Полный текст (3 308 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
٥٠١٣ - ورواه في ((شرح السنة)) عن أبي مالك بلفظ ((المصابيح)) مع زوائد وكذا في ((شعب الإيمان)). [٥٠١٣]
٥٠١٤ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر: ((يا أبا ذر! أي عرى الإيمان أوثق؟)) قال: الله ورسوله أعلم. قال: ((الموالاة في الله، والحب في الله، والبغض في الله)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥٠١٤]
٥٠١٥ - وعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: ((إذا عاد المسلم أخاه أو زاره قال الله تعالى: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٥٠١٥]
ــ
قوله: ((إن وجوههم لنور)) أي منورة أو ذوات نور أو هي نفس النور فهم على نور.
وقوله: ((وإنهم لعلى نور)) أي على منابر من نور يشهد له الحديث السابق: ((المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء)). ((قض)): هو تمثيل لمنزلتهم ومحلهم، مثلها بما هو أعلى ما يجلس عليه في المجالس والمحافل على أعز الأوضاع وأشرفها، من جنس ما هو أبهى وأحسن ما يشاهد؛ ليدل على أن رتبتهم في الغاية القصوى من العلاء والشرف والبهاء.
الحديث الثالث عن ابن عباس ﵄: قوله: ((أي عرى الإيمان أوثق؟)) هي جمع ((عروة)) وهي ما يجعل في الأحمال والرواحل، ويجعل بين كل من العروتين شظاظ فيحمل على البعير. وهو يجوز أن يكون استعارة مصرحة بحقيقة شبه الموالاة والمحبة في الله والبغض في الله بعروة الراحلة في استيثاقها وإحكامها. فحذف المشبه به وأتى بالمشبه مضافاً إلى الإيمان؛ ليكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة، وأن تكون مكنية بأن يكون المشبه الإيمان والمشبه به الأعمال، ويتوهم للإيمان على سبيل التخييلية من لوازم المشبه به. وقرينتا الإضافة إليه. ويجوز أن تكون تمثيلية مثل المعلوم بالنظر والاستدلال بالشاهد المحسوس حتى يتصوره السامع، كأنه ينظر إليه بعينه، فيحكم اعتقاده والتيقن به.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وطاب ممشاك)) القرائن الثلاث يجوز أن تحمل على الدعاء وعلى الإخبار، وقوله: ((طبت)) دعاء لنفسه. و ((طاب ممشاك)) دعاء له.
стр. 2592
٥٠١٦ - وعن المقدام بن معد يكرب، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه)). رواه أبو داود، والترمذي. [٥٠١٦]
٥٠١٧ - وعن أنس، قال: مر رجل بالنبي ﷺ وعنده ناس. فقال رجل ممن عنده: إني لأحب هذا لله. فقال النبي ﷺ : ((أعلمته؟)). قال لا. قال ((قم إليه فأعلمه؟. فقام إليه فأعلمه فقال: أحبك الذي أحببتني له. قال: ثم رجع. فسأله النبي ﷺ ، فأخبره بما قال. فقال النبي ﷺ : ((أنت مع من أحببت، ولك ما احتسبت)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). وفي رواية الترمذي: ((المرء مع من أحب وله ما اكتسب)). [٥٠١٧]
٥٠١٨ - وعن أبي سعيد، أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي)). رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي. [٥٠١٨]
ــ
وأن كل خطوة خطاها يحط بها سيئة، ويكتب له بها حسنة، هذا في الدنيا، وفي الآخرة تبوأت من الجنة منزلا. والتنكير في ((منزلا)) للتفخيم أي منزلا أي منزل.
الحديث الخامس عن المقدام ﵁: قوله: ((فليخبره أنه يحبه))، ((خط)) معناه: الحث على التودد والتألف. وذلك أنه إذا أخبر أنه يحبه استمال قلبه بذلك واجتلب به وده وفيه أنه إذا علم أنه محب له واد، قبل نصحه، ولم يرد عليه قوله في عيب إن أخبره به.
الحديث السادس عن أنس ﵁: قوله: ((أحبك الذي أحببتني له)) دعاء له أخرجه مخرج الماضي تحقيقاً له وحرصاً على وقوعه قوله: ((ولك ما احتسبت)) وفي رواية: ((وله ما اكتسب))، ((تو))، كلا اللفظين قريب من الآخر في المعنى المراد منه.
أقول: وذلك لأن معنى ((اكتسب)): كسب كسبا يعتد به، ولا يرد عليه بسبب الرياء والسمعة. وهذا هو معنى الاحتساب؛ لأن الافتعال للاعتمال. ((نه)): الاحتساب من الحسب كالاعتداد من العد. وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله: احستبه؛ لأن له حينئذ أن يعتد عمله فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به. و ((الحسبة)) اسم من الاحتساب كالعدة من الاعتداد.
الحديث السابع عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((ولا يأكل طعامك إلا تقي))
стр. 2593
٥٠١٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال النووي: إسناده صحيح.
٥٠٢٠ - وعن يزيد بن نعامة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أخى الرجل الرجل فليسأله عن اسمه واسم أبيه، وممن هو؟ فإنه أوصل للمودة)). رواه الترمذي. [٥٠٢٠]
ــ
((خط)): هذا إنما جاء في طعام الدعوة دون طعام الحاجة. وذلك أن الله تعالى قال: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا﴾ ومعلوم أن أسراءهم كانوا كفاراً غير مؤمنين، وإنما حذر من صحبة من ليس بتقي وزجر عن مخالطته ومؤاكلته؛ لأن المطاعمة توقع الألفة والمودة في القلوب، انتهى كلامه.
فإن قلت: ما معنى القرينتين؟ قلت: المؤمن، يجوز أن يراد به العام، وأن يراد به الخاص الذي يقابله الفاسق، كقوله تعالى: ﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقاً﴾ فيكون المعنى: لا تصاحب إلا صالحاً. وقوله: ((ولا يأكل)) نهي لغير التقي أن يأكل طعامه، فالمراد نهيه عن أن يتعرض لما لا يأكل التقي طعامه من كسب الحرام، وتعاطي ما ينفر عنه التقي. والمعنى لا تصاحب إلا مطيعاً ولا تخالل إلا تقياً.
الحديث الثامن والتاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((خليله))، ((نه)): الخليل الصديق فعيل بمعنى مفاعل. وقد يكون بمعنى مفعول، والخلة- بالضم- الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت خلاله، أي في باطنه. قال الشيخ أبو حامد؛ مجالسة الحريص ومخالطته تحرك الحرص، ومجالسة الزاهد ومخالطته تزهد في الدنيا؛ لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل والطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري.
قوله: ((إسناده صحيح)) ذكره في كتاب رياض الصالحين، وغرض المؤلف من إيراده والإطناب فيه دفع الطعن في هذا الحديث، ودفع توهم من توهم أنه موضع.
стр. 2594
الفصل الثالث
٥٠٢١ - عن أبي ذر، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ قال: ((أتدرون أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟)) قال قائل؛ الصلاة والزكاة. وقال قائل؛ الجهاد. قال النبي ﷺ : ((إن أحب الأعمال إلى الله تعالى الحب في الله والبغض في الله)). رواه أحمد، وروى أبو داود الفصل الأخير. [٥٠٢١]
٥٠٢٢ - وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أحب عبد عبداً لله إلا أكرم ربه ). [٥٠٢٢]
٥٠٢٣ - وعن أسماء بنت يزيد، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ألا أنبئكم بخياركم؟)) قالوا: بلى يا رسول الله! قال: ((خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله)). رواه ابن ماجه. [٥٠٢٣]
٥٠٢٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو أن عبدين تحابا في الله ، واحد في المشرق وآخر في المغرب؛ لجمع الله بينهما يوم القيامة. يقول: هذا الذي كنت تحبه في)). [٥٠٢٤]
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي ذر ﵁: قوله: ((إن أحب الأعمال إلى الله تعالى)) فإن قلت: كيف يكون الحب في الله أحب إلى الله تعالى من الصلاة والزكاة والجهاد؟ قلت: من أحب في الله يحب أنبياءه وأولياءه، ومن شرط محبته إياهم: أن يقفوا أثرهم ويطيع أمرهم. قال الشاعر:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في المقياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
стр. 2595
٥٠٢٥ - وعن أبي رزين، أنه قال له رسول الله ﷺ : ((ألا أدلك على ملاك هذا الأمر الذي تصيب به خير الدنيا والآخرة؟ عليك بمجالس أهل الذكر، وإذا خلوت فحرك لسانك ما استطعت بذكر الله، وأحب في الله وأبغض في الله، يا أبا رزين! هل شعرت أن الرجل إذا خرج من بيته زائراً أخاه، شيعه سبعون ألف ملك، كلهم يصلون عليه ويقولون: ربنا إنه وصل فيك فصله؟ فإن استطعت أن تعمل جسدك في ذلك فافعل)). [٥٠٢٥]
٥٠٢٦ - وعن أبي هريرة، قال: كنت مع رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ((إن في الجنة لعمداً من ياقوت عليها غرف من زبرجد، لها أبواب مفتحة تضيء كما يضيء الكوكب الدري)). فقالوا: يا رسول الله! من يسكنها؟ قال: ((المتحابون في الله، والمتجالسون في الله، والمتلاقون في الله)) روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في ((شعب الإيمان)). [٥٠٢٦]
(١٧) باب ما ينهى عنه
من التهاجر والتقاطع وإتباع العورات
الفصل الأول
٥٠٢٧ - عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل للرجل
ــ
وكذلك من أبغض في الله أبغض أعداءه وبذلك جهده في المجاهدة معهم بالسنان واللسان. والفصل الأخير هو قوله: ((إن أحب الأعمال إلى الله تعالى ...)) الحديث.
الحديث الثاني إلى الحديث الخامس عن أبي رزين: قوله: ((هذا الأمر)) المشار إليه ما في الذهن وهو مبهم، فبينه ووصفه بقوله: ((الذي تصيب به خير الدنيا وخير الآخرة)).
والملاك ما يتقوم به الشيء. وقوله: ((أن تعمل جسدك)) عبارة عن بذلك الجهد واستفراغ الطاقة فيه.
الحديث السادس ظاهر.
стр. 2596
أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)) متفق عليه.
٥٠٢٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً)). وفي رواية: ((ولا تنافسوا)). متفق عليه.
ــ
باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع وإتباع العورات
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي أيوب ﵁: قوله: ((أخاه)) تخصيصه بالذكر إشعار بالعلية. والمراد به أخوة الإسلام، ويفهم منه أنه إن خالف هذه الشريطة وقطع هذه الرابطة جاز هجرانه فوق ثلاثة. ((نه)): يريد به أن الهجر ضد الوصل. يعني فيما يكون بين المسلمين من عتب وموجدة أو تقصير يقع في حقوق العشرة والصحبة دون ما كان من ذلك في جانب الدين؛ فإن هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة على مر الأوقات ما لم يظهر منه التوبة والرجوع إلى الحق؛ فإنه ﷺ لما خاف على كعب بن مالك وأصحاب النفاق، حين تخلفوا عن غزوة تبوك أمر بهجرانهم خمسين يوماً. وقد هجر نساءه شهراً وهجرت عائشة ابن الزبير مدة. وهجر جماعة من الصحابة جماعة منهم. وماتوا متهاجرين. ولعل أحد الأمرين منسوخ بالآخر. انتهى كلامه.
فإن قلت: ما موقع قوله: ((يلتقيان)) وموقع قوله: ((خيرهما))؟ قلت: الأولى بيانية استئنافية، بيان لكيفية الهجران، والثانية عطف على الأولى من حيث المعنى لما يفهم منها أن ذلك الفعل ليس بخير ويجوز أن يكون الأول حالا من فاعل ((يهجر)) ومفعوله معاً، نحو قول الشاعر:
متى ما نلتقي فردين ترجف ورانف أليتيك وتستطارا
وعلى هذا الثانية معطوفة على قوله: ((لا يحل)).
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إياكم والظن))، ((قض)): التحذير عن الظن فيما يجب فيه القطع أو التحدث به مع الاستغناء عنه أو عما يظن كذبه. والتجسس بالجيم تعرف الخبر بتلطف، ومنه الجاسوس، وبالحاء تطلب الشيء بحاسة كاستراق السمع وإبصار الشيء خفية. وقيل: الأول التفحص عن عورات الناس وبواطن أمورهم بنفسه أو بغيره. والثاني أن يتولى ذلك بنفسه. وقيل: الأول مخصوص بالشر والثاني يعم الخير والشر.
والتناجش أن يزيد هذا على ذاك وذلك على هذا في البيع، والنجش دفع الثمن، وقيل: المراد في الحديث: النهي عن إغراء بعضهم بعضا على الشر والخصومة. والتدابر والتقاطع،
стр. 2597
٥٠٢٩ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، يغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا)) رواه مسلم.
٥٠٣٠ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((تعرض أعمال الناس في كل جمعة
ــ
مأخوذ من الدبر؛ فإن كل واحد من المتقاطعين يولي دبره صاحبه. والتحاسد والتنافس واحد في المعنى وإن اختلفا في الأصل.
أقول: قوله: ((إخواناً)) يجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكون بدلا، أو هو الخبر. وقوله: ((عباد الله)) منصوب على الاختصاص بالنداء، وهذا الوجه أوقع، يعني أنكم مستوون في كونكم عباد الله تعالى، وملكتم ملة واحدة، فالتحاسد والتباغض والتقاطع منافية لحالكم. فالواجب عليكم أن تكونوا إخواناً متواصلين متآلفين، كقوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون، وتقطعوا أمرهم بينهم﴾.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا يشرك بالله)) صفة ((عبد)) وقوله: محمول على المعنى أي لا يبقى ذنب أحد إلا ذنب رجل. ونحوه قول الفرزدق:
ــ لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلف
كأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت أو مجلف. وقوله تعالى: ﴿فشربوا منه إلا قيلا منهم﴾ أي فلم يطيعوه إلا قليل. ((مح)): قال القاضي عياض: معنى فتح باب من أبواب الجنة كثرة الصفح والغفران ورفع المنازل وإعطاء الثواب الجزيل. ويحتمل أن يكون على ظاهره، وأن فتح أبوابها علامة لذلك. و ((الشحناء)) العداوة كأنه يشحن قلبه بغضا له، أي يملأ. وقوله: ((أنظروا هذين)) بقطع الهمزة أي أخروها وأمهلوهما، انتهى كلامه. وأتى باسم الإشارة بدل الضمير لمزيد التعيين والتمييز.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((في كل جمعة مرتين)).
((قض)): أراد بالجمعة الأسبوع، عبر عن الشيء بآخره وما يتم به ويوجد عنده. والمعروض
стр. 2598
مرتين يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبداً بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اتركوا هذين حتى يفيئا)). رواه مسلم.
٥٠٣١ - وعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيراً وينمي خيراً)).
متفق عليه. وزاد مسلم قالت: ولم أسمعه- تعني النبي ﷺ يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها.
٥٠٣٢ - وذكر حديث جابر: ((إن الشيطان قد أيس)) في ((باب الوسوسة)).
ــ
عليه هو الله تعالى أو ملك وكله الله تعالى على جمع صحف الأعمال وضبطها. قوله: ((إلا عبداً))، ((تو)): وجدناه في كتاب المصابيح ((إلا عبداً)) بالرفع. وهو في كتاب مسلم بالنسب وهو الأوجه؛ فإنه استثناء من كلام موجب، وبه وردت الرواية الصحيحة.
الحديث الخامس عن أم كلثوم ﵂: قوله: ((كذب)) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف مقول للقول. و ((مما يقول)) بيان لقوله: ((في شيء)) أي في شيء من أقوال الناس هو كذب. وإن روى منصوباً كان مفعولاً مطلقاً، أي يقول قولا كاذباً. وإن روي مجررواً كان صفة أخرى لشيء. والرواية في جامع الأصول وفي أكثر نسخ المصابيح هي الأولى.
قوله: ((وينمي خيراً))، ((قض)): أي يبلغ خير ما سمعه ويدع شره. يقال: نميت الحديث مخففاً في الإصلاح، ونميته مثقلاً في الإفساد. وكان الأول من النماء لأنه رفع لما يبلغه، والثاني من النميمة، وإنما نفي عن المصلح كونه كذابا باعتبار قصده دون قوله؛ ولذلك نفي النعت دون الفعل.
((خط)): هذه أمور قد يضطر الإنسان فيها إلى زيادة القول ومجاوزة الصدق طلباً للسلامة ودفعاً للضرر. وقد رخص في بعض الأحوال في اليسير من الفساد لما يؤمل فيه من الصلاح. فالكذب في الإصلاح بين اثنين هو أن ينمي من أحدهما إلى صاحبه خيراً ويبلغه جميلاً وإن لم يكن سمعه منه، يريد بذلك الإصلاح. والكذب في الحرب أن يظهر من نفسه قوة، ويتحدث بما يقوي به أصحابه ويكيد به عدوه. وقد روي أن النبي ﷺ : أنه قال: ((الحرب خدعة)) وأما كذب الرجل على زوجته هو أن يعدها ويمنيها ويظهر لها من المحبة أكثر مما في نفسه، يستديم بذلك صحبتها ويستصلح به خلقها. قال سفيان بن عيينة: لو أن رجلا اعتذر إلى رجل يحرف الكلام ويحسنه ليرضيه بذلك لم يكن كاذباً. وقوله: ((حديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها)) في معنى حديث أحد الزوجين الآخر؛ ليستقيم مع قوله: ((إلا في ثلاث)).
стр. 2599
الفصل الثاني
٥٠٣٣ - عن أسماء بنت يزيد، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل الكذب إلا في ثلاث: كذب الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس)) رواه أحمد، والترمذي. [٥٠٣٣]
٥٠٣٤ - وعن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يكون لمسلم أن يهجر مسلماً فوق ثلاثة؛ فإذا لقيه سلم عليه ثلاث مرات كل ذلك لا يرد عليه فقد باء بإثمه)) رواه أبو داود. [٥٠٣٤]
٥٠٣٥ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ : ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث. فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار)) رواه أحمد، وأبو داود. [٥٠٣٥]
٥٠٣٦ - وعن أبي خراش السلمي، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((من هجر
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول والثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((سلم عليه)) حال من فاعل ((لقيه)) أو بدل منه. ويؤيد الأول قوله في حديث أبي خراش: ((فليلقه فليسلم عليه)). وقوله: ((كل ذلك))، الجملة وقعت صفة لقوله: ((ثلاث مرات)) وقوله: ((فقد باء بإثمه)) جواب ((إذا)) أي إذا سلم عليه ثلاث مرات غير مردود فيها جوابه، فقد باء أي رجع بإثمه، والضمير في ((بإثمه)) يحتمل أن يكون للبائي. فيكون المعنى أن المسلم خرج من الهجرة ونقي من الوزر، بقي الإثم على الذي لم يرد السلام. ويحتمل أن يكون لـ ((المسلم)). والمعنى أنه ضم إثم هجران المسلم إلى إثم هجرانه وباء بهما؛ لأن الهاجر يعد منه وبسببه.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فمات دخل النار)) ((تو)): أي استوجب دخول النار. والواقع في الإثم كالواقع في العقوبة إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
الحديث الرابع عن أبي خراش: قوله: ((كسفك دمه)) ((مظ)): أي مهاجرة الأخ المسلم سنة
стр. 2600
أخاه سنة فهو كسفك دمه)) رواه أبو داود. [٥٠٣٦]
٥٠٣٧ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث فليلقه فليسلم عليه، فإن رد ﵇ فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم وخرج المسلم من الهجرة)) رواه أبو داود. [٥٠٣٧]
٥٠٣٨ - وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أل أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة؟)). قال: قلنا: بلى قال: ((إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين هي الحالقة)) رواه أبو داود، والترمذي وقال: هذا حديث صحيح. [٥٠٣٨]
ــ
توجب العقوبة كما أن سفك دمه يوجبها. فهي شبيهة بالسفك من حيث حصول العقوبة بسببها لا أنها مثله في العقوبة؛ لأن القتل عقوبة عظيمة لا يكون بعد الشرك أعظم منه. فشبه الهجران به تأكيداً في المنع وفي المشابهة يكفي المساواة في بعض الصفات.
أقول: التشبيه إنما يصار إليه للمبالغة، كما يقال: زيد كالأسد؛ إلحاقاً له بالأسد في الجرأة؛ وأنه نظيره فيها ولم يقصد به أنه دونه، كذلك ههنا؛ لأن قوله ﷺ : ((لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلاث)) دل على أن التهاجر فوق الثلاث حرام، وراكبه راكب الإثم، فإذا امتد إلى مدة يهجر فيها الغائب والمسافر عن أهله غالبا، بلغ التهاجر والتقاطع إلى الغاية، فيبلغ إثمه أيضاً إلى الغاية، وهذا معنى تخصيص ذكر السنة. والله أعلم.
الحديث الخامس والسادس عن أبي الدرداء ﵁: قوله: ((من درجة الصيام)) ((شف): المراد بهذه المذكورات النوافل منها دون الفرائض. قوله: ((ذات البين)) أي أحوال بينكم، يعني ما بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق، كقوله تعالى: ﴿بذات الصدور﴾ وهي مضمراتها، لما كانت الأحوال ملابسة للبين، قيل لها ذات البين كقولهم: اسقني ذا إناءك، يريدون ما في الإناء من الشراب. كذا في الكشاف في قوله تعالى: ﴿وأصلحوا ذات بينكم﴾.
قوله: ((هي الحالقة)) ((نه)): هي الخصلة التي من شأنها أن تحلق أو تهلك وتستأصل الدين
стр. 2601
٥٠٣٩ - وعن الزبير، قال: قال رسول الله ﷺ : ((دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد، والبغضاء هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين)) رواه أحمد، والترمذي. [٥٠٣٩]
٥٠٤٠ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((إياكم والحسد؛ فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)) رواه أبو داود. [٥٠٤٠]
ــ
كما يستأصل الموسى الشعر. وقيل: هي قطيعة الرحم والتظالم.
أقول: فيه حث وترغيب على إصلاح ذات البين واجتناب عن الفساد فيها؛ لأن الإصلاح سبب للاعتصام بحبل الله، وعدم التفريق بين المسلمين. وفساد ذات البين ثلمة في الدين، فمن تعاطى إصلاحها ورفع فسادها نال درجة عند الله فوق ما ينالها الصائم القائم المشتغل بخويصة نفسه. فعلى هذا ينبغي أن تحمل الصلاة والصيام على الإطلاق والحالقة على ما يحتاج أمر الدين.
الحديث السابع عن الزبير ﵁: قوله: ((دب إليكم)) ((نه)): نقل الداء من الأجسام إلى المعاني، ومن أمر الدنيا إلى أمر الآخرة.
أقول: وكذا الدب يستعمل في الأجسام، فاستعير للسراية على سبيل التبعية، وكذا قوله: ((الحالقة)) فإنها تستعمل في حلق الشعر، فاستعمل فيما يستأصل الدين. وهي ليست باستعارة لذاكر المشبه والمشبه به، أي البغضاء تذهب بالدين كالموسي يذهب بالشعر. وضمير المؤنث راجع إلى ((البغضاء)) كما في قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها﴾ وقوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة﴾؛ لأن البغضاء أكثر تأثيراً في ثلمة الدين، وإن كانت نتيجة الحسد. وقوله: ((لا أقول: تحلق الشعر)) تأكيد لإرادة غير المتعارف من قوله: ((الحالقة)) كما سبق أنها محمولة على ضمير ((البغضاء)) نحو قوله تعالى: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾.
الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((يأكل الحسنات)). ((قض)): تمسك به من يرى إحباط الطاعات بالمعاصي كالمعتزلة، وأجيب عنه: بأن المعنى أن الحسد يذهب حسناته ويتلفها عليه، بأن يحمله على أن يفعل بالمحسود، من إتلاف مال وهتك عرض، وقصد
стр. 2602
٥٠٤١ - وعنه، عن النبي ﷺ ، قال: ((إياكم وسوء ذات البين، فإنها الحالقة)) رواه الترمذي. [٥٠٤١]
٥٠٤٢ - وعن أبي صرمة، أن النبي ﷺ قال: ((من ضار ضار الله به، ومن شاق شاق الله عليه)) رواه ابن ماجه، والترمذي وقال: هذا حديث غريب. [٥٠٤٢]
ــ
نفس ما يقتضي صرف تلك الحسنات بأسرها في عوضه، كما روي في صحاج باب الظلم عن أبي هريرة ﵁، أنه ﷺ قال: ((إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وقيام، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه ثم طرح في النار)) لإحباط الطاعات بالمعاصي، وإلا لم يكن يبقى لهذا الآتي المتعاطي لتلك الكبائر حسنة يقضي بها حق خصمه، انتهى كلامه.
وهذا أحد الوجهين مما ذكره الشيخ التوربشتي. والوجه الآخر أن يقال: إن التضعيف في الحسنات يوجد على حسب استعداد العبد وصلاحه في دينه. فمهما. كان مرتكباً للخطايا نقص من ثوابه عمله فيما يتعلق بالتضعيف ما يوازي انحطاطه في المرتبة بما اجترحه من الخطايا، من مثل أن يقدر أن ذا رهق وعمل حسنة، فأثيبت عليها عشرا، ولو لم يكن رهقة لأثيب أضعاف ذلك، فهذا الذي نقص من التضعيف بسبب ما ارتكبه من الذنب، هو المراد من الإحباط.
أقول: ويمكن أن يقال: إن الأكل هنا استعارة لعدم القبول، وأن تلك الحسنات الصادرة عنه مردودة عليه. وليست بثابتة في ديوان أعماله الصالحة حتى تحبط، كمن صلى في دار مغصوبة. وبهذا يحسن وجه التشبيه بالنار؛ فإن النار عند اشتعالها والتهابها لا تترك من الوقود شيئاً إلا أفنته. فشبهت الأعمال الصادرة عنه عند ارتكابه الحسد بالحطب الجزل، الذي يشتغل فيه النار في الإفناء والإعدام، مبالغة وزجرا للحاسد، فالأكل في النار أيضا استعارة أو مشاكلة لوقوعه في صحبة قوله: ((يأكل الحسنات)) ونظيره قوله ﷺ : ((من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة)) ونظائره كثيرة، فإذا لم يثبت في ديوانه، كيف يحبط. ((ذات البين)) أحوال بينكم وهي مضمراتها.
الحديث التاسع والعاشر عن أبي صرمة: قوله: ((من ضار)) في جامع الأصول: المضارة، المضرة والمشاقة، والنزاع، فمن أضر بغيره تعديا أو شاقه ظلما بغير حق، فإن الله يجازيه على فعله
стр. 2603
٥٠٤٣ - وعن أبي الصديق [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((معلون من ضار مؤمناً أو مكر به)) رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب. [٥٠٤٣]
٥٠٤٤ - وعن ابن عمر، قال: صعد رسول الله ﷺ المنبر، فنادى بصوت رفيع قال: ((يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه! لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله)) رواه الترمذي. [٥٠٤٤]
ــ
بمثله. وفي النهاية: قوله: ((ومن شاق)) يجوز أن يكون من ((الشق)) بالكسر، وهي المشقة. يقال: هم بشق من العيش، إذا كانوا في جهد، وأصله من الشق نصف الشيء، كأنه قد ذهب نصف أنفسهم، ومن الشق- بالفتح- الفصل الشيء.
أقول: فإذن معنى المشاقة بين المتنازعين أن أحدهما أخذ بشق والآخر بشق آخر، قال الله تعالى: ﴿ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب﴾. ويجوز أن يحمل على المشقة أيضاً، بأن كلف صاحبه فوق طاقته؛ فيقع في التعب والمشقة.
الحديث الحادي عشر والثاني عشر عن ابن عمر ﵄: قوله: ((من أسلم بلسانه)) هو من قوله تعالى: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ وقوله: ((ولم يفض الإيمان إلى قلبه)) من قوله تعالى: ﴿ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾. وقوله: ((لا تؤذوا المسلمين)) صريح في أن الإسلام عبارة عن مجموع التصديق والأعمال الصالحة، كأنه قيل: يا من أفرد الإسلام ولم يضم إليه التصديق! لا تؤذ من جمع بينهما. والمعنى لا تؤذوهم فيما ظهر من المسلمين مما ترونه عيبا عليهم بالقول والفعل، فلا تغتابوهم ولا تشتموهم ولا تضربوهم، ولا تعيروهم على ما تابوا عنه وندموا عليه. ((ولا تتبعوا عوراتهم)) فيما يظن أي لا تجسسوا ما ستروا عنكم من الأفعال والأقوال وما ستر الله عليهم. والمراد بقوله: ((يتبع الله عورته)) كشف ستره، ذكره على سبيل المشاكلة.
стр. 2604
٥٠٤٥ - وعن سعيد بن زيد، عن النبي ﷺ ، قال: ((إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير الحق)) رواه أبو داود، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥٠٤٥]
ــ
قال الشيخ أبو حامد: التجسس والتتبع ثمرة سوء الظن بالمسلم، والقلب لا يقنع بالظن ويطلب التحقيق، فهو يؤدي إلى هتك الستر. وحد الاستتار أن يغلق باب داره ويستتر بحيطانه. فلا يجوز استراق السمع على داره؛ ليسمع صوت الأوتار، ولا الدخول عليه لرؤية المعصية، إلا أن يظهر ظهوراً يعرفه من هو خارج الدار، كأصوات المزامير والسكارى بالكلمات المألوفة بينهم. وكذلك إذا ستروا أواني الخمر وظروفها وآلات الملاهي في الكم وتحت الذيل، فإذا رأي ذلك لم يجز أن يكشف عنه. وكذلك لا يجوز أن يستنشق ليدرك رائحة الخمر ولا أن يستخبر من جيرانه ليخبروه في داره. وأنشد في معناه:
لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا فيهتك الله سترا عن مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ولا تعب أحداُ منهم بما فيكا
وفي قوله: ((ولم يفض الإيمان إلى قلبه)) إشارة إلى أنه ما لم يصل الإيمان إلى القلب لم يحصل له المعرفة بالله ولم يؤد حقوقه، فإذاً علاج جميع أمراض القلب المعرفة بالله تعالى؛ ليؤدي إلى أداء حقوق الله تعالى وحقوق المسلمين، فلا يؤذي ولا يضر ولا يعير ولا يجسس أحوالهم. انتهى كلامه.
فإن قلت: ما النكتة في ذكر ((أخيه)) في قوله: ((عورة أخيه المسلم))؟ فإن الكلام مع المنافقين، وهم ليسوا بإخوة المسلمين. قلت: ومن تتبع ... إلى أخره، كالتتميم للكلام السابق والمبالغة فيه، كأنه قيل: ومن يتبع من المسلمين عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ولو في جوف رحله. فكيف بالمنافق؟!
الحديث الثالث عشر عن سعيد ﵁: قوله: ((من أربى الربا)) هو من باب قوله: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ أدخل العرض في جنس المال على سبيل المبالغة، وجعل الربا نوعين: متعارفين: وهو ما يؤخذ من الزيادة على ماله من المديون. وغير متعارف: هو استطالة الرجل باللسان في عرض صاحبه، ثم فضل أحد النوعين على الآخر. ولما بين العرض والمال من المناسبة قال الحماسي:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض في المال
стр. 2605
٥٠٤٦ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لما عرج بي ربي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم)). رواه أبو داود. [٥٠٤٦]
٥٠٤٧ - وعن المستورد، عن النبي ﷺ ، قال: ((من أكل برجل مسلم أكلة، فإن الله يطعمه مثلها من جهنم، ومن كسا ثوبا برجل مسلم، فإن الله يكسوه مثله من
ــ
((قض)): الاستطالة في عرض المسلم، أن يتناول منه أكثر مما يستحقه على ما قيل له، أو أكثر مما رخص له فيه؛ ولذلك مثله بالربا، وعده من عداده، ثم فضله على سائر أفراده؛ لأنه أكثر مضرة وأشد فساداً؛ فإن العرض شرعا وعقلا أعز على النفس من المال وأعظم منه خطراً؛ ولذلك أوجب الشارع بالمجاهرة بهتك الأعراض ما لم يوجب بنهب الأموال.
((تو)): في قوله: ((بغير حق)) تنبيه على أن العرض ربما يجوز استباحته في بعض الأحوال. وذلك مثل قوله ﷺ : ((لي الواجد يحل عرضه)) فيجوز لصاحب الحق أن يقول فيه: إنه ظالم ومتعد ونحو ذلك، ومثله الكلام في جرح الشاهد على الخائن ونحو ذلك.
الحديث الرابع عشر عن أنس ﵁: قوله: ((يخمشون)) أي يخدشون، ولما كان خمش الوجه والصدر من صفات النساء النائحات، جعلهما جزاء من يغتاب ويفري من أغراض المسلمين؛ إشعاراً بأنهما ليسا من صفات الرجال، بل هما من صفات النساء في أقبح حالة وأشوه صورة.
الحديث الخامس عشر عن المستورد: قوله: ((برجل مسلم أكلة)) ((نه)): معناه: الرجل يكون صديقاً لرجل ثم يذهب إلى عدوه، فيتكلم فيه بغير الجميل ليجيزه عليه بجائزة، فلا يبارك الله له فيها! والأكلة- بالضم- اللقمة، و- بالفتح- المرة. انتهى كلامه. وعلى هذا الباء في ((برجل)) للسببيه. والجائزة عامة في المطعوم والملبوس كما عليه أكثر كلام الشارحين. قوله: ((ومن قام برجل)) ((تو)): أي قام بنسبة إلى ذلك، ويشهره به فيما بين الناس، فضحه الله وشهره بذلك على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، وعذبه عذاب المرائين.
((مظ)): الباء في ((برجل)) يحتمل أن تكون للتعدية وللسببية، فإن كانت للتعدية يكون معناه: من أقام رجلا مقام سمعة ورياء، يعني من أظهر رجلا بالصلاح والتقوى ليعتقد الناس فيه اعتقادا حسناً، ويعزونه ويخدمونه ويجعله حبالا ومصيدة كما ترى في زماننا؛ لينال بسببه المال
стр. 2606
جهنم، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء؛ فإن الله يقوم له مقام سمعة ورياء يوم القيامة)) رواه أبو داود. [٥٠٤٧]
٥٠٤٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((حسن الظن من حسن العبادة)) رواه أحمد، وأبو داود. [٥٠٤٨]
٥٠٤٩ - وعن عائشة، قالت: اعتل بعير لصفية وعند زينب فضل ظهر، فقال
ــ
والجاه، فإن الله تعالى يقوم له مقام سمعة ورياء، بأن يأمر ملائكته أن يفعلوا معه مثل فعله ويظهروا أنه كذاب.
وإن كانت للسببية فمعناه: أن من قام وأظهر من نفسه الصلاح والتقوى لأجل أن يعتقد فيه رجل عظيم القدر كثير المال؛ ليحصل له مال وجاه، كما يقول الناس في العرف: هذا زاهد الأمير.
أقول: وأولى الوجوه الثاني؛ لأنه ﷺ وصف الرجل بالإسلام في القرينتين السابقتين. وأطلقه في هذه القرينة ذما له. ومعنى الكناية عن التهديد في قوله: ((فإن الله يقوم له)) كما في قوله تعالى: ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان﴾ الكشاف: ((سنفرغ)) مستعار من قول الرجل لمن يهدده: سأفرغ لك، يريد سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنه، حتى لا يكون لي شغل سواه. والمراد: التوقر على الكناية فيه والانتقام منه.
((شف)): معنى السببية لا يستقيم في قوله: ((ومن كسا ثوبا برجل مسلم)) فالباء فيه صلة، ولعله أراد أن ((كسا)) يتعدى إلى مفعولين وليس هنا إلا مفعول واحد، فيجب أن يكون ((برجل)) ثاني مفعوليه، وفيه نظر: لما يؤدي إلى فساد المعنى على ما لا يخفي، فالواجب أن يقدر: من كسا نفسه ثوبا بسبب رجل.
الحديث السادس عشر والسابع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((حسن الظن))، ((مظ)): يعني اعتقاد الخير والصلاح في حق المسلمين عبادة. انتهى كلامه. فعلى هذا ((من)) للتعبض، أي من جملة عبادة الله تعالى والإخلاص فيها حسن المعاشرة مع عباده. ويجوز أن
стр. 2607
رسول الله ﷺ لزينب: ((أعطيها بعيراً)). فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية؟! فغضب رسول الهل ﷺ ، فهجرها ذا الجحة والمحرم وبعض صفر. رواه أبو داود. [٥٠٤٩]
وذكر حديث معاذ بن أنس: ((من حمى مؤمناً)) في ((باب الشفقة والرحمة)).
الفصل الثالث
٥٠٥٠ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((رأي عيسى بن مريم رجلاً يسرق، فقال له عيسى: سرقت؟ قال: كلا، والذي لا إله إلا هو. فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت نفسي)) رواه مسلم.
٥٠٥١ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كاد الفقر أن يكون كفراً، وكاد الحسد أن يغلب القدر)) [٥٠٥١]
٥٠٥٢ - وعن جابر، عن رسول الله ﷺ قال: ((من اعتذر إلى أخيه فلم يعذره،
ــ
تكون للابتداء، أي حسن الظن بعباد الله تعالى ناشئ عن حسن عبادة الله تعالى. وينصره قوله: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) الحديث.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((آمنت بالله)) أي صدقتك في حلفك بقولك: ((والذي لا إله إلا الله)) وببرائتك، ورجعت عما ظننت بك وكذبت نفسي؛ قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم﴾.
الحديث الثاني والثالث عن أنس ﵁: قوله: ((أن يكون كفراً)) أي الفقر يحمل الإنسان على ركوب كل ركوب كل صعب وذلول، فيما لا ينبغي طالبا إزالته عنه بالقتل والنهب والسرقة وغير ذلك. وربما يؤديه إلى الاعتراض على الله تعالى والتصرف في ملكه، كما فعل ابن الراوندي في قوله:
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
стр. 2608
أو لم يقبل عذره؛ كان عليه مثل خطيئة صاحب مكس)) رواهما البيهقي في ((شعب الإيمان))، وقال: المكاس: العشار. [٢٥٠٢]
(١٨) باب الحذر والتأني في الأمور
الفصل الأول
٥٠٥٣ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين)) متفق عليه.
ــ
هذا الذي ترك الأوهام حائرة وصير العالم النحرير زنديقا
قوله: ((وكاد الحسد أن يغلب القدر)) سبق معناه.
باب الحذر والتأني في الأمور
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا يلدغ المؤمن)) هذا يروى على وجهين: أحدهما: على الخبر. وهو أن المؤمن الممدوح هو المتيقظ الحازم الذي لا يؤتي من ناحية الغفلة، فيخدع مرة بعد مرة أخرى ولا يفطن هو به. وقد قيل: إنه الخداع في أمره الآخرة دون أمر الدنيا. وثانيها: على النهي أي لا يخدعن المؤمن، ولا يؤتين من ناحية الغفلة فيقع في مكروه، وهذا يصلح أن يكون في أمر الدنيا والأخرة.
((تو)): وأرى أن الحديث لم يبلغ الخطابي على ما كان عليه، وهو مشهور عند أهل السير. وذلك أن النبي ﷺ مر على بعض أهل مكة، وهو أبو عزة الشاعر الجمحي، وشرط عليه أن لا يجلب عليه، فلما بلغ مأمنه عاد إلى ما كان عليه، فأسر تارة أخرى فأمر بضرب عنقه، وكلمه بعض الناس في المن عليه فقال: ((لا يدع المؤمن ...)) الحديث.
أقول: وروى الشيخ محيي الدين عن القاضي عياض هذه القصة. وقال: سبب هذا الحديث معروف، وهو أن النبي ﷺ أسر أبا عزة الشاعر يوم بدر، فمن عليه وعاهده أن لا يحرض عليه ولا يهجوه، فأطقه فلحق بقومه ثم رجع إلى التحريض والهجاء، ثم أسر يوم أحد فسأله المن، فقال النبي ﷺ : ((لا يلدغ المؤمن ... .)) الحديث. وهذا السبب يضعف الوجه الثاني.
أقول: إذا ذهب إلى النهي خيل أنه صلوات الله عليه لما رأي من نفسه الزكية الميل إلى
стр. 2609
٥٠٥٤ - وعن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال لأشج عبد القيس: ((إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة)) رواه مسلم.
ــ
الحلم والعفو عنه، جرد منها مؤمنا كاملاً حازماً ذا شهامة، ونهاه عن ذلك تأنيباً، يعني ليس من شيمة المؤمن الحازم الذي يغضب لله ويذب عن دين الله أن ينخدع من مثل هذا الغادر المتمرد مرة بعد أخرى، فانته عن حديث الحلم، وأمضى لسانك في الانتقام منه والانتصار من عدو الله؛ فإن مقام التجربة والغضب لله يأبى الحلم والعفو. وإلى هذا المقام ينظر قوله ﷺ : ((الحليم ذو عثرة، والحكيم ذو تجربة)) وأنشد النابغة في هذا المعنى:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في أمر إذا لم يكن له حكيم إذا ما أورد الأمر أصدرا
ومن أوصافه صلوات الله عليه وما روت أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق: ((ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها)) فظهر من هذا أن الحلم مطلقا غير محمود كما أن الجود كذلك. قال أبو الطيب:
فوضع الندى في موضع السيف بالعلى مضر كوضع السيف في موضع الندى
وفهم منه أن هناك مقاماً، التحلم والتساهل فيه محمود بل مندوب إليه. وذلك مع المؤمنين من استعمال العفو والحلم وخفض الجناح؛ قال الله تعالى: ﴿وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾ فيجتمع لهم لين الجانب مع الأولياء والغلظة مع الأعداء، قال الله تعالى: ﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾. قال:
حليم إذا ما الحلم زين أهله مع الحلم في عين العدو مهيب
وإذا ذهب إلى مجرد الإخبار لم يكن هذا التأنيب والتعيير، فلم يفهم منه أن التحلم والتساهل في بعض المواضع مندوب إليه، وأن الانتقام والانتصار من أعداء الدين مأمور به، فظهر من هذا أن القول بالنهي أولى والمقام له أدعى وسلوك ما ذهب إليه الإمام أبو سليمان الخطابي ﵀ أوضح، وأهدى وأحق أن يتبع وأحرى. والله أعلم.
الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((والأناة)) الجوهري: أنى يأني في الأمر أي ترفق، والاسم الأناة مثل قناة، ورجل آن، على فاعل أي كثير الأناة والحلم. ((حس)): روى المنذر الأشج: قال: يا رسول الله! أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: ((بل الله جبلك عليهما)) قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين، يحبهما الله ورسوله.
стр. 2610
الفصل الثاني
٥٠٥٥ - عن سهل بن سعد الساعدي، أن النبي ﷺ قال: ((الأناة من الله والعجلة من الشيطان)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. وقد تكلم بعض أهل الحديث في عبد المهيمن بن عباس الراوي من قبل حفظه. [٥٠٥٥]
٥٠٥٦ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة)) رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. [٥٠٥٦]
٥٠٥٧ - وعن أنس، أن رجلا قال للنبي ﷺ : أوصني. فقال: ((خذ الأمر بالتدبير، فإن رأيت في عاقبته خيراً فأمضه، وإن خفت غياً فأمسك)) رواه في ((شرح السنة)). [٥٠٥٧]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول والثاني عن أبي سعيد: قوله: ((لا حليم إلا ذو عثرة)) ((نه)): أي لا يحصل له الحلم ويوصف به حتى يركب الأمور وينحرف عليها ويعثر فيها، فيعتبر بها ويستبين مواضع الخطأ فيجتنبها. ويدل عليه قوله: ((ولا حكيم إلا ذو تجربة)). ((مظ)): أي لا حليم كاملاً إلا من وقع في زلة وحصل منه خطأ، فحينئذ يخجل فيجب لذلك أن يستر من رآه على عيبه فيعفو عنه، فإذا أحب ذلك علم أن العفو عن الناس والستر على عيوبهم محبوب للناس ومرضي لله تعالى. وكذلك من جرب الأمور علم نفعها وضرها والمصالح والمفاسد، فإذا علم مصالح الأمور ومفاسدها لا يفعل ما يفعل إلا عن الحكمة.
أقول: ويمكن أن تخصيص الحكيم بذي تجربة يدل على خلافه في الحليم؛ فإن الحليم الذي ليس له تجربة قد يعثر في مواضع لا ينبغي فيها له الحلم، بخلاف الحكيم المجرب على ما مر بيانه في أول الفصل الأول.
الحديث الثالث عن أنس ﵁: قوله: ((وإن خفت غيا)) الخوف هنا بمعنى الظن كما في قوله تعالى: ﴿إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله﴾ ويجوز أن يكون بمعنى العلم
стр. 2611
٥٠٥٨ - وعن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال الأعمش: لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ قال: ((التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة)) رواه أبو داود. [٥٠٥٨]
٥٠٥٩ - وعن عبد الله بن سرجس، أن النبي ﷺ قال: ((السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربع وعشرين جزءاً من النبوة)) رواه الترمذي. [٥٠٥٩]
٥٠٦٠ - وعن ابن عباس، أن نبي الله ﷺ قال: ((إن الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمس وعشرين جزءاً من النبوة)) رواه أبو داود. [٥٠٦٠]
ــ
واليقين؛ لأن من خاف شيئاً احترز عنه وتحرى حقيقته. وهذا أنسب بالقمام؛ لأنه وقع في مقابلة ((رأيت)) وهو بمعنى العلم وهما نتيجتا التفكير والتدبر. وفي معناه أنشد أبو الطيب:
الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني
الحديث الرابع عن مصعب ﵁: قوله: ((التؤدة))، ((قض)): التؤدة التأني والسكون فعلة من الوئيد وهو المشي بثقل. والمعنى أن التأني في كل شيء مستحسن إلا في أمر الآخرة. انتهى كلامه. وذلك أن الأمور الدنيوية لا يعلم عواقبها في ابتداءها، وأنها محمودة العواقب حتى يتعجل فيها، أو مذمومة فيتأخر عنها، بخلاف الأمور الأخروية لقوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ و ﴿سارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾. قال الشيخ أبو حامد في قوله تعالى: ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾ ينبغي للمؤمن أنه إذا تحركت داعية البذل أن لا يتوقف، لأن الشيطان يعده الفقر ويخوفه ويصده عنه. كان أبو الحسن الفرشخي في الخلاء، فدعا تلميذاً له فقال: انزع عني القميص وادفعه إلى فلان، فقال: هلا صبرت حتى تخرج؛ قال: خطر لي بذله ولم آمن على نفسي أن تتغير.
الحديث الخامس والسادس عن عبد الله: قوله: ((والسمت الصالح)) ((فا)): السمت أخذ المنهج ولزوم الحجة ((تو)): الاقتصاد على ضربين: أحدهما: ما كان متوسطاً بين محمود ومذموم كالمتوسط بين الجور والعدل والبخل والجود، وهذا الضرب أريد بقوله سبحانه: ﴿ومنهم مقتصد﴾. والثاني محمود على الإطلاق، وذلك فيما له طرفان إفراط وتفريط
стр. 2612
٥٠٦١ - وعن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت؛ فهي أمانة)) رواه الترمذي، وأبو داود. [٥٠٦١]
٥٠٦٢ - وعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال لأبي الهيثم بن التيهان: ((هل لك خادم؟)) فقال: لا. قال: ((فإذا أتانا سبي فأتنا)) فأتي النبي ﷺ برأسين، فأتاه أبو الهيثم، فقال النبي ﷺ : ((اختر منهما)). فقال: يا نبي الله! اختر لي. فقال النبي ﷺ :
ــ
كالجود، فإنه بين الإسراف والبخل، والشجاعة فإنها بين التهور والجبن. وهذا الذي في الحديث، هو الاقتصاد المحمود على الإطلاق.
قوله: ((من أربع وعشرين جزءا)) ((قض)): كان الصواب أن يقول: ((أربعة)) على التذكير فلعله أنث على تأويل الخصلة أو القطعة؛ أو لإجراء الجزء مجرى الكل في التذكير والتأنيث. ((خط)): الهدى والسمت حالة الرجل ومذهبه. والاقتصاد: سلوك القصد في الأمور والدخول فهيا برفق؛ وعلى سبيل تمكن الدوام عليها. يريد أن هذه الخصال من شمائل الأنبياء صلوات الله تعالى عليهم. وأنها جزء من أجزاء فضائلهم فاقتدوا بهم فيها وتابعوهم عليها. وليس معناه أن النبوة تتجزئ، ولا أن من جمع هذه الخصال كان نبياً؛ فإن النبوة غير مكتسبة، وإنما هي كرامة يخص الله بها من يشاء من عباده، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
ويحتمل أن يكون معناه أن هذه الخلال جز من خمس وعشرين جزءاً مما جاءت به النبوة، ودعا إليها الأنبياء. وقيل: معناه أن من جمع هذه الخصال لقيه الناس بالتوقير والتعظيم، وألبسه الله لباس التقوى الذي ألبسه أنبياءه ﵈، فكأنها جزء من النبوة. ((تو)): والطريق إلى معرفة حقيقة ذلك العدد ووجهه بالاختصاص من قبل الرأي والاستنباط مسدود؛ فإنه من علوم النبوة، وقد سبق القول في هذا المعنى في كتاب الرؤيا.
الحديث السابع عن جابر ﵁: قوله: ((ثم التفت)) ((مظ)): يعني إذا حدث أحد عندك حديثاً ثم غاب صار حديثه أمانة عندك ولا يجوز إضاعتها. أقول: الظاهر أن ((التفت)) هنا عبارة عن التفات خاطره إلى ما تكلم فالتفت يميناً وشمالاً احتياطاً. ((فثم)) هنا للتراخي في الرتبة يدل على هذا ترتب الفاء وأن الثاني مسبب عن الأول.
الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((المستشار مؤتمن)) معناه أن المستشار أمين فيما يسأل من الأمور، فلا ينبغي أن يخون المستشير بكتمان مصلحته قوله: ((واستوص به))
стр. 2613
((إن المستشار مؤتمن. خذ هذا فإني رأيته يصلي، واستوص به معروفاً)) رواه الترمذي. [٥٠٦٢]
٥٠٦٣ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس: سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حق)) رواه أبو داود [٥٠٦٣]
وذكر حديث أبي سعيد: ((إن أعظم الأمانة)) في ((باب المباشرة)) في ((الفصل الأول)). [٥٠٦٣]
الفصل الثالث
٥٠٦٤ - عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((لما خلق الله العقل قال له: قم، فقام، ثم قال له: أدبر، فأدبر، ثم قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: اقعد، فقعد،
ــ
أي اقبل وصيتي في حقه وأحسن ملكيته بالمعروف، وفي حديث الظهار: ((استوصى ابن عمك خيراً)) أي اقبلي وصيتي فيه، وانتصاب ((خيراً)) على المصدرية أي استيصاء خير.
الحديث التاسع عن جابر ﵁: قوله: ((إلا ثلاثة مجالس)) ((مظ)): كما إذا سمع من قال في مجلس: أريد قتل فلان أو الزنا بفلانة، أو أخذ مال فلان فإنه لا يجوز ستر ذلك حتى يكونوا على حذر منه. قوله: ((في الفصل الأول)) تنبيه على أن هذا الحديث جاء مكرراً في المصابيح، وعلى أن إيراده في الصحاح أولى منه في الحسان.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁ قوله: قال له: ((قم)) ... . إلخ كناية عن أن العقل هو محل التكليف، وإليه تنتهي الأوامر والنواهي، وبه يتم غرض خلق المكلفين من العبادة التي ما خلقت السموات والأرض إلا لأجلها؛ ولذلك قال: ((ما خلقت خلقا هو خير منك ...)) الخ. قال بعض العارفين: العقل خواض تيار الجود في لجج بحار الوجود لأجل جواهر السجود. ووجه ذكر هذا الحديث في باب الحذر والتأني في الأمور لأنهما من نتائج العقل؛ ولأجل ذلك سمي العقل عقلا.
стр. 2614
ثم قال: ما خلقت خلقا هو خير منك ولا أفضل منك ولا أحسن منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أعرف، وبك أعاتب، وبك الثواب، وعليك العقاب)) وقد تكلم فيه بعض العلماء. [٥٠٦٤]
٥٠٦٥ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الرجل ليكون من أهل الصلاة والصوم والزكاة والحج والعمرة)) حتى ذكر سهام الخير كلها: ((وما يجزي يوم القيامة إلا بقدر عقله)). [٥٠٦٥]
ــ
((غب)): أصل العقل الإمساك والاستمساك كعقل البعير بالعقال، وعقل الدواء البطن، عقل المرأة شعرها، ومنه قيل للحصن معقل، والعقل يقال للقوة المتهيئة لقبول العلم. ويقال للعمل الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة: عقل؛ ولهذا قيل:
العقل عقلان مطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذا لم يكن مطبوع كما لا ينفع الشمس وضوء العين ممنوع.
وإلى الأول أشار بقوله ﷺ : ((ما خلق الله خلقا أكرم عليه من العقل)). وإلى الثاني أشار بقوله: ((ما كسب أحد شيئاً أفضل من عقل يهديه إلى هدى أو يرده عن ردى)) وهذا العقل هو المعني بقوله تعالى: ﴿وما يعقلها إلا العالمون﴾.
قوله: ((وقد تكلم فيه العلماء)) قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: الحديث الذي ذكروه كذب موضوع عند أهل المعرفة بالحديث، كما ذكر ذلك أبو جعفر العقيلي وأبو حاتم البستي وأبو الحسن الدارقطني وابن الجوزي وغيرهم.
الحديث الثاني عن ابن عمر ﵄: قوله: ((إلا بقدر عقله)) إشارة إلى أن العقل المسموع لا ينفع كل النفع إلا بالعقل المطبوع؛ لأنه هو المميز الذي يضع كل شيء في موضعه، وبه تتفاوت صلاة عن صلاة وصدقة عن صدقة وصوم عن صوم؛ لأنه ربما يركع ركعة في مقام تفضل ألف ركعة في غيره، وكذلك الصدقة وغير ذلك من أعمال البر، وربما يعمل ويظن به خيرا، فيرجع وبالاً عليه.
стр. 2615
٥٠٦٦ - وعن أبي ذر، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((يا أبا ذر؛ لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق)). [٥٠٦٦]
٥٠٦٧ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم)) روى البيهقي الأحاديث الأربعة في ((شعب الإيمان)). [٥٠٦٧]
ــ
الحديث الثالث عن أبي ذر ﵁: قوله: ((لا عقل كالتدبير)) أراد بالتدبير العقل المطبوع. كما سبق أن العقل المسموع لا يعتد به ولا يحتسب لصاحبه إلا بالعقل المطبوع. قوله: ((ولا ورع)) ((نه)): الورع في الأصل الكف عن المحارم والتحرج منه، يقال: ورع الرجل يرع- بالكسر فيهما- ورعا ورعة فهو ورع، وتورع من كذا. ثم استعير للكف عن المباح والحلال.
فإن قلت: فعلى هذا: الورع هو الكف، فكيف قيل: ((ولا ورع كالكف))؟.
قلت: الكف إذا أطلق، فهم منه الكف عن الأذى أو كف اللسان، كما قال ﷺ : ((كف عليك هذا)) وأخذ بلسانه كأنه قيل: ولا ورع كالصمت أو كالكف عن أذى المسلمين. ((ولا حسب كحسن الخلق)). أي لا مكارم مكتسبة كحسن الخلق مع الخلق، فالأول عام والثاني خاص.
الحديث الرابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((نصف المعيشة)) وذلك أن كلا طرفي التبذير والتقتير ينغص كل العيش والتوسط فيه هو العيش، والعيش نوعان: عيش الدنيا، وعيش الآخرة، كما أن العقل صنفان: مطبوع ومسموع، والمسموع نوعان: معاملة مع الله ومعاملة مع الخلق. وقوله: ((وحسن السؤال نصف العلم)) فإن السائل الفطن يسأل عما يهمه وما هو بشأنه أعنى، وهذا يحتاج إلى فضل تمييز بين مسئول ومسئول. فإذا ظهر بمبتغاه وفاز به كمل علمه، وعلى هذا يمكن أن يحمل قوله: ((لا أدري نصفا العلم)). والله أعلم.
стр. 2616
(١٩) باب الرفق والحياء وحسن الخلق
الفصل الأول
٥٠٦٨ - عن عائشة [﵂] أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله تعالى رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه)). رواه مسلم. وفي رواية له: قال لعائشة: ((عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش، إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)).
ــ
باب الرفق والحياء وحسن الخلق
الفصل الأول
الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((إن الله رفيق)) ((قض)): الرفق ضد العنف وهو اللطف وأخذ الأمر بأحسن الوجوه وأيسرها. ومعنى ((إن الله تعالى رفيق)) أنه لطيف بعباده يردي بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، والظاهر أنه لا يجوز إطلاقه على الله تعالى اسما؛ لأنه لم يتواتر ولم يستعمل هاهنا أيضاً على قصد الاسمية. وإنما أخبر به عنه تمهيداً للحكم الذي بعده، وكأنه قال: إن الله يرفق بعباده في أمورهم فيعطيهم بالرفق ما لا يعطيهم على ما سواه. وإنما ذكر قوله: ((وما لا يعطي على ما سواه)) بعد قوله: ((ما لا يعطي على العنف)) ليدل على أن الرفق أنجح الأسباب كلها وأنفعها بأسرها، انتهى كلامه وفي معناه قول الشاعر:
يا طالب الرزق الهني بقوة هيهات أنت بباطل مشغوف
أكل العقاب بقوة جيف الفلا ورعى الذباب الشهد وهو ضعيف
المعنى: لا ينبغي للمرء أن يحرص في رزقه، بل يكله إلى الله تعالى الذي تولى القسمة في خلقه؛ فالنسر يأكل الجيفة بعنفه، والنحل يرعى الشهد برفقه.
((تو)): فإن قيل: فما معنى قوله: ((أنت الرفيق والله الطبيب))؟ قلت: الطبيب الحاذق بالشيء الموصوف، ولم يرد بهذا القول نفي هذا الاسم عمن يتعاطى ذلك، وإنما حول المعنى من الطبيعة إلى الشريعة، وبين لهم أن الذي يرجون من الطبيب فالله فاعله، والمنان به على عباده، وهذا كقوله: ((فإن الله هو الدهر)) وليس الطبيب بموجود في أسماء الله سبحانه ولا رفيق فلا يجوز أن يقال في الدعاء: يا طبيب! ولا يا رفيق!.
((مح)): قال المازري: لا يوصف الله سبحانه إلا بما سمى نفسه أو سماه به رسوله
стр. 2617
٥٠٦٩ - وعن جرير، عن النبي ﷺ قال: ((من يحرم الرفق يحرم الخير)) رواه مسلم.
٥٠٧٠ - وعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله ﷺ : ((دعه فإن الحياء من الإيمان)) متفق عليه.
٥٠٧١ - وعن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الحياء لا يأتي إلا بخير)). وفي رواية: ((الحياء خير كله)) متفق عليه.
ــ
ﷺ ، وأجمعت الأمة عليه. وأما ما لم يرد إذن في إطلاقه ولا ورد منع فيه، ففيه خلاف: منه من قال يبقى على ما كان قبل ورود الشرع فلا يوصف به ولا يمنع منه، ومنهم من منعه.
وبين الأصوليين خلاف في تسمية الله تعالى بما يثبت بخبر الآحاد، فقال بعضهم: يجوز؛ لأن خبر الواحد عنه يقتضي العمل به. وبعضهم لا يجوز ذلك؛ لأنه من باب العلميات، فلا يثبت بالأقيسة، وإن كانت يعمل بها في المسائل الفقهية العملية. قال الشيخ محيي الدين: والصحيح جواز تسمية الله تعالى رفيقاً وغيره مما يثبت بخبر الواحد. وفيه فضل الرفق والحث على التخلق به وذم العنف، وأن الرفق سبب كل خير.
أقول: قوله: ((يكون)) يحتمل أن تكون تامة، و ((في شيء)) متعلق به، وأن تكون ناقصة، و ((في شيء)) خبره، والاستثناء مفرغ من أعم عام وصف الشيء أي لا يكون الرفق مستقر في شيء يتصف بوصف من الأوصاف إلا بصفة الزينة. والشيء عام في الأعراض والذوات.
الحديث الثاني والثالث عن ابن عمر ﵄: قوله: ((يعظ أخاه)) أي ينذره. ((غب)): الوعظ زجر مقترن بتخويف، وقال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب. انتهى كلامه. والوعظ هاهنا بمعنى العتاب؛ لما جاء في شرح السنة: ((مر رسول الله ﷺ برجل وهو يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنه ليستحيي، يعني كأنه يقول: قد أضربك، فقال رسول الله ﷺ : ((دعه! فإن الحياء من الإيمان)). ((مح)): يعظه في الحياء، أي ينهاه عنه ويقبح له فعله ويزجره عن كثرته فنهاه النبي ﷺ عن ذلك. أي دعه على فعل الحياء وكف عن نهيه. ووقع لفظة ((دعه)) في البخاري، ولم تقع في مسلم.
الحديث الرابع عن عمران: قوله: ((لا يأتي إلا بخير)) أي لا يعتري الإنسان إلا بخير. والحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم. ((مح)) قد يشكل على بعض
стр. 2618
٥٠٧٢ - وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)) رواه البخاري.
ــ
الناس في هذا الحديث من حيث أن صاحب الحياء قد يستحيي أن يواجه بالحق من يجله ويعظمه، فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق وغير ذلك مما هو معروف في العادة.
والجواب ما أجاب به جماعة من العلماء، منهم شيخ أبو عمرو بن الصلاح: أن هذا المانع الذي ذكرناه ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز، وجوزوا تسميته حياء بحسب اللغة، وإنما حقيقة الحياء عن اصطلاح أهل الشرع: خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق. يدل عليه ما روى الإمام أبو القاسم القشيري عن السيد الجليل أبي القاسم الجنيد رحمهما الله تعالى قال: الحياء رؤية الآلاء ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء.
قال القاضي عياض وغيره: إنما جعل الحياء من الإيمان؛ لأنه قد يكون تخلقاً واكتساباً كسائر أعمال البر، وقد يكون غريزة، ولكن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم، وهذا هو المعنى بقوله ﷺ : ((الحياء من الإيمان)).
أقول: ويمكن أن يحمل التعريف فيه على العهد، ويكون إشارة إلى ما ورد في قوله ﷺ : ((الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى البطن وما حوى)) الحديث.
الحديث الخامس عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((إن مما أدرك الناس)) ((من)) في ((مما)) ابتدائية، وهو خبر ((إن)) واسمه قوله: ((إذا لم تستحي)) على تأويل أن هذا القول حاصل مما أدرك الناس، والراجع إلى ((ما)) محذوف، و ((الناس)) فاعل ((أدرك)) وعليه كلام الشيخ التوربشتي، حيث قال المعنى أن مما بقى بين الناس فأدركوه من كلام الأنبياء. ويجوز أن يكون فاعل ((أدرك)) ضميراً راجعاً إلى ((ما)) و ((الناس)) مفعوله، وعليه كلام القاضي: أي مما بلغ الناس من كلام الأنبياء المتقدمين أن الحياء هو المانع عن اقتراف القبائح، والاشتغال بمنهيات الشرع ومستهجنات العقل. وقوله: ((إذا لم تستحي)) الجملة الشرطية اسم ((إن)) على الحكاية.
قوله: ((من كلام النبوة الأولى)) ((خط)): معناه: اتفاق كلام الأنبياء ﵈ على استحسان الحياء، فما من نبي إلا وقد ندب إليه وبعث عليه، ولم ينسخ فيما نسخ من شرائعهم، ولم يبدل منها؛ وذلك أنه أمر قد علم صوابه، وبان فضله، واتفقت العقول على حسنه. وما كان هذا صفته لم يجر عليه النسخ والتبديل، وقيد النبوة بـ ((الأولى)) للإرشاد إلى اتفاق كلمة الأنبياء ﵈ على استحسانه من أولهم إلى آخرهم.
قوله: ((فاصنع ما شئت)) ((حس)): فيه أقاويل: أحدها: أن معناه الخبر، وإن كان لفظه
стр. 2619
٥٠٧٣ - وعن النواس بن سمعان، قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم. فقال: ((البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)) رواه مسلم.
ــ
لفظ الأمر، كأنه يقوله: إذا لم يمنعك الحياء فعلت ما شئت مما تدعوك إليه نفسك من القبيح، وإلى هذا المعنى ذهب أبو عبيد. وثانيها: أن معناه الوعيد، كقوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ أي اصنع ما شئت فإن الله مجازيك، وإليه ذهب أبو العباس. وثالثها: معناه: أن تنظر إلى ما تريد أن تفعله، فإن كان ذلك مما لا يستحيي منه فافعله، وإن كان مما تستحيي منه فلا تفعله. وإليه ذهب أبو إسحاق المروزي.
وروى هذا الحديث جرير عن منصور بإسناده، ثم قال جرير: معناه: أن يريد الرجل أن يفعل الخير فيدعه حياء من الناس، كأنه يخاف مذهب الرياء يقول: فلا يمنعك الحياء من المضي لما أردت. قال أبو عبيد: هو شبيه بالحديث الآخر: ((إذا جاءك الشيطان وأنت تصلي فقال: إنك ترائى: فزدها طولا)).
أقول: قدر مر في الحديث السابق عن الشيخ محيي الدين النواوي: أن قانون الشرع في معنى الحياء يحتاج إلى اكتساب ونية، فينبغي أن يحمل الحديث على هذا المعنى. فالقانون فيه أنك إذا أردت أمراً أو اكتسبت فعلاً، وأنت بين الإقدام والإحجام فيه، فانظر إلى ما تريد أن تفعله، فإن كان ذلك مما لا يستحيي فيه من الله تعالى ولا من رسله وأنبيائه قديماً وحديثاً فافعله، ولا تبال من الخلق، وإن استحيت من الخلق. وإن كان مما يستحيي فيه من الله تعالى ومنهم فدعه، وإن لم يستحيي من الخلق فيه؛ ومن ثم صرح ﷺ بقوله: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى)) فدخل الحديث إذاً في جملة جوامع الكلم التي استأثر الله بها رسوله ﷺ .
الحديث السادس إلى الثامن عن النواس: قوله: ((البر حسن الخلق)). قيل: فسر البر في الحديث بمعان شتى: ففسره في موضع بما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، وفسره في موضع بالإيمان، وفي موضع بما يقربك إلى أن تعالى، وهنا بحسن الخلق وفسر حسن الخلق باحتمال الأذى وقلة الغضب وبسط الوجه وطيب الكلام، وكلها متقاربة في المعنى.
((تو)): حاك أثر من الحيك وهو أخذ القول في القلب، يقال: ما تحيك فيه الملامة إذا لم تؤثر فيه، تريد أن الإثم ما كان في القلب منه شيء فلا ينشرح له الصدر، والأقرب أن ذلك أمر يتهيأ لمن شرح الله صدره للإسلام دون عموم المكلفين، ومثله قوله ﷺ لوابصة بن معبد: ((وإن أفتاك المفتون)).
стр. 2620
٥٠٧٤ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقاً)) رواه البخاري.
٥٠٧٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً)) متفق عليه.
الفصل الثاني
٥٠٧٦ - عن عائشة، [﵂] قالت: قال النبي ﷺ : ((من أعطى حظه من الرفق أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، ومن حرم حظه من الرفق حرم حظه من خير الدنيا والآخرة)) رواه في ((شرح السنة)) [٥٠٧٦]
٥٠٧٧ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة. والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار)) رواه أحمد، والترمذي. [٥٠٧٧]
ــ
أقول: مراعاة المطابقة تقتضي أن يفسر حسن الخلق بما يقابل ما حاك في الصدر، وهو قوله: ((ما اطمأنت إليه النفس والقلب)) كما في حديث وابصة، فوضع موضعه حسن الخلق ليؤذن أن حسن لخلق هو ما اطمأنت إليه النفوس الشريفة الطاهرة من أوضار الذنوب ومساوئ الأخلاق المتحلية بمكارم الأخلاق، من الصدق في المقال واللطف في الأحوال والأفعال، وحسن معاملته مع الرحمن، ومعاشرته مع الإخوان وصلة الرحم والسخاء والشجاعة.
الفصل الثاني
الحديث الأول والثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((والإيمان في الجنة)) جعل أهل الإيمان عين الإيمان دلالة على أنهم تمحضوا منه وتمكنوا من بعض شعبه الذي هو أعلى فرع منه، كما جعل الإيمان مقرا ومبوأ لأهله في قوله تعالى: ﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم﴾ لتمكنهم من الإيمان واستقامتهم عليه.
стр. 2621
٥٠٧٨ - وعن أبي رجل من مزينة، قال: قالوا: يا رسول الله! ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: ((الخلق الحسن)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥٠٧٨]
٥٠٧٩ - وفي ((شرح السنة)) عن أسامة بن شريك [٥٠٨٩]
٥٠٨٠ - وعن حارثة بن وهب، قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري)) قال: والجواظ: الغليظ الفظ رواه أبو داود في ((سننه)). والبيهقي في ((شعب الإيمان)) وصاحب ((جامع الأصول)) فيه عن حارثة وكذا في ((شرح السنة)) عنه، ولفظه: قال: ((لا يدخل الجنة الجواظ والجعظري)) يقال: الجعظري: الفظ الغليظ. [٥٠٨٠]
وفي نسخ ((المصابيح)) عن عكرمة بن وهب ولفظه قال: الجواظ: الذي جمع ومنع. والجعظري: الغليظ الفظ.
ــ
الحديث الثالث إلى الخامس عن حارثة ﵁: قوله: ((الجواظ الغليظ اللفظ)) كذا في سنن أبي داود والبيهقي. وفي ((نه)) و ((تو)) و ((قض)): الجواظ المختال من جاظ جوظا إذا اختال. وقيل: الجموع الممنوع من جاظ إذا جمع ومنع. وقيل: هو السمين. وقيل: الصياح المهذار. والجعظري: الفظ الغليظ. وقيل القصير المنتفخ بما ليس عنده. وقيل: العظيم الجسيم الأكول، والمانع لمن شأنه هذا أن يدخل الجنة حيثما يدخلها الآخرون عجبهم وسوء خلقهم وشرههم على الطعام، وإفراطهم في الكلام.
قوله: ((وفي نسخ المصابيح عن عكرمة بن وهب ولفظه: ((قال: والجواظ: الذي جمع ومنع)) أشار المؤلف بهذا أن راوي الحديث في الأصول المذكورة هو حارثة بن وهب، وهو صحابي، وفي نسخ المصابيح عن عكرمة بن وهب. وقد قال الشيخ التوربشتي: لم يذكره أحد في الصحابة، فالحديث مرسل حينئذ، وكذا قوله: ((الذي جمع ومنع)) ليس في الأصول، وقد أثبت في حواشي المصابيح فألحق بالمتن. وكذا قوله: ((الغليظ الفظ)) في المصابيح تفسير للجعفري، وفي الأصول تفسير للجواظ. وحارثة بن وهب الخزاعي أخو عبد الله بن عمرو بن الخطاب لأمه، وعداده في الكوفيين، روى عنه هذا الحديث معبد بن خالد الجهني.
стр. 2622
٥٠٨١ - وعن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: ((إن أثقل شيء يوضع في ميزان المؤمن يوم القيامة خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء)) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. وروى أبو داود الفصل الأول. [٥٠٨١]
٥٠٨٢ - وعن عائشة [﵂] قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل وصائم النهار)) رواه أبو داود. [٥٠٨٢]
٥٠٨٣ - وعن أبي ذر، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) رواه أحمد، والترمذي والدارمي. [٥٠٨٣]
ــ
الحديث السادس عن أبي الدرداء ﵁: قوله: ((البذيء)) في الغريبين: رجل بذيء أي فاحش سيء الخلق وقد بذأ يبذأ بذاءة. انتهى كلامه. أوقع قوله: ((وإن الله يبغض الفاحش البذيء)) مقابلا لقوله: ((إن أثقل شيء يوضع في الميزان)) دلالة على أن أخف ما يوضع في الميزان هو سوء الخلق، وأن حسن الخلق أحب الأشياء عند الله تعالى، والخلق السيئ أبغضها، وأن الفحش والبذاءة أسوأ شيء في مساوئ الأخلاق.
الحديث السابع عن عائشة ﵂: قوله: ((بحسن خلقه)) قال الحسن: حسن الخلق بسط الوجه، وبذلك الندى وكف الأذى. وقال الواسطي: هو أن لا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله تعالى. وقال أيضاً: هو إرضاء الخلق في السراء والضراء. وقال سهل: أدنى حسن الخلق، الاحتمال وترك المكافأة، والرحمة للظالم والاستغفار له والشفقة عليه.
الحديث الثامن عن أبي ذر ﵁: قوله: ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها)) قيل: يعلم منه أن العبد لا يستغني في حال من الأحوال عن محو آثار السيئات عن قلبه بمباشرة حسنات تضاد آثار تلك السيئات. فسماع الملاهي يكفر بسماع القرآن وبمجالس الذكر، وشرب الخمر يكفر بالتصدق بكل شراب حلال. وعلى هذا قفس؛ لأن المرض يعالج بضده والمتضادات هي المتناسبات! فلذلك ينبغي أن يمحو كل سيئة بحسنة من جنسها لكي تضادها، فالبياض يزال
стр. 2623
٥٠٨٤ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أخبركم بمن يحرم على النار وبمن تحرم النار عليه! على كل هين لين قريب سهل)). رواه أحمد، والترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. [٥٠٨٤]
٥٠٨٥ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود. [٥٠٨٥]
ــ
بالسواد لا بغيره، وحب الدنيا أثر السرور بها في القلب، فلا جرم كفارته كل أذى يصيب المسلم من الهم والغم.
الحديث التاسع عن عبد الله ﵁: قوله: ((على كل هين لين)) هذا جواب عن السؤالين، والجواب الظاهر عنهما: كل هين لين، ثم في الدرجة الثانية أن يقال عن الأول: يحرم على النار كل هين لين، وعلى الثاني: تحرم النار على كل هين لين. فأتى بجواب موجز يدل عليهما بالتفصيل، ولو أتى به كما يقتضيه الظاهر وهو قوله: ((كل هين لين)) لم يدل على التفصيل.
الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((غر)) ((نه)): أي ليس بذي مكر فهو ينخذع لانقياده ولينه وهو ضد الخب. يقال: فتى غر وفتاة وقد غررت تغر غرارة، يريد أن المؤمن المحمود من طبعه الغرارة، وقلة الفطنة للشر، وترك البحث عنه. وليس ذلك منه جهلا ولكنه كرم وحسن خلق. انتهى كلامه. قال الفرزدق:
واستمطروا من قريش كل منخدع إن الكريم إذا خادعته انخدعا
وقيل: هم الذين لم يجربوا الأمور فهم قليلوا الشر منقادون! فإن من آثر الخمول وإصلاح نفسه والتزود لمعاده ونبذ أمور الدنيا، فليس غراً فيما قصده ولا مذموماً بنوع من الذم، والأول هو الوجه لما سبق في قوله ﷺ : ((المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين)) لأن المؤمن قد ينخدع تارة في مقام اللين والعطف مع الأحباب وقد لا ينخدع مع الأغيار.
وروى: أن ابن عمر ﵄ كلما صلى عبد له أعتقه. فقيل له فقال: من خادعنا بالله ننخدع. ولفظ الحديث أيضا يساعده: لأنه ﷺ لما وصفه بالغرر أي الوصف غير كامل، فكمله بقوله: ((كريم))! لئلا يتوهم فيه ذلك نقصا، و ((الخب)) - بالفتح- الخداع، وهو الجريز الذي يسعى بين الناس بالفساد. يقال: رجل خب وامرأته خبة، وقد تكسر خاؤه. وأما المصدر فبالكسر لا غير.
стр. 2624
٥٠٨٦ - وعن مكحول، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المؤمنون هينون لينون كالجمل الآنف إن قيد انقاد، وإن أنيخ على صخرة استناخ)). رواه الترمذي مرسلاً [٥٠٨٦]
٥٠٨٧ - وعن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: ((المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم)). رواه الترمذي، وابن ماجه. [٥٠٨٧]
ــ
الحديث الحادي عشر عن مكحول ﵁: قوله: ((هينون لينون)). ((نه)): هما تخفيف الهين واللين. قال ابن الأعرابي: العرب تمدح بـ ((الهين واللين)) مخففين وتذم بهما مثقلين. وهين فيعل من الهون، وهو السكينة والوقار والسهولة، فعينة واو، وشيء هين أي سهل.
وقوله: ((كالجمل الآنف)) أي المأنوف، وهو الذي عقر الخشاش أنفه فهو لا يمتنع على قائده للوجع الذي به. وقيل: الآنف الذلول، يقال: أنف البعير يأنف أنفا فهو آنف إذا اشتكى أنفه من الخشاش. والخشاش بالكسر خشب يدخل في أنف البعير. وكان الأصل أن يقال: مأنوف! لأنه مفعول به، كما يقال: مصدور ومبطون للذي يشتكي صدره وبطنه، وإنما جاء هذا شاذاً ويروي: ((كالجمل الآنف)) بالمد وهو بمعناه.
((فا)): والمحذوفة من يائي ((هين ولين)) الأولى، وقيل: الثانية. والكاف مرفوعة المحل على أنها خبر ثالث، والمعنى أن كل واحد منهم كالجمل الآنف ويجوز أن ينتصب محلها على أنها صفة لمصدر محذوف، تقديره: لينون لينا مثل لين الجمل الآنف.
((حس)): معنى الحديث أن المؤمن شديد الانقياد للشارع في أوامره ونواهيه. وفي قوله: ((وإن أنيخ على صخرة استناخ)) إيذان بكثرة تحمل المشاق؛ لأن الإناخة على الصخرة شاقة. أقول: أشار إلى أنه من باب التتميم كقول امرئ القيس:
حملت ردينيا كأن سنانه سنا لهب لم يتصل بدخان
فإن النار الشاعلة إذا لم يتصل بها دخان، كانت أشد تقوياً، ولعمري هذا غاية في التواضع وخفض الجناح المعنى بقوله تعالى: ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾ والذلة في قوله: ﴿أذلة على المؤمنين﴾
الحديث الثاني عشر عن ابن عمر ﵄: قوله: ((أفضل من الذي لا يخالطهم))
стр. 2625
٥٠٨٨ - وعن سهل بن معاذ، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: ((من كظم غيظاً
ــ
قال الشيخ أبو حامد في الإحياء: اختلفوا في المخالطة والعزلة وتفضيل إحداهما على الأخرى: فقال أكثر التابعين باستحباب المخالطة واستكثار المعارف والأحوال: للتألف والتحبب إلى المؤمنين، والاستعانة بهم في الدين تعاونا على البر والتقوى. روى عن علي ﵁ قال: عليكم بالإخوان فإنهم عدة في الدنيا والآخرة، ألا تسمع إلى قول أهل النار: ﴿فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم﴾ وهذا الحديث أدل شيء على استحباب المخالطة.
وما أكثر العباد والزهاد إلى اختيار العزلة وتفضيلها على المخالطة: قال عمر ﵁: خذوا بحظكم من العزلة. وقال فضيل: كفي بالله محباً وبالقرآن مؤنساً وبالموت واعظا، اتخذ الله صاحبا ودع الناس جانبا. وأوصى داود الطائي أبا الربيع فقال: صم عن الدنيا واجعل فطرك الآخرة، وفر من الناس فرارك من الأسد. وقال وهب بن الورد: بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت، والعاشرة في عزلة الناس. ودخل على حاتم الأصم بعض الأمراء فقال: ألك حاجة؟ قال: نعم! قال: ما هي؟ قال: أن لا تراني وقال ابن عباس: أفضل المجالس مجلس في قعر بيتك لا ترى ولا ترى، وأنشد
شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي قدس الله سره:
إن مدحت الخمول نبهت أقواما نياما يضايقوني إليه
هو قد دلني على لذة العيش فما لي أدل غيري عليه
وقال أيضاً:
خمولك يرفع عنك الأذى فكن قانعا أبدا بالخمول
فكم من علي في ذري شاهق من الغر يرحم عند النزول
وقال أيضا:
من أخمل النفس أحياها وأنعشها ولم يتب قط من أمر على خطر
إن الرياح إذا هاجت عواصفها فليس يرمي سوى العالي من الشجر
وقيل: آداب العزلة أربعة: أن ينوي بها كف شره أولا، ثم السلامة من الشر ثانيا، ثم الخلاص من الإخلال بالحقوق ثالثا، ثم التجرد بكنه الهمة للعبادة رابعاً.
الحديث الثالث عشر عن سهل ﵁: قوله: ((كظم)) ((نه)): كظم الغيظ تجرعه واحتمال سببه والصبر عليه. انتهى كلامه. وإنما حمد الكظم لأنه قهر للنفس الأمارة بالسوء!
стр. 2626
وهو يقدر على أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره في أي الحور شاء)). رواه الترمذي، وأبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [٥٠٨٨]
٥٠٨٩ - وفي رواية لأبي داود، عن سويد بن وهب، عن رجل من أبناء أصحاب النبي ﷺ ، عن أبيه، قال: ((ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً)). [٥٠٨٩]
وذكر حديث سويد: ((من ترك لبس ثوب جمال)) في ((كتاب اللباس)).
الفصل الثالث
٥٠٩٠ - عن زيد بن طلحه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن لكل دين خلقاً وخلق الإسلام الحياء)). رواه مالك مرسلاً. [٥٠٩٠]
٥٠٩١ - و ٥٠٩٢ - * ورواه ابن ماجه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن أنس، وابن عباس. [٥٠٩١]، [٥٠٩٢]
٥٠٩٣ - وعن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: ((إن الحياء والإيمان قرناء جميعاً، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر)). [٥٠٩٣]
ــ
ولذلك مدحهم الله تعالى بقوله: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس﴾ ومن نهى النفس عن هواه فإن الجنة مثواه، والحور العين جزاءه، والمعني بقوله: ((على رءوس الخلائق)) أنه يشتهر بين الناس ويباهي به، ويقال في حقه: هذا الذي صدرت منه هذه الخصلة العظيمة.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن زيد ﵁: قوله: ((إن لكل دين خلقاً))، ((نه)): الخلق: الدين والطبع والسجية. انتهى كلامه. والمعنى أن الغالب على أهل كل دين سجية سوى الحياء، والغالب على أهل ديننا الحياء! لأنه متمم لمكارم الأخلاق، وإنما بعث ﷺ لإتمامها. وقال يوماً لأصحابه: ((استحيوا من الله حق الحياء)) الحديث.
الحديث الثاني عن ابن عمر ﵄: قوله: ((قرناء)) فيه دليل لمن يقول: إن أقل
стр. 2627
٥٠٩٤ - وفي رواية ابن عباس: ((فإذا سلب أحدهما تبعه الآخر)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥٠٩٤]
٥٠٩٥ - وعن معاذ، قال: كان آخر ما وصاني به رسول الله ﷺ حين وضعت رجلي في الغرز أن قال: ((يا معاذ! أحسن خلقك للناس)). رواه مالك. [٥٠٩٥]
٥٠٩٦ - وعن مالك، بلغه أن رسول الله ﷺ : قال: ((بعثت لأتمم حسن الأخلاق)) رواه في ((الموطأ)). [٥٠٩٦]
٥٠٩٧ - ورواه أحمد عن أبي هريرة [٥٠٩٧]
ــ
الجمع اثنان. وفيه رائحة من التجريد! حيث جرد من الإيمان شعبة منه، وجعلها قرينا له على سبيل الاستعارة، كأنهما رضيعا لبان ثدي أم تقاسما أن لا يتفرقا.
الحديث الثالث عن معاذ ﵁: قوله: ((في الغرز)) ((نه)): الغرز: ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب. وقيل: هو الكور مطلقاً مثل الركاب للسرج، انتهى كلامه. قوله: ((أن قال)) خبر ((كان)) و ((حين وضعت)) ظرف. قاله حين بعثه إلى اليمن للقضاء وصاه ليجامل الناس بحسن الخلق.
الحديث الرابع عن مالك: قوله: ((بلغه)) هذا يحتمل أن يكون متصلا، وراوي مالك لم يذكر الاتصال وأن يكون مرسلا، وإن لم يذكر مالك التابعي ولا الصحابي. وقيل: إنه منقطع. وقوله: ((لأتمم حسن الأخلاق)) يحتمل أن يراد به أنه كملها بعد النقصان، وأنه جمعها بعد التفرقة، وعليه قوله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتداه﴾.
قال الإمام فخر الدين: الآية دالة على فضله صلوات الله عليه على سائر الأنبياء! لأنه تعالى أمره بالاقتداء بهم، ولابد من امتثاله لذلك الأمر، فوجب أن يجتمع فيه جميع خصائلهم وأخلاقهم المتفرقة، وإلى المعنى الأول أشار ﷺ بقوله: ((مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه ترك منه موضع لبنة)) إلى قوله: ((فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة، حتم بين البنيان)).
стр. 2628
٥٠٩٨ - وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا نظر في المرآة قال: ((الحمد لله الذي حسن خلقي وخلقي، وزان مني ما شان من غيري)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) مرسلا. [٥٠٩٨]
٥٠٩٩ - وعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: ((اللهم حسنت خلقي فأحسن خلقي)). رواه أحمد. [٥٠٩٩]
٥١٠٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أنبئكم بخياركم؟)) قالوا: بلى قال: ((خياركم أطولكم أعماراً، وأحسنكم أخلاقاً)) رواه أحمد. [٥١٠٠]
٥١٠١ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)). رواه أبو داود، والدارمي. [٥١٠١]
ــ
الحديث الخامس عن جعفر ﵁: قوله: ((وزان مني ما شان من غيري)) فيه معنى قوله: ((بعثت لأتمم حسن الأخلاق)) فجعل النقصان شيئاً! كما قال أبو الطيب:
ولم أر من عيوب الناس شيئاً كنقص القادرين على التمام
وعلى نحو هذا الحمد حمد داود وسليمان ﵉ في قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين﴾ وفيه استحباب النظر في المرآة، والحمد على حسن الخلقة والخلق؛ لأنهما نعمتان موهوبتان من الله تعالى، يجب الشكر عليهما.
الحديث السادس عن عائشة ﵂: قوله: ((فأحسن خلقي)) يحتمل أن يراد به طلب الكمال، وإتمام النعمة عليه بإكمال دينه. قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ وفيه إشارة إلى قول عائشة ﵂: ((كان خلقه القرآن)) وأن يكون قد طلب المزيد والثبات على ما كان.
الحديث السابع إلى العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أطولكم أعماراً)) إشارة
стр. 2629
٥١٠٢ - وعنه، أن رجلا شتم أبا بكر، والنبي ﷺ جالس يتعجب ويتبسم، فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي ﷺ . وقام، فلحقه أبو بكر، وقال: يا رسول الله! كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت. قال: ((كان معك ملك يرد عليه، فلما رددت عليه وقع الشيطان)). ثم قال: ((يا أبا بكر! ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله إلا أعز الله بها نصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاد الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة)). رواه أحمد. [٥١٠٢]
٥١٠٣ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لا يريد الله بأهل بيت رفقاً إلا نفعهم، ولا يحرمهم إياه إلا ضرهم)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥١٠٣]
(٢٠) باب الغضب والكبر
الفصل الأول
٥١٠٤ - عن أبي هريرة، أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أوصني. قال: ((لا تغضب فرد ذلك مراراً قال: ((لا تغضب)). رواه البخاري.
ــ
إلى ما قال ﷺ في جواب من سأله: أي الناس خير؟ قال: ((من طال عمره وحسن عمله))، فقوله: ((وأحسنكم أخلاقا)) كقوله: ((وحسن عمله)) في إرادة الجمع بين طول العمر وحسن الخلق والله أعلم.
باب الغضب والكبر
((غب)): الكبر الحالة التي يتخصص بها الإنسان من إعجاب نفسه بأن يرى نفسه أكبر من غيره، وأعظمه الامتناع عن قبول الحق عن الله تعالى والإذعان له بالعبادة. والاستكبار على وجهين: أحدهما: أن يتحرى الإنسان أن يصير كبيراً وذلك متى كان على ما يحب فهو المحمود. والثاني: أن يتشبع فيظهر من نفسه ما ليس له فهو المذموم: لقوله تعالى: ﴿أبى واستكبر﴾. والمتكبر أيضاً على وجهين: إما محمود وهو أن تكون أفعاله الحسنة كثيرة زائدة في الحقيقة على محاسن غيره، وعلى هذا وصف الله تعالى بالمتكبر في قوله: ﴿العزيز الجبار
стр. 2630
٥١٠٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) متفق عليه.
ــ
المتكبر﴾، ومذموم: وذلك إذا كان متكلفاً متشبعاً لذلك، وهذا وصف عامة الناس نحو قوله تعالى: ﴿فبئس مثوى المتكبرين﴾.
قال الشيخ أبو حامد: الكبر ينقسم إلى ظاهر وباطن، فإذا ظهر على الجوارح يقال: تكبر، وإذا لم يظهر، يقال في نفسه كبر. فالأصل هو الخلق الذي في النفس وهو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه! فإن الكبر يستدعي متكبراً عليه، ليرى نفسه فوقه في صفات المال ومتكبراً به. وبه ينفصل الكبر على العجب! فإن العجب لا يستدعي غير المعجب بل لو لم يخلق إلا وحده يتصور أن يكون معجباً ولا يتصور أن يكون متكبراً.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا تغضب)) ((تو)): قد كان ﷺ مكاشفا بأوضاع الخلق عارفا بأدواتهم يضع الهناء موضع النقب، يأمرهم بما هو أولى بهم. فلما استوصاه الرجل، وقد رآه مملوء بالقوة الغضبية لم ير له خيرا من أن يتجنب عن دواعي الغضب، ويزحزح نفسه عنه.
((قض)): لعله ﷺ لما رأي أن جميع المفاسد التي تعرض للإنسان وتعتريه إنما تعرض له من فرط شهوته واستيلاء غضبه، والشهوة مكثروة بالنسبة إلى ما يقتضيه الغضب غير ملتفت إليها. فلما سأله الرجل أن يشير إليه بما يتوصل به إلى التجنب عن القبائح والتحرز عن مظانها، نهاه عن الغضب الداعي إلى ما هو أعظم ضرر وأكثر وزرا! فإن ارتفاع السبب يوجب ارتفاع مسبباته لا محالة. أقول: ويؤيد ما ذهب إليه القاضي الحديث الآتي.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بالصرعة)) ((نه)): الصرعة: بضم الصاد وفتح الراء المبالغ في الصرع الذي لا يغلب، فنقله إلى الذي يملك نفسه عند الغضب! فإنه إذا ملكها كان قد قهر أقوى أعدائه وشر خصومه! ولذلك قال: ((أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك)) وهذا من الألفاظ التي نقلها عن وضعها اللغوي بضرب من التوسع والمجاز، وهو من فصيح الكلام؛ لأنه لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ، وقد ثارت عليه شهوة الغضب فقهرها بحلمه وصرعها بثباته، كان كالصرعة الذي يصرع الرجال ولا يصرعونه.
следующие страницы →