← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

٣٧٣٧ - وعن معاذ بن جبل: أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلي اليمن قال: ((كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟)) قال: أقضي بكتاب الله. قال: ((فإن لم تجد في كتاب الله؟)). قال: فبسنة رسول الله ﷺ . قال: ((فإن لم تجد في سنة رسول الله؟)). قال: اجتهد رأي ولا آلو. قال: فضرب رسول الله ﷺ علي صدره, وقال: ((الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي به رسول الله)) رواه الترمذي, وأبو داود، والدارمي. [٣٧٣٧] ــ ومن لم يغلب ملكيته علي شيطإنيته, إذا عن له حكم وتميل نفسه إلي أحد الخصمين لغرض من الأغراض الفاسدة, ويضم إليه لمة الشيطان يوقعه في مهواة سحيق. والواو في ((ومن غلب)) إنيب مناب ((ثم)) وليس للانسحاب بل للتقرير, أي من طلب قضاء المسلمين حتى يناله, ثم غلب جوره عدله – والله أعلم. الحديث الخامس عن معاذ: قوله: ((أجتهد رأيي)) المبالغة قائمة في جوهر اللفظ وبنائه؛ لأن الافتعال للاعتمال والسعي وبذل الوسع ونسبته إلي الرأي أيضا ترقية للمعنى. ((غب)): الجهد والجهد الطاقة والمشقة, والاجتهاد أخذ النفس ببذل الطاقة وتحمل المشقة, يقال: جهدت رأيي واجتهدت أتعبته بالفكر. ((خط)): لم يرد به الرأي الذي يسنح له من قبل نفسه أو يخطر بباله علي غير أصل من كتاب أو سنة, بل أراد رد القضية إلي معنى الكتاب والسنة من طريق القياس. وفي هذا إثبات للحكم بالقياس. ((مظ)): أي إذا وجدت مشابهة بين المسألة التي أنا بصددها وبين المسألة التي جاء نص فيها من الكتاب والسنة, أحكم فيها بحكمها. مثاله: جاء النص بتحريم الربا في البر ولم يجئ نص في البطيخ. قاس الشافعي البطيخ علي البر لما وجد بينهما من علة المطعومية. وقاس أبو حنيفة الجص علي البر لما وجد بينهما من علة الكيلية, ((ولا آلو)) أي لا أقصر. قوله: ((الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله)) استصواب منه ﷺ لرأيه في استعمال رأيه وهذا معنى قولهم: كل مجتهد مصيب. ولا ارتاب أن المجتهد إذا كدح في التحري وأتعب القريحة في الاستنباط استحق أجرا لذلك, هذا بالنظر إلي أصل الاجتهاد, فإذا نظر إلي الجزئيات فلا يخلو من أن يصيب في مسألة من المسائل أو يخطئ فيها, فإذا أصابت ثبت له

стр. 2032

٣٧٣٨ - عن علي [﵁]؛ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلي اليمن قاضيا, فقلت: يا رسول الله! ترسلني وأنا حديث السن, ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: ((إن الله سيهدي قلبك, ويثبت لسانك, إذا تقاضى إليك رجلان؛ فلا تقض للاول حتى تسمع كلام الآخر, فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء)). قال: فما شككت في قضاء بعد. رواه الترمذي, وأبو داود, وابن ماجه. [٣٧٣٨] وسنذكر حديث أم سلمة: ((إنما اقضي بينكم برأيي)) في باب: ((الأقضية والشهادات)) إن شاء الله تعالي. ــ أجران, أحدهما باعتبار أصل الرأي والآخر باعتبار الإصابة, وإذا أخطأ فله اجر واحد باعتبار الأصل, ولا شيء عليه باعتبار الخطأ. الحديث السادس عن علي ﵁: قوله: ((ولا علم لي بالقضاء)) ((مظ)): لم يرد به نفي العلم مطلقا, وإنما أراد انه لم يجرب سماع المرافعة بين الخصماء, وكيفية دفع كلام كل واحد من الخصمين ومكرهما. أقول: السين في قوله: ((سيهدي قلبك)) كما في قوله تعالي: ﴿إني ذَاهِبٌ إلي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ فإن السين فيهما صحب الفعل لتنفيس زمان وقوعه. ولا شك أنه ﵁ حين بعثه قاضيا كلن عالما بالكتاب والسنة كمعاذ ﵁. وقوله: ((أنا حديث السن)) اعتذار من استعمال الفكر واجتهاد الرأي من قلة تجاربه؛ ولذلك أجاب بقوله: ((سيهدي قلبك)) أي يرشدك إلي طريق استنباط القياس بالرأي الذي محله قلبك, فيشرح صدرك ويثبت لسانك, فلا تقضي إلا بالحق, ويدل عليه قوله ﷺ : ((فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر)) فإنك [لم] * تتمكن من الاستنباط وتمييز الحق من الباطل بسماع كلام أحد الخصمين. فقوله: ((إذا تقاضى إليك رجلان)) مقدمة للإرشاد وأنموذج منه. ((خط)): فيه دليل علي أن الحاكم لا يقضي علي غائب وذلك أنه ﷺ إذا منعه من أن يقضي لأحد الخصمين وهما حاضران, حتى يسمع كلام الآخر ففي الغائب أولي بالمنع. وذلك لإمكان أن يكون مع الغائب حجة تبطل دعوى الآخر وتدحض حجته. ((شف)): لعل مراد الخطابي بهذا الغائب عن مجلس الحكم فحسب, دون الغائب إلي مسافة القصر؛ فإن القضاء علي الغائب إلي مسافة القصر جائز عند الشافعي.

стр. 2033

الفصل الثالث ٣٧٣٩ - عن عبد الله بن مسعود, قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من حاكم يحكم بين الناس, إلا جاء يوم القيامة وملك آخذ بقفاه, ثم يرفع رأسه إلي السماء, فإن قال: ألقه ألقاه في مهواة أربعين خريفا)) رواه أحمد, وابن ماجه, والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٣٧٣٩] ٣٧٤٠ - وعن عائشة, عن رسول الله ﷺ , قال: ((ليأتين علي القاضي العدل يوم القيامة يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط)) رواه أحمد. [٣٧٤٠] ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((ما من حاكم)) هو نكرة في سياق النفي, و ((من)) زائدة للاستغراق فيشمل العادل والظالم. وقوله: ((وملك آخذ بقفاه ثم يرفع رأسه)) يدل علي كونه مقهورا في يده كمن رفع رأسه الغل مقحما, قال تعالي: ﴿إنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إلي الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾ وقوله: ((فإن قال: ألقه)) الفاء فيه للتفصيل, و ((إن)) الشرطية تدل علي أن غيره لا يقال في حقه ذلك, بل يكون حكمه عكس ذلك, فيقال في حقه: أدخله الجنة. فعلي هذا يتفق هذا الحديث وحديث أبي أمامة في الفصل الثالث من باب الإمارة. وهو قوله: ((ما من رجل يلي عشرة فما فوق ذلك, إلا أتاه الله مغلولا يوم القيامة يده إلي عنقه, فكه بره أو أوبقه إثمه)). قوله: ((أربعين)) مجرور المحل صفة ((مهواة)) أي مهواة عميق, فكنى عنه إذ لم يرد التحديد بل المبالغة في العمق. والمراد بالخريف السنة. ((نه)): الخريف الزمان المعروف من فصول السنة ما بين الصيف والشتاء, ويريد به أربعين سنة, لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة. الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((يوم القيامة)) قيل: هو الفاعل ((ليأتين)) و ((يتمنى)) حال من المجرور. والأوجه أن يكون حالا من الفاعل. والراجع محذوف أي يتمنى

стр. 2034

٣٧٤١ - وعن عبد الله بن أبي أوفي, قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تخلي عنه ولزمه الشيطان)) رواه الترمذي، وابن ماجه. وفي رواية: ((فإذا جار وكله إلي نفسه)). [٣٧٤٠] ٣٧٤٢ - وعن سعيد بن المسيب: أن مسلما ويهوديا اختصما إلي عمر, فرأي الحق لليهودي, فقضى له عمر به. فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق, فضربه عمر بالدرة, وقال: وما يدريك؟ فقال اليهودي: والله إنا نجد في التوراة انه ليس قاض يقضي بالحق, إلا كان عن يمينه ملك, وعن شماله ملك, يسددانه ويوفقانه للحق ما دام مع الحق, فإذا ترك الحق؛ عرجا وتركاه. رواه مالك. [٣٧٤٢] ٣٧٤٣ - وعن ابن موهب: أن عثمان بن عفان [﵁] , قال لابن عمر: اقض بين الناس. قال: أوتعافيني؟ يا أمير المؤمنين! قال: وما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي؟ قال: لأتي سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من كان قاضيا فقضى بالعدل؛ فبالحري أن ينقلب منه كفافا)). فما راجعه بعد ذلك. رواه الترمذي. [٣٧٤٣]. ــ فيه. ويجوز أن يكون يوم القيامة منصوبا علي الظرف, أي ليأتين عليه يوم القيامة من البلاء ما يتمنى أنه لم يقض, فإذا الفاعل يتمنى بتقدير ((أن)) وقد عبر عن السبب بالمسبب؛ لأن البلاء سبب التمني. والتقيد بالعادل والثمرة تتميم لمعنى المبالغة مما نزل به البلاء. الحديث الثالث عن عبد الله: قوله: ((وكله)) الجوهري: وكله إلي نفسه وكلا ووكولا, وهذا الأمر موكول إلي رأيك, وفرس واكل, يتكل علي صاحبه في العدو, وواكلت فلانا موكلا إذا اتكلت عليه واتكل هو عليك. الحديث الرابع عن سعيد: قوله: ((فضربه عمر بالدرة)) فإن قلت: لم ضربه وليس بمستحق به لأنه صدقه, وكيف يطابق جواب اليهودي: ((والله إنا نجد في التوراة)) إلي آخره لقوله: ((وما يدريك))؟. قلت: لم يضربه ضربا مبرحا للتأديب بل لإصابته كما يجري بين الناس علي سبيل المطايبة. وتطبيق الجواب أن عمر ﵁ لو مال عن الحق لقضى للمسلم علي اليهودي, فلم يكن مسددا فلما قضى له عرف بتشديده وثباته وعدم ميله من غير تغيير أنه موفق مسدد. الحديث الخامس عن ابن موهب: قوله: ((أوتعافيني)) أي أترحم علي وتعافيني؟ وهو استعطاف علي سبيل الدعاء, و ((فقضى بالعدل)) عطف علي الشرط, وقوله: ((فبالحري أن ينقلب))

стр. 2035

٣٧٤٤ - وفي رواية رزين, عن نافع, أن ابن عمر قال لعثمان: يا أمير المؤمنين! لا أقضي بين رجلين. قال: فإن أباك كان يقضي. فقال: إن أبي لو أشكل عليه شيء سأل رسول الله ﷺ , ولو أشكل علي رسول الله ﷺ شيء سأل جبريل ﵇, وإني لا أجد من أسأله, وسمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من عاذ بالله, فقد عاذ بعظيم)) وسمعته يقول: ((من عاذ بالله؛ فأعيذوه)). وإني أعوذ بالله أن تجعلني قاضيا فأعفاه, وقال: لا تخبر أحد. [٣٧٤٤] (٣) باب رزق الولاة وهداياهم الفصل الأول ٣٧٤٥ - عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أعطيكم ولا أمنعكم, أنا قاسم أضع حيث أمرت)) رواه البخاري ــ جوابه. يقال: فلان حري بكذا أو حر بكذا بالحري أن يكون كذا، أي جدير وخليق. قيل: ((حري)) إن كان اسم فاعل يكون مبتدأ خبره ((أن ينقلب)) والباء زائدة نحو بحسبك درهم, أي الخليق والجدير كونه منقلبا منه كفانا. وإن جعلته مصدرا, فهو خبر والمبتدأ ما بعده, والباء متعلق بمحذوف أي كونه منقلبا ثابت بالاستحقاق. قوله ك ((كفافا)) ((مظ)): الكفاف هو الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه, وهو نصب علي الحال. وقيل: أراد مكفوفا عنه شره. وقيل: معناه أن لا ينال من القضاء ولا ينال منه أي يكف هو من القضاء ويكف القضاء عنه. أقول: يعني أن من تولي القضاء واجتهد في تحري الحق, واستفرغ جهده فيه, حقيق أن لا يثاب ولا يعاقب, فإذا كان كذلك فأي فائدة في توليه؟ وفي معناه أنشد: علي أنني راض بأن أحمل الهوى وأخلص منه لا علي ولا ليا وقوله: ((فما راجعه)) أي فما رد عليه الكلام وما رجع إلي ما طلب منه. والله أعلم. باب رزق الولاة وهداياهم وهو من إضافة المصدر إلي الفاعل؛ لقوله ﷺ : ((من استعملناه علي عمل فرزقناه رزقا)) والرزق ما يعطى الأجناد من بيت المال. المغرب: الفرق بين الرزق والعطاء أن العطاء ما يخرج للجندي من بيت المال في السنة مرة أو مرتين, والرزق ما يخرج له كل شهر. الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أنا قاسم)) جملة مبينة للكلام السابق.

стр. 2036

٣٧٤٦ - وعن خولة الأنصارية, قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق؛ فلهم النار يوم القيامة)) رواه البخاري. ــ وفيه معنى الاختصاص لتقديم الفاعل المعنوي كقولك: أنا كفيتك مهمتك. ولو لم يذهب إلي الاختصاص لم يستقم أن يكون بيانا؛ لأن المعنى ما أعطيتكم ما أعطيتكم, وما أمنعكم ما منعتكم, وإنما المعطي والمانع هو الله, وإنما أنا قاسم أقسم عليكم بأمر الله, وأضع حيث أمرت بيانا للبيان. وفيه حجة علي من قال: إن مثل: (إنما أنا عارف) لا يفيد الاختصاص؛ لأنه ليس بفعل مثل: أنا عرفت. الحديث الثاني عن خولة: قوله: ((يتخوضون)) ((غب)): الخوض هو الشروع في الماء والمرور فيه, ويستعار في الأمور وأكثر ما ورد فيما يذم الشروع فيه, نحو قوله تعالي: ﴿ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾. قوله: ((فلهم النار)) خبر ((إن)) وأدخل الفاء لأن اسمها نكرة موصوفة. الحديث الثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((لقد علم قومي)) قيل: أراد ب (قومي) قريشا, والأظهر أنه أراد به المسلمين لقوله: ((ويحترف للمسلمين فيه)) واللام في ((لقد علم)) قسمية أقسم أنه كان مشتهرا بين المسلمين في كونه كسوبا ومحصلا لمؤنة أهله وعياله بحرفة التجارة, ولم يكن عاجزا عن ذلك, وهذا تمهيد واعتذار منه في أخذه قدر ما يحتاج إليه أهله من بيت المال؛ ومن ثمة أتى بالفاء في قوله: ((فيأكل)) لأنها فاء النتيجة. ((تو)): آل أبي بكر أهله وعياله. ويجوز أن يراد نفسه, وفي نسق الكلام من الدليل علي أنه أراد بآل أبي بكر نفسه, وهو قوله: ((ويحترف للمسلمين)) أي يكتسب بالتصرف في أحوال المسلمين بدل ما يتناول ذلك. أقول: أراد بنسق الكلام أن ((يحترف)) مسند إلي ضمير ((أبي بكر)) وهو عطف علي ((فسيأكل)) فإذا أسند إلي الأهل تنافر وانخرم النظم. ((قض)): وآل أبي بكر أهله عدل عن التكلم إلي الغيبة علي طريقة الالتفات. وقيل: نفسه والآل مقتحم لقوله: ((ويحترف)) وليس بشيء بل المعنى إني كنت أكسب لهم فيأكلونه, والآن اكسب للمسلمين بالتصرف في أموالهم, والسعي في مصالحهم ونظر أحوالهم, فسيأكلون من مالهم المعد لمصالحهم, وهو مال بيت المال. أقول: لابد في الانتقال من التكلم إلي الغيبة علي ما سماه التفاتا من فائدة. فقوله: ((آل أبي بكر)) من باب التجريد, جرد من نفسه شخصا متصفا بصفة أبي بكر من كونه كسوبا محصلا لمؤنة الأهل بالتجارة, ثم تكفل بهذا الأمر العظيم من تولي أمور المسلمين وامتنع من الاكتساب

стр. 2037

٣٧٤٧ - وعن عائشة, قالت لما استخلف أبو بكر [﵁] قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي, وشغلت بأمر المسلمين, فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال, ويحترف للمسلمين فيه. رواه البخاري. الفصل الثاني ٣٧٤٨ - عن بريدة, عن النبي ﷺ , قال: من استعملناه علي عمل, فرزقناه رزقا, فما أخذ بعد ذلك فهو غلول)) رواه أبو داود. [٣٧٤٨] ــ لمؤنة أهله وجعله غيره, وهو هو. وفيه إشعار بالعلية وأن من اتصف بتلك الصفات حقيق بأن يأكل هو وأهله من بيت المال, وإذا كان كذلك فكيف يخالف المعنى الذي ذهب إليه الشيخ ونحوه في إطلاق آل مقحما كقوله تعالي: ﴿وبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وآلُ هَارُونَ﴾ الكشاف ويجوز أن يراد مما تركه موسى وهارون, و ((آل)) مقحم لتفخيم شأنهما. ومثله في الالتفات علي سبيل التجريد, ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ بعد قوله: ﴿إني رَسُولُ اللَّهِ﴾ الكشاف: عدل عن الضمير إلي الاسم الظاهر ليجرى عليه الصفات التي أجريت عليه؛ ليعلم أن الذي وجب الإيمان به وإتباعه هو هذا الشخص المستقل, بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته كائنا من كان أنا أو غيري إظهارا للنصفة وتفاديا عن العصبية لنفسه؛ إذ لو قال: ((آمنوا بالله وبي)) لم يقع هذا الموقع. وخص الأكل من بين المنافع بالذكر لكونه أعظمها وأهمها. ((تو)): فرض ﵁ لنفسه مدين من طعام وإداما زيتا أو نحوه, وإزار ورداء في الصيف وفروة أو جبة في الشتاء, وظهر بعير لحاجته في السفر والحضر. قوله: ((ويحترف للمسلمين)) فيه الضمير المجرور راجع إلي معنى قوله: ((فسيأكل)) أي فيما أكل من المال عوضا له وجيء بالحرفة مشاكلة لوقوعه في صحبته وقوله: ((إن حرفتي)) ((نه)): المراد باحترافه للمسلمين نظره في أمورهم وتثمير مكاسبهم وأرزاقهم. والحرفة الصناعة وجهة الكسب, وحريف الرجل معامله في حرفته. ((مظ)): وفيه بيان أن للعامل أن يأخذ من عرض المال الذي يعمل فيه قدر ما يستحقه لعمالته, إذا لم يكن فوقه إمام يقطع له أجرة معلومة. الفصل الثاني الحديث الأول عن بريدة: قوله: ((فما أخذ بعد ذلك)) جزاء الشرط, و ((ما)) موصولة والعائد

стр. 2038

٣٧٤٩ - وعن عمر [﵁] , قال: عملت علي عهد رسول الله ﷺ , فعملني. رواه أبو داود. [٣٧٤٩] ٣٧٥٠ - وعن معاذ, قال: بعثني رسول الله ﷺ إلي اليمن, فلما سرت, أرسل في أثري, فرددت. فقال: ((أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئا بغير إذني, فإنه غلول, ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة, لهذا دعوتك فامض لعملك)) رواه الترمذي. [٣٧٥٠] ٣٧٥١ - عن المستورد بن شداد, قا: سمعت النبي ﷺ يقول: ((من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة, فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما, فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا)). وفي رواية: ((من أتخذ غير ذلك فهو غال)). رواه أبو داود. [٣٧٥١] ــ محذوف, فهو خبره وجيء بالفاء لتضمنه معنى الشرط. ويجوز أن نكون موصوفة. و ((الغلول)) الخيانة في الغنيمة وفي مال الفيء. الحديث الثاني عن عمر ﵁: قوله: ((فعملني)) ((تو)): أي أعطإني عمالتي وأجرة عملي وكذا أعملني. وقد يكون عملني بمعنى ولإني وأمرني. أقول: الوجه الأول إذا التقدير عملت في أمور المسلمين ومصالحهم عملا فأعطإني عمالتي, والثاني لا يناسب الباب واللفظ ينبو عنه. الحديث الثالث عن معاذ: قوله: ((في اثري)) ((تو)): أثر الشيء حصول ما يدل علي وجوده, ومن هذا يقال للطريق المستدل به علي من تقدم أثار. قوله: ((لا تصيبن)) فيه إضمار تقديره بعثت إليك لأوصيك فأقول لك: لا تصيبن. قوله: ((يأت بما غل)) أراد بما غل ما ذكره في قوله ﷺ ((لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة علي رقبته بعير له رغاء)) *. الحديث الرابع عن المستورد: قوله: ((فليكتسب زوجة)) ((مظ)): أي يحل له أن يأخذ مما في تصرفه من مال بيت المال قدر مهر زوجته ونفقتها وكسوتها, وكذلك ما لابد منه من غير إسراف وتنعيم, فإن اخذ أكثر ما يحتاج إليه ضرورة فهو حرام. أقول: وإنما وضع الاكتساب موضع العمالة والأجرة حسما لطمعه, وانه فاز بحظ جزيل يكتسب منه أنواع المنافع فقيل:

стр. 2039

٣٧٥٢ - وعن عدي بن عميرة, أن رسول الله ﷺ قال: ((يأيها الناس من عمل منكم لنا عمل, فكتمنا منه مخيطا فما فوقه فهو غال, يأتي به يوم القيامة)). فقام رجل من الأنصار, فقال: يا رسول الله اقبل عني عملك. قال: ((وما ذاك؟)) قال: سمعتك تقول كذا وكذا قال: ((وأنا أقول ذلك, من استعملناه علي عمل؛ فليأت بقليله وكثيره فما أوتي منه أخذه, وما نهي عنه انتهي)) رواه مسلم, رواه داود, واللفط له. [٣٧٥٢] ٣٧٥٣ - وعن عبد الله بن عمرو, قال: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي. رواه أبو داود, وابن ماجه. [٣٧٥٣] ــ ليس كسبك إلا هذا. ويفهم من تقييد القرينتين الأخيرتين بالشرط أن القرينة الأولي مطلقة, فإن كانت له زوجات يجوز أن يضيف إليها واحدة أو استغني بتقييد الأخيرتين عن تقييد القرينة الأولي, فهي مقيدة أيضا وفائدة ذكرها أن له مؤونة زوجة واحدة. الحديث الخامس عن عدي: قوله: ((فما فوقه)) الفاء للتعقيب الذي يفيد الترقي, أي فوق المخيط في الحقارة نحو قوله تعالي: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ ((واقبل عني عملك)) أي أقلني منه ((وما ذاك)) إشارة إلي ما في الذهن, أي ما الذي حملك علي هذا القول. والإشارة بقوله: ((ذاك)) إلي ما سبق من قوله: ((من عمل منكم)) الحديث: ((ومن استعملنا)) إلي آخره تكرير للمعنى ومزيد للبيان, يعني أنا أقول ذلك ولا أرجع عنه, فمن استطاع أن يعمل فليعمل ومن لم يستطع فليترك. الحديث السادس عن عبد الله: قوله: ((الراشي والمرتشي)) ((فا)): الرشوة الوصلة إلي الحاجة بالمصانعة, من الرشاء وقد رشاه رشوا فارتشى, كما يقال: كساه فاكتسى. وقيل: هو من قولهم: رشا الفرخ إذا مد عنقه إلي أمه لتزقه. ((خط)): الراشي المعطي والمرتشي الآخذ, وإنما تلحقهما العقوبة إذا استويا في القصد والإرادة فرشا المعطي لينال به باطلا ويتوصل به إلي الظلم. فأما إذا أعطى ليتوصل به إلي حق أو ليدفع عن نفسه مضرة فإنه غير داخل في هذا الوعيد. ((تو)): وروي فيه أن ابن مسعود أخذ في شيء بأرض الحبشة, فأعطى دينارين حتى خلي سبيله.

стр. 2040

٣٧٥٤ - ورواه الترمذي عنه وعن أبي هريرة. [٣٧٥٤] ٣٧٥٥ - ورواه أحمد, والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن ثوبان وزاد: ((والرائش)) يعني الذي يمشي بينهما. [٣٧٥٥] ٣٧٥٦ - وعن عمرو بن العاص, قال: أرسل إلي رسول الله ﷺ : ((أن اجمع عليك سلاحك وثيابك, ثم ائتني)) قال: فأتيته وهو يتوضأ. فقال: ((يا عمرو! إني أرسلت إليك لأبعثك في وجه يسلمك الله ويغنمك, وأزغب لك زغبة من المال)). فقلت: يا رسول الله ما كانت هجرتي للمال, وما كانت إلا لله ولرسوله. قال: ((نعما بالمال الصالح للرجل الصالح)). رواه في (شرح السنة)). وروى أحمد نحوه. وفي روايته: قال: ((نعم المال الصالح للرجل الصالح)). [٣٧٥٦] ــ الحديث السابع عن عمرو: قوله: ((أن اجمع عليك سلاحك)) ((أن)) يحتمل أن تكون مفسرة لما في ((أرسل)) من معنى القول, ومصدرية, أي أرسل إلي لجمع سلاحي. ويقال: زعبت زعبة من المال – بالزاي المنقوطة والعين المهملة – أي رفعت لك قطعة منه, والزعب بفتح الزاي وضمها الدفعة من المال. وقوله: ((نعما بالمال)) ((ما)) في ((نعما)) غير موصولة ولا موصوفة. قالابن جنى: ((ما)) في ((نعما)) منصوبة لا غير, والتقدير نعم شيئا من المال الصالح. والباء زائدة مثلها في قوله: ((كفي بالله)) وإنما قلنا: أنها ليست بموصولة ولا موصوفة لتعين الأول بالصلة والثانية بالصفة. والمراد الإجمال ثم التبيين, فما هنا بمنزلة تعريف الجنس في نعم الرجل؛ فإنه إذا قرع السمع أولا مجملا ذهب بالسامع كل مذهب. ثم إذا بين تمكن من ذهنه فضل تمكن, واخذ بمجامع القلب. وفي هذا مدح عظيم للمال الصالح, والصلاح ضد الفساد وهما مختصان في أكثر الاستعمال بالأفعال, وقوبل تارة في القرآن بالفساد وتارة بالسيئة, قال تعالي: ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ وقال: ﴿ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا﴾ وخلاصته أن الشيء إذا كان منتفعا به كان صالحا, والفساد بخلافه, فالرجل الصالح من علم الخير وعمل به, والمال الصالح ما يكسب من الحلال وينفق في وجوه الخيرات.

стр. 2041

الفصل الثالث ٣٧٥٧ - عن أبي أمامة, أن رسول الله ﷺ قال: ((من شفع لأحد شفاعة, فأهدى له هدية عليها, فقبلها؛ فقد أتى بابا عظيما من أبوبا الربا)) رواه أبو داود. [٣٧٥٧] (٤) باب الأقضية والشهادات الفصل الأول ٣٧٥٨ - عن ابن عباس [﵄] , عن النبي ﷺ , قال: ((لو يعطى الناس بدعواهم, لادعى ناس دماء رجال وأموالهم, ولكن اليمين علي المدعي عليه)). رواه مسلم. وفي ((شرحه للنووي)) أنه قال: وجاء في رواية ((البيهقي)) بإسناد حسن أو صحيح زيادة عن ابن عباس مرفوعا: ((لكن البينة علي المدعي, واليمين علي من أنكر)). ــ الفصل الثالث ظاهر باب الأقضية والشهادات الأقضية وهي ما يرفع إلي الحاكم. قال الأزهري: القضاء في الأصل إحكام الشيء والفراغ منه. فيكون القضاء أمضاء الحكم. ومنه قوله تعالي: ﴿﴾ ويسمى الحاكم قاضيا؛ لأنه يمضي الأحكام ويحكمها ويكون قضى بمعمى أوجب, فيجوز أن يكون سمي قاضيا لإيجابه الحكم علي من يجب عليه, وسمي حاكما لمنعه الظالم من الظلم. ومنه حكمة الدابة لمنعها من ركوبها رأسها, وتسمى الحكمة حكمة لمنعها النفس من هواها. والشهادات: ((غب)): الشهود والشهادة والمشاهدة الحضور مع المشاهدة أما بالبصر أو بالبصيرة, وشهدت حار مجرى العلم وبلفظه تقام الشهادة, ويقال: أشهد بكذا ولا يرضي من الشاهد أن يقول: أعلم, بل يحتاج أن يقول: أشهد. المغرب: الشهادة الإخبارية بصحة الشيء عن مشاهدة وعيان, يقال: شهد عند الحاكم لفلان علي فلان بكذا شهادة فهو شاهد وهم شهود وأشهاد وهو شهيد وهم شهداء. الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((كن البينة)) المغرب: البينة الحجة

стр. 2042

٣٧٥٩ - وعن ابن مسعود, قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حلف علي يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم, لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان)). فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ إلي آخر الآية. متفق عليه. ــ فيعلة من البينونة أو البيان. ((مح)): هذا الحديث قاعدة شريفة كلية من قواعد إحكام الشرع, ففيه لأنه لا يقبل قول الإنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه, بل يحتاج إلي بينة أو تصديق المدعى عليه, فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك, وقد بين ﷺ الحكمة من كونه لا يعطى بمجرد دعواه؛ لأنه لو أعطي بمجردها لادعى قوم دماء قوم وأموالهم واستبيح, ولا يتمكن المدعى عليه من صون ماله ودمه. وفيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور علي أن اليمين تتوجه علي المدعى عليه, سواء كان بينه وبين المدعي اختلاط أم لا. وقال مالك وأصحابه والفقهاء السبعة وفقهاء المدينة: إن اليمين لا تتوجه إلا علي من بينه وبينه الخلطة؛ لئلا يبتذل السفهاء أهل الفضل بتحليفهم مرارا في اليوم الواحد؛ فاشترطت الخلطة دفعا لهذه المفسدة. واختلفوا في تفسير الخلطة فقيل: هي معرفته بمعاملته ومداينته بشاهد أو شاهدين. وقيل: تكفي الشبه. وقيل: هي أن تليق به الدعوى بمثلها علي مثله. ودليل الجمهور هذا الحديث, ولا أصل لتلك الشرطة في كتاب ولا سنة ولا إجماع. الحديث الثاني عن ابن مسعود: قوله: ((علي يمين)) ((نه)): الحلف هو اليمين فخالف بين اللفظين تأكيد لعقده, وهذا أولي مما ذهب إليه الشيخ التوربشتي حيث قال: أقام اليمين مقام المحلوف عليه؛ لما جاء في حديث عبد الله بن إنيس في الفصل الثاني ((وما حلف حالف بالله يمين صبر)). ((مح)): يمين صبر بالإضافة. ((نه)): أي ألزم بها وحبس عليها, وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم. وقيل لها: مصبورة, وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور؛ لأنه إنما صبر من اجلها أي حبس, فوصفت بالصبر وأضيف إليه مجازا. قوله: ((فاجر)) فيه أن الكذب في الشهادة نوع من أنواع الفجور و ((يقتطع بها)) حال من الراجع إلي المبتدأ في ((فاجر)) فهي حال مؤكدة تصويرا لشناعتها, وهو المعنى باليمين الغموس, وذلك لأن من ارتكب هذه الجريمة قد بلغ في الاعتداء الغاية القصوى, حيث انتهك حرمة بعد حرمة إحداها: اقتطاع المال لم يكن له ذلك. والثانية: الاستحقاق بحرمة وجب عليه رعايتها, وهي حرمة الإسلام وحق الأخوة. والثالثة: الإقدام علي اليمين الفاجرة [وقوله: ((وهو عليه غضبان)) أي ينتقم منه لأن الغضب إذا أطلق علي الله كان محمولا علي الغاية.

стр. 2043

٣٧٦٠ - وعن أبي أمامة, قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه؛ فقد اوجب الله له النار, وحرم الله عليه الجنة)). فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: ((وإن كان قضيبا من أراك)). رواه مسلم. ٣٧٦١ - وعن أم سلمة, أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما أنا بشر, وإنكم تختصمون إلي, ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض, فاقضي له علي نحو ما أسمع منه. فمن قضيت له بشيء من حق أخيه؛ فلا يأخذه, فإنما أقطع له قطعة من النار)). متفق عليه. ــ الحديث الثالث عن أبي أمامة:] * قوله: ((من اقتطع)) ((تو)): أي ذهب بطائفة من ماله ففصلها عنه, قال: اقتطعت من الشيء قطعته. ((مح)): فيدخل في قوله: ((حق امرئ مسلم)) أن من حلف علي غير مال كجلد الميتة والسرجين, وير ذلك من النجاسات التي ينتفع بها, وكذا سائر الحقوق التي ليست بمال كحق القذف ونصيب الزوجة في القسم وغير ذلك. قوله: ((وحرم عليه الجنة)) يدل علي التأبيد بعد احتمال الخروج من قوله: ((أوجب الله عليه النار)). قيل: في تأويله وجهان أحدهما: أنه محمول علي المستحيل لذلك وإذا مات عليه. وثإنيهما: أنه قد استحق النار ويجوز العفو عنه, وقد حرم عليه دخول الجنة أول وهلة مع الفائزين. وأما تقييده ﷺ بالمسلم فلا يدل علي عدم تحريم حق الذمي, بل لتفظيع شأن مرتكب هذه الفظيعة, كما مر؛ لأن أخوة الإسلام تقتضي القيام بحقه ومراعاة جانبه في سائر ما له وعليه. وهذه الفائدة كافية في التقييد فلا يذهب إلي العمل بالمفهوم. الحديث الرابع عن أم سلمة: قوله: ((ألحن)) ((غب)): اللحن صرف الكلام عن سننه الجاري عليه, إما بإزالة الإعراب أو التصحيف وهو المذموم, وذلك أكثر استعمالا, وإما بإزالته عن التصريح وصرفه بمعناه إلي تعريض وفحوى, وهو محمود من حيث البلاغة, وإياه قصد الشاعر بقوله: وخير الحديث ما كان لحنا وكذا قوله تعالي: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ﴾ ومنه قيل للفطن لما يقتضي فحوى الكلام: لحن. ومنه الحديث ((ألحن بحجته)) أي ألسن وأفصح وأبين كلاما وأقدر علي الحجة.

стр. 2044

((مح)): وإنما ابتدأ في الحديث بقوله: ((إنما أنا بشر)) تنبيها علي أن السهو والنسيان غير مستبعد من الإنسان, وان الوضع البشري يقتضي أن لا يدرك من الأمور إلا ظواهرها, وأنه خلق خلقا لا يسلم من قضايا تحجبه عن حقائق الأشياء. ومن الجائز أن يسمع الشيء فيسبق إلي وهمه أنه صدق, ويكون الأمر بخلاف ذلك, بمعنى: إني إن تركت علي ما جبلت عليه من القضايا البشرية, ولم أأيد بالوحي السماوي طرأ علي منها ما يطرأ علي سائر البشر. فإن قيل: أو لم يكن النبي ﷺ مصونا في أقواله وأفعاله معصوما علي سائر أحواله؟ قلت: إن العصمة تتحقق فيما يعد عليه دينا ويقصد قصدا, وما نحن فيه فليس بداخل في جملته؛ فإن الله تعالي لم يكلفه فيما لم ينزل عليه إلا ما كلف غيره وهو الاجتهاد في الإصابة. يدل عليه ما روى عنه في الحديث الذي ترويه أم سلمة من غير هذا الوجه, وهو في حسان هذا الباب ((إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي)). ((مح)) فيه تنبيه علي حاله البشرية وان البشر لا يعلم من الغيب وبواطن الأمور شيئا, إلا أن يطلعه الله علي شيء من ذلك, وأنه يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز علي غيره, وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر والله يتولي السرائر, فيحكم بالبينة واليمين مع إمكان خلاف الظاهر. وهذا نحو قوله ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس – إلي قوله – وحسابهم علي الله)) ولو شاء الله لأطلعه ﷺ علي باطن أمر الخصمين, فحكم بيقين نفسه من غير حاجة إلي شهادة أو يمين, ولكن لما أمر الله تعالي أمته بإتباعه والاقتداء بأقواله وأفعاله وأحكامه, أجرى عليه حكمهم من عدم الاطلاع علي باطن الأمور؛ ليكون للأمة أسوة به في ذلك؛ وتطييبا لنفوسهم في الانقياد للأحكام الظاهرة من غير نظر إلي الباطن. فإن قيل: هذا الحديث ظاهره أنه يقع منه ﷺ حكم في الظاهر مخالف للباطن, وقد اتفق الأصوليون علي أنه ﷺ لا يقر علي الخطأ في الأحكام. فالجواب أنه لا تعارض بين الحديث وقاعدة الأصول؛ لأن مرادهم فينا حكم فيه باجتهاده فهل يجوز أن يقع فيه خطأ؟ فيه خلاف, الأكثرون علي جوازه. وأما الذي في الحديث فليس من الاجتهاد في الشيء؛ لأنه حكم بالبينة واليمين, فلو وقع منه ما يخالف الباطن لا يسمى الحكم خطأ, بل الحكم صحيح بناء علي ما استقر به التكليف, وهو وجوب العمل بشاهدين مثلا فإن كانا شاهدي زور ونحو ذلك, فالتقصير منهما, وأما الحاكم فلا حيلة له في ذلك ولا عتب عليه بسببه, بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد, وفيه دلالة علي أن حكم الحاكم لا يحل حراما, فإذا شهد شاهد زور لإنسان بمال, فحكم به الحاكم له, لم يحل للمحكوم له ذلك المال, ولو شهد عليه بقتل لم يحل للوالي قتله مع علمه بكذبهما, وإن شهدا علي أنه طلق امرأته, لم يحل لمن علم كذبهما أن يتزوجها. انتهي كلامه. وإليه

стр. 2045

٣٧٦٢ - وعن عائشة [﵂] , قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن أبغض الرجال إلي الله الألد الخصم)) متفق عليه. ٣٧٦٣ - وعن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد. رواه مسلم. ــ الإشارة بقوله: ((فمن قضيت له بشيء)) إلي أخره, يعني إن قضيت له يظاهر يخالف الباطن فهو حرام, فلا يأخذن ما قضيت له؛ لأنه اخذ ما يؤول به إلي قطعة من النار. فوضع المسبب – وهو قطعة من النار – موضع السبب وهو ما حكم به له. الحديث الخامس عن عائشة ﵂: قوله: ((الألد الخصم)) تو)): الألد الشديد الخصومة, والأصل في الألد الشديد اللديد, وهو صفحة العنق. وذلك لما لا يمكن صرفه عما يريده, والخصم المختص بالخصومة, فالأول منبئ عن الشدة, والثاني عن الكثرة. أقول: هذا إذا قيد الألد بالخصومة فرارا عن التكرار وإذا ترك علي أصله يكون المعنى أنه شديد في نفسه بليغ في خصومته, فلا يلزم التكرار, وعليه قوله تعالي: ﴿وهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ﴾ الكشاف: أي شديد الجدال. وإضافة ((الألد)) بمعنى ((في)) أو جعل الخصام ألد علي المبالغة. الحديث السادس عن ابن عباس: قوله: ((بيمين وشاهد)) ((مظ)): يعني كان للمدعي شاهد واحد, فأمره رسول الله ص أن يحلف علي ما يدعيه بدلا من الشاهد الآخر, فلما حلف قضى واحد, فأمره رسول الله ﷺ بما ادعاه. وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يجوز الحكم بالشاهد واليمين, بل لابد من شاهدين, وخلافهم في الأموال. فأما إذا كانت الدعوى في غير الأموال, فلا يقبل شاهد ويمين بالاتفاق. ((تو)): وجه هذا الحديث عند من لا يرى القضاء باليمين والشاهد الواحد علي المدعي عليه, أنه يحتمل أن يكون قضى بيمين المدعى عليه بعد أن أقام المدعي شاهدا واحدا, وعجز عن أن يتم البينة وذلك لأن الصحابي لم يبين في حديثه صفة القضاء, وقد روي عن ابن عباس ﵄ بطرق مرضية أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد, وهذه الرواية تقوي ذلك الاحتمال, فلا يترك مع وجود ذلك الاحتمال ما ورد به التنزيل, قال الله تعالي: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأَتَانِ﴾ فلما ورد التوفيق بذلك, لم يروا أن يحكموا بأقل من ذلك إلا بدليل مقطوع به.

стр. 2046

٣٧٦٤ - وعن علقمة بن وائل, عن أبيه, قال: جاء رجل من حضرموت, ورجل من كندة إلي النبي ﷺ , فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا غلبني علي أرض لي فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي, ليس له فيها حق. فقال النبي ﷺ ــ واستدلوا أيضا بحديث علقمة بن وائل الذي يتلو حديث ابن عباس هذا. وذلك قوله ﷺ : ((ألك بينة)) قال: لا. قال: ((فلك يمينه)). فلما أعاد عليه القول, قال: ((ليس لك منه إلا ذلك)). أقول: قوله: إلا بدليل مقطوع به يقال له: هل يجاء بأقطع من هذا الحديث صحة ونصا, أما الصحة فقد رواه مسلم في صحيحة. قال الشيخ محي الدين: وجاءت أحاديث كثيرة في هذه المسألة من رواية علي وابن عباس وزيد بن ثابت وأبي هريرة وعمارة بن حزم وسعد بن عبادة وعبد الله ابن عمرو والمغيرة رضوان الله عليهم أجمعين, وهو حجة جمهور علماء الإسلام من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار. وأما ظاهر النص فإن ((قضى)) يستعمل بالباء واللام وعلي, والباء للسببية, فإذا قلت: قضى للمدعي علي المدعى عليه بسبب البينة واليمين استقام وصح. ولو قلت: قضى للمدعى عليه بسبب يمينه وشاهد للمدعي أبعدت المرمى وركبت شططا, ولكن أولائك الرامية في حذف البان الحائزة بصب السبق في حلبة الميدان, السابقون والمصلون من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أصابوا المخبر وركبوا متن الصواب, فعلي هذا أنى يكون للاحتمال فيه مجال. وأما قوله: ((ألك بينة)) التنكير فيه للشيوع أي ألك بينة ما, فقوله: ((لا)) يريد به أن ليس لي بينة أصلا, فكيف يستدل بهذا علي المطلوب؟ إذ لو كان له شاهد واحد لم يقل للمدعي فلك يمينه, بل فعليك اليمين. الحديث السابع عن علقمة: قوله: ((وهو عنه معرض)) هو مجاز عن الاستهانة به والسخط عليه والإبعاد عن رحمته] *, نحوه قوله تعالي: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ و ((غلبني علي أرض)) أي غصبها مني قهرا. ((مح)) وفي رواية ((علي أرض لأبي)). وفيه أنواع من الفوائد منها: أن صاحب اليد أولي من أجنبي يدعي عليه. ومنها: أن المدعي عليه يلزمه اليمين إذا لم يقر, ومنها: أن البينة تقدم علي اليد ويقضى بها لصاحبها بغير يمين. ومنها أن يمين الفاجر المدعى عليه تقبل كيمين العدل, ويسقط عنه المطالبة بها.

стр. 2047

للحضرمي: ((ألك بينة؟)) قال: لا. قال: ((فلك يمينه)) قال: يا رسول الله إن الرجل فاجر, لا يبالي علي ما حلف عليه, وليس يتورع من شيء قال: ((ليس لك منه إلا ذلك)). فانطلق ليحلف. فقال رسول الله ﷺ لما أدبر: ((لئن حلف علي ماله ليأكله ظلما؛ ليلقين الله وهو عنه معرض. رواه مسلم. ٣٧٦٥ - وعن أبي ذر [﵁] , أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((من ادعى ما ليس له؛ فليس منا, وليتبوأ مقعده من النار)) رواه مسلم. ٣٧٦٦ - وعن زيد بن خالد, قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها)) رواه مسلم. ــ ومنها: أن أحد الخصمين إذا قال لصاحبه: إنه ظالم أو فاجر أو نحوه في حال المخاصمة يحتمل ذلك منه. ومنها: أن الوارث إذا ادعى شيئا لمورثه, وعلم الحاكم أن مورثه مات ولا وارث له سواه, جاز الحكم له به ولم يكلفه حال الدعوى ببينة علي ذلك, وموضوع الدلالة أنه قال: ((غلبني علي أرض لي كانت لأبي)) فقد أقر بأنها كانت لأبيه, فلولا أن النبي ﷺ علم بأنه ورثها وحده, لطالبه ببينة علي كونه وارثا وبينة أخرى علي كونه محقا في دعواه علي خصمه. الحديث الثامن والتاسع عن زيد: قوله: ((يأتي بشهادته قبل أن يسألها)) ((مح)): فيه تأويلان أصحهما وأشهرهما تأويل مالك وأصحاب الشافعي, أنه محمول علي من عنده شهادة لإنسان بحق, ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد, فيأتي إليه, فيخبره بأنه شاهد له؛ لأنها أمانة له عنده. والثاني أنه محمول علي شهادة الحسبة في غير حقوق الآدميين, كالطلاق والعتق والوقف والوصايا العامة والحدود ونحو ذلك, فمن علم شيئا من هذا النوع وجب عليه رفعه إلي القاضي وإعلامه به, قال تعالي: ﴿وأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ , وحكي تأويل ثالث أنه محمول علي المبالغة في أداء الشهادة بعد طلبها, كما يقال: الجواد يعطي قبل السؤال, أي يعطي سريعا عقيب السؤال من غير توقف, وليس هذا في الحديث مناقضة للحديث الآخر من قوله ﷺ : ((يشهدون ولا يشهدون)). قال أصحابنا: إنه شاهد زور فيشهد بما لا أصل له, ولم يستشهد. وقيل: هو الذي انتصب شاهدا وليس من أهل الشهادة.

стр. 2048

٣٧٦٧ - وعن ابن مسعود, قال: قال رسول الله ﷺ : ((خير الناس قرني, ثم الذي يلونهم, ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه, ويمينه شهادته)) متفق عليه. ٣٧٦٨ - وعن أبي هريرة [﵁] , أن انبي ﷺ عرض علي قوم اليمين, فأسرعوا, فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف. رواه البخاري. الفصل الثاني ٣٧٦٩ - عن عمرو بن شعيب, عن أبيه عن جده, أن النبي ﷺ قال: ((البينة علي المدعي، واليمين علي المدعى عليه)).رواه الترمذي [٣٧٦٩] ٣٧٧٠ - وعن أم سلمه [﵂] , عن النبي ﷺ : في رجلين اختصما إليه في مواريث لم تكن لهما بينة إلا دعواهما. فقال: ((من قضيت له بشيء من حق ــ الحديث العاشر عن ابن مسعود: قوله: ((خير الناس قرني)) ((نه)): القرن أهل كل زمان وهو مقدار التوسط في أعمار كل زمان, مأخوذ من الاقتران, وكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم. قوله: ((تسبق شهادة أحدهم يمينه)) ((قض)): هم الذين يحرصون علي الشهادة مشغوفين بترويجها, يحلفون علي ما يشهدون به, فتارة يحلفون قبل أن يأتوا بالشهادة وتارة يعكسون. ((مظ)): هذا يحتمل أن يكون مثلا في سرعة الشهادة واليمين, وحرص الرجل عليهما والشروع فيهما, حتى لا يدري لأنه بأيهما يبتدئ, فكأنه تسبق شهادته يمينه ويمينه شهادته من قلة مبالاته بالدين. ((مح)): واحتج به المالكية في رد شهادة من لف معها, والجمهور علي أنها لا ترد. الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فأمر أن يسهم بينهم)) ((مظ)): صورة المسالة أن رجلين إذا تداعيا متاعا في يد ثالث, ولم يكن لهما بينة, أو لكل واحد منهما بينة, وقال الثالث: لم أعلم بذلك. فحكمها أن يقرع بين المتداعيين, فأيهما خرجت له القرعة يحلف معها, ويقضي له بذلك المتاع, وبهذا قال علي ﵁. وعند الشافعي يترك في يد الثالث, وعند أبي حنيفة يجعل بين المتداعيين نصفين. الفصل الثاني الحديث الأول والثاني عن أم سلمه: قوله: ((إلا دعواهما)) هو من باب التعليق بالمحال مبالغة, كقوله تعالي: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إلَاّ المَوْتَةَ الأُولي﴾ أي لم تكن لهما بينة إلا الدعوى, وقد علم أن الدعوى ليست ببينة فيلزم أن لا يكون لهم بينة قط. وقوله: ((كل واحد منهما)) بدل من ((الرجلان)) أي قال كل واحد من الرجلين.

стр. 2049

أخيه؛ فإنما اقطع له قطعة من النار)). فقال الرجلان كل واحد منهما: يا رسول الله حقي هذا لصاحبي فقال: لا, ولكن اذهبا, فاقتسما, وتوخيا الحق, ثم أستهما, ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه)). وفي رواية, قال: ((إنما أقضي بينكما برأيي فيما لم ينزل علي فيه)) رواه أبو داود. [٣٧٧٠] ٣٧٧١ - وعن جابر بن عبد الله: أن رجلين تداعيا دابة, فأقام كل واحد منهما البينة أنها دابته نتجها, فقضى بها رسول الله ﷺ للذي في يده. رواه في ((شرح السنة)). [٣٧٧١] ٣٧٧٢ - وعن أبي موسى الأشعري: أن رجلين ادعيا بعيرا علي عهد رسول الله ﷺ , فبعث كل واحد منهما شاهدين, فقسمه النبي ﷺ بينهما نصفين. رواه أبو داود وفي رواية له وللنسائي, وابن ماجه: أن رجلين ادعيا بعيرا ليست لواحد منهما بينة, فجعله النبي ﷺ بينهما. [٣٧٧٢] ــ قوله: ((توخيا الحق)) ((نه)): يقال: توخيت الشيء أتوخاه توخيا إذا قصدت إليه وتعمدت فعله وتحريت فيه. أي اقصدا الحق فيما تصنعانه من القسمة, وليأخذ كل واحد منكما ما تخرجه القرعة من القسمة قبل أمرها بالتوخي في معرفة مقدار الحق. وذلك يدل علي أن الصلح لا يصح إلا في الشيء المعلوم ثم ضم إليه القرعة؛ لأن التوخي طلب الظن, والقرعة نوع من البينة فهي أقوى, ثم أمر بالتحليل ليكون افتراقهما عن يقين براءة وطيبة نفس. الحديث الثالث عن جابر: قوله: ((أن رجلين تداعيا)) ((حس)): قالوا: إذا تداعى رجلان دابة أو شيئا وهو في يد احدهما فهو لصاحب اليد, ويحلف عليه إلا أن يقيم الآخر بينة فيحكم له به, فلو أقام كل واحد بينة ترجح بينة ذي اليد. وذهب أصحاب أبي حنيفة إلي أن بينة ذي اليد غير مسموعة وهو للخارجي, إلا في دعوى النتاج إذا ادعى كل واحد أن هذه الدابة ملكه نتجها, وأقام بينة علي دعواه يقضي بها لصاحب اليد. وإن كان الشيء في أيديهما فتداعيا حلفا, وكان بينهما مقسوما بحكم اليد, وكذلك لو أقام كل واحد بينة, ومعنى ((نتجها)) أي ولدها ومصدره النتج. الحديث الرابع عن أبي موسى: قوله: ((فجعله النبي ﷺ بينهما)) هذا مطلق يحمل علي المقيد الذي يليه في قوله: ((أستهما علي اليمين)).

стр. 2050

٣٧٧٣ - وعن أبي هريرة, أن رجلين اختصما في دابة, وليس لهما بينة. فقال النبي ﷺ : ((أستهما علي اليمين)) رواه أبو داود, وابن ماجه. [٣٧٧٣] ٣٧٧٤ - وعن ابن عباس: أن انبي ﷺ قال لرجل حلفه: ((احلف بالله الذي لا إله إلا هو, ماله عندك شيء)) يعني للمدعي. رواه أبو داود. [٣٧٧٤] ٣٧٧٥ - وعن الأشعث بن قيس, قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض, فجحدني, فقدمته إلي النبي ﷺ , فقال: ((ألك بينة؟)) قلت: لا. قال لليهودي: ((احلف)) قلت: يا رسول الله إذن يحلف ويذهب بمالي, فأنزل الله تعالي: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ الآية, رواه أبو داود, وابن ماجه. [٣٧٧٥] ٣٧٧٦ - وعنه, أن رجلا من كندة, ورجلا من حضر موت, اختصما إلي رسول الله ﷺ في أرض من اليمن. فقال الحضرمي: يا رسول الله إن أرضي اغتصبنيها أبو هذا, وهي في يده. قال: ((هل لك بينة؟)) قال: لا, ولكن أحلفه, والله ما يعلم أنها أرضي اغتصبنيها أبوه؟ فتهيأ الكندي لليمين. فقال رسول الله ﷺ : (لا يقطع أحد مالا بيمين إلا لقي الله وهو أجذم)) فقال الكندي: هي أرضه. رواه أبو داود. [٣٧٧٦] ــ الحديث الخامس إلي السابع عن الأشعث: قوله: ((فأنزل الله تعالي)) فإن قلت: كيف يطابق نزول هذه الآية قوله: ((إذن يحلف ويذهب بمالي))؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: كأنه قيل للأشعث: ليس لك عليه إلا الحلف فإن كذب فعليه وباله. وثإنيهما: لعل الآية تذكار لليهود بمثلها في التوراة من الوعيد. ((حس)): فيه دليل علي أن الكافر يحلف في الخصومات كما يحلف المسلم. أقول: قد جاء في آخر هذا الحديث في أكثر نسخ المصابيح ((صح)) أو ((صحيح)) وليس في سنن أبي داود وابن ماجه وشرح السنة ذلك. الحديث الثامن عن الأشعث: قوله: ((والله ما يعلم)) ما هو اللفظ المحلوف به أي أحلفه بهذا. والوجه أن تكون الجملة القسمية منصوبة المحل علي المصدر, أي أحلفه هذا الحلف. وقوله: ((وهو أجذم)) أي أجذم الحجة لا لسان له يتكلم ولا حجة في يده. الحديث التاسع عن عبد الله: قوله: ((واليمين الغموس)) ((نه)): هي اليمين الكاذبة الفاجرة التي

стр. 2051

٣٧٧٧ - وعن عبد الله بن إنيس, قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من أكبر الكبائر الشرك بالله, وعقوق الوالدين, واليمين الغموس, وما حلف حالف بالله يمين صبر, فأدخل فيها مثل جناح بعوضة, إلا جعلت نكتة في قلبه إلي يوم القيامة)). رواه الترمذي, وقال: هذا حديث غريب. [٣٧٧٧] ٣٧٧٨ - وعن جابر, قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحلف أحد عند منبري هذا علي يمين آثمة, ولو علي سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار, أو وجبت له النار)). رواه مالك, وأبو داود, وابن ماجه. [٣٧٧٨]. ــ يقتطع بها الحالف مال غيره. سميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار وفعول للمبالغة. ((مظ)): قوله: ((فأدخل فيها)) أي فأدخل في تلك اليمين شيئا من الكذب. أقال: ذكر ﷺ ثلاثة أشياء وخص الأخيرة منها بالوعيد ليؤذن بأنها مثلها, وداخلة في أكبر الكبائر حذرا من احتقار الناس لها, وإنها ليست من الكبائر مثلها, ونحوه في الإلحاق قوله ﷺ في حديث خريم بن فاتك: ((عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله)) ومعنى الانتهاء في قوله ((إلي يوم القيامة)) أن اثر تلك النكتة التي هي من الرين يبقي أثرها إلي يوم القيامة, ثم بعد ذلك يترتب عليه وبالها والعقاب عليها, فكيف إذا كان كذبا محضا. الحديث العاشر عن جابر: قوله: ((عند منبري هذا)) ((تو)): وجه ذكر المنبر فيه عند من يري ذلك تغليظا في اليمين ظاهر. وأما عند من لا يرى التغليظ يتأتي في شيء من الأزمنة والأمكنة, فالوجه فيه أن يقال: إنما جرى ذكر المنبر؛ لأنهم كانوا يتحاكمون ويتحالفون يومئذ في المسجد, فاتخذوا الجانب الأيمن منه وهناك المنبر محلا للأقضية, فذكر في الحديث علي ما كان. وارى هذا تأويلا حسنا لا يرى العدول عنه؛ لئلا يفتقر أن يعدل بالحلف بالله شيئا, واليمين الآثمة موجبة لسخط الله ونكاله علي أية صيغة كانت. أقول: ولناصر القول الأول أن يقول: وصف المنبر باسم الإشارة بعد إضافته إلي نفسه ليس إلا للتعظيم, وان للمكان مدخلا في تغليظ اليمين. وقوله: ((أخضر)) تتميم لمعنى التحقير في السواك؛ لأنه لا يستعمل إلا يابسا, يعني أن مثل هذا المحلوف عليه الذي لا يعتد به لليمين, بل يعد لغوا بسبب العرف, ولا يؤاخذ بها إذا ترتب عليه هذا الوعيد الشديد لأجل هذا المكان الرفيع فكيف بما هو فوقه؟ وفيه أن الإيمان إنما تصير مغلطة بحسب المكان والزمان, لا بحسب المحلوف عليه وإن كان عظيما.

стр. 2052

٣٧٧٩ - وعن خريم بن فاتك, قال: صلي رسول الله ﷺ صلاة الصبح, فلما انصرف, قام قائما, فقال: ((عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله)) ثلاث مرات, ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لله غَيْرَ مُشْرِكِينَ﴾ رواه أبو داود, وابن ماجه. [٣٧٧٩] ٣٧٨٠ - ورواه أحمد, والترمذي عن أيمن بن خريم, إلا أن ابن ماجه لم يذكر القراءة. [٣٧٨٠] ٣٧٨١ - وعن عائشة [﵂] , قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لا يجوز شهادة خائن, ولا خائنة, ولا مجلود حدا, ولا ذي غمر علي أخيه, ولا ظنين في ولاء ــ الحديث الحادي عشر عن خريم بن فاتك: قوله: ((قام قائما)) هو اسم الفاعل أقيم مقام المصدر, وقد تقرر في علم المعإني أن كل عدول عن الظاهر لابد فيه من عكسه وفي عكسه, فكأن قيامه ﷺ صار قائما علي الإسناد المجازي, كقولهم: نهاره صائم وليله قائم, وذلك يدل علي عظم شأن ما قام له وتجلد وتشمر بسببه. و ((الزور)) من الزور والإزورار وهو الانحراف, وإنما ساوي قول الزور الشرك بالله؛ لأن الشرك من باب الزور؛ لأن المشرك زاعم أن الوثن يحق له العبادة. وفي التنزيل عطف قول الزور علي عبادة الأوثان, وكرر الفعل استقلالا فيما هو مجتنب عنه في كونهما من وادي الرجس, الذي يجب أن يجتنب عنه فكأنه قال: فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور. واجتنبوا قول الزور كله, ولا تقربوا شيئا منه لتماديه في القبح والسماجة وما ظنك بشيء من قبيل عبادة الأوثان, وسمي الأوثان رجسا علي طريق التشبيه, يعني أنكم كما تنفرون بطباعكم عن الرجس وتجتنبوه, فعليكم أن تنفروا من الأوثان مثل تلك النقرة. وقرر هذا المعنى تقريرا بعد تقرير بقوله: ﴿حُنَفَاءَ﴾ فإنه حال مؤكدة من الفاعل, واتبعه بقوله: ﴿لله غَيْرَ مُشْرِكِينَ﴾ دلالة علي أن لا فرق بين الإشراك بالله وقول الزور. وإنهما سيان في الرجس الذي يجب أن يجتنب عنه, وفيه أن مراعاة حق العباد معادلة لحق الله تعالي. الحديث الثاني عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((لا تجوز شهادة خائن)) ((قض)): الخائن الذي يخون قيما ائتمنه عليه الناس, ويحتمل أن يكون المراد به الأعم منه, وهو الذي

стр. 2053

ولا قرابة, ور القانع مع أهل البيت)). رواه الترمذي, وقال: هذا حديث غريب. ويزيدبن زياد الدمشقي الراوي منكر الحديث. [٣٧٨١] ٣٧٨٢ - وعن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده, عن النبي ﷺ قال: لا تجوز شهادة الخائن, ولا خائنة, ولا زان, ولا زإنية, ولا ذي غمر علي أخيه)). ورد شهادة القانع لأهل البيت. رواه أبو داود. [٣٧٨٢] ــ يخون فيما ائتمن عليه سواء ما ائتمنه الله عليه من إحكام الدين, أو الماس من الأموال, قال الله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ ويكون إفراد المجلود حدا وعطفه عليه لعظم خيانته, وهو يتناول الزإني غير المحصن والقاذف والشارب. ((مظ)): قال أبو حنيفة: إذا جلد قاذف لا تقبل شهادته أبدا وإن تاب, وأما قبل الجلد فتقبل شهادته. وقال غيره: القذف من جملة الفسوق ولا يتعلق بإقامة الحدود بل إن تاب قبلت شهادته سواء جلد أو لم يجلد, وإن لم يتب لا تقبل شهادته سواء جلد أو لم يجلد. و ((الغمر)) بكسر الغين الحقد, أي لا تقبل شهادة عدو, سواء كلن أخاه من النسب أو أجنبيا. وعلي هذا إنما قال: ((علي أخيه)) تليينا لقلبه وتقبيحا لصنيعه. و ((الظنين)) المتهم, يعني من قال: أنا عتيق فلان وهو كاذب فيه بحيث يتهمه الناس في قوله ويكذبونه, ولا تقبل شهادته لأنه فاسق؛ لأنه قطع الولاء عن المعتق وإثباته لمن ليس بعتيقه كبيرة, وراكبها فاسق. وكذلك الظنين في القرابة وهو المدعي القائل أنا ابن فلان أو أنا اخو فلان من النسب والناس يكذبونه فيه. والقانع السائل المقتنع الصابر بأدنى قوت, والمراد به هاهنا أن من كان في نفقة أحد كالخادم والتابع لا تقبل شهادته؛ لأنه يجر نفعا بشهادته إلي نفسه؛ لأن ما حصل للمشهود له من المال يعود نفعه إلي الشاهد؛ لأنه يأكل من نفقته. وكذلك لا تقبل شهادة من جر نفعا بشهادته إلي نفسه, كالوالد يشهد لولده أو الولد لوالده أو الغريم يشهد بمال المفلس علي أحد, وتقبل شهادة أحد الزوجين للآخر خلافا لأبي حنيفة وأحمد. وتقبل شهادة الأخ لأخيه خلافا لمالك. الحديث الثالث عشر عن عمرو: قوله: ((شهادة القانع لأهل البيت)) معنى ((مع)) في الحديث السابق بمعنى هذه اللام فيكزن حالا من القانع. والعامل الشهادة, أي لا تجوز شهادة القانع

стр. 2054

٣٧٨٣ - وعن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: ((لا تجوز شهادة بدوي علي صاحب قرية)) رواه أبو داود، وابن ماجه. [٣٧٨٣] ٣٧٨٤ - وعن عوف بن مالك، أن النبي ﷺ قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل. فقال النبي ﷺ : ((إن الله تعالي يلوم علي العجز ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل)) رواه أبو داود. [٣٧٨٤] ٣٧٨٥ - وعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ حبس رجلا في تهمة. رواه أبو داود، وزاد الترمذي والنسائي: ثم خلي عنه. [٣٧٨٥] ــ مقارنة لأهل البيت. ويجوز أن يكون صفة للقانع، واللام موصولة وصلة الشهادة محذوف، أي لا يجوز شهادة الذي يقنع مع أهل البيت لهم. الحديث الرابع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا تجوز شهادة بدوي)) ((مظ)): إنما لا تجوز شهادة البدوي لجهالتهم بأحكام الشريعة، وبكيفية تحمل الشهادة وأدائها وغلبة النسيان عليهم فإن علم كيفية تحمل الشهادة وأدائها بغير زيادة ونقصان، وكان عدلا من أهل قبول الشهادة جازت شهادته خلافا لمالك – انتهي كلامه -. قيل: إن كانت العلة جهالتهم بأحكام الشريعة لزم أن لا يكون لتخصيص قوله: ((علي صاحب قرية)) فائدة. والوجه أن تكون العلة ما قاله التوربشتي وهو قوله: لحصول التهمة ببعد ما بين الرجلين. ويؤيده تعدية الشهادة بـ ((علي)) وفيه أنه لو شهد له تقبل، وقيل: لا يجوز لأنه يعسر طلبه عند الحاجة إلي أداء الشهادة. الحديث الخامس عشر عن عوف: قوله: ((ولكن عليك بالكيس)) هو استدراك من العجز والمراد بالكيس هنا التيقظ في الأمر وإتيانه بحيث يرجى حصوله، فيجب أن يحمل العجز علي ما يخالف الكيسن وما هو سبب له من التقصير والغفلة، يعنى كان ينبغي لك أن تتيقظ في معاملتك، ولا تقصر فيها قيل من إقامة البينة ونحوها بحيث إذا حضرت القضاء كنت قادرا علي الدفع، وحين عجزت عن ذلك قلت: حسبي الله. وإنما يقال: حسبي الله إذا بولغ في الاحتياط، وإذا لم يتيسر له طريق إلي حصوله كان معذورا فيه، فليقل حينئذ: حسبي الله ونعم الوكيل، فمعنى قوله: ((إن الله يلوم علي العجز)) أي

стр. 2055

الفصل الثالث ٣٧٨٦ - عن عبد الله بن الزبير [﵄] قال: قضى رسول الله ﷺ : ((أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم)) رواه أحمد، وأبو داود. [٣٧٨٦] كتاب الجهاد الفصل الأول ٣٧٨٧ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان؛ كان حقا علي الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها)). قالوا: أفلا نبشر الناس؟. قال: ((إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء ــ علي التقصير والتهاون في الأمور، ولكن يحمد علي التيقظ والحزم، وحاصل معنى الاستدراك: لا تكن عاجزا. وتقول: حسبي الله، ولكن كن متيقظا حازما فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله. الفصل الثالث الحديث الأول عن عبد الله: قوله ((قضى)) ليس قضى هنا بمعنى حكم أو فصل، بل بمعنى أوجب، وإنما يقال ذلك في أمر يعظم شأنه، كقوله تعالي: ﴿وقَضَى رَبُّكَ أَلَاّ تَعْبُدُوا إلَاّ إيَّاهُ﴾ وليس علي القاضي أمر أشق ولا أخوف من التسوية بين الخصمين. كتاب الجهاد ((المغرب)): جهده حمله فوق طاقته، والجهاد مصدر جاهدت العدو إذا قابلته في تحمل الجهد، إذا بذل كل منكما جهده أي طاقته في دفع صاحبه، ثم غلب في الإسلام علي قتال الكفار. الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((قال: إن في الجنة)) ((شف)): لما سوى النبي ﷺ بين الجهاد في سبيل الله وبين عدمه، وهو المراد بالجلوس في أرضه التي ولد فيها في دخول المؤمن بالله ورسوله، المقيم للصلاة الصائم لرمضان في الجنة.

стр. 2056

والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلي الجنة، وفوقه عرش الرحن، ومنه تفجر أنهار الجنة)). رواه البخاري. ٣٧٨٨ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل المجاهد في سبيل الله، كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله)) متفق عليه. ــ ورأي ﷺ استبشار الراوي بما سمعه لسقوط مشاق الجهاد عنهم وعدم امتيازه في نيل الجنة، استدرك النبي ﷺ قوله الأول بقوله الثاني. أقول: الجواب من الأسلوب الحكيم، أي بشرهم بدخول الجنة بالإيمان والصوم والصلاة وإيجابها لهم بحسب الأجر علي سبيل الوعد، ولم يكتف بذلك بل زاد علي تلك البشارة البشارة الأخرى، وهو الفوز بدرجات الشهداء فضلا من الله تعالي وزيادة علي ذلك، ولم يقنع بهذا أيضا فبشرهم بالفردوس الذي هو أعلاها وأوسطها. وفيه الحث علي ما يحصل به أقصى درجات الجنان وهي الفردوس الأعلي، من المجاهدة مع العدو والنفس والشيطان. وإليه الإشارة بقوله تعالي: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾. فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين ما ورد في صفة أهل الجنة: ((مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها)). قلت: هو مطلق محمول علي هذا المقيد أو تفسير للمجاهدين بالعموم، والدرجات بحسب مراتبهم في الجهاد، فيكون الفردوس لمن جاهد حق جهاده. ((مح)): قال القاضي عياض: يحتمل أن تجري الدرجات علي ظاهره محسوسا كما جاء في أهل الغرف، أنهم يتراؤن كالكوكب الدري، وأن تجري علي المعنى. والمراد كثرة النعيم وعظم الإحسان مما لم يخطر علي قلب بشر. قوله: ((أوسط الجنة)) النكتة في الجمع بين الأعلي والأوسط، أنه أراد بأحدهما الحسي وبالآخر المعنوي؛ فإن أوسط الشيء أفضله وخياره، وإنما كان كذلك؛ لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأعواز، والأوساط محمية محفوظة. قال الطائي: كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفت الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((القانت بآيات الله)) ((نه)) القنوت في الحديث يرد بمعان متعددة: كالطاعة والخشوع والصلاة والصوم والدعاء، والعبادة والقيام وطول القيام والسكوت. أقول: يحتمل أن يراد بالقانت ها هنا القائم، فيكو نتعلق الباء به

стр. 2057

٣٧٨٩ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((انتدب اله لمن خرج في سبيله ــ كتعلقه في قولك: قام بالأمر إذا جد فيه وتجلد له. فالمعنى القائم بما يجب عليه من استفراغ الجهد في معرفة كتاب الله، والامتثال بما أمر الله والانتهاء عما نهي الله، وأن يراد به طول القيام فيكون تابعا للقائم، أي المصلي الذي يطول قيامه في الصلاة وتكثر قراءته فيها، ويؤيد الوجه الثاني قوله: ((لا يفتر من صيام ولا صلاة)). فإن قلت: فبم شبهت حال المجاهد بحال الصائم؟ قلت: في نيل الثواب الجزيل بكل حرمة وسكون في كل حين وأوان؛ لأن المراد من الصائم القائم من لا يفتر ساعة من ساعاته آناء الليل وأطراف النهار من صيامه وصلاته، شبه المجاهد الذي لا يضيع لمحة من لمحاته من أجر وثواب، سواء كان قائما أو نائما يقاتل العدو أم لا، وبالصائم القائم الذي لا يفتر عما هو فيه، فهو من التشبيه الذي المشبه به مفروض غير محقق، وهو من قوله تعالي: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفَّارَ ولا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إلَاّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ (١٢٠) ولا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلَاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((انتدب الله)) ((نه)): أي أجابه إلي غفوانه، يقال: ندبته فانتدب، أي بغيته ودعوته فأجاب. ((تو)): وفي بعض طرقه ((تضمن الله)) وفي بعضها ((تكفل الله)) وكلاهما أشبه بنسق الكلام من قوله: ((انتدب الله)) وكل ذلك صحاح. أقول: أراد أن قوله: ((أن أرجعه)) متعلق بـ ((انتدب)) بحذف الجار علي تضمين ((تكفل)) أي تكفل الله بأن يرجعه فأرجعه حكاية قول الله تعالي. ولعل ((انتدب)) أشبه وأبلغ؛ لأنه مسبوق بدعوة الداعي مثل صورة خروج المجاهد في سبيل الله بالدعي الذي يدعو الله ويندبه لنصرته علي أعداء الدين وقهره أحزاب الشياطين ونيل أجوره والفوز بالغنيمة علي الاستعارة التمثيلية. وكان المجاهد في سبيل الله الذي لا غرض له في جهاده سوى التقرب إلي الله تعالي، والإيمان به والتصديق برسله فيما أخبروا به، أنه قربة إلي الله تعالي ووصلة ينال بها الدرجات العلي، تعرض بجهاده لطلب النصر والمغفرة، فأجابه الله تعالي إلي بغيته، ووعد له إحدى الحسنيين: إما السلامة والرجوع بالأجر والغنيمة، وإما الوصول إلي الجنة والفوز بمرتبة الشهادة. وقوله: ((بما نال)) علي لفظ الماضي وأرد علي تحقق وعد الله تعالي وحصوله. قوله: ((إلا إيمان بي)) بالرفع. ((مح)): ((إيمانا وتصديقا)) بالنصب في جميع نسخ مسلم علي أنه مفعول له، أي لا يخرجه مخرج ولا يحركه محرك إلا إيمانا وتصديقا. أقول: علي رواية

стр. 2058

لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي؛ أن أرجعه بما نال من أجر وغنيمة، أو أدخله الجنة)) متفق عليه. ــ الرفع المستثنى منه أعم عام الفاعل، أي لا يخرجه مخرج ولا يحركه محرك إلا إيمان وتصديق، وعلي رواية النصب المستثنى منه أعم عام المفعول له، أي لا يخرجه المخرج ولا يحركه المحرك لشيء من الأشياء إلا للإيمان والتصديق. ((شف)): قوله: ((لا يخرجه إلا إيمان بي)) فيه إضمار أي انتدب الله لمن خرج في سبيله قائلا لا يخرجه إلا إيمان بي. أقول: هذا أحد قولي المالكي، والآخر أن الضمير في ((سبيله)) راجع إلي ((من)) و ((سبيله)) نعت محذوف أي في سبيله المرضية، والنعت يحذف كثيرا إذا كان مفهوما، نحو قوله تعالي: ﴿لَرَادُّكَ إلي مَعَادٍ﴾ تحبه، ثم أضمر بعد ((سبيله)) قولا حكى به ما بعد ذلك لا موضع له من الإعراب، يعني أن الجملة الثانية استئنافية، كأن قائلا قال: وما ذاك بالانتداب وكيف انتدب؟ أجيب: قال: ((لا يخرجه)) لكن علي هذا التقدير لا يلتئم قوله: ((أن أرجعه)) بـ ((انتدب)). والأشبه أن يكون التفاتا؛ إذ لو قيل: ((إلا إيمان بي)) لكان مجرى علي الظاهر ولم يفتقر إلي الإضمار فعدل تفخيما لشأن المخرج ومزيدا لاختصاصه وقربه، والجار من ((أن أرجعه)) محذوف، أي أجاب الله دعاءه بأن قال: إما أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة. ((تو)): ويروى ((أو غنيمة)) وهو لفظ الكتاب، ويروى بالواو وهو أوجه الروايتين وأسدهما معنى. ((مح)): قالوا معناه أرجعه إلي مسكنه مع ما حصل له من الأجر بلا غنيمة إن لم يغنموا، أو مع الأجر والغنيمة معا إن غنموا. وقيل: إن ((أو)) هنا بمعنى الواو أي من أجر وغنيمة. ووقع بالواو في رواية أبي داود وكذا في صحيح مسلم في رواية يحيى بن يحيى. أقول: ((أو)) بمعنى الواو ورد في التنزيل منه قوله تعالي: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ كذا ذكره القتيبي. وقوله: ((أو غنيمة)) عطف علي ((أجر)) و ((أو)) داخلة علي ((أن أرجعه)) فيكون صلة ((أن)) والتقدير أن الله تعالي أجاب الخارج في سبيله إما بأن يرجعه إلي مسكنه مع أجر بلا غنيمة أو أجر مع غنيمة، وإما أن يستشهد فيدخله الجنة. ((مح)): قال القاضي عياض: يحتمل أن يدخله عند موته كما قال تعالي في الشهداء: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، وأن يراد دخوله الجنة مع السابقين المقربين بلا حساب ولا عذاب، وتكون الشهادة مكفرة لذنوبه.

стр. 2059

٣٧٩٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده لولا أن رجالا من المسلمين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه؛ ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله. والذي نفسي بيده، لوددت أن أقتل في سبيل الله، ثم أحيى، ثم أقتل، ثم أحيى، ثم أقتل: ثم أحيى، ثم أقتل)) متفق عليه. ٣٧٩١ - وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((رباط يوم في سبيل الله، خير من الدنيا وما عليها)). متفق عليه. ٣٧٩٢ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها)) متفق عليه. ٣٧٩٣ - وعن سلمان الفارسي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((رباط ــ الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ثم أحيى ثم أقتل)) ((ثم)) وإن دل علي التراخي في الزمان هنا، لكن الحمل علي التراخي في الرتبة هو الوجه؛ لأن المتمني حصول درجات بعد القتل، والإحياء لم يحصل قبل؛ ومن ثمة كررها لنيل مرتبة بعد مرتبة إلي أن ينتهي إلي الفردوس الأعلي كما سبق. انظر أيها المتأمل وتفكر في إيثاره ﷺ صحبة أولئك الكملة علي هذه المراتب العلية؛ ليعلم فضلهم ومكانتهم عند الله تعالي. ومن ثمة كرر ((رجالا)) تعظيما وتفخيما وهم أشهر الناس، ولأمر ما خوطب حبيب الله صلوات الله عليه بالجلوس إليهم والصبر معهم في قوله تعالي: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ وبالمفارقة عنهم بقوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مَنَ الظَّالِمِينَ﴾. ((مح)): فيه فضيلة الغزو والشهادة والخير وما لا يمكن في العادة من الخيرات. وفيه أن الجهاد من فروض الكفاية لا من العين. وفيه ما كان عليه ﷺ من الشفقة علي المسلمين والرأفة، وأنه كان يترك بعض ما يختاره للرفق بالمسلمين، وأنه إذا تعارضت المصالح يؤثر أهمها. الحديث الخامس إلي السابع عن سلمان: قوله: ((رباط يوم وليلة)) ((نه)): الرباط في الأصل الإقامة علي جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وإعدادها. والمرابطة أن يربط الفريقان خيولهم في ثغر كل منهما معد لصاحبه. وسمي المقام في الثغور رباطا، ويكون الرباط مصدر رابطت أي

стр. 2060

يوم وليلة في سبيل الله، خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان)) رواه مسلم. ٣٧٩٤ - وعن أبي عبس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله؛ فتمسه النار)) رواه البخاري. ٣٧٩٥ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا)) رواه مسلم. ــ لازمت. قوله: ((وإن مات جرى عليه عمله)) الضمير في ((مات)) راجع إلي المرابط، وإن لم يجر له ذكر لدلالة الرباط عليه. ((مح)): هذه فضيلة مختصة بالمرابط لا يشاركه فيها غيره، وقد جاء صريحا في غير مسلم: ((كل ميت يختم له علي عمله إلا المرابط، فإنه ينمي له عمله إلي يوم القيامة)). ((وأمن الفتان)) ضبطوه من وجهين: أحدهما بفتح الهمزة وكسر الميم. والثاني: ((أومن)) بضم الهمزة وإثبات الواو، و ((الفتان)) رواية الأكثر بضم الفاء جمع فاتن، ورواية الطبري بالفتح، وفي سنن أبي داود ((وفتنة القبر)). أقول: إذا روى بالفتح فالوجه ما قيل: إن المراد منه الذي يفتن المقبور بالسؤال فيعذبه، وقد قال النبي ﷺ : فيقيض له أعمى وأصم)) وإن روى بالضم فالأولي أن يحمل علي أنواع من الفتن بعد الإقبار من ضغطة القبر والسؤال والتعذيب في القبر، وبعده من أهوال القيامة. ومعنى ((جرى عليه عمله)) كقوله: جرى عليه القضاء، أي يقدر له من العمل بعد الموت، كما جرى منه قبل الممات. فجرى هنا بمعنى قدر ونحوه في المريض قوله ﷺ : ((إن العبد إذا كان علي طريقة حسنة من العبادة ثم مرض، قيل للملك الموكل به: اكتب له مثل عمله إذا كان طليقا)) ولما كان قوله ﷺ : ((وأجري عليه رزقه)) تلميحا إلي قوله: ((يرزقون)) أجرى مجراه في البناء للمفعول. الحديث الثامن عن أبي عبس: قوله: ((فتمسه النار)) مسبب عن قوله: ((اغبرت)) والنفي منصب علي القبيلتين معا، وفائدته أن غير المذكور محال حصوله، فإذا كان مس الغبار قدميه دافعا لمس النار إياه، فكيف إذا سعى فيها واستفرغ جهده، وألقى النفس عليها بشراشره فقتل وقتل. الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((في النار أبدا)) ((مح)): قال القاضي: يحتمل أن هذا مختص بمن قتل كافرا في الجهاد، فيكون ذلك مكفرا لذنوبه حتى لا يعاقب

стр. 2061

٣٧٩٦ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من خير معاش الناس لهم، رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله، يطير علي متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة، طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه، أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه ــ عليها،، وأن يكون عقابه بغير النار أو يعاقب في غير مكان عقاب الكفار، ولا يجتمعان في إدراكها. أقول: والأول هو الوجه، وهو من الكناية التلويحية، نفي الاجتماع فيلزم منه نفي المساواة بينهما فيلزم أن لا يدخل المجاهد النار أبدا، فإنه لو دخلها لساواه، ويؤيده قوله ﷺ في حديث أبي هريرة في الفصل الثاني: ((ولا يجتمع علي عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم)) وفي رواية ((في منخري مسلم)). وقوله: ((أبدا)) بمعنى ((قط)) في الماضي، وعوض في المستقبل تنزيلا للمستقبل منزلة الماضي. ((الجوهري)): يقال: لا أفعله أبد الآباد وأبد الآبدين، كما يقال: دهر الداهرين وعوض العائضين، والمقام يقتضيه لأنه ترغيب في الجهاد وحث عليه، ونحوه قوله: ((ما أغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار)). الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من خير معاش الناس)) ((قض)): المعاش والتعيش، يقال: عاش الرجل معاشا ومعيشا وما يعاش به، فيقال له: معاش ومعيش كمعاب ومعيب ومحال ومحيل. وفي الحديث يصح تفسيره بهما و ((جل)) رفع بالابتداء علي حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي معاش رجل هذا شأنه من خير معاش الناس لهم. ((يطير علي متنه)) أي يسرع راكبا علي ظهره مستعار من طيران الطائر. و ((الهيعة)) الصيحة التي يفزع منها ويجبن، من هاع يهيع هيعا إذا جبن. و ((الفزعة)) ها هنا فسر بالاستغاثة من فزع إذا استغاث، وأصل الفزع شدة الخوف فيبتغي القتل والموت مظانه، أي لا يبالي ولا يحترز منه بل يطلبه حيث يظن أنه يكون)). و ((مظان)) جمع مظنة وهي الموضع الذي يعهد فيه الشيء ويظن أنه فيه، ووحد الضمير في ((مظانه)) إما لأن الحاصل والمقصود منهما واحد، أو لأنه اكتفي بإعادة الضمير إلي الأقرب، كما اكتفي بها في قوله تعالي: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ ولا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ﴾ ((أو رجل في غنيمة)) أي معاشة، والظرف متعلق به إن جعل مصدرا أو بمحذوف هو صفة لرجل، و ((غنيمة)) تصغير غنم وهو مؤنث سماعي؛ ولذلك صغرت بالتاء، و ((الشعفة)) رأس الجبل ((من هذه الشعف))، يريد به الجنس لا العهد، و ((اليقين)) الموت. سمي به لتحقق وقوعه. أقول: قوله: ((يطير)) إما صفة بعد صفة أو حال من الضمير في ((ممسك)) و ((طار)) جواب ((كلما)) وهو مع جوابه حال من ضمير ((يطير)). وفيه تصوير حالة هذا الرجل وشدة اهتمامه بما

стр. 2062

الشعف، أو بطن واد من هذه الأودية، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين؛ ليس من الناس إلا في خير)) رواه مسلم. ــ هو فيه من المجاهدة في سبيل الله، وهو أنه عادته ودأبه ولا يهتم ولا يلتفت إلي غير ذلك. نحوه قول حاتم: ولله صعلوك يساور همه ويمضي علي الأحداث والدهر مقدما في طلبات لا يرى الخمص ترحة ولا شبعة إن نالها عد مغنما إذا ما رأي يوما مكارم أعرضت تيمم كبراهن ثمت صمما يرمي رمحه ونبله ومجنه وذا شطب غضب الضريبة مخذما وأحناء سرج فاتر ولجامه عتاد أحيي هيجاء وطرفا مسوما فذلك إن يهلك فحسن ثناؤه وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمما وعطف قوله: ((والموت)) علي ((القتل)) لما أريد به الأهوال والأفزاع في مواطن الحرب، كقول الحماسي: لا يكشف الغماء إلا ابن حرة يرى غمرات الموت ثم يزورها فتكون ((مظانه)) بدل اشتمال من الموت، كقوله تعالي: ﴿واذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إذِ انتَبَذَتْ﴾ أي اذكر وقت انتباذها، فيكون مفعولا به علي الاتساع كقوله ويوم شهدنا، ومظان الموت في الحديث بمنزلة غمرات الموت في البيت. وذهب الشارحون إلي أنه منصوب علي الظرفية من قوله: ((يبتغي)). و ((هذه)) من قوله: ((من هذه الشعف)) و ((هذه الأودية)) للتحقير كما في قوله تعالي: ﴿ومَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ وقوله: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً﴾ ومن ثمة صغر ((غنيمة)) وصفا لقناعة هذا الرجل بأنه سكن في أحقر مكان ويجتزئ بأدنى قوت، واعتزال الناس يكفهم شره عنهم، ويستكفي شرهم عنه، ويشتغل بعبادة ربه حتى يجيئه الموت. وعبر عن الموت باليقين ليكون نصب عينيه مزيدا للتسلي؛ فإن في ذكر هادم اللذات ما يعرضه عن أغراض الدنيا، ويشغله عن ملاذها بعبادة ربه حتى يحيه ألا ترى كيف سلي حبيبه صلوات الله عليه حين لقي ما لقي من

стр. 2063

٣٧٩٧ - وعن زيد بن خالد، أن رسول الله ﷺ قال: ((من جهز غازيا في سبيل الله؛ فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله؛ فقد غزا)) متفق عليه. ٣٧٩٨ - وعن بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((حرمة نساء المجاهدين علي ــ أذى الكفار بقوله تعالي: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) واعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾. ((مح)): في الحديث دليل لمن قال بتفضيل العزلة علي الاختلاط، وفي ذلك خلاف مشهور فمذهب الشافعي وأكثر العلماء، أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن. ومذهب طوائف من الزهاد أن الاعتزال أفضل، واستدلوا بالحديث. وأجاب الجمهور بأنه محمول علي زمان الفتن والحروب، أو فيمن لا يسلم الناس منه ولا يصبر علي أذاهم. وقد كانت الأنبياء صلوات الله عليهم وجماهير الصحابة والتابعين والعلماء والزهاد مختلطين ويحصلون منافع الاختلاط بشهود الجمعة والجماعة والجنائز وعيادة المرضي وحلق الذكر وغير ذلك. أقول: وفي تخصيص ذكر المعاش تلميح، فإن العيش المتعارف بين أبناء الدهر هو استيفاء اللذات والانهماك في الشهوات، كما سميت البيداء المهلكة بالمفازة والمنجاة، واللديغ بالسليم، وتلميح إلي قوله ﷺ : ((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة)). وفيه أن لا عيش ألذ وأمرأ وأشهي وأهنأ مما يجد العبد من طاعة ربه ويستروح إليها، حتى يرفع تكاليفها ومشاقها عنه، بل إذا فقدها كان أصعب عليه مما إذا وتر أهله وماله، وإليه ينظر قوله ﷺ : ((أرحنا يا بلال)) وقوله: ((وجعل قرة عيني في الصلاة)) وتعريض بذم عيش الدنيا لما ورد: ((تعس عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد الخميصة)) إلي قوله: ((طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله)) الحديث. وجماع معنى الحديث الحث علي مجاهدة أعداء الدين، وعلي مجاهدة النفس والشيطان والإعراض عن استيفاء اللذات العاجلة. الحديث الحادي عشر عن زيد: قوله: ((ومن خلف غازيا)) ((قض)): يقال: خلفه في أهله إذا قام مقامه في إصلاح حالهم ومحافظة أمرهم، أي من تولي أمر الغازي وناب منابه في مراعاة أهله زمان غيبته، شاركه في الثواب؛ لأن فراغ الغازي له واشتغاله به بسبب قيامه بأمر عياله فكأنه مسبب من فعله. الحديث الثاني عشر عن بريدة: قوله: ((فيخونه فيهم)) الضمير المفعول عائد إلي ((رجلا)) وفي ((فيهم)) إلي الأهل تعظيما وتفخيما لشأنهن، كقول الشاعر:

стр. 2064

القاعدين كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم؛ إلا وقف له يوم القيامة، فيأخذ من عمله ما شاء، فما ظنكم؟)). رواه مسلم. ٣٧٩٩ - وعن أبي مسعود الأنصاري، قال جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله. فقال رسول الله ﷺ : ((لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة)). رواه مسلم. ــ ((وإن شئت حرمت النساء سواكم)) وإنهن ممن تجب مراعاتهن وتوقيرهن وإلي هذا المعنى أشار ﷺ بقوله: ((كحرمة أمهاتهم)) والضمير في ((له)) يعود إلي ((رجلا)). والأظهر أن يكون بمنزلة اسم الإشارة كما في قول رؤبة: فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق يعني وقف الخائي لأجل ما فعل من سوء الخلافة للغازي في أهله. وقوله: ((فما ظنكم؟)) فيه تهديد عظيم. ((مح)): معناه ما تظنون في رغبة المجاهد في أخذ حسناته، والاستكثار منها في ذلك المقام، أي لا يبقى منها شيء إلا أخذه. ((مظ)): أي ما ظنكم بالله مع هذه الخيانة؟ هل تشكون في هذه المجازاة أم لا؟ يعني إذا علمتم صدق ما أقول فاحذروا من الخيانة في نساء المجاهدين. ((تو)): أي فما ظنكم بمن أحله الله بهذه المنزلة، وخصه بهذه الفضيلة وبما يكون وراء ذلك من الكرامة. أقول: الأقرب قول المظهر؛ فإن سياق الكلام جاء في حرمة نساء المجاهدين، وتوقير شأنهن وتنزيلهن منزلة الأمهات، وأن الخيانة معهن منافية للدين والمروءة، يعني ما تظنون في ارتكابكم هذه الجريمة العظيمة، هل تتركون مع تلك الخيانة أم ينتقم الله منكم؟ ويلزم من هذا تعظيم شأن المجاهدين. الحديث الثالث عشر عن أبي مسعود: قوله: ((بناقة مخطومة)) ((نه)): خطام البعير أن يؤخذ حبل من ليف أو شعر أو كتان، فيجعل في أحد طرفيه حلقة ثم يشد به الطرف الآخر حتى يصير كالحلقة ثم يقلد البعير ثم يثنى علي مخطمه. وأما الذي يجعل في الأنف دقيقا فهو الزمام ((مح)): يحتمل أن يكون المراد له اجر سبعمائة ناقة في غير سبيل الله، وأن يكون علي ظاهره، ويكون له في الجنة بها سبعمائة ناقة، كما جاء في خيل الجنة.

стр. 2065

٣٨٠٠ - وعن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ بعث بعثا إلي بني لحيان من هذيل. فقال: ((لينبعث من كل رجلين أحدهما، والأجر بينهما)). رواه مسلم. ٣٨٠١ - وعن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لن يبرح هذا الدين قائما، يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة)) رواه مسلم. ٣٨٠٢ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك)) متفق عليه. ــ الحديث الرابع عشر عن أبي سعيد قوله: ((بعث بعثا)) البعث إثارة الشيء وتوجيهه، يقال: بعثته فانبعث، وقد يسمى الجيش بعثا؛ لأنه ينبعث ثم يجمع. وقوله: ((فقال: لينبعث)) أي أراد أن يبعث بعثا فقال: لينبعث. ((مح)): ((لحيان)) بكسر اللام وفتحها والكسر أفصح، يعني بعث جيشا إليهم ليغزوهم، فقال لهم: ليخرج من كل قبيلة نصف عددها. وكون الأجر بينهما محمول علي ما إذا خلف المقيم الغازي في أهله بخير. الحديث الخامس عشر عن جابر: قوله: ((يقاتل عليه)) جملة مستأنفة بيانا للجملة الأولي، وعداه بـ ((علي)) لتضمينه معنى تظاهر، أي يظاهرون بالمقاتلة علي أعداء الدين، يعني أن هذا الدين لم يزل قائما بسبب مقاتلة هذه الطائقة. وما أظن هذه العصابة إلا الفئة المنصورة بالشام والمغرب. ((مح)): ورد في الحديث: ((لا يزال أهل الغرب ظاهرين علي الحق حتى تقوم الساعة)) قيل: هم أهل الشام وما وراء ذلك، وفيه معجزة ظاهرة؛ فإن هذا الوصف لم يزل بحمد الله تعالي من زمن النبي ﷺ إلي الآن، ولا يزال حتى يأتي أمر الله تعالي. الحديث السادس عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((والله أعلم بمن يكلم في سبيله)) جملة معترضة بين المستثنى منه، والمستثنى مؤكدة مقررة لمعنى المعترض فيه، وتفخيم بشأن من يكلم في سبيل الله. ومعناه – والله أعلم – تعظيم شأن من يكلم في سبيل الله. ونظيره قوله تعالي: ﴿قَالَتْ رَبِّ إني وضَعْتُهَا أُنثَى واللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ قوله: ﴿واللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وضَعَتْ﴾ معترض بين كلامي أم مريم تعظيما لموضوعها وتجهيلا لها بقدر ما وهب لها، ومعناه والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور. ويجوز أن يكون تتميما للصيانة من الرياء والسمعة. ((مح)): هذا تنبيه علي الإخلاص في الغزو، وأن الثواب المذكور فيه إنما هو لمن أخلص فيه لتكون كلمة الله هي العليا، وهذا الفضل وإن كان ظاهرا في قتال الكفار، لكن يدخل فيه من

стр. 2066

٣٨٠٨ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من أحد يدخل الجنة، يحب أن يرجع إلي الدنيا وله ما في الأرض من شيء، إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلي الدنيا. فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة)) متفق عليه. ٣٨٠٤ - وعن مسروق، قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الآية. قال: ((إنا قد سألنا عن ذلك. فقال: ((أرواحهم في أجواف طير خضر، لها قناديل ــ خرج في قتال البغاة وقطاع الطريق، وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك. قوله: ((وجرحه يثعب دما)) ((تو)): ثعبت الماء فجرته فانثعب، إضاف الفعل إلي الجرح؛ لأنه السبب في فجر الدم و ((دما)) يكون مفعولا. ولو أراد به التمييز لكان من حقه أن يقول: ينبعث دما أو يثعب، علي بناء المجهول، ولم أجده رواية. أقول: مجيئه متعديا نقل عن الجوهري. وظاهر كلام صاحب النهاية أنه لازم حيث فسره بقوله: ((يجري)) ولأنه جاء في حديث آخر: ((وجرحه تشخب دما)) والشخب السيلان وقد شخب يشخب، فحينئذ يكون من قوله تعالي: ﴿وأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ فإن الظاهر أن يقال: إن الدمع تفيض من العين، فجعل العين فائضة مبالغة، كذلك الدم السائل من الجرح لا الجرح سائل. ((مح)): فيه دليل علي أن الشهيد لا يزول عنه الدم بغسل ولا بغيره، والحكمة فيه أنه يجيء يوم القيامة علي هيأته ليكون معه شاهدا. الحديث السابع عشر والثامن عشر عن مسروق: قوله: (إنا قد سألنا عن ذلك فقال)) ((مح)): الحديث مرفوع؛ لقوله: ((إنا قد سألنا عن ذلك فقال)) يعني النبي ﷺ (قض)): المسئول والمجيب هو الرسول صلوات الله عليه، وفي ((فقال)) ضمير له، ويدل عليه قرينة الحال؛ فإن ظاهر حال الصحابي أن يكون سؤاله واستكشافه من الرسول ﷺ ، لا سيما في تأويل آية هي من المتشابهات وما هو من أحوال المعاد؛ فإنه غيب صرف لا يمكن معرفته إلا بالوحي؛ ولكونه بهذه المثابة من التعين أضمر من غير أن يسبق ذكره. وقوله: ((أرواحهم في أجواف طير خضر)) أي يخلق لأرواحهم بعد ما فارقت أبدانهم هياكل علي تلك الهيئة تتعلق بها، وتكون خلفا عن أبدانهم فيتوسلون بها إلي نيل ما يشتهون من اللذائذ الحسية. واطلاع الله عليهم واستفهامه عما يشتهونه مرة بعد أخرى مجاز عن مزيد تلطفه بهم، وتضاعف تفضله عليهم. وإنما قال: ((اطلاعة)) ليدل علي أنه ليس من جنس اطلاعننا علي

стр. 2067

معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلي تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شيءنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركزا من أن يسألوا. قالوا: يا رب! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأي أن ليس لهم حاجة تركوا)) رواه مسلم. ــ الأشياء وعداه بـ ((إلي)) وحقه أن يعدى بـ ((علي)) لتضمنه معنى الانتهاء. والمراد بقوله: (٠فلما رأوا أنهم لم يتركوا)) إلي آخره، أنه لا يبقى لهم متمنى ولا مطلوب أصلا غير أن يرجعوا إلي الدنيا، فيستشهدوا ثإنيا؛ لما رأوا بسببه من الشرف والكرامة هذا. وإن الحديث تمثيل لحالهم وما هم عليه من البهجة والسعادة، وشبه لطافتهم وبهاءهم وتمكنهم من التلذذ من أنواع المشتهيات والتبوء من الجنة حيث شاءوا، وقربهم من الله تعالي وانخراطهم في غمار الملأ الأعلي الذين هم حول عرش الرحمن، بما إذا كانوا في أجواب طير خضر تسرح إلي الجنة حيث شاء، وتأوي إلي قناديل معلقة بالعرش. وشبه حالهم في استجماع اللذائذ وحصول جميع المطالب، بحال من يبالغ ويشدد عيه ربه المتفضل المشفق عليه غاية التفضل والإشفاق، القادر علي جميع الأشياء، بأن يسأل منه مطلوبا ويكرر عليه مرة بعد أخرى، بحيث لا يرى بدا من السؤال فمل ير شيئا ليس له أن يسأله إلا أن يرد إلي الدنيا، فيقتل في سبيل اله مرة أخرى. والعلم عند الله تعالي. ((مح)): قال القاضي عياض: واختلفوا فيه قيل: ليس للأقيسة والعقول في هذا حكم، فإذا أراد الله أن يجعل الروح إذا خرجت من المؤمن أو الشهيد في قناديل أو جوف طير خضر، أو حيث شاء كان ذلك ووقع، ولم يبعد لا سيما مع القول بأن الأرواح أجسام فغير مستحيل أن يصور جزء من الإنسان طائرا، أو يجعل في جوف طائر في قناديل تحت العرش. وقد اختلفوا في الروح فقال كثير من أرباب المعإني وعلم الباطن والمتكلمين: لا يعرف حقيقته ولا يصح وصفه وهو مما جهل العباد علمه. واستدلوا بقوله تعالي: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. وقال كثيرون من شيوخنا: هو الحياة. وقال آخرون: هو أجسام لطيفة مشابكة للجسم تحيى بحياته، وأجرى الله تعالي العادة بموت الجسم عند فراقه؛ ولهذا وصف بالخروج والقبض وبلوغ الحلقوم. قال الشيخ: هذا هو المختار. وقد تعلق بهذا الحديث وأمثاله بعض القائلين بالتناسخ وانتقال الأرواح، وتنعيمها في صور

стр. 2068

٣٨٠٥ - وعن أبي قتادة، أن رسول الله ﷺ قام فيهم، فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله، والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل فقال: يا رسول الله! أرأيت إن قتلت في سبيل الله، يكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله ﷺ : ((نعم، إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر)). ثم قال رسول الله ﷺ : ((كيف قلت؟)) فقال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله، أيكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله: ((نعم؛ وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إلا الدين فإن جبريل قال لي ذلك)) رواه مسلم ــ الحسان المرفهة وتعديبها في الصور الفبيحة المسخرة، وزعموا أن هذا هو الثواب والعقاب وهذا باطل مردود لإبطال ما جاءت به الشرائع من إثبات الحشب والنشر والجنة والنار؛ ولهذا قال في حديث آخر: ((حتى يرجعه الله إلي جسده يوم يبعث الأجسام))، وفيه بيان أن الجنة مخلوقة موجودة، وهو مذهب أهل السنة وهي التي أهبط منها آدم، وينعم فيها المؤمنون في الآخرة. وفيه أن مجازاة الأموات بالثواب والعقاب قبل يوم القيامة، وأن الأرواح باقية لا تفنى فيتنعم المحسن ويعذب المسيء، وهو مذهب أهل السنة وبه نطق التنزيل والآثار، خلافا لطائقة من المبتدعة. قال الله تعالي: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًا وعَشِيًا ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾. قوله: ((من أن يسألوا)) ((من)) زائدة لوقوعها في سياق النفي، و ((أن يسألوا)) بدل من ((ما)) أقيم مقام الفاعل في ((يتركوا)) يعني لن يترك سؤالهم. الحديث التاسع عشر عن أبي قتادة: قوله: ((مقبل غير مدبر)) ((مح)): ((غير مدبر)) احتراز ممن يقبل في وقت ويدبر في وقت. و ((المحتسب)) هو المخلص لله تعالي وإن قاتل عصبية أو لأخد غنيمة ونحو ذلك فليس له الثواب، أقول: ويجوز أن يكون ((غير مدبر)) تأكيدا علي منوال قولهم: أمس الدابر لا يعود؛ لأن الكر والفر في المبارزة محمود. وقوله: ((إلا الدين)) استثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلا، أي الدين الذي لا ينوي أداؤه. ((تو)): أراد بـ ((الدين)) هنا ما يتعلق بذمته من حقوق المسلمين؛ إذ ليس الدائن أحق بالوعيد والمطالبة منه من الجإني والقاصب والخائن والسارق – انتهي كلامه. فإن قلت: كيف قال ﷺ : ((كيف قلت؟)) وقد أحاط بسؤاله علما وأجاب بذلك الجواب؟. قلت: ليسأل ثإنيا ويجيبه بذلك الجواب ويعلق به إلا الدين استدراكا بعد إعلام جبريل ﵇ إياه ﷺ .

стр. 2069

٣٨٠٦ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ قال: ((القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين)) رواه مسلم. ٣٨٠٧ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((يضحك الله تعالي إلي رجلين يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة: يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله علي القاتل فيستشهد)) متفق عليه. ٣٨٠٨ - وعن سهل بن حنيف، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل الله الشهادة بصدق؛ بلغه الله منازل الشهداء. وإن مات علي فراشه)) رواه مسلم. ٣٨٠٩ - وعن أنس، أن الربيع بنت البراء، وهي أم حارثة بن سراقة، أتت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! ألا تحدثني عن حارثة، وكان قتل يوم بدر. أصابه سهم غرب، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء. فقال: ((يا أم حارثة! إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلي)) رواه البخاري. ٣٨١٠ - وعنه، قال: انطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلي بدر، وجاء المشركون. فقال رسول الله ﷺ : ((قوموا إلي جنة عرضها السماوات ــ الحديث الحادي والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((يضحك الله تعالي إلي رجلين)) عدى ((يضحك)) بـ ((إلي)) لتضمنه معنى الانبساط والإقبال، مأخوذ من قولهم: ضحكت إلي فلان إذا انبسطت إليه وتوجهت إليه بوجه طلق وأنت راض عنه. ((مح)): ويحتمل أن يراد ضحك ملائكة الله تعالي المتوجهين بقبض روحه كما يقال: قتل السلطان فلانا إذا أمر بقتله. الحديث الثاني والعشرون والثالث والعشرون عن أنس ﵁: قوله: ((سهم غرب)) أي لا يعرف راميه، وهو بفتح الراء وسكونها وبالإضافة والوصف. وقيل: بالسكون إذا أتاه من حيث لا يدري، وبالفتح إذا رماه فأصاب غيره. قوله: ((إنها جنان في الجنة)) هو ضمير مبهم يفسره ما بعده من الخبر كقولهم: هي العرب تقول ما تشاء *، ويجوز أن يكون الضمير للشأن، و ((جنان)) مبتدأ والتنكير فيه للتعظيم. والمراد بالجنان الدرجات فيها؛ لما ورد ((في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها)). الحديث الرابع والعشرون عن انس ﵁: قوله: ((إلي بدر)) ((بدر)) موضع يذكر

стр. 2070

والأرض)). قال عمير بن الحمام: بخ بخ! فقال رسول الله ﷺ : ((ما يحملك علي قولك: بخ بخ؟)) قال: لا والله يا رسول الله! إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: ((فإنك من أهلها)) قال: فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن. ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي إنها لحياة طويلة قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل، رواه مسلم. ــ ويؤنث، وهو اسم ماء. وقال الشعبي: بئر بدر كانت لرجل يدعى بدرا، ومنه يوم بدر. قتل عمير هذا أول من قتل من الأنصار في الإسلام. قوله: ((قوموا إلي جنة)) عداه بـ ((إلي)) لإرادة معنى المسارعة كما في قوله تعالي: ﴿وسَارِعُوا إلي مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ووصف الجنة بالعرض مبالغة عرفا. وتخصيص العرض بها دون الطول دلالة علي أن العرض إذا كان كذلك فما بال الطول؟. ((تو)) ((بخ)) كلمة تقال عند المدح والرضي بالشيء، وكررت للمبالغة. وسبق إلي فهم الرجل من قوله ﷺ : ((ما يحملك علي قولك: بخ بخ؟)) أنه يوهم أن قوله ذلك صدر عنه من غير رؤية ونية، شبيها بقول: من سلك مسلك الهزل والمزاح، فنفي ذلك عن نفسه بقوله: ((لا والله) أي ليس الأمر علي ما توهمت. وقوله: ((إلا رجاء)) أي ما قلت ذلك إلا رجاء. أقول قوله: شبيها بقول من سلك مسلك المزاح. وقوله: ((ليس الأمر علي ما توهمت)). ليسا بمرضيين بل يحمل ((بخ بخ)) علي ما فسر في الفريبين من قوله: قال أبو بكر: معناه تعظيم الأمر وتفخيمه وكذا في شرح مسلم، وذلك أنه ﷺ لما قال: ((قوموا إلي جنة)) أي سارعوا إليها وابذلوا مهجكم وأرواحكم في سبيل الله، ولا تقاعسوا عنها. عظم عمير ذلك وفخمه بقوله: ((بخ بخ)). فقال ﷺ : ((ما حملك علي هذا التعظيم؟ أخوفا قلت هذا؟ فقال: لا بل رجاء. والفاء في قوله: ((فإنك)) جزاء شرط أي إذا كان الأمر علي ما قلت؛ فإن الله تعالي يجيبك إلي ما ترومه وترجوه. ((والقرن)) بفتح القاف والراء جعبة النشاب. وقوله: ((لئن أنا حييت)) اللام موطئه للقسم، و ((إن)) شرطية و ((أنا)) فاعل فعل (*) مضمر يفسره ما بعده. و ((إنها لحياة)) جواب القسم، واكتفي به عن جواب الشرط. ويمكن أن يذهب إلي مذهب أصحاب المعإني، فيقال: إن الضمير المنفصل قدم للاختصاص، وهو علي منوال قوله تعالي: ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ﴾ فكأنه وجد نفسه مختارة للحياة علي الشهادة فأنكر عليها ذلك الإنكار. وإنما قال ذلك استبطاء للانتداب بما ندب به من قوله ﷺ : ((قوموا إلي جنة)) أي سارعوا إليها، ومما ارتجز به عمير يومئذ قوله:
следующие страницы →