الناس بالديار؛ وإنما شبه وجودهم فيها وسرعة زوالهم وفنائهم بحلول أهل الديار فيها، ووشك نهوضهم عنها وتركها خلا خاوية. وتحريره أن الملائكة مثلوا سبق رحمة الله تعالى على العالمين بإرساله الرحمة المهداة إلى الخلق، كما قال تعالى: ﴿ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلَاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ ثم إعداده الجنة للخلق، ودعوته صلوات الله عليه إياهم إلى الجنة ونعيمها وبهجتها، ثم إرشاده الخلق لسلوك الطريق إليها وإتباعهم إياه بالاعتصام بالكتاب والسنة المدليان إلى العالم السفلي، وكأن الناس واقعون في هواة طبيعتهم ومشتغلون بشهواتها، وأن الله يريد بلطفه رفعهم؛ فأدلى حبل القرآن والسنة إليهم، ليخلصهم من تلك الورطة؛ فمن تمسك بهما نجا وحصل في الفردوس الأعلى والجناب الأقدس عند مليك مقتدر، ومن أخلد إلى الأرض هلك وأضاع نصيبه من رحمة الله، بحال مضيف كريم بنى داراً وجعل فيها من ألوان الأطعمة المستلذة والأشربة المستعذبة ما لا يحصى ولا يوصف، ثم بعث داعياً إلى الناس يدعوهم إلى الضيافة، إكراماً لهم – فمن اتبع الداعي نال من تلك الكرامة، ومن لم يتبع حرم منها.
ثم إنهم وضعوا مكان حلول سخط الله بهم ونزول العقاب السرمدي عليهم قولهم: ((لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة)) لأن فاتحة الكلام سيق لبيان سبق الرحمة على الغضب، فلم يطابق إن لو ختم بما يصرح بالعذاب والغضب، فجاءوا بما يدل على المراد على سبيل الكناية.
((محمد فرق بين الناس)) كالتذييل للكلام السابق، لأنه مشتمل على معناه ومؤكد له. ثم في حضور الملائكة، ورجع بعض الكلام على بعض، وتمثيلهم ذلك، ووضعهم المظهر موضع المضمر في مواضع من الحديث، وتكرير الألفاظ مرة بعد أخرى، وفي تقديم المجمل ممثلا به وتأويله – دلالة على الإرشاد التام، وإزاحة [العلل]، وإيقاظ السامعين من رقدة الغفلة وسنة الجهالة، وحث لهم على الاعتصام بالكتاب والسنة، والإعراض عما يخالفهما من البدعة والضلالة، والله أعلم.
стр. 197
١٤٥ - وعن أنس قال: جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها؛ فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ ، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! فقال أحدهم:
ــ
الحديث السادس عن أنس: قوله: ((ثلاثة رهط)) ((فا)): الرهط العصابة دون العشرة، ويجمع على أراهيط، وقيل: هو يجمع على أراهط. وإنما جاء الرهط تمييزاً للثلاثة، لأنه في معنى الجماعة، كأنه قال: ثلاثة أنفس. وقيل: هم على، وعثمان بن مظعون، وعبد الله بن رواحة.
وقوله: ((تقالوها)) أي وجدوها قليلة، وهو تفاعل من القلة بمعنى استقلوها. ((مظ)): ظنوا أن وظائف رسول الله ﷺ كثيرة، فلما سمعوا عدوها قليلة، وقد راعوا الأدب حيث لم ينسبوه إلى القصير، بل أظهروا كماله ولاموا أنفسهم في مقابلتهم إياها بالنبي ﷺ . وفيه تعليم للمريد بأن لا ينظر إلى الشيخ بعين الاحتقار، وإن رأى عبادته قليلة يظهر عذره، ولئلم نفسه إن جرى منها إنكار على شيخه؛ لأنه من اعترض على شيخه لن يفلح. وفيه أن قلة وظائف النبي ﷺ كانت رحمة على الأمة وشفقة عليهم، كيلا يتضرروا؛ فإن لأنفسهم عليهم حقاً، ولأزواجهم حقاً؛ لأن الله تعالى خلق الإنسان محتاجاً إلى الطعام ليتقوى صلبه به، فيقوم على عبادة الله تعالى، ولابد للرجال من النساء لبقاء النسل، فيكثر به عباد الله تعالى، ويحصن دينه، وينفق عليها فيؤجر به.
((قض)): ((أين نحن من النبي ﷺ ) أي بيننا وبينه بون بعيد، فإنا على صدد التفريط وسوء العاقبة، وهو معصوم مأمون العاقبة واثق بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ ومَا تَأَخَّرَ﴾. وقوله: ((أما الله)) أي إني أعلم به وبما هو أعز لديه وأكرم عنه، فلو كان ما استأثرتموه من الإفراط في الرياضة أحسن مما أنا عليه من الاعتدال في الأمور لما أعرضت عنه. والذنب ماله تبعة دنيوية أو أخروية، مأخوذ من الذنب. ولما كان النبي ﷺ معاتباً بترك ما هو أولى تأكيداً للعصمة أطلق عليها اسم الذنب.
((رغب عن سنتي)) أي مال عنها استهانة وزهداً فيها لا كسلا وتهاوناً ((فليس مني)) أي من أشياعي. وأقول: قوله: ((أما أنا)) قد سبق أن ((أما)) للتفصيل، فلابد من تقدير قرينتها، كأنه قال: أما رسول الله ﷺ فمن خصه الله بالمغفرة فلا عليه أن لا يكثر العبادة، وأما أنا فلست كهيئته؛ فأصلى أبداً.
стр. 198
أما أنا فأصلي الليل أبدا. وقال الآخر: أنا أصوم النهار أبداً، ولا أفطر. وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء النبي ﷺ إليهم فقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)) متفق عليه.
١٤٦ - وعن عائشة، ﵂، قالت: صنع رسول الله ﷺ شيئاً، فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ؛ فخطب فحمد الله، ثم
ــ
وقوله: ((أنا أعتزل النساء)) من باب إطلاق المسبب على السبب، أي أنا أقصد اعتزال النساء ومجانبتها، فلا أتزوج أبداً، وكذا التقدير في ((أنا أصوم)) أي أنا أقصد الصوم وأدوم عليه ولا أفطر في النهار. و ((فقال)) عطف على محذوف، أي فجاء إلى أهله فأخبروه بما قالوا فقال، أو التقدير: فأوحى إليه بما جرى، فجاء إليهم فقال. وقوله: ((أنتم الذين)) أي أأنتم الذين، حذفت همزة الإنكار التي وليت الفاعل المعنوي المزال عن مقره، لمزيد الإنكار، كقوله تعالى: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾. فكما أكد هذه الفقرة أكد قرينتها، وهي قوله: ((أما والله إني لأخشاكم)) حيث صدرها بحرف التنبيه التي هي من طلائع القسم ومقدماتها، وقرنها بالقسم لتحقيق ما بعدها وإثباته في خلد السامع. و ((الله)) مفعول به ((لأخشاكم)) وأفعل لا يعمل في الظاهر إلا في الظرف. ((ولكني أصوم)) المستدرك مقدر أي أخشاكم لله فينبغي أن أقوم في الرياضة والعبادة إلى أقصى مداه، لكني أقصد منها فأصوم وأفطر، وأصلي وأرقد لتقتدي بي الأمة رحمة من الله.
قوله: ((فمن رغب عن سنتي)) كان من حق الظاهر: من رغب عن ذلك، فعم ليشمل كل ما جاء به وما أمر به ونهى عنه، و ((الفاء)) في ((فمن رغب)) متعلق بمحذوف، أي لكني أفعل ذلك لأسن للناظر الطريقة المثلى والسنة الكملى، فمن رغب عنها فليس مني و ((من)) في ((مني)) اتصالية، كما سبق في قوله: ((لست منك ولست مني)).
الحديث السابع عن عائشة: قوله: ((صنع رسول الله ﷺ ) ((غب)): الصنع إجادة الفعل؛ وكل صنع فعل ولا ينعكس. ولا ينسب إلى الحيوانات والجمادات كما ينسب إليها الفعل. ((خط)): ((يتنزهون)) يتباعدون ويحترزون. و ((أعلمهم بالله)) أي بعذاب الله وغضبه، يعني أنا أفعل شيئاً من المباحات، كالنوم، والأكل في النهار والتزوج، وقم يحترزون عنه، فإن احترزوا عنه لخوف عذاب الله تعالى فإني أعلم بقدر عذاب الله تعالى منهم، فأنا أولى أن أحترز
стр. 199
قال: ((ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟! فو الله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية)) متفق عليه.
١٤٧ - وعن رافع بن خديج، قال: قدم نبي الله ﷺ وهم يؤبرون النخل، فقال: ((ما تصنعون؟))، قالوا: كنا نصنعه. قال: ((لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً)). فتركوه؛ فنقصت. قال: فذكروا ذلك له. فقال: ((إنما أنا بشر؛ إذا أمرتكم بشيء من
ــ
عنه ((شف)): ((أصنعه)) في موضع النصب على الحال من ((الشيء)) ويجوز أن يكون مجروراً وصفاً له، لأنه منكر معنى كقوله ﷺ : ((يأتيه الأمر من أمرى)) أي أمر من أموري. وفيه بحث، لأن التعريف في ((الشيء)) للعهد وهو إشارة إلى قوله: ((شيئاً)) وهو فعل مخصوص تنزهوا عنه. فالحال أولى.
قوله: ((وأشدهم له خشية)) القياس وأخشاهم له، لأن التوصل بأشد إنما يكون في الممتنع، وهذا الفعل غير ممتنع بناء أفعل منه. أقول: هو كقوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ وفيه مبالغة، ذكر في الكشاف. وقوله: ((فخطب فحمد الله)) تقديره: أراد أن يخطب فحمد الله. و ((يتنزهون)) صفة ((أقوام)) وفي معناها الحال في قولك: مالك قائماً؟ وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقَارًا﴾. و ((فو الله)) وقع موقع ﴿وقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ فإنه حال من الضمير في ((لا ترجون)) مقررة لجهة الإشكال، أي ما لكم غير آملين لله وقاراً والحالة هذه؟ كذلك ((ما بالهم)) أي ما بالهم يتنزهون وأنا بين أظهرهم وأعلم بالله منهم؟ فهذه الفاء نظيره في قوله تعالى: ﴿أَفَإن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ وكان ينبغي لهم أن يجعلوا عدم تنزههم عن الرخص مسبباً عن عمله صلوات الله عليه فعكسوا، فأنكر عليهم. والله أعلم بالصواب.
الحديث الثامن عن رافع: قوله: ((يؤبرون)) الجوهري: أبر فلان نخله أي لقحه وأصلحه، وفي رواية طلحة بين عبيد الله ((يلقحونه)) يجعلون الذكر في الأنثى بلقح. وقوله: ((كنا نصنعه)) أي هذا دأبنا وعادتنا. وقوله: ((كان خيراً)) أي تتبعون فيما لا ينفع، كما جاء في تلك الرواية ((ما أظن)) يعني ذلك شيئاً، وأضاف الدين إليهم؛ لأن المراد إذا أمرتكم بما ينفعكم في أمر دينكم فخذوه، كقوله تعالى: ﴿ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾. وأوقع قوله: ﴿إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾ جزاء الشرط على تأويل وإذا أمرتم بشيء من رأى وأخطئ فلا تستبعدوه، فإنما أنا بشر أخطئ وأصيب. كما جاء
стр. 200
أمر دينكم فخذوا به؛ وإذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر)) رواه مسلم [١٤٧].
١٤٨ - وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوماً، فقال: يا قوم! إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان! فالنجاء النجاء. فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم،
ــ
في رواية أحمد: ((والظن يخطئ ويصيب)). وفي الحديث دلالة على أن رسول الله ﷺ ما التفت إلى الأمور الدنيوية قط، وما كان على بال منه، سوى الأمور الأخروية.
الحديث التاسع عن أبي موسى: قوله: ((إنما مثلى)) ((قض)): المثل الصفة العجيبة الشأن، أي صفتي وصفة ما بعثني الله به من الأمر العجيب الشأن كصفة رجل أتى قوماً وشأنه. و ((النذير العريان)) مثل سائر يضرب لشدة الأمر، ودنو المحذور، وبراءة المحذر عن التهمة، وأصله أن الرجل إذا رأى العدو قد هجم على قومه وأراد أن يفاجئهم وكان يخشى لحقوهم عند لحوقه تجرد عن ثوبه وجعله على رأس خشبة وصاح، ليأخذوا حذرهم، ويستعدوا قبل لحوقهم. و ((النجاء)) – بالمد – مصدر نجا إذا أسرع، يقال ناقة ناجية أي مسرعة، ونصبه على المصدر، أي انجوا النجاء، أو على الإغراء. و ((أدلجوا)) أي ساروا في الدلجة – وهي الظلمة – والدلجة أيضاً السير في الليل. وكذا الدلج – بفتح اللام – وادلجوا – بتشديد الدال – ساروا آخر الليل. والمهل – بالتحريك – الهينة والسكون، وبالسكون الإمهال. و ((اجتاحهم)) استأصلهم وأهلكهم. و ((الجائحة)) الهلاك، وسمى بها الآفة لأنها مهلكة.
روى الشيخ محيي الدين عن القاضي عياض: المعروف في صحيح البخاري إذا أفرد النجاء مد، وحكى أبو زيد فيه القصر أيضاً. أما إذا كرر ففيه المد والقصر أيضا. وقال محيي الدين: في جميع نسخ مسلم: ((مهلتهم)) بضم الميم وإسكان الهاء وبتاء بعد اللام، وفي الجمع بين الصحيحين: ((مهلهم)) بحذف التاء وفتح الميم والهاء، وهما صحيحان.
أقول: التشبيه من التشبيهات المفرقة، شبه ذاته ﵊ بالرجل، وما بعثه الله من إنذار القوم بعذاب الله القريب بإنذار الرجل قومه: بالجيش المصبح، وشبه من أطاعه من أمته ومن عصاه بمن كذب الرجل في إنذاره وصدقه. وفي قول الرجل: أنا النذير إلى آخره أنواع من التأكيد، أحدها بعيني؛ لأن الرؤية لا يكون إلا بها. وثانيها قوله: ((وأنا))، وثالثها العريان؛ فإنه دل على بلوغ النهاية في قرب العدو، وفي ذلك تنبيه على أنه الذي يختص في إنذاره بالصدق، والذي لا شبهة فيه، وهو الذي يحرص جداً على خلاص قومه من الهلاك. قال في
стр. 201
فنجوا. وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم. فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومن عصاني وكذب ما جئت به من الحق)). متفق عليه.
١٤٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثلي كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حولها، جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم
ــ
القرينة الأولى: فأطاعني، وقابله في الثانية: بكذب؛ ليؤذن بأن الإطاعة مسبوقة بالتصديق، ويشعر أن التكذيب مستتبع للعصيان، كأنه جمع في كل من الفقرتين بين المعنيين، وإلى المعنيين أشار بقوله ﵊: ((من أطاعني)) إلى آخره. وأتبع قوله: ((اجتاحهم)) قوله: ((أهلكهم)) إعلاماً بأنه أهلكهم عن آخرهم، فلم يبق منهم أحد. ((شف)): ذكر العينين إرشاد إلى أنه ﷺ تحقق عنده جميع ما أخبر عنه تحقق من رأى شيئاً بعينيه، لا يعتريه وهم ولا يخالطه شك. والله أعلم.
الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((استوقد)) بمعنى أوقد، ولكن الأول أبلغ، كعف واستعف. ((والإضاءة)) فرط الإنارة، واشتقاقه من الضوء، وهو ما انتشر من الأجسام النيرة، ويقال: أضاءت النار، وأضاءت غيرها، يتعدى ولا يتعدى، فإن جعل متعدياً يكون ((ما حوله)) مفعولا به، وإن جعل لازماً يجوز أن يكون ((ما حوله)) فاعلا له على تأويل الأماكن، ويجوز أن يكون فاعله ضمير النار، ((وما حوله)) ظرف، فيجعل حصول إشراق النار في جوانبها بمنزلة حصولها نفسها فيها مبالغة. وحول الشيء جانبه الذي يمكنه أن يحول إليه، أو سمى بذلك اعتباراً بالدوران والإطافة، ويقال للعام حول؛ لأنه يدور. وفي رواية مسلم: ((ما حولها)) فيكون الضمير راجعاً إلى النار. وفي رواية البخاري: ((ما حوله)) كما في التنزيل، والضمير راجع إلى المستوقد. والفراش ما يتعاقب في النار.
قوله: ((فيتقحمن فيها)) التقحم الإقدام والوقوع في الأمور الشاقة من غير تثبت. قوله: ((أنا آخذ بحجزكم)) الحجز جمع حجزة، وهي معقد الإزار والسراويل. قال الشيخ الإمام محيي الدين: ((أنا آخذ بحجزكم)) يروى بوجهين: أحدهما اسم فاعل بكسر الخاء وتنوين الذال، والثاني فعل مضارع بضم الخاء، والأول أشهر، وهما صحيحان.
стр. 202
تقحمون فيها)). هذه رواية البخاري، ولمسلم نحوها، وقال في آخرها: قال: ((فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار: هلم عن النار، هلم عن النار! فتغلبوني. تقحمون فيها)). متفق عليه.
ــ
قوله: ((هلم عن النار)) قال الخليل: أصله لم، أي لم أنفسكم إلينا بالقرب مناه، و ((هاء)) للتنبيه، وإنما حذفت ألفها لكثرة الاستعمال، وجعل اسماً واحداً يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث في لغة أهل الحجاز، قال الله تعالى: ﴿والْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنَا﴾. وقيل: أصله هل أم، أي هل لك في كذا، أمه – أي قصد؟ فركب [الكلمتان]، فقيل: هلم ومعناه هلم إلى، أعزب عن النار. ومحل ((هلم)) نصب على الحال من فاعل ((آخذ)) أي آخذ بحجزكم قائلا هلم.
قوله: ((فتغلبوني)) النون مشددة منه؛ لأن أصله فتغلبونني، فأدغم أحد النونين في الأخرى، والفاء فيه سببية على التعكيس، كالكلام في قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا وحَزَنًا﴾ وتقديره: أنا آخذ بحجزكم لأخلصكم عن النار، فعكستم وجعلتم الغلبة مسببة عن الأخذ. وقد ضرب رسول الله ﷺ المثل بوقوع الفراش إلى النار لجهله بما يعقبه التقحم فيها من الاحتراق والهلاك.
أقول: ولتحقير شأنها قال: ((وهذه الدواب))، كقوله تعالى: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً﴾، وقول عائشة ﵂ في حق عبد الله بن عمرو ﵁: ((عجبت لابن عمرو هذا)). وتخصيص ذكر الدواب والفراش لا يسمى دابة عرفاً لبيان جهلها، كقوله تعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ﴾ كل ذلك تعريض لطالب الدنيا المتهالك فيها، والتأنيث في ((هذه)) باعتبار الخبر لأنه جمع، ويجوز أن يراد بالفراش الجنس فيؤنث كما في قوله تعالى: ﴿وأَوْحَى رَبُّكَ إلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبَالِ بُيُوتًا﴾. وفي جعل رسول الله ﷺ المهلكات نفس النار في قوله: ((فأنا آخذ بحجزكم عن النار)) وضع للمسبب موضع السبب، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾.
واعلم أن تحقيق هذا التشبيه موقوف على معرفة معنى قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وذلك أن حدود الله هي محارمه ونواهيه، كما ورد: ((ألا! إن حمى الله محارمه، ورأس المحارم حب الدنيا وزينتها، واستيفاء لذاتها وشهواتها)) شبه إظهار تلك الحدود ببياناته الشافيه الكافية من الكتاب والسنة باستيقاد الرجل
стр. 203
ــ
النار، وشبه فشو ذلك الكشف في مشارق الأرض ومغاربها بإضاءة تلك النار ما حول المستوقد، وشبه الناس وعدم مبالاتهم بذلك البيان والكشف، وتعديهم حدود الله، وحرصهم على استيفاء تلك اللذات والشهوات، ومنع رسول الله ﷺ إياهم عنه بأخذ حجزهم – بالفراش التي يقتحمن في النار، ويغلبن المستوقد على دفعه إياها عن الاقتحام، وكما أن المستوقد كان غرضه من فعله انتفاع الخلق به من الاهتداء والاستدفاء وغير ذلك، والفراش بجهلها جعلت له سبباً لهلاكها – كذلك كان القصد بتلك البيانات اهتداء الأمة وانتهاؤها عما هو سبب هلاكهم، وهم مع ذلك لجهلهم جعلوهم موجبة لترديهم. وفي قوله: ((آخذ بحجزكم)) استعارة مثلت حالة منعه الأمة عن الهلاك بحالة رجل أخذ بحجرة صاحبه الذي يهوى أن يهوى في قعر بئر مردية.
وفي رواية البخاري: ((فأنا آخذ)) بالفاء، فالفاء فيه فصيحة، كما في قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ فإنه تعالى لما سال بقوله: ((أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً)) وأجابوا: لا، قال: فإذا كان كذلك ((فكرهتموه)) وكذلك أنه ﵊ لما قال: ((مثلي ومثل الناس)) أي صفتي وصفة الناس، ثم شرع في بيان المشبه به بقوله: ((مثل رجل)) إلى آخره، وعلم أنه ما يقابله على ما بيناها آنفاً – أتى بما هو أهم وأولى منها، وهو قوله: ((فأنا آخذ بحجزكم)) بالفاء، كأنه قيل: إذا صح هذا التمثيل، وأنا مثل المستوقد، وأنتم كالفراش تقتحمون في النار – فأنا آخذ بحجزكم، ولهذه الدقيقة التفت من الغيبة في قوله: ((مثل الناس)) إلى الخطاب في قوله: ((فأنا آخذ بحجزكم)) كما أنك إذا أخذت في حديث من لك عناية بشأنه، والحال أنه مشتغل بشيء يورطه في الهلاك، ثم أنك من غاية رأفتك عليه وشدة حرصك على نجاته تجد في نفسك أنه حاضر عندك فتتحرى خلاصه.
وفيه إشارة إلى أن الإنسان إلى النذر أحوج منه إلى البشير، ولذلك أفرده في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ وذلك أن جبلة الإنسان مائلة إلى الحظوظ العاجلة دون الآجلة، كما قال الله تعالى: ﴿كَلَاّ بَلْ تُحِبُّونَ العَاجِلَةَ (٢٠) وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ فأوجب قلعها أولا لتيمكن من تحري ما يزلفه إلى الله تعالى، ومن ثم قيل: التحلية بعد التخلية. وفي الحديث إظهار لرأفته ورحمته على الأمة، وحرصه على نجاتهم، كما قال الله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.
стр. 204
١٥٠ - وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا
ــ
الحديث الحادي عشر عن أبي موسى: قوله: ((الهدى والعلم)) أي الطريقة والعمل. روى: ((من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعداً)). و ((الغيث)) المطر، وإنما اختير الغيث على سائر أسماء المطر ليؤذن باضطرار الخلق إليه حينئذ، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ وقد كان الناس في الزمان الأول قبل المبعث وهم على فترة من الرسل، وقد امتحنوا بموت القلب ونضوب العلم، حتى أصابهم الله برحمة من عنده، فأفاض عليهم سجال الوحي السماوي، فأشبهت حالهم حال من توالت عليهم السنون، وأخلفتهم المحامل، حتى تداركهم الله بلطفه، وأرخت عليهم السماء، غير أنه كان حظ كل فريق من تلك الرحمة على ما ذكره من الأمثلة والنظائر، وإنما ضرب المثل بالغيث للمشابهة التي بينه وبين العلم، فإن الغيث يحيي البلد الميت، والعلم يحيي القلب الميت.
قوله: ((وكانت منها طائفة طيبة)) الطائفة من الشيء قطعة منه. قال الشيخ محي الدين: كذا هو في جميع نسخ مسلم: ((طائفة طيبة)). ووقع في البخاري: ((وكانت منها نقية)) قلبت الطاء بنون مفتوحة، ثم قاف مكسورة، ثم ياء مثناة من تحت مشددة، وهو بمعنى طيبة، هذا هو المشهور في روايات البخاري. و ((العشب والكلأ والحشيش)) كلها اسم للنبات، لكن الحشيش مختص باليابس، والعشب والكلا – مقصوراً – مختصان بالرطب، والكلأ – بالهمزة – يقع على اليابس والرطب، و ((الأجادب)) – بالجيم، والدال المهملة – هي الأرض التي لا تنبت كلأ. ((خط)): هي الأرض التي تمسك الماء، فلا يسرع فيه النضوب.
وقال الشيخ محي الدين عن بعضهم: إنما هي ((أخاذات)) بالخاء والذال المعجمتين جمع أخاذة، وهي الغدير الذي يمسك الماء، والضمير في ((بها)) يرجع إلى أجادب. قال المظهر: وفيه بحث يذكر. و ((القيعان)) بكسر القاف جمع قاع، وهو الأرض المستوية. ((فقه)) بضم القاف وكسرها، والمشهور الضم، إذا فهم وأدرك الكلام.
[مظ]: اعلم أنه ذكر في تقسيم الأرض ثلاثة أقسام، وفي تقسيم الناس باعتبار قبول العلم قسمين: أحدهما ((من فقه في دين الله – إلى آخره))، ((والثاني من لم يرفع بذلك رأساً)) يعني تكبر ولم يقبل الدين، يقال: لم يرفع فلان رأسه بهذا، أي لم يلتفت إليه من غاية تكبره، وإنما ذكره كذلك لأن القسم الأول والثاني من أقسام الأرض كقسم واحد من حيث إنه منتفع
стр. 205
تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)). متفق عليه.
ــ
به، وكذلك الناس قسمان: أحدهما من يقبل العلم وأحكام الدين، والثاني من لا يقبلهما هذا يوجب جعل الناس في الحديث على قسمين: أحدهما ينتفع به، والثاني: لا ينتفع. وأما في الحقيقة الناس على ثلاثة أقسام: فمنهم من يقبل العلم بقدر ما يعمل به، ولم يبلغ درجة الفتوى والتدريس وإفادة الناس، فهو القسم الأول، ومنهم من يقبل من العلم بقدر ما يعمل به، وبلغ أيضاً درجة الفتوى والتدريس وإفادة الناس، وهو القسم الثاني، ومنهم من لا يقبل العلم، وهو القسم الثالث.
أقول: اتفق الشارحون على الوجه الثاني، وظاهر الحديث ينصر الأول؛ لأن شطره الأول من التمثيل مركب من أمرين، وذلك أن ((أصاب منها طائفة)) معطوف على ((أصاب أرضاً)) والضمير في ((منها)) يرجع إلى مطلق الأرض المدلول عليه بقوله: ((أرضاً))، ثم قسمت الأرض الأولى – بحرف التعقيب في ((فكانت))، وعطف ((كانت)) على ((كانت)) – قسمين، فيلزم اشتمال الأرض الأولى على الطائفة الطيبة وعلى الأجادب، والثانية على عكسها، فالواو في ((وكانت)) ضمت وتراً إلى وتر، وفي ((أصابت)) شفعاً إلى شفع: نظيره قوله تعالى: ﴿ومَا يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ (١٩) ولا الظُّلُمَاتُ ولا النُّورُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ﴾.
((الكشاف)): الفرق بين عطف الإناث على الذكور، وعطف الزوجين على الزوجين أن الإناث والذكور جنسان مختلفان، إذا اشتركا في حكم لم يكن بد من توسطة العاطف بينهما، وأما العطف الثاني فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع، وكان معناه أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم.
وأيضاً أن أصل التمثيل مركب من أمرين: الهدى، والعلم، لتغايرهما في الاعتبار، ويعضده مراعاة معنى التقابل بين الكلامين، من إثبات إنبات الكلأ، وإمساك الماء في أحدهما، ونفيهما في الآخر على سبيل الحصر بقوله ﵊، ثم تعقبهما بالتفصيل في قوله: ((فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه)) إلى آخر الحديث؛ لأنه ذكر المثل فيه مرتين. ويؤيده ما ذكره الشيخ محيي الدين النواوي: أن ((رعوا)) بالراء من الرعي، هكذا هو في جميع نسخ مسلم، ووقع في البخاري: ((وزرعوا)) وكلاهما صحيح – انتهى كلامه.
وإنما قلنا: هذه الرواية تؤيد ما ذكرنا؛ لأن في الكلام لفاً ونشراً، فإن ((رعوا)) مناسب لـ ((أنبت الكلأ، وفشربوا، وسقوا الأجادب، وأمسكت الماء))، فيكون الضمير في ((نفع الله بها)) لأرض ومعنى كلاهما صحيح؛ لأن ((زرعوا)) أيضاً متعلق بالأول لا بالأجادب، فإنها لا تكفي الشرب والسقي فضلا عن الزرع، فعلى هذا قد ذكر في الحديث الطرفان: العالي في الاهتداء، والغالي في الضلال، فعبر عمن قبل هدى الله والعلم بقوله: ((فقه في دين الله – إلى آخره)) وكنى عمن أبى قبولها بقوله: ((لم يرفع بذلك رأساً)) وبقوله: ((لم يقبل هدى الله))؛ لأن الثاني عطف
стр. 206
١٥١ - وعن عائشة، قالت: تلا رسول الله ﷺ : (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ)، وقرأ إلى: (ومَا يَذَّكَّرُ إلَاّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ). قالت: قال رسول الله ﷺ : ((فإذا رأيت – وعند مسلم: رأيتم – الذين يتبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الذين سماهم الله، فاحذروهم)) متفق عليه.
ــ
تفسيري للأول، وترك الوسط، وهو قسمان: أحدهما الذي انتفع بالعلم في نفسه فحسب، والثاني لم ينتفع هو بنفسه، ولكن نفع الغير.
وفي الحديث إشعار بأن الاستعدادات ليست بمكتسبة، بل هي مواهب ربانية يختص بها من يشاء، وكمالها أن يفيض الله عليها من المشكاة النبوية، فإذا وجد من يشتغل بغير الكتاب والسنة وما والاهما علم أن الله لم يرد به خيراً، فلا يعبأ باستعداده الظاهر، وأن الفقيه هو الذي علم وعمل ثم علم، وفاقد أحدهما فاقد هذا الاسم، وان العالم العامل ينبغي أن يفيد الناس بعمله، كما يفيد بعلمه، ولو أفاد بالعمل فحسب لم يحظ منه بطائل، كأرض معشبة لا ماء فيها، فلا يمرأ مرعاها، ولو اقتصر على القول لأشبه السقي مجرداً من الرعي، فيشبه آخذه المستسقي، لو منعهما معاً كان كأرض ذات ماء وعشب حماها بعض الظلمة عن مستحقيها. قال:
ومن منح الجهال علما أضاعه ومن منع المستوجبين فقد ظلم.
الحديث الثاني عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((هن أم الكتاب)) سميت بها لأنها بينة في نفسها، مبينة لما عداها من المتشابهات، فهي كالأصل لهما، كما سميت مكة أم القرى لدحو الأرض منها. قد افتقرنا في بيان هذا الحديث إلى الكشف عن المراد بالمحكم والمتشابه، فيتضح المحق من المبطل من أبواب التأويل، فنقول – وبالله التوفيق -: المراد بالمحكم ما اتضح معناه، والمتشابه بخلافه؛ لأن اللفظ الذي يفيد معنى إما أن يحتمل غيره أو لا، الثاني النص، والأول إما أن تكون دلالته على ذلك المعنى راجحة أو لا، والأول هو الظاهر، والثاني إما أن تكون مساوية أو لا، والأول هو المجمل، والثاني المؤول؛ فالمشترك بين النص والظاهر هو المحكم، وبين المجمل والمؤول هو المتشابه. هكذا ينبغي أن يقسم؛ لأنه تعالى أوقع المحكم مقابلا للمتشابه في قوله تعالى: ((مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)) وهو ما لم يتضح معناه، فالواجب أن يفسر المحكم بما يقابله مما يتضح معناه.
ويعضد ما ذكرنا أسلوب الآية، وهو الجمع بين التفريق والتقسيم. وذلك أنه تعالى لما فرق ما جمع في معنى الكتاب بأن قال: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أراد أن يضيف إلى كل منهما ما يناسبهما من الحكم، قال أولا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ وثانياً: ﴿والرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا﴾ وكان من الظاهر أن
стр. 207
١٥٢ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: هجرت إلى رسول الله ﷺ يوماً، قال:
ــ
يقال: فأما الذين في قلوبهم استقامة فيتبعون المحكم. فوضع موضع ذلك: ((الراسخون في العلم يقولون آمنا)) وإنما وضع ((يقولون آمنا)) موضع ((يتبعون المحكم)) لإيثار لفظ الرسوخ في الابتداء؛ لأن الرسوخ في العلم لا يحصل إلا من بعد التتبع التام، والاجتهاد البليغ، فإذا استقام القلب على سبيل الرشاد، ورسخ القدم في العلم – أفصح صاحبه النطق بالقول الحق إرشاداً للخلق، وكفى بدعاء الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا﴾ شاهداً على أن ﴿والرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ﴾ مقابل لقوله: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾.
وفيه أيضاً إشارة إلى أن الوقف ((على الله)) والابتداء بقوله: ((والراسخون)) وقف تام، إلى أن علم بعض المتشابه مختص بالله تعالى، وأن من حاول معرفته هو الذي أشار إليه ﵊ بقوله: ((إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله زائغين، فاحذروهم)). وقوله: ((رأيت)) وقع في صحيح البخاري بفتح التاء وكذا في بعض نسخ المصابيح على الخطاب العام، ومن ثم جمعه في قوله: ((فاحذروهم)) ويؤيده رواية مسلم: ((رأيتم)). وفي بعضها بكسر التاء خطابا لأم المؤمنين، فيكون ((فاحذروهم)) على أسلوب قوله تعالى: ﴿ْيَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ لأنها أم المؤمنين بياناً لشرفها وغزارة علمها. ((الكشاف: كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان! افعلوا كيت وكيت، إظهاراً لتقدمه، واعتباراً لترؤسه.
((تو)): المتشابه الذي يحذر منه، هو صفات الله تعالى التي لا كيفية لها، وأوصاف القيامة التي لا سبيل إلى إدراكها بالقياس والاستنباط، ولا سبيل إلى استحضارها في النفوس، إلا أنها معرفة على لسان الشارع. وسئل مالك بن أنس عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. السجاوندي: العقل مبتلى باعتقاد حقيقة المتشابه كابتلاء البدن بأداء العبادات، فالحكيم إذا صنف كتاباً ربما أجمل فيه إجمالاً؛ ليكون موضع جثو المتعلم لأستاذه، والملوك يكثر في أمثلتهم علامات لا تدركها العقول. وقيل: لو لم يبتل العقل الذي هو أشرف لاستمر العالم في أبهة العلم على المرودة، وما استأنس إلى التذلل بغير العبودة، والمتشابه هو موضع جثو العقول
стр. 208
فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله ﷺ يعرف في وجهه الغضب، فقال: ((إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب)). رواه مسلم. [١٥٢]
١٥٣ - وعن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم على الناس، فحرم من أجل مسألته)). متفق عليه.
ــ
لبارئها استسلاماً واعترافاً بقصورها والتزاماً – انتهى كلامه.
وأما قوله: ﴿ومَا يَذَّكَّرُ إلَاّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ فهو تعريض بالزائغين، ومدح للراسخين، يعني من لم يذكر ولم يتعظ ويتبع هواه ليس من أولي الألباب، ومن ثم قال الراسخون: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ﴾ خضعوا لبارئهم لاستنزال العلم اللدني، واستعاذوا به من الزيغ النفساني. والله أعلم.
الحديث الثالث عشر عن عبد لله بن عمرو: قوله: ((هجرت)) التهجير السير في الهاجرة، وكذلك التهجر، ومنه قول النابغة: خليلي غضا ساعة وتهجرا.
((مظ)): لعل خروجه في هذا الوقت ليدركه ﵊، ويستفد منه عند خروجه من الحجرة، فلا يفوت منه شيء مما يصدر عنه ﵊ من الأقوال والأفعال. وفيه تحريض على تحمل مشقة الحرارة وغيرها، والإسراع إلى المسجد، وطلب العلم.
((مح)): حذر رسول الله ﷺ عن اختلاف يؤدي إلى الكفر والبدعة، كاختلاف اليهود والنصارى، وذلك مثل الاختلاف في نفس القرآن، أو في معنى لا يسوغ فيه الاجتهاد، أو فيما يوقع في شك، أو شبهة، وفتنة، وخصومة، وأما اختلاف استنباط فروع الدين منه، ومناظرة أهل العلم فيه على سبيل الفائدة، وإظهار الحق، واختلافهم في ذلك – فليس بمنهى عنه، بل هو مأمور به، وفضيلة ظاهرة، وقد أجمع المسلمون من عهد الصحابة إلى الآن على ذلك.
الحديث الرابع عشر عن سعد ﵁: قوله: ((إن أعظم المسلمين جرماً)) فرع على قوله: ((أجرم المسلمين)) وفيه من المبالغة أنه جعل نفسه عظيماً ففخم، ثم فسره
стр. 209
١٥٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم)). رواه مسلم. [١٥٤]
ــ
بقوله: ((جرماً)) ليدل على أن الأعظم نفسه جرم، كقوله تعالى: ﴿وفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًًا﴾. ((وفي المسلمين)) أي في حقهم وجهتهم، وإنما كان أعظم لأن سراية هذا الضرر عمت المسلمين إلى انقراض العالم. وبيان ذلك أن القتل وإن كان اكبر الكبائر بعد الشرك فإنه يتعدى إلى القاتل، أو إلى عاقلته، أو إلى قبيلته، ولكن جرم من حرم ما سئل عنه لأجل مسألته، فإنه تعدى في سائر المسلمين، فلا يمكن أن يوجد جرم ينتهي في معنى العموم إلى هذا الحد.
السؤال في كتاب الله تعالى، وفي الحديث نوعان: أحدهما ما كان على طريق التكلف والعنت، وهو مكروه ينهى عنه، وكل ما كان من هذا الوجه ووقع السكوت عن جوابه فإنما هو ردع وزجر للسائل، فإن وقع الجواب عنه فهو عقوبة وتغليظ.
((مظ)): هذا في حق من سأل عبثاً وتكلفاً كمسألة بني إسرائيل في بيان البقرة؛ دون من يسأل سؤال حاجة، فهو مثاب، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ واحتج بهذا الحديث من يذهب إلى أن أصل الأشياء قبل ورود الشرع بها على الإباحة، حتى يقوم دليل على الحظر.
الحديث الخامس عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الدجالون)) المزورون الملبسون، سمى دجالا لتمويهه على الناس، وتلبيسه الباطل بما يشبه الحق. يقال: دجل إذا موه ولبس. ((تو)): يقول: سيكون جماعة يقولون للناس: نحن علماء ومشايخ، وندعوكم إلى الدين، وهم كاذبون في ذلك، ويتحدثون بالأحاديث الكاذبة، ويبتدعون أحكاماً باطلة، واعتقادات فاسدة، ((فإياكم)) أي احذروهم، انتهى كلامه.
قيل: يجوز أن تحمل ((الأحاديث)) على المشهور عند المحدثين، فيكون المراد بها الموضوعات وأن يراد بها ما هو بين الناس، أي يحدثونكم بالذي ما سمعتم عن السلف من علم الكلام، فإنه لم يتكلم فيه الصحابة والتابعون.
قال محيي السنة في شرح السنة: واتفق علماء السلف من أهل السنة على النهي عن الجدال والخصومات في الصفات، وعلى الزجر عن الخوض في علم الكلام وتعلمه. سأل رجل عمر بن
стр. 210
ــ
عبد العزيز عن شيء من الأهواء، فقال: ألزم دين الصبي في الكتاب والأعرابي، واله عما سوى ذلك.
وقال مالك بن أنس: وإياكم والبدع، قيل: يا أبا عبد الله! وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله، وصفاته، وكلامه، وعلمه، وقدرته، لا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وقال: لو كان الكلام علماً لتكلم فيه الصحابة والتابعون، كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل.
وسئل سفيان الثوري عن الكلام فقال: دع الباطل، أين أنت من الحق؟ اتبع السنة ودع البدعة. وقال: وجدت الأمر في الإتباع، وقال: عليكم بما عليه الجمالون، والنساء في البيوت، والصبيان في الكتاب من الإقرار والعمل.
وقال الشافعي: لأن يبتلى المرء بما نهى الله عنه خلا الشرك بالله خير من أن يبتلى بالكلام. وقال: حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك السنة والكتاب، وأخذ في الكلام.
فإن قلت: كيف الجمع بين هذا الذم البليغ في أمر الكلام، وبين قول الشيخ محيي الدين فيما سبق: إن علم الكلام من البدع الواجبة؟ قلت: إن الوجوب من حيث الضرورة من غلو المبتدعة والملاحدة، فحينئذ واجب على المسلمين دفعهم، ورفع شبههم، والمحذور جعله صنعة وعادة، ولهذا كان تعلم علم الكلام من فروض الكفايات كسائر الصناعات المباحة، وشبه حجة الإسلام المتكلم (بالدرقة).
قوله: ((لا يضلونكم ولا يفتنونكم)) النون مانعة عن أن يكون جواباً للأمر، ففيه وجهان أحدهما: أن يكون إخباراً، فكأنه لم قيل لهم: احذروا أنفسكم عنهم، واحذروهم أن يتعرضوا لكم، قيل: ماذا يكون بعد الحذر؟ فأجيب لا يضلونكم، كقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ إذا قرئ بالرفع على إرادة الإخبار، وينصره قراءة أبي حيان: لا يضيركم. وثانيهما: أن يكون خبراً بمعنى النهي، كقوله تعالى: ﴿وإذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلَاّ اللَّهَ﴾ وهذا أبلغ من صريح النهي، كأن المطلوب قد حصل، وهو يخبر عن حصوله، فيكون النهي تأكيداً للأمر، كأنه قيل: احذروهم ولا تتعرضوا، لما إن تعرضتم له يضلونكم كقوله تعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لَاّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَاّ يُؤْمِنُ بِهَا﴾.
стр. 211
١٥٥ - وعنه، قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : ((لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم و (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ ومَا أُنزِلَ إلَيْنَا))) الآية. رواه البخاري.
١٥٦ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)) رواه مسلم. [١٥٦]
ــ
الحديث السادس عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا تصدقوا أهل الكتاب)) يعني إذا حدثت اليهود والنصارى بشيء من التوراة والإنجيل لا تصدقوهم، لعلهم حدثوكم بما هو محرف ومختلط منهما، ولا تكذبوهم أيضاً لاحتمال أن يكونوا حقا وصدقاً، بل قولوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ ومَا أُنزِلَ إلَيْنَا ومَا أُنزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ﴾ الآية، إن كان حقا آمنا به لأنا آمنا بجميع الرسل، وبما أنزل إليهم من الله تعالى، وإن لم يكن حقا فلا نؤمن به، ولا نصدقه أبداً. ((حس)): هذا أصل في وجوب التوقف عما يشكل من الأمور والعلوم، فلا يقضي فيه بجواز ولا بطلان، وعلى هذا كان السلف. سئل عثمان ﵁ عن الجمع بين الأختين من ملك اليمين، قال: أحلتهما آية، وحرمتهما آية. ولم يقض فيه بشيء.
الحديث السابع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((كفى بالمرء كذباً)) ((مظ)): ((كذباً)) منصوب على التمييز، و ((أن يحدث)) فاعل ((كفى)) و ((بالمرء)) مفعوله، يعني لو لم يكن للرجل كذب إلا تحدثيه بكل ما سمع – من غير تبينه أنه صدق أو كذب – يكفيه وحسبه من الكذب؛ لأن الرجل إذا تحدث بكل ما سمع لم يخلص من الكذب؛ لأن جميع ما يسمع الرجل لا يكون صدقاً، بل يكون بعضه كذباً. وهذا زجر عن التحدث بشيء لم يعلم صدقه، بل يلزم على الرجل أن يبحث في كل ما سمع من الحكايات والأخبار، وخاصة من أحاديث الرسول ﵊، فإن علم صدقه يتحدث، وإلا فلا يتحدث.
أقول: لعل محيي السنة مال إلى أن الحديث ورد في الأحاديث النبوية خاصة، حيث أورد هذا الحديث في باب الاعتصام بالكتاب والسنة، ويعضده ما روي: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)).
стр. 212
١٥٧ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من نبي بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له في أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويتقدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن
ــ
الحديث الثامن عشر عن ابن مسعود: قوله: ((في أمته قبلي)) ((تو)): هذا الحرف أعنى ((في أمة)) وجدنا في نسخ المصابيح ((في أمته)) بزيادة هاء، ونحن نرويه بغير هاء عن كتاب مسلم وغيره، وهو الصواب، والأمثل في فصيح الكلام.
قال المؤلف: وقد وجدت في كتاب الحميدي والجامع والمشارق بغير هاء، وفي صحيح مسلم كما في المصابيح.
((مظ)) الرواية بالهاء أصح. وأقول: إن قوله: ((نبي)) نكرة، والمناسب أن يؤتى ((أمة)) نكرة، إذ المعنى ما من نبي من الأنبياء في أمة من الأمم، لاقتضاء ((ما)) النافية و ((من)) الاستغراقية ذلك، ولأن قوله: ((كان له من أمته)) عبارة عن النكرة، فهو كالتعريف باللام بعد النكرة.
((الحواري)) الناصر، وأصله أن أصحاب عيسى ﵇ كانوا قصارين يبيضون الثياب، فلما صاروا أنصاره قيل لكل ناصر لنبيه: حواري، وهو الوجه المستقيم؛ لأنهم خلصان الأنبياء، ولأن حواري الرجل صفوته وخالصته الذي أخلص ونقى من كل عيب. و ((الخلف)) بالتحريك والتسكين، وخص الأول بالخلف الصدق، والثاني بالسوء، ويجمع خلف على أخلاف، كسلف وأسلاف، وخلف على خلوف، كعدل وعدول، والمعنى أنه يجيء من بعد أولئك السلف الصالح أناس لا خير فيهم، ولا خلاق لهم في أمور الديانات.
وقوله: ((حبة خردل)) يعني أدنى مراتب أهل الإيمان تضطرب قلوبهم لظهور المنكر، ويكون منه في جهد وعناء، حتى لا يستقر، ولا ينقطع النزاع عنها، فإن استقرت على ذلك وانقطع عنها النزاع الذي هو حق الإيمان وسمت المؤمنين وسمتهم – أذنت بأنها خالية عن القوى الإيمانية، عرية عن الصفات النورانية.
وأقول: إن ذهب إلى الرواية الصحيحة يكون ((من قبلي)) صفة ((أمة))، وإلى الأخرى يجوز أن يتعلق بـ ((نعت))، أو يكون حالا من ((أمته))، و ((أصحاب)) يجوز أن يكون عطفاً تفسيرياً على ((الحواريون))، وأن يكون الأصحاب غير الحواريين. و ((ثم)) ههنا يجوز أن يجري على الحقيقة، وعلى معنى البعد في المرتبة. والضمير في ((أنها)) للقصة، والجملة بعدها مفسرة لها، وصف الخلوف بوصفين مقابلين، لما وصف الأصحاب بهما فهم تصلفوا، حيث قالوا: فعلنا ما أمرنا به من واجبات الدين، وفضائل الأعمال، ولم يفعلوا شيئاً من ذلك، بل فعلوا ما نهوا عنه، وهو
стр. 213
جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) رواه مسلم [١٥٧]
١٥٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من دعا إلى هدى كان له
ــ
المعنى بقوله: ((ويفعلون ما لا يؤمرون)) إذ فعل ما لم يؤمر به شرعاً من البدع المنهي عنها، ومنه قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ بخلاف السلف الصالح؛ فإنهم لا اقتدوا بهدي نبي الله انخرطوا في سلك الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
والفاء في ((فمن جاهدهم)) جزاء شرط محذوف، والتنكير في ((مؤمن)) للتنويع، فإن الأول دل على كمال الإيمان، والثالث عن نقصانه، والمتوسط على القصد فيه، وفي ((حبة خردل)) على نفيه بالكلية، وهي اسم ليس، و ((وراء ذلك)) خبره، و ((من الإيمان)) صفتها، قدمت فصارت حالا منها. وذهب المظهر إلى أن الإشارة بذلك إلى الإيمان في المرتبة الثالثة، ويحتمل أن يشار به إلى المذكور كله، أي ليس وراء ما ذكرت من مراتب الإيمان مرتبة قط؛ لأن من لم ينكر بالقلب رضي بالمنكر، والرضي بالمنكر كفر، فتكون هذه الجملة المصدرة بليس معطوفة على الجملة قبلها بكمالها.
الحديث التاسع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من دعا إلى هدى)) ((قض)): أفعال العباد وإن كانت غير موجبة ولا مقتضية للثواب والعقاب بذواتها إلا أنه تعالى أجرى عادته بربط الثواب والعقاب بها ارتباط المسببات بالأسباب، وفعل العبد ما له تأثير في صدوره بوجه، فكما يترتب الثواب والعقاب على ما يباشره ويزاوله، يترتب كل منهما على ما هو سبب عن فعله. كالإرشاد إليه، الحث عليه، ولما كانت الجهة التي بها استوجب المسبب للأجر والجزاء غير الجهة التي استوجب بها المباشر – لم ينقص أجره من أجره شيئاً.
أقول: ((هدى)) وهو إما الدلالة الموصلة إلى البغية، أو مطلق الإرشاد، وهو في الحديث ما يهتدي به من الأعمال الصالحة، وهو بحسب التنكير مطلق شائع في جنس ما يقال له: هدى، يطلق على القليل والكثير، والعظيم والحقير، فأعظمه هدى من دعا إلى الله، وعمل صالحا، وقال إنني من المسلمين، وأدناه هدى من دعا إلى إماطة الأذى عن طريق المؤمنين، ومن ثم عظم شأن الفقيه الداعي المنذر، حتى فضل واحد منهم على ألف عابد؛ لأن نفعه يعم الأشخاص
стр. 214
من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً. ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه. لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)) رواه مسلم [١٥٨]
١٥٩ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((بدأ الإسلام غريباً، وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء)) رواه مسلم [١٥٩].
ــ
والأعصار إلى يوم الدين، ونرجو من رحمة الله وكرمه أن يكون سعينا في هذا الكتاب منتظماً في هذا السلك، ويرحم الله عبداً قال: آمينا.
الحديث العشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بدأ الإسلام)) ((مح)): بدأ بالهمزة من الابتداء، كذا ضبطناه. ((تو)): يريد أن الإسلام لما بدأ في أول الوهلة نهض بإقامته والذب عنه أناس قليلون من أشياع الرسول ﷺ ، ونزاع القبائل فشردوهم عن البلاد، ونفوهم عن عقر الديار، يصبح أحدهم معتزلا مهجوراً، ويبيت منتبذاً وحداناً كالغرباء، ثم يعود آخراً إلى ما كان عليه، لا يكاد يوجد من القليلين إلا الأفراد. ويحتمل أن تكون المماثلة بين الحالة الأولى والحالة الأخيرة لقلة من كانوا يتدينون به في الأول، وقلة من كانوا يعملون به في الآخر، فطوبى للغرباء المتمسكين بحبله المتشبثين بذيله.
أقول: لا يخلو إما أن يستعار الإسلام للمسلمين، فالغربة هي القرينة، فيرجع معنى الوحدة والوحشة إلى نفس المسلمين، وإما أن يجري الإسلام على الحقيقة، فالكلام فيه على التشبيه، والوحدة والوحشة باعتبار ضعف الإسلام وقلته، فعلى هذا ((غريباً)) إما حال، أي بدأ الإسلام مشابهاً للغرباء، أو مفعولا مطلقاً، أي الإسلام ظهر ظهور الغرباء حين بدأ فريداً وحيداً، لا مأوى له، حتى تبوأ دار الإسلام أعنى طيبة، فطوبى له وطاب عيشاً، ثم أتم الله نوره، فانبث في الآفاق فبلغ مشارق الأرض ومغاربها، فيعود في آخر الأمر وحيداً فريداً شريداً إلى طيبة كما بدأ، فطوبى له ولهفى عليه، كما ورد: ((الإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها)) فعلى هذا ((طوبى)) ترشيح الاستعارة والله أعلم.
стр. 215
١٦٠ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها)). متفق عليه.
وسنذكر حديث أبي هريرة: ((ذروني ما تركتكم)) في كتاب المناسك، وحديثي معاوية وجابر: ((لا يزال من أمتي)) و (الآخر): لا يزال طائفة من أمتي)) في باب: ثواب هذه الأمة، إن شاء الله تعالى.
الفصل الثاني
١٦١ - عن ربيعة الجرشي، قال: أتى نبي الله ﷺ ، فقيل له: لتنم عينك،
ــ
الحديث الحادي والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ليأرز)) أي ينضم إليها وينقبض، يقال: أرز يأرز أرزاً أروزاً. ومنه الأروز للبخيل، سمي به لأنه ينقبض إذا سئل، والمأرز الملجأ أيضاً. قيل: يحتمل أن يكون هذا إخباراً منه ﷺ عما كان في ابتداء الهجرة، ويحتمل أنه أخبر عن آخر الزمان حين يقل الإسلام، فينضم إلى المدينة، فيبقى فيها، شبه الإيمان وفرار الناس من آفات المخالفين والتجاءهم إلى المدينة – بانضمام الحية في حجرها، ولعل هذه الدابة أشد فراراً وانضماماً من غيرها، فشبه بها بمجرد هذا المعنى، فإن المماثلة يكفي في اعتبارها بعض الأوصاف، والله أعلم.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن ربيعة قوله: ((أتى)) ((مظ)): أي أتى ملك إلى رسول الله ﷺ وقال له ذلك، ومعناه لا تنظر بعينك إلى شيء، ولا تصغ بأذنك إلى شيء، ولا تجر شيئاً في قلبك، أي كن حاضراً حضوراً تاماً لتفهم هذا المثل، فأجابه رسول الله ﷺ بأني قد فعلت ما تأمرني، ((فقيل لي)) أي قال ذلك الملك.
أقول – والله أعلم -: قوله: ((لتنم عينك)) الأوامر الثلاث واردة على الجوارح ظاهراً وهي في الحقيقة لرسول الله ﷺ بأن يجمع بين هؤلاء الخلال الثلاث في نفسه، وأن يكون نائم العين، حاضراً بالسمع والقلب، على ما سبق في الحديث الخامس من الباب: ((إن العين نائمة والقلب يقظان))، وعلى هذا جوابه قال: فنامت إلى آخره، أي امتثلت لما أمرت به، ويجوز أن لا يكون ثم قول ولا جواب، كما قال الله تعالى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ وقال سبحانه: ﴿إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾.
следующие страницы →