← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

٣٩٤٥ - وعن عبد الله بن عون: أن نافعاً كتب إليه يخبره أن ابن عمر أخبره أن النبي ﷺ أغار علي بني المصطلق غارين في نعمهم بالمريسيع فقتل المقاتلة وسبى الذرية. متفق عليه. ٣٩٤٦ - وعن أبي أسيد: أن النبي ﷺ قال لنا يوم بدر حين صففنا لقريش وصفوا لنا: ((إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل)). وفي رواية: ((إذا أكثبوهم فارموهم واستبقوا نبلكم)) رواه البخاري. وحديث سعد: ((هل تنصرون))، سنذكره في باب ((فضل الفقراء)). وحديث البراء: بعث رسول الله ﷺ رهطاً في باب ((المعجزات)) إن شاء الله تعالي. الفصل الثاني ٣٩٤٧ - عن عبد الرحمن بن عوف، قال: عبأنا النبي ﷺ ببدر ليلاً. رواه الترمذي. [٣٩٤٧] ٣٩٤٨ - وعن المهلب، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن بيتكم العدو: فليكن شعاركم: حم لا ينصرون)). رواه الترمذي، وأبو داود. [٣٩٤٨] ــ التمر كلها إلا العجوة. وقيل: كل كرام النخل، وقيل: كل النخل، وقيل: كل الأشجار، وقيل: إن أنواع نخل المدينة مائة وعشرون نوعاً. وفيه جواز قطع شجر الكفار وإحراقه وبه قال الجمهور. وقيل: لا يجوز. الحديث التاسع عن عبد الله ﵁: قوله: ((غارين)) حال من ((بني المصطلق)) والغار الغافل. والمريسيع اسم ماء لنبى المصطلق بالعصب وهو من نواحي قديد. الحديث العاشر عن أبي أسيد: ((تو)): والراوي هو أبو أسيد بضم الهمزة وفتح السين، ومنهم من فتح الهمزة وكسر السين، والأول أصح وأشهر. قوله: ((إذا أكثبوكم)) ((نه)): وفي رواية ((إذا كثبوكم)) والكثب القرب، والهمزة في ((أكثبوكم)) للتعدية فلذلك عداها إلي ضمير ((كم)) قوله: ((واستبقوا نبلكم)) النبل السهام العربية وهي ليست بالطوال كالنشاب. ((مظ)): أي لا ترموها كلها فإنكم إن رميتموها بقيتم بلا نبال. الفصل الثاني الحديث الأول عن عبد الرحمن: قوله: ((عبأنا)) ((تو)): عبأنا يهمز ولا يهمز يقال: عبأت الجيش وعبيتهم تعبية وتعبئة، أي هيأتهم في مواضعهم وألبستهم السلاح. الحديث الثاني عن المهلب: قوله: ((شعاركم حم لا ينصرون)) ((قض)): أي علامتكم التي

стр. 2137

٣٩٤٩ - وعن سمرة بن جندب، قال: كان شعار المهاجرين: عبد الله، وشعار الأنصار: عبد الرحمن. رواه أبو داود. [٣٩٤٩] ٣٩٥٠ - وعن سلمة بن الأكوع، قال غزونا مع أبي بكر زمن النبي ﷺ فبيتناهم ــ تعرفون بها أصحابكم هذا الكلام. والشعار في الأصل العلامة التي تنصب ليعرف الرجل بها رفقته. و ((حم لا ينصرون)) معناه بفضل السورة المفتتحة بـ ((حم)) ومنزلتها من الله لا ينصرون. وقيل: إن الحواميم السبع سور لها شأن، قال ابن مسعود ﵁: ((إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات)) فنبه ﷺ علي أن ذكرها لعظم شأنها وشرف منزلتها عند الله تعالي مما يستظهر به المسلمون علي استنزال النصر عليهم والخذلان علي عدوهم، فأمرهم أن يقولوا: ((حم)) ثم استأنف وقال: ((لا ينصرون)) جواباً لسائل عسى أن يقول: ماذا يكون إذا قلت هذه الكلمة؟ فقال: لا ينصرون. وقيل: ((حم)) من أسماء الله تعالي وأن المعنى: اللهم لا ينصرون. وفيه نظر؛ لأن ((حم)) لم تثبت في أسماء الله تعالي؛ ولأن جميع أسمائه مفصحة عن ثناء وتمجيد، و ((حم)) ليس إلا اسمى حرفين من الحروف المعجمة ولا معنى تحته يصلح لأن يكون بهذه المثابة، ولأنه لو كان اسما كسائر الأسماء، لأعرب كما أعربه الشاعر حيث جعله اسماً للسورة فقال: يذكرني حم والرمح شاجر فهلا تلا حم قبل التقدم ومنعه الصرف للعلمية والتإنيث، وقد نسب هذا الوجه إلي ابن عباس ﵄، فإن صح عنه فتوجيهه أن يقال: أراد بـ ((حم)) منزل حم وهو الله تعالي، فلما حذف المضاف وأقام ((حم)) مقامه وأجرى علي الحكاية صار ((حم)) كالمطلق علي الله تعالي والمستعمل فيه، فعد من أسمائه بهذا التأويل. ((مظ)): بلغني عن ابن كيسان النحوي أنه سأل أبا العباس أحمد بن يحيى عنه، فقال: معناه الخبر ولو كان بمعنى الدعاء لكان ((لا ينصروا)) مجزوماً، كأنه قال: والله لا ينصرون. أقول: ويمكن أن يقال: نزل علي صيغة الإخبار تفاؤلا كأنه دعا فاستجيب له، ثم يخبر عن وقوعه كما يقول: يرحمك الله ويهديك ونحوه، لكن في معنى النهي كقوله تعالي: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلَاّ اللَّهَ﴾. ((الكشاف)): ((لا تعبدون)) إخبار في معنى النهي، وهو أبلغ من صريح النهي، كأنه سورع إلي الانتهاء فهو يخبر عنه. الحديث الثالث عن سلمة ﵁: قوله: ((أمت أمت)) قيل: المخاطب هو الله تعالي يعني أمت العدو وفي شرح السنة ((يا منصور أمت)) فالمخاطب كل واحد من المقاتلين.

стр. 2138

نقتلهم، وكان شعارنا تلك الليلة: أمت أمت. رواه أبو داود. [٣٩٥٠] ٣٩٥١ - عن قيس بن عباد، قال: كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون الصوت عند القتال. رواه أبو داود. [٣٩٥١] ٣٩٥٢ - وعن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ ، قال: ((اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شرخهم)) أي صبيانهم. رواه الترمذي، وأبو داود. [٣٩٥٢] ــ الحديث الرابع عن قيس ﵁: قوله: ((يكرهون)) ((مظ)): عادة المحاربين أن يرفعوا أصواتهم إما لتعظيم أنفسهم، وإظهارهم كثرتهم بتكثير أصواتهم، أو لتخويف أعدائهم أو لإظهار الشجاعة بأن يقول: أنا الشجاع الطالب للحرب، والصحابة كانوا يكرهون رفع الصوت بها بشيء منها؛ إذ لا يتقرب بها إلي الله تعالي بل يرفعون الأصوات بذكر الله؛ فإن فيه فوز الدنيا والآخرة. الحديث الخامس عن سمرة ﵁: قوله: ((شيوخ المشركين)) قال أبو عبيد: أزاد بالشيوخ الرجال والشبان أهل الجلد منهم والقوة علي القتال، ولم يرد الهرمي الذين إذا سبوا لم ينتفع بهم للخدمة، وأراد بالشرخ الشبان أهل الجلد الذين يصلحون للملك والخدمة. قال أبو بكر: الشرخ أول الشباب فهو واحد يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، يقال: رجل صوم ورجلان صوم ورجال صوم، وامرأة صوم وقوم صوم. وقيل: إن الشرخ جمع شارخ كصاحب وصحب وراكب وركب. ((تو)): وفي الشيوخ وجه آخر وهو أن يقول: لم يرد استبقاء هؤلاء لملك والخدمة؛ لما في نفوسهم من العصبية ولاستمرارهم علي الكفر طوال العمر، ثم لما فيهم من المكر، والدهاء فلا تؤمن إذا غائلتهم ودخلتم وما يتولد منهم من فساد في الدين أو ثلمة في الإسلام، وهؤلاء غير الفتاة الذين لا يعبأ بهم ولا يكترث لهم، وهذا أولي مما يؤول عليه هذا الحديث؛ لئلا يخالف حديث أنس الذي في هذا الباب. وذلك ما روى عنه: ((لا تقتلوا شيخاً فإنياً)) الحديث. وقال أيضاً: قوله: ((أي صبيانهم)) ليس من متن الحديث، ولا من كلام الصحابي، فلعل بعض الرواة في بعض طرقه أدرجه في الحديث فوجده المؤلف فيما بلغه فذكره، والظاهر أنه من عند المؤلف. أقول: إنما فسر الشرخ بالصبيان ليقابل الشيوخ، فيكون المراد بالشيوخ الشبان وأهل الجلد فيصح التقابل.

стр. 2139

٣٩٥٣ - وعن عروة، قال: حدثني أسامة أن رسول الله ﷺ كان عهد إليه قال: ((أعز علي أبنى صباحاً وحرق)) رواه أبو داود. [٣٩٥٣] ٣٩٥٤ - وعن أبي أسيد، قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: ((إذا أكثبوكم فأرموهم، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم)) رواه أبو داود. [٣٩٥٤] ٣٩٥٥ - وعن رباح بن الربيع قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فرأي الناس مجتمعين علي شيء، فبعث رجلاً فقال: انظروا علي ما اجتمع هؤلاء؟)) فقال: علي امرأة قتيل. فقال: ((ما كانت هذه لتقاتل)) وعلي المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلاً فقال: ((قل لخالد: لا تقتل امرأة ولا عسيفاً)). رواه أبو داود. [٣٩٥٥] ٣٩٥٦ - وعن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: ((انطلقوا باسم الله، وبالله وعلي ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخاً فإنياً، ولا طفلاً صغيراً، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، أصلحوا، وأحسنوا فإن الله يحب المحسنين)) رواه أبو داود. [٣٩٥٦] ٣٩٥٧ - وعن علي [﵁] قال: لما كان يوم بدر تقدم عتبة بن ربيعة، ــ الحديث السادس عن عروة ﵁: قوله: ((عهد إليه)) أي أوصاه. قوله: ((علي أبنى)) ((نه)): هي بضم الهمزة والقصر اسم موضع من فلسطين بين عسقلان والرملة ويقال لها: يبنى بالياء. ((تو)): بضم الهمز موضع من بلاد جهينة. ومن الناس من يجعل بد الهمزة لا ما ولا عبرة به. الحديث السابع إلي الثامن عن رباح: قوله: ((لتقاتل)) اللام هي الداخلة في خبر ((كان)) للتأكيد، كقوله تعالي: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ﴾ و ((العسيف)) الأجير. الحديث التاسع عن أنس ﵁: قوله: ((بسم الله وبالله)) الأول اشمل لأنه مشتمل علي أسماء الله تعالي كلها و ((بالله)) مختص بهذا اللفظ، والثاني أبلغ لأنه ترق من الاسم إلي المسمى. وعطف ((علي ملة رسول الله)) ﷺ وعلي ما قبله يأبي أن يكونا متعلقين بالفعل ويوجب أن يكونا حالين كأنه قيل: انطلقوا متبركين باسم الله مستعينين بالله ثابتين علي ملة رسول الله. والأحوال يجوز أن تكون مترادفات أو متدخلات. وقوله: ((وأصلحوا وأحسنوا)) تذييل للكلام السابق أي أصلحوا فيما بينكم من أمور دينكم ودنياكم؛ وأحسنوا أي وأخلصوا لله تعالي واعلموا أنه علي كل شيء وكيل. وقوله: ((فإن الله يحب المحسنين)) تتميم كالتعليل.

стр. 2140

وتبعه ابنه وأخوه، فنادى: من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه. فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا. فقال رسول الله ﷺ : ((قم يا حمزة! قم يا علي! قم يا عبيدة بن الحارث)) فأقبل حمزة إلي عتبة، وأقبلت إلي شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا علي الوليد فقتلناه، واحتملنا عبيدة. رواه أحمد وأبو داود. [٣٩٥٧] ٣٩٥٨ - وعن ابن عمر، قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فحاص الناس حيصة فأتينا المدينة، فاختفينا بها، وقلنا: هلكنا، ثم أتينا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله! نحن الفرارون. قال: ((بل أنتم العكارون وأنا فئتكم)). رواه الترمذي. وفي رواية أبي داود نحوه وقال: ((لا، بل أنتم العكارون)) قال: فدنونا فقبلنا يده فقال: ((أنا فئة المسلمين)). [٣٩٥٨] ــ الحديث العاشر عن علي ﵁: قوله: ((فانتدب له)) ((نه)): يقال: ندبته فانتدب أي بغيته ودعوته فأجاب. قوله: ((فأقبل حمزة إلي عتبة وأقبلت إلي شيبة)) كذا في سنن أبي داود وشرح السنة، وفي بعض نسخ المصابيح ((إلي عتبة فقتله وأقبلت إلي شيبة فقتلته)). وقوله: ((فأثخن)) أي أثقل بالجراح، والإثخان في الشيء المبالغة فيه والإكثار منه، يقال: أثخنه المرض أي أثقله ووهنه ((ثم ملنا علي الوليد)) أي حملنا مائلين أو ملنا حاملين عليه. ((حس)): فيه إباحة المبادرة في جهاد الكفار ولم يختلفوا في جوازها إذ أذن الإمام، واختلفوا فيها إذا لم تكن من إذن الإمام فجوزها جماعة، وإليه ذهب مالك الشافعي؛ لأن الأنصاريين كانوا قد خرجوا قبل حمزة وعلي وعبيدة ﵃ من غير إذن. وفيه دليل علي أن معونة المبارز جائزة إذا ضعف أو عجز عن قرينه، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال الأزاعي: لا يعينونه لأن المبارزة إنما تكون هكذا. الحديث الحادي عشر عن ابن عمر ﵄: قوله: ((فحاص الناس حيصة)) ((قض)): أي فمالوا ميلة من الحيص وهو الميل، فإن أراد بالناس أعداءهم فالمراد بها الحملة، أي حملوا علينا حملة وجالوا فانهزمنا عنهم وأتينا المدينة. وإن أراد به السرية فمعناها الفرار والرجعة أي مالوا عن العدو ملتجئين إلي المدينة. ومنه قوله تعالي: ﴿ولا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ أي محيداً ومهرباً.

стр. 2141

وسنذكر حديث أمية بن عبد الله: كان يستفتح. وحديث أبي الدرداء ((ابغوني في ضعفائكم)) في باب ((فضل الفقراء)) إن شاء الله تعالي. الفصل الثالث ٣٩٥٩ - عن ثوبان بن يزيد: أن النبي ﷺ نصب المنجنيق علي أهل الطائف. رواه الترمذي مرسلاً. ــ أقول: المعنى الأول لا تساعد عليه اللغة؛ الجوهري: حاص عنه يحيص حيصاً أي عدل وحاد، يقال للأولياء حاصوا عن الأعداء، والأعداء انهزموا. وفي الفائق: فحاص حيصة أي انهزم وانحرف، وروى ((فجاص جيضة)) بالجيم والضاد المعجمة وهي الحيدودة حذراً. وفي النهاية فحاص المسلمون حيصة أي جالوا جولة يطلبون الفرار، والمحيص المهرب والمحيد، اللهم إلا أن يعدل إلي المجاز إما بوضع أحد الضدين موضع الآخر أو لما أن في الحيدودة والجولة نوع ميلان. ولعله حمله علي ذلك إطلاقه وعدم تقييده بعن، والاختلاف في العبارة؛ حيث عدل من الغيبة إلي التكلم وجعله قرينة للمجاز ولم يلتفت إلي الالتفات الذي طبق المفصل وأصاب المخبر. فقال أولا: ((الناس)) إيذاناً بأنه لم يكن الفرار منه ولم يرض به، وثإنياً ((فأتنيا)) دلالة وإشعار بأن التحيز والاعتصام كان منه وهو السبب فيه. قوله: ((العكارون)) ((نه)): الكرارون إلي الحروب العطافون نحوها، يقال للرجل الذي تولي عن الحرب ثم لم يكن راجعاً إليها عكر واعتكر. و ((الفئة)) الفرقة والجماعة من الناس في الأصل، والطائفة التي تقيم وراء الجيش، فإن كان عليهم خوف أو هزيمة التجأوا إليه. ((فا)): ذهب النبي ﷺ في قوله: ((وأنا فئتكم)) إلي قوله تعالي: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إلي فِئَةٍ﴾ يمهد بذلك عذرهم في الفرار، أي تحيزهم إلي فلا حرج عليكم. ((حس)): قال عبد الله بن مسعود: من فر من ثلاثة فلم يفر ومن فر من اثنين فقد فر، والفرار من الزحف من الكبائر، فمن فر من اثنين فليس له أن يصلي بالإيماء في الفرار؛ لأنه عاص كقاطع الطريق. الفصل الثالث الحديث الأول عن ثوبان: قوله: ((المنجنيق)) ((نه)): المنجنيق مؤنثة وتفتح الميم وتكسر، وهي والنون الأولي زائدتان في قوله: قولهم: جنق يجنق إذا رمى. وقيل: الميم أصلية لجمعه علي مجإنيق، وقيل: هو أعجمي معرب. والله أعلم.

стр. 2142

(٥) باب حكم الأسراء الفصل الأول ٣٩٦٠ - عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل)). وفي رواية: ((يقادون إلي الجنة بالسلاسل)). رواه البخاري. ٣٩٦١ - وعن سلمة بن الأكوع، قال: أتى النبي ﷺ عين من المشركين وهو في سفر، فجلس عند أصحابه يتحدث، ثم انفتل، فقال النبي ﷺ : ((اطلبوه واقتلوه)) فقتلته فنفلني سلبه. متفق عليه. ــ باب حكم [الأسراء] الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((عجب الله)) ((قض)) قد سبق غير مرة من أن صفات العباد إذا أطلقت علي الله تعالي أريد بها غايتها، فغاية التعجب والاستبشار بالشيء الرضي به واستعظام شأنه. والمعنى عظم الله شأن قوم يؤخذون عنوة في السلاسل، فيدخلون في الإسلام، فيصيرون من أهل الجنة ورضي عنهم، وأحلهم محل ما يتعجب [منه]. وقيل: أراد بالسلاسل ما يرادون به من قتل الأنفس وسبي الأزواج والأولاد وتخريب الديار، وسائر ما يلجئهم إلي الدخول في الإسلام الذي هو سبب دخول الجنة، فأقام المسبب مقام السبب. ويحتمل أن يكون المراد بها جذبات الحق التي يجذب بها خالصة عباده من الضلالة إلي الهدى، ومن الهبوط في مهاوي الطبيعة إلي العروج بالدرجات العلي إلي جنة المأوى. الحديث الثاني عن سلمة: قوله: ((عين)) ((قض)): العين الجاسوس سمى به؛ لأن عمله بالعين أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها، كأن جميع بدنه صار عيناً. ((ثم انفتل)) أي انصرف يقال: فتلته فانفتل. ((فنفلني)) أي أعطإني نفلا، وهو ما يخص به الرجل من الغنيمة، ويزداد علي سهمه، ويريد بسلبه ما كان عليه من الثياب والسلاح، سمي به لأنه يسلب. ((حس)): فيه دليل علي أن من دخل دار الإسلام من أهل الحرب من غير أمان حل قتله، ومن تجسس للكفار من أهل الذمة كان ذلك نقضاً منه للعهد وإن فعله مسلم فلا يحل قتله بل يعزو، فإن ادعى جهالة بالحال ولم يكن متهما يتجافي عنه. هذا قول الشافعي، وفيه دليل علي أن السلب للقاتل.

стр. 2143

٣٩٦٢ - وعنه، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن، فبينا نحن نتضحى مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل علي جمل أحمر، فأناخه، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة من الظهر، وبعضنا مشاة إذ خرج يشتد فأتى جمله، فأثاره فاشتد به الجمل، فخرجت أشتد حتى أخذت بخطام الجمل، فأنخته ثم اخترطت سيفي، فضربت رأس الرجل، ثم جئت بالجمل أقوده وعليه رحله وسلاحه، فاستقبلي رسول الله ﷺ والناس. فقال: ((من قتل الرجل؟)) قالوا: ابن الأكوع فقال: ((له سلبه أجمع)) متفق عليه. ٣٩٦٣ - وعن أبي سيعد الخدري، قال: لما نزلت بنو قريظة علي حكم سعد ابن معاذ، بعث رسول الله ﷺ إليه فجاء علي حمار، فلما دنا رسول الله ﷺ : ــ الحديث الثالث عن سلمة: قوله: ((نتضحى)) ((نه)): أي نتغدى والأصل فيه أن العرب كانوا يسيرون في ظعنهم، فإذا مروا ببقعة من الأرض فيها كلأ وعشب، قال قائلهم: ألا ضحوا رويداً أي ارفقوا بالإبل حتى تتضحى، أي تنال من هذا المرعى. ثم وضعت التضحية مكان الرفق لتصل الإبل إلي المنزل وقد شبعت، ثم اتسع فيه حتى قيل لكل من يأكل في وقت الضحى: هو يتضحى، أي يأكل في هذا الوقت كما يقال: يتغدى ويتعشى. وقيل: معناه نصلي الضحى. قوله: ((ضعفة)) ((مح)): ضبطوه علي وجهين، الصحيح المشهور بفتح الضاد وإسكان العين أي حالة ضعف وهزال. والثاني بفتح العين جمع ضعيف، وفي بعض النسخ بحذف الهاء. أقول: ويؤيد الوجه الأول عطف قوله: ((ورقة)) عليه. وقوله: ((من الظهر)) صفة لها أي رقة حاصلة من قلة المركوب. والاشتداد العدو، ومنه الحديث: ((لا يقطع الوادي إلا شداً)) أي عدوا. و ((اخترطت سيفي)) أي سللته من غمده وهو افتعل من الخرط، يقال: خرط العنقود واخترطه إذا وضعه في فيه ثم يأخذ حبه ويخرج عرجونه عارياً [عنه]. الحديث الرابع عن أبي سعيد: قوله: ((لما نزلت بنو قريظة)) ((قض)): إنما نزلوا بحكمه بعد ما حاصرهم رسول الله ﷺ خمسة وعشرين يوماً وجهدهم الحصار، وتمكن الرعب في قلوبهم؛ لأنهم كانوا حلفاء الأوس فحسبوا أنه يراقبهم ويتعصب لهم، فأبي إسلامه وقوة دينه أن يحكم فيهم بغير ما حكم الله فيهم، وكان ذلك في السنة الخامسة من الهجرة في شوالها حين نقضوا فيهم بغير ما حكم الله فيهم، وكان ذلك في السنة الخامسة من الهجرة في شوالها حين نقضوا [عهد الرسول صلوات الله عليه] ووافقوا الأحزاب، روى أنهم لما انكشفوا عن المدينة وكفي الله المؤمنين شرهم، أتى جبريل النبي ﷺ في ظهر اليوم الذي تفرقوا في ليلته، فقال: أوضعتم السلاح والملائكة لم يضعوه؛ فإن الله يأمركم بالسير إلي بني قريظة فائتهم عصرهم.

стр. 2144

((قوموا إلي سيدكم)) فجاء فجلس، فقال رسول الله ﷺ : ((إن هؤلاء نزلوا علي حكمك)). قال: فإني أحكم أن تقتل المقاتلة وأن تسبي الذرية. قال: ((لقد حكمت فيهم بحكم الملك)). وفي رواية: ((بحكم الله)) متفق عليه. ٣٨٦٤ - وعن أبي هريرة، قال: بعث رسول الله ﷺ خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثمامة بن أثال، سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله ﷺ ، فقال: ((ماذا عندك يا ثمامة؟)) فقال: عندي يا محمد خير إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم علي شاكر، وإن كنت تريد ــ ((مح)): فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين ومهماتهم العظام، ولم يخالف في هذا الإجماع إلا الخوارج؛ فإنهم أنكروا علي علي ﵁ التحكيم، وإذا حكم الحاكم العدل في شيء لزمه حكمه، ولا يجوز للإمام ولا لهم الرجوع عنه بعد الحكم. وفي قوله: ((قوموا إلي سيدكم)) إكرام أهل الفضل وتلقيهم والقيام لهم إذا أقبلوا. واحتج به الجمهور. قال القاضي عياض: ليس هذا من القيام المنهي عنه، وإنما ذاك فيمن يقومون عليه وهو جالس ويتمثلون قياماً طول جلوسه. وسيجيء تمام بحثه في موضعه. وإنما فوض الحكم إلي سعد؛ لأن الأوس طلبوا من النبي ﷺ العفو عنهم؛ لأنهم كانوا حلفاءهم فقال لهم النبي ﷺ : ((أما ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟)) فرضوا به، والرواية المشهورة ((الملك)) بكسر اللام، ويؤيده الرواية الأخرى. قال القاضي: وضبطه بعضهم في صحيح البخاري بكسر اللام وفتحها، فإن صح الفتح فالمراد به جبريل ﵇ أي الحكم الذي جاء به جبريل من الله تعالي. الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((خيلا)) هو علي حذف المضاف أي فرسان الخيل. وفي الحديث: ((يا خيل الله اركبي)) أي يا فرسان خيل الله، وسميت الجماعة خيلا؛ لأنهم تجردوا لما لا يتم إلا بها، كما سميت الربيئة [عيناً]. قوله: ((ماذا عندك)) فيه وجهان: أن تكون ((ما)) استفهامية و ((ذا)) موصولا، و ((عندك)) صلته أي ما الذي استقر عندك من الظن فيما أفعل بك. فظن خيراً وقال: عندي يا محمد خير؛ لأنك لست ممن يظلم بل ممن يحسن وينعم، وأن تكون ((ماذا)) بمعنى أي شيء مبتدأ و ((عندك)) خبره. وقوله: ((إن تقتل تقتل)) إلي آخره تفصيل لقوله: ((خير)) لأن فعل الشرط إذا كرر في الجزاء دل علي فخامة الأمر. قوله: ((ذا دم)) ((مح)): فيه وجوه:

стр. 2145

المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله ﷺ حتى كان الغد، فقال له: ((ما عندك يا ثمامة؟)) فقال: عندي ما قلت لك: إن تنعم تنعم علي شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله ﷺ حتى كان بعد الغد، فقال له: ((ما عندك يا ثمامة؟)) فقال: عندي ما قلت لك: إن تنعم تنعم علي شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فقال رسول الله ﷺ : ((أطلقوا ثمامة)) فانطلق إلي نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يا ــ أحدها: معناه إن تقتل تقتل صاحب دم لدمه موضع يشتفي بقتله قاتله، ويدرك قاتله به ثأره أي لرياسته وفضله. وثإنيها: إن تقتل تقتل من عليه دم مطلوب به، وهو مستحق عليه فلا عتب عليك. وثالثها: ((ذا ذم)) بالذال المعجمة وتشديد الميم أي ذا ذمام وحرمة في قومه، ورواها بعضهم في سنن أبي داود. قال القاضي: وهي ضعيفة لأنها تقلب المعنى فإن احترامه يمنع القتل. قال القاضي: ويمكن تصحيحها بأن تحمل علي الوجه الأول، أي يقتل رجلا جليلا يحتفل قاتله بقتله، بخلاف ما إذا قتل حقيراً مهيناً فإنه لا فضيلة ولا يدرك به قاتله ثأره. أقول: واختار الشيخ التوربشتي الوجه الثاني، حيث قال: المعنى إن تقتل تقتل من توجه عليه القتل بما أصاب من دم، وأراه أوجه للمشاكلة التي بينه وبين قوله: ((وإن تنعم تنعم علي شاكر)). ((شف)): في تقديم ثمامة قوله: ((إن تقتل تقتل ذا دم)) علي قسميه في اليوم الأول وتوسيطه بينهما في اليوم الثاني والثالث، ما يرشد إلي حذاقته وحدسه؛ فإنه لما رأي غضب النبي ﷺ في اليوم الأول قدم فيه القتل تسلية، فلما رأي أنه لم يقتله رجا أن ينعم عليه، فقدم في اليوم الثاني والثالث قوله: ((إن تنعم)). أقول: ويمكن أن يقال: إنه لما نفي الظلم عن ساحته صلوات الله عليه، ونظر إلي استحقاقه القتل قدمه، وحين نظر إلي إحسانه ولطفه صلوات الله عليه أخر القتل. وهذا أدعى للاستعطاف والعفو كما قال عيسى ﵇: ﴿إن تُعَذِّبْهُمْ فَإنَّهُمْ عِبَادُكَ وإن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾. قوله: ((حتى كان بعد الغد)) اسم ((كان)) ضمير عائد إلي ما هو مذكور حكما، أي حتى كان ما هو عليه ثمامة بعد الغد، نحو قولهم: إذا كان غداً فأتنى، أي إذا كان ما نحن عليه غداً.

стр. 2146

محمد! والله ما كان علي وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله إلي، ووالله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي. وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ ، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة، قال له قائل: أصبوت؟ فقال: لا، ولكني أسلمت مع رسول الله ﷺ ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ . رواه مسلم، واختصره البخاري. ــ قوله: ((أبغض إلي من وجهك)) وجد بالرفع علي أنه صفة وجه وهو اسم ((كان)) و ((علي وجه الأرض)) خبره، وهذا ليس بصحيح؛ لأن قوله: ((أحب الوجوه)) خبر ((أصبح)) قطعاً، وقد قوبل، به؛ ولأن ((أبغض)) في القرينتين الأخيرتين وقع خبراً ((لكان))؛ ولأنه أخبر عن الوجه بالأبغضية لا أن وجها أبغض كائنا علي وجه الأرض، فإذا قلنا: بجواز وقوع الحال عن اسم ((كان)) فقوله: علي وجه الأرض)) كان صفة لقوله: ((وجه)) فقدم فصار حالا، وإذا منعناه قلنا: إنه ظرف لغو قدم للاهتمام ليؤذن في بدء الحال باهتمام العموم والشمول، كما في قوله: ﴿والأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾. قوله: ((فبشره)) ((مح)): بشره بما حصل له من الخير العظيم بالإسلام وأنه يهدم ما كان قبله – قوله: ((أصبوت)) وهو مهموز. ((فا)): صبأ إذا خرج من دين إلي دين، صبأ ناب البعير إذا طلع وصبأ النجم. قوله: ((فقال: لا)) فإن قلت: كيف قال: ((لا)) وهو قد خرج من الشرك إلي التوحيد؟ قلت: هو من الأسلوب الحكيم، كأنه قال: ما خرجت من الدين لأنكم لستم علي دين، فأخرج منه بل استحدثت دين الله، وأسلمت مع رسول اله ﷺ رب العالمين. فإن قلت: ((مع)) تقتضي استحداث المصاحبة؛ لأن معنى المعية المصاحبة وهي مفاعلة، وقد قيد الفعل بها فيجب الاشتراك فيه كذا نص عليه صاحب الكشاف في الصافات. قلت: لا يبعد ذلك فلعله ﷺ وافقه فيكون منه صلوات الله عليه استدامة، ومنه استحداثاً. وقوله: ((ولا والله)) لا يقتضي منفياً، والواو معطوفاً عليه أي لا أوفقكم في دينكم ولا أرفق: بكم في هذه السنين المجدبة، ثم أقسم عليه بقوله: ((والله لا يأتيكم من اليمامة)). ((حس)) فيه دليل علي جواز المن علي الكافر وإطلاقه بغير مال. ((مح)): فيه جواز ربط

стр. 2147

٣٩٦٥ – * وعن جبير بن مطعم، أن النبي ﷺ قال في أساري بدر: ((لو كان المطعم بن عدى حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له)). رواه البخاري. ٣٩٦٦ - وعن أنس: أن ثمإنين رجلاً من أهل مكة هبطوا علي رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين، يريدون غرة النبي ﷺ وأصحابه، فأخذهم سلماً، فاستحياهم. وفي رواية: فأعتقهم، فأنزل الله تعالي ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ رواه مسلم. ــ الأسير وحبسه وإدخال الكافر المسجد. وفيه إذا أراد الكافر الإسلام يبادر به ولا يؤخره للاغتسال، ولا يحل لأحد أن يأذن له في تأخيره، ومذهبنا أن اغتساله واجب، إن كان عليه جنابة في الشرك كان اغتسل منها أم لا. قال بعض أصحابنا: إن اغتسل قبل الإسلام أجزأه، وإن لم يكن عليه جنابة فالغسل مستحب. وقال أحمد وآخرون: يلزمه الغسل. وفي تكرير سؤاله ﷺ ثلاثة أيام تأليف لقلبه، والملاطفة لمن يرجى إسلامه من الأسارى الذين يتبعهم علي الإسلام كثير من الخلق والله أعلم. الحديث السادس عن جبير: قوله: ((المطعم بن عدي)): ((قض)): هو مطعم بن عدي بن نوفل ابن عبد مناف ابن عم جد رسول الله ﷺ ، وكان له يد عند رسول الله ﷺ إذا أجاره حين رجع من الطائف وذب المشركين عنه، فأحب أنه كان حياً فكافأه عليها بذلك. ويحتمل أنه قد أراد تطييب قلب ابنه جبير وتأليفه علي الإسلام. وفيه تعريض بالتعظيم لشأن الرسول ﷺ وتحقير حال هؤلاء الكفرة، من حيث أنه لا يبالي بهم ويتركهم لمشرك كانت له عنده يد. و ((نتني)) جمع نتن بالتحريك بمعنى منتن كهرمي وزمني، وإنما سماهم ((نتني)) إما لرجسهم الحاصل من كفرهم علي التمثيل؛ أو لأن المشاركة إليه أبدانهم وجيفهم الملقاة في قليب بدر. الحديث السابع عن أنس ﵁: قوله: ((غرة النبي)) ((مح)): أي غفلته. و ((سلما)) ضبطوه بوجهين: أحدهما بفتح السين واللام وبإسكان اللام مع كسر السين وفتحها. قال الحميدي: معناه الصلح، قال القاضي: هكذا ضبطه الأكثرون، قال: والرواية الأولي أظهر أي أسرهم. وجزم الخطابي علي فتح السين واللام، قال: والمراد به الاستسلام والإذعان، كقوله تعالي: ﴿وأَلْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي الانقياد، وهو مصدر يقع علي الواحد والاثنين والجمع. قال ابن الأثير: هذا هو الأشبه بالقضية؛ فإنهم لم يؤخذوا صلحاً وإنما أخذوا قهراً وأسلموا

стр. 2148

٣٩٦٧ - وعن قتادة، قال: ذكر لنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة، أن نبي الله ﷺ أمر يوم بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش، فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر علي قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته، فشد عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه، حتى قام علي شفة الركى، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: ((يا فلان بن فلان! ويا فلان بن ــ أنفسهم عجزاً، قال: وللوجه الآخر وجه وهو أنه لما لم يجر [معهم] قتال بل عجزوا عن دفعهم والنجاة منهم، فرضوا بالأسر كأنهم قد صولحوا علي ذلك. أقول: لما كان سلامة المسلمين من أولئك ومجازاتهم بالكف عنهم بعد ما أرادوا الغرة والفتك بهم من الأمور العظام، ولولا أن الله تعالي ألقى في قلوبهم الرأفة والرحمة بهم، وأن الله تعالي قهرهم وذبهم عنهم لم تحصل السلامة، أسند الفعلين إليه تعالي علي سبيل الحصر حيث قال: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم﴾ أي الكف إنما صدر منه تعالي لا منكم. ونظيره قوله تعالي: ﴿ومَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ وإنما فصل الآية بقوله: ﴿وكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ وعداً لهم بجزاء ما صدر منهم من العفو بعد الظفر جبراناً لما نفي عنهم بالكلية إثباتاً للكسب بعد نفي القدرة. الحديث الثامن عن قتادة: قوله: ((من صناديد)) ((نه)): صناديد قريش أشرافهم وعظماؤهم ورؤساؤهم، الواحد صنديد، وكل عظيم غالب صنديد. و ((الطوى)) في الأصل صفة فعيل بمعنى مفعول؛ ولذلك جمعوه علي الأطواء كشريف وأشراف، وإن كان قد انتقل إلي الاسمية. وقوله: ((خبيث مخبث)) أي فاسد مفسد لما يقع فيه. وفي الحديث: ((أعوذ بك من الرجس الخبيث المخبث)) الخبيث ذو الخبث في نفسه، والمخبث الذي أعوانه [خبث]. وقيل: هو الذي يعلمهم الخبث ويوقعهم فيه. ((تو)): فإن قيل: كيف التوفيق بين الطوى والقليب، والقليب البئر التي لم تطو؟ قلنا: يحتمل أن الراوي رواه بالمعنى ولم يدر أن بينهما فرقاً: ويحتمل أن الصحابي حسب أن البئر كانت مطوية وكانت قليباً. ويحتمل أن بعضهم ألقى في طوى، وبعضهم في قليب. أقول: إنهم قد يطلقون علي حقيقة مقيدة بقيد اسم الحقيقة التي هي غير مقيدة بها توسعاً في الكلام، فإن المرسن اسم لأنف فيه رسن، وقد يطلق علي أنف الإنسان، وكذا المشفر

стр. 2149

فلان! أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا؛ فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟)) فقال عمر: يا رسول الله! ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ قال النبي ﷺ : ((والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)). وفي رواية: ((ما أنتم بأسمع منهم، ولكن لا يجيبون)) متفق عليه. وزاد البخاري: قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخاً وتصغيراً ونقمة وحسرة وندماً. ــ والجحفلة اسم لشفة البعير والفرس، وقد يراد بهما شفة الإنسان، وعليه قوله تعالي في وجه: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾. و ((العرصة)) كل موضع واسع لا بناء فيه، و ((شفة الركي)) أي حافة البئر، وهو جنس الركية وجمعها ركايا. قوله: ((أيسركم أنكم)) ((مظ)): أي هل تتمنون أن تكونوا مسلمين بعد ما وصلتم إلي عذاب الله. أقول: ينبغي أن يفسر هذا بما يترتب عليه قوله: ((فإنا قد وجدنا))؛ لأنه كالتعليل له، فالمسرة هنا مستعارة لضدها من الحزن والكآبة تهكماً وسخرية، كما أن البشارة في قوله تعالي: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ مستعارة لضدها، وكالتحية في قول الشاعر: تحية بينهم ضرب وجيع ومقام الشماتة والحسرة والنقمة يقتضيه؛ وينصره قول قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخاً؛ فالمعنى أتحزنون وتتحسرون علي ما فاتكم من طاعة الله ورسوله أم لا؟ وتذكرون قولنا لكم: إن الله سيظهر دينه علي الدين كله، وينصر أولياءه ويخذل أعداءه، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً. قوله: ((ما تكلم)) ((مظ)): ((ما)) استفهامية، ويجوز أن تكو موصولة. أقول: علي الأول الاستفهام فيه معنى الإنكار، ومن في ((من أجساد)) زائدة؛ لأن في الاستفهام معنى النفي. وعلي الثاني ((ما)) مبتدأ و ((من)) بيان له، والخبر محذوف، أي الذين تكلمهم لا يسمعون كلامك، أو ((من)) زائدة علي مذهب الأخفش، وأجساد خبر له. قوله: ((ما أنتم بأسمع)) ((مح)) قال المازري: قيل: إن الميت يسمع عملا بظاهر هذا الحديث، وفيه نظر؛ لأنه خاص في حق هؤلاء، ورد عليه القاضي وقال: يحمل سماعهم علي ما يحمل عليه سماع الموتى في أحاديث عذاب القبر وفتنته التي لا مدفع لها. وذلك بإحيائهم أو إحياء جزء منهم يعقلون به ويسمعون في الوقت الذي يريده الله تعالي. قال الشيخ: هذا هو المختار.

стр. 2150

٣٩٦٨ - وعن مروان، والمسور بن مخرمة، أن رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يراد إليهم أموالهم، وسبيهم. فقال: ((فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي، وإما المال)). قالوا: فإنا نختار سبينا. فقام رسول الله ﷺ فأثنى علي الله بما هو أهله، ثم قال: ((أما بعد؛ فإن أخوانكم قد جاءوا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد أليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون علي حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل)) فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : ((إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم)). فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلي رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا. رواه البخاري. ٣٩٦٩ - وعن عمران بن حصين، قال: كان ثقيف حليفاً لبنى عقيل فأسرت ــ الحديث التاسع عن مروان: قوله: ((قام حين جاءه)) كذا في كتاب الحميدي وجامع الأصول وشرح السنة، وفي نسخ المصابيح: ((قال حين جاءه فقال)) والفاء في ((فاختاروا)) جزاء شرط محذوف أي إذا جئتم مسلمين فاختاروا. قوله: ((إما السبي وإما المال)) جعل المال طائفة إما علي المجاز أو علي التغليب. ((غب)): الطوف المشي حول الشيء، ومنه الطائف لمن يدور حول البيت ومنه استعير الطائف للخيال والحادثة وغيرها، والطائفة من الناس جماعة ومن الشيء القطعة منه. قوله: ((أن يطيب ذلك)) ((ذلك)) إشارة إلي ما رأي رسول الله ﷺ من الرأي وهو رد السبي. والمعنى من يطيب علي نفسه الرد حتى يعطيه الله أجره في الآجلة فليفعل، ومن لم يطب علي نفسه الرد وأراد أن يدوم علي [حظ] الآجلة فيترقب حتى نعطيه من الغنيمة فليفعل. وقوله: ((حتى يرفع إلينا)) الظاهر أن ((حتى)) هذه غير ((حتى)) السابقة لأن الأولي ما بعدها للمستقبل وهي بمعنى ((كي))، وهذه ما بعدها في معنى الحال فيكون مرفوعاً، كقولهم: شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه. ((مظ)): إنما استأذن رسول الله ﷺ الصحابة في رد سبيهم لأن أموالهم وسبيهم صار ملكاً للمجاهدين، ولا يجوز رد ما ملكوا إلا بإذنهم. الحديث العاشر عن عمران: قوله: ((عقيل)) ((تو)): علي صيغة المصغر قبيلة كانوا حلفاء

стр. 2151

ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلا من بني عقيل فأوثقوه فطرحوه في الحرة، فمر به رسول الله ﷺ ، فناداه: يا محمد يا محمد فيم أخذت؟ قال: ((بجريرة حلفائكم ثقيف)) فتركه ومضى، فناداه: يا محمد يا محمد فرحمه رسول الله ﷺ ، فرجع، فقال: ((ما شأنك؟)) قال: إني مسلم. فقال: ((لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح)) قال: ففداه رسول الله ﷺ بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف. رواه مسلم. الفصل الثاني ٣٩٧٠ - عن عائشة ﵂ قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة أدخلتها بها علي أبي العاص، فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة وقال: ((إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذي لها)) فقالوا: نعم. وكان النبي ﷺ ــ ثقيف. و ((الحرة)) أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كثيرة. ((نه)): والجريرة الجناية والذنب. وذلك أنه كان بين رسول الله ﷺ وبين ثقيف موادعة، فلما نقضوها ولم ينكر عليهم بنو عقيل وكانوا معهم في العهد صاروا مثلهم في نقض العهد، فأخذه بجريرتهم. وقيل: معناه أخذت لندفع بك جريرة حلفائك من ثقيف، ويدل عليه أنه فدى بعد بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف من المسلمين. قوله: ((وأنت تملك)) ((خط)): يريد أنك لو تكلمت بكلمة الإسلام طائعا راغبا قبل [الأسر] *، أفلحت في الدنيا بالخلاص من الرق وفي العقبى بالنجاة من النار. ((حس)): فيه دليل علي أن الكافر إذا وقع في الأسر فادعى أنه كان قد أسلم لا يقبل قوله إلا ببينة تقوم، وإذا أسلم بعد ما وقع في الأسر حرم قتله، وجاز استرقاقه، وإذا قبل الجزية بعد الأسر هل يحرم قتله؟ فيه خلاف. وفيه دليل علي جواز الفداء بعد الإسلام الذي بعد الأسر، وعلي أنه لا يجب إطلاقه. الفصل الثاني الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((رق لها)) أي تذكر غربتها ووحدتها وتذكر ﷺ عهد خديجة وصحبتها؛ فإن القلادة كانت لها، فلما زوجتها من أبي العاص أدخلت القلادة مع زينب عليه. وقوله: ((إن رأيتم)) المفعول الثاني ((لرأيتم)) وجواب الشرط محذوفان، أي إن

стр. 2152

أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب إليه، وبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار، فقال: ((كونا ببطن يأحج حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها)). رواه أحمد، وأبو داود. [٣٩٧٠] ٣٩٧١ - وعنها: أن رسول الله ﷺ لما أسر أهل بدر قتل عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، ومن علي أبي عزة الجمحي. رواه في ((شرح السنة)) والشافعي وابن إسحاق في ((السيرة)). [٣٩٧١] ٣٩٧٢ - وعن ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ لما أراد قتل عقبة بن أبي معيط، قال: من للصبية؟ قال: ((النار)). رواه أبو داود. [٣٩٧٢] ٣٩٧٣ - وعن علي ﵁ عن رسول الله ﷺ : ((أن جبريل هبط عليه ــ رأيتم الإطلاق والرد حسنا فأطلقوه. ((قض)): ((أخذ عليه)) يريد به العهد بتخليته سبيلها أن يرسلها إليه رسول الله ﷺ ، وزينب هذه ابنة رسول الله ﷺ من خديجة، وكانت تحت أبي العاص زوجها منه قبل المبعث. وبطن يأحج من بطون الأودية التي حول الحرم، والبطن المنخفض من الأرض. ((شف)): فيه دليل علي جواز المن علي الأسير من غير أخذ فداء، وعلي أن للإمام الأعظم أن يرسل اثنين فصاعدا من الرجال مع امرأة أجنبية في طريق عند الأمن من الفتنة. الحديث الثاني والثالث عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((من للصبية؟)) أي من يتصدى لكفالة أطفالي وأنت تقتل كافلهم. وقوله في جوابه: ((النار)) يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون النار عبارة عن الضياع يعني إن صلحت النار أن تكون كافلة فهي هي. وثإنيهما: أن الجواب من الأسلوب الحكيم أي لك النار، يعني اهتم بشأن نفسك وما هيء لك من النار، ودع أمر الصبية فإن كافلهم هو الله الذي ما من دابة في الأرض إلا عليه رزقها وهذا هو الوجه. الحديث الرابع عن علي ﵁: قوله: ((قابلا مثلهم)) أي في السنة القابلة الآتية، والمراد بها السنة التي وقعت فيها غزوة أحد وإنما اختاروا ذلك رغبة منهم في إسلام أسارى بدر، وفي نيلهم درجة الشهادة في السنة القابلة في مقابلة الكفار إياهم. ورقة منهم عليهم لقرابة بينهم. ((تو)): هذا الحديث مشكل جدا لمخالفته ما يدل [عليه] ظاهر التنزيل؛ ولما صح من الأحاديث في أمر أسارى بدر أن أخذ الفداء كان رأيا رأوه فعوتبوا عليه، ولو كان هناك تخيير

стр. 2153

فقال له: خيرهم – يعني أصحابك – في أسارى بدر: القتل والفداء علي أن يقتل منهم قابلا مثلهم)) قالوا: الفداء ويقتل منا. رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب. [٣٩٧٢] ــ بوحي سماوي لم تتوجه المعاتبة عليهم. وقد قال الله تعالي: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ولما أظهر لهم شأن العاقبة بقتل سبعين منهم بعد غزوة أحد عند نزول قوله سبحانه: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا﴾. وممن نقل عنه هذا التأويل من الصحابة علي ﵁ فلعل عليا ذكر هبوط جبريل في شأن نزول هذه الآية وبيانها، فاشتبه الأمر فيه علي بعض الرواة. وما جرأنا علي هذا التقدير سوى ما ذكرناه، وأن الحديث تفرد به يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن سفيان من بين أصحابه فلم يروه غيره، والسمع قد يخطئ، والنسيان كثيرا يطرأ علي الإنسان. ثم إن الحديث روى عنه متصلا وروى عن غيره مرسلا، وكان ذلك مما يمنع القول بظاهره. أقول وبالله التوفيق: لا منافاة بين الحديث والآية، وذلك أن التخيير في الحديث وارد علي سبيل الاختبار والامتحان، ولله أن يمتحن عباده بما شاء، امتحن الله تعالي أزواج النبي ﷺ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ الآيتين. وامتحن الناس بتعليم السحر في قوله تعالي: ﴿ومَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ امتحن الناس بالملكين وجعل المحنة في الكفر والإيمان، بأن يقبل العامل تعلم السحر فيكفر، ويؤمن بترك تعلمه، ولعل الله تعالي امتحن النبي ﷺ وأصحابه بين أمرين: القتل والفداء، وأنزل جبريل ﵇ بذلك هل هم يختارون ما فيه رشا الله تعالي من قتله أعداءه. أم يؤثرون الأعراض العاجلة من قبوله الفدية؟ فلما اختاروا الثاني عوتبوا بقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ ويعضده سبب النزول: روى مسلم والترمذي عن ابن عباس عن عمر ﵃ لما أسروا الأسارى يوم بدر قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر ﵄: ((ما ترون في هؤلاء الأسارى؟)) فقال أبو بكر: يا رسول الله، بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة علي الكفار. فعسى أن يهديهم الله إلي الإسلام. فقال ﷺ : ما ترى يا بن الخطاب؟ قلت: لا والله يا رسول الله! ما أرى الذي رأي أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده، فهوى رسول الله ﷺ ما قاله أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، فقلت: يا رسول الله! أخبرني من أي شيء تبكي

стр. 2154

٣٩٧٤ - وعن عطية القرظي، قال: كنت في سبي قريظة عرضنا علي النبي ﷺ ، فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكشفوا عانتي فوجدوها لم تنبت، فجعلوني في السبي. رواه أبو داود، وابن ماجة، والدارمي. [٣٩٧٤] ٣٩٧٥ - وعن علي ﵁ قال: خرج عبدان إلي رسول الله ﷺ – يعني يوم الحديبية قبل الصلح – فكتب إليه مواليهم قالوا: يا محمد والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هربا من الرق. فقال ناس: صدقوا يا رسول الله ردهم إليهم، فغضب رسول الله ﷺ وقال: ((ما أراكم تنتهون ما معشر قريش! حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم علي هذا)) وأبي أن يردهم وقال: ((هم عتقاء الله)) رواه أبو داود. [٣٩٧٥] ــ وصاحبك؟ فقال: ((أبكي للذي عرض علي من أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة)). وأنزل الله تعالي الآية. وأما قوله: ((ثم إن الحديث روى عنه متصلا وروى عن غيره مرسلا، وكان ذلك مما يمنع القول بظاهره)) ففيه بحث؛ فإن المرسل إذا اعتضد بضعيف متصل يحصل فيه نوع قوة فيدخل في جنس الحسن، فكيف يقال عند ذلك؟: ((وكان ذلك مما يمنع القول بظاهره)). وقول الترمذي: هذا حديث غريب لا يشعر بالطعن فيه؛ لأن الغريب قد يكون صحيحا. الحديث الخامس عن عطية: قوله: ((ومن لم ينبت لم يقتل)) ((تو)): إنما اعتبر الإنبات في حقهم لمكان الضرورة؛ إذ لو سئلوا عن الاحتلام أو عن مبلغ سنهم؛ لم يكونوا ليحدثوا بالصدق إذا رأوا فيه الهلاك. والسن إنما تتبع علي ما وجدت في موضعها ولا تصرف عن جهتها. الحديث السادس عن علي ﵁: قوله: ((عبدان)) بكسر العين وضمها. وبسكون الباء وبكسرها مع تشديد الدال جمع عبد، وقد روى في الحديث بالصيغتين الأوليين. وقوله: ((ما أراكم تنتهون)) فيه تهديد عظيم حيث نفي العلم بانتهائهم وأراد ملزومه وهو انتهاؤهم، كقوله تعالي: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ﴾ أي بما لا ثبوت له ولا علم الله متعلق به. وقوله: وقال: ((هم عتقاء الله)) عطف علي قوله: وقال ((ما أراكم)).

стр. 2155

الفصل الثالث ٣٩٧٦ - عن ابن عمر، قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلي بني جذيمة، فدعاهم إلي الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر، ودفع إلي كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر ــ وقوله: ((وأبي أن يردهم)) من قول الراوي معترض بينهما علي سبيل التاكيد. ((تو)): وإنما غضب رسول الله ﷺ لأنه عارضوا حكم الشرع فيهم بالظن والتخمين. وشهدوا لأوليائهم المشركين بما ادعوه أنهم خرجوا هربا من الرق لا رغبة في الإسلام، فكان حكم الشرع فيهم أنهم صاروا بخروجهم من دار الحرب مستعصمين بعروة الإسلام أحرارا، وكانت معاونتهم لأوليائهم تعاونا علي العدوان. ((خط)): في إن عبدا لأهل الحرب لو دخل دار الإسلام مسلما فهو حر، ولا يجوز رده إليهم, ولو أن العبد غلب علي سيده في دار الحرب ثم خرج به إلينا مسلمين، ويد العبد ثابتة علي السيد كان السيد مملوكا والمملوك مالكا، ولو خرج إلينا وفي يده عبد له فأسلما قبل أن نقدر عليهما، فالحكم السابق مقرر علي ما كان. الفصل الثالث الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((حتى إذا كان يوم)) معناه محذوف و ((كان)) تامة، أي دفع إلينا الأسير وأمرنا بحفظ إلي يوم يأمرنا بقتله، فلما وجد ذلك اليوم أمرنا بقتلهم. وكذا ((حتى)) في قوله: ((حتى قدمنا)) فإن التقدير: لا يقتل رجل من أصحابي أسيره، بل يحفظه حتى يقدم إلي رسول الله ﷺ فحفظنا حتى قدمنا. وقوله: ((إني أبرأ إليك)) ضمن ((أبرأ)) معنى أنهي فعداه بـ ((إلي)) أي أنهي إليك براءتي وعدم رضائي من فعل خالد، نحو قولك: أحمد إليك فلانا. ((خط)): إنما نقم رسول الله ﷺ من خالد موضع العجلة، وترك التثبت في أمرهم إلي أ، يستبين المراد من قولهم: صبأنا؛ لأن الصبأ معناه الخروج من دين إلي دين؛ وكذلك كان المشركون يدعون رسول الله ﷺ الصابئ، وذلك لمخالفته دين قومه، فقولهم: صبأنا صبأنا يحتمل أن يراد به خرجنا من ديننا إلي دين آخر غير الإسلام من يهودية أو نصرإنية أو غيرهما. فلما لم يكن هذا القول صريحا في الانتقال إلي دين الإسلام نفذ خالد فيهم القتل؛ إذ لم توجد شريطة حقن الدم بصريح الاسم. وقد يحتمل أنه ظن إنما عدلوا عن اسم الإسلام أنفة من الاستسلام والانقايد. أقول: ولعل الاحتمال الثاني أوجه؛ لأن صبأ كلام ذو وجهين؛ فإنه إذا نظر في اللغة لم

стр. 2156

خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره. فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدما علي النبي ﷺ فذكرناه، فرفع يديه، فقال: ((اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)) مرتين. رواه البخاري. (٦) باب الأمان الفصل الأول ٣٩٩٧ - عن أم هانئ بنت أبي طالب، قالت: ذهبت إلي رسول الله عام الفتح، فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوب، فسلمت، فقال: ((من هذه؟)) فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب. فقال: ((مرحبا بأم هانئ)). فلما فرغ من غسله، قام فصلي ثمإني ركعات ملتحفا في ثوب، ثم انصرف، فقلت: يا رسول الله زعم ابن أمي علي أنه قاتل رجلا أجرته فلان بن هبيرة. فقال رسول الله ﷺ : ((قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ!)) قالت أم هانئ: وذلك صحى. متفق عليه. وفي رواية للترمذي، قالت: أجرت رجلين من أحمائي فقال رسول الله ﷺ : ((قد أمنا من أمنت)) ــ يكن في ذم، وكان مراد القوم هذا، وإذا نظر إلي استعمالهم كان ذما، ولذلك سموا رسول الله ﷺ الصابئ، وثمامة لما قيل له: ((أصبوت))، استنكف وقال: ((لا ولكني أسلمت)) ولما كان هذا الوجه أظهر وأشهر حمل خالد عليه فبدا منه ما بدا. ومنه قوله تعالي: ﴿لا تَقُولُوا رَاعِنَا وقُولُوا انظُرْنَا﴾ فإن معنى ((راعنا)) راقبنا، وهي كلمة سريإنية أو عبرإنية، كانت اليهود يتسابون بها، فلما سمعوا من المسلمين اقترضوها وخاطبوا وقالوا: راعنا وعنوا به تلك المسبة. والله أعلم. باب الأمان الفصل الأول الحديث الأول عن أم هانئ: قوله: ((أجرت رجلين)) ((غب)): تصور من الجار معنى القرب، فقيل لمن يقرب من غيره جاره، ولما استعظم حق الجابر عقلا وشرعاً عبر عن كل من يعظم حقه، [ويستعظم] حق غيره بالجار، ويقال: استجرت فلاناً فأجارني.

стр. 2157

الفصل الثاني ٣٩٧٨ - عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: ((إن المرأة تأخذ للقوم)) يعني تجير علي المسلمين. رواه الترمذي. [٣٩٧٨] ٣٩٧٩ - وعن عمرو بن الحمق، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من أمن رجلاً علي نفسه فقتله؛ أعطى لواء الغدر يوم القيامة)). رواه في ((شرح السنة)). [٣٩٧٩] ٣٩٨٠ - وعن سليم بن عامر، قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد، أغار عليهم، فجاء رجل علي فرس أو برذون، وهو يقول: الله أكبر الله أكبر، وفاء لا غدر. فنظر فإذا هو عمرو بن عبسة، ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((يعني تجير علي المسلمين)) يقال: أجرت فلاناً علي فلان إذا [أغشته] منه ومنعته. وإنما فسره به لإبهامه؛ فإن مفعول قوله: ((لتأخذ)) محذوف، أي الأمان، والدال عليه قرائن الأحوال. الحديث الثاني عن عمرو: قوله: ((لواء الغدر)) استعارة ومجموع الكلام كناية عن فضيحته علي رءوس الأشهاد. الحديث الثالث عن سليم: قوله: ((علي فرس أو برذون)) المراد بالفرس هنا العربي، وبالبرذون التركي من الخيل. وقوله: ((وفاء لا غدر)) فيه اختصار وحذف لضيق المقام. أي ليكن منكم وفاء لا غدر، يعني بعيد من أهل الله وأمة محمد ﷺ ارتكاب الغدر؛ وللاستبعاد صدر الجملة بقوله: ((الله أكبر)) وكرره. ((حس)): وإنما كره عمرو بن عبسة ذلك؛ لأنه إذا هادنهم إلي مدة وهو مقيم في وطنه، فقد صارت مدة ميسرة بعد انقضاء المدة المضروبة، كالمشروط مع المدة في أن لا يغزوهم فيها. فإذا صار إليهم في أيام الهدنة كان إيقاعه قبل الوقت الذي يتوقعونه، فعد ذلك عمرو غدراً. وأما إن نقض أهل الهدنة، بأن ظهرت منهم خيانة، له أن يسير إليهم علي غفلة منهم.

стр. 2158

عهد، فلا يحلن عهداً ولا يشدنه، حتى يمضي أمده أو ينبذ إليهم علي سواء)) قال: فرجع معاوية بالناس. رواه الترمذي، وأبو داود. [٣٩٨٠] ٣٩٨١ - وعن أبي رافع، قال: بعثني قريش إلي رسول الله ﷺ ، فلما رأيت رسول الله ﷺ ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله! إني والله لا أرجع إليهم أبداً. قال: ((إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع فإن كان في نفسك ــ قوله: ((فلا يحلن عهداً ولا يشدنه)) هكذا بجملته عبارة عن عدم التغيير في العهد فلا يذهب إلي اعتبار معإني مفرداتها. قوله: ((علي سواء)) هو حال. ((خط)): أي يعلمهم أنه يريد أن يغزوهم وأن الصلح الذي كان بينهم قد ارتفع، فيكون الفريقان في علم ذلك علي السواء. الحديث الرابع عن أبي رافع: قوله: ((ألقي في قلبي الإسلام)) فيه أن إلقاء الإسلام لم يتخلف عن الرؤية، وأنشد في معناه: لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بداهته تنبئك عن خبره فدل علي فراسته ودهائه ونظره الصائب. وأن في رسول الله ﷺ سوى المعجزات ما لو نظر إليه الناظر الثابت النظر الفطن لآمن. وقوله: ((والله لا أرجع إليهم أبداً)) كناية عن تمكن الإسلام من قلبه؛ ولذلك أكده بالقسم وذيله بقوله: ((أبداً)) وإليه الإشارة بقوله: ((فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع)) كأنه أراد أن يظهر الإسلام بعد أخذه بمجامع قلبه، قيل له: لا تظهر لأنه متضمن لنقض العهد أو لضررك برجوعك إليهم. قوله: ((لا أخيس)) ((نه)): أي لا أنقضه. يقال: خاس بعهده إذا نقضه. وخاس بوعده إذا أخلفه. قوله: ((ولا أحبس البرد)) أي الرسل وهو جمع بريد. ((فا)): البريد في الأصل البغل وهي كلمة فارسية أي بريدة دم. وهو المحذوف الذنب لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب، فعربت وخففت. ثم سمى الرسول الذي يركب البريد باسمه، والمسافة التي بين السكتين بريداً. والسكة الموضع الذي كان يسكنه الفيوج المرتبون من رباط أو قبة أو بيت أو نحو ذلك. وبعد ما بين السكتين فرسخان، وكان يرتب في كل سكة بغال. أقول: المراد بالعهد هنا العادة الجارية المتعارفة بين الناس، من أن الرسل لا يتعرض لهم بمكروه، ويدل عليه قوله في الحديث الآتي بعده: ((أما والله لولا أن الرسل لا تقتل)) الحديث. ألا ترى كيف صدر الجملة بلفظة ((أما)) التي هي من طلائع القسم ثم عقبها به دلالة علي أن

стр. 2159

الذي في نفسك الآن فارجع)) قال: فذهبت ثم أتيت النبي ﷺ فأسلمت. رواه أبو داود. [٣٩٨١] ٣٩٨٢ - وعن نعيم بن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال لرجلين جاءا من عند مسيلمة: ((أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما)) رواه أحمد، وأبو داود. [٣٩٨٢] ٣٩٨٣ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال في خطبة: أوفوا بحلف الجاهلية، فإنه لا يزيده – يعني الإسلام – إلا شدة، ولا تحدثوا حلفاً في الإسلام)) رواه الترمذي من طريق ابن ذكوان عن عمرو وقال: حسن. [٣٩٨٣] وذكر حديث علي: ((المسلمون تتكافأ)) في ((كتاب القصاص)). ــ ارتكاب هذا الأمر من عظائم الأمور. فلا ينبغي أن يرتكب. وقوله: ((ولكن ارجع)) استدراك عن مقدر أي لا تقم هاهنا ولا تظهر الإسلام ((ولكن ارجع)) إلي آخره. الحديث الخامس عن نعيم: قوله: ((لولا أن الرسل لا تقتل)) ((تو)): وذلك لأنهم كما حملوا تبليغ الرسالة حملوا بتبليغ الجواب، فلزمهم القيام بكلا الأمرين فيصيرون برفض بعض ما لزمهم موسومين بسمة الغدر، وكان نبي الله ﷺ أبعد الناس عن ذلك، ثم إن في تردد الرسل المصلحة الكلية، ومهما جوز حبسهم أو التعرض لهم بمكروه، صار ذلك سبباً لانقطاع السبيل بين الفئتين المختلفتين. وفي ذلك من الفتنة والفساد ما لا يخفي علي ذي اللب موقعه. وقوله: ((لضربت أعناقكما)) إنما قال لهما ذلك؛ لأنهما قالا بحضرته: نشهد أن مسيلمة رسول الله. الحديث السادس عن عمرو: قوله: ((فإنه لا يزيده)) اسم ((إن)) ضمير الشأن وفاعل ((يزيده)) مضمر فسره بالإسلام. ((نه)): أصل الحلف المعاقدة علي التعاضد والتساعد والإنفاق. فما كان منه في الجاهلية علي الفتن والقتال بن القبائل، فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله ﷺ : ((لا حلف في الإسلام)) وما كان منه في الجاهلية علي نصرة المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما يجري مجراه، فذلك قال فيه ﷺ : ((أيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة)). قوله: ((ولا تحدثوا حلفاً في الإسلام)) والتنكير فيه يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون للجنس أي لا تحدثوا حلفاً ما. والآخر أن يكون للنوع.

стр. 2160

الفصل الثالث ٣٩٨٤ - عن ابن مسعود، قال: جاء ابن النواحة وابن أثال رسولا مسيلمة إلي النبي ﷺ ، فقال لهما: ((أتشهدان إني رسول الله؟)) فقالا: نشهد أن مسليمة رسول الله. فقال النبي ﷺ : ((آمنت بالله ورسوله، ولو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما)) قال عبد الله: فمضت السنة أن الرسول لا يقتل. رواه أحمد. [٣٩٨٤] (٧) باب قسمة الغنائم والغلول فيها القسم الأول ٣٩٨٥ - عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا، ذلك بأن الله رأي ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا)) متفق عليه. ــ ((مظ)): يعني إن كنتم حلفتم في الجاهلية بأن يعين بعضكم، بعضا، ويرث بعضكم من بعض، فإذا أسلمتم فأوفوا به؛ فإن الإسلام يحرضكم علي الوفاء به، ولكن لا تحدثوا مخالفة في الإسلام بأن يرث بعضكم من بعض. الفصل الثالث الحديث الأول عن ابن مسعود: قوله: ((قالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله)) جواب غير مطابق للسؤال ولا لنفس الأمر؛ لأن رسول الله ﷺ أراد بقوله: ((أتشهدان إني رسول الله)) إني قد ادعيت الرسالة وصدقتها بالمعجزة، فأقرا بذلك، فقولهما: ((نشهد أن مسيلمة)) رد لهذا المعنى كأنهما أنكرا أن الرسالة تثبت بالمعجزة. وكان جوابهما من الأسلوب الأحمق، وقول رسول الله ﷺ لهما بعد ذلك: ((آمنت بالله ورسوله)) إشارة إلي هذا المعنى حيث لم يقل: آمنت بالله وربي. بل قال: ((ورسوله)) أي لمن ادعى الرسالة، وأثبتها بالمعجزة كأننا من كان، وهو من الكلام المنصف. وكأنهم ترقبوا أن يشرك رسول الله ﷺ مسيلمة في الرسالة، فنفاه بقوله: ((ورسوله)) أي إنه ليس من معنى الرسالة في شيء، فيكون كلامه ﷺ من الأسلوب الحكيم. وقوله: ((فمضت السنة)) معناه جرت السنة علي العادة الجارية فجعلتها سنة. باب قسمة الغنائم والغلول فيها المغرب: الغنيمة ما نيل من أهل الشرك عنوة والحرب قائمة، وهو أعم من النفل، والفيء أعم من الغنيمة؛ لأنه اسم لكل ما صار للمسلمين من أموال الشرك. قال أبو بكر الرازي:

стр. 2161

٣٩٨٦ - وعن أبي قتادة، قال: خرجنا مع النبي ﷺ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين، فضربته من ورائه علي حبل عاتقه بالسيف، فقطعت الدرع، وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب، فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله، ثم رجعوا وجلس النبي ﷺ فقال: ((من قتل ــ الغنيمة فيء والجزية فيء ومال أهل الصلح فيء والخراج فيء؛ لأن ذلك كله مما أفاء الله علي المسلمين من المشكرين، وعند الفقهاء كل ما يحل أخذه من أموالهم فهو فيء. الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فلم تحل)) الفاء عاطفة علي كلام سابق لرسول الله ﷺ علي هذا، ولفظة ((قال)) للراوي يوضحه حديث أبي هريرة في الفصل الثالث، والمشار إليه بـ ((ذلك)) ما في الذهن يبينه الخبر. وهو استقرار حل يوجبه الضعف والعجز. ((مظ)): ((ذلك)) إشارة إلي تحليل الله الغنائم. الحديث الثاني عن أبي قتادة: قوله: ((جولة)) ((نه)): يقال: جال واجتال إذا ذهب وجاء، ومنه الجولان في الحرب، والجائل الزائل عن مكانه. ((تو)): أي الصحابي كره لهم لفظ الهزيمة فكنى عنها بالجولة. ولما كانت الجولة مما لا استقرار عليه. استعملها في الهزيمة؛ تنبيها علي أنهم لم يكونوا استقروا عليها. ((مح)): وإنما كانت الهزيمة من بعض الجيش، وأما رسول الله ﷺ وطائفة معه فلم يزالوا، والأحاديث الصحيحة في ذلك مشهورة. ولم يرو أحد قط أن رسول الله ﷺ انهزم في موطن من المواطن، بل ثبت فيها بإقدامه وثباته في جميع المواطن. وحبل العاتق ما بين العنق والكتف، وريح الموت استعارة من أثره أي وجدت منه شدة كشدة الموت. قوله: ((ما بال الناس؟)) يحتمل وجهين: أحدهما: ما بالهم منهزمين فكان جوابه: أمر الله، أي كان ذلك من قضاء الله وقدره. وثإنيهما: ما بال الناس؟ أي ما حال المسلمين بعد الإنهزام؟ فكان جوابه: أمر الله غالب - أي النصرة للمسلمين. ومعنى قوله: ((ثم رجعوا)) علي الأول: ثم رجع المسلمون بعد الهزيمة. وعلي الثاني: رجعوا بعد انهزام المشركين، وينصر الثاني قوله: وجلس النبي ﷺ .... إلي آخره. قوله: ((قتيلا)) أوقع القتل علي المقتول باعتبار مآله، كقوله تعالي: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾.

стр. 2162

قتيلا له عليه بينة فله سلبه)) فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال النبي ﷺ مثله، فقمت، فقال: ((ما لك يا أبا قتادة؟)) فأخبرته، فقال رجل: صدق، وسلبه عندي فأرضه مني. فقال أبو بكر: لا ها الله، إذا لا يعمد أسد من أسد الله يقاتل عن ــ ((نه)): السلب ما يأخذه احد الفارسين في الحرب من قرينه مما عليه ومعه من سلاح وثياب ودابة وغيرها، وهو فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض. ((مح)): اختلفوا فيه فقال مالك والأوزاعي والثوري وأحمد وغيرهم: يستحق القاتل السلب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك هذا القول أم لا. قالوا: وهذه فتوى من النبي ﷺ وإخبار عن حكم الشرع. وقال أبو حنيفة والشافعي ومن تابعهما: لا يستحق بمجرد القتل إلا أن يقول الأمير قبل القتال: من قتل قتيلا فله سلبه. وجعلوا هذا إطلاقا من النبي ﷺ وليس بفتوى منه ولا إخبار عام. وهذا الذي قالوه ضعيف؛ لأنه صريح في أن النبي ﷺ قاله بعد الفراغ من القتال. أقول: ويؤيده حديث عوف بن مالك في الفصل الثاني؛ لأنه مطلق والأصل عدم التقييد. قال الأوزاعي والشافعيون: لا يستحق السلب إلا في كل قتيل قتله قبل التحام الحرب. وفي قوله: ((عليه بينة)) دليل للشافعي والليث، أن السلب لا يعطى إلا لمن له بينة بأنه قتل ولا يقبل قوله. وقال مالك: يقبل لأن النبي ﷺ أعطاه بقول واحد ولم يحلفه. والجواب: أنه ﷺ علم أنه القاتل بطريق من الطرق. وقد صرح النبي ﷺ بالبينة فلا يكفي الواحد. واحتج بعضهم بأنه استحق بإقرار من هو في يده وهو ضعيف؛ لأن الإقرار إنما ينفع إذا كان المال منسوبا إلي من هو في يده. فينسب بإقراره وهنا منسوب إلي جميع الجيش. قوله: ((فأرضه مني)) ((من)) ابتدائية أي أرض أبا قتادة لأجلي ومن جهتي. وذلك إما بالهبة أو بأخذه شيئا يسيرا مني بدله. قوله: ((لا ها الله إذا)) ((مح)): في جميع روايات المحدثين في الصحيحين وغيرهما ((إذا)) بالألف قبل الذال، وأنكره الخطابي وأهل العربية. انتهي كلامه. قال النحويون: وقد يعوض عن واو القسم في ((والله) هاء التنبيه وهمزة الاستفهام فيجران الله كالواو. وقال المالكي: ليستا عوضا عنها وإن جر ما بعدهما بمقدر لم يلفظ به، كما ((أن)) نصب المضارع بعد الفاء ونحوه بمقدر. وفي ((ها الله)) لغات: أن يذكر بعد الهاء ألف وبعد همزة الوصل لأن لهمزة الله شأنا ليس لغيرها. بدليل يا الله بقطعها فيقال: ها الله، وأن يحذفا معا، فحذف الهمزة للوصل والألف للساكنين. وأن يحذف الهمزة؛ لأنها للوصل دون الألف نظرا إلي أنه جعل كجزء الله وأن تبقى الهمزة لما مر. وتحذف الألف نظرا إلي أن الهمزة محذوفة حكما. والدليل علي أنهما [عوضان] * عن حرف القسم امتناع اجتماعهما معه إذ يمتنع ((ها والله واو الله)) ووجوب الجر بعدهما، ولا يلزم من امتناع اجتماعهما مع الواو وكونهما عوضين، إذ

стр. 2163

الله ورسوله فيعطيك سلبه. فقال النبي ﷺ : ((صدق فأعطه)) فأعطإنيه، فابتعت به مخرفا في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام. متفق عليه. ــ يمتنع اجتماع أن الناصبة مع الفاء في جواب الأشياء الستة، وليست الفاء عوضا من حرف النصب، وإنما نشأ هذا الحكم الوهمي من أن العوض والمعوض عنه لا يصح اجتماعهما، فذهب الوهم إلي العكس الكلي وليس كذلك. ثم قال الخليل: ((ذا)) في ((لا ها الله ذا)) وفي ((ها لعمر الله ذا)) مقسم عليه، وأصله: والله للأمر هذا، فقدم ((ها)) وجعل عوضا عن الواو لكثرة القسم بالله. وقال الأخفش: هو من جملة القسم تكيد له كأنه قال: ذا قسمي لأمرين الأول: أنهم يذكرون المقسم عليه بعده نحو لاها الله ذا لقد كان كذا، وهذا يدل علي أنه من جملة القسم. الثاني: أنهم يأتون بالمقسم عليه منفيا، ولو كان ذا من المقسم عليه وهو مثبت لكان المقسم عليه إذا ذكر طائفة في الإثبات. قال الحاجبي: كلا القولين باطل، أما قول الخليل فلأن المقسم عليه علي ما قاله في هذا الكلام مثبت، وقد علم بالاستقراء أنه منفي؛ إذ لا نزاع في أن ((لا)) في ((لا ها الله)) للنفي. وأما قول الأخفش فلأنه أيضا قدره مثبتا، وأجاز حذفه بأسره، وهو خلاف الأصل وجعل ((ذا)) إشارة إلي القسم ولم يوجد له نظير في كلامهم. ثم قال: والمستقيم أن يجعل ذا مقسم عليه لا علي ما ذكره الخليل، بل علي معنى ((لا ها الله)) يكون الأمر، فيسلم من المحذورات المتقدمة. قال الدار الحديثي [استقراؤهما] * أقوى من استقرائه. ونص الزمخشري أن ((لا)) في ((لا ها الله)) زائدة للتوكيد، كقوله تعالي: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ كما قال الخليل والأخفش، وما ورد في هذا الحديث حمله بعض النحويين علي أنه غلط من بعض الرواة، إذ العرب لا تستعمل ((لا ها الله)) بدون ((ذا)) وإن سلم استعماله بدون ذا فليس هذا موضع ((إذن))؛ لأنه للجزاء. وهو ها هنا علي نقيضه ومقتضى الجزائية أن لا يذكر ((لا)). ويقال: إذا ((يعمد إلي أسد)) ليصح جوابا لطالب السلب، وليس بعامل فقالوا: الظاهر أن الحديث ((لا ها الله إذا لا تعمد)) فصحف ثم نقل كذلك، قال: الحديث صحيح، ولا يجب أن تلازم ذا ها القسم كما لا يجب أن تلازم ذا ها غيرها من حروفه. وتحقيق الجزائية (بإذن لا تعمد) أصح؛ إذ معناه إذا صدق أسد غيرك لا يعمد النبي ﷺ بإبطال حقه وإعطاء سلبه إياك. أقول: وفي شرح مسلم للشيخ محيي الدين عن أبي زيد ما يشعر بأن ((إذن)) زائدة، ونظيره في الزيادة قول الحماسي: إذا لقام بنصري. قال أبو البقاء: قيل: جواب لو لم تستبح. وقوله: ((لقام)) بدل منه. فيكون التقدير: والله لا يعمد إلي أسد، كقولك: والله إذن لا أفعل. والعجب من الذين يعتنون بشرح الحديث، كيف يرجحون نقل بعض الأدباء علي أولئك الجهابذة من المحدثين وينسبون الغلط والتصحيف إليهم. ولا أقول: عم أعدل وأتقن ونقلهم أوثق؛ إذ هو يقتضي المشاركة بينهم. ولله در الدار الحديثي حيث ذب عنهم بما هو الحق الصريح والصدق المحض.

стр. 2164

٣٩٨٧ - وعن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهما له وسهمين لفرسه. متفق عليه. ــ ((مح)): فيه دليل علي أن هذه اللفظة تكون يمينا. قال أصحابنا: إن نوى اليمين كانت يمينا وإلا فلا؛ لأنها ليست متعارفة في الأيمان. قوله: ((عن الله)) فيه وجهان: أحدهما أن تكون ((عن)) صلة، فيكون المعنى يصدر قتاله عن رضي الله ورسوله، أي بسببهما كقوله تعالي: ﴿ومَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ وقول الشاعر: وينهون عن أكل وعن شرب وثإنيهما: أن يكون حالا أي يقاتل ذابا عن دين الله أعداء الله ناصرا لأولياء الله. ((مح)): المعنى يقاتل لنصرة دين الله وشريعة رسوله؛ لتكون كلمته هي العليا. وفيه دلالة ظاهرة علي فضل الصديق ﵁ ومكانته عند رسول الله ﷺ ؛ لإفتائه بحضرته صلوات الله عليه وتصديقه له وعلي منقبة أبي قتادة؛ فإنه سماه أسدا من أسد الله. والمخرف بفتح الميم والراء الوعاء الذي يجعل فيه ما يجتنى من الثمار. وقوله: ((تأثلته)) أي اقتنيته وتأصلته. الحديث الثالث عن ابن عمر ﵄: قوله: ((سهما له)) ((مظ)): اللام في قوله: ((سهما له)) لام التمليك. وفي ((لفرسه)) لام النسبة. ((حس)): لفنائه بفي الحرب و [لما] * يلزمه مونته إذا كان معلوما أن مؤنة الفرس متضاعفة علي مؤنة صاحبه. ((تو)): هذا الحديث صحيح لايرون خلافه. وإنما ترك أبو حنيفة العمل بهذا الحديث لا لرأيه بل لما يعارضه من حديث ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((للفارس سهمان وللراجل سهم)). وأبو حنيفة أخذ بهذا الحديث لحديث مجمع بن حارثة وهو مذكور في الحسان. ((مح)): اختلفوا فيه فقال ابن عباس ومجاهد والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز ومالك والأوزاعي والثوري والليث والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وابن جرير وآخرون: للفارس ثلاثة أسهم. وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان فقط، سهم له وسهم لها. ولم يقل بقوله هذا أحد إلا ما روى عن علي وأبي موسى ﵄. وحجة الجمهور هذا الحديث وهو صريح. وأما الحديث المذكور فيه: ((قسم من النفل للفارس سهمين وللرجل سهما)) هكذا في أكثر الروايات. وفي بعضها: ((للفرس سهمين وللراجل سهما)) بالألف وفي بعضها للفارس سهمين، والمراد بالنفل هنا الغنيمة لغة؛ فإن النفل في اللغة الزيادة والعطية والغنيمة عطية من الله تعالي، ومن روى للراجل بالألف فروايته محتملة، فيتعين حملها علي موافقة الأول جمعا بين الروايتين.

стр. 2165

٣٩٨٨ - وعن يزيد بن هرمز، قال: كتب نجدة الحروري إلي ابن عباس يسأله عن العبد والمرأة يحضران المغنم، هل يقسم لهما؟ فقال ليزيد: اكتب إليه أنه ليس لهما سهم، إلا أن يحذيا. وفي رواية: كتب إليه ابن عباس: إنك كتبت إلي تسألني: هل كان رسول اله ﷺ يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهم بسهم؟ فقد كان يغزو بهن يداوين المرضي ويحذين من الغنيمة، وأما السهم فلم يضرب لهن بسهم. رواه مسلم. ٣٩٨٩ - وعن سلمة بن الأكوع، قال: بعث رسول الله ﷺ بظهره مع رباح غلام رسول الله ﷺ وأنا معه، فما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار علي ظهر رسول الله ﷺ ، فقمت علي أكمة، فاستقبلت المدينة فناديت ثلاثا: يا صباحاه ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل. وارتجز وأقول: ــ أقول: يريد أنه لما تعارض الروايتان في هذا الحديث أعني فارس وفرس وراجل ورجل، فينبغي أن ترجح إحدى الروايتين علي الأخرى فرجحنا الأولي لحديث ابن عمر [علي] * أن رواية إحدى الروايتين أكثر من الأخرى. وإن تأول الأخرى بأن المراد بالسهم النصيب علي الإجمال، أي للفارس نصيبان، نصيب له ونصيب لفرسه فيكون البين الرواية الأخرى، وحديث ابن عمر يبينه الحديث الذي يتلوه في حديث ابن الأكوع: ((أعطإني ﷺ سهمين)) إذ لم يرد به المساواة؛ لقوله: ((سهم للفارس وسهم للراجل)). وأما حديث مجمع فعليه كلام سيجيء. الحديث الرابع عن يزيد: قوله: ((اكتب إليه أنه)) أنه بالفتح ظاهر ويجوز الكسر علي الحكاية أي اكتب معنى هذا القول. وقوله: ((إنك كتبت)) الظاهر فيه الكسر، ويجوز الفتح علي المعنى أي اكتب معنى هذا القول. قوله: ((إلا أن يحذيا)) أي إلا أن يعطيا. ((نه)): في الحديث ((إن لم يحذك من عطره علقك من ريحه)) أي إن لم يعطك، يقال: أحذيته أحذية وهي الحذيا والحذية، وكذا قوله: ((يحذين من الغنيمة)) أي يعطين. ((حس)) العمل علي هذا عند أكثر أهل العلم أن العبيد والصبيان والنسوان إذا حضروا القتال يرضخ لهم ولا يسهم. الحديث الخامس عن سلمة: قوله: ((بظهره)) ((نه)): الظهر الإبل التي يحمل عليها ويركب، يقال: عند فلان ظهر أي إبل. و ((الأكمة)) هي الرابية. و ((يا صباحاه)) كلمة يقولها المستغيث وأصلها إذا صاحوا للغارة؛ لأنهم أكثر ما يغيرون عند الصباح، فكان المستغيث يقول: قد غشينا العدو، وقيل: هو نداء المقاتل عند الصباح يعني قد جاء وقت الصباح فتأهبوا للقتال.

стр. 2166

أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع فما زلت أرميهم، وأعقر بهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله ﷺ إلا خلفته وراء ظهري، ثم ابتعتهم أرميهم، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا، يستخفون، ولا يطرحون شيئا إلا جعلت عليه آراما من الحجارة، يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه، حتى رأيت فوارس رسول الله ﷺ ولحق أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ بعبد الرحمن فقلته قال رسول الله ﷺ : ((خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة)). قال: ثم أعطإني رسول الله ﷺ سهمين: سهم الفارس وسهم ــ قوله: ((اليوم يوم الرضع)) ((مح)): أي يوم هلاك اللئام من قولهم: لئيم راضع أي راضع اللؤم في بطن أمه. وقيل: لأنه يمص حلمة الشاء والناقة لئلا يسمع السؤال والضيفان صوت الحلاب فيقصدوه. وقيل: اليوم يعرف من أرضعته كريمة فأشجعته، أو لئيمة فأجبنته. وقيل: معناه اليوم يعرف من أرضعته الحرب من صغره وتدرب بها ويعرف غيره. قوله: ((وأعقر بهم)) ((نه)): أي اقتل مركوبهم، يقال: عقرت به إذا قتلت مركوبه وجعلته راجلا. أقول: يريد أنه كناية عن جعل الفارس راجلا؛ لأنه إذا أعقر دابته وهو عليها سقط منها، فيبقى راجلا والباء في ((بها)) مثلها في قول الشاعر: تدوس بنا الجماجم والتريبا قوله: ((من ظهر رسول الله ﷺ ) بيان قوله: ((من بعير)) و ((من)) فيه زائدة تفخيما لشأنها؛ ولذلك قال: ((خلق الله)) كأنه أخذته العزة والحمية علي أن يغير أولئك اللئام أمثال هذه الشرائف، ألا ترى كيف ارتجز بقوله: ((اليوم يوم الرضع)) وكرر اليوم في الخبر أي يوم له شأن. يوم يظهر لمن أرضعته الحرب شجاعنه. قوله: ((آراما)) ((نه)): الآرام الأعلام وهي الحجارة تجمع وتنصب في المفازة يهتدى بها، واحدها إرم كعنب، وكان من عادة الجاهلية إذا وجدوا شيئا في طريقهم لا يمكنهم استصحابه، تركوا عليه حجارة يعرفونه بها حتى إذا عادوا أخذوه. قوله: ((سهم الفارس وسهم الراجل)) ((نه)): يشبه أن يكون إنما أعطاه من الغنيمة سهم الراجل فحسب؛ لأن سلمة كان راجلا في ذلك اليوم وأعطاه الزيادة نفلا لما كان من حسن بلائه. ((مح)): فيه فضيلة الشجاعة ومنقبة لسلمة وأبي قتادة، وجواز الثناء علي من فعل جميلا،

стр. 2167

الراجل فجمعهما إلي جميعا، ثم أردفني رسول الله ﷺ وراءه علي العضباء راجعين إلي المدينة. رواه مسلم. ٣٩٩٠ - وعن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسمة عامة الجيش. متفق عليه. ٣٩٩١ - وعنه، قال: نفلنا رسول الله ﷺ نفلا سوى نصيبنا من الخمس، فأصابني شارف، والشارف: المسن الكبير. متفق عليه. ٣٩٩٢ - وعنه، قال: ذهبت فرس له فأخذها العدو، فظهر عليهم المسلمون فرد عليه في زمن رسول الله ﷺ . وفي رواية: أبق عبد له، فلحق بالروم، فظهر عليهم المسلمون، فرد عليه خالد بن الوليد بعد النبي ﷺ . رواه البخاري. ٣٩٩٣ - وعن جبير بن مطعم، قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلي النبي ﷺ ، فقلنا: أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا، ونحن يمنزلة واحدة منك؟! فقال: إنما بنو هاشم وبنو المطلب واحد)). قال جبير: ولم يقسم النبي ﷺ لبني عبد شمس وبني نوفل شيئا رواه البخاري. ــ واستحقاق ذلك إذا ترتب عليه مصلحة، وجواز عقر خيل العدو في القتال، واستحباب الرجز في الحرب، وجواز القول بإني أنا ابن فلان بن فلان، وجواز المبارزة بغير إذن الإمام، وحب الشهادة والحرص عليها، وإلقاء النفس في غمرات الموت. الحديث السادس والسابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((نفلا سوى نصيبنا)) ((حس)): النفل اسم لزيادة يعطيها الإمام بعض الجيش علي القدر المستحق، ومنه سميت النافلة لما زاد علي الفرائض من الصلوات. وقد اختلفوا في إعطاء النفل وفي أنه من أين يعطى. وتمام تحريره مذكور في شرح السنة. الحديث الثامن عن ابن عمر: قوله: ((ذهبت فرس له)) ((حس)): فيه دليل علي أن الكفار إذا أحرزوا أموال المسلمين واستولوا عليها لا يتملكونها. وإذا استنقذها المسلومن من أيديهم ترد إلي ملاكها. وهو قول الشافعي سواء كان قبل القسمة أو بعدها خلافا لجماعة إذا كان بعد القسمة. الحديث التاسع عن جبير: قوله: ((ونحن بمنزلة واحدة)) أي من كوننا بني عبد مناف، وذلك أن هاشما والمطلب ونوفلا وعبد شمس هم أبناء مناف، وجبير من بني نوفل

стр. 2168

٣٩٩٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيما قرية أتيتموها وأقمتم فيها، فسهمكم فيها. وأيما قرية عصت الله ورسوله؛ فإن خمسها لله ولرسوله، ثم هي لكم)) رواه مسلم. ٣٩٩٥ - وعن خولة الأنصارية، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن رجالا يختوضون من مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة)). رواه البخاري. ــ وعثمان من بني عبد شمس. ورسول الله ﷺ من بني هاشم، وقوله ﷺ في الجواب: ((إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد)) معناه ما ذكر في شرح السنة: أراد الحلف الذي كان بين بني هاشم وبني المطلب في الجاهلية. وذلك أن قريشا وبني كنانة حالفت علي بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ وفي غير هذه الرواية ((إنا لم نفترق في جاهلية ولا في الإسلام)) وكان يحيى بن معين يرويه: ((سي واحد)) – بالسين المهملة ٠ أي مثل سواء يقال: هذا سي، أي مثله ونظيره. الحديث العاشر عن بي هريرة ﵁: قوله: ((أيما قرية أتيتموها)) ((مح)): قال القاضي: يحتمل أن يكون المراد بالاولي الفيء الذي لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، بل جلا عنه أهله وصالحوا عليه، فيكون سهمهم فيها، أي حقهم من العطاء كما يصرف الفيء. ويكون المراد بالثانية ما أخذ عنوة فيكون غنيمة يخرج منه الخمس ولا خمس في الفيء بهذا الحديث، وقد أوجب الشافعي الخمس في الفيء كما أوجبوه كلهم في الغنيمة. وقال جميع العلماء سواه: لا خمس إلا في الفيء. ((شف)): أي كل قرية غزوتموها واستوليتم عليها ولم أكن أنا فيكم، وقسمتم الغنائم بأنفسكم فسهمكم في تلك الغنائم. ((وأيما قرية عصت الله ورسوله)) أي وأنا قد حضرت قتالها بنفسي فأنا أخمس الغنائم وأقسم عليكم بنفسي. أقول: ثم في قوله: ((ثم هي لكم)) للتراخي في الإخبار. والضمير في ((فإن خمسها)) للقرية والمراد هي وما فيها وكذلك ((هي)) راجعة إلي القرية، أي القرية وما فيها بعد إخراج الخمس لكم، وكنى عن مقاتلتهم بقوله: ((عصت الله ورسوله)) تعظيما لشأن المخاطبين، وأنهم إنما يقاتلون في الله ويجاهدون في الله فمن قاتله فقد عصى الله ورسوله. الحديث الحادي عشر والثاني عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فذكر الغلول)) ((مح)): قال أبو عبيد: هو الخيانة في الغنيو خاصة. وقال غيره: هو أعلم ((وعظم أمره)) عطف علي قوله: ((فعظمه)) علي طريقة أعجبني زيد وكرمه أي كرم زيد. وقوله تعالي: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يخادعون الذين آمنوا بالله. وقوله: ((فعظمه)) عطف علي ((فذكر الغلول))

стр. 2169

٣٩٩٦ - وعن أبي هريرة، قال: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم، فذكر الغلول، فعظمه وعظم أمره، ثما قال: ((لا ألفين أحدكم يجيء سوم القيامة علي رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله أغثني فأقول: ((لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة علي رقبته فرس له حمحمة، فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة علي رقبته شاة لها ثغاء، يقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة علي رقبته نفس لها صياح، فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة علي رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة علي رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك)). متفق عليه. وهذا لفظ مسلم، وهو أتم. ٣٩٩٧ - وعنه، قال: أهدى رجل لرسول الله ﷺ غلاما يقال له: مدعم فبينما مدعم يحط رحلا لرسول الله ﷺ إذ أصابه سهم عائر فقتله، فقال الناس: هنيئا له ــ علي هذا المنوال. ((ولا ألفين أحدكم)) كقوله: لا أرينك ها هنا، نهي نفسه عن أن يجدهم علي هذه الحالة، والمراد نهيهم عن ذلك، وهو أبلغ. وقوله: ((يجيء)) حال من ((أحدكم)) ((وعلي رقبته)) من الضمير في ((يجيء))، و ((بعير)) فاعل الظرف لاعتماده أي هذه حالة فظيعة شنيعة لا ينبغي لي أن أراكم عليها لفضيحتكم علي رءوس الأشهاد، ويدل علي هذا التأويل حديث عبادة بن الصامت في الفصل الثاني من قوله: ((فإنه عار علي أهله يوم القيامة)). قوله: ((رغاء)) ((نه)): الرغاء صوت الإبل يقال: رغا يرغو رغاء. والحمحمة صوت الفرس دون الصهيل، والصامت الذهب والفضة خلاف الناطق. قوله: ((نفس لها صياح)) ((تو)): يريد بالنفس المملوك الذي يكون قد غله من السبي، وأراد بالرقاع الثياب يغلها من الغنيمة، و ((تخفق)) أي يضطرب اضطراب الراية. قوله: ((وهو أتم)) أي لفظ مسلم أتم تفصيلا من لفظ البخاري. الحديث الثالث عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((سهم عائر)) ((حس)): هو الجائز عن قصده ومنه عار الفرس إذا ذهب علي وجهه كأنه منقلب. والشملة كساء يشتمل به الرجل ويجمع علي الشمال. قوله: ((إن الشملة)) إلي آخره جوابا عن قولهم: ((هنيئا له الجنة)) مشعر

стр. 2170

الجنة فقال رسول الله ﷺ : ((كلا، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم؛ لتشتغل عليه نارا)). فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلي النبي ﷺ فقال: ((شراك من نار أو شراكان من نار)). متفق عليه. ٣٩٩٨ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: كان علي ثقل النبي ﷺ رجل يقال له كركرة، فمات، فقال رسول الله ﷺ : ((هو في النار)) فذهبوا ينظرون فوجدوا عباءة قد غلها. رواه البخاري. ٣٩٩٩ - وعن ابن عمر، قال: كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه. رواه البخاري. ــ بأنهم قطعوا علي أنه الآن في الجنة يتنعم فيها، وأدخل ((كلا)) ليكون ردعا لحكمهم وإثباتا لما يعده، وينصره الرواية الأخرى، ((إني رأيته في النار)). وقوله: ((نارا)) تمييز وفيه مبالغة أي الشملة اشتعلت وصارت بجملتها نارا، كقوله تعالي: ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾. قوله: ((شراكين من نار)) ((نه)): الشراك أحد سيور النعل التي تكون علي وجهها. ((مح)): فيه تنبيه علي المعاقية بهما، إما بنفسهما أي يغلي بهما وهما من نار أو هما سببان لعذاب النار. وفيه غلظ تحريم الغلول، وأنه لا فرق بين قليله وكثيره في التحريم حتى الشراك، وأن الغلول يمنع من إطلاق اسم الشهادة علي من غل، وجواز الحلف بالله من غير ضرورة، وأن من رد شيئا مما غل يقبل منه ولا يحرق متاعه. وأما حديث: ((من غل فأحرقوا متاعه)) فضعيف بين ابن عبد البر وغيره ضعفه، قال الطحاوي: لو كان صحيحا لكان منسوخا. الحديث الرابع عشر عن عبد الله: قوله: ((علي ثقل النبي ﷺ ) ((فا)): هو بالتحريك المتاع المحمول علي الدابة، في الغريبين: العرب تقول: لكل خطير نفيس ثقل. قوله: ((كركرة)) ((مح)): هو بفتح الكاف الأولي وكسرها والثانية مكسورة فيهما. قوله: ((فذهبوا)) الفاء عاطفة علي محذوف، أي سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ وحققوا أن سبب وروده النار هو الغلول، مع كونه علي ثقله فذهبوا ينظرون. قوله: ((عباءة)) الجوهري: العباء والعباءة ضرب من الأكسية والجمع العباءات. الحديث الخامس عشر عن عبد الله: قوله: ((ولا نرفعه)) يحتمل أن يريد أنا لا نرفعه إلي رسول الله ﷺ ونستأذنه في أكله؛ لما سبق منه الإذن، وأن يريد نأكله ولا ندخره. الحديث السادس عشر عن عبد الله بن مغفل: قوله: ((من شحم)) ((من)) بيان وهو صفة

стр. 2171

٤٠٠٠ - وعن عبد الله بن مغفل قال: أصبت جرابا من شحم يوم خيبر، فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا، فالتفت فإذا رسول الله ﷺ يبتسم الي. متفق عليه. وذكر حديث أبي هريرة ((ما أعطيكم)) في باب ((رزق الولاة)). الفصل الثاني ٤٠٠١ - عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: ((إن الله فضلني علي الأنبياء – أو قال: فضل أمتي علي الأمم – وأحل لنا الغنائم)) رواه الترمذي. [٤٠٠١] ــ ((جرابا)) أي جرابا مملوءا من شحم. وفي قوله: ((اليوم)) إشعار بأنه كان مضطرا إليه وبلغ الاضطرار إلي أن يستأثر نفسه علي الغير، ولم يكن ممن قيل فيه: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلي أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ومن ثم تبسم رسول الله ﷺ . ((مح)): فيه إباحة أكل الطعام في دار الحرب. قال القاضي عياض: أجمع العلماء علي جواز أكل طعام الحربيين ما دام المسلمون في دار الحرب علي قدر حاجتهم، ولم يشترط أحد من العلماء استئذان الإمام إلا الزهري، وجمهورهم علي أنه لا يجوز أن يخرج معه منه شيئا إلي عمارة دار الإسلام، فإنه أخرجه لزمه رده إلي المغنم، وعلي أنه لا يجوز أنه لا يجوز بيع شيء منه في دار الحرب، ويجوز أن يركب دوابهم ويلبس ثيابهم ويستعمل سلاحهم في حال الحرب بغير الاستئذان، وشرطه الأوزاعي. وفيه دليل علي جواز أكل شحوم ذبائح اليهود وإن كانت محرمة عليهم. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي أمامة: قوله: ((وأحل لنا الغنائم)) عطف ((أحل)) علي ((فضل)) علي طريقة الحصول والوجود، وفوض ترتيب الثاني علي الأول إلي ذهن السامع، كما في قوله تعالي: ﴿ولَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ عِلْمًا وقَالا الحَمْدُ لِلَّهِ﴾. وفي ((لنا)) علي التقديرين تعظيم، أما علي الأول فظاهر؛ لأن العدول إلي ضمير الجمع مشعر بالتعظيم، وعلي الثاني فإنه ﷺ أدخل نفسه الزكية في غمار الأمة، وفي هذا الحديث وفي الحديث الأول من الباب وهو قوله: ((ذلك بأن الله رأي ضعفنا وعجزنا)) أن الفضيلة عند الله تعالي هي إظهار الضعف والعجز بين يدي الله تعالي.

стр. 2172

٤٤٠٢ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ يومئذ – يعني يوم حنين -: ((من قتل كافرا فله سلبه)). فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا، وأخذ أسلابهم. رواه الدارمي. [٤٠٠٢] ٤٠٠٣ - وعن عوق بن مالك الأشجعي، وخالد بن الوليد: أن رسول الله ﷺ قضى في السلب للقاتل. ولم يخمس السلب. رواه أبو داود. [٤٠٠٣] ٤٠٠٤ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: نفلني رسول الله ﷺ يوم بدر سيف أبي جهل، وكان قتله. رواه أبو داود. [٤٠٠٤] ٤٠٠٥ - وعن عمير مولي آبي اللحم، قال: شهدت خيبر مع سادتي، فكلموا في رسول الله ﷺ ، وكلموه إني مملوك فأمرني فقلدت سيفا، فإذا أنا أجره، فأمر لي بشيء من خرثي المتاع، وعرضت عليه رقية كنت أرقي بها المجإنين، فأمرني بطرح بعضها وحبس بعضها. رواه الترمذي، وأبو داود إلا أن روايته انتهت عند قوله: المتاع. [٤٠٠٥] ٤٠٠٦ - وعن مجمع بن جارية، قال: قسمت خيبر علي أهل الحديبية، فقسمها رسول الله ﷺ ثمإنية عشر سهما، وكان الجيش ألفا وخمسمائة، فيهم ثلثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، والراجل سهما. رواه أبو داود. وقال: حديث ابن ــ الحديث الثاني والثالث عن عوف: قوله: ((ولم يخمس السلب)) تكلم الشيخ التوربشتى فيه وأطال، وقد سبق بيان الاختلاف فيه بين العلماء في حديث أبي قتادة في الفصل الأول. الحديث الرابع عن عبد الله بن مسعود: قوله: ((نفلني)) يجيء بحثه في الفصل الثالث. الحديث الخامس عن عمير: قوله: ((وكلموه)) عطف علي قوله: ((فكلموا في)) أي كلموا في حقي وشإني أولا بما هو مدح لي، ثم أتبعوه بقولهم: إني مملوك. وقوله: ((حرثى المتاع)) هو أثاث البيت وأسقاطه، وإنما رضخه بهذا؛ لأنه كان مملوكا. الحديث السادس عن مجمع: قوله: ((فأعطى الفارس سهمين)) ((قض)): هذا الحديث مشعر بأنه قسمها ثمإنية عشر سهما، فأعطى ستة أسهم منها الفرسان علي أن يكون لكل مائة منهم سهمان، وأعطى الباقي وهو اثنا عشر سهما للرجالة، وهم كانوا ألفا ومائتين، فيكون لكل مائة سهم فيكون للراجل سهم وللفارس سهمان. وإليه ذهب أبو حنيفة ولم يساعده في ذلك أحد من مشاهير الأئمة حتى القاضي أبو يوسف ومحمد، لأنه صح عن ابن عمر أنه ﷺ أسهم للرجل

стр. 2173

عمر أصح فالعمل عليه، وأتى الوهم في حديث مجمع أنه قال: إنه قال: ثلثمائة فارس، وإنما كانوا مائتي فارس. [٤٠٠٦] ٤٠٠٧ - وعن حبيب بن مسلمة الفهري، قال شهدت النبي ﷺ نفل الربع في البدأة، والثلث في الرجعة رواه أبو داود. [٤٠٠٧] ٤٠٠٨ - وعنه، أن رسول الله ﷺ كان ينفل الربع بعد الخمس، والثلث بعد الخمس إذا قفل. رواه أبو داود. [٤٠٠٨] ــ ولفرسه ثلاثة أسهم، سهما له وسهمين لفرسه؛ فإنه حديث متفق علي صحته مصرح بأنه أسهم للفارس ثلاثة أسهم. وليس في هذا الحديث ما يدل صريحا بل ظاهرا علي أن للفارس سهمين؛ فإن ما ذكرناه شيء يقتضيه الحساب والتخمين، مع أن أبا داود السجستإني هو الذي أورده في كتابه وأثبته في ديوانه، وهو قال: وهذا وهم، وإنما كانوا مائتي فارس، فعلي هذا يكون مجموع الغانمين ألفا وأربعمائة نفر. ويؤيد ذلك قوله: ((قسمت خيبر علي أهل الحديبية)) وهم كانوا ألفا وأربعمائة. علي ما صح عن جابر والبراء بن عازب وسلمة بن الأكوع وغيرهم، فيكون للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم علي ما يقتضيه الحساب. وأما ما روي عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن نافع عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((للفرس سهمان وللراجل سهم)) فلا يعارض ما رويناه، فإنه يرويه أخوه عبيد الله بن عمر بن حفص عن نافع عن ابن عمر، وهو أحفظ وأثبت باتفاق أهل الحديث كلهم؛ ولذلك أثبته الشيخان في جامعيهما، ورويا عنه ولم يلتفتا إلي رواية عبد الله. الحديث السابع والثامن عن حبيب: قوله: ((ينفل الربع)) ((قض)): النفل اسم لزيادة يخص بها الإمام بعض الجيش علي ما يعإنيه من المشقة لمزيد سعي واقتحام خطر، والتنفيل إعطاء النفل، وكان رسول الله ﷺ ينفل الربع أي في البدأة كما صرح به في حديثه الآخر وهي ابتداء سفر الغزو، وكان إذا نهضت سرية من جملة العسكر، وابتدروا إلي العدو وأوقعوا بطائفة منهم، فما غنموا كان يعطيهم منها الربع ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه، وكان ينفل الثلث في الرجعة، وهي قفول الجيش من الغزو، فإذا قفلوا ورجعت طائفة منهم، فأوقعوا بالعدو مرة ثإنية، كان يعطيهم مما غنموا الثلث؛ لأن نهوضهم بعد القفل أشق، والخطر فيه أعظم. وحكى عن مالك أنه كان يكره التنفيل. وقوله: ((بعد الخمس)) يدل علي أنه يعطى من الأخماس الأربعة التي هي للغانمين. وإليه

стр. 2174

٤٠٠٩ - وعن أبي الجويرية الجرمي، قال: أصبت بأرض الروم جرة حمراء، فيها دنإنير في إمرة معاوية، وعلينا رجل من أصحاب رسول الله ﷺ من بني سليم، يقال له: معن بن يزيد، فأتيته بها، فقسمها بين المسلمين وأعطإني منها مثلما أعطى رجلا منهم، ثم قال: لولا إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا نفل إلا بعد الخمس) لأعطيتك. رواه أبو داود. [٤٠٠٩] ٤٠١٠ - وعن أبي موسى الأشعري، قال: قدمنا فوافقنا رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر، فأسهم لنا – أو قال: فأعطانا منها – وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا، إلا لمن شهد معه، إلا أصحاب سفينتنا جعفرا وأصحابه، أسهم لهم معهم. رواه أبو داود. [٤٠١٠] ــ ذهب أحمد وإسحاق. وقال سعيد بن المسيب والشافعي وأبو عبيد: إنما يعطي النفل من خمس الخمس سهم النبي ﷺ ، وقالوا: كان النبي ﷺ يعطيهم من ذلك. وعلي هذا فقوله: (الخمس)) وهم من الراوي أو زيادة من بعض الرواة، ويؤيد ذلك عدمها في حديثه الآخر المساوي له في المعنى. وقال أبو ثور: يعطي النفل من أصل الغنيمة كالسلب. الحديث التاسع عن أبي الجويرية: قوله: ((لا نفل إلا بعد الخمس)) ((قض)): ظاهر هذا الكلام يدل علي أنه لم ينفل أبا الجويرية من الدنإنير التي وجدها، لسماعه قوله ﷺ : ((لا نفل إلا بعد الخمس)) وأنه المانع لتنفيله، ووجهه أن ذلك يدل علي أن النفل إنما يكون من الأخماس الأربعة التي هي للغانمين كما دل عليه الحديث السابق. ولعل التي وجدها كانت من عداد الفيء فلذلك لم يعط النفل منه. الحديث العاشر عن أبي موسى: قوله: ((حين افتتح خيبر)) تنازع فيه الفعلان السابقان عليه، وأصحاب السفينة جعفر بن أبي طالب مع جماعة من أصحاب النبي ﷺ ، هاجروا من مكة إلي الحبشة، فلما هاجر ﷺ من مكة إلي المدينة وقوي دينه، فلما سمع جعفر ومن معه بذلك، هاجروا من الحبشة إلي المدينة، وكانوا راكبين في سفينة، فلما وافق قدومهم فتح خيبر، فرح رسول الله ﷺ بقدومهم وأعطاهم من غنيمة خيبر سهامهم. قوله: ((إلا لمن شهد معه)) استثناء منقطع للتأكيد و ((إلا أصحاب سفينتنا)) استثناء متصل من قوله: ((لأحد))، ووهم بعضهم وزعم أن المراد بمن شهد معه أصحاب الحديبية، فيكون الاستثناء متصلا وليس بذلك؛ لأن من حضر فتح خيبر هم أصحاب الحديبية لا غير. ((قض)): وإنما أسهم لهم لأنهم وردوا عليه قبل حيازة الغنيمة؛ ولذلك قال الشافعي في أحد

стр. 2175

٤٠١١ - وعن يزيد بن خالد: أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ توفي يوم خيبر، فذكروا لرسول الله ﷺ ، فقال: ((صلوا علي صاحبكم)) فتغيرت وجوه الناس لذلك. فقال: ((إن صاحبكم غل في سبيل الله)) ففتشنا متاعة فوجدنا خرزا من خرز يهود لا يساوي درهمين. رواه مالك، وأبو داود، والنسائي. [٤٠١١] ٤٠١٢ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصاب غنيمة، أمر بلالا فنادى في الناس، فيجيئون بغنائمهم، فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل يوما بعد ذلك بزمام من شعر، فقال: يا رسول الله! هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة. قال: ((أسمعت بلالا نادى ثلاثا؟) قال: نعم قال: ((فما منعك أن تجيء به؟)) فاعتذر. قال: ((كن أنت تجيء به يوم القيامة، فلن أقبله عنك)). رواه أبو داود. [٤٠١٢] ــ قوليه: من حضر بعد انقضاء القتال وقبل حيازة الغنيمة شارك فيها الغانمين، ومن لم ير ذلك حمله إلي أنه أسهم لهم بعد استئذان أهل الحديبية ورضاهم. أقول: هذا التأويل أظهر مما ذهب إليه من أنه إنما أعطاهم ﷺ من الخمس الذي هو حقه دون حقوق من شهد الواقعة؛ لأن قوله: ((فأسهم)) يقتضي القسمة من نفس الغنيمة، وما يعطى من الخمس ليس بسهم، وأيضا الاستثناء في قوله: ((إلا أصحاب سفينتنا)) يقتضي إثبات القسمة لهم. والقسمة لا تكون من الخمس؛ ولأن سياق كلام أبي موسى وارد علي الافتخار والمباهاة. فيستدعي اختصاصهم بما ليس لأحد غيرهم. والرضخ * والخمس مشترك فيه اليتامى والمساكين وغيرهما فلا مزية لهم فيه. وإذا تقرر هذا ظهر أن قسمة خيبر زادت علي ثمإنية عشر سهما. وهذا وهم آخر في حديث مجمع عليه؛ فلا ينهض دليلا علي أن للفارس سهمان. والله أعلم. الحديث الحادي عشر والثاني عشر عن عبد الله: قوله: ((فيجيئون)) حكاية حال ماضية استحضارا لتلك الحالة. وهي امتثالهم لأمر رسول الله ﷺ حين أمرهم بإحضار الغنائم لم يمكثوا ولم يلبثوا. ولما مكث الرجل وتخلف عنهم عاد إلي مقتضى الظاهر، وقال: فجاء رجل يوما بعد ذلك. ((مظ)): إنما لم يقبل ذلك منه؛ لأن لجميع الغانمين فيه شركة وقد تفرقوا، وتعذر إيصال نصيب كل واحد منهم إليه، فتركه في يده؛ ليكون إثمه عليه لأنه هو الغاصب. قوله: ((كن أنت تجيء)) فيه أنواع من التأكيد وهي تأكيد الضمير المستتر، وبناء الخبر عليه علي سبيل التقوى وتخصيص الكينونة. والأنسب أن يكون ((أنت)) مبتدأ ((وتجيء)) خبره، والجملة خبر كان، فقدم الفاعل المعنوي للتخصيص، أي أنت تجيء به لا غيرك. ((غب)): وقد تستعمل ((كان)) في جنس الشيء متعلقا بوصف له هو موجود فيه، فبينه أن
следующие страницы →