Полный текст (3 308 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
٣٨٦٩ - وعنه، قال: كان رسول الله ﷺ يكره الشكال في الخيل. والشكال: أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض وفي يده اليسرى، أو في يده اليمنى ورجله اليسرى. رواه مسلم.
٣٨٧٠ - وعن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء، وأمدها ثنية الوداع، وبينهما ستة أميال، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلي مسجد بني زريق، وبينهما ميل. متفق عليه.
٣٨٧١ - وعن أنس، قال: كانت ناقة لرسول الله ﷺ تسمى العضباء، وكانت لا تسبق، فجاء أعرابي علي قعود له، فسبقها، فاشتد ذلك علي المسلمين فقال رسول الله ﷺ : ((إن حقا علي الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه)). رواه البخاري.
ــ
وإنما كرهه لأنه كالمشكول صورة تفاؤلا. ويمكن أن يكون جرب ذلك الجنس فلم يكن فيه نجابة. وقيل: إذا كان مع ذلك أغر زالت الكراهة لزوال شبه الشكال.
الحديث العاشر عن عبد الله: قوله: ((أضمرت)) ((نه)): الضمير الهزال وخفة اللحم، وأراد بالإضمار التضمير، وهو أن يعلف الفرس حتى يسمن ثم يرده إلي القوت، وذلك في أربعين يوما وقد كانوا يشدون عليه السرج ويجللونه بالجل، حتى يعرق تحته فيذهب هزاله ويشتد لحمه. وهذه المدة تسمى المضمار، والموضع الذي يضمر فيه أيضا مضمار. والرواية علي ما ذكرنا؛ والمشهور من كلام العرب التضمير؛ فلعله من بعض الرواة أقام الإضمار موضع التضمير، أو كانوا يستعملون ذلك. و ((الحفياء)) – بفتح الحاء وسكون الفاء – بمد ويقصر. وأضيف (الثنية)) إلي ((الوداع))؛ لأنها موضع التوديع.
الحديث الحادي عشر عن أنس: قوله: ((العضباء)) ((نه)): هو علم لها منقول من قولهم: ناقة عضباء أي مشقوقة الأذن ولم تكن مشوقة الأذن. قال: بعضهم: إنها كانت مشقوقة الأذن، والأول أكثر. قال الزمخشري: هو منقول من قولهم: ناقة عضباء وهي القصيرة اليد، والقعود من الإبل ما أمكن أن يركب وأدناه أن يكون له سنتان، ثم هو قعود إلي السنة السادسة ثم هو جمل.
قوله: ((علي الله)) متعلق بـ ((حقا)) و ((أن لا يرتفع)) خبر ((إن)) و ((أن)) مصدرية فتكون معرفة والاسم نطرة، فيكون من باب القلب، أي أن عدم الارتفاع حق علي الله نحو قوله: كان مزاجها عسل وماء. ويمكن أن يتمحل بأن يقال: ((علي الله)) صفة ((حقا)) أي حقا ثابتا واجبا علي الله وفيه وفي الذي قبله جواز المسابقة بالخيل والإبل.
стр. 2102
الفصل الثاني
٣٨٧٢ - عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله تعالي يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله، فارموا واركبوا، وأن ترموا أحب الي من أن تركبوا، كل شيء يلهو به الرجل باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته؛ فإنهن من الحق)) رواه الترمذي، وابن ماجه، وزاد أبو داود، والدارمي: ((ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنه نعمة تركها)). أو قال: ((كفرها)). [٣٨٧٢]
٣٨٧٣ - وعن أبي نجيح السلمي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من بلغ بسهم في سبيل الله؛ فهو له درجة في الجنة، ومن رمى بسهم في سبيل الله؛
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عقبة: قوله: ((ومنبله)) ((نه)): يقال: نبلت الرجل بالتشديد إذا ناولته النبل ليرمي به. وكذلك أنبلته. قال أبو عمرو الزاهد: نبلته وأنبلته ونبلته، ويجوز أن يراد بالمنبل الذي يرد النبل علي الرامي من الهدف. قوله: ((واركبوا)) عطف و ((اركبوا)) يدل علي المغايرة وأن الرامي يكون راجلا والراكب رامحا، فيكون معنى قوله: ((وأن ترموا)) أن الرمي بالسهم أحب إلي من الطعن بالرمح. قال ابن عباد:
ومكان ضنك علي الفارس والراجل ضيق علي الرامح والنابل
وفي هذا الكلام لف ونشر.
الحديث الثاني عن أبي نجيح: قوله: ((من بلغ بسهم)) ((مظ)): أي أوصل سهما إلي كافر فهو له درجة، ومن رمى سهما كان له من الثواب مثل عدل رقبة وإن لم يوصل إليه. أقول: فعلي هذا في الكلام تنزل من الأعلي إلي الأدنى. ويمكن أن يحمل علي الترقي فيقال: إن مفعول ((بلغ)) محذوف يقال: بلغت المكان إذا وصلت إليه، والباء حال أي من بلغ مكان الحرب مع سهمه ومصاحبا له يكون له درجة، وإن رمى به تكون له درجات. والرواية الثانية وهي ((من شاب شيبة في سبيل الله)) أنسب بهذا المقام. ومعناه من مارس المجاهدة حتى تشيب طاقة من شعره فله ما لا يوصف من الثواب. دل عليه تخصيص ذكر النور والتنكير فيه. ومن روى ((في الإسلام)) بدل ((في سبيل)) أرد بالعام الخاص، أو سمي الجهاد إسلاما؛ لأنه عموده وذروة سنامه.
стр. 2103
فهو له عدل محرر. ومن شاب شيبة في الإسلام؛ كانت له نورا يوم القيامة)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). وروى أبو داود الفصل الأول، والنسائي الأول والثاني، والترمذي الثاني والثالث، وفي روايتهما: ((من شاب شيبة في سبيل الله)) بدل ((في الإسلام)).
٣٨٧٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر)) رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي. [٣٨٧٤]
٣٨٧٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أدخل فرسا بين فرسين، فإن كان يؤمن أن يسبق؛ فلا خير فيه، وإن كان لا يؤمن أن يسبق؛ فلا بأس به)). رواه في
ــ
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا سبق)) ((نه)): هو بفتح الباء. ما يجعل من المال رهنا علي المسابقة. وبالسكون مصدر سبقت أسبق. وقال الخطابي: الرواية الفصيحة بفتح الباء. المعنى: لا يحل أخذ المال في المسابقة إلا في هذه الثلاثة: وهي الإبل والخيل والسهام. ولا بد فيه من تقدير أي ذي خف وذي نصل وذي حافر.
((حس): ويدخل في معنى الخيل البغال والحمير وفي معنى الإبل الفيل. قيل: لأنه أغنى من الإبل في القتال، وألحق بعضهم الشد علي الإقدام والمسابقة عليها.، وفيه إباحة أخذ المال علي المناضلة لمن نضل، وعلي المسابقة علي الخيل والإبل لمن سبق. وإليه ذهب جماعة من أهل العلم؛ لأنها عدة لقتال العدو، وفي بذل الجعل عليها ترغيب في الجهاد. قال سعيد بن المسيب: ليس برهان الخيل بأس إذا أدخل فيها محلل، والسباق بالطير والرجل وبالحمام، وما يدخل في معناها مما ليس من عدة الحرب ولا من باب القوة علي الجهاد، فأخذ المال عليه قمار محظور وسئل ابن المسيب عن الدحو بالحجارة. فقال: لا بأس به. يقال: فلان يدحو بالحجارة أي يرمي بها.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((يؤمن أن يسبق)) أي يعلم ويعرف أن هذا الفرس سابق غير مسبوق، فلا خير فيه. بخلافه إذا لم يعلم ولم يعرف. ((مظ)): اعلم أن المحلل ينبغي أن يكون علي فرس مثل فرس المخرجين أو قريبا من فرسيهما في العدو، فإن كان فرس المحلل جوادا بحيث يعلم المحلل أن فرسي المخرجين لا يسبقان فرسه لم بجز. بل وجوده كعدمه وإن كان لا يعلم أنه يسبق فرسي المخرجين يقينا. أو أنه يكون مسبوقا جاز.
стр. 2104
((شرح السنة)). وفي رواية أبي داود، قال: ((من أدخل فرسا بين فرسين، يعني وهو لا يأمن أن يسبق؛ فليس بقمار. ومن أدخل فرسا بين فرسين، وقد أمن أن يسبق؛ فهو قمار)). [٣٨٧٥]
٣٨٧٦ - وعن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا جلب ولا جنب)). زاد يحيى في حديثه: ((في الرهان)) رواه أبو داود، والنسائي، ورواه الترمذي مع زيادة في باب ((الغضب)). [٣٨٧٦]
ــ
((حس)): ثم في المسابقة إن كان المال من جهة الإمام، أو من جهة واحد من عرض الناس شرط للسابق من الفارسين مالا معلوما فجائز، فإذا سبق استحقه، وإن كان من جهة الفارسين، فقال أحدهما لصاحبه: إن سبقتني فلك علي كذا، وإن سبقتك فلا شيء لي عليك فهو جائز أيضا، فإذا سبق استحق المشروط. وإن كان المال من جهة كل واحد منهما بأن قال لصاحبه: وإن سبقتك فلي عليك كذا وإن سبقتني فلك علي كذا، فهذا لا يجوز إلا بمحلل يدخل بينهما إن سبق المحلل أخذ السبقين، وإن سبق فلا شيء عليه. وسمي محللا؛ لأنه محلل للأسبق أخذ المال.
فبالمحلل يخرج العقد عن أن يكون قمارا؛ لأن القمار أن يكون الرجل مترددا بين الغنم والغرم، فإذا دخل بينهما لم يوجد فيه هذا المعنى. ثم إذا جاء المحلل أولا ثم جاء المتسابقان معا أو أحدهما بعد الآخر أخذ المحلل السبقين. وإن جاء المستبقان معا ثم المحلل فلا شيء لأحد، وإن جاء أحد المستبقين أولا، ثم المحلل، والمستبق الثاني. أما معا أو أحدهما بعد الآخر صور السابق سبقه وأخذ سبق الثاني وإن جاء المحلل وأحد المستبقين معا ثم جاء الثاني مصليا، أخذ السابقان سبق المصلي.
الحديث الخامس عن عمران ﵁: قوله: ((لا جلب)) مضى شرحه في باب الزكاة. قوله: ((زاد يحيي في حديثة)) هو قول أبي داود، وروى هذا الحديث بإسنادين إسناد ليس فيه يحيي بن خلف هذا ولا هذه الزيادة، وإسناد فه يحيي والزيادة. وأما ما في المصابيح من قوله: ((يعني في الرهان)) فهو تفسير مؤلفه، كما قال الشيخ التوربشتي: لعله فسر الحديث الذي ليس فيه هذه الزيادة؛ لدلالة ما فيه عليه، وكان من حقه أن يذكر ما هي فيه.
الحديث السادس عن أبي قتادة ﵁: قوله: ((الأدهم)) ((تو)): الأدهم الذي يشتد سواده. و ((الأقرح)) الذي في وجهه القرحة بالضم، وهي ما دون الغرة. و ((الأرثم)) الذي في
-
стр. 2105
* وعن أبي قتادة، عن النبي ﷺ ، قال: ((خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم، ثم الأقرح المحجل طلق اليمين، فإن لم يكن أدهم؛ فكميت: علي هذه الشية)) رواه الترمذي، والدارمي. [٣٨٧٧]
٣٨٧٨ - وعن أبي وهب الجشمين قال: قال رسول الله ﷺ : ((عليكم بكل كميت أغر محجل، أو أشقر أغر محجل، أو أدهم أغر محجل)) رواه أبو داود، والنسائي. [٣٨٧٨]
٣٨٧٩ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يمن الخيل في الشقر)) رواه الترمذي، وأبو داود. [٣٨٧٩]
٣٨٨٠ - وعن (عتبة) * بن عبد السلمي، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
ــ
حجفلته العليا بياض. والتحجيل بياض في قوائم الفرس أو في ثلاث منها أو في رجليه، قل أو كثر بعد أن يجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين. ((طلق)) بضم الطاء واللام إذا لم يكن في إحدى قوائمه تحجيل. ((والكميت)) من الخيل يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمصدر الكمية وهي حرة يدخلها قترة.
وقال الخليل: إنما صغر لأنه بين السواد والحمرة لم يخلص له واحد منهما، فأرادوا بالتصغير أنه قريب منهما. و ((الشية)) كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره، فالهاء فيه عوض من الواو الذاهبة من أوله، وهمزها خطأ.
الحديث السابع عن أبي وهب: قوله: ((أو أشقر)) الفرق بين الكميت والأشقر بقترة تعلو الحمرة وبسواد العرف والذنب في الكميت.
الحديث الثامن والتاسع عن عتبة ﵁ قوله: ((ولا معارفها)) ((قض)): أي شعور عنقها جمع عرف علي غير قياس. وقيل: هي جمع معرفة وهي المحل الذي ينبت عليها العرف، فأطلقت علي الأعراف مجازا. ((ولا أذنابها فإن أذنابها مذابها)) أي مراوحها تذب بها الهوام عن أنفسها. و ((معارفها دفاؤها)) أي كساها الذي تدفأ به. قوله: ((معقود فيها الخير)) قد
стр. 2106
((لا تقصوا نواصي الخيل، ولا معارفها، ولا أذنابها فإن أذنابها مذابها، ومعارفها دفاؤها، ونواصيها معقود فيها الخير)) رواه أبو داود. [٣٨٨٠]
٣٨٨١ - وعن أبي وهب الجشمي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ارتبطو الخيل، وامسحوا بنواصيها وأعجازها – أو قال: كفالها – وقلدوها، ولا تقلدوها الأوتار)) رواه أبو داود، والنسائي. [٣٨٨١]
٣٨٨٢ - وعن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ عبدا مأمورا، ما اختصنا دون الناس بشيء إلا بثلاث: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي حمارا علي فرس. رواه الترمذي، والنسائي. [٣٨٨٢]
ــ
سبق أنه من الاستعارة المكنية؛ لأن الخير ليس بمحسوس حتى يعقد عليه الناصية، فكيف جعله محسوسا هاهنا ونهي عن قطعها؟ يقال: إنهم قد يدخلون المعقول في جنس المحسوس، ويحكمون عليه بما يحكم علي المحسوس مبالغة في اللزوم قال:
ويصعد حتى يظن الجهول بأن له حاجة في السماء
وقال الآخر:
هي الشمس مسكنها في السماء فعز الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع إليها الصعود ولن تستطيع إليك النزولا
الحديث العاشر عن أبي وهب ﵁: قوله: ((وقلدوها)) ((نه)): أي قلدوها طلب أعداء الدين والدفاع عن المسلمين، ولا تقلدوها طلب أوتار الجاهلية ودخولها التي كانت بينكم. والأوتار جمع وتر – بالكسر – وهو الدم وطلب الثأر. يريد اجعلوا ذلك لازما لها في أعناقها لزوم القلائد للأعناق. وقيل: أراد بالأوتار جمع وتر القوس، أي لا تجعلوا في أعناقها الأوتار فتختنق؛ لأن الخيل ربما رع الأشجار فتشبثت الأوتار ببعض شعبها فتخنقها. وقيل: إنما نهاهم عنها لأنهم كانوا يعتقدون أن تقليد الخليل بالأوتار يدفع عنها العين والأذى فيكون كالعوذة لها فنهاهم، أعلمهم أنها لا تدفع ضرا ولا تصرف حذرا.
الحديث الحادي عشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((عبدا مأمورا)) ((قض)): أي مطواعا غير مستبد في الحكم ولا حاكم بمقتضى ميله وتشهيه، حتى يخص من شاء بما شاء من الأحكام. ((ما اختصنا)) يريد به نفسه سائر أهل بيت الرسول ﷺ ((دون الناس بشيء إلا
стр. 2107
بثلاث)) أي ما اختصنا بحكم لم يحكم به علي سائر أمته، ولم يأمرنا بشيء لم يأمرهم به إلا بثلاث خصال.
والظاهر أن قوله: ((أمرنا)) إلي آخره تفصيل لها. وعلي هذا ينبغي أن يكون الأمر أمر إيجاب، وإلا لم يكن فيه اختصاص؛ فإن إسباغ الوضوء مندوب علي غيرهم. وإنزاء الحمار علي الفرس مكروه مطلقا، لقوله ﷺ في حديث علي ﵁: ((إنما يفعل ذلك الذي لا يعلمون)). والسبب فيه قطع النسل واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ فإن البغلة لا تصلح للكر والفر؛ ولذلك لا يسهم لها في الغنيمة ولا سبق فيها علي وجه؛ ولأنه علق بأن لا يأكل الصدقة هو واجب، فينبغي أن يكون قرينة أيضا لذلك، وإلا لزم استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين، اللهم إلا أن تفسر الصدقة بالتطور أو الأمر المشترك بين الإيجاب والندب.
ويحتمل أن المراد أنه ﷺ ما اختصنا بشيء إلا بمزيد الحث والمبالغة في ذلك.
أقول: قد تقرر عند علماء البيان أنهم يقدمون علي ما سبق الكلام له تنبيهات ومقدمات، كقرع العصا بأن ما يتولها أمور عظام وخطوب جسام، ينبغي أن يتلقاها السامع بشراشره، فافتتاح ابن عباس ﵄ بقوله: ((كان عبدا مأمورا)) يدل علي فخامة ما بعده من قوله: ((ما اختصنا)) إلي آخره.
ونظيره في تمهيد المقدمة والعرض والأسلوب ما سبق في تفسير قول علي ﵁، حين سئل هل عندكم شيء ليس في القرآن؟ فقال: ((والذي فلق الحبة وبرأن النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فهما يعطى الرجل في كتابه وما في الحصيفة)) الحديث؛ فإن القسيمة في حديث علي ﵁ وقعت موقع قوله: ((كان عبدا مأمورا)). فقول ابن عباس أيضا من ذلك الوادي، يعني ما اختصنا رسول الله ﷺ معاشر أهل البيت من بين سائر الناس إلا بهذه الخلاف المعلومة المشهورة، بعضها سنة مشتركة بين سائر الناس، كإسباغ الوضوء مثلا، وبعضها مكروهة كإنزاء الحمار مثلا، وبعضها مختصة بأهل البيت كحرمة الصدقة المغصوبة في الكتاب والسنة مثلا.
فإن عدت هذه الأمور وتلك الأوامر من العلوم المختصة بنا فهو ذاك. فلما لم يكن مختصا بنا علمها، فيلزم أن لم يكن استأثرنا بشيء من العلوم دون الناس. ردا للشيعة أبلغ رد؛ لأنه من باب إرخاء العنان وإجراء الكلام مع الخصم علي سنن يبعث للمنصف أن يتفكر فيه ويذعن للحق، كقوله تعالي: ﴿وَإنَّا أَوْ إيَّاكُمْ لَعَلي هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾.
وتلخيص الكلام وتحريره أن سياق الكلام وارد لنفي التهمة عن أنفسهم، وأن النبي ﷺ اختصهم بشيء من العلوم دون الناس، فتعداد تلك الخصال ليست لبيان الواجب أو الندب أو الكراهة، بل لمجرد خلال معدودة علي غير ترتيب والتئام، ولذلك حسن موقعها في النظام وإلا كان كالجمع بين الضب والنون، والأروى والنعام، عرف ذلك من رزق الذوق، وإلا فلا حيلة مع من حرمها.
стр. 2108
٣٨٨٣ - وعن علي [﵁]، قال: أهديت لرسول الله ﷺ بغلة، فركبها، فقال علي: لو حملنا الحمير علي الخيل فكانت لنا مثل هذه؟ فقال رسول الله ﷺ : ((إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون)) رواه أبو داود، والنسائي. [٣٨٨٣]
٣٨٨٤ - وعن أنس، قال: كانت فبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضة. رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، والدارمي. [٣٨٨٤]
ــ
وقريب من هذا قول الشيخ التوربشتي حيث قال: ومن تدبر هذا القول – يعني قول ابن عباس: أمرنا بإسباغ الوضوء – عرف من طريق الفهم أنه من أعلام النبوة، وذلك أن الآخرين ممن ينتمي إلي بيت النبوة نسبا، أو يدعي موالاة أهل البيت عصبية قد أحدثوا في الإسلام بدعة، وهي القول بمسح الأرجل دون الغسل اختلافا وافتراء علي الأولين من أهل بيت النبوة صدقا وعدلا – ومعاذ الله – أن يظن بألئك السادة مثل ذلك، فالنبي ﷺ إنا أمرهم بالإسباغ نفيا لهذه البدعة عنهم.
الحديث الثاني عشر عن علي ﵁: قوله: ((الذين لا يعلمون)) مطلق يحتمل أن يقدر مفعوله بدلالة الحديث السابق، أي لا يعلمون كراهيته وعلتها كما سبق. وأن لا يقدر ويجري مجرى اللازم للمبالغة، أي الذين ليسوا من أهل المعرفة في شيء وأنهم غير عارفين أنه بعيد من الحكمة، وتغيير لخلق الله تعالي. ومال المظهر إلي كراهة ذلك حيث قال: وإنزاء الحمار علي الفرس جائز؛ لأن النبي ﷺ ركب البغل وجعله تعالي من النعم، ومن علي عباده بقوله: ﴿والْخَيْلَ والْبِغَالَ والْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وزِينَةً﴾. أقول: لعل الإنزاء غير جائز والركوب والتزين به جائزان كالصور؛ فإن عملها حرام واستعمالها في الفرش والبسط مباح. وقوله: ((فكانت لنا)) عطف علي ((حملنا)) وجواب ((لو)) محذوف أي لكان صوابا.
الحديث الثالث عشر عن أنس ﵁: قوله: ((قبيعة)) ((نه)): هي التي تكون علي رأس قائم السيف. وقيل: هي ما تحت شاربي السيف. والجوهري: قبيعة السيف ما علي طرف مقبضه من فضة أو حديدة. ((حس)): فيه دليل علي جواز تحلية السيف بالقليل من الفضة وكذلك المنطقة.
((حس)): اختلفوا في تحلية اللجام والسرج فأباحه بعضهم كالسيف، وحرم بعضهم لأنه من زينة الدابة. وكذلك اختلفوا في تحلية سكين الحرب والمقلمة بقليل من الفضة. فأما التحلية بالذهب فغير مباح في جميعها. ((تو)): حديث مزيدة لا تقوم به حجة إذ ليس له سند يعتد به؛ ذكر صاحب الاستيعاب حديثه، وقال: إسناده ليس بالقوي.
стр. 2109
٣٨٨٥ - وعن هود بن عبد الله بن سعد، عن جده مزيدة، قال: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح وعلي سيفه ذهب وفضة. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريبز
٣٨٨٦ - وعن السائب بن يزيد: أن النبي ﷺ كان عليه يوم أحد درعان قد ظاهر بينهما. رواه أبو داود، وابن ماجه. [٣٨٨٦]
٣٨٨٧ - وعن ابن عباس، قال: كانت راية نبي الله ﷺ سوداء، ولواؤه أبيض. رواه الترمذي، وابن ماجه. [٣٨٨٧]
٣٨٨٨ - وعن جابر، أن النبي ﷺ دخل مكة ولواؤه أبيض. رواه الترمذي وأبو داود، وابن ماجه. [٣٨٨٩]
ــ
الحديث الرابع والخامس عشر عن السائب: قوله: ((قد ظاهر بينهمما)) ((نه)): أي جمع بينهما، ولبس أحدهما فوق الأخرى كأنه من التظاهر، التعاون والتساعد.
الحديث السادس عشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((راية)) ((نه)): الراية العلم الضخم. وكان اسم راية النبي ﷺ العقاب. ويقال: ربيت الراية أي ركزتها. المغرب: اللواء علم الجيش وهو دون الراية؛ لأنه شقة ثوب تلوى وتشد إلي عود الرمح. والراية علم الجيش ويكنى أم الحرب وهو فوق اللواء. قال الأزهري: والعرب لا تهمزها وأصلها الهمز، أنكر أبو عبيد والأصمعي الهمز. ((تو)): الراية هي التي يتولاها صاحب الحرب ويقاتل عليها، وإليها تميل المقاتلة، واللواء علامة كبكبة الأمير يدور معه جيشه حيث دارت.
الحديث السابع والثامن عشر عن موسي: قوله: ((كانت سوداء)) ((قض)): أراد بالسوداء ما غالب لونه سواد، بحيث يرى من البعد أسود، لا مما لونه سواد خالص؛ لأنه قال: ((من نمرة)) وهي بردة من صوف من سواد يلبسها الأعراب، فيها تخطيط من سواد وبياض، ولذلك سميت نمرة تشبيها بالنمر، ويقال لها العباء أيضا.
стр. 2110
الفصل الثالث
٣٨٩٠ - عن أنس، قال: لم يكن شيء أحب إلي رسول الله ﷺ بعد النساء من الخيل. رواه النسائي. [٣٨٩٠]
٣٨٩١ - وعن علي، قال: كانت بيد رسول الله ﷺ قوس عربية فرأي رجلا بيده قوس فارسية، قال: ((ما هذه؟ ألقها، وعليكم بهذه وأشباهها ورماح القنا فإنها يؤيد الله لكم بها في الدين ويمكن لكم في البلاد)) رواه ابن ماجه.
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((من الخيل)) ذكر الخيل هنا كناية عن الغزو والمجاهدة في سبيل الله. وقرانه مع النساء هنا لإرادة التكميل كما جاء في حديث آخر: ((حبب إلي الطيب والنساء، وجعل قرة عيني في الصلاة)) * فإنه لما أخبر أن النساء كانت أحب إلي رسول الله ﷺ لمصلحة العباد علي ما مر في حديث الاستغفار، أحس في نفسه أن هذا الوصف يوهم أنه ﷺ ، كان مائلا إلي معاشرة أرباب الخدور ومشتغلا بهن معالي الأمور، فكمل بقوله: ((من الخيل)) ليؤذن بأنه مع ذلك مقدام بطل في الكر والفر مجاهد مع أعداء الله، كما كمل في الحديث الآخر بقوله: ((وجعل قرة عيني في الصلاة)) فأذن بأنه ﷺ مجاهد مع نفسه واصل إلي مخدع القرب.
الحديث الثاني عن علي ﵁: قوله: ((فإنها)) اسم ((إن)) ضمير القصة كقوله تعالي: ﴿فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ﴾ ولعل الصحابي رأي أن القوس الفارسية أقوى وأشد وابعد مرمى. فآثرها علي العربية زعما بأنها أعون في الحرب وفتح البلاد، فأرشده ﷺ بأنه ليس كما زعمت، بل إن الله تعالي هو الذي ينصركم في الدين، ويمكنكم في البلاد بعونه لا بقوتكم وقوة إعدادكم. قوله: ((ويمكن لكم)) يقال: مكنته في الأرض أثبته فيها.
стр. 2111
(٢) باب آداب السفر
الفصل الأول
٣٨٩٢ - عن كعب بن مالك: أن النبي ﷺ خرج يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس. رواه البخاري.
٣٨٩٣ - وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم؛ ما سار راكب بليل وحده)) رواه البخاري.
٣٨٩٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس)) رواه مسلم.
ــ
باب آداب السفر
الفصل الأول
الحديث الأول عن كعب ﵁: قوله: ((تبوك)) (((مخيم اليرموك))): التبوك تثوير الماء بعود ونحوه ليخرج من الأرض. وبه سميت غزوة تبوك. ((تو)): اختياره ﷺ يوم الخميس للخروج محتمل لوجوه: أحدها: أنه يوم مبارك ترفع فيه أعمال العباد إلي الله تعالي، وقد كانت سفراته لله وفي الله والي الله، فأحب أن يرفع له فيه عمل صالح. وثإنيها: أنه أتم أيام الأسبوع عددا. وثالثها: أنه كان يتفاءل بالخميس في خروجه، وكان من سنته أن يتفاءل بالاسم الحسن. والخميس الجيش لأنهم خمس فرق: المقدمة والقلب والميمنة والميسرة والساقة. فيرى في ذلك من الفأل الحسن حفظ الله له وإحاطة جنوده به حفظا وحماية. وزاد القاضي: ولتفاؤله بالخميس عى أنه يظفر علي الخميس الذي هو جيش العدو ويتمكن عليهم. والأشرف: أو لأنه يخمس فيه الغنيمة.
الحديث الثاني عن عبد الله ﵁: قوله: ((ما في الوحدة)) ((ما)) الأولي استفهامية علق العلم علي العمل، والثانية موصولة والثالثة نافية. ((مظ)) *: فيه مضرة دينية إذ ليس من يصلي معه بالجماعة، وضرة دنيوية؛ إذ ليس معه من يعينه في الحوائج.
أقول: وكان من حق الظاهر أن يقال: ما سار أحد وحده. فقيد بالراكب والليل؛ لأن الخطر بالليل أكثر، وأن انبعاث الشر فيه أكثر والتحرز منه أصعب، ومنه قولهم: الليل أخفي للويل. وقولهم: أعذر الليل لأنه إذا أظلم كثر فيه العذر لا سيما إذا كان راكبا؛ فإنه له خوف جفلة المركوب ونفوره من أدنى شيء، والتهوي في الوهدة بخلاف الراجل.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((رفقة)) ((مح)): هي بكسر الراء
стр. 2112
٣٨٩٥ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال: ((الجرس مزامير الشيطان)) رواه مسلم.
٣٨٩٦ - وعن أبي بشير الأنصاري: أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسول الله ﷺ رسولا: ((لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر – أو قلادة – إلا قطعت)) متفق عليه.
ــ
وضمها. والمراد بالملائكة ملائكة الرحمة لا الحفظة، وسبب الحكمة في عدم مصاحبة الملائكة مع الجرس أنه شبيه بالنواقيس، أو لأنه من المعاليق المنهي عنها لكراهة صوتها، ويؤيده قوله: ((مزامير الشيطان)) وهو مذهبنا ومذهب مالك. وهي كراهة تنزيه. وقال جماعة من متقدمي علماء الشام: يكره الجرس الكبير دون الصغير.
((حس)): روى أن جارية دخلت علي عائشة ﵂ وفي رجلها جلاجل، قالت عائشة ﵂: أخرجوا عني مفرقة الملائكة. وروى أن عمر ﵁ قطع أجراسا في رجل الزبير، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن مع كل جرس شيطانا)). قوله: ((ولا جرس)) جاز عطفه علي قوله: ((فيها كلب)) وإن كان مثبتا لأنه في سياق النفي.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((مزامير الشيطان)) أخبر عن المفرد بالجمع إما إرادة للجنس أو أن صوتها لا ينقطع كلما تحرك المعلق به، لا سيما في السفر، بخلاف المزامير المتعارفة كقول الشاعر: معي جياعا. وصف المفرد بالجمع ليشعر بأن كل جزء من أجزاء المعي بمثابته لشدة الجوع. وأضاف إلي الشيطان لأن صوته لم يزل يشغل الإنسان عن الذكر والفكر. والله أعلم.
الحديث الخامس عن أبي بشير: قوله: ((لا تبقين)) إما صفة لـ ((رسولا)) أي أرسل رسولا آمرا له أن ينادي في الناس بهذا، أو حال من فاعل ((أرسل)) أي أرسل رسولا آمرا له أن ينادي بهذا، والأول أظهر. ومعنى الاستثناء إنما يستقيم إذا فسر ((لا يبقين)) بـ ((لا يتركن)). والاستثناء مفرغ، والمستثنى منه أعم عام الأحوال.
((حس)): تأويل مالك ﵁ أمره ﷺ بقطع القلائد علي أنه من أجل العين؛ وذلك أنهم كانوا يشدون بتلك الأوتار والقلائد التمائم، ويعلقون عليها العوذ يظنون أنها تعصم من الآفات، فنهاهم النبي ﷺ عنها وأعلمهم أنها لا ترد من أمر الله شيئا. وقال غيره: إنما أمر بقطعها لأنهم كانوا يعلقون عليها الأجراس. وقد سبق هذا في باب أدب الخلاء. و ((أو)) من شك الراوي. ((مح)): قال محمد بن الحسن وغيره: معناه لا تقلدوها أوتار القسي لئلا تضيق علي عنقها فتخنقها.
стр. 2113
٣٨٩٧ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حقها من الأرض، وإذا سافرتم في السنة فأسرعوا عليها السير، وإذا عرستم بالليل فاجتنبوا لطريق فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل)). وفي رواية: ((إذا سافرتم في السنة فبادروا بها نقيها)) رواه مسلم.
ــ
الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((حقها من الأرض)) ((قض)): أي حظها من نباتها، يعني دعوها ساعة فساعة ترعى؛ إذ حقها من الأرض رعيها فيها. وفيه ((وإذا سافرتم في السنة فأسرعوا عليها السير)) أي إذا كان الزمان زمان قحط فأسرعوا السير عليها، ولا تتوقفوا في الطريق ليبلغكم المنزل قبل أن يضعف. وقد صرح بهذا في الرواية الأخرى: ((وهي إذا سافرتم في السنة فبادروا بها نقيها)) أي أسرعوا عليها السير ما دامت قوته باقية. ((النقي)) هو المخ.
أقول: وإنما أثبت لها الحق وصرح بها في القرينة الأولي علي الأرض؛ لأن الله تعالي أنزل من السماء ماء فأخرج الكلأ والعشب لرعيها، فلا ينبغي أن يهضم حقها منها. وخص النقي وكنى في الثانية دلالة علي أن المخ أيضا من حقها، بخلاف اللحم فإن السير سواء كان في الخصب أو في القحط ينقص من اللحم، فإذا كان المخ الذي منه القوة وعليه قيامها باقيا، لا يتطرق إليها ما ينقص من حقها، وفي إذهابه الظلم.
((تو)): ومن الناس من يرويه ((نقبها)) بالباء الموحدة بعد القاف، ويرى الضمير فيه راجعا إلي الأرض، ويفسر النقب بالطريق وليس ذلك بشيء، ومن التصحيفات التي لم يزل فيها العالم فضلا عن الجاهل. ((شف)): قال في الصحاح: نقب البعير – بالكسر – إذا رقت أخفافه، وأنقب الرجل إذا نقب بعيره، ونقب الخف الملبوس إذا تخرقت. ويمكن أن يجعل هذا اللفظ بهذا المعنى فلا يكون تصحيفا.
أقول: قد ضبطه الشيخ محيي الدين في شرح صحيح مسلم، وقال: نقيها بكسر النون وإسكان القاف وهو المخ. ولم يبين إعرابه، ويحتمل الحركات الثرث أن يكون منصوبا مفعولا به.
قال في أساس البلاغة: بدر إلي الخير وبادره الغاية والي الغاية، قال: فبادروها ولجات الخمر أي مواضع الولوج، وفلان يبادر في أكل مال اليتيم بلوغه بدارا، وتبادروا الباع وابتدروها. وقيل: تبادر الباع من خصال الكرام، ومنه: إذا الكرام ابتدروا الباع. بدر عداه إلي المفعول الأول بالواسطة وبغيرها والي المفعول الثاني بالواسطة وبغيرها، وهذا من القسم الأخير. وجعل ذهاب النفي بمنزلة المبادر إلي الغاية وجاء بالمفاعلة. و ((بها)) حال منه، أي بادروا نقيها إلي المقصد ملتبسا بها، أو من الفاعل أي ملتبسين بها. ويجوز أن تكون الباء
стр. 2114
٣٨٩٨ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: بينما نحن في سفر مع رسول الله ﷺ إذا جاءه رجل علي راحلة فجعل يضرب يميناً وشمالاً، فقال رسول الله ﷺ : ((من كان معه فضل ظهر فليعد به من لا ظهر له ومن كان له فضل زاد فليعد به علي من لا زاد له)) قال: فذكر من أصناف المال حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. رواه مسلم.
ــ
سببية أي بادروا بسبب سيرها نقيها، وأن تكون للاستعانة، أي بادروا نقيها مستعينين بسيرها، ومنه الحديث: ((بادروا بالأعمال ستاً الدخان والدجال)) الحديث. ويجوز أن يكون مرفوعاً فاعلا للظرف وهو حال، أي بادروا إلي المقصد ملتبسين بها نقيها، أو مبتدأ والجار والمجرور خبره والجملة حال كقولهم: فوه إلي في. وأن يكون مجروراً بدلاً من الضمير المجرور، المعنى: بادروا سارعوا بنقيها إلي المقصد باقية النفي، فالجار والمجرور حال. وليت شعري كيف يستقيم المعنى مع إرادة نقب الخف؟
قوله: ((وإذا عرستم)) ((مح)): التعريس النزول في آخر الليل للنوم والراحة، وقيل: هو النزول أي وقت كان من ليل أو نهار، والمراد في الحديث الأول أرشد إليه صلوات الله عليه وسلامه؛ لأن الحشرات ودواب الأرض وذوات السموم والسباع وغيرها تطرق في الليل علي الطرق لتلتقط ما سقط من المارة من مأكول ونحوه.
الحديث السابع عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((فجعل يضرب يميناً وشمالاً)) ((مظ)): أي طفق يمشي يميناً وشمالا، أي يسقط من التعب أن كان راحلته ضعيفة لم يقدر أن يركبها فمشى راجلا. ويحتمل أن تكون راحلته قوية إلا أنه قد حمل عليها زاده وأقمشته، ولم يقدر أن يركبها من ثقل حملها فطلب له صلوات الله عليه من الجيش فضل ظهر أي دابة زائذة علي حاجة صاحبها.
أقول: في توجيهه إشكال؛ لأن ((علي راحلة)) صفة ((رجل)) أي راكب عليها. وقوله: ((فجعل)) عطف علي جاء بحرف التعقيب، اللهم إلا أن يتمحل ويقال: إنه عطف علي محذوف، أي فنزل فجعل يمشي، والأوجه أن يقال: إن ((يضرب)) مجاز عن أن يلتفت لا عن يمشي أي فطفق يلتفت يميناً وشمالاً، وبهذا أيضاً يسقط الاحتمال الثاني الذي يأباه المقام، ويشهده ما روى في صحيح مسلم. قال الشيخ محيي الدين: جاء رجل علي راحلة فجعل يلتفت يصرف بصره يميناً وشمالاً، هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها: يميناً وشمالاً وليس فيها ذكر بصره. وفي بعضها ((يضرب)) – بالضاد المعجمة – المعنى يصرف بصره متعرضاً بشيء يدفع به حاجته.
وفيه حث علي الصدقة والمواساة والإحسان إلي الرفقة والأصحاب، والاعتناء بمصالحهم والسعي في قضاء حاجة المحتاج يتعرض للعطاء وتعريضه من غير سؤال، وإن كان له راحلة
стр. 2115
٣٨٩٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى نهمته من وجهه فليجعل إلي أهله)). متفق عليه.
٣٩٠٠ - وعن عبد الله بن جعفر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تلقي بصبيان أهل بيته، وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه، فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة، فأردفه خلفه، قال: فأدخلنا المدينة ثلاثة علي دابة. رواه مسلم.
٣٩٠١ - وعن أنس، أنه أقبل هو وأبو طلحة مع رسول الله ﷺ ومع النبي ﷺ صفية مردفها علي راحلته. رواه البخاري.
ــ
وعليه ثياب أو كان موسراً في وطنه، يعطي من الزكاة في هذا الحال. والله أعلم. قوله: ((فليعد به)) أي فليرفق به ويحمله علي ظهره. قال في أساس البلاغة: تقول: عاد إلينا فلان بمعروفه، وهذا الأمر أعود عليك أي أرفق بك من غيره.
الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((نهمته)) ((تو)): النهمة بلوغ الهمة في الشيء، وقد نهم بكذا فهو منهوم أي مولع به انتهي كلامه. و ((من وجهه)) متعلق بـ ((قضى)) أي إذا حصل مقصوده من جهته وجانبه الذي توجه إليه. ((خط)): فيه الترغيب في الإقامة لئلا تفوته الجمعات والجماعات والحقوق الواجبة للأهل والقرابات، وهذا في الأسفار غير الواجبة، ألا تراه يقول ﷺ : ((فإذا قضي نهمته فليعجل إلي أهله)) أشار إلي السفر الذي له نهمة وأرب من تجارة أو تقلب دون السفر الواجب كالحج والغزو. انتهي كلامه.
((حس)): فيه دليل علي تغريب الزإني؛ قال الله تعالي: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ المُؤْمِنِينَ﴾ والتغريب عذاب كالجلد. ((مح)): سمي الفطر قطعة من العذاب؛ لما فيه من المشقة والتعب ومعاناة الحر والبرد والخوف والسري، ومفارقة الأهل والأصحاب وخشونة العيش.
الحديث التاسع عن عبد الله: قوله: ((ثلاثة علي دابة)) حال موطئة أي ثلاثة كائنة علي دابة كقوله تعالي: ﴿لِّسَانًا عَرَبِيًا﴾.
الحديث العاشر عن أنس ﵁: قوله: ((أقبل)) أكد المستتر ليعطف المظهر عليه، و ((مع النبي)) ظرف ((أقبل)) أو حال أي مصاحبين النبي ﷺ . وقوله: ((مردفها)) حال من ((النبي)) والعامل متعلق الظرف كأنهم أقبلوا من سفر علي هذه الهيئة والحالة. وكذا صرح في شرح السنة عن أنس قال: أقلبنا من خيبر وبعض نساء النبي ﷺ رديفه.
стр. 2116
٣٩٠٢ - وعنه، قال: كان رسول الله ﷺ لا يطرق أهله ليلاً، وكان لا يدخل إلا غدوة أو عشية. متفق عليه.
٣٩٠٣ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلاً)). متفق عليه.
٣٩٠٤ - وعنه، أن النبي ﷺ قال: ((إذا دخلت ليلاً فلا تدخل علي أهلك حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة)) متفق عليه.
٣٩٠٥ - وعنه، أن النبي ﷺ لما قدم المدينة نحر جزوراً أو بقرة. رواه البخاري.
٣٩٠٦ - وعن كعب بن مالك، قال: كان النبي ﷺ لا يقدم من سفر إلا نهاراً في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلي فيه ركعتين، ثم جلس فيه للناس. متفق عليه.
٣٩٠٧ - وعن جابر، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فلما قدمنا المدينة قال لي: ((ادخل المسجد فصل فيه ركعتين)) رواه البخاري.
ــ
الحديث الحادي عشر والثاني عشر عن أنس ﵁: قوله: ((إلا غدوة أو عشية)) لم يرد بالعشية الليل كقوله: ((لا يطرق أهله ليلا)) وإنما المراد بعد العصر كقوله تعالي: ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الكشاف: ﴿وَعَشِيًّا﴾ صلاة العصر ((وتظهرون)) صلاة الظهر. ((نه)): الظروف من الطرق وهو الدق، وسمي الآتي بالليل طارقاً لحاجته إلي دق الباب. ((حس)): عن ابن عباس أنه قال: فطرق رجلان بعد نهي النبي ﷺ فوجد كل واحد منهما مع امرأته رجلا.
الحديث الثالث عشر إلي السادس عشر عن جابر ﵂: قوله: ((تستحد المغيبة)). ((تو)): الاستحداد حلق شعر العانة، وأغابت المرأة إذا غاب عنها زوجها فهي مغيبة بالهاء وشذ بلا هاء وأراد بالاستحداد أن تعالج شعر عانتها بما منه المعتاد من أمر النساء، ولم بد به استعمال الحديد؛ فإن ذلك غير مستحسن في أمرهن. والشعثة المتفرقة الشعر.
((مح)): هذه كلها تكره لمن طال سفره، فأما من سفره قريب يتوقع إتيانه ليلا فلا بأس؛ لقوله: ((إذا أطال الرجل الغيبة)) وكذا إذا كان في قفل عظيم أو عسكر ونحوهم، واشتهر قدومهم، وعلمت امرأته وأهله أنه قادم فلا بأس بقدومه ليلاً؛ لزوال المعنى الذي هو سببه، فإن المراد التهيؤ وقد حصل ذلك.
الحديث السابع عشر عن جابر ﵁: قوله: ((جزوراً أو بقرة)) أي السنة لمن قدم من سفر أن يضيف بقدر وسعه. والله أعلم.
стр. 2117
الفصل الثاني
٣٩٠٨ - عن صخر بن وداعة الغامدي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اللهم بارك لأمتي في بكورها)) وكان إذا بعث سرية أو جيشاً بعثهم من أول النهار، وكان صخر تاجراً. فكان يبعث تجارته أول النهار، فأثرى وكثر ماله. رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي. [٣٩٠٨]
٣٩٠٩ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوي بالليل)) رواه أبو داود. [٣٩٠٩]
٣٩١٠ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: ((الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب)) رواه مالك، والترمذي، وأبو داود، والنسائي. [٣٩١٠]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن صخر: قوله: ((في بكورها)) ((مظ)): المسافرة سنة في أول النهار، وكان صخر هذا يراعي هذه السنة وكان تاجراً يبعث ماله في أول النهار للتجارة، فكثر ماله ببركة مراعاة السنة؛ لأن دعاء النبي ﷺ مقبول لا محالة.
الحديث الثاني عن أنس ﵁: قوله: ((بالدلجة)) ((مظ)): الدلجة بضم الدال وسكون اللام اسم من أدلج القوم – بسكون الدال – إذا سافروا أول الليل، والدلجة أيضاً اسم من ادلجوا – بفتح الدال وتشديدها – إذا ساروا آخر الليل. يعني لا تقنعوا بالسير نهاراً، بل سيروا بالليل أيضاً؛ فإنه يسهل بحيث يظن الماشي أنه سار قليلاً وقد سار كثيراً.
الحديث الثالث عن عمرو ﵁: قوله: ((الراكب شيطان)) ((مظ)): يعني مشي الواحد منفرداً منهي، وكذلك مشي الاثنين. ومن ارتكب منهياً فقد أطاع الشيطان، ومن أطاعه فكأنه هو؛ فلهذا أطلق ﷺ اسمه عليه. ((حس)): معنى الحديث عندي ما روي عن سعيد بن المسيب مرسلاً: الشيطان يهم بالواحد وبالاثنين فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم. روى عن عمر ﵁ أنه قال في رجل سافر وحده: أرأيتم إن مات من أسأل عنه؟.
стр. 2118
٣٩١١ - وعن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم)) رواه أبو داود. [٣٩١١]
٣٩١٢ - وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: ((خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة)) رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [٣٩١٢]
ــ
((خط)): المنفرد في السفر إن مات لم يكن بحضرته من يقوم بغسله ودفنه وتجهيزه ولا عنده من يوصى إليه في ماله، ويحتمل تركته إلي أهله ويورد خبره عليهم، ولا معه في السفر من يعينه علي الحمولة، فإذا كانوا ثلاثة تعاونوا وتناوبوا المهنة والحراسة، وصلوا الجماعة وأحرزوا الحظ فيها.
الحديث الرابع عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((فليؤمروا أحدهم)) ((حس)): إنما أمر بذلك ليكون أمرهم جميعاً ولا يقع بينهم خلاف فيتبعوا فيه. وفيه دليل علي أن الرجلين إذا حكما رجلاً بينهما في قضية فقضى بالحق نفذ حكمه.
الحديث الخامس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((خير الصحابة أربعة)) قال أبو حامد: المسافر لا يخلو عن رجل يحتاج إلي حفظه وعن حاجة يحتاج إلي التردد فيها، ولو كانوا ثلاثة لكان المتردد واحداً فيبقى بلا رفيق، فلا يخلو عن خطر وضيق قلب لفقد الإنيس. ولو تردد اثنان لكان الحافظ وحده. ((مظ)): يعني الرفقاء إذا كانوا أربعة خير من أن يكونوا ثلاثة لأنهم إذا كانوا ثلاثة ومرض أحدهم وأراد أن يجعل أحد رفيقيه وصى نفسه لم يكن هناك من يشهد بإمضائه إلا واحد فلا يكفي، ولو كانوا أربعة كفي شهادة اثنين؛ ولأن الجمع إذا كان أكثر تكون معاونة بعضهم بعضاً أتم، وفضل صلاة الجماعة أيضاً أكثر، فخمسة خير من أربعة، وكذا كل جماعة خير ممن أقل منهم لا من فوقهم.
أقول: جميع قرائن الحديث دائرة علي الأربع، واثنا عشر ضعفاً أربع، ولعل الإشارة بذلك إلي الشدة والقوة واشتداد ظهرإنيهم تشبيهاً بأركان البناء؛ ولذلك قال لوط ﵇: ﴿أَوْ
стр. 2119
٣٩١٣ - وعن جابر، قال: كان رسول الله ﷺ يتخلف في المسر، فيرجي الضعيف، ويردف، ويدعو لهم. رواه أبو داود. [٣٩١٣]
٣٩١٤ - وعن أبي ثعلبة الخشني، قال: كان الناس إذا نزلوا منزلاً تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله ﷺ : ((إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان)) فلم ينزلوا بعد ذلك منزلاً إلا انضم بعضهم إلي بعض، حتى يقال: لو بسط عليهم ثوب لعمهم. رواه أبو داود. [٣٩١٤]
ــ
آوِي إلي رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ فهو أبلغ من قوله تعالي: ﴿كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ لأن البنيان إنما يشتد بالأركان وأركان العبادات جوانبها التي عليها مبناها وبتركها بطلانها.
وفي أساس البلاغة: ولقوة الحبل قيل حبل مربوع مفتول علي أربع قوى. ورجل ربعة مربوع ومرتبع وسيط القامة. ومر بقوم يربعون حجراً ويرتبعون وتبربعون وهذه ربيعة الأشداء وهي الحجر المرتبع. ورابعني فلان حاملني، وهو أن يأخذ بأيديهما حتى يرفع الحمل علي ظهر الجمل. وفلان مستربع للحمل وغيره مطيق. واستربع الأمر أطاقه. قال الأخطل:
لعمري لقد ناطت هوازن أمرها مستربعين الحرب ثم المناخر
وفلان علي رباعة قومه إذا كان سيدهم. وتربع في جلوسه. ومن المجاز: جاء فلان وعيناه تدمعان بأربعة، إذا جاء باكياً أشد البكاء. أي تسيلان بأربعة إماق.
وقوله: ((لن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة)) أي لو صاروا مغلوبين لم يكن للقلة بل لأمر آخر سواها، وإنما لم يكونوا قليلين والأعداء مما لا تعد ولا تحصى؛ لأن كل واحد من هذه الأثلاث جيش قوبل بالميمنة، أو بالميسرة، أو القلب فيكفيها؛ ولأن الجيش الكثير المقاتلة منهم بعضهم وهؤلاء كلهم مقاتلون. ومن ذلك قول بعض الصحابة يوم حنين وكانوا اثنا عشر ألفاً: لن نغلب اليوم من قلة، وإنما غلبوا من إعجاب منهم، قال تعالي: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا﴾.
الحديث السادس عن جابر: قوله: ((فيزجي)) ((نه)): أي يسوقه ليلحقه بالرفاق.
الحديث السابع عن أبي ثعلبة ﵁: قوله: ((إنما ذلكم)) وقع موقع خبر ((إن)) كقوله
стр. 2120
٣٩١٥ - وعن عبد الله بن مسعود [﵁]، قال: كنا يوم بدر، كل ثلاثة علي بعير، فكان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله ﷺ ، قال: فكانت إذا جاءت عقبة رسول الله ﷺ قالا: نحن نمشي عنك. قال: ((ما أنتما بأقوى مني، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما)) رواه في ((شرح السنة)). [٣٩١٥]
٣٩١٦ - وعن أبي هريرة [﵁]، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله تعالي إنما سخرها لكم لتبلغكم إلي بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجاتكم)) رواه أبو داود. [٣٩١٦]
ــ
تعالي: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ والتركيب من باب الترديد للتعليق، كقوله الشاعر:
لو مسها حجر مسته سراء
أي لو مسها حجر لسرته فإن ((إن)) زيدت للتوكيد وطول الكلام و ((ما)) لتكفها عن العمل، وأصل التركيب إن تفرقكم في هذه الشعاب ذلكم من الشيطان.
الحديث الثامن عن عبد الله ﵁: قوله: ((زميلي)) ((نه)): الزميل العديل الذي حمله مع حملك علي البعير، وقد زاملني عازلني والزميل أيضاً الرفيق. و ((العقبة)) النوبة، ومنه أن كل غازية غزت يعقب بعضها بعضاً. أي يكون الغزو بينهم نوناً. قوله: ((نمشي عنك)) ضمن المشي معنى الاستغناء أي نستغنيك عن المشي يعني نمشي بدلك. وفيه إظهار غاية التواضع منه صلوات الله عليه، والمواساة مع الرفقاء والافتقار إلي الله تعالي.
الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((منابر)) كناية عن القيام عليها لأنهم إذا خطبوا علي المنابر قاموا. ((خط)): قد ثبت أن النبي ﷺ خطب علي راحلته واقفاً عليها، فدل ذلك علي أن الوقوف علي ظهرها إذا كان لأرب أو بلوغ وطر لا يدرك مع النزول إلي الأرض مباح، وأن النهي إنما انصرف إلي الوقوف عليها لا لمعنى يوجبه، فيتعب الدابة من غير طائل. وكان مالك بن أنس يقول: الوقوف علي ظهور الدواب بعرفة سنة والقيام علي الأقدام رخصة.
стр. 2121
٣٩١٧ - وعن أنس، قال: كنا إذا نزلنا منزلاً لا نسبح حتى نحل الرحال. رواه أبو داود. [٣٩١٧]
٣٩١٨ - وعن بريدة: قال: بينما رسول الله ﷺ يمشي إذ جاءه رجل معه حمار، فقال: يا رسول الله اركب! وتأخر الرجل، فقال رسول الله ﷺ : ((لا، أنت أحق بصدر دابتك، إلا أن تجعله لي)) قال: جعلته لك، فركب. رواه الترمذي، وأبو داود. [٣٩١٨]
٣٩١٩ - وعن سعيد بن أبي هند، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تكون إبل للشياطين وبيوت للشياطين)). فأما إبل الشياطين فقد رأيتها: يخرج أحدكم بنجيبات معه قد أسمنها فلا يعلوا بعيراً منها ويمر بأخيه قد انقطع به فلا يحمله. وأما بيوت الشياطين فلم أرها، كان سعيد يقول: لا أراها إلا هذه الأقفاص التي يستر الناس بالديباج. رواه أبو داود. [٣٩١٩]
ــ
قوله: ((إلا بشق الأنفس)) ((نه)): الشق بالكسر من المشقة يقال: هم قوم بشق من العيش إذا كانوا في جهد. قوله: ((فعليها فاقضوا)) الفاء الأولي للسببية والثانية للتعقيب، أي إذا كان كذلك فعلي الأرض اقضوا حاجاتكم لا علي الدواب، ثم عقبه بقوله: ((فاقضوا حاجاتكم)) تفسيراً للمقدر، ففيه توكيد مع التخصيص. وجمع الحاجات وأضافها إلي سائر المخاطبين؛ ليفيد العموم يعني خصوا الأرض بقضاء حاجاتكم المختلفة الأنواع، ويكفيكم من الدواب أن تبلغكم إلي بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس.
الحديث العاشر عن أنس ﵁: قوله: ((لا نسبح)) قيل: أراد بالتسبيح صلاة الضحى. المعنى: أنهم كانوا مع اهتمامهم بأمر الصلاة لا يباشرونها، حتى يحطوا الرحال ويريحوا الجمال رفقاً بها وإحساناً إليها.
الحديث الحادي عشر عن بريدة ﵁: قوله: ((لا)) هنا حذف و ((أنت أحق)) تعليل له أي لا ركب وأنت تأخرت لأنك أحق بصدر دابتك. وفيه بيان إنصاف رسول الله ﷺ وتواضعه وإظهار لحق المرء؛ حيث رضي أن يركب خلفه.
الحديث الثاني عشر عن سعيد ﵁: قوله ((بنجيبات)) ((نه)): النجيب من الإبل
стр. 2122
٣٩٢٠ - وعن سهل بن معاذ، عن أبيه، قال: غزونا مع النبي ﷺ ، فضيق الناس المنازل وقطعوا الطريق، فبعث نبي الله ﷺ منادياً ينادي في الناس: ((إن من ضيق منزلاً، أو قطع طريقاً، فلا جهاد له)) رواه أبو دواد. [٣٩٢٠]
٣٩٢١ - وعن جابر [﵁]، عن النبي ﷺ ، قال: ((إن أحسن ما دخل الرجل أهله إذا قدم من سفر أول الليل)) رواه أبو داود.
ــ
القوي منها الخفيف السريع. والنجيب الفاضل الكريم الخسي. ((قض)): يريد بها ما تكون معدة للتفاخر والتكاثر ولم يقصد بها أمر مشروع، ولم يستعمل فيما تكون فيه قربة، فعين الصحابي من أصناف هذا النوع من الإبل صنفاً، وهو نجيبات سمان يسوقها الرجل معه في سفره فلا يركبها ولا يحتاج إليها في حمل متاعه، ثم إنه يمر بأخيه المسلم قد انقطع به من الضعف والعجز فلا يحمله، وعين التابعي صنفاً من البيوت وهو الأقفاص المجللة بالديباج يريد بها المحامل التي يتخذها المترفون في الأسفار.
((شف)): وليس في الحديث ما يدل عليه بل نظم الحديث دليل علي أن جميعه إلي قوله: ((فلم أرها)) من متن الحديث، من قول النبي ﷺ ، وعلي هذا فمعناه أنه ﷺ قال: ((فأما إبل الشياطين فقد رأيتها)) – إلي قوله – ((فلا يحمله، وأما بيوت الشياطين فلم أرها)) فإن النبي ﷺ ، لم ير من الهوادج المستورة بالديباج والمحامل التي يأخذها المترفون في الأسفار. ومما يدل علي ما ذكرنا قول الراوي بعد قوله ((فلم أرها)): كان سعيد يقول: إلي آخره. أقول: وهذا توجيه غير موجه يعرف بأدنى تأمل والتوجيه ما عليه كلام القاضي.
الحديث الثالث عشر عن سهل ﵁: قوله: ((فضيق الناس)) قيل: التضييق هنا بسبب أخذ منزل لا حاجة له إليه أو فوق حاجته. وقطع الطريق تضييقها علي المارة ((فلا جهاد له)) أي لا كمال ثواب الجهاد لإضراره الناس.
الحديث الرابع عشر عن جابر ﵁: قوله: ((إن أحسن ما دخل)) ((قض)): ((ما)) موصولة والراجع إليه محذوف، والمراد به الوقت الذي يدخل فيه الرجل علي أهله.
و ((أهله)) منصوب بنزع الخافض وإيصال الفعل إليه علي سبيل الاتساع. ويحتمل أن تكون مصدرية علي تقدير مضاف، أي أن أحسن دخول الرجل علي أهله دخول أول الليل. أقول: والأحسن أن تكون موصوفة أي أحسن أوقات دخل الرجل فيها أهله أول الليل. و ((إذا)) هذا مرفوع محلاً خبر لـ ((إن)).
стр. 2123
الفصل الثالث
٣٩٢٢ - عن أبي قتادة، قال: كان رسول الله، إذا كان في سفر فعرس بليل اضطجع علي يمينه، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه علي كفه. رواه مسلم.
٣٩٢٣ - وعن ابن عباس، قال: بعث النبي ﷺ عبد الله بن رواحة في سرية، فوافق ذلك يوم الجمعة، فغدا أصحابه، وقال: أتخلف وأصلي مع رسو الله ﷺ ، ثم ألحقهم، فلما صلي مع رسول الله ﷺ رآه، فقال: ((ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟)) فقال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم. فقال: ((لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما أدركت فضل غدوتهم)). رواه الترمذي. [٣٩٢٣]
ــ
((تو)): و ((قض)): والتوفيق بينه وبين ما روى أنه ﷺ قال: ((إذا طال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلاً)) أن يحمل الدخول علي الخلو بها وقضاء الوطر منها، لا القدوم عليها. وإنما اختار ذلك أول الليل؛ لأن المسافر لبعده عن أهله يغلب عليه الشبق ويكون ممتلئاً تواقاً، فإذا قضى شهوته أول الليل خف بدنه وسكن نفسه وطاب نومه.
أقول: قد سبق عن الشيخ محيي الدين أنه قال: يكره لمن طال سفره طروق الليل. فأما من كان سفره قريباً يتوقع إتيانه ليلاً، وكذا إذا طال واشتهر قدومه وعلمت امرأته قدومه. فلا بأس بقدومه ليلاً لزوال المعنى الذي هو سببه؛ فإن المراد التهيؤ وقد حصل ذلك. انتهي كلامه. والأحسن أن ينزل الحديث علي الثاني؛ لأن من طال سفره وبعد مدة الفراق طار قلبه اشتياقاً، وخصوصاً إذا قرب من الدار ورأي منها الآثار قال:
إذا دنت المنازل راد شوقي ولا سيما إذا بدت الخيام
ولأنه يكره للمسافر الذي طال سفره أن يقرب من الأهل إلا بعد أيام، لأنه يتضرر به.
الفصل الثالث
الحديث الأول والثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((فوافق)) الفاء فيه كما في قولك: أنا نزيلكم هذا الشهر فإن أحمدتكم أقمت عندكم، وإلا لم أقم إلا ريثما أتحول، فهو للتعقيب؛ فإن التفصيل يعقب المجمل. وقوله: ((لو أنفقت ما في الأرض)) الظاهر أن يقال: غدوتهم أفضل من صلاتك هذه. فعدل إلي المذكور مبالغة كأنه قيل: لا يوازيها شيء من الخيرات. وذلك أن تأخره ذاك ربما يفوت عليه مصالح كثيرة؛ ولذلك ورد: ((لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها)).
стр. 2124
٣٩٢٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر)) رواه أبو داود. [٣٩٢٤]
٣٩٢٥ - وعن سهل بن سعد [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ ((سيد القوم في السفر خادمهم، فمن سبقهم بخدمة لم يسبقوه بعمل إلا الشهادة)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٣٩٢٥]
(٣) باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلي الإسلام
الفصل الأول
٣٩٢٦ - عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كتب إلي قيصر يدعوه إلي الإسلام، وبعث بكتابه إليه دحية الكلبي، وأمره أن يدفعه إلي عظيم بصرى ليدفعه إلي قيصر،
ــ
الحديث الثالث والرابع عن سهل ﵁: قوله: ((سيد القوم في السفر خادمهم)) فيه وجهان: أحدهما: أنه ينبغي أن يكون السيد كذلك لما وجب عليه من الإقامة بمصالحهم ورعاية أحوالهم ظاهراً وباطناً. نقل عن عبد الله المروزي: أنه صحبه أبو علي الرباطاي فقال أبو علي: أتكون أنت الأمير أم أنا؟ فقال: بل أنت. فلم يزل يحمل الزاد لنفسه ولأبي علي علي ظهره، وأمطرت السماء ليلة، فقام عبد الله طوال الليل علي رأس رفيقه وفي يده كساء يمنع المطر منه، فكلما قال له: الله الله لا تفعل. فيقول: ألم تقل إن الإمارة مسلمة لك فلا تحكم علي. حتى قال أبو علي: وددت إني مت ولم أؤمره. كذا في الإحياء.
وثإنيهما: أخبر أن من يخدمهم وإن كان أدناهم ظاهراً فهو في الحقيقة سيدهم؛ لأنه يثاب بعمله لله تعالي، وإليه الإشارة بقوله ﷺ : ((فمن سبقهم بخدمة لم يسبقوه بعمل إلا الشهادة)) وذلك لأنه شريكهم فيما يزاولونه من الأعمال بوساطة خدمته.
باب الكتاب إلي الكفار ودعائهم إلي الإسلام
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((إلي قيصر)) هو لقب ملك الروم. وبصرى بضم الباء مدينة خوران ذات قلعة وأعمال قريبة من طرف البرية بين الشام والحجاز،
стр. 2125
فإذا فيه: ((بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلي هرقل عظيم الروم. سلام علي من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بداعية الإسلام. أسلم تسلم. وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فعليك إثم الأريسيين و ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إلي كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ أَلَاّ نَعْبُدَ إلَاّ اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾)) متفق عليه. وفي رواية لمسلم، قال: ((من محمد رسول الله)) وقال: ((إثم اليريسيين)) وقال: ((بدعاية الإسلام)).
ــ
وعظيم بصرى أميرها. والداعية مصدر بمعنى الدعوة كالعافية والعاقبة، ويروى ((بدعاية الإسلام)) أي بدعوته. وهي كلمة الشهادة التي يدعى إليها أهل الملل الكافرة.
قوله: ((الأريسيين)) ((مح)): اختلفوا في ضبطة علي أوجه: أحدها: بيائين بعد السين. والثاني: بياء واحدة بعدها، وعلي الوجهين الهمزة مفتوحة والراء مكسورة مخففة. والثالث: بكسر الهمزة وتشديد الراء وياء واحدة بعد السين. ووقع في الرواية الثانية في مسلم، في أول صحيح البخاري ((إثم اليريسيين)) بياء مفتوحة في أوله ويائين بعد السين. ثم اختلفوا في المراد بهم علي أقوال: أصحها وأشهرها: أنهم الأكارون أي الفلاحون والزراعون، ومعناه أن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون بانقيادك. ونبه بهؤلاء علي جميع الرعايا لأنهم الأغلب؛ ولأنهم أسرع انقياداً فإذا أسلم أسلموا وإذا امتنع امتنعوا.
وقد جاء مصرحاً به في رواية ((دلائل النبوة)) للبيهقي قال: ((عليك إثم الأكارين)). والثاني: أنهم النصارى وهم الذي اتبعوا أريس الذي ينسب إليه الأروسية من النصارى.
وفي هذا الكتاب جمل من القواعد وأنواع من الفوائد.
منها: أن قوله: ((سلام علي من اتبع الهدى)) فيه دليل لمذهب الشافعي وجمهور أصحابه أن الكافر لا يبدأ بالسلام.
ومنها: دعاء الكفار إلي الإسلام قبل قتالهم، وهو واجب والقتال قبله حرام، وإن لم يكن بلغتهم دعوة الإسلام.
ومنها: وجوب العمل بخير الواحد؛ لأنه بعثه مع دحية الكلبي وحده.
ومنها: استحباب تصدير الكلام بالبسملة وإن كان المبعوث إليه كافراً.
ومنها: جواز المسافرة إلي أرض العدو بآية أو آيتين أو نحوهما، والنهي عن المسافرة بالقرآن محمول علي ما إذا خيف وقوعه في أيدي الكفار. وجواز مس المحدث والكافر آية أو آيات يسيرة مع غير القرآن.
стр. 2126
٣٩٢٧ - وعنه، أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلي كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلي عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلي كسرى
ــ
ومنها: أن السنة في المكاتبة بين الناس أن يبدأ بنفسه، فيقول: من زيد إلي عمرو. سواء فيه تصدير الكتاب به أو العنوان، قال تعالي: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وإنِّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
وقيل: الصواب أن يكتب في العنوان إلي فلان ولا يكتب لفلان؛ لأنه إليه لا له.
ومنها: أن لا يفرط ولا يفرط في المدح والعظيم؛ ومن ثم قال ﷺ : ((إلي هرقل عظيم الروم)) ولم يقل: ملك الروم؛ لأنه لا ملك له ولا لغيره بحكم دين الإسلام، ولا سلطان لأحد إلا لمن ولاه رسول الله ﷺ أو من أذن له، وإنما ينفذ من تصرفات الكفار ما فيها الضرورة. ولم يقل: ((إلي هرقل)) فحسب بل أتى بنوع من الملاطفة فقال: ((عظيم الروم)) أي الذي يعظمونه ويقدمونه، وقد أمر الله تعالي بالإنة القول لمن يدعى إلي الإسلام، فقال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا﴾.
ومنها: استحباب استعمال البلاغة والإيجاز وتحري الألفاظ الجزلة؛ فإن قوله ﷺ في غاية الإيجاز والبلاغة وجمع المعإني، مع ما فيه من بديع التجنيس فإن ((تسلم)) شامل لسلامته من خزي الدنيا بالحرب والسبي والقتل وأخذ الديار والأموال ومن عذاب الآخرة.
ومنها: أن من أدرك من أهل الكتاب النبي ﷺ ، فآمن به له من أجران.
ومنها: أن من كان سبب ضلال ومنع هداية كان أكثر إثماً، قال الله تعالي: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾.
ومنها: استحباب ((أما بعد)) في الخطب والمكاتبات.
((شف)): تقديم لفظ العبد علي لفظ الرسول دال علي أن العبودية لله تعالي أقرب طرق العباد إليه، وكرر لفظ أسلم إيذاناً منه ﷺ إياه علي شفقته بإيمانه. أقول: وفي هذا التقديم تعريض بالنصارى وقولهم في عيسى بالإلهية، مع أنه ﷺ قال: ﴿إني عَبْدُ اللَّهِ آتَإني الكِتَابَ وجَعَلَنِي نَبِيًا﴾ وصدر هذا الحديث سيذكر في باب علامات النبوة في الفصل الثالث.
الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((أن يمزقوا)) ((تو)): أي يفرقوا كل نوع
стр. 2127
فلما قرأ مزقه. قال ابن المسيب: فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يمزقوا كل ممزق. رواه البخاري.
٣٩٢٨ - وعن أنس: أن النبي ﷺ كتب إلي كسرى وإلي قيصر وإلي النجاشي وإلي كل جبار يدعوهم إلي الله، وليس بالنجاشي الذي صلي عليه النبي ﷺ . رواه مسلم.
٣٩٢٩ - وعن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميراً علي جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: ((اغزوا بسم الله، في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا فلا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلي
ــ
من التفريق، وأن يبددوا من كل وجه. والممزق مصدر كالتمزيق، والذي مزق كتاب رسول الله ﷺ هو إبرويز بن هرمز بن نوشروان قتله ابنه شيرويه، ثم لم يلبث بعد قتله إلا ستة أشهر يقال: إن إبرويز لما أيقن بالهلاك – وكان مأخوذاً عليه – فتح خزانة الأدوية وكتب علي حقة السم ((الدواء النافع للجماع))، وكان ابنه مولعاً بذلك فاحتال في هلاكه. فلما قتل أباه فتح الخزانة فرأي الحقة فتناول منها فمات من ذلك السم. ويزعم الفرس أنه مات أسفاً علي قتله أباه ولم يقم لهم بعد الدعاء عليهم بالتمزيق أمر نافذ بل أدبر عنهم الإقبال، ومالت عنهم الدولة وأقبلت عليهم النحوسة حتى انقرضوا عن آخرهم. والفاء في ((فدفعه)) معطوف علي مقدرات معدودة، أي فذهب إلي عظيم البحرين فدفعه إليه، ثم بعثه العظيم إلي كسرى فدفعه إليه.
الحديث الثالث عن أنس ﵁: قوله: ((وإلي كل جبار)) أتى به اختصاراً أي كسرى وأمثاله. ((مح)): كسرى لقب كل ملك من الفرس، وقيصر من ملك الروم، والنجاشي الحبشة، وخاقان الترك، وفرعون القبط، والعزيز مصر، وتبع حمير.
الحديث الرابع عن سليمان ﵁: قوله: ((في خاصته)) متعلق ((بتقوى الله)) وهو ((بأوصي)) و ((خيراًً)) نصب علي نزع الخافض، [و ((من)) في محل الجر] وهو من باب العطف علي عاملين مختلفين، كأنه قيل: أوصى بتقوى الله في خاصة نفسه وأوصى بخير فيمن معه من المسلمين. وفي اختصاص التقوى بخاصة نفسه، والخير بمن معه من المسلمين إشارة إلي أن عليه أن يشدد علي نفسه فيما يأتي ويذر. وأن يسهل علي من معه من المسلمين، ويرفق بهم كما ورد: ((يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا)).
стр. 2128
ثلاث خصال – أو خلال – فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلي الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلي الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلي التحول من دارهم إلي دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما علي المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري علي المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم
ــ
وقيل: ((ومن معه)) مجرور عطف علي الضمير المجرور في ((خاصته)). وقوله: ((بسم الله في سبيل الله)) متعلقان بـ ((اغزوا))، ويجوز أن يكون الثاني ظرفاً له والأول حالاً، ويجوز أن يتعلق الثاني بالحال. أي: اغزوا مستعينين بالله في سبيل الله. وقوله: ((قاتلوا)) جملة معترضة موضحة لـ ((اغزوا)) أعاد ((اغزوا)) ليعقبه بالمذكورات بعده.
وقوله: ((وإذا لقيت عدوك)) إلي آخره، كان من الظاهر أن يجاء به بعد قوله: ((اغزوا بسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله)). وقوله: ((اغزوا فلا تغلوا)) إلي آخره كالاستطراد وقع بين الكلامين اهتماماً به. والخطاب في قوله: ((وإذا لقيت)) من باب تلوين الخطاب، خاطب أولا عاماً يدخل فيه الأمير دخولاً أوليا، ثم خص الخطاب به فدخلوا فيه علي سبيل التبعية، كقوله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ خص النبي ﷺ بالنداء، وعم بالخطاب. و ((ما)) في ((ما أجابوك)) زائدة والفاء في ((فاقبل)) جزاء الشرط.
((مح)): قوله: ((ثم ادعهم إلي الإسلام)) هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم ((ثم ادعهم)). قال القاضي عياض: الصواب الرواية ((ادعهم)) بإسقاط ((ثم)) وقد جاء بإسقاطها علي الصواب في كتاب أبي عبيد. وفي سنن أبي داود وغيرهما؛ لأنه تفسير للخصال الثلاث، وليست غيرها. وقال المازري: ثم هاهنا زائدة، وردت لاستفتاح الكلام والأخذ فيه.
أقول في تحرير قول المازري: إن الخصال الثلاث هي الإسلام وإعطاء الجزية والمقاتلة، كما في حديث أبي وائل في الفصل الثالث من هذا الباب. فقوله: ((ثم ادعهم إلي الإسلام)) إشارة إلي الخصلة الأولي. وقوله: ((ثم ادعهم إلي التحول)) إلي قوله: ((إلا أن يجاهدوا مع المسلمين)) متفرع علي هذه الخصلة. وقوله: ((فإن هم أبوا فسلهم الجزية)) بيان للخصلة الثانية.
стр. 2129
وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعين بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإن حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم علي حكم الله فلا تنزلهم علي حكم الله، ولكن أنزلهم علي حكمك فإنك لا تدري: أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟)) رواه مسلم.
ــ
وقوله: ((فإن هم أبوا فاستعن)) إشارة إلي الخصلة الثالثة، فعلي هذا قوله: ((ثم ادعهم)) مكرر زيد لمزيد التقرير، ولينبه علي أن الدعوة إلي الإسلام هي المطلوبة الأولية وأشرف الخصال، ونظيره في التكرير قوله تعالي حكاية عن نوح ﵇: ﴿رَبِّ إني دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً ونَهَارًا﴾ - إلي قوله – ﴿ثُمَّ إني دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إني أَعْلَنتُ لَهُمْ وأَسْرَرْتُ لَهُمْ إسْرَارًا﴾. قصد بقوله: ﴿لَيْلاً ونَهَارًا﴾ اشتمال دعوته علي الأزمنة كلها، وبقوله: ((جهازاً وإسراراً)) كيفية دعوته في الأزمنة، وبتكرار ((ثم)) والدعاء التلويح إلي التفاوت بين الأحوال.
((خط)): في قوله: ((فأخبرهم)) أي أخبرهم أن حكمهم حكم المهاجرين مع حصول الثواب والأجر، وأنه كان ينفق علي المهاجرين مما آتاه الله من الفيء، ولم يعطوا شيئاً لأعراب المسلمين. وقوله: ((وعليهم ما علي المهاجرين)) يعني يجب عليهم الخروج إلي الجهاد إذا أمرهم الإمام سواء كان بإزاء العدو من به الكفاية [أو لم يكن، بخلاف غير المهاجرين، فإنه لم يجب عليهم الخروج إلي الجهاد، إذا كان بإزاء العدو من به كفاية]. ((حس)): تقديم الدعوة ليس بشرط إذا كانت الدعوة قد بلغتهم قبل ذلك؛ لأنه ﷺ أغار علي بني المصطلق وهم غارون.
((مح)): في الحديث فوائد: وهي تحريم الغدر والغلول وقتل الصبيان إذا لم يقاتلوا وكراهة المثلة، واستحباب رصية الإمام أمراءه وجيوشه بتقوى الله والرفق بمتابعتهم، وتعريفهم بما يحتاجون في غزوهم وما يجب عليهم وما يحل لهم وما يحرم وما يكره وما يستحب، وأنه لا يعطي الفيء والغنيمة لأهل الصدقات نحو هؤلاء الأعراب الذين لم يتحولوا وكانوا فقراء مساكين، ولا تعطي الصدقات أهل الفيء والغنيمة. وقال مالك وأبو حنيفة: المالان سواء يجوز صرف كل منهما إلي النوعين.
والحديث مما يستدل به مالك والأوزاعي ومن وافقهما علي جواز أخذ الجزية من [كل كافر عربياً أو عجمياً كتابياً أو غير كتابي. وقال أبو حنيفة: تؤخذ الجزية من] جميع الكفار
стр. 2130
٣٩٣٠ - وعن عبد الله بن أبي أوفي: أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس فقال: يأيها الناس! لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) ثم قال: ((اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم)) متفق عليه.
ــ
إلا مشركي العرب ومجوسهم. وقال الشافعي: لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس أعراباً كانوا أو أعاجم. ويحتج بمفهوم آية الجزية وبحديث: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)). وتأول هذا الحديث علي أن المراد بهؤلاء أهل الكتاب؛ لأن اسم المشرك يطلق علي أهل الكتاب وغيرهم، وكان تخصيصه معلوماً عند الصحابة. وقوله: ((أن تخفروا ذممكم)) والذمة العهد، ويقال: أخفرت الرجل إذا نقضت عهده وخفرته أمنته وحميته.
قالوا: وهذا النهي تنزيه، أي لا تجعل لهم ذمة الله فإن قد ينقضها من لا يعرف حقها، ويهتك حرمتها بعض الأعراب وسواد الجيش. وكذا قوله: ((فلا تنزلهم علي حكم الله)) نهي تنزيه. وفيه حجة لمن يقول: ليس كل مجتهد مصيباً بل المصيب واحد. وهو الموافق لحكم الله تعالي في نفس الأمر، ومن يقول: إن كل مجتهد مصيب يقول معنى قوله: ((فإنك لا تدري أتصيب حكم الله تعالي فيهم؟)) إنك لا تأمن أن ينزل علي وحي بخلاف ما حكمت، كما قال ﷺ في حديث أبي سعيد وتحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله)) وهذا المعنى منتف بعد النبي ﷺ فيكون كل مجتهد مصيباً.
قوله: ((فإنكم)) إلي آخره علي الخطاب كذا في صحيح مسلم وكتاب الحميدي وجامع الأصول، وفي نسخ المصابيح ((فإنهم)) علي الغيبة والأول أصح دراية أيضاً كما سبق في قول الشيخ محيي الدين: ((لا تجعل لهم ذمة الله فإنه قد ينقضها من لا يعرف حقها)) إلي آخره.
قوله: ((أن تخفروا)) الظاهر بفتح الهمزة كما في بعض نسخ المصابيح ((أن)) مع صلتها في تأويل المفرد بدل من ضمير المخاطب، وخبر ((أن)) قوله: ((أهون)) وقد وقع في نسخة ((إن)) بالكسر علي الشرطية، وهو مشكل.
الحديث الخامس عن عبد الله ﵁: قوله: ((تحت ظلال السيوف)) ((نه)): هو كناية عن الدنو من الضراب في الجهاد حتى يعلوه السيف، ويصير ظله عليه. والظل الفيء الحاصل الحاجز بينك وبين الشمس أي شيء كان. وقيل: هو مخصوص بما كان منه إلي زوال الشمس وما كان بعده فهو الفيء.
((مح)): معناه ثواب الله والسبب الموصل إلي الجنة عند الضرب بالسيوف، ومشي المجاهدين في سبيل الله فاحضروا فيه بصدق النية واثبتوا، وإنما نهي عن تمني لقاء العدو لما
стр. 2131
٣٩٣١ - وعن أنس، أن النبي ﷺ كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر إليهم، فإن سمع أذاناً كف عنهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم، قال: فخرجنا إلي خيبر، فانتهينا إليهم ليلاً، فلما أصبح ولم يسمع أذاناً ركب وركبت خلف أبي طلحة وإن قدامي لتمس قدم نبي الله ﷺ ، قال: فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم، فلما رأوا النبي ﷺ قالوا: محمد، والله محمد والخميس، فلجئوا إلي الحصن، فلما رآهم رسول الله ﷺ قال: ((الله أكبر الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)) متفق عليه.
ــ
فيه من صورة الإعجاب والاتكال علي النفس والوثوق بالقوة، وأيضاً هو يخالف الحزم والاحتياط. وأول بعضهم [التمني] في صورة خاصة وهي إذا شك في المصلحة والقتال، فيمكن حصول ضرر وإلا فالقتال كله فضيلة وطاعة والصحيح الأول.
أقول: وفي قوله: ((انتظر حتى مالت الشمس)) إشارة إلي الفتح والنصرة؛ لأنه وقت هبوب الرياح ونشاط النفوس، وقالوا: سببه فضيلة أوقات الصلوات والدعاء عندها، والوجه الجمع بينهما لما نص عليه في الحديث الآخر من هذا الفصل والأول من الفصل الثاني.
((تو)): ومصداق ذلك قوله ﷺ : ((نصرت بالصبا)) وفيه استحباب الدعاء والاستغفار عند القتال.
الحديث السادس عن أنس ﵁: قوله: ((إذا غزا بنا قوماًً)) الباء بمعنى المصاحبة أي إذا غزونا وهو معنا. ((تو)): ((لم يكن يغز بنا)) هكذا هو في المصابيح، وأرى الواو قد سقط من قلم الكاتب، وصوابه إثباتها، ولو جعل من الإغزاء علي أنه يلهينا لم يستقم؛ لأن معناه يجهزنا للغزو. ((قض)): وهو يستقيم لأن معناه لم يرسلنا إليه ولم يحملنا عليه علي سبيل المجاز.
أقول: لابد أن يجعل الثاني عين الأول؛ لأن المعنى إذا أراد الغزو بنا قوماً لم يغز بنا حتى يصبح.
قوله: ((وينظر)) ((قض)): أي كان يتثبت فيه ويحتاط في الإغارة؛ حذراً من أن يكون فيهم مؤمن فيغير عليه غافلاً عنه جاهلا بحاله. ((خط)) فيه بيان أن الأذان شعار لدين الإسلام لا يجوز تركه، فلو أن أهل بلد اجتمعوا علي تركه كان للسلطان قتالهم عليه.
قوله: ((قال: فخرجوا)) الفاء عطف علي محذوف أي ركب النبي ﷺ ولم يشعروا به فخرجوا بمكاتلهم، والمكاتل جمع مكتل بكسر الميم وهو الزنبيل الكبير، والمساحي جمع مسحاة وهي المجرفة من الحديد والميم زائدة؛ لأنه من السحو أي الكشف لما يكشف به الطين عن وجه
стр. 2132
٣٩٣٢ - وعن النعمان بن مقرن، قال: شهدت القتال مع رسول الله ﷺ فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلاة. رواه البخاري.
الفصل الثاني
٣٩٣٣ - وعن النعمان بن مقرن، قال: شهدت مع رسول الله ﷺ ، فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر. رواه أبو داود. [٣٩٣٣]
٣٩٣٤ - وعن قتادة، عن النعمان بن مقرن، قال: غزوت مع رسول الله ﷺ فكان إذا طلع الفجر أمسك حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قاتل، فإذا انتصف النهار أمسك حتى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس قاتل حتى العصر، ثم أمسك حتى يصلي العصر، ثم يقاتل. قال: قتادة: كان يقال: عند ذلك تهيج رياح النصر، ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صلاتهم. رواه الترمذي.
ــ
الأرض. ((تو)): وقوله: ((محمد والله)) أي هذا محمد والله ومعه الجيش أو أتانا محمد.
((مح)): و ((الخميس)) معطوف علي قوله: ((محمد)) وروى منصوباً علي أنه مفعول معه. أقول علي الأول: ((والخميس)) حال والخبر مقدر، والعامل معنى اسم الإشارة. وقوله: ((إنا إذا نزلنا)) جملة مستأنفة بيان لموجب خراب خيبر. وقوله: ((الله أكبر الله أكبر)) فيه معنى التعجب من أنه تعالي يقدر نزوله بساحتهم بعد ما أنذروا ثم أصبحهم وهم غافلون عن ذلك. ((مح)): فيه استحباب التكبير عند لقاء العدو، وفيه جواز الاستشهاد في مثل هذا الشأن بالقرآن في الأمور المحققة، وقد جاء له نظائر منها عند فتح مكة وطعن الأصنام قال: ﴿جَاءَ الحَقُّ وزَهَقَ البَاطِلُ﴾. قال العلماء: ويكره من ذلك ما كان علي سبيل ضرب المثل في المحاورات ولغو الحديث تعظيماً لكتاب الله تعالي.
الحديث السابع عن النعمان ﵁: قوله: ((الأرواح)) ((نه)): الأرواح جمع ريح لأن أصلها الواو وتجمع علي أرياح قليلا وعلي رياح كثيراً.
الفصل الثاني
الحديث الأول والثاني والثالث عن قتادة ﵁: قوله: ((فكان)) ما أظهره من دليل علي وجود الفاء التفصيليلة؛ لأن قوله: ((غزوت مع رسول الله ﷺ ) مشتمل مجملاً علي جيمع ما
стр. 2133
٣٩٣٥ - وعن عصام المزني، قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فقال: ((إذا رأيتم مسجداً أو سمعتم مؤذناً فلا تقتلوا أحداً)) رواه الترمذي، وأبو داود. [٣٩٣٥]
الفصل الثالث
٣٩٣٦ - عن أبي وائل، قال: كتب خالد بن الوليد إلي أهل فارس: بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلي رستم ومهران في ملاء فارس. سلام علي من اتبع الهدى. أما بعد فإنا ندعوكم إلي الإسلام، فإن أبيتم فأعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فإن أبيتم فإن معي قوماً يحبون القتل في سبيل الله كما يحب فارس الخمر، والسلام علي من اتبع الهدى. رواه في ((شرح السنة)).
ــ
ذكر بعد مفصلاً. قوله: ((تهيج رياح النصر)) وينصره قوله ﷺ : ((نصرت بالصبا)). وقوله: ((في صلاتهم)) إشارة إلي أن تركه ﷺ القتال حتى في الأوقات المذكورة، كان لاشتغالهم بها فيها. اللهم إلا بعد العصر؛ فإن هذا الوقت يستثنى منها لحصول النصر فيه لبعض الأنبياء. وعن النبي ﷺ انه قال: ((غزا نبي من الأنبياء فدنا من القرية صلاة العصر أو قريباً من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليه)) رواه البخاري عن أبي هريرة. ولعل لهذا السر خص في الحديث هذا الوقت بالفعل المضارع حيث قال: ((ثم يقاتل)) وفي سائر الأوقات ((قاتل)) علي لفظ الماضي استحضاراً لتلك الحالة في ذهن السامع؛ تنبيهاً علي أن قتاله في هذا الوقت كان أشد، وتحريه فيه أكمل.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي وائل: قوله: ((في ملاء)) حال من المجرورين أي كائنين في زمرة أكابر فارس، والملاء أشراف الناس ورؤساؤهم ومقدموهم، وهم الذين يرجع إلي قولهم، وجمعه أملاء. وقوله: ((فإن معي قوماً)) وضع موضع فهيئواً للقتال، وشبه محبتهم الموت ولقاء العدو بمحبتهم الخمر إيذاناً بشجاعتهم وأنهم من رجال الحرب. قال:
فوارس لا يملون المنايا إذا دارت رحى الحرب الزبون
وأنهم ليسوا منها في شيء بل هم قوم مشتغلون باللهو والطرب كالمخدرات.
فخرت بأن لك مأكولاً ولبساً وذلك فخر ربات الحجول
стр. 2134
(٤) باب القتال في الجهاد
الفصل الأول
٣٩٣٧ - عن جابر، قال: قال رجل إلي النبي ﷺ يوم أحد: أرأيت إن قتلت، فأين أنا؟ قال: ((في الجنة)) فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل. متفق عليه.
٣٩٣٨ - وعن كعب بن مالك، قال: لم يكن رسول اله ﷺ يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة – يعني غزوة تبوك – غزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً، ومفازاً وعدواً كثيراً، فجلي للمسلمين أمرهم، ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد. رواه البخاري.
٣٩٣٩ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الحرب خدعة)) متفق عليه.
٣٩٤٠ - وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ يغزو بأم سليم، ونسوة من الأنصار معه، إذا غزا يسقين الماء ويدوين الجرحى. رواه مسلم.
٣٩٤١ - وعن أم عطية، قالت: غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم علي المرضي. رواه مسلم.
ــ
باب القتال في الجهاد
الفصل الأول
الحديث الأول والثاني عن كعب ﵁: قوله ((إلا ورى)) ((نه)): ورى بغيره أي ستره وكنى عنه، وأوهم أنه يريد غيره، وأصله من الوراء أي ألقى البيان وراء ظهره، والمفاز والمفازة البرية القفر والجمع المفاوز سميت بذلك؛ لأنها مهلكة من فوز إذا مات.
الحديث الثالث عن جابر ﵁: قوله: ((خدعة)) ((تو)): روى ذلك من وجوه ثلاثة: بفتح الخاء وسكون الدال أي أنها خدعة واحدة من تيسرت حق له الظفر، وبضم الخاء وسكون الدال أي معظم ذلك المكر والخديعة، وبضم الخاء وفتح الدال أي أنها خداعة للإنسان بما يخيل إليه ويمينه، ثم إنه إذا لابسها وجد الأمر بخلاف ما خيل إليه.
((مح)): أفصح اللغات فيها فتح الخاء وإسكان الدال وهي لغة النبي ﷺ واتفقوا علي جواز الخداع مع الكفار في الحرب كيف اتفق، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان. وقد صح في الحديث جواز الكذب في ثلاثة أشياء. وقال الطبري: إنما يجوز من الكذب في الحرب المعاريض وحقيقته لا تجوز، والظاهر إباحة حقيقة الكذب لكن الاقتصار علي المعاريض أفضل.
стр. 2135
٣٩٤٢ - وعن عبد الله بن عمر، قال: نهي رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان. متفق عليه.
٣٩٤٣ - وعن الصعب بن جثامة، قال: سئل رسول الله ﷺ عن أهل الدار يبيتون من المشركين، فيصاب من نسائهم وذراريهم، قال: ((هم منهم)) وفي رواية: ((هم من آبائهم)) متفق عليه.
٣٩٤٤ - وعن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قطع نخل بني النضير وحرق، ولها يقول حسان:
وهان علي سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير
وفي ذلك نزلت ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلي أُصُولِهَا فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾.
ــ
الحديث الرابع عن أنس قوله: ((ونسوة)) إن روى بالجر عطفاً علي ((أم سليم)) لم يكن لقوله: ((معه)) زيادة فائدة؛ لأن الباء في ((بأم سليم)) بمعناه، والوجه أن يكون مرفوعاً علي الابتداء و ((معه)) خبره والجملة حالية ((مح)) هذه المداواة لمحارمهن وأزواجهن وما كان منها لغيرهم لا يكون فيه مس البشرة إلا في موضع الحاجة.
الحديث الخامس إلي السابع عن الصعب: قوله: ((يبيتون)) هو علي صيغة المجهول حال من ((أهل الدار)) و ((من المشركين)) حال أخرى و ((من)) بيإنية. ((نه)): أي يصابون ليلا وتبييت العدو هو أن يقصد بالليل من غير أن يعلم فيؤخذ بغتة وهو البيات. قوله: ((هم منهم)) أي النساء والصبيان من الرجال.
((قض)): أراد به تجويز سبيهم واسترقاقهم، كما لو أتوا أهلها نهاراً وحاربوهم جهاراً، أو أن من قتل منهم في ظلمة الليل اتفاقاً من غير قصد وتوجه إلي قتله فهدر لا حرج في قتله؛ لأنهم أيضاً كفار، وإنما يجب التحرز عن قتلهم حيث تيسر، وكذلك لو تترسوا بنسائهم وذراريهم لم يبال بهم.
((مح)): أما شيوخ الكفار فإن كان فيهم رأي قتلهم، وإلا ففيهم وفي الرهبان خلاف. قال مالك وأبو حنيفة: لا يقتلون، والأصح في مذهب الشافعي قتلهم.
وفيه أن أولاد الكفار حكمهم في الدنيا كحكم آبائهم، وأما في الآخرة ففيهم إذا ماتوا قبل البلوغ ثلاث مذاهب: الصحيح أنهم في الجنة، والثاني: في النار، والثالث: لا يجزم فيهم بشيء.
الحديث الثامن عن ابن عمر ﵄: قوله: ((بالبويرة)) ((مح)): هي – بصم الباء الموحدة – موضع نخل لبنى النضير، و ((السراة)) بفتح السين أشراف القوم ورؤساؤهم. والمستطير المنتشر، وقصتهم مذكورة في سورة الحشر. واللينة المذكورة في القرآن هي أنواع
стр. 2136
٣٩٤٥ - وعن عبد الله بن عون: أن نافعاً كتب إليه يخبره أن ابن عمر أخبره أن النبي ﷺ أغار علي بني المصطلق غارين في نعمهم بالمريسيع فقتل المقاتلة وسبى الذرية. متفق عليه.
٣٩٤٦ - وعن أبي أسيد: أن النبي ﷺ قال لنا يوم بدر حين صففنا لقريش وصفوا لنا: ((إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل)). وفي رواية: ((إذا أكثبوهم فارموهم واستبقوا نبلكم)) رواه البخاري.
وحديث سعد: ((هل تنصرون))، سنذكره في باب ((فضل الفقراء)).
وحديث البراء: بعث رسول الله ﷺ رهطاً في باب ((المعجزات)) إن شاء الله تعالي.
الفصل الثاني
٣٩٤٧ - عن عبد الرحمن بن عوف، قال: عبأنا النبي ﷺ ببدر ليلاً. رواه الترمذي. [٣٩٤٧]
٣٩٤٨ - وعن المهلب، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن بيتكم العدو: فليكن شعاركم: حم لا ينصرون)). رواه الترمذي، وأبو داود. [٣٩٤٨]
ــ
التمر كلها إلا العجوة. وقيل: كل كرام النخل، وقيل: كل النخل، وقيل: كل الأشجار، وقيل: إن أنواع نخل المدينة مائة وعشرون نوعاً. وفيه جواز قطع شجر الكفار وإحراقه وبه قال الجمهور. وقيل: لا يجوز.
الحديث التاسع عن عبد الله ﵁: قوله: ((غارين)) حال من ((بني المصطلق)) والغار الغافل. والمريسيع اسم ماء لنبى المصطلق بالعصب وهو من نواحي قديد.
الحديث العاشر عن أبي أسيد: ((تو)): والراوي هو أبو أسيد بضم الهمزة وفتح السين، ومنهم من فتح الهمزة وكسر السين، والأول أصح وأشهر. قوله: ((إذا أكثبوكم)) ((نه)): وفي رواية ((إذا كثبوكم)) والكثب القرب، والهمزة في ((أكثبوكم)) للتعدية فلذلك عداها إلي ضمير ((كم)) قوله: ((واستبقوا نبلكم)) النبل السهام العربية وهي ليست بالطوال كالنشاب. ((مظ)): أي لا ترموها كلها فإنكم إن رميتموها بقيتم بلا نبال.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عبد الرحمن: قوله: ((عبأنا)) ((تو)): عبأنا يهمز ولا يهمز يقال: عبأت الجيش وعبيتهم تعبية وتعبئة، أي هيأتهم في مواضعهم وألبستهم السلاح.
الحديث الثاني عن المهلب: قوله: ((شعاركم حم لا ينصرون)) ((قض)): أي علامتكم التي
стр. 2137
٣٩٤٩ - وعن سمرة بن جندب، قال: كان شعار المهاجرين: عبد الله، وشعار الأنصار: عبد الرحمن. رواه أبو داود. [٣٩٤٩]
٣٩٥٠ - وعن سلمة بن الأكوع، قال غزونا مع أبي بكر زمن النبي ﷺ فبيتناهم
ــ
تعرفون بها أصحابكم هذا الكلام. والشعار في الأصل العلامة التي تنصب ليعرف الرجل بها رفقته. و ((حم لا ينصرون)) معناه بفضل السورة المفتتحة بـ ((حم)) ومنزلتها من الله لا ينصرون.
وقيل: إن الحواميم السبع سور لها شأن، قال ابن مسعود ﵁: ((إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات)) فنبه ﷺ علي أن ذكرها لعظم شأنها وشرف منزلتها عند الله تعالي مما يستظهر به المسلمون علي استنزال النصر عليهم والخذلان علي عدوهم، فأمرهم أن يقولوا: ((حم)) ثم استأنف وقال: ((لا ينصرون)) جواباً لسائل عسى أن يقول: ماذا يكون إذا قلت هذه الكلمة؟ فقال: لا ينصرون. وقيل: ((حم)) من أسماء الله تعالي وأن المعنى: اللهم لا ينصرون. وفيه نظر؛ لأن ((حم)) لم تثبت في أسماء الله تعالي؛ ولأن جميع أسمائه مفصحة عن ثناء وتمجيد، و ((حم)) ليس إلا اسمى حرفين من الحروف المعجمة ولا معنى تحته يصلح لأن يكون بهذه المثابة، ولأنه لو كان اسما كسائر الأسماء، لأعرب كما أعربه الشاعر حيث جعله اسماً للسورة فقال:
يذكرني حم والرمح شاجر فهلا تلا حم قبل التقدم
ومنعه الصرف للعلمية والتإنيث، وقد نسب هذا الوجه إلي ابن عباس ﵄، فإن صح عنه فتوجيهه أن يقال: أراد بـ ((حم)) منزل حم وهو الله تعالي، فلما حذف المضاف وأقام ((حم)) مقامه وأجرى علي الحكاية صار ((حم)) كالمطلق علي الله تعالي والمستعمل فيه، فعد من أسمائه بهذا التأويل.
((مظ)): بلغني عن ابن كيسان النحوي أنه سأل أبا العباس أحمد بن يحيى عنه، فقال: معناه الخبر ولو كان بمعنى الدعاء لكان ((لا ينصروا)) مجزوماً، كأنه قال: والله لا ينصرون.
أقول: ويمكن أن يقال: نزل علي صيغة الإخبار تفاؤلا كأنه دعا فاستجيب له، ثم يخبر عن وقوعه كما يقول: يرحمك الله ويهديك ونحوه، لكن في معنى النهي كقوله تعالي: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلَاّ اللَّهَ﴾. ((الكشاف)): ((لا تعبدون)) إخبار في معنى النهي، وهو أبلغ من صريح النهي، كأنه سورع إلي الانتهاء فهو يخبر عنه.
الحديث الثالث عن سلمة ﵁: قوله: ((أمت أمت)) قيل: المخاطب هو الله تعالي يعني أمت العدو وفي شرح السنة ((يا منصور أمت)) فالمخاطب كل واحد من المقاتلين.
стр. 2138
نقتلهم، وكان شعارنا تلك الليلة: أمت أمت. رواه أبو داود. [٣٩٥٠]
٣٩٥١ - عن قيس بن عباد، قال: كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون الصوت عند القتال. رواه أبو داود. [٣٩٥١]
٣٩٥٢ - وعن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ ، قال: ((اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شرخهم)) أي صبيانهم. رواه الترمذي، وأبو داود. [٣٩٥٢]
ــ
الحديث الرابع عن قيس ﵁: قوله: ((يكرهون)) ((مظ)): عادة المحاربين أن يرفعوا أصواتهم إما لتعظيم أنفسهم، وإظهارهم كثرتهم بتكثير أصواتهم، أو لتخويف أعدائهم أو لإظهار الشجاعة بأن يقول: أنا الشجاع الطالب للحرب، والصحابة كانوا يكرهون رفع الصوت بها بشيء منها؛ إذ لا يتقرب بها إلي الله تعالي بل يرفعون الأصوات بذكر الله؛ فإن فيه فوز الدنيا والآخرة.
الحديث الخامس عن سمرة ﵁: قوله: ((شيوخ المشركين)) قال أبو عبيد: أزاد بالشيوخ الرجال والشبان أهل الجلد منهم والقوة علي القتال، ولم يرد الهرمي الذين إذا سبوا لم ينتفع بهم للخدمة، وأراد بالشرخ الشبان أهل الجلد الذين يصلحون للملك والخدمة. قال أبو بكر: الشرخ أول الشباب فهو واحد يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، يقال: رجل صوم ورجلان صوم ورجال صوم، وامرأة صوم وقوم صوم. وقيل: إن الشرخ جمع شارخ كصاحب وصحب وراكب وركب.
((تو)): وفي الشيوخ وجه آخر وهو أن يقول: لم يرد استبقاء هؤلاء لملك والخدمة؛ لما في نفوسهم من العصبية ولاستمرارهم علي الكفر طوال العمر، ثم لما فيهم من المكر، والدهاء فلا تؤمن إذا غائلتهم ودخلتم وما يتولد منهم من فساد في الدين أو ثلمة في الإسلام، وهؤلاء غير الفتاة الذين لا يعبأ بهم ولا يكترث لهم، وهذا أولي مما يؤول عليه هذا الحديث؛ لئلا يخالف حديث أنس الذي في هذا الباب. وذلك ما روى عنه: ((لا تقتلوا شيخاً فإنياً)) الحديث.
وقال أيضاً: قوله: ((أي صبيانهم)) ليس من متن الحديث، ولا من كلام الصحابي، فلعل بعض الرواة في بعض طرقه أدرجه في الحديث فوجده المؤلف فيما بلغه فذكره، والظاهر أنه من عند المؤلف. أقول: إنما فسر الشرخ بالصبيان ليقابل الشيوخ، فيكون المراد بالشيوخ الشبان وأهل الجلد فيصح التقابل.
стр. 2139
٣٩٥٣ - وعن عروة، قال: حدثني أسامة أن رسول الله ﷺ كان عهد إليه قال: ((أعز علي أبنى صباحاً وحرق)) رواه أبو داود. [٣٩٥٣]
٣٩٥٤ - وعن أبي أسيد، قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: ((إذا أكثبوكم فأرموهم، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم)) رواه أبو داود. [٣٩٥٤]
٣٩٥٥ - وعن رباح بن الربيع قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فرأي الناس مجتمعين علي شيء، فبعث رجلاً فقال: انظروا علي ما اجتمع هؤلاء؟)) فقال: علي امرأة قتيل. فقال: ((ما كانت هذه لتقاتل)) وعلي المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلاً فقال: ((قل لخالد: لا تقتل امرأة ولا عسيفاً)). رواه أبو داود. [٣٩٥٥]
٣٩٥٦ - وعن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: ((انطلقوا باسم الله، وبالله وعلي ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخاً فإنياً، ولا طفلاً صغيراً، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، أصلحوا، وأحسنوا فإن الله يحب المحسنين)) رواه أبو داود. [٣٩٥٦]
٣٩٥٧ - وعن علي [﵁] قال: لما كان يوم بدر تقدم عتبة بن ربيعة،
ــ
الحديث السادس عن عروة ﵁: قوله: ((عهد إليه)) أي أوصاه. قوله: ((علي أبنى)) ((نه)): هي بضم الهمزة والقصر اسم موضع من فلسطين بين عسقلان والرملة ويقال لها: يبنى بالياء. ((تو)): بضم الهمز موضع من بلاد جهينة. ومن الناس من يجعل بد الهمزة لا ما ولا عبرة به.
الحديث السابع إلي الثامن عن رباح: قوله: ((لتقاتل)) اللام هي الداخلة في خبر ((كان)) للتأكيد، كقوله تعالي: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ﴾ و ((العسيف)) الأجير.
الحديث التاسع عن أنس ﵁: قوله: ((بسم الله وبالله)) الأول اشمل لأنه مشتمل علي أسماء الله تعالي كلها و ((بالله)) مختص بهذا اللفظ، والثاني أبلغ لأنه ترق من الاسم إلي المسمى. وعطف ((علي ملة رسول الله)) ﷺ وعلي ما قبله يأبي أن يكونا متعلقين بالفعل ويوجب أن يكونا حالين كأنه قيل: انطلقوا متبركين باسم الله مستعينين بالله ثابتين علي ملة رسول الله. والأحوال يجوز أن تكون مترادفات أو متدخلات. وقوله: ((وأصلحوا وأحسنوا)) تذييل للكلام السابق أي أصلحوا فيما بينكم من أمور دينكم ودنياكم؛ وأحسنوا أي وأخلصوا لله تعالي واعلموا أنه علي كل شيء وكيل. وقوله: ((فإن الله يحب المحسنين)) تتميم كالتعليل.
стр. 2140
وتبعه ابنه وأخوه، فنادى: من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه. فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا. فقال رسول الله ﷺ : ((قم يا حمزة! قم يا علي! قم يا عبيدة بن الحارث)) فأقبل حمزة إلي عتبة، وأقبلت إلي شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا علي الوليد فقتلناه، واحتملنا عبيدة. رواه أحمد وأبو داود. [٣٩٥٧]
٣٩٥٨ - وعن ابن عمر، قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فحاص الناس حيصة فأتينا المدينة، فاختفينا بها، وقلنا: هلكنا، ثم أتينا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله! نحن الفرارون. قال: ((بل أنتم العكارون وأنا فئتكم)). رواه الترمذي. وفي رواية أبي داود نحوه وقال: ((لا، بل أنتم العكارون)) قال: فدنونا فقبلنا يده فقال: ((أنا فئة المسلمين)). [٣٩٥٨]
ــ
الحديث العاشر عن علي ﵁: قوله: ((فانتدب له)) ((نه)): يقال: ندبته فانتدب أي بغيته ودعوته فأجاب. قوله: ((فأقبل حمزة إلي عتبة وأقبلت إلي شيبة)) كذا في سنن أبي داود وشرح السنة، وفي بعض نسخ المصابيح ((إلي عتبة فقتله وأقبلت إلي شيبة فقتلته)). وقوله: ((فأثخن)) أي أثقل بالجراح، والإثخان في الشيء المبالغة فيه والإكثار منه، يقال: أثخنه المرض أي أثقله ووهنه ((ثم ملنا علي الوليد)) أي حملنا مائلين أو ملنا حاملين عليه.
((حس)): فيه إباحة المبادرة في جهاد الكفار ولم يختلفوا في جوازها إذ أذن الإمام، واختلفوا فيها إذا لم تكن من إذن الإمام فجوزها جماعة، وإليه ذهب مالك الشافعي؛ لأن الأنصاريين كانوا قد خرجوا قبل حمزة وعلي وعبيدة ﵃ من غير إذن. وفيه دليل علي أن معونة المبارز جائزة إذا ضعف أو عجز عن قرينه، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال الأزاعي: لا يعينونه لأن المبارزة إنما تكون هكذا.
الحديث الحادي عشر عن ابن عمر ﵄: قوله: ((فحاص الناس حيصة)) ((قض)): أي فمالوا ميلة من الحيص وهو الميل، فإن أراد بالناس أعداءهم فالمراد بها الحملة، أي حملوا علينا حملة وجالوا فانهزمنا عنهم وأتينا المدينة. وإن أراد به السرية فمعناها الفرار والرجعة أي مالوا عن العدو ملتجئين إلي المدينة. ومنه قوله تعالي: ﴿ولا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ أي محيداً ومهرباً.
следующие страницы →