← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

٣٦٧٢ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال لنا رسول الله ﷺ : ((إنكم سترون بعدي أثرة، وأموراً تنكرونها)) قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: ((أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم)) متفق عليه. ٣٦٧٣ - وعن وائل بن حجر، قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله! أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم، ويمنعونا حقنا، فما ــ أقول: وهذا التعليل غير مستقيم، وأول شي يدفعه ما في الحديث من قوله: ((تنكرون)) لأن هذا الإنكار ليس إلا بالقلب لوقوعه قسيما لـ ((تعرفون))، ومعناه علي ما قال الشيخ التوربشتي والقاضي: أي ترون منهم من حسن السيرة ما تعرفون، وترون من سوء السريرة ما تنكرون أي تجهلونه؛ فإن المعروف ما يعرف بالشرع حسنه، والمنكر عكسه؛ ولأن قوله: ((فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم)) تفصيل لـ ((تنكرون)) بشهادة الفاء في ((فمن أنكر)) ولن يكون المفصل مخالفاً للمجمل، ومعناه فمن أنكر ما لا يعرف حسنه في الشرع فقد برئ من النفاق، ومن لم ينكره حق الإنكار بل كرهه بقلبه فقد سلم، ولا بد لمن أنكره بقلبه حق الإنكار، أن يظهره بالمكافحة بلسانه بل يجاهده بيده وجميع جوارحه. وإذا قيد الإنكار بقلبه أفاد هذا المعنى، وإذا خص بلسانه لم يفده، ويدل علي أن الإنكار إذا لم يكن كما ينبغي سمي بالكراهة. قول الشيخ التوربشتي: ومن كره ذلك بقلبه ومنعه الضعف عن إظهار ما يضمر من النكر فقد سلم. وحاشى لمكانة إمام أئمة الدنيا – أعني مسلما – أن يخرج من فيه كلام غير مستقيم لاسيما في تفسير الكلام النبوي، والرواية التي استدل بها المظهر في شرح السنة كذا، ويروي ((فمن أنكر بلسانه فقد برئ ومن كره بقلبه فقد سلم)) ولفظة ((يروى)) ونحوها إنما يستعمله أهل الحديث فيما ليس بقوي. ((مح)): في هذا الحديث معجزة ظاهرة لما أخبر به عن المستقبل، وقد وقع كما أخبر ﷺ ، وفيه أن من عجز عن إزالة المنكر وسكت لا يأثم إذا لم يرض به. وقوله: ((ومن كره فقد سلم)) هذا في حق من لا يستطيع إنكاره بيده ولسانه، فليكرهه بقلبه ويسلم. والله أعلم. الحديث الثاني عشر عن عبد الله بن مسعود ﵁: قوله: ((أثرة)) أي سترون ما يستأثر به من أمور الدنيا فيفضل غيركم عليكم بلا استحقاق في الفيء. والمراد بالأمور أشياء أخر لا تستحسنونها. وسلوا الله حقكم أي لا تكافئوا استئثارهم باستئثاركم، ولا تقاتلوهم لاستيفاء حقكم، بل وفروا إليهم حقهم من السمع والطاعة وحقوق الدين. واسألوا الله من فضله أن يوصل إليكم حقكم من الغنيمة والفيء ونحوهما، وكلوا إليه أمركم.

стр. 1997

تأمرنا؟ قال: ((اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم)). رواه مسلم. ٣٦٧٤ - وعن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من خلع يداً من طاعة؛ لقي الله يوم القيامة ولا حجة له. ومن مات وليس في عنقه بيعة؛ مات ميتة جاهلية)). رواه مسلم. ٣٦٧٥ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء، فيكثرون)). قالوا: فما تأمرنا؟ قال: ((فوا بيعة الأول فالأول، أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم)) متفق عليه. ــ الحديث الثالث عشر عن وائل: قوله: ((فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم)) قدم الجار والمجرور علي عامله للاختصاص، أي ليس علي الأمراء إلا ما حمله الله عليهم من العدل والتسوية، فإذا لم يقيموا بذلك فعليهم الوزر والوبال، وأما أنتم فعليكم ما كلفتم به من السمع والطاعة وأداء الحقوق، فإذا قمتم بما عليكم فالله تعالي يتفضل عليكم ويثيبكم به. وقوله: ((يسألونا)) صفة ((أمراء)) وجزاء الشرط. قوله: ((فما تأمرنا)) علي تأويل الإعلام. الحديث الرابع عشر عن عبد الله بن عمر: قوله: ((من طاعة)) أي طاعة كانت قليلة أو كثيرة. ولما كان وضع اليد كناية عن العهد وإنشاء البيعة لجري العادة علي وضع اليد علي اليد حال العاهدة، كنى عن النقض بخلع اليد ونزعها، يريد من نقض العهد وخلع نفسه عن بيعة الإمام، لقي الله تعالي آثماً لا عذر له. الحديث الخامس عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((تسوسهم)) أي تتولي أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية. والسياسية القيام علي الشيء بما يصلحه، وهو خبر كان، و ((كلما هلك)) إلي آخره حال من فاعله أي الأنبياء تترى تابع بعضهم بعضاً. وقوله: ((وإنه لا نبي بعدي)) معطوف علي ((كانت بنو إسرائيل)) واسم ((إن)) ضمير الشأن، وإنما خولف بين المعطوف والمعطوف عليه لإرادة الثبات والتوكيد في الثاني. يعني قصة بني إسرائيل كيت وكيت، وقصتنا كيت وكيت. والفاء في ((فما تأمرنا)) جواب شرط محذوف، أي إذا كثر بعدك الخلفاء فوقع التشاجر والتنازع بينهم فما تأمرنا نفعل. والفاء في قوله: ((فالأول)) للتعقيب والتكرير للاستمرار، ولم يرد به في زمان واحد بل

стр. 1998

٣٦٧٦ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا بويع لخليفتين؛ فاقتلوا الآخر منهما)). رواه مسلم. ٣٦٧٧ - وعن عرفجة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنه سيكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع؛ فاضربوه بالسيف كائناً من كان)) رواه مسلم. ــ الحكم هذا عند تجدد كل زمان وتجدد بيعة. وقوله: ((أعطوهم حقهم)) كالبدل من قوله: ((فوا بيعة الأول)). وقوله: ((فإن الله سائلهم)) تعليل للأمر بإعطاء حقهم. وفيه اختصار أي فأعطوهم حقهم وإن لم يعطوكم حقكم؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم ويثيبكم بما لكم عليهم من الحق؛ لقوله في الحديث السابق: ((أدوا إليهم حقهم واسألوا الله حقكم)). وقوله: ((عما استرعاهم)) استرعيته الشيء فرعاه، وفي المثل: من استرعى الذئب فقد ظلم، والراعي الوالي، والرعية العامة. الحديث السادس عشر عن أبي سعيد: قوله: ((فاقتلوا الآخر)) ((قض)): قيل: أراد بالقتل المقاتلة؛ لأنها تؤدي إليه من حيث أنه غايتها. وقيل: أراد إبطال بيعته وتوهين أمره من قولهم: قتلت الشراب إذا مزجته وكسرت ثورته بالماء. ومنه قول حسبان ﵁: إن التي ناولتني فرددتها قتلت قلت فهاتها لم تقتل أقول: الأول من الوجهين يستدعي الثاني؛ لأن الآخر منهما خارج علي الأول باغ عليه فتجب المقاتلة معه حتى يفيء إلي أمر الله وإلا قتل، فهو مجاز باعتبار ما يؤول للحث علي دفعة وإبطال بيعته وتوهين أمره. ((مح)): قاتل أهل البغي غير ناقض عهده لهم إن عهد؛ لأنهم حاربوا من يلزم الإمام محاربته. واتفقوا علي أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لخليفتين في عصر واحد، سواء اتسعت دار الإسلام أم لا. قال إمام الحرمين في كتاب الإرشاد: قال أصحابنا: لا يجوز عقدها لشخصين، قال: وعندي أنه لا يجوز عقدها للاثنين في صقع واحد، وإن بعد ما بينهما وتخللت بينهما شسوع فللاحتمال فيه مجال، وهو خارج من القواطع، وحكي المازري هذا. قال الشيخ محيي الدين: هو قول غير سديد مخالف لما عليه السلف والخلف، والظاهر إطلاق الحديث. الحديث السابع عشر والثامن عشر عن عرفجة: قوله: ((هنات وهنات)) ((نه)): أي شرور وفساد، يقال: في فلان هنات أي خصال شر، ولا يقال في الخير، وواحدها هنة، وقد يجمع علي هنوات، وقيل: واحدها هت تإنيث هن، وهو كناية عن كل اسم جنس لا تريد أن تصرح به لشناعته.

стр. 1999

٣٦٧٨ - وعنه: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من أتاكم وأمركم جميع علي رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم؛ فاقتلوه)) رواه مسلم. ٣٦٧٩ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من بايع إماماً، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه؛ فاضربوا عنق الآخر)) رواه مسلم. ٣٦٨٠ - وعن عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها)) متفق عليه. ــ قوله: ((كائناً من كان)) حال فيه معنى الشرط، أي ادفعوا من خرج علي الإمام بالسيف، وإن كان أشرف وأعلم، وترون أنه أحق وأولي، هذا المعنى أظهر في لفظة ((ما)) كما في المتن؛ لأنه مجرى حينئذ علي صفة ذوي العلم، كما في قوله تعالي: ﴿ونَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا﴾ أي عظيم القدرة علي الشأن. الحديث الثامن عشر عن عرفجة: قوله: ((أن يشق عصاكم)) ((نه)): يقال: شق العصا أي فارق الجماعة. أقول: هذا تمثيل شبه اجتماع الناس واتفاقهم علي أمر واحد بالعصا إذا لم تشق، وافتراقهم من ذلك الأمر بشق العصا، ثم كنى به عنه فضرب مثلا للتفريق، يدل علي هذا التأويل قوله: ((أمركم جميع علي رجل)) حيث أسند الجميع إلي ((الأمر)) إسناداً مجازياً؛ لأنه سبب اجتماع الناس. الحديث التاسع عشر عن عبد الله: قوله: ((فأعطاه صفقة يده)) ((نه)): الصفقة المرة من التصفيق باليد؛ لأن المتعاهدين يضع أحدهما يده في يد الآخر كما يفعل المتبايعان، والمراد بثمرة القلب خالص العهد. أقول: الفاء في ((فأعطاه)) كما هي في قوله تعالي: ﴿فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ إذا كانت التوبة عين القتل؛ إذ الصفقة الحاصلة بين المتبايعين، وكذلك إعطاء ثمرة القلب التي هي خلاصة الإنسان ليست إلا عين المبايعة. فإذا اجتمع الظاهر والباطن مع صاحبه فوجب أن يقاتل مع من ينازعه، وجمع الضمير في ((فاضربوه)) بعد ما أفرد في ((فليطعه)) نظراً إلي لفظة ((من)) تارة ومعناها أخرى. وقوله: ((عنق الآخر)) وضع موضع عنقه إيذاناً بأن كونه آخراً يستحق ضرب العنق تقريراً للمراد وتحقيقاً له. الحديث العشرون عن عبد الرحمن: قوله: ((وكلت إليها)) أي فوضت إلي الإمارة، ولا شك

стр. 2000

٣٦٨١ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((إنكم ستحرصون علي الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة)) رواه البخاري. ٣٦٨٢ - وعن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله! ألا تستعملني؟. قال: فضرب بيده علي منكبي، ثم قال: ((يأ أبا ذر! إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها)). وفي رواية. قال له: ((يا أبا ذر، إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرون علي اثنين، ولا تولين مال يتيم)). رواه مسلم. ــ أنها أمر شاق لا يقوم بها أحد بنفسه من غير معاونة من الله إلا أوقع نفسه في ورطة، خسر فيها دنياه وعقباه، وإذا كان كذلك لا يسألها اللبيب الحازم. الحديث الحادي والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فنعم المرضعة)) ((مظ)): لفظة ((نعم وبئس)) إذا كان فاعلها مؤنثاً؛ جاز إلحاق تاء التإنيث وجاز تركها، فلم يلحقها هنا في ((نعم)) وألحقها في بئست. أقول: إنما لم يلحقها بـ ((نعم)) لأن المرضعة مستعارة للإمارة، وهي وإن كانت مؤنثة إلا أن تإنيثها غير حقيقي، وألحقها ببئس نظراً إلي كون الإمارة حينئذ داهية دهياء. وفيه أن ما يناله الأمير من البأساء والضراء أبلغ وأشد مما يناله من النعماء والسراء. وإنما أتى بالتاء في ((المرضع والفاطم)) دلالة علي تصوير تينك الحالتين المتجددتين في الإرضاع والفطام. ((قض)): شبه الولاية بالمرضعة وانقطاعها بالموت أو العزل بالفاطمة، أي نعمت المرضعة الولاية؛ فإنها تدر عليك المنافع واللذات العاجلة، وبئست الفاطمة المنية؛ فإنها تقطع عنك تلك اللذائذ والمنافع، وتبقى عليك الحسرة والتبعة، فلا ينبغي للعاقل أن يلم بلذة تتبعها حسرات. الحديث الثاني والعشرون عن أبي ذر: قوله: ((وإنها أمانة)) تإنيث الضمير إما باعتبار الإمارة المستفادة من معنى قوله: ((ألا تستعملني)) أو باعتبار تإنيث الخبر. وقوله: ((إلا من أخذها)) استثناء منقطع أي خزي وندامة علي من أخذها بغير حقها ولم يؤد الذي عليه فيها، لكن من أخذها بحقها لم تكن خزياً ووبالا عليه. ((مح)): هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولاية لاسيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائفها، والخزي والندامة في حق من لم يكن أهلا لها، أو كان أهلا ولم يعدل فيها فيخزيه الله يوم القيامة ويفضحه ويندم علي ما فرط، فأما من كان أهلا لها وعدل فيها فله فضل عظيم، تظاهرت به الأحاديث الصحيحة كحديث ((سبعة يظلهم الله في ظله)). قوله: ﷺ : ((إن

стр. 2001

٣٦٨٣ - وعن أبي موسى، قال: دخلت علي النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي. فقال أحدهما: يا رسول الله! أمرنا علي بعض ما ولاك الله. وقال الآخر مثل ذلك. فقال: ((إنا والله لا نولي علي هذا العمل أحداً سأله، ولا أحد حرص عليه)). وفي رواية قال: ((لا نستعمل علي عملنا من أراده)) متفق عليه. ٣٦٨٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تجدون من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الأمر حتى يقع فيه)). متفق عليه. ٣٦٨٥ - وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي علي الناس راع وهو مسئول عن رعيته، ــ المقسطين علي منابر من نور)) وغير ذلك، ولكثرة الخطر فيها حذر صلوات الله عليه منها؛ ولذلك امتنع العلماء منها خلائق من السلف، وصبروا علي الأذى حين امتنعوا. الحديث الثالث والعشرون والرابع والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من خير الناس)) ثإني مفعولي ((تجدون)) والأول قوله ((أشدهم)) ولما قدم المفعول الثاني أضمر في الأول الراجع إليه، كقولك: علي التمرة مثلها زبداً، ويجوز أن يكون المفعول الأول ((خير الناس)) علي مذهب من يجتز زيادة ((من)) في الإثبات. قوله: ((حتى يقع فيه)) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون غاية ((تجدون)) أي تجدون خير الناس أشد كراهة حتى يقع فيه، فحينئذ لا يكون خيرهم. وثإنيهما: أنه غاية ((أشد)) أي يكرهه حتى يقع فيه، فحينئذ يعينه الله تعالي فلا يكرهه، والأول أوجه لقوله: ((يقع فيه)). الحديث الخامس والعشرون عن عبد الله بن عمر ﵁: قوله: ((ألا كلكم راع)) ((حس)): معنى الراعي هنا الحافظ المؤتمن علي ما يليه، أمرهم النبي ﷺ بالنصيحة فيما يلونه، وحذرهم الخيانة فيه بإخباره أنهم مسئولون عنه، فالرعاية حفظ الشيء وحسن التعهد فقد استوى هؤلاء في الاسم، ولكن معإنيهم مختلفة، وأما رعاية الإمام ولاية أمور الرعية، فالحياطة من ورائهم وإقامة الحدود والأحكام فيهم، ورعاية الرجل أهله، فالقيام عليه بالحق في النفقة وحسن العشرة، ورعاية المرأة في بيت زوجها، فحسن التدبير في أمر بيته والتعهد لخدمته وأضيافه، ورعاية الخادم، حفظ ما في يده في مال سيده والقيام بشغله. أقول: قوله: ((ألا كلكم)) تشبيه مضمر الأداة أي كلكم مثل الراعي، وقوله: ((وكلكم مسئول عن رعيته)) حال عمل فيه معنى التشبيه. وهذا مطرد في التفضيل، ووجه التشبيه حفظ الشيء وحسن التعهد لما استحفظ، وهو القدر المشترك في التفضيل.

стр. 2002

والرجل راع علي أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية علي بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راع علي مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته)). متفق عليه. ٣٦٨٦ - وعن معقل بن يسار، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من وال يلي رعية من المسلمين، فيموت وهو غاش لهم؛ إلا حرم الله عليه الجنة)) متفق عليه. ٣٦٨٧ - وعنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصيحة، إلا لم يجد رائحة الجنة)). متفق عليه. ــ وفيه أن الراعي ليس بمطلوب لذاته، وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه المالك، فعلي السلطان حفظ الرعية فيما يتعين عليه من حفظ شرائعهم، والذب عنها لكل متصد لإدخال داخلة فيها، أو تحريف لمعإنيها، أو إهمال حدودهم، أو تصنيع حقوقهم وترك حماية من جار عليهم ومجاهدة عدوهم، أو ترك سيرة العدل فيهم، فينبغي أن لا يتصرف في الرعية إلا بإذن الله ورسوله، ولا يطلب أجره إلا من الله كالراعي. وهذا تمثيل لا يرى في الباب ألطف ولا أجمع ولا أبلغ منه؛ ولذلك أجمل أولا ثم فصله ثم أتى بحرف التنبيه مكرراً وبالفذلكة كالخاتمة. والفاء في قوله: ((ألا فكلكم راع)) جواب شرط محذوف، والفذلكة هي التي يأتي بها المحاسب بعد التفصيل، ويقول: فذلك كذا وكذا ضبطاً للحساب وتوقياً من الزيادة والنقصان فيما فصله. والضمير في قوله: ((مسئولة عنهم)) راجع إلي ((بيت زوجها وولده)) وغلب العقلاء فيه علي غيرهم. الحديث السادس والعشرون والسابع والعشرون عن معقل: قوله: ((فيموت)) الفاء فيه وفي قوله: ((فلم يحطها)) كاللام في قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا وحَزَنًا﴾ وقوله: ((وهو غاش)) حال قيد للفعل ومقصود بالذكر؛ لأن المعتبر من الفعل والحال هو الحال، يعني أن الله تعالي إنما ولاه واسترعاه علي عباده ليديم النصيحة لهم لا ليغشهم فيموت عليه، فلما قلب القضية استحق أن لا يجد رائحة الجنة. ((مح)): قال القاضي عياض: المعنى: من قلده الله تعالي شيئاً من أمر المسلمين واسترعاه

стр. 2003

٣٦٨٨ - وعن عائذ بن عمرو، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن شر الرعاء الحطمة)) رواه مسلم. ٣٦٨٩ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم؛ فاشقق عليه. ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم؛ فارفق به)) رواه مسلم. ــ عليهم، ونصبه لمصلحتهم في دينهم ودنياهم، فإذا خان فيما ائتمن عليه فلم ينصح فيما قلده إما بتضييع حقهم وما يلزمه من أمور دينهم ودنياهم أو غير ذلك، فقد غشهم. وفي قوله: ((حرم الله عليه الجنة)) تأويلان: أحدهما: أنه محمول علي المستحل، والثاني: علي أنه محرم عليه دخولها مع الفائزين السابقين. وقوله: ((فيموت وهو غاش)) دليل علي أن التوبة قبل حالة الموت باقية. قوله: ((فلم يحطها)) ((نه)): يقال حاطه يحوطه حوطاً وحياطة إذا حفظه وصانه، وذب عنه وتوفر علي مصالحه. الحديث الثامن والعشرون عن عائذ: قوله: ((إن شر الدعاء)) ((نه)): الرعاء بالكسر والمد جمع راع كتجار جمع تاجر. ((فا)): الحطمة هو الذي يعنف الإبل في السوق والإيراد والإصدار فيحطمها. ضربه مثلا لوالي السوء. أقول: لما استعار للوالي والسلطان لفظ الراعي أتبعه بما يلائم المستعار منه من صفة الحطم، فالحطمة ترشيح لاستعارة الراعي لهم. ((قض)): فالمراد بالحطمة الفظ القاسي الذي يظلم الرعية ولا يرحمهم، من الحطم وهو الكسر. وقيل: الأكول الحريص الذي يأكل ما يرى ويقضمه؛ فإن من هذا دأبه يكون دنئ النفس ظالماً بالطبع شديد الطمع فيما في أيدي الناس. الحديث التاسع والعشرون عن عائشة ﵁: قوله: ((من أمر أمتي)) ((من)) بيان ((شيئاً)) كانت صفة قدمت فصارت حالا. وقوله: ((فاشقق عليه)) ((مح)): هذا من أبلغ الزواجر عن المشقة علي الناس وأعظم الحث علي الرفق بهم، وقد تظاهرت الأحاديث في هذا المعنى. أقول: وهو من أبلغ ما أظهر صلوات الله عليه من الرأفة والشفقة والمرحمة علي أمته، فنقول بلسان الحال: اللهم! هذا أوان أن ترحم علي أمة حبيبك وترأف بهم، وتنجيهم من الكرب العظيم الذي هم فيه، يا من لا إله إلا أنت العظيم الحليم، لا إله إلا أنت رب العرش العظيم، لا إله إلا أنت رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم، ويرحم الله عبداً قال: آميناً.

стр. 2004

٣٦٩٠ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن المقسطين عند الله علي منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا)). رواه مسلم. ــ الحديث الثلاثون عن عبد الله: قوله: ((إن المقسطين)) ((تو)): القسط بالكسر العدل، والأصل فيه النصيب، نقول منه: قسط الرجل إذا جار، وهو أن يأخذ قسط غيره، والمصدر القسوط. وأقسط إذا عدل، وهو أن يعطي نصيب غيره، ويحتمل أن الألف أدخل فيه لسلب المعنى، كما أدخل في كثير من الأفعال فيكون الإقساط إزالة القسوط. قوله: ((علي منابر)) ((مح)): المنابر جمع منبر، سمى به لارتفاعه. قال القاضي عياض: يحتمل أن يكونوا علي منابر حقيقة علي ظاهر الحديث، وأن يكون كناية عن المنازل الرفيعة. قال الشيخ: ويمكن أن يجمع بينهما؛ لأن من كان علي منابر فهو علي أعلي مرتبة، ويؤيده قوله: ((عن يمين الرحمن)). ((تو)): المراد منه كرامتهم علي الله وقرب محلهم وعلو منزلتهم؛ وذلك لأن من شأن من عظم قدره في الناس، أن يبوأ عن يمين الملك، ثم إنه نزه ربه سبحانه عما سبق إلي فهم من لم يقدر الله حق قدره من مقابلة اليمين باليسار، وكشف عن حقيقة المراد بقوله: ((وكلتا يديه يمين)) ((خط)): ليس فيما يضاف إلي الله تعالي من صفة اليدين شمال؛ لأن الشمال تدل علي النقص والضعف: وقوله: ((وكلتا يديه يمين)) هي صفة جاء بها التوقيف، فنحن نطلقها علي ما جاءت ولا نكيفها، وننتهي حيث انتهي بنا الكتاب والأخبار الصحيحة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة. أقول: - والله أعلم – قوله: ((عند الله)) خبر إن، أي المقسطين مقربون عند الله تعالي، و ((علي منابر)) يجوز أن يكون خبرا، بعد خبر أو حالا من الضمير المستقر في الظرف. و ((من نور)) صفة منابر مخصصة لبيان الحقيقة، ((وعن يمين الرحمن)) صفة أخرى لـ ((منابر)) مبينة للرتبة والمنزلة. ويجوز أن يكو حالا بعد حال علي التداخل. وقوله: ((يمين الرحمن)) بعد قوله: ((عند الله)) تقييد بعد إطلاق وتخصيص بعد تعميم؛ لوضع الرحمن موضع ضمير ((الله))، وقد سبق أن اسم الله جامع لجميع صفات الجلال والإكرام. و ((الرحمن)) من صفة الإكرام، فدل اليمين علي أن الله تعالي يفيض عليهم حينئذ من جلائل نعمه وفضائل إحسانه ما لا يحصر فيكون قوله: ((وكلتا يديه يمين)) تذييلا للكلام السابق، فعلي هذا اللام في ((المقسطين)) للتعريف كما في الرجل والفرس، ويجوز أن تكون موصولة، وتكون الظروف كلها متصلات بالصلة، وخبر ((إن)) قوله: ((الذين يعدلون))، وقوله: ((وكلتا يديه يمين)) متعرضة بين اسم ((إن)) وخبره صيانة لجلال الله وعظمته عما لا يليق به. قال أبو الطيب: وتحتقر الدنيا احتقار مجرب ترى كل ما فيها وحاشاك فإنيا

стр. 2005

والتثنية في اليدين للاستيعاب، كما في قوله تعالي: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إلَيْكَ﴾ ولبيك وسعديك والخير كل بيديك. ((مح)): العرب تنسب الفعل الذي يحصل بالجهد والقوة إلي اليمين، وكذا الإحسان والإفضال إلها وضدهما إلي اليسار. وقالوا: اليمين مأخوذ من اليمن. ((قض)): ((وكلتا يديه)) دفع لتوهم من يتوهم أن له يميناً من جنس أيماننا التي يقابلها يسار، وأن من سبق إلي التقرب إليه حتى فاز بالوصول إلي مرتبة من المراتب الزلفي من الله، عاق غيره عن أن يفوز بمثله كالسابق إلي محل مجلس السلطان، بل جهاته وجوانبه التي يتقرب إليها العباد سواء. قوله: ((الذين يعدلون)) ((مح)): معناه أن هذا الفضل إنما هو لمن عدل فيما يقلده من خلافة وإمارة أو قضاء أو حسبة، أو نظر علي يتيم أو صدقة أو وقف، فيما يلزمه من حقوق أهله وعياله ونحو ذلك. قال: ((وما ولوا)) بفتح الواو وضم اللام المخففة أي كانت لهم عليهم ولاية. ((مظ)): وليوا علي وزن علموا انقلبت ضمة الياء إلي اللام، وحذفت لالتقاء الساكنين. والمراد بقوله: ((وما ولوا)) أي يعدلون فيما تحت أيديهم من أموال اليتامى مثل الجد؛ فإنه ولي الطفل، والوصي؛ فإنه حاكم في التصرف في أموال اليتامى. أقول: قوله: ((الذين يعدلون)) يحتمل وجوهاً من الإعراب أن يكون خبراً لـ ((إن)) كما سبق، وأن يكون صفة ((للمقسطين)) علي تأويل ذوات لها الأقساط، كما يقال: شجاع باسل، وعليه ظاهر كلام الشيخ التوربشتي؛ إذ قال: وقد فسر ((المقسطين)) في الحديث بما وصفهم به من قوله: ((الذين يعدلون)) إلي آخر الحديث. وأن يكون بدلا أو نصباً علي المدح أو رفعاً عليه، وأن يكون استئنافاً، كأنه قيل: من هؤلاء السادة المقربون، وقد فازوا بالقدح المعلي والمنحة الكبرى؟ فقيل: هم الذين يعدلون إلي آخره، فإذ جعل صفة فالتعريف في ((المقسطين)) يحتمل العهد المتعارف بين الناس من الحكام، وأن يكون للجنس، فبين بقوله: ((الذين يعدلون)) أن المراد به الثاني. ولما كان المراد به استغراق الجنس مشتملا علي التعدد قال: أولا ((في حكمهم)) ليدخل فيه من بيده أزمة حكم الشرع من الخلفاء والأمراء والقضاة وغيرهم. وثإنياً ((وأهليهم)) ليدخل فيه كل من تحت يده أحد من أهله وعياله ونحو ذلك، وثالثاً ((وما ولوا)) ليستوعب جميع من يتولي أمراً من الأمور فيدخل فيه نفسه أيضاً. ((شف)): فالرجل يعدل مع نفسه بأن لا يضيع وقته في غير ما أمر الله تعالي به بل يمتثل أوامر الله وينزجر عن نواهيه علي الدوام، كما هو دأب الأولياء المقربين، أو غالباً كما هو ديدن المؤمنين الصالحين. أقول: قسم الله تعالي عباده المصطفين من أمة محمد ﷺ ثلاثة أقسام: ظالم ومقتصد وسابق، فالمقتصد من عدل ولم يتجاوز إلي حد الظلم علي نفسه، ولم يترق إلي مرتبة السابق الذي جمع بين العدل والإحسان.

стр. 2006

٣٦٩١ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله)) رواه البخاري. ٣٦٩٢ - وعن أنس، قال: كان قيس بن سعد من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرط من الأمير. رواه البخاري. ــ فإن قلت: إذا بين ((المقسطين)) بالذين جمعوا بين هذه الخصال فكيف حال من انفرد بخصلة من هذه الخصال، هل يترتب عليه تلك المراتب العلية والمنازل السنية؟ قلت: إذا سلك بالتعريف في ((الذين يعدلون)) الجنس من حيث هي هي، لا. وإذا سلك به الاستغراق كما ذهبنا إليه، نعم. ونحوه قولك: الرجل خير من المرأة، إذا أريد بالتعريف الحقيقة من حيث هي هي، فلا تدخل أفراد الجنس في هذا الحكم، وإن أريد به الاستغراق لزم أن يكون أدنى رجل خيراً من أشرف النساء. والله أعلم. الحديث الحادي والثلاثون عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((بطانة)) ((نه)): بطانة الرجل صاحب سره وداخلة أمره الذي يشاوره في أحواله. الكشاف في قوله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾: بطانة الرجل ووليجته خصيصه وصفيه الذي يفضى إليه بحوائجه ثقة به، شبه ببطانة الثوب كما يقال: فلان شعاري. فإن قلت: البطانة في الحديث علي هذا المعنى قد تتصور في بعض الخلفاء ولكنها منافية لحال الأنبياء، وكيف لا؟ وقد نهي الله تعالي عامة المؤمنين عن ذلك في الآية السابقة. قلت: الوجه ما روى الأشرف عن بعضهم أن المراد بأحدهما الملك، وبالثاني الشيطان، ويؤيده قوله: ((والمعصوم من عصمه الله)) فإنه بمنزلة قوله ﷺ : ((فأسلم)) في قوله: ((ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله! قال: وإياي، إلا أن الله تعالي أعانني، فأسلم فلا يأمرني إلا بخير)). الحديث الثاني والثلاثون عن أنس ﵁: قوله: ((بمنزلة صاحب الشرط)) ((تو)): هو جمع شرطة وشرطي، وهو الذي يتقدم بين يدي الأمير لتنفيذ أوامره، وهو الحاكم علي الشرط للأمور السياسية سموا بذلك؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها، وكان قيس بن سعيد ابن عبادة الأنصاري سيد الخزرج وابن سيدها، أحد دهاة العرب وأهل الرأي ورئاسة الجيوش، وكان من ذوي النجدة والبسالة والكرم والسخاء، وكان مع ذلك جسيماً طويلا، وكان منتصباً بين يدي رسول الله ﷺ لتنفيذ ما يأمر به وما يريده.

стр. 2007

٣٦٩٣ - وعن أبي بكرة، قال: لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى. قال: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) رواه البخاري. الفصل الثاني ٣٦٩٤ - عن الحارث الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((آمركم بخمس: بالجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله. وإنه من خرج من الجماعة قيد شبر؛ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع. ومن دعا بدعوى الجاهلية؛ فهو من جثي جهنم، وإن صام وصلي وزعم أنه مسلم)) رواه أحمد والترمذي. [٣٦٩٤] ــ الحديث الثالث والثلاثون عن أبي بكرة: قوله: ((ولو أمرهم امرأة)) ((حس)): لا تصلح المرأة أن تكون إماماً ولا قاضياً؛ لأن الإمام والقاضي محتاجان إلي الخروج للقيام بأمر المسلمين، والمرأة عورة لا تصلح لذلك؛ ولأن المرأة ناقصة والقضاء من كمال الولايات فلا يصلح لها إلا الكامل من الرجال. أقول: ((لن يفلح قوم)) إخبار بنفي الفلاح في المستقبل عن أهل فارس علي سبيل التأكيد، وفيه إشعار بأن الفلاح للعرب، وأن الله تعالي سيجعل ملكهم مسخراً لهم فيكون معجزة. الفصل الثاني الحديث الأول عن الحارث: قوله: ((بالجماعة)) المراد بهم الصحابة ومن بعدهم من التابعين وتابعي التابعين من سلف الصحابة، أي آمركم بالتمسك بهديهم والانخراط في زمرتهم، والمراد بالسمع الإصغاء إلي الأوامر والنواهي وتفهمهما، وبالطاعة الامتثال بالأوامر والانزجار عن النواهي، وبالهجرة الانتقال من دار الكفر إلي دار الإسلام. ويحتمل أنه ﷺ أراد بها ترك المعاصي، والرجوع عنها إلي الطاعات، كما قال ﷺ : ((والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب)) والمراد بالجهاد الجهاد مع الكفار، ويحتمل أن يراد به الجهاد مع النفس بكفها عن شهواتها ومنعها عن لذاتها؛ فإن معاداة النفس مع الشخص أقوى وأضر من معاداة الكفرة معه. وقوله: ((وإنه من خرج)) اسم ((إن)) ضمير الشأن، والجملة بعده تفسره كالتعليل للأمر بالتمسك بهدي الجماعة، والواو مثلها في قوله تعالي: ﴿وقَالا الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بعد قوله: ﴿ولَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ في الإخبار عن الجملتين وتفويض الترتيب بينهما إلي ذهن السامع.

стр. 2008

٣٦٩٥ - وعن زياد بن كسيب العدوي، قال: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر وهو يخطب، وعليه ثياب رقاق. فقال أبو بلال: انظروا إلي أميرنا يلبس ثياب الفساق. فقال أبو بكرة: اسكت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. [٣٦٩٥] ــ ((ومن دعا بدعوى الجاهلية)) عطف علي الجملة التي وقعت مفسرة لضمير الشأن؛ للإيذان بأن التمسك بالجماعة وعدم الخروج عن زمرتهم من شأن المؤمنين، والخروج من زمرتهم من هجيري الجاهلية، كما قال صلوات الله عليه: ((من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)) فعلي هذا ينبغي أن تفسر دعوى الجاهلية بسننها علي الإطلاق؛ لأنها تدعو إليها، وهو أحد وجهي ما قال القاضي، والوجه الآخر أن الدعوى تطلق علي الدعاء وهو النداء، والمعنى من نادى في الإسلام بنداء الجاهلية، وهو أن الرجل منهم إذا غلب عليه خصمه، نادى بأعلي صوته قومه يا آل فلان! فيبتدرون إلي نصره ظالما كان أو مظلوماً جهلاً منهم وعصبية. وحاصل هذا الوجه يرجع أيضاً إلي الوجه السابق، وينصره ما روى في شرح السنة في آخر هذا الحديث: ((فادعوا المسلمين بما سماهم الله المسلمون المؤمنون عباد الله)). قوله: ((قيد شبر)) ((قض)): أي قدره، يريد به أي قدر خالف وانحرف عن الجماعة وخرج عن وافقتهم. و ((الربق)) بالكسر حبل فيه عدة عرى يشد به إليهم الواحدة من تلك العرى ربقة، شبه ذمة الإسلام وعهده بالربقة التي تجعل في أعناق البهائم، من حيث أنه يقيده فيمنعه أن يتخطى حدود الله ويرتع مراتع حرماته. والمعنى أن من فارق الجماعة بترك السنة وارتكاب البدعة ولو بشيء يسير، نقض عهد الإسلام ونزع اليد عن الطاعة. أقول: لما شبه صلوات الله عليه الإمام بالراعي، وسوء مراعاته الرعية بالحطمة في قوله ﷺ : ((إن شر الرعاء الحطمة)) ضرب في هذا الحديث مثلاً للرعية بـ ((البهم)) التي جمعها الربق في سلك واحد، فرشح الاستعارة بالقيد والشبر. وإنما قيل: ((أن يراجع)) علي صيغة المفاعلة دون بـ ((رجع))، إما مبالغة وإما أن يكون الرجوع من الجماعة ومن الخارج عنهم. قوله: ((من جثي جهنم)) ((فا)): واحدتها جثوة بضم الجيم أي من جماعات جهنم، وهي في الأصل ما جمع من تراب أو غيره فاستعير للجماعة. الحديث الثاني عن زياد: قوله: ((ثياب الفساق)) يحتمل أن تكون ثياباً محرمة من الحرير والديباج؛ لأن الغالب منها أن تكن رقاقاً، وأن لا تكون محرمة لكن لما كان لبس الثياب الرقاق من دأب المتنعمين لا المتقشفين، نسبه إلي الفسق تغليظاً، والظاهر هذا؛ لأن أبا بكرة

стр. 2009

٣٦٩٦ - وعن النواس بن سمعان، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)) رواه في ((شرح السنة)). [٣٦٩٦] ٣٦٩٧ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من أمير عشرة، إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً، حتى يفك عنه العدل أو يوبقه الجور)) رواه الدارمي. [٣٦٩٧] ــ رده بقوله: ((من أهان سلطان الله)) يعني تفسيقك إياه بسبب لبسه هذه الثياب التي يصون بها عزته ليس بحق؛ لأن المعنى من أهان من أعزه الله وألبسه خلع السلطنة، أهانه الله، و ((في الأرض)) متعلق بـ ((سلطان الله)) تعلقها في قوله تعالي: ﴿إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ والإضافة في ((سلطان الله)) إضافة تشريف كبيت الله. ويحكى عن جعفر الصادق ﵁: أنه دخل عليه سفيان الثوري، وعلي جعفر جبة خز دكناء، فقال يا بن رسول الله! هذا ليس من لباسك فحسر عن ردن جبته، فإذا تحتها جبة صوف بيضاء يقصر الذيل عن الذيل والردن عن الردن، فقال: يا ثوري! لبسنا هذا الله وهذا لكم فما كان الله أخفيناه، وما كان لكم أبديناه. ذكره صاحب جامع الأصول في كتاب مناقب الأبرار. والدكناء بالدال المهملة تإنيث الأدكن، وهو ثوب مغبر اللون. الحديث الثالث عن النواس قوله: ((لمخلوق)) صفة ((طاعة)) و ((في معصية الخالق)) خبر ((لا))، وفيه معنى النهي، يعني لا ينبغي ولا يستقيم ذلك، وتخصيص ذكر المخلوق والخالق مشعر بعلية هذا الحم. ((حس)): اختلفوا فيما يأمر به الولاة من العقوبات، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: ما أمر به الولاة من ذلك غيرهم يسعهم أن يفعلوه فيما كانت ولايته إليهم. وقال محمد بن الحسن: لا يسع المأمور أن يفعله حتى يكون الذي يأمره عدلاً وحتى يشهد عدل سواه علي أن المأمور ذلك. الكشاف: عن أبي حازم أن مسلمة بن عبد الملك قال له: ألستم أمرتم بطاعتنا في قوله تعالي: ﴿وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾؟ قال: أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله تعالي: ﴿فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلي اللَّهِ والرَّسُولِ﴾؟ أقول: يريد أن قوله: ﴿وأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ عطف علي ((أطيعوا الله)) وكرر الفعل ليدل علي استقلال طاعة الرسول، ولم يؤت وأطيعوا في ﴿أُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ دلالة علي عدم استقلالهم، وعلله بقوله: ﴿فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلي اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ فكأنه قيل: إذا لم يكن أولوا الأمر مستقلين وشاهدتم منهم خلاف الحق، فردوه إلي الحق ولا يأخذكم في الله لومة لائم. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أو يوبقه)) أي يهلكه، وهو عطف

стр. 2010

٣٦٩٨ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ويل للأمراء، ويل للعرفاء، ويل للأمناء، ليتمنين أقوام يوم القيامة أن نواصيهم معلقة بالثريا، يتجلجلون بين السماء والأرض، وأنهم لم يلوا عملاً)) رواه في ((شرح السنة)) ورواه أحمد، في روايته: ((أن ذوائبهم كانت معلقة بالثريا، يتذبذبون بين السماء والأرض، ولم يكونوا عملوا علي شيء)). [٣٦٩٨] ــ علي ((يفك)) فيكون غاية قوله: ((يؤتى به يوم القيامة مغلولاً)) أي لم يزل مغلولا حتى يحله العدل أو يهلكه الظلم، أي لا يفك عن الغل إلا الهلاك، يعني يرى بعد الغل ما الغل في جنبه السلامة، كما قال تعالي: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلي يَوْمِ الدِّينِ﴾ يعني ترى يوم الدين من العذاب ما اللعنة بالنسبة إليه سهلة يسيرة. الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ويل للأمراء)) مبتدأ وخبر، كقوله: ((سلام عليك)) وهو الحزن والهلاك والمشقة من العذاب. ((قض)): العرفاء جمع عريف وهو القيم بأمر قبيلة أو محلة يلي أمرهم، ويتعرف منه الأمير أحوالهم، من عرف يعرف عرافة، مثل كتب يكتب كتابة إذا عمل ذلك، وعرف بالضم عرافة بالفتح إذا صار عريفاً، والمراد بالأمناء من ائتمنه الإمام علي الصدقات والخراج وسائر أموال المسلمين، ويدل عليه عطفه علي ((الأمراء والعرفاء)) وقوله: ((وأنهم لم يلوا عملاً))، أو كل من ائتمنه غيره علي مال أو غيره. أقول: قوله: ((ليتمنين أقوام)) كالتخصيص للعام والتقييد للمطلق؛ فإنه ﷺ لما عمم التهديد وبالغ في الوعيد، أراد أن يستدرك ويخرج من قام بها حق القيام، وتجنب فيها عن الظلم والحيف، واستحق به الثواب وصار ذا حظ مما وعد به ذو سلطان عادل. قال: ((ليتمنين أقوام)) إلي آخره، أي ليتمنين طائفة من هؤلاء وذلك لينبه بالمفهوم علي أن طائفة أخرى حكمهم علي عكس ذلك، وهم علي منابر من نور عن يمين الرحمن، إنما لم يعكس ولم يصرح بمنطوق المدح للمقسطين، ليدل بالمفهوم علي ذم الجائرين؛ لأن المقام مقام التهديد والزجر عن طلب الرياسة؛ لأنها وإن كانت مهمة لا ينظم صلاح حال الناس ومعاشهم دونها، لكن أمرها خطير والقيام

стр. 2011

٣٦٩٩ - وعن غالب القطان، عن رجل، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن العرافة حق ولابد للناس من عرفاء، ولكن العرفاء في النار)) رواه أبو داود. [٣٦٩٩] ٣٧٠٠ - وعن كعب بن عجرة، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((أعيذك بالله من إمارة السفهاء)). قال: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: أمراء سيكونون من بعدي، من ــ بحقوقها عسير، فلا ينبغي للعاقل أن يقتحم عليها ويميل بطبعه إليها؛ فإن من زلت قدمه فيها عن متن الصواب قد يندفع إلي فتنة تؤدي به إلي عذاب عظيم. واللام في ((ليتمنين)) لام القسم، والتمني طلب ما لا يمكن حصوله. والمتمني قوله: ((أن نواصيهم معلقة)) وأنهم لم يلوا، أو تمنوا يوم القيامة أنهم في الدنيا لم يلوا، وكانت نواصيهم معلقة بالثريا يعني: تمنوا أنه لم تحصل لهم تلك العزة والرياسة والترفع علي الناس بل كانوا أذلاء ورءوسهم معلقة بنواصيهم في أعال تتحرك وتجلجل، ينظر إليهم الناس ويشهدون مذلتهم وهوانهم، بدل تلك الرياسة والعزة والرفعة، وذلك أن التعليق بالناصية مثل للمذلة والهوان؛ فإن العرب إذا أرادوا إطلاق أسير جزوا ناصيته مذلة وهواناً، وأنشدوا: إذا جزت نواصي آل بدر فأدوها، وأسرى في الوثاق وهذا التمني هو المعني بالندامة في قوله ﷺ : ((إنكم ستحرصون علي الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة)). الحديث السادس عن غالب: قوله ((إن العرافة حق)) ((تو)): قوله: ((حق)) وقع هاهنا موقع المصلحة، والأمر الذي تدعو إليه الضرورة في ترتيب البعوث والأجناد وما يلم به شعثهم من الأرزاق والأعطيات والإحاطة بعددهم لاستخراج السهمان ونحوه. وقوله: ((ولكن العرفاء في النار)) أي فيما يقربهم إليها، ورد هذا القول مورد التحذير عن التبعات التي تتضمنها والآفات التي لا تؤمن فيها والفتن التي تتوقع منها، والأمر بالتيقظ وغير ذلك من البليات التي قلما يسلم منها الواقع فيها. أقول: قوله: ((ولكن العرفاء في النار)) مظهر أقيم مقام المضمر ليشعر بأن العرافة علي خطر ومن باشرها علي شفا حفرة من النار، فهو كقوله تعالي: ﴿إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ فينبغي للعاقل أن يكون علي تيقظ وحزم وحذر منها لئلا تورطه في الفتنة وتؤدي به إلي عذاب النار، وهذا تلخيص كلام الشيخ. الحديث السابع عن كعب: قوله: ((من إمارة السفهاء)) السفهاء: الخفاف الأحلام. ((نه)): السفه

стр. 2012

دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم علي ظلمهم؛ فليسوا مني ولست منهم، ولن يردوا علي الحوض، ومن لم يدخل عليهم ولم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم علي ظلمهم؛ فأولئك مني وأنا منهم، وأولئك يردون علي الحوض)) رواه الترمذي، والنسائي. [٣٧٠٠] ــ في الأصل الخفة والطيش، وسفه فلان رأيه إذا كان مضطرباً لا استقامة له والسفيه الجاهل. أقول: ((وما ذاك)) إشارة إلي معنى إمارة السفهاء، وهو فعلهم المستعاذ منه من الظلم والكذب وما يؤدي إليه جهلهم وطيشهم. فإن قلت: كيف أجاب عن السؤال عن وصقهم بذواتهم؟ قلت: يحتمل أن تؤخذ الزبدة والخلاصة من الجواب فيعبر عنه كأنه لما قيل: ما ذلك الفعل المستعاذ به؟ فأجيب ما يرغب فيه سفهاء مثلهم، ويتجنب عنه الألباء وأرباب العقول من الكذب والظلم. ويحتمل أن يؤول قوله: ((من إمارة السفهاء)) بقوله: ((بالأمراء السفهاء)). قوله: ((وما ذاك)) بمعنى ((من هم)) لإرادة الوصفية فيهم كقوله: ((سبحان ما سخركن لنا))، فيكون الجواب حينئذ من الأسلوب الحكيم حيث زاد في الجواب بقوله: ((من دخل)) أي لا تسأل عنهم وعماهم فيه فحسب، بل سل عمن يتقرب إليهم ويتوصل بهم، فيصدقهم بكذبهم ويعينهم علي ظلمهم ما حالهم؟ فإن حال أولئك قد يتجاوز عن حد البيان ويتحاشى عن ذكره اللسان. وقال سفيان: لا نخالط السلطان ولا من يخالطه. وقال: صاحب القلم وصاحب الدواة وصاحب القرطاس وصاحب الليطة بعضهم شركاء بعض. وروي أن خياطاً سأل عالماً عن خياطته للحكام هل أنا داخل في قوله تعالي: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال: لا، بل يدخل فيه من يبيعك الإبرة، قال ابن مسعود: من رضي بأمر وإن غاب عنه كان كمن شهده وتلا الآية. قوله: ((فأولئك منى)) أدخل الفاء في الخبر ((من)) لتضمنه معنى الشرط وزاد فيه ((أولئك)) وكرره لمزيد تقرير العلة؛ لأن اسم الإشارة في هذا المقام مؤذن بأن ما يرد عقيبه جدير بمن قبله لا تصافه بالخصال المذكورة، كقوله تعالي: ﴿أُوْلَئِكَ عَلي هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ بعد قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ إلي ما يتصل به استحماداً علي فعلهم من الاجتناب عنهم وعن تصديقهم ومعاونتهم.

стр. 2013

٣٧٠١ - وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: ((من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن)) رواه أحمدن والترمذي، والنسائي. وفي رواية أبي داود: ((من لزم السلطان افتتن، وما ازداد عبد من السلطان دنوا إلا ازداد من الله بعدا)). [٣٧٠١] ٣٧٠٢ - وعن القدام بن معدي كرب أن رسول الله ﷺ ضرب علي منكبيه، ثم قال: ((أفلحت يا قديم إن مت ولم تكن أميرا، ولا كاتبا، ولا عريفا)) رواه أبو داود. [٣٧٠٢] ٣٧٠٣ - وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يدخل الجنة صاحب مكس)) يعني: الذي يعشر الناس. رواه أحمد، وأبو داود، والدارمي. [٣٧٠٣] ــ الحديث الثامن عن ابن عباس ﵄: قوله: ((جفا)) ((قض)): جفا الرجل إذا غلظ قلبه وقسا ولم يرق لبر وصلة رحم، وهو الغالب علي سكان البوادي لبعدهم عن أهل العلم وقلة اختلاطهم بالناس، فصارت طباعهم كطباع الوحوش، وأصل التركيب للنبو عن الشيء، وغفلة التابع للصيد إما لحرصه الملهي أو لتشبهه بالسبع وانجذابه عن الترحم والرقة، وافتنان المتقرب إلي السلطان مما لا يخفي؛ فإنه إن وافقه فيما يأتيه ويذره، فقد خاطر علي دينه، وإن خالفه فقد خاطر علي روحه. ((مظ)):يعني من التزم البادية ولم يحضر صلاة الجمعة ولا الجماعة ولا مجلس العلماء فقد ظلم نفسه، ومن اعتاد الاصطياد للهو والطرب يكون غافلا؛ لأن بعض الصحابة كانوا يصطادون، ومن دخل علي السلطان وداهنه وقع في الفتنة، وأما من لم يدلهن ونصحه وأمره بالمعروف، ونهاه عن المنكر فكان دخوله عليه أفضل. الحديث التسع والعشر عن عقبة: قوله: ((صاحب مكس)) ((نه)): المكس الضريبة التي يأخذها الماكس. ((حسن)) وهو العشار أراد بصاحب المكس الذي يأخذ من التجار إذا مروا مكسا باسم العشر، وأما الساعي الذي يأخذ الصدقة، ومن يأخذ من أهل الذمة العشر الذي صولحوا عليه فهو محتسب ما لم يتعد فيأثم بالتعدي والظلم.

стр. 2014

٣٧٠٤ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أحب الناس إلي الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا إمام عادل. وإن أبغض الناس إلي الله يوم القيامة وأشدهم عذابا)). وفي رواية: ((وأبعدهم منه مجلسا إمام جائر)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. [٣٧٠٤] ٣٧٠٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أفضل الجهاد من قال كلمة حق عند سلطان جائر)) رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٣٧٠٥] ٣٧٠٦ - ورواه أحمد والنسائي عن طارق بن شهاب. [٣٧٠٦] ٣٧٠٧ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره. وإن ذكر أعانه. وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه)) رواه أبو داود، والنسائي. [٣٧٠٧] ــ الحديث الحادي عشر والثاني عشر عن أبي سعيد ﵁ قوله: ((من قال كلمة حق)) أي جهاد من قال، يعني: من تكلم كلمة حق. وإنما قلنا: أن ((قال)) بمعنى تكلم؛ لأن كلمة ((حق)) ليست بجملة. ((خط)): إنما صار ذلك أفضل الجهاد؛ لأن من جاهد العدو كان مترددا بين الرجاء والخوف لا يدري هل يغلب، أو يغلب، وصاحب السلطان مقهور في يده، فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف، فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف. ((مظ)): وإنما كان أفضل؛ لأن ظلم السلطان يسري في جميع من تحت سياسته وهو جم غفير، فإذا نهاه عن الظلم فقد أوصل النفع إلي خلق كثير بخلاف قتل كافر. قال الشيخ أبو حامد في الإحياء: الأمر بالمعزوف مع السلاطين التعريف والوعظ. وإما المنع والقهر فليس ذلك لآحاد الرعية؛ لأن ذلك يحرك الفتنة ويهيج الشر؛ ويكون ما يتولد منه من المحذور أكثر، وأما التخشن في القول كقولك: يا ظالم! يا مت لا يخاف الله! وما يجري مجراه، فذلك إن كان يتعدى شره إلي غيره لم يجز، وإن كان لا يخاف إلا علي نفسه فهو جائز بل مندوب إليه، فلقد كان من عادة السلف التعرض للأخطار، والتصريح بالأنكار من غير مبالاة بهلاك المهجة؛ لعلهم بأن ذلك جهاد وشهادة. الحديث الثالث عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((وزير صدق)) أصله وزير صادق ثم

стр. 2015

٣٧٠٨ - وعن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: ((إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم)) رواه أبو داود. [٣٧٠٨] ٣٧٠٩ - وعن معاوية، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنك إذا اتبعت عورات الناس أفسدتهم)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٣٧٠٩] ــ وزير صدق علي الوصف به؛ ذهابا إلي أنه نفس الصدق ومجسم عنه، ثم أضيف إليه لمزيد الاختصاص به، ولم يرد بالصدق الاختصاص بالقول فقط بل بالأفعال والأقوال. ((غب)): يعبر عن كل فعل فاضل ظاهرا وباطنا بالصدق، ويضاف إليه ذلك الفعل الذي يوصف به، نحو قوله تعالي: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ وعلي عكس ذلك وزير سوء. الحديث الرابع عشر عن أبي أمامة: قوله: ((إذا ابتغى الريبة)) ((غب)): الريب أن يتوهم بالشيء أمرا، فينكشف عما يتوهمه فيه، والإرابة أن يتوهم فيه أمرا فلا ينكشف عما يتوهمه فيه، والارتياب يجري مجرى الإرابة، وريب الدهر صروفه، وإنما قيل ريب لما يتوهم فيه المكر، والريبة السم من الريب، قال تعالي: ﴿لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي يدل علي [دغل] * وقلة يقين منهم – انتهي كلامه. والريبة في الحديث من هذا؛ فإن الأمير إذا كان ذا دغل ودخل في قلبه من الرعية، ابتغى عيوبهم ويتهمهم بالمعايب فيتجسس أحوالهم ومفاسدهم؛ فإن الإنسان قلما سلم من عيب. قال: ولست بمستبق أخا لا تلمه علي شعث أي الرجال المهذب فلو عاملهم بكل ما قالوا وفعلوا لاشتدت عليهم الأحوال، بل ينبغي أن يستر عليهم عيوبهم ويعفو عنهم. الحديث الخامس عشر عن معاوية: قوله: ((عورات الناس)) العورة الخلل، ومها أعور الفارس، إذا ظهر للقرن فيه موضوع ضربة وطعنة، وأعور المكان إذا ظهر موضوع خلل فيه. والأعور المختل العين، كنى في الحديث الأول عن العيوب بالريبة، وهنا بالعورة إيذانا بان عيوب الماس كعورات مستورات، فيحرم كشفها والريبة فيها كما يحرم كشف المخدرات عن سترها. وإنما خص في هذا الحديث الخطاب بقوله: ((إنك)) وعم في الحديث السابق بقوله: ((إن الأمير)) لئلا يتوهم أن النهي مختص بالأمير بل لكل من يتأتى منه اتباع العورات من الأمير وغيره. ولو قلنا: إن المخاطب معاوية علي إرادة أنه سيصير أميرا فيكون معجزة، لكان وجها، وينصر هذا الوجه الحديث الخامس في الفصل الثالث.

стр. 2016

٣٧١٠ - وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كيف انتم وأئمة من بعدي، يستأثرون بهذا الفيء؟)) قلت: أما والذي بعثك بالحق، أضع سيفي علي عاتقي، ثم اضرب به حتى ألقاك. قال: ((أولا أدلك علي خير من ذلك؟ تصبر حتى تلقإني)) رواه أبو داود. [٣٧١٠] الفصل الثالث ٣٧١١ - عن عائشة، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((أتدرون من السابقون إلي ظل الله يوم القيامة؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم)). [٣٧١١] ــ الحديث السادس عشر عن أبي ذر: قوله: ((كيف أنتم))؟ كيف سؤال عن الحال وعامله محذوف، أي كيف تصنعون؟ فلما حذف الفعل أبرز الفاعل كقوله تعالي: ﴿لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ والحال المسؤل عنه أتبصرون أم تقاتلون يدل عليه قوله: ((أضع سيفي)) وقوله ﷺ : ((تصبر حتى تلقإني))، وقوله: ((وأئمة)) مفعول معه ((ويستأثرون)) جملة حالية والعامل هو المحذوف. قوله: ((بهذا الفيء)) المغرب: الفيء بالهمز ما نيل من أهل الشرك بعد ما تضع الحرب أوزارها وتصير الدار دار الإسلام. وحكمه أن يكون لكافة المسلمين ولا يخمس. والغنيمة ما نيل منهم عنوة والحرب قائمة. وحكمها أن تخمس وسائر ما بعد الخمس للغانمين خاصة. والنفل ما ينفله الغازي أي يعطاه زائدا علي سهمه – انتهي كلامه. والفيء في الحديث يشملها إظهار لظلمهم واستئثارهم ما ليس من حقهم، ومن ثمة جاء باسم الإشارة لمزيد تصوير ظلمهم، وبينه قول المظهر: يعني يأخذون مال بيت المال، وما حصل من الغنيمة ويستخلصونه لأنفسهم ولا يعطونه لمستحقيه. و ((ثم)) في قوله: ((ثم أضرب به)) لتراخي رتبة الضرب عن الوضع، وعبر عن كونه شهيدا بقوله: ((حتى ألقاك)) ((حتى)) يحتمل أن تكون بمعنى كي وبمعنى الغاية، و ((أولا أدلك)) دخلت حرف العطف بين كلمة التنبيه المركبة من همزة الاستفهام و ((لا)) النافية، وجعلتها جملتين أي أتفعل هذا ولا أدلك علي خير من ذلك. الفصل الثالث الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((من السابقون؟)) ((من)) استفهامية علقت عمل الدراية وسدت بما بعده مسد مفعوليه. قوله: ((إذا أعطوا الحق)) ((غب)): أصل الحق المطابقة والموافقة كمطابقة رجل الباب في حقه لدورانه علي استقامة. والحق يقال علي أوجه

стр. 2017

٣٧١٢ - وعن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ثلاثة أخاف علي أمتي: الاستسقاء بالأنواء، وحيف السلطان، وتكذيب بالقدر)). [٣٧١٢] ــ لموجد الشيء بسبب ما تقتضيه الحكمة؛ ولذلك قيل في الله تعالي: هو الحق، ولما يوجد بحسب مقتضى الحكمة؛ ولهذا يقال: فعل الله تعالي كله حق، وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، وللفعل والقول الواقع بحسب ما يجب وبقدر ما يجب، وفي الوقت الذي يجب كقولنا: فعلك حق وقولك حق. قال تعالي: ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ ويقال: أحققت كذا أي أثبته حقا أو حكمت بكونه حقا. أقول: يمكن أن ينزل هذا الحديث علي أكثر هذه المعإني: احدها علي الفعل الحق والقول الحق، والمراد ب ((السابقون)) العادلون من الأئمة لقوله ﷺ : ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل)) يعني إذا نصحهم ناصح واظهر كلمة الحق العادلة قبلوها وفعلوا مقتضاها من البذل للرعية ومن الحكم بالسوية. وثإنيها: علي الواجب للإنسان من الأعطيات يعني إذا ثبت له حق ثابت إذا أعطى قبل، ثم بذل للمستحقين لينال درجة الأسخياء والأصفياء، الذين ينفقون أموالهم سرا وعلإنية يرجون تجارة لن تبور. ومنه قوله ﷺ لعمر ﵁: ((خذه فتموله وتصدق به)) الحديث. وثالثها: علي ما يوجد بحسب مقتضى الحكمة, وعليه قوله ﷺ : ((كلمة الحكمة ضالة الحكيم فحيث وجدها فهو أحق بها)) لأنه يعلمها ويعمل بها ويعلمها غيره, فعلمه بها هو القبول وتعليم الغير هو البذل, والعمل بها هو الحكم, ولعمري إن هذا الحديث من الكلمات التي هي ضالة كل حكيم, فالمراد بالسابقين علي الوجهين الاخيرين هم السابقون السابقون أولئك المقربون. الحديث الثاني عن جابر ﵁: قوله: ((بالأنواء)) ((نه)): الأنواء هي ثمان وعشرون منزلة ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها, ويسقط في الغرب كل ثلاث عشرة ليلة منزلة مع طلوع الفجر، وتطلع أخرى مقابلها ذلك الوقت في الشرق فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة, وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع رقيبها يكون مطرا, وينسبونه إليها فيقولون مطرنا بنوء كذا, وإنما سمي نوءا؛ لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب فالطالع بالشرق ينوء نواءا, أي ينهض ويطلع. وقيل: أراد بالنوء الغروب, وهو من الأضداد, وإنما غلظ النبي ﷺ في أمر الأنواء؛ لأن العرب كانت تنسب المطر إليها, فأما من جعل المطر من فعل الله تعالي وأراد بقوله: ((مطرنا بنوء كذا)) أي في وقت كذا وهو هذا النوء الفلإني. فإن ذلك جائز, أي أن الله تعالي قد أجرى العادة أن يأتي المطر في هذه الأوقات. ٣٧١٣ - وعن أبي ذر, قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((ستة أيام اعقل يا أبا ذر! ما يقال لك بعد)). فلما كان اليوم السابع. قال: ((أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلإنيته, وإذا أسأت فأحسن, ولا تسألن أحدا شيئا وإن سقط سوطك, ولا تقبض أمانة, ولا تقض بين اثنين)). [٣٧١٣] ــ أقول: ولعله إنما خاف من هذه الخصال الثلاث؛ لأن من اعتقد أن الأسباب مستقلة, وترك النظر إلي المسبب وقع في شرك الشرك, ومن كذب بالقدر وقال: ((الأمر انف)) وقع حرف التعطيل, ومن افتتن بالسلطان الجائر تاه في تيه الضلال.

стр. 2018

الحديث الثالث عن أبي ذر: قوله: ((اعقل)) مقول القول, و ((ستة أيام)) ظرف القول واعقل أي تفكر وتأمل واعمل بمقتضى ما أقول لك, وعليه قوله تعالي: ﴿وتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ومَا يَعْقِلُهَا إلَاّ العَالِمُونَ﴾ , وإنما فعل ذلك لينبه أن ما بعده معني به جدا يجب تلقيه بالقبول والقيام بحقه, ولعمري إن الكلمة الأولي لو أدى حقها، لكفي بها كلمة جامعة ونحوه قوله تعالي: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أي تنزه عما يشغل سرك عن الحق وتبتل إليه بشرا شرك تبتيلا, وهذا هو التقوى الحقيقية التي لا غاية لها. وقوله: ((وإذا أسأت فأحسن)) إشارة إلي أن الإنسان مجبول علي الشهوات ومقتضى البهيمة والسبعية والملكية, فإذا ثارت من تلك الرذائل رذيلة يطفئها بمقتضى الملكية, كما قال ﷺ : ((اتبع السيئة الحسنة تمحها)) وقوله: ((ولا تسألن أحدا شيئا)) انتهاء درجة التوكل وتفويض الأمور إلي الله تعالي. وقوله: ((وإن سقط سوطك)) تتميم له. وقوله: ((ولا تقبض أمانة)) يدل علي ثقل تحملها وصعوبة أدائها؛ ولذلك مثل الله تعالي ماله علي المخلوقات، بقوله تعالي: ﴿إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ والْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَا وحَمَلَهَا الإنسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾. قوله: ((ولا تقض بين اثنين)) إشارة إلي معنى قوله ﷺ : ((من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين)) ويمكن أنه ﷺ إنما نهي أبا ذر عن قبض الأمانة, والحكم بين اثنين لضعفه عن القيام بهما, كما سبق في الفصل الأول أنه لما طلب الإمارة قال له ﷺ : ((يا أبا ذر! إني أراك ضعيفا لا تأمرن علي اثنين ولا تولين مال يتيم)).

стр. 2019

٣٧١٤ - وعن أبي أمامة, عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك, إلا أتاه الله مغلولا يوم القيامة يده إلي عنقه فكه بره, أو أوبقه أثمه, أولهما ملامة, وأوسطها ندامة, وآخرها خزي يوم القيامة)). [٣٧١٤] ٣٧١٥ - وعن معاوية, قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا معاوية! إن وليت أمرا فاتق الله واعدل)) قال: فما زالت اظن إني مبتلي بعمل, لقول النبي ﷺ حتى ابتليت. [٣٧١٥] ــ الحديث الرابع عن أبي أمامة ﵁: قوله: ((أولها ملامة)) إشارة إلي أن من يتصدى للولاية فالغالب أن يكون غرا غير مجرب للأمور ينظر إلي ملاذها ظاهرا فيحرص في طلبها ويلومه أصدقاؤه, ثم إذا باشرها وتلحقه تبعاتها وما يؤل إليه من وخامة عاقبتها يندم, وفي الآخرة خزي ونكال, هذا علي رأي من قال: إن الجمل المتناسقة إذا أتى بقيد بعدها يختص بالأخير, وأما من قال: إنه مشترك بينهما تكون الندامة والملامة والخزي يوم القيامة. ويؤيد الأول قوله: ((أتاه الله مغلولا يوم القيامة يده إلي عنقه)) فان إتيانه مغلولا يده إلي عنقه هو الخزي والذل والهوان, يقال: خزي يخزى خزاية أي استحي، وخزي يخزى خزيا أي ذل وهان. وقوله: ((أتاه الله)) أي أمر الله أو ملائكته. وقوله: ((يده)) يحتمل أن يكون مرفوعا بمغلولا و ((إلي عنقه)) حالا, وعلي هذا يكون ((يوم القيامة)) متعلقا ب ((مغلولا)). ويحتمل أن يكون مبتدأ و ((إلي عنقه)) خبره والجملة إما مستأنفة أو حال بعد حال, وحينئذ ((يوم القيامة)) إما ظرف ل ((أتاه)) وهو الأوجه, أو ل ((مغلولا)) وإذا كانت مستأنفة كانت بيانا ل ((مغلولا)) , والجملتان مستأنفتان مبينتان للجموع, كأن سائلا سال أولا عن كيفية هيئة المغلول, فأجيب: يده إلي عنقه, ثم سال ثإنيا فماذا يجري عليه بعد ذلك فأجيب: فكه بره. فان قلت: آخر الشيء مقتضاه فلا يصح أن يتخلل بينه وبين ما هو آخره غيرهما, ولا شك أن الإمارة تنقضي في الدنيا فكيف يكون الخزي يوم القيامة آخره؟ قلت: نحن نعتبر صفة الإمارة مستمرة إلي يوم الدين علي سبيل المجاز. الحديث الخامس عن معاوية: قوله: ((فما زلت)) الفاء فيه للتسبب, يعني تسبب قول رسول الله ﷺ لحصول ظني, فان حمل ((إن)) في قوله ﷺ : ((إن وليت)) علي الجزم كما في قوله ﷺ في حديث عائشة ﵂: ((إن يكن هذا من عند اله يمضه)) – وكان الملك أخبره بالقضية كان الظن بمعنى اليقين كما في قوله تعالي: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ فيكون معنى

стр. 2020

٣٧١٦ - وعن أبي هريرة, قال: قال رسول الله ﷺ : ((تعوذوا بالله من رأس السبعين, وإمارة الصبيان)). [٣٧١٦] ٣٧١٧ - وعن يحيى بن هشام, عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه, قال: قال رسول الله ﷺ : ((كما تكونون, كذلك يؤمر عليكم)). [٣٧١٧] ٣٧١٨ - وعن ابن عمر [﵁] , أن النبي ﷺ قال: ((إن السلطان ظل الله في الأرض, يأوي إليه كل مظلوم من عباده, فإذا عدل كان له الأجر, وعلي الرعية الشكر, وإذا جار, كان عليه الإصر وعلي الرعية الصبر)). [٣٧١٨] ــ الغاية في ((حتى)) نقلا من علم اليقين إلي حق اليقين، وإن حمل علي الترديد فالظن مجرى علي معناه؛ لأن ترديد مثل رسول الله ﷺ لا يكون إلا راجحا عند أمته, فمعنى الغاية في ((حتى)) النقل من الظن إلي علم اليقين. الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وإمارة الصبيان)) حال أي تعوذوا من فتنة تنشأ من بعد السبعين من تاريخ الهجرة أو وفاته, والحال أن الصبيان يكونون أمراء ويدبرون أمر أمتي وهم أغيلمة من قريش, رآهم ﷺ في منامه يلعبون علي منبره ﷺ , وقد جاء في تفسير قوله تعالي: ﴿﴾ أنه ﷺ رأي في المنام أن ولد الحكم, يتداولون منبره كما يتداول الصبيان الكرة. الحديث السابع عن يحيى: قوله: ((كما تكونون)) الكاف مرفوع المحل علي الابتداء, والخبر ((يؤمر)) ولذلك جيء به تاكيدا وتقريرا للتشبيه وفي معناه قوله: ((أعمالكم عمالكم)) والحديث يوضحه الحديث الآتي لأبي الدرداء. الحديث الثامن عن ابن عمر ﵄: قوله: ((السلطان ظل الله)) تشبيه, وقوله: ((يأوي إليه كل مظلوم)) جملة مبينة لما شبه به السلطان بالظل, كما أن الناس يستروحون إلي برد الظل من حر الشمس, كذلك يستروحون إلي برد عدله من حر الظلم. وأضافه إلي الله تشريفا له كبيت الله وناقة الله, وإيذانا بأنه ظل ليس كسائر الظلال, بل له شان ومزيد اختصاص بالله لما جعل خليفة الله في أرضه, ينشر عدله وإحسانه في عباده, ولما كان هو في الدنيا ظل الله يأوي إليه كل ملهوف, يأوي هو في الآخرة إلي ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله. فإن قلت: دلت الإضافة وقوله: ((يأوي إليه كل مظلوم)) أن السلطان عادل, فكيف يستقيم

стр. 2021

٣٧١٩ - وعن عمر بن الخطاب ﵁, قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أفضل عباد الله عند الله منزلة يوم القيامة, إمام عادل رفيق. وإن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة, إمام جائر خرق)). [٣٧١٩] ٣٧٢٠ - وعن عبد الله بن عمرو, قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نظر إلي أخيه نظرة يخيفه, أخافه الله يوم القيامة)) روى الأحاديث الأربعة البيهقي في ((شعب الإيمان)) , وفال في حديث يحيى هذا: منقطع, وروايته ضعيف. [٣٧٢٠] ــ علي هذا أن يقال: ((وإذا جار كان عليه الإصر))؟ قلت: قوله: ((السلطان ظل الله)) بيان لشأنه, وأنه مما ينبغي أن يكون كذلك, فإذا جار كأنه خرج عما من شأنه أن يكون ظل الله تعالي, وعليه قوله تعالي: ﴿يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوَى﴾ فرتب علي الحكم بالوصف المناسب ونهاه عما لا يناسب. الحديث التاسع عن عمر ﵁: قوله: ((خرق)) صفة مشبهة من الخرق وهو ضد الرفق. وفي الحديث ((الرفق يمن والخرق شؤم)) , وفيه أن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا الخرق في شيء إلا شانه, وجعل الرفيق رديفا للعادل من باب التكميل؛ لأنه ﷺ لما وصفه بالعادل رأي أن الوصف بمجرد العدل غير واف؛ لأنه قد يكون العادل جافيا غليظ القلب فكمله بالرفيق. قال الشاعر: حليم إذا ما الحلم زين لأهله مع الحلم في عين العدو مهيب فإنه رأي أن الوصف بمجرد الحلم غير واف, فكمل بقوله: في عين العدو مهيب. وقال تعالي في حق الصحابة ﵃: ﴿أَذِلَّةٍ عَلي المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلي الكَافِرِينَ﴾ وجعل الجائر مردفا بالخرق من باب التتميم؛ لأن الثاني زاد مبالغة في معنى الأول؛ لأن الحفاء والغلظة نزيد في جوره وظلمه. قال امرؤ القيس: حملت ردينيا كأن سنانه سنا لهب لم يتصل بدخان فإن النار المشتعلة إذا لم يتصل بها دخان كانت أشد تقويا مما كان معها دخان. الحديث العاشر عن عبد الله بن عمرو: قوله: ((يخفيه)) يجوز أن يكون حالا من فاعل ((نظر)) وان يكون صفة للمصدر علي حذف الراجع, أي بها, وهذا الحديث كالاستطراد لمعنى قوله في

стр. 2022

٣٧٢١ - وعن أبي الدرداء, قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالي يقول: أنا الله لا إله إلا أنا مالك الملوك, وملك الملوك, قلوب الملوك في يدي, وإن العباد إذا أطاعوني, حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرحمة والرأفة. وإن العباد إن عصوني حولت قلوبهم بالسخطة والنقمة, فساموهم سوء العذاب، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء علي الملوك, ولكن أشغلوا أنفسكم بالذكر والتضرع كي أكفيكم ملوككم)) رواه أبو نعيم في ((الحلية)). [٣٧٢١] ــ الحديث السابق: ((إمام جائر خرق)) كما مر شرحه, وذكر أخيه للاستعطاف, يعني أن الأخوة تقتضي الأمن لاسيما أخوة الإسلام, والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. الحديث الحادي عشر عن أبي الدرداء: قوله: ((أنا الله)) علي أسلوب قوله: ((إما أبو النجم)) أي أنا المعروف المشهور بالوحدإنية أو المعبود و ((لا إله إلا أنا)) حال مؤكدة لمضمون هذه الجملة. و ((ملك الملوك)) بعد قوله: ((مالك الملوك)) من باب الترقي؛ فإن الملك أعظم من المالك وأقوى تصرفا منه؛ لأن المالك هو المتصرف في الأعيان المملوكة, والملك هو المتصرف بالأمر والنهي في المأمورين. وقيل: المالك أجمع وأوسع لأنه يقال: مالك الطير والدواب والوحوش وكل شيء, ولا يقال إلا ملك الناس, والمعنى يملك جنس الملوك ويتصرف فيهم تصرف الملاك فيما يملكون. وقوله: ((قلوب الملوك في يدي)) استئناف علي سبيل البيان, ويدل علي التصرف التام فيهم. وقوله: ((إن العباد)) الواو فيه بمنزلة الفاء التفصيلية, وقد روي بالفاء. وقوله: ((فساموهم)) من سامه خسفا إذا أولاه ظلما, واصله من سام السلعة إذا طلبها كأنه بمعنى عذبوهم سوء العذاب, وأذاقهم أشد النكال. قوله: ((والنقمة)) الجوهري: نقمته إذا كرهته وانتقم الله منه أي عاقبه, والاسم منه النقمة والجمع النقمات, والنقم مثل كلمة وكلمات وكلم – انتهي كلامه. فالنقمة إذا حملت علي الكراهة تكون تقريرا لمعنى السخطة التي هي سبب للسوم، وإذا حملت علي المعاقبة تكون الفاء في ((فساموهم)) كما في قوله تعالي: ﴿فَتُوبُوا إلي بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ و ((أكفيكم)) منصوب ب ((كي)) والمضاف من ((ملوككم)) محذوف أي شر ملوككم.

стр. 2023

(١) باب ما علي الولاة من التيسير الفصل الأول ٣٧٢٢ - عن أبي موسى, قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره. قال: ((بشروا ولا تنفروا, ويسروا ولا تعسروا)) متفق عليه. ٣٧٢٣ - وعن أنس, قال: قال رسول الله ﷺ : ((يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا)) متفق عليه. ٣٧٢٤ - وعن ابن أبي بردة, قال: بعث النبي ﷺ جده أبا موسى ومعاذا إلي اليمن. فقال: ((يسرا ولا تعسرا, وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا)) متفق عليه. ــ باب ما علي الولاة من التيسير الفصل الأول الحديث الأول عن أبي موسى: قوله: ((بشروا ولا تنفروا)) من باب المقابلة المعنوية إذا الحقيقة أن يقال: بشروا ولا تنذروا, واستأنسوا ولا تنفروا, فجمع بينهما ليعم البشارة والنذارة الاستئناس والتنفير. الحديث الثاني والثالث عن أبي بردة: قوله: ((وتطاوعا)) يعني كونا متفقين في الحكم ولا تختلفا؛ فإن اختلافكما يؤدي إلي اختلاف أتباعكما, وحينئذ تقع العداوة والمحاربة بينهم. أقول: والأحاديث الثلاثة متعاضدة علي معنى عدم الحرج والتضييق في أمور الملة الحنيفة السمحة, كما قال تعالي: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ من حرج مفعول أول ((وفي الدين)) ثان, و ((من)) زيدت للاستغراق والتنكير في ((حرج)) للشيوع, و ((عليكم)) متعلق به, قدم للاختصاص, كأنه قيل: وسع الله عليكم دينكم يا أمة نبي الرحمة خاصة, ورفع عنكم الحرج ايا كان, فظهر من هذا ترجيح فعل الأولين من السلف الصالح علي رأي المتكلمين, فيما نقله الشيخ محي الدين النواوي في الروضة من الشرح الكبير, من أنه لا يشترط أن يكون للمجتهد مذهب مدون, وإذا دونت المذاهب فهل يجوز للمقلد أن ينتقل من مذهب إلي مذهب؟ , إن قلنا يلزمه الاجتهاد في طلب الأعم وغلب علي ظنه أن الثاني أعلم, ينبغي أن يجوز بل يجب, وإن خيرناه فينبغي أن يجوز أيضا, كما لو قلد في القبلة هذا أياما وهذا أياما. ولو قلد مجتهدا

стр. 2024

٣٧٢٥ - وعن ابن عمر, أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة, فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان)) متفق عليه. ٣٧٢٦ - وعن أنس, عن النبي ﷺ قال: ((لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به)) متفق عليه. ٣٧٢٧ - وعن أبي سعيد, عن النبي ﷺ قال: ((لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة)). وفي رواية: ((لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره, ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة)) رواه مسلم. ــ في مسائل وآخر في مسائل أخرى واستوي المجتهدان عنده خيرناه. فالذي يقتضيه فعل الأولين الجواز, وكما أن الأعمى إذا قلنا: لا يجتهد في الأوإني والثياب, له أن يقلد في الثياب واحدا وفي الأوإني آخر. لكن الأصوليون منعوا منه للمصلحة, وحكى الحناطي وغيره عن أبي إسحاق فيما إذا اختار من كل مذهب ما هو أهون عليه أنه يفسق به, وعن أبي هريرة أنه لا يفسق, ويعض هذا الترجيح قول الإمام مالك ﵁ حين أراد الرشيد الشخوص من المدينة إلي العراق, قال له: ينبغي أن تخرج معي؛ فإني عزمت أن أحمل الناس علي الموطأ كما حمل عثمان الناس علي القرآن، فقال: إما حمل الناس علي الموطأ فليس إلي ذلك سبيل؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ افترقوا بعده في الأمصار فحدثوا, فعند كل أهل مصر علم, وقد قال ﷺ : ((اختلاف أمتي رحمة)). الحديث الرابع إلي آخر الفصل عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((هذه غدرة فلان)) أي هذه علامة غدرة فلان فيشتهر بين الناس ويفتضح علي رءوس الأشهاد, وينصره قوله: ((يرفع له بقدر غدرة)) قوله: ((لكل غادر لواء)) ((قض)): الغدر في الأصل ترك الوفاء وهو شائع في أن يغتال الرجل من في عهده وأمنه, والمعنى أن الغادر ينصب وراءه لواء غدره يوم القيامة تشهيرا بالغدر وإخزاء وتفضيحا علي رءوس الأشهاد. وإنما قال: ((عند استه)) استخفافا بذكره واستهانة لأمره, أو لأنه لما كان أمارة الوفاء وحسن العهد رواء الوجه وبهاؤه, ناسب أن تكون علامة الغدر ولواءه فيما هو كالمقابل له وعنده. يريد ب ((أمير العامة)) من قدمه العوام وسفلات الناس, ولم يكن له استحقاق ولا لأهل الحل والعقد, من خواص الناس عليه اتفاق, وإنما عظم غدره وفضله علي سائر أنواع الغدر؛ لأن نقض عهد

стр. 2025

الفصل الثاني ٣٧٢٨ - عن عمرو بن مرة انه قال لمعاوية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من ولاه الله شيئا من أمر المسلمين, فاحتجب دون حاجتهم, وحلتهم, وفقرهم؛ احتجب الله دون حاجته, وخلته, وفقره)). فجعل معاوية رجلا علي حوائج الناس. رواه أبو داود, والترمذي. وفي رواية له ولأحمد: ((أغلق الله له أبواب السماء دون خلته, وحاجته, ومسكنته)). [٣٧٢٨] ــ الله ورسوله بتولي ما لا يستعده ومنعه عمن يستحقه, وعهود المسلمين, بالخروج علي إمامهم والتغلب علي نفوسهم وأموالهم. ((مح)): وفيه بيان غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدى ضرره إلي خلق كثير, والمشهور أن هذا الحديث وارد في ذم الإمام الغادر, وغدره للأمانة التي قلدها لرعيته والتزام القيام بها والمحافظة عليها, فمتى خانهم أو ترك الشفقة عليهم والرفق بهم فقد غدر بعهده, ويحتمل أن يكون المراد نهي الرعية عن الغدر بالإمام, فلا يشق عليهم العصا, ولا يتعرض لما يخاف حصول فتنة بسببه, والصحيح الأول. أقول: إذا جعل سياق الكلام للأمير وغدره, ويجعل الكلام السابق كالمقدمة والتمهيد لذكر غدر الإمام, كما يقتضيه هذا الباب كان ما قاله, والصحيح الأول مستقيما, وإذا جعل ذكر غدر الإمام كالاستطراد لا الأصالة لذكر الغدر العام كلن الاحتمال الثاني أرجح وهو الظاهر لعمومه فيدخل غدر الإمام فيه دخولا أوليا, ويؤيده الحديثان السابقان عليه وعلي هذا التفسير الإضافة في أمير عامة إضافة محضة, وعلي التفسير الثاني إضافة إلي الفاعل وهي غير محضة. الفصل الثاني الحديث الأول عن عمرو: قوله: ((فاحتجب)) ((قض)): والمراد باحتجاب الوالي أن يمنع أرباب الحوائج والمهمات, أن يلجوا عليه فيعرضوها ويعسر عليهم إنهاؤها, واحتجاب الله تعالي أن لا يجيب دعوته ويخيب آماله. والفرق بين الحاجة والخلة والفقر, أن الحاجة ما يهتم به الإنسان وإن لم يبلغ حد الضرورة بحيث لو لم يحصل لاختل به أمره. والخلة ما كان كذلك, مأخوذ من الخلل, ولكن ربما لم يبلغ حد الاضطرار بحيث لو لم يوجد لامتنع التعيش, والفقر هو الاضطرار إلي ما لا يمكن التعيش دونه, مأخوذ من الفقار كأنه كسر فقاره؛ ولذلك فسر الفقير بالذي لا شيء له أصلا, واستعاذ رسول الله ﷺ من الفقر. ((مظ)): يعني من احتجب دون حاجة الناس وخلتهم فعل الله به يوم القيامة ما فعل بالمسلمين

стр. 2026

الفصل الثالث ٣٧٢٩ - عن أبي الشماخ الأزدي, عن ابن عم له من أصحاب النبي ﷺ , أنه أتى معاوية, فدخل عليه, فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ولي من أمر الناس شيئا, ثم أغلق بابه دون المسلمين, أو المظلوم, أو ذي الحاجة؛ أغلق الله دونه أبواب رحمته عند حاجته وفقره أفقر ما يكون إليه)). [٣٧٢٩] ٣٧٣٠ - وعن عمر بن الخطاب [﵁] , أنه كان إذا بعث عماله شرط عليهم: أن لا تركبوا برذونا, ولا تأكلوا نقيا, ولا تلبسوا رقيقا, ولا تغلقوا أبوابكم دون حوائج الناس, فإن فعلتم شيئا من ذلك؛ فقد حلت بكم العقوبة, ثم يشيعهم. رواهما البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٣٧٣٠] ــ أقول: ولعل هذا الوجه أعنى التقييد بيوم القيامة أرجح؛ لأن الترقي في قوله: ((حاجته وخلته وفقره)) في شأن الملوك والسلاطين يؤدون بسد باب فوزهم بمطالبهم ونجاح حوائجهم بالكلية, وليس ذلك إلا في العقبى , ونحوه قوله تعالي: ﴿كَلَاّ إنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ تغليظا عليهم وتشديدا, ولما كان جزاء المقسطين يوم القيامة أن يكونوا علي منابر من نور علي يمين الرحمن كان جزاء القاسطين البعد, والاحتجاب عنهم والإقناط عن مباغيهم, ويؤيده قوله في الحديث الذي يليه: ((أفقر ما يكون)). الفصل الثالث الحديث الأول عن أبي الشماخ: قوله: ((من أمر الناس)) التعريف فيه لاستغراق الجنس, فيدخل فيه المسلم والذمي والمعاهد. وقوله: ((دون المسلمين أو المظلوم أو ذي الحاجة)) تفصيل لهم، فيفهم أن المسلم لا يمنع مطلقا, سواء كان مظلوما أو ذا حاجة, وغيرهم لا يدخل إلا للتظلم أو لحاجة ماسة. وقوله: ((أفقر ما يكون)) قد مر أن ((ما)) مصدرية والوقت مقدر, و ((أفقر)) حال في المضاف إليه في ((فقرة)) وجاز لأنه أضاف المصدر إلي الفاعل, وليس هذا الافتقار الكلي في وقت من الأوقات إلا وقت القيامة كما سبق في الحديث السابق. الحديث الثاني عن عمر ﵁: قوله: ((برذونا)) المغرب: البرذون التركي من الخيل والجمع البراذين, وخلافها العراب والأنثى برذونة. أقول: إذا جعل علة النهي عن ركوب البراذين الخيلاء والتكبر كان النهي عن ركوب العراب أحرى وأولي.

стр. 2027

(٢) باب العمل في القضاء والخوف منه الفصل الأول ٣٧٣١ - عن أبي بكرة, قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان)) متفق عليه. ٣٧٣٢ - وعن عبد الله بن عمرو, وأبي هريرة, قالا: قال رسول الله ﷺ : ((إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب؛ فله أجران, وإذا حكم فاجتهد فأخطأ؛ فله أجر واحد)) متفق عليه. ــ ((غب)): الخيلاء الكبر عن تخيل فضيلة تراءت للإنسان من نفسه, ومنها يتأول لفظ الخيل لما قيل: إنه لا يركب أحد فرسا إلا وجد في نفسه نخوة. انتهي كلامه. والنهي عن ركوب البراذين نهي عن التكبر, وعن أكل النقي ولبس الرقيق, عن التنعم والترف, والنهي عن الاحتجاب, نهي عن تقاعدهم من قضاء حوائج الناس, والاشتغال منهم بخويصة نفسه. والله اعلم. باب العمل في القضاء والخوف منه الفصل الأول الحديث الأول عن أبي بكرة: قوله: ((وهو غضبان)) ((مظ)): أي لا ينبغي للحاكم أن يحكم في حال الغضب؛ لأنه يمنعه من الاجتهاد والفكر, وكذلك في الحر الشديد والبرد الشديد والجوع والعطش والمرض, فإن حكم في هذه الأحوال نفذ حكمه مع الكراهة. الحديث الثاني عن عبد الله: قوله: ((فاجتهد)) عطف علي الشرط علي تأويل أراد أن يحكم فاجتهد. وقوله: ((فأصاب)) عطف علي ((فاجتهد)) و ((فله أجران)) جزاء الشرط. ((خط)): إنما يؤجر المخطئ علي اجتهاده في طلب الحق؛ لأن اجتهاده عبادة ولا يؤجر علي الخطأ, بل يوضع عنه الإثم فقط. وهذا فيمن كان جامعا لآلة الاجتهاد وعارفا بالأصول عالما بوجوه القياس. وأما من لم يكن محلا للاجتهاد فهو متكلف, ولا يعذر بالخطأ بل يخاف عليه الوزر, ويدل عليه قوله ﷺ : ((القضاة ثلاثة, واحد في الجنة, واثنان في النار)). وهذا إنما هو في الفروع المحتملة للوجوه المختلفة دون الأصول التي هي أركان الشريعة وأمهات الأحكام التي لا تحتمل الوجوه, ولا مدخل فيها للتأويل؛ فإن من أخطأ فيها غير معذور في الخطأ وكان حكمه في ذلك مردودا. ((مح)): اختلفوا في أن كل مجتهد مصيب أم المصيب واحد؟ , وهو من وافق الحكم الذي عند الله تعالي, والآخر مخطئ, والأصح عند الشافعي وأصحابه الثاني؛ لأنه سمي مخطئا ولو كان مصيبا لم يسم مخطئا لأنه محمول علي من أخطأ النص أو اجتهد فيما لا يسوغ فيه

стр. 2028

الفصل الثاني ٣٧٣٣ - عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله ﷺ : ((من جعل قاضيا بين الناس؛ فقد ذبح بغير سكين)) رواه أحمد, والترمذي, وأبو داود, وابن ماجه. [٣٧٣٣] ــ الاجتهاد, ومن ذهب إلي الأول قال: قد جعل للمخطئ أجرا, فلولا إصابته لم يكن له اجر, وقال أيضا: ومن ليس بأهل حكم فلا يحل له الحكم ولا ينفذ, سواء وافق الحق أم لا؛ لأن إصابته اتفاقية فهو عاص في جميع أحكامه. أقول: ومن ذهب إلي الأول لم يقل: إن كلا منهما مصيب من كل الوجوه, بل إن احدهما مصيب من وجه كونه آتيا بالعبادة, كما قال الخطابي, ومخطئ من وجه كونه لم يوافق الحكم الذي عند الله تعالي, ويؤيده حكاية ابن الأثير في الكامل في حكم داود وسليمان ﵉ في الحرث الذي نفشت فيه الغنم عن بعض العلماء, في الآية دليل علي أن كل مجتهد في الأحكام الفرعية مصيب؛ فإن داود أخطأ الحكم الذي عند الله تعالي، وأصابه سليمان فقال تعالي: ﴿وكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ يريد أن هذه الخاتمة كالتكميل لما سبق من توهم النقص في شأن نبي الله داود ﵇ جيء بها جبرانا له بذلك. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فقد ذبح بغير سكين)) يحتمل وجوها: الأول: ((قض)): يريد به القتل بغيره كالخنق والتفريق والإحراق والحبس عن الطعام والشراب؛ فإنه أصعب وأشد من القتل بالسكين؛ لما فيه من مزيد التعذيب وامتداد مدته. الثاني: أن الذبح إنما يكون في العرف بالسكين, فعدل به إلي غيره ليعلم أن الذي أراد به ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه. قال صاحب الجامع: وهو قريب من قوله: تحية بينهم ضرب وجيع جعل جنس الذبح نوعين: المتعارف وهو إزهاق الروح بآلة مخصوصة, وغير المتعارف وهو ما يخاف عليه من هلاك دينه. ((تو)): وشتان بين الذبحين؛ فإن الذبح بالسكين عناء ساعة, والآخر عناء عمر بله ما يعقبه من الندامة يوم القيامة.

стр. 2029

٣٧٣٤ - وعن أنس, قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ابتغى القضاء وسأل؛ وكل إلي نفسه, ومن أكره عليه؛ أنزل الله عليه ملكا يسدده)) رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٣٧٣٤] ٣٧٣٥ - وعن بريدة, قال: قال رسول الله ﷺ : ((القضاة ثلاثة: واحد في الجنة, واثنان في النار. فأما الذي في الجنة؛ فرجل عرف الحق فقضى به, ورجل ــ الثالث: ((شف)) *:يمكن أن يقال: المراد منه أن من جعل قاضيا فينبغي أن [يموث] ** جميع دواعيه الخبيثة وشهواته الرديئة, فهو مذبوح بغير سكين. أقول: فعلي هذا القضاء مرغوب فيه ومحثوث عليه, وعلي الوجهين الأولين تحذير علي الحرص عليه, وتنبيه علي التوقي منه لما تضمن من الأخطار المردية والله أعلم. ((مظ)) ... :خطر القضاء كثير وضرره عظيم؛ لأنه قلما عدل القاضي بين الخصمين؛ لأن النفس مائلة إلي من تحبه أو تخدمه أو من له منصب يتوقع جاهه أو يخاف سلطته, وربما يميل إلي قبول الرشوة وهو الداء العضال. الحديث الثاني عن أنس ﵁: قوله: ((من ابتغى القضاء وسأل)) إنما جمع بينهما إظهارا لحرصه؛ فإن النفس مائلة إلي حب الرياسة وطلب الترفع علي الناس, فمن منعها سلم من هذه الآفة, ومن اتبع هواها وسأل القضاء هلك, فلا سبيل إلي الشروع فيه إلا بالإكراه, وفي الإكراه قمع هوى النفس فحينئذ يسدد ويوفق لطريق الصواب. والي هذا نظر من قال: من جعل قاضيا فينبغي أن يموث جميع دواعيه الخبيثة وشهواته الرديئة. الحديث الثالث عن بريدة: قوله: ((ورجل عرف الحق)) قرينه لقوله: ((فأما الذي في الجنة)) وترك أداة التفصيل فيها ظاهرا؛ لئلا يسلكها في مسلك واحد لبعد ما بينهما. وإنما قلنا: ظاهرا: لأن التقدير: فأما الذي في النار فرجل كذا, نحوه قوله تعالي: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ ومَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَاّ اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ﴾ أي فأما الراسخون فيقولون, وهو من فصيح الكلام وبليغه. والفاء في قوله: ((فرجل)) جواب ((أما)) وفي ((فقضى)) مسبب عن ((عرف)) والسبب والمسبب صفة ((رجل)) والفاء في ((فجار)) مثلها في ((فقضى)) لكن علي التعكيس, يعني عرفان الحق سبب لقضاء الحق, فعكس وجعله مسببا للجور كقوله تعالي: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي تجعلون شكر رزقكم التكذيب, وهو موجب للتصديق, وقوله: ((فهو في النار)) خبر ((رجل)) وهو جواب ((أما)) المقدرة علي أن المبتدأ نكرة موصوفة, و ((علي جهل)) حال من فاعل ((قضى)) أي قضى للناس جاهلا.

стр. 2030

عرف الحق فجار في الحكم؛ فهو في النار، ورجل قضى للناس علي جهل, فهو في النار)) رواه أبو داود, وابن ماجه. [٣٧٣٥] ٣٧٣٦ - وعن أبي هريرة, قال: قال رسول الله ﷺ : ((من طلب قضاء المسلمين حتى يناله, ثم غلب عدله جوره؛ فله الجنة. ومن غلب جوره عدله؛ فله النار)). رواه أبو داود. [٣٧٣٦] ــ الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((حتى يناله)) غاية الطلب و ((حتى)) للتدرج, فيفهم منه أنه بالغ في الطلب وبذل المجهود فيه ثم ناله, فمثل هذ موكول إلي نفسه فلا ينزل عليه ملك يسدده. وقال في الحديث السابق: ((من ابتغى القضاء وسأل وكل إلي نفسه)) فكيف الجمع بينهما؟ ويمكن أن يقال: إن الطالب رجلان رجل مؤيد بتأييد الله محدث ملهم, كالصحابة ومن بعدهم من التابعين, فإذا طلبه بحقه فمثل هذا لا يكون موكلا إلي نفسه وهو يقضي بالحق. وهذا هو الذي غلب عدله جوره, ورجل ليس كذلك وهو الذي وكل إلي نفسه فيغلب جوره عدله. ((تو)): سبق إلي فهم بعض من لا يتحقق القول, أن المراد من الغلبة أن يزيد ما عدل فيه علي ما جار, وهذا باطل. أقول: وفي تأويله وجوه أحدها: ((تو)): المراد من الغلبة في كلتا الصيغتين أن تمنعه إحداهما عن الأخرى فلا يجوز في حكمه ولا يعدل. وثإنيها: ((مظ)): من قوى عدله بحيث لا يدع أن يصدر منه جور. وثالثها: ((قض)): الإنسان خلق في بدء فطرته بحيث يقوى علي الخير والشر والعدل والجور, ثم إنه يعرض له دواع داخلة وأسباب خارجة, تتعارض وتتصارع فيجذبه هؤلاء مرة وهؤلاء أخرى, حتى يفضي التطارد بينهما إلي أن يغلب أحد الجزئين ويقهر الآخر فينقاد له بالكلية ويستقر ما يدعوه إليه, فالحاكم إن وفق له حتى غلب له أسباب العدل, وتمكن فيه دواعيه صار بشراشره مائلا إلي العدل, مشغوفا به متحاشيا عما ينافيه فنال به الجنة, وإن خذل بأن كان حاله علي خلاف ذلك, جار بين الناس ونال بشؤمه النار. أقول: قد سبق أن الطالب رجلان: محدث ملهم وغير ذلك, فالملهم من غلب لمة الملكية علي لمة الشيطإنية, فإذا عن له حكم وقضى بين الناس يستمر علي ذلك ويجري قضاؤه علي المنهج. وهو المراد من قوله: ((ثم غلب عدله جوره)) ((فثم)) فيه كما في قوله تعالي: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ المعنى ثم ثبتوا علي الإقرار ومقتضياته,

стр. 2031

٣٧٣٧ - وعن معاذ بن جبل: أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلي اليمن قال: ((كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟)) قال: أقضي بكتاب الله. قال: ((فإن لم تجد في كتاب الله؟)). قال: فبسنة رسول الله ﷺ . قال: ((فإن لم تجد في سنة رسول الله؟)). قال: اجتهد رأي ولا آلو. قال: فضرب رسول الله ﷺ علي صدره, وقال: ((الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي به رسول الله)) رواه الترمذي, وأبو داود، والدارمي. [٣٧٣٧] ــ ومن لم يغلب ملكيته علي شيطإنيته, إذا عن له حكم وتميل نفسه إلي أحد الخصمين لغرض من الأغراض الفاسدة, ويضم إليه لمة الشيطان يوقعه في مهواة سحيق. والواو في ((ومن غلب)) إنيب مناب ((ثم)) وليس للانسحاب بل للتقرير, أي من طلب قضاء المسلمين حتى يناله, ثم غلب جوره عدله – والله أعلم. الحديث الخامس عن معاذ: قوله: ((أجتهد رأيي)) المبالغة قائمة في جوهر اللفظ وبنائه؛ لأن الافتعال للاعتمال والسعي وبذل الوسع ونسبته إلي الرأي أيضا ترقية للمعنى. ((غب)): الجهد والجهد الطاقة والمشقة, والاجتهاد أخذ النفس ببذل الطاقة وتحمل المشقة, يقال: جهدت رأيي واجتهدت أتعبته بالفكر. ((خط)): لم يرد به الرأي الذي يسنح له من قبل نفسه أو يخطر بباله علي غير أصل من كتاب أو سنة, بل أراد رد القضية إلي معنى الكتاب والسنة من طريق القياس. وفي هذا إثبات للحكم بالقياس. ((مظ)): أي إذا وجدت مشابهة بين المسألة التي أنا بصددها وبين المسألة التي جاء نص فيها من الكتاب والسنة, أحكم فيها بحكمها. مثاله: جاء النص بتحريم الربا في البر ولم يجئ نص في البطيخ. قاس الشافعي البطيخ علي البر لما وجد بينهما من علة المطعومية. وقاس أبو حنيفة الجص علي البر لما وجد بينهما من علة الكيلية, ((ولا آلو)) أي لا أقصر. قوله: ((الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله)) استصواب منه ﷺ لرأيه في استعمال رأيه وهذا معنى قولهم: كل مجتهد مصيب. ولا ارتاب أن المجتهد إذا كدح في التحري وأتعب القريحة في الاستنباط استحق أجرا لذلك, هذا بالنظر إلي أصل الاجتهاد, فإذا نظر إلي الجزئيات فلا يخلو من أن يصيب في مسألة من المسائل أو يخطئ فيها, فإذا أصابت ثبت له

стр. 2032

٣٧٣٨ - عن علي [﵁]؛ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلي اليمن قاضيا, فقلت: يا رسول الله! ترسلني وأنا حديث السن, ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: ((إن الله سيهدي قلبك, ويثبت لسانك, إذا تقاضى إليك رجلان؛ فلا تقض للاول حتى تسمع كلام الآخر, فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء)). قال: فما شككت في قضاء بعد. رواه الترمذي, وأبو داود, وابن ماجه. [٣٧٣٨] وسنذكر حديث أم سلمة: ((إنما اقضي بينكم برأيي)) في باب: ((الأقضية والشهادات)) إن شاء الله تعالي. ــ أجران, أحدهما باعتبار أصل الرأي والآخر باعتبار الإصابة, وإذا أخطأ فله اجر واحد باعتبار الأصل, ولا شيء عليه باعتبار الخطأ. الحديث السادس عن علي ﵁: قوله: ((ولا علم لي بالقضاء)) ((مظ)): لم يرد به نفي العلم مطلقا, وإنما أراد انه لم يجرب سماع المرافعة بين الخصماء, وكيفية دفع كلام كل واحد من الخصمين ومكرهما. أقول: السين في قوله: ((سيهدي قلبك)) كما في قوله تعالي: ﴿إني ذَاهِبٌ إلي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ فإن السين فيهما صحب الفعل لتنفيس زمان وقوعه. ولا شك أنه ﵁ حين بعثه قاضيا كلن عالما بالكتاب والسنة كمعاذ ﵁. وقوله: ((أنا حديث السن)) اعتذار من استعمال الفكر واجتهاد الرأي من قلة تجاربه؛ ولذلك أجاب بقوله: ((سيهدي قلبك)) أي يرشدك إلي طريق استنباط القياس بالرأي الذي محله قلبك, فيشرح صدرك ويثبت لسانك, فلا تقضي إلا بالحق, ويدل عليه قوله ﷺ : ((فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر)) فإنك [لم] * تتمكن من الاستنباط وتمييز الحق من الباطل بسماع كلام أحد الخصمين. فقوله: ((إذا تقاضى إليك رجلان)) مقدمة للإرشاد وأنموذج منه. ((خط)): فيه دليل علي أن الحاكم لا يقضي علي غائب وذلك أنه ﷺ إذا منعه من أن يقضي لأحد الخصمين وهما حاضران, حتى يسمع كلام الآخر ففي الغائب أولي بالمنع. وذلك لإمكان أن يكون مع الغائب حجة تبطل دعوى الآخر وتدحض حجته. ((شف)): لعل مراد الخطابي بهذا الغائب عن مجلس الحكم فحسب, دون الغائب إلي مسافة القصر؛ فإن القضاء علي الغائب إلي مسافة القصر جائز عند الشافعي.

стр. 2033

الفصل الثالث ٣٧٣٩ - عن عبد الله بن مسعود, قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من حاكم يحكم بين الناس, إلا جاء يوم القيامة وملك آخذ بقفاه, ثم يرفع رأسه إلي السماء, فإن قال: ألقه ألقاه في مهواة أربعين خريفا)) رواه أحمد, وابن ماجه, والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٣٧٣٩] ٣٧٤٠ - وعن عائشة, عن رسول الله ﷺ , قال: ((ليأتين علي القاضي العدل يوم القيامة يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط)) رواه أحمد. [٣٧٤٠] ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((ما من حاكم)) هو نكرة في سياق النفي, و ((من)) زائدة للاستغراق فيشمل العادل والظالم. وقوله: ((وملك آخذ بقفاه ثم يرفع رأسه)) يدل علي كونه مقهورا في يده كمن رفع رأسه الغل مقحما, قال تعالي: ﴿إنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إلي الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾ وقوله: ((فإن قال: ألقه)) الفاء فيه للتفصيل, و ((إن)) الشرطية تدل علي أن غيره لا يقال في حقه ذلك, بل يكون حكمه عكس ذلك, فيقال في حقه: أدخله الجنة. فعلي هذا يتفق هذا الحديث وحديث أبي أمامة في الفصل الثالث من باب الإمارة. وهو قوله: ((ما من رجل يلي عشرة فما فوق ذلك, إلا أتاه الله مغلولا يوم القيامة يده إلي عنقه, فكه بره أو أوبقه إثمه)). قوله: ((أربعين)) مجرور المحل صفة ((مهواة)) أي مهواة عميق, فكنى عنه إذ لم يرد التحديد بل المبالغة في العمق. والمراد بالخريف السنة. ((نه)): الخريف الزمان المعروف من فصول السنة ما بين الصيف والشتاء, ويريد به أربعين سنة, لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة. الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((يوم القيامة)) قيل: هو الفاعل ((ليأتين)) و ((يتمنى)) حال من المجرور. والأوجه أن يكون حالا من الفاعل. والراجع محذوف أي يتمنى

стр. 2034

٣٧٤١ - وعن عبد الله بن أبي أوفي, قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تخلي عنه ولزمه الشيطان)) رواه الترمذي، وابن ماجه. وفي رواية: ((فإذا جار وكله إلي نفسه)). [٣٧٤٠] ٣٧٤٢ - وعن سعيد بن المسيب: أن مسلما ويهوديا اختصما إلي عمر, فرأي الحق لليهودي, فقضى له عمر به. فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق, فضربه عمر بالدرة, وقال: وما يدريك؟ فقال اليهودي: والله إنا نجد في التوراة انه ليس قاض يقضي بالحق, إلا كان عن يمينه ملك, وعن شماله ملك, يسددانه ويوفقانه للحق ما دام مع الحق, فإذا ترك الحق؛ عرجا وتركاه. رواه مالك. [٣٧٤٢] ٣٧٤٣ - وعن ابن موهب: أن عثمان بن عفان [﵁] , قال لابن عمر: اقض بين الناس. قال: أوتعافيني؟ يا أمير المؤمنين! قال: وما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي؟ قال: لأتي سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من كان قاضيا فقضى بالعدل؛ فبالحري أن ينقلب منه كفافا)). فما راجعه بعد ذلك. رواه الترمذي. [٣٧٤٣]. ــ فيه. ويجوز أن يكون يوم القيامة منصوبا علي الظرف, أي ليأتين عليه يوم القيامة من البلاء ما يتمنى أنه لم يقض, فإذا الفاعل يتمنى بتقدير ((أن)) وقد عبر عن السبب بالمسبب؛ لأن البلاء سبب التمني. والتقيد بالعادل والثمرة تتميم لمعنى المبالغة مما نزل به البلاء. الحديث الثالث عن عبد الله: قوله: ((وكله)) الجوهري: وكله إلي نفسه وكلا ووكولا, وهذا الأمر موكول إلي رأيك, وفرس واكل, يتكل علي صاحبه في العدو, وواكلت فلانا موكلا إذا اتكلت عليه واتكل هو عليك. الحديث الرابع عن سعيد: قوله: ((فضربه عمر بالدرة)) فإن قلت: لم ضربه وليس بمستحق به لأنه صدقه, وكيف يطابق جواب اليهودي: ((والله إنا نجد في التوراة)) إلي آخره لقوله: ((وما يدريك))؟. قلت: لم يضربه ضربا مبرحا للتأديب بل لإصابته كما يجري بين الناس علي سبيل المطايبة. وتطبيق الجواب أن عمر ﵁ لو مال عن الحق لقضى للمسلم علي اليهودي, فلم يكن مسددا فلما قضى له عرف بتشديده وثباته وعدم ميله من غير تغيير أنه موفق مسدد. الحديث الخامس عن ابن موهب: قوله: ((أوتعافيني)) أي أترحم علي وتعافيني؟ وهو استعطاف علي سبيل الدعاء, و ((فقضى بالعدل)) عطف علي الشرط, وقوله: ((فبالحري أن ينقلب))

стр. 2035

٣٧٤٤ - وفي رواية رزين, عن نافع, أن ابن عمر قال لعثمان: يا أمير المؤمنين! لا أقضي بين رجلين. قال: فإن أباك كان يقضي. فقال: إن أبي لو أشكل عليه شيء سأل رسول الله ﷺ , ولو أشكل علي رسول الله ﷺ شيء سأل جبريل ﵇, وإني لا أجد من أسأله, وسمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من عاذ بالله, فقد عاذ بعظيم)) وسمعته يقول: ((من عاذ بالله؛ فأعيذوه)). وإني أعوذ بالله أن تجعلني قاضيا فأعفاه, وقال: لا تخبر أحد. [٣٧٤٤] (٣) باب رزق الولاة وهداياهم الفصل الأول ٣٧٤٥ - عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أعطيكم ولا أمنعكم, أنا قاسم أضع حيث أمرت)) رواه البخاري ــ جوابه. يقال: فلان حري بكذا أو حر بكذا بالحري أن يكون كذا، أي جدير وخليق. قيل: ((حري)) إن كان اسم فاعل يكون مبتدأ خبره ((أن ينقلب)) والباء زائدة نحو بحسبك درهم, أي الخليق والجدير كونه منقلبا منه كفانا. وإن جعلته مصدرا, فهو خبر والمبتدأ ما بعده, والباء متعلق بمحذوف أي كونه منقلبا ثابت بالاستحقاق. قوله ك ((كفافا)) ((مظ)): الكفاف هو الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه, وهو نصب علي الحال. وقيل: أراد مكفوفا عنه شره. وقيل: معناه أن لا ينال من القضاء ولا ينال منه أي يكف هو من القضاء ويكف القضاء عنه. أقول: يعني أن من تولي القضاء واجتهد في تحري الحق, واستفرغ جهده فيه, حقيق أن لا يثاب ولا يعاقب, فإذا كان كذلك فأي فائدة في توليه؟ وفي معناه أنشد: علي أنني راض بأن أحمل الهوى وأخلص منه لا علي ولا ليا وقوله: ((فما راجعه)) أي فما رد عليه الكلام وما رجع إلي ما طلب منه. والله أعلم. باب رزق الولاة وهداياهم وهو من إضافة المصدر إلي الفاعل؛ لقوله ﷺ : ((من استعملناه علي عمل فرزقناه رزقا)) والرزق ما يعطى الأجناد من بيت المال. المغرب: الفرق بين الرزق والعطاء أن العطاء ما يخرج للجندي من بيت المال في السنة مرة أو مرتين, والرزق ما يخرج له كل شهر. الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أنا قاسم)) جملة مبينة للكلام السابق.
следующие страницы →