← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

وهو يقدر على أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره في أي الحور شاء)). رواه الترمذي، وأبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [٥٠٨٨] ٥٠٨٩ - وفي رواية لأبي داود، عن سويد بن وهب، عن رجل من أبناء أصحاب النبي ﷺ ، عن أبيه، قال: ((ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً)). [٥٠٨٩] وذكر حديث سويد: ((من ترك لبس ثوب جمال)) في ((كتاب اللباس)). الفصل الثالث ٥٠٩٠ - عن زيد بن طلحه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن لكل دين خلقاً وخلق الإسلام الحياء)). رواه مالك مرسلاً. [٥٠٩٠] ٥٠٩١ - و ٥٠٩٢ - * ورواه ابن ماجه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن أنس، وابن عباس. [٥٠٩١]، [٥٠٩٢] ٥٠٩٣ - وعن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: ((إن الحياء والإيمان قرناء جميعاً، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر)). [٥٠٩٣] ــ ولذلك مدحهم الله تعالى بقوله: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس﴾ ومن نهى النفس عن هواه فإن الجنة مثواه، والحور العين جزاءه، والمعني بقوله: ((على رءوس الخلائق)) أنه يشتهر بين الناس ويباهي به، ويقال في حقه: هذا الذي صدرت منه هذه الخصلة العظيمة. الفصل الثالث الحديث الأول عن زيد ﵁: قوله: ((إن لكل دين خلقاً))، ((نه)): الخلق: الدين والطبع والسجية. انتهى كلامه. والمعنى أن الغالب على أهل كل دين سجية سوى الحياء، والغالب على أهل ديننا الحياء! لأنه متمم لمكارم الأخلاق، وإنما بعث ﷺ لإتمامها. وقال يوماً لأصحابه: ((استحيوا من الله حق الحياء)) الحديث. الحديث الثاني عن ابن عمر ﵄: قوله: ((قرناء)) فيه دليل لمن يقول: إن أقل

стр. 2627

٥٠٩٤ - وفي رواية ابن عباس: ((فإذا سلب أحدهما تبعه الآخر)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥٠٩٤] ٥٠٩٥ - وعن معاذ، قال: كان آخر ما وصاني به رسول الله ﷺ حين وضعت رجلي في الغرز أن قال: ((يا معاذ! أحسن خلقك للناس)). رواه مالك. [٥٠٩٥] ٥٠٩٦ - وعن مالك، بلغه أن رسول الله ﷺ : قال: ((بعثت لأتمم حسن الأخلاق)) رواه في ((الموطأ)). [٥٠٩٦] ٥٠٩٧ - ورواه أحمد عن أبي هريرة [٥٠٩٧] ــ الجمع اثنان. وفيه رائحة من التجريد! حيث جرد من الإيمان شعبة منه، وجعلها قرينا له على سبيل الاستعارة، كأنهما رضيعا لبان ثدي أم تقاسما أن لا يتفرقا. الحديث الثالث عن معاذ ﵁: قوله: ((في الغرز)) ((نه)): الغرز: ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب. وقيل: هو الكور مطلقاً مثل الركاب للسرج، انتهى كلامه. قوله: ((أن قال)) خبر ((كان)) و ((حين وضعت)) ظرف. قاله حين بعثه إلى اليمن للقضاء وصاه ليجامل الناس بحسن الخلق. الحديث الرابع عن مالك: قوله: ((بلغه)) هذا يحتمل أن يكون متصلا، وراوي مالك لم يذكر الاتصال وأن يكون مرسلا، وإن لم يذكر مالك التابعي ولا الصحابي. وقيل: إنه منقطع. وقوله: ((لأتمم حسن الأخلاق)) يحتمل أن يراد به أنه كملها بعد النقصان، وأنه جمعها بعد التفرقة، وعليه قوله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتداه﴾. قال الإمام فخر الدين: الآية دالة على فضله صلوات الله عليه على سائر الأنبياء! لأنه تعالى أمره بالاقتداء بهم، ولابد من امتثاله لذلك الأمر، فوجب أن يجتمع فيه جميع خصائلهم وأخلاقهم المتفرقة، وإلى المعنى الأول أشار ﷺ بقوله: ((مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه ترك منه موضع لبنة)) إلى قوله: ((فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة، حتم بين البنيان)).

стр. 2628

٥٠٩٨ - وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا نظر في المرآة قال: ((الحمد لله الذي حسن خلقي وخلقي، وزان مني ما شان من غيري)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) مرسلا. [٥٠٩٨] ٥٠٩٩ - وعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: ((اللهم حسنت خلقي فأحسن خلقي)). رواه أحمد. [٥٠٩٩] ٥١٠٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أنبئكم بخياركم؟)) قالوا: بلى قال: ((خياركم أطولكم أعماراً، وأحسنكم أخلاقاً)) رواه أحمد. [٥١٠٠] ٥١٠١ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)). رواه أبو داود، والدارمي. [٥١٠١] ــ الحديث الخامس عن جعفر ﵁: قوله: ((وزان مني ما شان من غيري)) فيه معنى قوله: ((بعثت لأتمم حسن الأخلاق)) فجعل النقصان شيئاً! كما قال أبو الطيب: ولم أر من عيوب الناس شيئاً كنقص القادرين على التمام وعلى نحو هذا الحمد حمد داود وسليمان ﵉ في قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين﴾ وفيه استحباب النظر في المرآة، والحمد على حسن الخلقة والخلق؛ لأنهما نعمتان موهوبتان من الله تعالى، يجب الشكر عليهما. الحديث السادس عن عائشة ﵂: قوله: ((فأحسن خلقي)) يحتمل أن يراد به طلب الكمال، وإتمام النعمة عليه بإكمال دينه. قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ وفيه إشارة إلى قول عائشة ﵂: ((كان خلقه القرآن)) وأن يكون قد طلب المزيد والثبات على ما كان. الحديث السابع إلى العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أطولكم أعماراً)) إشارة

стр. 2629

٥١٠٢ - وعنه، أن رجلا شتم أبا بكر، والنبي ﷺ جالس يتعجب ويتبسم، فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي ﷺ . وقام، فلحقه أبو بكر، وقال: يا رسول الله! كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت. قال: ((كان معك ملك يرد عليه، فلما رددت عليه وقع الشيطان)). ثم قال: ((يا أبا بكر! ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله إلا أعز الله بها نصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاد الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة)). رواه أحمد. [٥١٠٢] ٥١٠٣ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لا يريد الله بأهل بيت رفقاً إلا نفعهم، ولا يحرمهم إياه إلا ضرهم)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥١٠٣] (٢٠) باب الغضب والكبر الفصل الأول ٥١٠٤ - عن أبي هريرة، أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أوصني. قال: ((لا تغضب فرد ذلك مراراً قال: ((لا تغضب)). رواه البخاري. ــ إلى ما قال ﷺ في جواب من سأله: أي الناس خير؟ قال: ((من طال عمره وحسن عمله))، فقوله: ((وأحسنكم أخلاقا)) كقوله: ((وحسن عمله)) في إرادة الجمع بين طول العمر وحسن الخلق والله أعلم. باب الغضب والكبر ((غب)): الكبر الحالة التي يتخصص بها الإنسان من إعجاب نفسه بأن يرى نفسه أكبر من غيره، وأعظمه الامتناع عن قبول الحق عن الله تعالى والإذعان له بالعبادة. والاستكبار على وجهين: أحدهما: أن يتحرى الإنسان أن يصير كبيراً وذلك متى كان على ما يحب فهو المحمود. والثاني: أن يتشبع فيظهر من نفسه ما ليس له فهو المذموم: لقوله تعالى: ﴿أبى واستكبر﴾. والمتكبر أيضاً على وجهين: إما محمود وهو أن تكون أفعاله الحسنة كثيرة زائدة في الحقيقة على محاسن غيره، وعلى هذا وصف الله تعالى بالمتكبر في قوله: ﴿العزيز الجبار

стр. 2630

٥١٠٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) متفق عليه. ــ المتكبر﴾، ومذموم: وذلك إذا كان متكلفاً متشبعاً لذلك، وهذا وصف عامة الناس نحو قوله تعالى: ﴿فبئس مثوى المتكبرين﴾. قال الشيخ أبو حامد: الكبر ينقسم إلى ظاهر وباطن، فإذا ظهر على الجوارح يقال: تكبر، وإذا لم يظهر، يقال في نفسه كبر. فالأصل هو الخلق الذي في النفس وهو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه! فإن الكبر يستدعي متكبراً عليه، ليرى نفسه فوقه في صفات المال ومتكبراً به. وبه ينفصل الكبر على العجب! فإن العجب لا يستدعي غير المعجب بل لو لم يخلق إلا وحده يتصور أن يكون معجباً ولا يتصور أن يكون متكبراً. الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا تغضب)) ((تو)): قد كان ﷺ مكاشفا بأوضاع الخلق عارفا بأدواتهم يضع الهناء موضع النقب، يأمرهم بما هو أولى بهم. فلما استوصاه الرجل، وقد رآه مملوء بالقوة الغضبية لم ير له خيرا من أن يتجنب عن دواعي الغضب، ويزحزح نفسه عنه. ((قض)): لعله ﷺ لما رأي أن جميع المفاسد التي تعرض للإنسان وتعتريه إنما تعرض له من فرط شهوته واستيلاء غضبه، والشهوة مكثروة بالنسبة إلى ما يقتضيه الغضب غير ملتفت إليها. فلما سأله الرجل أن يشير إليه بما يتوصل به إلى التجنب عن القبائح والتحرز عن مظانها، نهاه عن الغضب الداعي إلى ما هو أعظم ضرر وأكثر وزرا! فإن ارتفاع السبب يوجب ارتفاع مسبباته لا محالة. أقول: ويؤيد ما ذهب إليه القاضي الحديث الآتي. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بالصرعة)) ((نه)): الصرعة: بضم الصاد وفتح الراء المبالغ في الصرع الذي لا يغلب، فنقله إلى الذي يملك نفسه عند الغضب! فإنه إذا ملكها كان قد قهر أقوى أعدائه وشر خصومه! ولذلك قال: ((أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك)) وهذا من الألفاظ التي نقلها عن وضعها اللغوي بضرب من التوسع والمجاز، وهو من فصيح الكلام؛ لأنه لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ، وقد ثارت عليه شهوة الغضب فقهرها بحلمه وصرعها بثباته، كان كالصرعة الذي يصرع الرجال ولا يصرعونه.

стр. 2631

٥١٠٦ - وعن حارثة بن وهب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر)) متفق عليه. وفيه رواية لمسلم: ((كل جواظ زنيم متكبر)). ٥١٠٧ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله: ((لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر)) رواه مسلم. ــ الحديث الثالث عن حارثة: قوله: ((متضعف)) ((مح)): ضبطوه بفتح العين وكسرها، و ((المشهور الفتح، ومعناه يستضعفه الناس ويحتقرونه ويتجرءون عليه لضعف حاله في الدنيا، يقال: تضعفه واستضعفه. وأما على الكسر فمعناه متواضع متذلل خامل واضع من نفسه، والمراد أن أغلب أهل الجنة هؤلاء، كما أن معظم أهل النار القسم الآخر. و ((العتل)): بضم العين والتاء الجافي الشديد الخصومة بالباطل. وقيل: ((الجافي)) الفظ الغليظ و ((الجواظ)): الجموع المنوع. وقيل: كثير اللحم المختال في مشيه. وقيل القصير البطين. وقيل: ((الفاخر)) بالخاء. و ((الزنيم)): الدعي في النسب الملصق بالقوم، وليس منهم تشبيهاً له بالزنمة وهي شيء يقطع من أذن الشاة ويترك معلقا بها. وقوله: ((لو أقسم على الله)) معناه: لو حلق يمينا طمعا في كرم الله تعالى بإبراره لأبره. الحديث الرابع عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((مثقال)) هو مأخوذ من الثقل. والمراد وزن حبة، وهذا تمثيل للقلة. وفيه إشعار بأن الإيمان قابل للزيادة والنقصان، وله شعب كما ورد في قوله ﷺ : ((الإيمان بضع وسبعون شعبة)). قوله: ((ولا يدخل الجنة)) ((خط)): للحديث تأويلان: أحدهما: أن يراد بالكبر الكفر والشرك. ألا ترى أنه قد قابله في نقيضه بالإيمان؟ وثانيهما: أن الله تعالى إذا أراد أن يدخله الجنة، نزع ما كان في قلبه من الكبر حتى يدخلها بلا كبر ولا غل في قلبه. وقوله: لا يدخل النار)) يعني به دخول تأبيد وتخليد. أقول: الوجه الأول من باب المقابلة المعنوية وهو من أنفسها وأغربها؛ فإنه بالإيمان أشار إلى أن الكبر من صفات الكافرين المتمردين، فيجب أن يجتنب عنه، وبالكبر لمح إلى أن التواضع من سمات المؤمنين المحسنين، فينبغي أن يرغب فيه وهو الوجه؛ لأن القصد الأولى في سياق الكلام وإيراده إلى معنى الوصفين في الترغيب في أحدهما والتنفير عن الآخر لا إلى حكم الموصوفين، وإن لزمه تبعا، ومن الأسلوب قوله تعالى: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله﴾.

стр. 2632

٥١٠٨ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)) فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً. قال: ((إن الله تعالى جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناس)) رواه مسلم. ٥١٠٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال: رسول الله ﷺ : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم)). وفي رواية: ((ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر)) رواه مسلم. ــ الكشاف: فإن قلت: لم ذكر المس في أحدهما، والإرادة في الثاني؟ قلت: كأنه أراد أن يذكر الأمرين جميعاً الإرادة والإصابة في كل واحد من الضر والخير، وأنه لا راد لما يريده منهما ولا مزيل لما يصيبه منهما، فأوجز الكلام بأن ذكر المس وهو الإصابة في أحدهما والإرادة في الأخير: ليدل بذلك على ما ترك. وهو فن عجيب وأسلوب غريب. الحديث الخامس عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((إن الرجل يجب)) لما رأي الرجل العادة في المتكبرين لبس الثياب الفاخرة وجر الإزار، وغير ذلك مما يتعاطونه، سأل ما سأل. ((نه)): ((بطر الحق)) هو أن يجعل ما جعله الله حقا من توحيد وعبادته باطلا. وقيل: هو أن يتحير عند الحق فلا يراه حقا من توحيده وعبادته باطلا. وقيل: هو أن يتحير عند الحق فلا يراه حقا. وقيل: هو أن يتكبر عن الحق فلا يقبله. ((تو)): وتفسيره على الباطل أشبه؛ لما ورد في غير هذه الرواية: ((إنما ذلك من سفه الحق وغمط الناس، أي رأي الحق سفها)). أقول: والمقام أيضاً يقتضيه؛ لأن تحرير الجواب إن كان أخذ الرجل الزينة لأجل أن يرى الله تعالى نعمته عليه، وأن يعظم شعائره؛ لقوله تعالى: ﴿أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشا﴾ أي زينة، وقوله: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ فهو جمال والله جميل يحب أن يرى أثر نعمه على عبده. وإن كان للبطر والأشر المؤدي إلى تسفيه الحق والصد عن سبيل الله وإلى تحقير الناس، فهو اختيال وافتخار، والله لا يحب كل مختال فخور. ولمثل هذا البطر نهى الله تعالى المؤمنين في قوله: ﴿ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله﴾. الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا يكلمهم الله)) سبق بيان هذه الألفاظ في باب المساهلة في المعاملة. قوله: ((شيخ زان)) يعني الزنا قبيح ومن الشيخ أقبح، والكذب سمج ومن الملك أسمج، والتكبر مذموم ومن الفقير أذم.

стр. 2633

٥١١٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يقول الله تعالى: ((الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري؛ فمن نازعني واحداً منهما أدخلته النار)). وفي رواية ((قذفته في النار)). رواه مسلم. ــ الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الكبرياء ردائي)). ((نه)): الكبرياء العظمة والملك. وقيل: هي عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود، ولا يوصف بها إلا الله تعالى وهو من الكبر- بالكسر- وهو العظمة. ويقال: كبر- بالضم- يكبر أي عظم فهو كبير، انتهى كلامه. قيل: إن الكبرياء والكبر والعظمة ألفاظ مترادفة متحدة المعنى، ولم يتعرض معظمهم للفرق، ولابد من الفرق؛ إذ الأصل عدم الترادف. قال الإمام فخر الدين الرازي: جعل الله الكبرياء قائماً مقام الرداء، والعظمة قائمة مقام الإزار، ومعلوم أن الرداء أرفع درجة من الأزار، فوجب أن يكون صفة الكبرياء أرفع وسواء عرف هذه الصفة أحد أم لا. وأما العظمة فهي عبارة عن كونه بحيث يستعظمه غيره. وإذا كان كذلك كانت الصفة الأولى ذاتية والثانية إضافية، والذاتي أعلى من الإضافي. أقول: الأصل في الكبرياء والعظمة ما قاله أئمة اللغة، ثم استعمل في الحديث على حسب أهل العرف والعادة؛ يقال: فلان متكبر إذا أنزل نفسه فوق منزلتها فلا ينقاد لأحد، وفلان له عظمة إذا كثر ما يتعلق به من الخدم والحشم. ويقال: ركب الأمير في عظمته، أي في كثير من حواشيه وأجناده، فإذا التكبر صفة ذاتية والعظمة إضافية. فالله تعالى إذا وصف بالتكبر يكون معناه الترفع عن أن ينقاد لأحد لا المعنى الأول؛ لأنه تعالى إذا وصف بصفة وتكون تلك الصفة مختصة بالأجسام، تكون محمولة على نهايات أغراضها لا على بداياتها. وإذا وصف بالعظمة يكون ذا ملك عظيم، كما قال تعالى: ﴿رب العرش العظيم﴾. ثم إنه شبه صفة الكبرياء بالرداء، والرداء ما يلبس الرجل رأسه وكتفيه، وهذه الأعضاء مختصة بالترفع والتكبر والظهور، فناسب الرداء. وشبه صفة العظمة بالإزار، والإزار ما يلبس الرجل من وسطه إلى قدميه. وهذه الأعضاء مختصة بالنزول والانحطاط والخفاء، فناسب الإزار. ومعنى الاختصاص في قوله: ((الكبرياء ردائي والعظمة إزاري)) من وجهين: أحدهما: أنه من التشبيه كما أن رداء الرجل وإزاره مختصان به لا يشاركه فيهما غيره، كذلك الكبرياء والعظمة مختصان بالله تعالى لا يوصف بهما غيره. وثانيهما: تعريف المسند إليه باللام والمسند بالإضافة يدل على القصر، كما إذا قلت: المنطلق زيد أو زيد المنطلق، يدل على انحصار الانطلاق في زيد.

стр. 2634

الفصل الثاني ٥١١١ - عن سلمة بن الأكوع، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين، فيصيبه ما أصابهم)) رواه الترمذي. [٥١١١] ٥١١٢ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ قال: ((يحشر المتكبرون أمثال الذر يوم القيامة، في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى: بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال)). رواه الترمذي [٥١١٢] ــ ومن ثمة فرع على التشبيه قوله: ((نازعني)) دلالة على أن ذلك ليس من حقه، ثم عقبه بالوعيد وحقر شأنه بلفظ القذف أي يقذف به قذف الحجارة والمدر في النار والسقر. وقد عرفت مما قيل أن الكبر هو الإعراض عن الحق وتحقير الناس. فالتواضع هو الإذعان للحق وتوقير الناس، وهو المعنى بقوله: ((التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله)) فالمعنى: من تكبر على الله وعلى الخلق ابتلاه الله تعالى في الدنيا بالذل والهوان، وفي الآخرة بقذفه في أقصى دركات النيران. ومن تواضع لله مع الخلق رفعه الله درجته في الدنيا والآخرة، فالحديث إذن من جوامع الكلم وكنوز الحكم التي خص بها النبي ﷺ على قائله. الفصل الثاني الحديث الأول عن سلمة ﵁: قوله: ((يذهب بنفسه)) ((مظ)): الباء يحتمل أن تكون للتعدية، أي يرفع نفسه ويبعدها عن الناس في المرتبة، ويعتقدها عظيمة القدر. وللمصاحبة أي يرافق نفسه ويعززها ويكرمها كما يكرم الخليل الخليل حتى تصير متكبرة. وفي أساس البلاغة: يقال: ذهب به: مربه مع نفسه، ومن المجاز ذهبت به الخيلاء. الحديث الثاني عن عمرو: قوله: ((أمثال الذر)). ((نه)): الذر النمل الأحمر الصغير واحتها ذرة. وقيل: الذرة يراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في النافذة. ((تو)): يحمل ذلك على المجاز دون الحقيقة أي أذلاء مهانين يطأهم الناس بأرجلهم. وإنما منعنا عن القول بظاهره ما أخبرنا به الصادق المصدقون ﷺ : ((إن الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء، حتى أنهم يحشرون غرلا، يعاد منهم ما انفصل عنهم من القلفة))، وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﷺ : ((يغشاهم الذل من كل مكان)).

стр. 2635

٥١١٣ - وعن عطية بن عروة السعدي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما يطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ)). رواه أبو داود. [٥١١٣] ٥١١٤ - وعن أبي ذر [﵁] أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا غضب ــ ((شف)): إنما قال: ((في صور الرجال)) بعد قوله: ((أمثال الذر)) قطعا منه حمل قوله: ((أمثال الذر)) على الحقيقة؛ والتعيينات لجريه على المجاز؛ ودفعا لوهم من يتوهم أن المتكبر لا يحشر في صورة الإنسان؛ وتحقيقاً لإعادة الأجساد المعدومة على ما كانت عليه من الأجزاء. ((مظ)): يعني صورهم صور الإنسان وجثتهم كجثة الذر في الصغر. أقول: لفظ الحديث يساعد هذا؛ لأن قوله: ((أمثال الذر)) تشبيه لهم بالذر ولابد من بيان وجه التشبيه؛ لأنه يحتمل أن يكون وجه التشبيه الصغر في الجثة، وأن يكون الحقارة والصغار. فقوله: ((في صور الرجال)) بيان لوجه ودفع وهم من يتوهم خلافه. وأما قوله: ((إن الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء)) فليس فيه أنه لا تعاد تلك الأجزاء الأصلية في مثل الذر؛ لأن الله تعالى قادر عليه. وفيه الخلاف المشهور بين الأصوليين. وعلى هذا الحقارة ملزوم هذا التركيب، فلا ينافي إرادة الجثة مع الحقارة. قوله: ((بولس)). ((نه)): هكذا جاء في الحديث مسمى. قوله: ((نار الأنيار)). ((قض)): لم أجده مشروحاً ولكن هكذا يروى، فإن صحت الرواية فيحتمل أن يكون معناه نار النيران، فجمع ((نار)) على ((أنيار))، وأصلها أنوار؛ لأنها من الواو، كما جاء في ريح وعيد: أرياح وأعياد، وهما من الواو. والله أعلم. ((قض)): وإضافة النار إليها للمبالغة، كأن هذه النار لإفراط إحراقها وشدة حرها تفعل بسائر النيران ما تفعل النار بغيرها. و ((طينة الخبال)) سبق شرحها في باب حد الخمر. الحديث الثالث عن عطية: قوله: ((فإذا غضب أحدكم فليتوضأ)) أراد أن يقول: إذا غضب أحدكم فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فإن الغضب من الشيطان، فصور حالة الغضب ومنشأه ثم الإرشاد إلى تسكينه، فأخرج الكلام هذا المخرج ليكون أجمع وأنفع وللموانع أزجر وأردع. وهذا التصوير لا يمنع من أجرائه على الحقيقة؛ لأنه من باب الكناية. الحديث الرابع عن أبي ذر ﵁: قوله: ((وإلا فليضطجع)). ((حس)): إنما أمره

стр. 2636

أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع)) رواه أحمد، والترمذي. [٥١١٤] ٥١١٥ - وعن أسماء بنت عميس، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((بئس العبد عبد تخيل واختال، ونسى الكبير المتعال، بئس العبد عبد تجبر واعتدى، ونسى الجبار الأعلى، بئس العبد عبد سهى ولهى، ونسى المقابر والبلى، بئس العبد عبد عتى وطغى، ونسى المبتدأ والمتنهى، بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين. بئس العبد عبد يختل الدين بالشبهات، بئس العبد عبد طمع يقوده، بئس العبد عبد هوى يضله، ــ بالقعود والاضطجاع لئلا يحصل منه في حال غضبه ما يندم عليه؛ فإن المضطجع أبعد من الحركة والبطش من القاعدة، والقاعدة من القائم. أقول: لعله أراد به التواضع والخفض؛ لأن الغضب منشأه التكبر والترفع. الحديث الخامس عن أسماء ﵂: قوله: ((تخيل واختال)) ((تو)): أي تخيل له أنه خير من غيره. ((واختال)) أي تكبر. ((نه)): الكبير: العظيم ذو الكبرياء. وقيل: المتعالي عن صفات الخلق. وقيل: المتكبر على عتاة خلقه و ((المتعالي)) الذي جل عن إفك المفترين وعلا شأنه. وقيل: جل عن كل وصف وثناء وهو متفاعل من العلو، وقد يكون بمعنى العالي. ((مظ)): ((سهى)) أي في أمور الدين و ((لهى)) أي اشتغل بغيرها مما لا يعنيه. ((نه)): ((العتو)): التجبر والتكبر. و ((طغى)): جاوز القدر في الشر, قوله: ((ونسى المبتدأ والمنتهى:. ((شف)): أي نسى ابتداء خلقه، وهو كونه نطفة، وانتهاء حاله الذي يؤول إليه، وهو صيرورته تراباً، أي من كان ذلك ابتداؤه ويكون انتهاؤه هذا، جدير بأن يطيع الله تعالى في وسط الحالين وهو صار عليه في الأحوال الثلاث التي هي المبتدأ والمنتهى والوسط، ولا يعتو ولا يطغى عليه. قوله: ((يختل الدنيا)) ((نه)): أي يطلب الدنيا بعمل الآخرة. يقال: ختله يختله إذا خدعه وراوغه، وختل الذئب الصيد إذا تخفي له. ((مح)): ختل الصائد إذا مشى للصيد قليلاً قليلا لئلا يحس به. شبه فعل من يرى ورعا وديناً ليتوسل به إلى المطالب الدنيوية بختل الذئب للصائد. قوله: ((عبد طمع يقوده)) ((شف)): كأنه من كثرة الطمع والهوى اللازمين للعبد وشدة اتصالهما به أطلق نفس الطمع والهوى عليه وإن كانا قائمين به. وتقديره: ذو طمع يقوده، وذو هوى يضله، ويمكن أن يجعل قوله: ((طمع)) فاعل ((يقوده)) و ((هوى)) فاعل ((يضله)) مقدمين على فعلهما على مذهب الكوفيين. قال الشاعر:

стр. 2637

بئس العبد عبد رغب يذله)) رواه الترمذي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). وقالا: ليس إسناده بالقوي، وقال الترمذي أيضاً: هذا حديث غريب. [٥١١٥] الفصل الثالث ٥١١٦ - عن ابن عمر، قال: قال رسول الله: ((ما تجرع عبد أفضل عند الله من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء وجه الله تعالى)). رواه أحمد. [٥١١٦] ــ صددت فأطولت الصدود وقلما وصال على طول الصدود يدوم ي قلما يدوم وصال على طول الصدود. أقول الوجه الثاني أقرب من الأول لما يلزم منه وصف الوصف؛ لأن قوله: ((يقوده)) على هذا صفة ((طمع)) وهو صفة ((عبد)). والأشبه أن يكون ((طمع)) مبتدأ و ((يقوده)) خبره، أي طمع عظيم يقوده نحو: شر أهر ذا ناب، والجملة صفة ((عبد)). قوله: ((رغب يذله)) ((نه)): أي الشره والحرص على الدنيا. وقيل: سعة الأمل وطلب الكثير. ((قض)): وإضافة ((العبد)) إليه للإهانة، كقولهم: عبد البطن؛ ولأن مجامع همته واجتهاده مقصور عليه وعائد إليه. أقول: والظاهر أنه مرفوع مبتدأ وما بعده خبره، والجملة صفة ((عبد)) كما في القرينتين الأولتين؛ وليوافق قوله: ((يختل الدنيا بالدين)) وقوله: ((يختل الدين بالشبهات)) إذ هو متعين للوصفية لا غير. قوله: ((ليس إسناده بالقوي)). ((تو)): روى الترمذي بإسناد له عن هاشم بن سعيد الكوفي، وقد ذكره ابن أبي عدي في كتابه. وقال: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. الفصل الثالث الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((يكظمها))، في أساس البلاغة: كظم القرابة ملأها وشد رأسها. وكظم الباب شده، ومن المجاز كظم الغيظ وعلى الغيظ. انتهى كلامه. يريد أنه استعارة من ((كظم القربة)). وقوله: ((من جرعة غيظ)) استعارة أخرى كالترشيح.

стр. 2638

٥١١٧ - وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ قال: الصبر عند الغضب، والعفو عن الإساءة، فإذا فعلوا عصمهم الله وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم قريب. رواه البخاري تعليقاً. ٥١١٨ - وعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الغضب ليفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل)). [٥١١٨] ٥١١٩ - وعن عمر، قال وهو على المنبر: يأيها الناس! تواضعوا فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من تواضع لله رفعه الله، فهو في نفسه صغير، وفي أعين الناس عظيم، ومن تكبر وضعه الله، فهو في أعين الناس صغير، وفي نفسه كبير، حتى لهو أهون عليهم من كلب أو خنزير)). [٥١١٩] ــ الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((العفو عند الإساءة)) هذا التفسير على أن يكون ((لا)) في قوله: ﴿ولا السيئة﴾ مزيدة، المعنى لا تستوي الحسنة والسيئة. فعلى هذا يراد ((بالتي هي أحسن)) بالتي هي أحسن، فوضع ((الأحسن)) موضع ((الحسنة)) ليكون أبلغ في الدفع بالحسنة. وإذا لم يجعل ((لا)) مزيدة يكون المعنى: أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها. إذا اعترضتك حسنات فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك. ومثاله: رجال أساء إليك إساءة، فالحسنة أن تعفو عنه والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك. مثل أن يذمك فتمدحه؛ فإنك إذا فعلت ذلك انقلب عدوك المشاق مثل الولي الحميم مصافاة لك. الحديث الثالث والربع عن عمر ﵁: قوله: ((فهو في نفسه صغير)) الفاء فيه جزاء شرط محذوف، يعني من تواضع لله هضم حقه من نفسه فجعل نفسه دون منزلته. وهو المراد من قوله: ((فهو في نفسه صغير)) ثم إن الله تعالى يرفعه من تلك المنزلة التي هي حقه إلى ما هي أرفع منها ويعظمه عند الناس بعكسه في القرينة الأخرى. ((حس)): قال عمر بن الخطاب ﵁: إن الرجل إذا تواضع. رفع الله حكمته. وقال: انتعش نعشك الله، فهو في

стр. 2639

٥١٢٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال موسى بن عمران ﵇: يا رب! من أعز عبادك عندك؟ قال: من إذا قدر غفر)). [٥١٢٠] ٥١٢١ - وعن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: ((من خزن لسانه ستر الله عورته، ومن كف غضبه كف الله عنه عذابه يوم القيامة، ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره)). [٥١٢١] ٥١٢٢ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات؛ فأما المنجيات: فتقوى الله في السر والعلانية، والقول بالحق في الرضى والسخط، والقصد في الغنى والفقر، وأما المهلكات: فهوى متبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه، وهي أشدهن)). روى البيهقي الأحاديث الخمسة في ((شعب الإيمان)). [٥١٢٢] ــ نفسه صغير، وفي أعين الناس كبير. وإذا بطر وعدا طوره وهضه الله إلى الأرض، وقال: اخسأ أخسأك الله، فهو في نفسه كبير وفي أعين الناس صغير، حتى يكون أهون على الله من الخنزير. الحديث الخامس والسادس عن أنس ﵁: قوله: ((من خزن لسانه)) أي من ستر عيوب الناس وكتمها ستر الله عورته، قال في أساس البلاغة: خزن المال في الخزانة أحرزه، ومن المجاز: اخزن لسانك وسرك؛ قال امرؤ القيس: إذا المرء لم يخزن عليه لسانه فليس على شيء سواه بخازن الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وهي أشدهن)) لأن المعجب بنفسه متبع هواه، ومن هوى النفس: الشح المطاع. قال تعالى: ﴿ومن يوق شح نفسه﴾ حيث أضاف الشح إلى النفس.

стр. 2640

(٢١) باب الظلم الفصل الأول ٥١٢٣ - عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: ((الظلم ظلمات يوم القيامة)) متفق عليه. ٥١٢٤ - وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)) ثم قرأ ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة﴾ الآية متفق عليه. ٥١٢٥ - وعن ابن عمر، أن النبي ﷺ لما مر بالحجر قال: ((لا تدخلوا مساكن ــ باب الظلم ((غب)): الظلم عند أهل اللغة: وضع الشيء في غير موضعه المختص به، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه. والظلم يقال في مجاوزة الحق الذي يجري مجرى نقطة الدائرة. الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((الظلم ظلمات)). ((مح)): قال القاضي عياض: هو على ظاهره فيكون ظلمات على صاحبه، لا يهتدي يوم القيامة بسبب ظلمه في الدنيا، كما أن المؤمن يسعى بنوره هو مسبب عن إيمانه في الدنيا؛ قال تعالى: ﴿يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم﴾ ويحتمل أن الظلمات هنا الشدائد، وبه فسروا قوله تعالى: ﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر﴾ أي شدائدها، ويحتمل أنها عبارة عن الأنكال والعقوبات. أقول: قوله: ((على ظاهره)) يوهم أن قوله: ((ظلمات)) هنا ليس مجازاً بل حقيقة لكنه مجاز؛ لأنه حمل المسبب على المسبب، فالمراد ظلمات حقيقية مسببة عن الظلم. والفرق بين الشدائد والأنكال: أن الشدائد كائنة في العرصات قبل دخول النار والأنكال بعد الدخول. الحديث الثاني عن أبي موسى ﵁: قوله: ((ليملي))، ((نه)): أي يمهل ويطول عمره و ((لم يفلته))، أي لم ينفلت منه. ويجوز أن يكون بمعنى: ((لم يفلته منه أحد أي لم يخلصه. الحديث الثالث عن ابن عمر ﵄: قوله: ((لما مر بالحجر)) ((تو)) الحجر منازل

стр. 2641

الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم ما أصابهم)) ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى اجتاز الوادي. متفق عليه. ٥١٢٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)). رواه البخاري. ٥١٢٧ - وعنه، أن رسول الله ﷺ قال: ((أتدرون ما الملفس؟)). قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: ((إن المفلس من أمتي من يأتي يوم ــ ثمود وذلك في مسيره إلى تبوك، خشى على أصحابه أن يجتازوا على تلك الديار ساهين غير متعظين بما أصاب أهل تلك الديار، وقد أمرهم الله بالانتباه والاعتبار في مثل تلك المواطن. ((قض)): ولذلك استثنى عن النهي. و ((أن يصيبكم)) نصب على المفعول لأجله أي مخافة أن يصيبكم، انتهى كلامه. والمعنى لا تدخلوا مساكنهم في حال من الأحوال إلا في حال كونكم باكين. ((خط)): معناه أن الداخل في دار قوم أهلكوا بخسف أو عذاب إذا لم يكن باكيا، إما شفقة عليهم وإما خوف من حلول مثلها به، كان قاسي القلب قليل الخشوع، فلا يأمن إذا كان هكذا أن يصيبه ما أصابهم. ((تو)): ((قنع رأسه)). يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أخذ قناعاً على رأسه شبه الطيلسان، وهو الأظهر. والآخر أن يكون مبالغة من الإقناع أي أطرف فلم يلتفت يميناً ولا شمالاً لئلا يقع بصره عليها. وقد حلت بأهلها المثلات وهم فيها، فصارت معلمة بمقت الله وغضبه. وفي الحديث: أنه نهاهم أن يشربوا ماءها وكانوا قد خمروا به عجينهم، فأمرهم أن يعلفوها دوابهم. ولم يرخص لهم في الأكل منها. ((حس)): فيه دليل على أن منازل هؤلاء لا تتخذ مسكناً ووطناً؛ لأنه ﷺ قد نهى عن دخولها إلا مع البكاء؛ فالمتوطن يكون دهره باكيا. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((مظلمة)) المغرب: المظلمة الظلم واسم للمأخوذ. يقال: عند فلان مظلمتي وظلامتي، أي حقي الذي اخذ مني ظلما. انتهى كلامه. والمراد من ((اليوم)) أيام الدنيا لمقابلته بقوله: ((قبل أن لا يكون دينار ولا درهم)) وهو معبر عن يوم القيامة. ((نه)): يقال: تحللته واستحللته إذا سألته أن يجعلك في حل من قبلك. أقول: قوله: ((إن كان)) استئناف كأنه لما قيل: فليتحلله منه اليوم قبل أن يكون لا يكون دينار ولا درهم ويؤخذ منه بدل مظلمته، توجه لسائل أن يسأل فما يؤخذ منه بدل مظلمته؟ قيل ((إن كان ....)) الخ. الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أتدرون ما المفلس؟)) كذا في صحيح

стр. 2642

القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا. وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار)) رواه مسلم. ٥١٢٨ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)). رواه مسلم. وذكر حديث جابر: ((اتقوا الظلم)). في ((باب الإنفاق)). ــ مسلم وجامع الترمذي وكتاب الحميدي وجامع الأصول وشرح السنة، فعلى هذا السؤال عن وصف المفلس لا عن حقيقته؛ ومن ثم أجاب ﷺ بوصفه بقوله: ((شتم وأكل وقذف)). وفي مشارق الأنوار وبعض نسخ المصابيح: ((من المفلس؟)) وهذا سؤال إرشاد لا استعلام؛ ولذلك قال: ((إن المفلس كذا وكذا ....)). ((مح)): يعني حقيقة المفلس هذا الذي ذكرت، وأما من ليس له مال، ومن قل ماله، فالناس يسمونه مفلساً، وليس هو حقيقة المفلس؛ لأن هذا أمر يزول وينقطع بموته، وربما انقطع بيسار يحصل له بعد ذلك من حياته، بخلاف ذلك المفلس فإنه يهلك الهلاك التام. قال المازري: زعم بعض المبتدعة أن هذا الحديث معارض لقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وهو باطل وجهالة بينة؛ لأنه إنما عوقب بفعله ووزره، فتوجهت عليه حقوق لغرماته فدفعت إليهم من حسناته، فلما فرغت حسناته أخذت من سيئات خصومه فوضعت عليه. فحقيقة العقوبة مسببة عن ظلمه ولم يعاقب بغير جناية منه. الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لتؤذن الحقوق)) ((تو)): هو على بناء المجهول، و ((الحقوق)) مرفوع، هذه هي الرواية المعتد بها. ويزعم بعضهم ضم الدال ونصب ((الحقوق)). والفعل مسند إلى الجماعة الذين خوطبوا به، والصحيح ما قدمناه. أقول: إن كان الرد لأجل الرواية فلا مقال، وإن كان بحسب الدراية، فإن باب التغليب واسع فيكون قد غلب العقلاء على غيرهم. وجعل ((حتى)) غاية بحسب التغليب، كما في قوله تعالى: ﴿جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذروكم فيه﴾ فالضمير في ((يذروكم)) راجع إلى الأناسي والأنعام، على تغليب المخاطبين العقلاء على الغيب والأنعام.

стр. 2643

الفصل الثاني ٥١٢٩ - عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تكونوا إمعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسناً، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا)). رواه الترمذي. [٥١٢٩] ــ ((مح)): ((الجلحاء)) - بالمد- هي الجماء التي لا قرن لها، والقرناء ضده. وهذا تصريح بحشر البهائم يوم القيامة وإعادتها كما يعاد أهل التكليف من الأدميين والأطفال والمجانين، ومن لم تبلغه دعوة، ولعى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة. قال الله تعالى: ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ وإذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من إجرائه على ظاهرة شرع ولا عقل وجب حمله على ظاهره. قالوا: وليس من شرط الحشر والإعادة من القيامة المجازاة والعقاب والثواب. وأما القصاص في القرناء والجلحاء فليس هو من قصاص التكليف؛ إذ لا تكليف عليها بل هو قصاص مقابلة. الفصل الثاني الحديث الأول عن حذيفة ﵁: قوله: ((لا تكونوا إمعة)). ((نه)): هو بكسر الهمزة وتشديد الميم، والهاء للمبالغة، وهمزته أصلية، ولا يستعمل ذلك في النساء، فلا يقال: امرأة إمعة. ((فا)): هو الذي يتابع كل ناعق، ويقول لكل أحد: أنا معك؛ لأنه لا رأي له يرجع إليه، ووزنه فعلة كـ ((ديمة))، ولا يجوز الحكم عليه بزيادة الهمزة؛ لأنه ليست في الصفات إليه، ووزنه فعلة كـ ((ديمة))، ولا يجوز الحكم عليه بزيادة الهمزة؛ لأنه ليست في الصفات ((أفعلة))، وهي في الأسماء أيضاً قليلة. ومعناه المقلد الذي يجعل دينه تابعاً لدين غيره بلا رؤية وتحصيل برهان. انتهى كلامه. قوله: ((تقولون: إن أحسن الناس ....)) الخ بيان وتفسير لـ ((إمعة)) على نحو قول الشاعر: الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأي وقد سمعا لأن معنى قوله: ((إن أحسن الناس)) ((وإن ظلموا)) إنا نقلد الناس في إحسانهم وظلمهم ونقتفي أثرهم. قوله: ((ولكن وطنوا أنفسكم)). قال في أساس البلاغة: أوطن الأرض ووطنها واستوطنها. ومن المجاز: وطنت نفسي على كذا فتوطنت قال الشاعر: ولا خير في من لا يوطن نفسه على نائبات الدهر حين تنوب

стр. 2644

٥١٣٠ - وعن معاوية، أنه كتب إلى عائشة [﵂] أن اكتبي إلى كتاباً توصيني فيه ولا تكثري. فكتبت: سلام عليك؛ أما بعد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من التمس رضي الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضي الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس)) والسلام عليك. رواه الترمذي. [٥١٣٠] الفصل الثالث ٥١٣١ - عن ابن مسعود، قال لما نزلت: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيماهم بظلم﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : ((ليس ذاك، إنما هو الشكر، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾)). وفي رواية: ((ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه)) متفق عليه. ــ ومعنى الحديث: أوجبوا على أنفسكم الإحسان بأن تجعلوها وطناً للإحسان. فعلى هذا ((أن تحسنوا)) متعلق بقوله: ((وطنوا)) وجواب الشرط محذوف، يدل عليه ((أن تحسنوا)) والتقدير" وطنوا أنفسكم على الإحسان، إن أحسن الناس تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا؛ لأن عدم الظلم إحسان. الحديث الثاني عن معاوية ﵁: قوله: ((وكله الله)) ((مظ)): يعني إذا عرض له أمر في فعله ﵁ وغضب الناس أو عكسه. فإن فعل الأول ﵁ ودفع عنه شر الناس، وإن فعل الثاني وكله إلى الناس، يعني سلط الله الناس عليه حتى يؤذوه ويظلموا عليه ولم يدفع عنه شرهم. ((نه)): يقال: وكلت أمري إلى فلان أي ألجأته إليه واعتمدت فيه عليه. الفصل الثالث الحديث الأول عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((أينا لم يظلم نفسه؟)) فهموا من معنى اللبس أن المراد من الظلم المعصية؛ لأن لفظ اللبس يأبى أن يراد به الشرك، فالمعنى لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم، كذا في الكشاف. وقول رسول الله ﷺ : ((ليس ذاك)) معناه: ليس كما تعتقدون أن اللبس يقتضي الخلط، ولا يتصور خلط الشرك بالإيمان، بل هو واقع كمن يؤمن بالله ويشرك في عبادته غيره. وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾.

стр. 2645

٥١٣٢ - وعن أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ قال: ((من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة، عبد أذهب آخرته بدنيا غيره)) رواه ابن ماجه. [٥١٣٢] ٥١٣٣ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((الدواوين ثلاثة: ديوان لا يغفره الله: الإشراك بالله. يقول الله ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾، وديوان لا يتركه الله: ظلم العباد فيما بينهم حتى يقتص بعضهم من بعض، وديوان لا يعبأ الله به: ظلم العباد فيما بينهم وبين الله، فذاك إلى الله: إن شاء عذبه وإن شاء تجاوز عنه)). [٥١٣٣] ٥١٣٤ - وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إياك ودعوة المظلوم، فإنما يسأل الله تعالى حقه، وإن الله لا يمنع ذا حق حقه)). [٥١٣٤] ٥١٣٥ - وعن أوس بن شرحبيل، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((من مشى مع ظالم ليقويه وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج من الإسلام)). [٥١٣٥] ــ قال الحسن: هم أهل الكتاب معهم شرك وإيمان به. وقيل: النفاق لبس الإيمان الظاهر بالكفر الباطن. وفي الآية دلائل شاهدة على أن المراد بالظلم فيها الشرك. ومن أراد زيادة اطلاع عليه فلينظر في فتوح الغيب)). الحديث الثاني والثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((الدواوين ثلاثة)) يراد به ها هنا صحائف الأعمال. المغرب: الديوان: الجريدة من دون الكتب إذا جمعها؛ لأنها قطع من القراطيس مجموعة. قوله: ((لا يعبأ الله)). ((غب)): يقال: ما عبأت به، أي لم أبال به، وأصله م العبء أي الثقل كأنه قال: ما أرى له وزناً وقدراً. وقال الله تعالى: ﴿قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم﴾ انتهى كلامه. وإنما قال في القرينة الأولى: ((لا يغفر)) ليدل على أن الشرك لا يغفر أصلا. وفي الثانية:

стр. 2646

٥١٣٦ - وعن أبي هريرة، أنه سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه. فقال أبو هريرة: بلى والله، حتى الحبارى لتموت في وكرها هزلا لظلم الظالم. روى البيهقي الأحاديث الأربعة في ((شعب الإيمان)). [٥١٣٦] (٢٢) باب الأمر بالمعروف الفصل الأول ٥١٣٧ - عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((من رأي منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) رواه مسلم. ــ ((لا يترك)) ليؤذن بأن حق الغير لا يهمل قطعا، إما بأن يقتص من خصمه أو يرضيه الله تعالى. وفي الثالثة ((لا يعبأ)): ليشعر بأن حق الله تعالى على المساهلة فيترك حقه كرما ولطفا. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((حتى الحبارى)) ((نه)): يعني أن الله تعالى يحبس عن الحبارى القطر بشؤم ذنوب الظالم. وإنما خصها بالذكر؛ لأنها أبعد الطير نجعة، فربما تذبح بالبصرة ويوجد في حوصلتها الحبة الخضراء، وبين البصرة وبين منابتها مسيرة أيام. ووكر الطائر عشه، والجمع وكور وأوكار. قوله: ((بلى والله)) إيجاب لما نفي قبله وها هنا وقعت جوابا للمثبت. فالوجه أن يقال: إن مفهوم قوله: ((لا يضر إلا نفسه)) لا يضر غيره. فقال: بلى يضر غيره حتى يضر الحبارى. والله أعلم بالصواب. باب الأمر بالمعروف المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس. وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات. وهو من الصفات الغالبة، أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرنه. والمعروف النصفة وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم من الناس. والمنكر ضد ذلك جميعه. الفصل الأول الحديث الأول عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((فليغيره بيده)). ((مح)): هو أمر إيجاب، وقد تطابق على وجوبه الكتاب والسنة وإجماع الأمة. وهو أيضاً من النصيحة التي هي الدين.

стр. 2647

ــ ولم يخالف في ذلك إلا بعض الروافض، ولا يعتد بخلافهم، قال إمام الحرمين أبو المعالي: لا يكترث بخلافهم، ووجوبه بالشرع لا بالعقل، خلافا للمعتزلة. فمن وجب عليه وفعله ولم يمتثل المخاطب، فلا عتب بعد ذلك عليه؛ لكونه أدى ما عليه، وما عليه أن يقبل منه وهو فرض كفاية، ومن تمكن منه وتركه بلا عذر أثم. وقد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو. وكمن يرى زوجته أو ولد أو غلامه على منكر، قالوا: ولا يسقط عن المكلف لظنه أنه لا يفيد بل يجب عليه فعله؛ فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وما على الرسول إلا البلاغ المبين. ولا يشترك في الآمر والناهي أن يكون كامل لحال ممتثلا ما يأمر به، ومجتنباً ما ينهى عنه، بل يجب عليه مطلقاً؛ لأن الواجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر؟ قالوا: ولا يختص ذلك بأصحاب الولايات بل هو ثابت على آحاد المسلمين؛ فإن السلف الصالح كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر، مع توقير المسلمين إياهم وترك توبيخهم على التشاغل به. ثم إنه يأمر وينهى من كان عالماً بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة أو المحرمات المشهورة، كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوهما، فكل المسلمين عالم بها وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال، وما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء. ثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه الأئمة، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه؛ لأن على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب. وينبغي للآمر والناهي أن يرفق ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب، فقد قال الإمام الشافعي ﵁: من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه. وأما قوله: ((فبقلبه)) فمعناه: فليكرهه بقلبه، وليس ذلك بإزالة وتغيير، بل هي كراهة له؛ إذ ليس في وسعه التغيير إلا في هذا القدر. ومعنى ((أضعف الإيمان)): أقله ثمرة. قال القاضي عياض: هذا الحديث أصل في مراتب التغيير، فحق المغير أن يتغير بكل وجه أمكنه قولا كان أو فعلا، فيكسر آلات الملاهي ويريق المسكر بنفسه، أو يأمر غيره به ويرفق في التغيير. اعلم أن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب عظيم في الدين، به قوام الأمر وملاكه، وإذا [سد]، عم العقاب الصالح والظالم؛ قال الله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾.

стр. 2648

٥١٣٨ - وعن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها، مثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهم في أسفلها، وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذي في أسفلها يمر بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا به، فأخذ فأسا، فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه فقالوا: مالك؟ قال: تأذيتم بي ولا بد لي من الماء. فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم)). رواه البخاري. ٥١٣٩ - وعن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه، ــ الحديث الثاني عن النعمان ﵁: قوله: ((مثل المدهن)). ((حس)): المداهنة الإدهان المقارنة في الكلام والتليين؛ قال الله تعالى: ﴿ودوا لو تدهن فيدهنون﴾ والاستهام الاقتراع وفيه إثبات القرعة في سكنى السفينة ونحوها من المنازل التي يسكنها أبناء السبيل إذا جاءوا معا، فإن سبق أحد فهو أحق به. قوله: ((فإن أخذوا على يديه)) ((نه)): يقال: أخذت على يد فلان إذا منعته عما يريد أن يفعله كأنك أمسكت يده. ويقال: نجا من الأمر إذا خلص وأنجاه غيره، والتنجية التخليص، قال تعالى: ﴿وكذلك ننجي المؤمنين﴾. ((شف)): شبه النبي ﷺ المداهن في حدود الله بالذي في أعلى السفينة، وشبه الواقع في تلك الحدود بالذي في أسفلها، وشبه انهماكه في تلك الحدود، وعدم تركه إياها بنقره أسفل السفينة، وعبر عن نهي الناهي الواقع في تلك الحدود بالأخذ على يديه، وبمنعه إياه عن النقر، وعبر عن فائدة ذلك المنع بنجاة الناهي والمنهي، وعبر عن عدم نهي النهاة بالترك، وعبر عن الذنب الخاص للمداهنين الذين ما نهوا الواقع في حدود الله بإهلاكهم إياه وأنفسهم. وكأن السفينة عبارة عن الإسلام المحيط بالفريقين. وإنما جمع فرقة النهاة إرشاداً إلى أن المسلمين لابد وأن يتعاونوا على أمثال هذا النهي فهو كالجمع. قال تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة ...﴾ وأفرد الواقع في حدود الله تعالى لأدائه إلى ضد الكمال. الحديث الثالث عن أسامة ﵁: قوله: ((فتندلق)) ((تو)): أي تخرج خروجاً سريعاً، والاندلاق التقدم، يقال: اندلق السيف: إذا خرج من غمده من غير سل. و ((الأقتاب)) الأمعاء

стр. 2649

فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان! ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه)). متفق عليه. الفصل الثاني ٥١٤٠ - عن حذيفة، أن النبي ﷺ قال: ((والذي نفسي بيده لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده ثم لتدعنه ولا يستجاب لكم)). رواه الترمذي. [٥١٤٠] ــ واحدها ((قتب)) بالكسر. وقال أبو عبيدة: ((القتب)) ما يحوي البطن وهي الحوايا، وأما الأمعاء فهي الأقصاب. قوله: ((فيطحن فيها) هو على بناء الفاعل والضمير لـ ((الرجل))، وفي ((فيها)) لـ ((الأمعاء)) وفي بعض نسخ المصابيح هو على بناء المفعول. وهو خطأ: لما ورد في رواية أخرى: ((فيدور كما يدور الحمار برحاه)). ((مظ)): أي يدور في أقتابه يعني يدور حول أقتابه ويضربها برجله. أقول: قوله: ((كطحن الحمار)) من إضافة المصدر إلى الفاعل، والمفعول محذوف. والباء للاستعانة. والتقدير كطحن الحمار الدقيق باستعانة الرحى، فالمشبه مركب من أمور متعددة، فيجب أن يتوهم للمشبه به تلك الأمور؛ فإن التشبيه التمثيلي يستدعي ذلك، فالمشبه في الدنيا، الرجل يدور حول رحى الأمر بالمعروف، ويتعب فيه ويكد كالحمار، وماله نصيب مما يحصل منه إلا الكد والتعب كالحمار، نحو قوله تعالى: ﴿كمثل الحمار يحمل أسفارا﴾ وكذا في الآخرة يدور حول أقتابه التي شبهت بكلامه الذي خرج منه. فيدوسها برحى رجله، ويطحنها كطحن الحمار الدقيق جزاء بما كانوا يعملون. الفصل الثاني الحديث الأول عن حذيفة ﵁: قوله: ((لتأمرون بالمعروف)) أي: والله إن أحد الأمرين كائن، إما ليكن منكم الأمر بالمعروف ونهيكم عن المنكر، أو إنزال عذاب عظيم من عند الله، ثم بعد ذلك لم يكن منكم الدعاء ومن الله الإجابة.

стр. 2650

٥١٤١ - وعن العرس بن عميرة، عن النبي ﷺ قال: ((إذا عملت الخطيئة في الأرض من شهدها فكرهها كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها)). رواه أبو داود. [٥١٤١] ٥١٤٢ - وعن أبي بكر الصديق [﵁]، قال: يا أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية: ((يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الناس إذا رأوا منكراً فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعقابه)). رواه ابن ماجه، والترمذي وصححه. وفي رواية أبي داود: ((إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب)). وفي أخرى [له]: ((ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أكثر ممن يعمله)). [٥١٤٢] ــ الحديث الثاني عن العرس قوله: ((من شهدها)) جواب الشرط والفاء محذوفة، كما في قوله تعالى: ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾. الحديث الثالث عن أبي بكر ﵁: قوله: ((فإني سمعت)) الفاء فيه فصيحة تدل على محذوف، كأنه قال: إنكم تقرءون هذه الآية وتجرون على عمومها وتمتنعون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس كذلك؛ ((فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول ....)) الخ. وإنما قلت: ليس كذلك؛ لأن الآية نزلت في أقوام أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فأبوا القبول كل الإباء، فذهبت أنفس المؤمنين حسرة عليهم. فقيل لهم: عليكم أنفسكم وما كلفتم من إصلاحها، والمشي بها في طرق الهدى، لا يضركم الضلال عن دينكم إذا كنتم مهتدين. ويشهد لذلك ما قبل هذه الآية: ﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله إلى الرسول﴾. هذا تخصيص بحسب الأشخاص وأما بحسب الأزمان فيدل عليه الحديث الآتي لأبي ثعلبة؛ فإن العام قد يخص مرة أخرى. ((مح)): وأما قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ الآية، فليست مخالفة لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية: أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم، مثل قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فإذا كان كذلك مما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا فعله- ولم يمتثل المخاطب- فلا عتب بعد ذلك عليه؛ لكونه أدى ما عليه.

стр. 2651

٥١٤٣ - وعن جرير بن عبد الله، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يغيروا عله ولا يغيرون، إلا أصابهم الله منه بعقاب قبل أن يموتوا)). رواه أبو داود، وابن ماجه. [٥١٤٣] ٥١٤٤ - وعن أبي ثعلبة في قوله تعالى: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾. فقال: أما والله لقد سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: ((بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهو متبعاً، ودينا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمراً لابد لك منه؛ فعليك نفسك، ودع ــ أقول: وهذا الوجه أعم من الأول؛ لأن الأول كان له صورة مخصوصة فتعدى الحكم منه إلى ما يشابهه من الصور فعم. قوله: ((هم أكثر ممن يعمله)) يزاد بعده قوله: ((ثم لا يغيرون إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب)) وهو صفة ((قوم)) و ((إلا يوشك)) خبر ((ما)). الحديث الرابع عن جرير: قوله: ((إلا أصابهم الله منه)) الضمير فيه يجوز أن يعود إلى ((الرجل)) وإلى ((عدم التغيير)) وتكون ((من)) ابتدائية، أي بسبب شؤمه، وأن يعود إلى الله تعالى، أي عذاباً من عنده، وهذا أبلغ كقوله تعالى: ﴿إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا﴾ وهذا الحديث مخالف للحديث الذي في المصابيح بحسب اللفظ. وكان موضعه الفصل الثالث، إلا أنه ذكره هنا؛ تنبيهاً على أن المؤلف ما وجد في الأصول كما في المصابيح. الحديث الخامس عن أبي ثعلبة ﵁: قوله: ((في قوله تعالى)) يقول الراوي: سأل أبو ثعلبة في شأن قوله تعالى: ﴿عليكم أنفسكم﴾ ((فقال ...)) الخ. وقوله: ((بل ائتمروا)) إضراب عن مقدر، أي: سألت عنها رسول الله ﷺ وقلت: أما نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بناء على ظاهر الآية؟ فقال ﷺ : لا تتركوا ((بل ائتمروا بالمعروف)). قوله: ((ودنيا مؤثرة)) ((مظ)): مفعول من الإيثار وهو الاختيار، يعني يختار الناس الدنيا على الآخرة ويحرصون على جمع المال. وإعجاب كل ذي رأي، أي يجد كل أحد فعل نفسه حسنا إن كان قبيحا، ولا يرجع العلماء فيما فعل، بل يكون مفتي نفسه. قوله: ((ورأيت أمراً لابد لك منه)) يحتمل أن يكون بالباء الموحدة بمعنى لا فراق لك منه، المعنى رأيت أمرا يميل إليه هواك ونفسك من الصفات الذميمة، فإن أقمت بين الناس لا محالة

стр. 2652

أمر العوام، فإن وراءكم أيام الصبر، فمن صبر فيهن قبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله)). قالوا: يا رسول الله! أجر خمسين منهم؟ قال: ((أجر خمسين منكم)). رواه الترمذي، وابن ماجه. [٥١٤٤] ٥١٤٥ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قام فينا رسول الله ﷺ خطيباً بعد العصر، فلم يدع شيئاً يكون إلى قيام الساعة إلا ذكره، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، وكان فيما قال: ((إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناطر كيف تعملون، ألا فاتقوا الدنيا واتقوا النساء)) وذكر: ((إن لكل غادر لواءً يوم القيامة بقدر غدرته في الدنيا، ولا غدر أكبر من غدر أمير العامة، يغرز لواؤه عند استه)). قال: ((لا يمنعن أحداً منكم هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه)) وفي رواية: ((إن رأي منكراً أن يغيره)) فبكرى أبو سعيد وقال: قد رأيناه فمنعتنا هيبة الناس أن نتكلم فيه. ثم قال: ((ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى، فمنهم من يولد مؤمناً، ويحيى ــ أن تقع فيها، فعليك نفسك واعتزل عن الناس حذرا من الوقوع. وأن يكون بالياء المثناة، كما في بعض نسخ المصابيح. فالمعنى رأيت أمرا لا طاقة لك من دفعه. فعليك نفسك. ومنه حديث يأجوج: ((قد أخرجت عباداً لي ولا يدان لأحد بقتالهم)) أي لا قدرة ولا طاقة. قوله: ((ودع أمر العوام)) أي اشتغل بأمر خاصتك ودع أمر من سواك. وقوله: ((فإن وراءكم أيام الصبر)) أي أياما يحمد فيها الصبر ويفضل. ومعنى قوله: ((فمن صبر فيهن)) أي مشقة الصابر على القبائح والمحارم في تلك الأيام والصبر عليها، مثل مشقة الصابر على قبض الجمر. قوله: ((أجر خمسين منهم؟)). فيه تأويلان: أحدهما: أن يكون أجر كل واحد منهم على تقدير أنه غير مبتلي ولم يضاعف أجره. وثانيهما: أن يراد أجر خمسين منهم أجمعين لم يبتلوا ببلائه. الحديث السادس عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((فلم يدع شيئاً)) أي ما يتعلق بأمور الدين أي مما لابد منه قوله: ((خضرة)) ((فا)): أي خضراء ناعمة، يقال: أخضر وخضر، كقولهم: أعور وعور. أقول: قوله: ((حلوة خضرة)) كناية عن كونها غرارة يفتتن الناس بلونها وطعمها وليس تحتها طائل. ((تو)): أراد بـ ((أمير العامة)) المتغلب الذي يستولي على أمور المسلمين وبلادهم، بتأمر

стр. 2653

مؤمناً، ويموت مؤمناً؛ ومنهم من يولد كافراً، ويحيي كافراً، ويموت كافراً، ومنهم من يولد مؤمنا، ويحيي مؤمناً، ويموت كافراً؛ ومنهم من يولد كافراً، ويحيى كافراً، ويموت مؤمناً)) قال وذكر الغضب ((فمنهم من يكون سريع الغضب، سريع الفيء، فإحداهما بالأخرى؛ ومنهم من يكون بطيء الغضب، بطيء الفي، فإحداهما بالأخرى، وخياركم من يكون بطيء الغضب سريع الفيء، وشراركم من يكون سريع الغضب بطيء الفيء)). قال: ((اتقوا الغضب؛ فإنه جمرة على قلب ابن آدم، ألا ترون إلى انتفاخ أوداجه! وحمرة عينيه! فمن أحسن بشيء من ذلك فليضطجع وليتبد بالأرض)) قال: وذكر الدين فقال: ((منكم من يكون حسن القضاء، وإذا كان له أفحش في الطلب، فإحداهما بالأخرى؛ ومنهم من يكون سيء القضاء، وإن كان له أجمل في الطلب، فإحداهما بالأخرى. وخياركم من إذا كان عليه الدين أحسن القضاء, وإن كان له أجمل في الطلب؛ وشراركم من إذا كان عليه الدين أساء القضاء، وإن كان له أفحش في الطلب)). حتى إذا كانت الشمس على رءوس النخل وأطراف الحيطان فقال: ((أما إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقى من يومكم هذا فيما مضى منه)). رواه الترمذي. [٥١٤٥] ــ العامة ومعاضدتهم إياه من غير مؤامرة من الخاصة وأهل العقد من أولى العلم، ومن ينضم إليهم من ذوي السابقة ووجوه الناس. وقوله: ((يعزز لواؤه عند استه)) من شأن الأمراء أن يكون لواؤهم خلفهم ليعرفوا به، ويوم القيامة يكون لكل من دعا إلى حق أو باطل لواء يعرف به. وذكر ((عند استه)) استهانة وتنبيها على أنه يلصق به ويدني منه دنواً لا يكون معه اشتباه. قوله: ((أن يقول بحق)) أي يتكلم به أو يأمر به. قال في النهاية: تجعل العرب القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام، فتقول: قال بيده أي أخذ، وقال برجله أي مشى. قوله: ((وليتلبد بالأرض)) أي ليلتزق بها حتى يسكن غضبه. وقوله: ((حتى إذا كانت الشمس)) غاية قوله: ((قام فينا خطيباً)) أي قام فلم يدع شيئاً إلا ذكره حتى إذا كانت الشمس ... الخ. وقوله: ((إذا)) هي للمستقبل و ((كانت)) ماض، وفائدة استحضار الحال الماضية في مشاهدة السامع، كقوله تعالى: ﴿قالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض﴾. الكشاف: هو على حكاية الماضية لقوله: ((حسين يضربون في الأرض)) وقوله: ((فيا مضى منها)) أي في جملة ما مضى منها، يعني نسبة ما بقى من أيام الدنيا إلى جملة ما مضى، كنسبة ما بقى من يومكم هذا

стр. 2654

٥١٤٦ - وعن أبي البختري، عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم)). رواه أبو داود. [٥١٤٦] ٥١٤٧ - وعن عدي بن عدي الكندي، قال: حدثنا مولى لنا أنه سمع جدي [﵁] يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله تعالى لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروا؛ فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة)). رواه في ((شرح السنة)) [٥١٤٧] ٥١٤٨ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وآكلوهم ــ إلى ما مضى منه. وقوله: ((إلا كما بقى)) مستثنى من فعال ((لم يبق))، أي لم يبق شيء من الدنيا إلا مثل ما بقى. الحديث السابع عن أبي البختري ﵁: قوله: ((حتى يعذروا)). ((قض)): قيل إنه من ((أعذر فلان)) إذا كثر ذنبه فكأنه سلب عذره بكثرة اقتراف الذنوب، أو من ((أعذر غيره)) إذا جعله معذوراً. فكأنهم أعذروا من يعاقبهم بكثرة ذنوبهم، أو من ((أعذر)) أي: صار ذا عذر. والمعنى حتى يذنبوا فيعذرون أنفسهم بتأويلات زائغة وأعذار فاسدة من قبل أنفسهم ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً. أقول: والوجه الثالث أنسب بباب المر بالمعروف والنهي عن المنكر، كأن الناهي ينكر عليه ذنبه وهو يتبرأ من الذنب ويعذر لنفسه ولإقدامه عليه. الحديث الثامن عن عدي ﵁: قوله: ((العامة بعمل الخاصة)) أراد بـ ((العامة)) أكثر القوم وبـ ((الخاصة)) أقلهم، نحوه قوله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ وقوله: ((فلا ينكروا)) عطف على قوله: ((يروا المنكر)). الحديث التاسع عن عبد الله ﵁: قوله: ((فضرب الله قلوب بعضهم)) أي خلط. ((غب)): ضرب اللبن بعضه ببعض أي خلط. قوله: ((حتى تأطروهم)) ((فا)): الأطر العطف، ومنه إطار المنخل؛ قال طرفة: وأطر قسى تحت صلب مؤيد و ((حتى)) متعلقة بـ ((لا)) كأن قائلا قال له عند ذكر مظالم بني إسرائيل: هل تعذر في تخلية

стр. 2655

وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، فلعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)). قال: فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئاً فقال: ((لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم أطراً)). رواه الترمذي، وأبو داود وفي روايته قال: ((كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليبلغنكم كما لعنهم)). ٥١٤٨] ٥١٤٩ - وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: ((رأيت ليلة أسرى بي رجالاً تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم)). رواه في ((شرح السنة))، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) وفي روايته قال: ((خطباء من أمتك الذين يقولون مالا يفعلون، ويقرءون كتاب الله ولا يعملون)). [٥١٤٩] ٥١٥٠ - وعن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنزلت المائدة من ــ الظالمين وشأنهم؟ فقال: لا حتى تأطروهم وتأخذوا على أيديهم، أي لا تعذرون حتى تجبروا الظالم على الإذعان للحق وإعطاء النصفة للمظلوم، واليمين معترضة بين ((لا)) و ((حتى)) وليست إلا هذه بتلك التي يجيء بها المقسم تأكيداً لقسمه. قوله: ((لتقصرونه)) ((نه)): القصر: الحبس، يقال: قصرت نفسي على الشيء إذا حبستها عليه وألزمتها. الحديث العاشر عن أنس ﵁ قوله: ((الذين يقولون)) بدل من قوله: ((خطباء)) ويجوز أن يكون صفة له؛ لأنه لا توقيت فيه على عكس قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني ويجوز أن يكون منصوباً على الذم، وهو الأوجه يتفطن لذلك من رزق الذهن السليم والطبع المستقيم. الحديث الحادي عشر عن عمار ﵁: قوله: ((المائدة من السماء)). ((غب)): المائدة الطبق الذي عليه الطعام، ويقال لكل واحد منها مائدة. انتهى كلامه. وقوله: ((خبزاً ولحماً))

стр. 2656

السماء خبزاً ولحماً، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا لغد، فمسخوا قردة وخنازير)). رواه الترمذي. [٥١٥٠] الفصل الثالث ٥١٥١ - عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنه تصيب أمتي في آخر الزمان من سلطانهم شدائد، لا ينجو منه إلا رجل عرف دين الله، فجاهد عليه بلسانه ويده وقلبه، فذلك الذي سبقت له السوابق؛ ورجل عرف دين الله، فصدق به، ورجل عرف دين الله فسكت عليه، فإن رأي من يعمل الخير أحبه عليه، وإن رأي من يعمل بباطل أبغضه عليه، فذلك ينجو على إبطانه كله)). ــ تمييز نحو قوله: [راقود خلا]. وقوله: ((قردة وخنازير)) حالان مقدرتان. كقوله تعالى: ﴿وتنحتون من الجبال بيوتا﴾ الفصل الثالث الحديث الأول عن عمر ﵁: قوله: ((لا ينجو منه)) الضمير يجوز أن يعود إلى ((السلطان)) أو يحمل على أنه واقع موقع اسم الإشارة، ويعود إلى (شدائد)) باعتبار المذكور، أو المنكر وهو الشدائد. وقوله: ((لا ينجو)) على الأول استئناف، وعلى الثاني صفة قوله: ((شدائد)). ((السوابق)) جمع سابقة وهي الخصلة المفضلة إما السعادة وإما البشرى بالثواب من عند الله، وإما التوفيق للطاعة كقوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾. وقوله: ((عرف دين الله فجاهد عليه ...)) إلى آخر الحديث هو من باب التقسيم الحاصر؛ لأن الناهي عن المنكر إما سابق وإما مقتصد أو دونهما. فالفاءات في قوله: ((فجاهد، فصدق، فسكت)) مسببات عن العرفان، فمعنى الأول: من عرف دين الله حق معرفته وتصلب في دينه فبذل جهده في المجاهدة بلسانه ويده وقلبه. ومعنى الثالث: من عرف دين الله أدنى معرفة سكت، فلم يجهد فيه إلا على قدر إيمانه. وذلك بالكراهة بالقلب. وهو المراد من قوله في الحديث الآخر: ((وذلك أضعف الإيمان)) فيبقى قوله: ((فصدق به)) في درجة المقتصد فينبغي أن يفسر بما هو دون الأولى وفوق الثالثة، وهو أن يجاهد بلسانه وقلبه. والتصديق يستعمل حقيقة في اللسان مجازا في العمل، فتصديقه هنا معبر عن دفع المنكر بلسانه وقلبه. وقوله: ((على إبطانه كله)) أي إبطان محبة الخير في قلبه. وإبطان بغض الباطل في قلبه.

стр. 2657

٥١٥٢ - وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((أوحى الله إلى جبريل ﵇: أن اقلب مدينة كذا وكذا بأهلها قال: يا رب! إن فيهم عبدك فلاناً لم يعصك طرفة عين)). قال: ((فقال: اقلبها عليه وعليهم، فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط)). [٥١٥٢] ٥١٥٣ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يسأل العبد يوم القيامة، فيقول: ما لك إذا رأيت المنكر فلم تنكره؟)) قال رسول الله ﷺ : ((فيلقى حجته، فيقول: يا رب! خفت الناس ورجوتك)) روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في ((شعب الإيمان)). [٥١٥٣] ٥١٥٤ - وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((والذي نفس محمد بيده إن المعروف والمنكر خليقتان، تنصبان للناس يوم القيامة، فأما المعروف فيبشر أصحابه ويوعدهم الخير، وأما المنكر فيقول: إليكم إليكم؛ وما يستطيعون له إلا لزوما)). رواه أحمد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). ــ الحديث الثاني عن جابر ﵁: قوله: ((اقلب)) أمر و ((أن)) مفسرة لما في ((أوحى)) من معنى القول. قوله: ((لم يتمعر)) ((نه)) أي لم يتغير، وأصله قلة النضارة وعدم إشراق اللون، من قولهم: مكان أمعر وهو الجدب الذي لا خصب فيه. الحديث الثالث عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((فيلقى حجته)). ((نه)): أي يتعلم ويتواصى بها ويتنبه عليها، كقوله تعالى: ﴿وما يلقاها إلا الصابرون﴾. قوله: ((خفت الناس)). قال البيهقي: يحتمل أن يكون هذا فيمن يخاف سطوتهم وهو لا يستطيع دفعها عن نفسه. الحديث الرابع عن أبي موسى ﵁: قوله: ((خليقتان)) أي مخلوقتان. قوله: ((وما يستطيعون له)) يعني يبعدهم المنكر عن نفسه وهم لا يقدرون أن يفارقون والله أعلم بالصواب.

стр. 2658

كتاب الرقاق الفصل الأول ٥١٥٥ - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)). رواه البخاري. ــ كتاب الرقاق ((غب)): الرقة كالدقة لكن الدقة تقال اعتبارا لمراعاة جوانبه، والرقة اعتبارا بعمقه، يقال فلان رقيق القلب وقاسي القلب. ((مظ)): الرقاق جمع رقيق، وهو الذي فيه رقه. سميت هذه الأحاديث رقاقاً؛ لأن في كل حديث من الوعظ والتنبيه ما يجعل القلب رقيقاً، ويحدث في القلب رقة. الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((نعمتان)). ((غب)): النعمة الحالة الحسنة وبناء النعمة بناء الحالة التي يكون عليها الإنسان كالجلسة. قال الإمام فخر الدين الرازي: النعمة عبارة عن المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير. ((غب)): الغبن أن تبخص صاحبك في معاملة بينك وبينه من الإخفاء. فإن كان ذلك في مال يقال: غبن فلان، وإن كان في رأي يقال: غبن. الجوهري: الغبن بالتسكين في البيع والتحريك في الرأي. يقال: غبنته في الربيع بالفتح أي خدعته، وقد غبن فهو مغبون، وغبن رأيه بالكسر إذا نقضته، فهو غبين الرأي أي ضعيف الرأي. أقول: إن رسول الله ﷺ ضرب مثلا للمكلف بالتاجر الذي له رأس مال، وهو يبيع ويشتري ويطلب من تجارته سلامة رأس المال والربح، فالواجب عليه أن يتحرى فيها من يعامله، ويكون صدوقاً غير مخادع لئلا يغبنه في معاملته. فنعمتا الفراغ والصحة رأس مال المكلف، فينبغي له أن يعامل الله تعالى بالإيمان بالله ورسوله، والمجاهدة مع النفس وأعداء الدين؛ لئلا يغبن ويربح في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: ﴿هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم﴾ ويجتنب معاملة الشيطان لشلا يغبن فيضيع رأس ماله مع الربح.

стр. 2659

٥١٥٦ - وعن المستورد بن شداد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم؛ فلينظر بم يرجع؟)). رواه مسلم. ٥١٥٧ - وعن جابر، أن رسول الله ﷺ مر بجدي أسك ميت. قال: ((أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟)) فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء. قال: ((فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم)). رواه مسلم. ٥١٥٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)). رواه مسلم. ــ فالكثير في الحديث في مقابلة القليل في قوله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ والشكر كما علمت في إزاء النعمة. وشكر العباد لله تعالى عبارة عن آداب الجوارح في طاعته وتحرى مراضيه بقلبه. والنداء على التحميد بلسانه وبناء المبالغة في الشكور ينبئ عن هذه الأقسام. والله أعلم. الحديث الثاني عن المستورد ﵁: قوله: ((ما الدنيا في الآخرة)) أي مثل الدنيا في جنب الآخرة. قوله (فلينظر بم يرجع)) وضع موضع قوله: فلا يرجع بشيء، كأنه ﷺ يستحضر تلك الحالة في مشاهدة السامع ثم يأمره بالتأمل والتفكر هل يرجع بشيء أم لا؟ هذا تمثيل على سبيل التقريب، وإلا فأين المناسبة بين المتناهي وغير المتناهي؟ الحديث الثالث عن جابر ﵁: قوله: ((الأسك)) الأسك الصغير الأذن، ويقال للذي لا أذن له. قوله: ((أيكم يحب؟)) في هذا الاستفهام إرشاد منه ﷺ وتنبيه، ينبههم ﷺ على إلقاء السمع للخطاب الخطير، وشهود القلب لما يعني به من الخطب الجليل؛ وهو هوان الدنيا ليوطن ذلك في قلوبهم مزيد توطين، ويقرره تقريراً بعد تقرير وهو على منوال قوله تعالى: ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه﴾ الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الدنيا سجن المؤمن)). ((فا)): أراد أن الدنيا للمؤمن كالسجن في جنب ما أعد له من المثوبة، وللكافر كالجنة في جنب ما أعدله من العقوبة. وقيل: إن المؤمن غرب نفسه عن الملاذ وأخذها بالشدائد، فكأنه في السجن، والكافر [روحها] في الشهوات فهي له كالجنة، انتهى كلامه. ولما مات داود الطائي، سمع هاتفا يهتف: أطلق داود من السجن.

стр. 2660

٥١٥٩ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها الله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها)). رواه مسلم. ٥١٦٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره)). متفق عليه. إلا أن عند مسلم: ((حفت)). بدل: ((حجبت)). ــ قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي: إن السجن والخروج منه يتعاقبان على قب العبد المؤمن على توالي الساعات ومرور الأوقات؛ لأن النفس كلما ظهرت بصفاتها أظلم الوقت على القلب حتى ضاق وانكمد، وهل السجن إلا تضييق وحجر من الخروج والولوج. فكلما هم القلب بالتبرز عن مشائم الأهواء الدنيوية والتخلص عن قيود الشهوات العاجلة؛ تسببا إلى الآجلة، وتنزها في قضاء الملكوت ومشاهدة للجمالة الأزلي، حجزه الشيطان المردود عن هذا الباب المطرود بالاحتجاب، فتدلى بحبل النفس الأمارة إليه فكدر صفو العيش عليه، وحال بينه وبين محبوب طبعه. وهذا من أعظم السجون وأضيقها؛ فإن من حيل بينه وبين محبوبه ضاقت عليه الأرض بما رحبت وضاقت عليه نفسه؛ ولهذا المعنى أخبر الله تعالى عن جماعة من الصحابة، حيث تخلفوا عن رسول الله ﷺ في بعض الغزوات، فقال تعالى: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى ضاقت عليهم الأرض بم رحبت﴾ الآية. الحديث الخامس عن أنس ﵁: قوله: ((لا يظلم مؤمنا حسنة)) ((حس)): لا يظلم ولا ينقص، وهو متعدي إلى مفعولين: أحدهما ((مؤمنا)) والآخر ((حسنة)). ومعناه: أن المؤمن إذا اكتسب حسنة، يكافئه الله تعالى بأن يوسع عله رزقه ويرغد عيشه في الدنيا، وبأن يجزى ويثيب في الآخرة. والكافر إذا اكتسب حسنة في الدنيا، بأن يفك أسير أو ينقذ غريقا، يكافئه الله تعالى في الدنيا ولا يجزيه في الآخرة. أقول: الباء في قوله: ((يعطي بها)) إن حملت على السببية فتحتاج إلى مقدر، أي يعطى بسببها حسنة، وإن حملت على البدل فلا. وأما الباء في ((يجزى بها)) فهي للسببية. واعلم أن ((أما)) التفصيلية تقتضي التعدد لفظاً أو تقديراً. وقرينتها هاهنا الكلام السابق، والقرينتان واردتان على التقابل، فيقدر في كل من القرينتين ما يقابل الأخرى، ذكر في القرينة الثانية أن الكافر إذا صدرت منه حسنة يستوفي أجرها بكمالها في الدنيا، حتى لا يكون له نصيب في الآخرة قط. والمؤمن بخلافه إنما يجزى الجزاء الأوفي في الآخرة؛ ولذلك قيل:

стр. 2661

٥١٦١ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، أن أعطي رضى، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش. طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن ــ ((يجزى بها في الآخرة)) مصرحا، وما يناله في الدنيا من رغد العيش المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فلنحينه حياة طيبة﴾ فهو فضل وحسان من الله تعالى؛ ولذلك قيل: ((يعطى بها)) ولم يقل: ((يجزى بها)). وتحرير المعنى أن الله تعالى لا يظلم أحدا عمل حسنة، فأما المؤمن فيجزيه في الآخرة الجزاء الأوفي، ويفضل عليه في الدنيا. وأما الكافر فيجزيه في الدنيا الجزاء الأوفي وماله في الآخرة من نصيب. وإليه ينظر قوله تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها، وما له في الآخرة من نصيب﴾. الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((حجبت النار)) ((مح)): معناه لا يوصل إلى الجنة إلا بارتكاب المكاره، والنار إلا بارتكاب الشهوات؛ ولذلك هما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب، فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره، وهتك حجاب النار بارتكاب الشهوات. وأم المكاره فيدخل فيها الاجتهاد في العبادات والمواظبة عليها، والصبر عن الشهوات ونحو ذلك. وأما الشهوات التي النار محفوفة بها، فالظاهر أنها الشهوات المحرمة كالخمر والزنا والغيبة ونحو ذلك، وأما الشهوات المباحة فلا تدخل في هذا. الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((تعس)) ((نه)) تعس يتعس إذا عثر وانكب بوجهه، وقد تفتح العين وهو دعاء عليه بالهلاك ((وانتكس)) أي انقلب على رأسه وهو دعاء عليه بالخيبة، لأن من انتكس في أمره فقد خاب وخسر. وإذا شيك أي إذا شاكته شوكة فلا يقدر على انتقاشها وهو إخراجها بالمنقاش. و ((الخميصة)) ثوب خز أو ثوب صوف معلم. وقيل: لا يسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة، وكانت من لباس الناس قديماً، وجمعها الخمائص، انتهى كلامه. قيل: خص العبد بالذكر ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها، كالأسير الذي لا خلاص له عن أسره. ولم يقل: مالك الدينار أو جامع الدينار؛ لأن المذموم من الدنيا الزيادة على قدر الحاجة لا قدر الحاجة. وقوله: ((إن أعطى رضي، وإن لم يعط سخط)) يؤذن بشدة حرصه في جمع الدنيا، وطمعه فيما في أيدي الناس. وفي قوله: ((تعس وانتكس)) صيغة الترديد مع الترقي. أعاد ((تعس)) الذي هو الانكباب على الوجه، ليضم معه الانتكاس الذي هو الانقلاب على الرأس؛ ليترقى في الدعاء عليه من الأهون إلى الأغلط. ثم ترقى منه إلى قوله: ((وإذا شيك فلا انتقش)) على معنى

стр. 2662

كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع)). رواه البخاري. ٥١٦٢ - وعن أبي سعيد الخدري، أن رسول ﷺ قال: ((إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفت عليكم من زهرة الدنيا وزينتها)). فقال رجل: يا رسول الله! ــ أنه إذا وقع في البلاء فلا يترحم عليه، فإن من وقع في البلاء إذا ترحم له الناس ربما هان الخطب عليه ويتسلى بض التسلي، وهؤلاء بخلافه بل يزيد غيظهم بفرح الأعداء وشماتتهم. وإنما خص انتقاش الشوك بالذكر؛ لأن الانتقاش أسهل ما يتصور من المعاونة لمن أصابه مكروه، فإذا نفي ذلك الأهون. فيكون ما فوق ذلك منفياً بالطريق الأولى. وقوله: ((أشعث)) و ((مغبرة)) حالان من الضمير في ((آخذ)) لاعتماده على الموصوف، ويجوز أن يكون حالين من ((العبد)) لأنه موصوف. قوله: ((إن كان في الحراسة)) ((تو)): أراد بالحراسة حراسة من العدو أن يهجم عليهم. وذلك يكون في مقدمة الجيش. و ((الساقة)) مؤخرة الجيش. والمعنى ائتماره لما أمر وإقامته حيث أقيم لا يفقد من مكانه بحال، وإنما ذكر الحراسة والساقة لأنهما أشد مشقة وأكبر آفة، الأول عند دخولهم دار الحرب والآخر عند خروجهم منها. قيل: قوله: ((إن استأذن لم يؤذن له)) إشارة إلى عدم التفاته إلى الدنيا وأنهابها بحيث يعني بكليته في نفسه لا يبتغي مالا ولا جاها عن الناس، بل يكون عند الله وجيها ولم يقبل الناس شفاعته وعند الله يكون شفيعا مشفعا. أقول: قد تقرر في علم المعاني: أن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل على فخامة الجزاء وكماله، والشريطتان مؤكدتان للمعنى السابق؛ فإن قوله: ((آخذ بعنان فرسه)) يدل على اهتمامه بشأن ما هو فيه من المجاهدة في سبيل الله، وليس له هم سواه لا الدرهم والدينار بله نفسه، فتراه أشعث رأسه مغبرة قدماه. فإذا كان في الحراسة يبذل جهده فيها لا يفتر عنها بالنوم والغفلة ونحوهما؛ لأنه ترك نصيبه من الراحة والدعة. وإن كان في ساقة الجيش لا يخاف الانقطاع ولا يهتم إلى السبق، بل يلازم ما هو لأجله. فعلى هذا هذه القرينة إلى آخرها جاءت مقابلة للقرينة الأولى، فدلت الأولى على اهتمام صاحبها بعيش العاجلة، والثانية على اهتمام صاحبها بعيش الآجلة؛ ولذلك صح في الحديث السابق في كتاب الجهاد: ((من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله، يطير على (متنه))) الحديث. الحديث الثامن عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((من زهرة الدنيا))، ((فا)): أي حسنها وبهجتها وكثرة خيرها و ((الرحضاء)) هي عرق الحمى، كأنها ترحض الجسد أي تغسله. ((نه)): الحبط بالتحريك الهلاك، يقال: حبطت الدابة تحبط حبطا بالتحريك إذا أصابت مرعى طيبا،

стр. 2663

أو يأتي الخير بالشر؟ فسكت، حتى ظننا أنه ينزل عليه. قال: فمسح عنه الرحضاء وقال: ((أين السائل؟)). وكأنه حمده فقال: ((إنه لا يأتي الخير بالشر، وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم، إلا آكلة الخضر أكلت حتى امتدت خاصرتاها، استقبلت ــ فأفرطت في الأكل حتى تنتفخ فتموت. وذلك أن الربيع ينبت أحرار العشب فتستكثر منها الماشية. و ((يلم)) أي تقرب وتدنو من الهلاك. و ((الخضر)) بكسر الضاد نوع من القبول، ليس من أحرارها وجيدها، وإنما يرعاها المواشي إذا لم تجد سواها، فلا تكثر من أكلها ولا تستمرئ بها. و ((الثلط)) الرجيع الرقيق. وأكثر ما يقال للإبل والبقر والفيلة. ((قض)): و ((آكلة)) نصب على أنه مفعول ((يقتل)) والاستثناء مفرغ، والأصل أن مما ينبت الربيع ما يقتل آكله إلا آكل الخضر على هذا الوجه. وإنما صح الاستثناء المفرغ من المثبت لقصد التعميم فيه، ونظيره قرأت إلا يوم كذا. أقول: وعليه ظاهر كلام المظهر، والأظهر أن الاستثناء منقطع لوقوعه في الكلام المثبت وهو غير جائز عند صاحب الكشاف إلا بالتأويل؛ ولأن ما يقتل حبطا بعض ما ينبت الربيع لدلالة ((من)) التبعيضية عليه، والتقسيم في قوله: ((إلا آكلة الخضر)) لأن الخضر غير ما يقتل حبطاً، يشهد له ما في شرح السنة. قال الأزهري: فيه مثلان: ضرب أحدهما للمفرط في جمع الدنيا ومنعها من حقها، وضرب الآخر للمقتصد في أخذها والانتفاع بها، وأما قوله: ((إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا)) فهو مثل للمفرط الذي يأخذها بغير حق. وذلك أن الربيع مما ينبت أحرار الشعب فتستكثر منه الماشية حتى تنتفخ بطونها، لما قد جاوزت حد الاحتمال فتنشق أمعاؤها فتهلك، كذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلها ويمنع ذا الحق حقه، يهلك في الآخرة بدخول النار. وأما مثل المقتصد فقوله ﷺ : ((إلا آكلة الخضر)) وذلك أن الخضر ليست من أحرار البقول التي ينبتها الربيع فتستكثر منها الماشية، ولكنها من كلأ الصيف التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول شيئاً فشيئاً من غير استكثار. فضرب مثلا لمن يقتصد في أخذ الدنيا ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها، فهو ينجو من وبالها. ((شف)): في قوله: ((حتى امتدت خاصرتها، استقبلت عين شمس)) أن المقتصد المحمود العاقبة، وإن جاوز حد الاقتصاد في بعض الأحيان، وقرب من السرف المذموم لغلبة الشهوة المركوزة في الإنسان. وهو المعني بقوله: ((أكلت حتى امتدت خاصرتاها)) لكنه يرجع عن قريب عن ذلك الحد المذموم، ولا يثبت عليه بل يلتجئ إلى الدلائل النيرة والبراهين الواضحة الدافعة للحرص المهلك القامعة له، وهو المدلول عليه بقوله: ((استقبلت عين شمس وثلطت

стр. 2664

عين الشمس فثلطت وبالت ثم عادت فأكلت وإن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بحقه، ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيداً عليه يوم القيامة)). متفق عليه. ــ وبالت)) فحذف ما حذف في المرة الثانية لدلالة ما قبلها عليه. وفيه إرشاد إلى أن المحمود العاقبة وإن تكرر منه الخروج عن حد الاقتصاد والقرب من حد الإسراف مرة بعد أولى وثانية بعد أخرى لغلبة الشهوة عليه وقوتها فيه، لكنه يمكن أن يبعد بمشيئة الله تعالى عن الحد المذموم الذي هو الإسراف، ويقرب من الاقتصاد الذي هو الحد المحمود. أقول: فعلى هذا الاستثناء متصل، لكن يجب التأويل في المستثنى، المعنى أن من جملة ما ينبت الربيع شيئاً يقتل آكله إلا الخضر منه، إذا اقتصد فيه آكله ودفع ما يؤديه إلى الهلاك. قوله: ((إن هذا المال خضرة حلوة))، ((تو)): كذلك ترويه من كتاب البخاري على التأنيث، وقد روى أيضاً ((خضر حلو)) والوجه فيه أن يقال: إنما أنث على معنى تأنيث المشبه به، أي إن هذا المال شيء كالخضرة. وقيل: معناه كالبقلة الخضرة، أو يكون على معنى فائدة المال، أي إن الحياة به أو العيشة خضرة. أقول: ويمكن أن يعبر عن لمال بالدنيا، لأنه أعظم زينتي الحياة الدنيا. لقوله تعالى: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾ فيوافق حديث أبي سعيد الخدري ﵁: ((الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم)) على ما مر في الباب السابق. ثم الحديث يستدعي فضل تقرير وتحرير، فالاستفهام في قولهم ((أو يأتي الخير بالشر)) استرشاد منهم؛ ومن ثم حمد ﷺ السائل. والباء في ((بالشر)) صلة ((يأتي)) يعني هل يستجلب الخير الشر؟. وجوابه ﷺ : ((لا يأتي الخير بالشر)) معناه: لا يأتي الخير بالشرـ لكن قد يكون سبباً له ومؤدياً إليه؛ فإن الربيع قد ينبت أحرار العشب والكلأ فهي كلها خير في نفسها، وإنما يأتي الشر من قبل الآكل، فمن آكل مستلذ مفرط منهمك فيها. بحيث تنتفخ فيه أضلاعه وتمتلئ خاصرتاه ولا تقلع عنه فيهلكه سريعا. ومن آكل كذا فيشرفه إلى الهلاك، ومن آكل مسرف حتى تنتفخ خاصرتاه، لكنه يتوخى إزالة ذلك ويتحيل في دفع مضرتها حتى ينهضم ما أكل، ومن آكل غير مفرط ولا مسرف يأكل منها ما يسد جوعته، ولا يسرف فيه حتى يحتاج إلى دفعه. الأول مثل الكافر؛ ومن ثمة أكد القتل بالحبط أي يقتل قتلا حبطا، والكافر هو الذي يحبط

стр. 2665

٥١٦٣ - وعن عمرو بن عوف، قال: قال رسول الله ﷺ : ((فو الله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم)) متفق عليه. ــ أعماله. والثاني مثال المؤمن الظالم لنفسه المنهمك في المعاصي. والثالث مثال المقتصد. والرابع مثال السابق الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، كما قال: ((من أراد الآخرة ترك زينة الدنيا)) وهذا الوجه يفهم من الحديث وإن لم يصرح به، وفي كلام الشيخ محيي الدين إشعار بهذا التقسيم. قوله: ((فمن أخذه بحقه)) أي باحتياجه وحله ووضعه في حقه بأن أخرج منه حقه الواجب فيه شرعا كالزكاة، فنعم المعين هو لصاحبه، يبلغ به الخير وينجو به من الشر. قال الشيخ أبو حامد: مثال المال مثال الحية التي فيها ترياق نافع وسم يافع، فإن أصابها المغرم الذي يعرف وجه الاحتراز عن شرها وطريق استخراج ترياقها النافع، كانت نعمة. وإن أصابها السوادي الغبي فهي عليه بلاء مهلك، انتهى كلامه. وقوله: ((كالذي يأكل ولا يشبع)) ذكر في مقابلة قوله: ((فنعم المعونة)) ومعناه: أن أخذ المال بغير حقه بأن جمعه من الحرام ومن غير احتياج إليه، ولم يخرج منه حقه الواجب فيه، فيكون ذلك وبالا عليه لا معونة له، فيصير كالداء العضال الذي يهلك صاحبه وهو الحرص الباعث على من به جوع كالكلب، فإن مصيره إلى الهلاك. وقوله: ((ويكون شهيداً عليه)) أي حجة عليه يوم القيامة يشهد على حرصه وإسرافه، وأنه أنفقه فيما لا يرضاه الله تعالى ولم يؤد حقوقه. الحديث التاسع عن عمرو ﵁: قوله: ((ولكن أخشى عليكم)). فإن قلت: ما الفائدة في تقديم المفعول في القرينة الأولى دون الثانية؟ قلت: فائدته الاهتمام بشأن الفقر؛ لأن الأب المشفق إذا احتضر إنما يكون اهتمامه بشأن الولد ضياعه، وإعدامه المال، كأنه ﷺ يقول: حالي معكم خلاف حال الولد؛ فإني لا أخشى الفقر كما يخشاه الوالد، ولكن خوفي من الغنى الذي هو مطلوب الوالد للولد. ثم التعريف في الفقر إما أن يكون للعهد، فهو الفقر الذي كانت الصحابة عليه من الإعدام والقلة، والبسط هو ما يبسط الله تعالى عليهم من فتح البلاد. وإما للجنس وهو الفقر الذي يعرفه كل أحد ما هو، والبسط الذي يعرفه كل أحد، ونظيره ما فسر به قوله تعالى: ﴿فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا﴾.
следующие страницы →