← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

٥٢٢٩ - ٥٢٣٠ - * وعن أبي هريرة وأبي خلاد [﵄]: أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا رأيتم العبد يعطؤ زهدا في الدنيا، وقلة منطق؛ فاقتربوا منه فإنه يلقى الحكمة)). رواهما البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥٢٢٩]، [٥٢٣٠] (١) باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ﷺ الفصل الأول ٥٢٣١ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره)) رواه مسلم. ــ للإسلام)) أي يلطف به بقذف النور فيه حتى يرغب في الإسلام وتسكن إليه نفسه ويحب الدخول فيه. قوله: ((من دار الغرور)) الغرور كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان، وقد فسر بالشيطان إذ هو أخبث الغارين، وبالدنيا لما قيل: الدنيا تغبر وتضر وتمر، والله أعلم بالصواب. باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ﷺ الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أشعث)) ((قض)): الأشعث: هو المغبر الرأس المتفرق الشعور. وأصل التركيب هو التفرق والانتشار. والصواب مدفوع بالدال أي يدفع عند الدخول على الأعيان والحضور في المحافل فلا يترك أن يلج الباب فضلا أن يحضر معهم. ويجلس فيما بينهم. و ((لو أقسم على الله لأبره)) أي لو سأل الله شيئا وأقسم عليه أن يفعله لفعله، ولم يخيب دعوته فشبه إجابة المنشد المقسم على غيره بوفاء الحالف على يمينه وبره فيها. وقيل: معناه لو حلف أن الله يفعله أو لا يفعله صدقه في يمينه وأبره فيها بأن يأتي بما يوفقها. انتهى كلامه. ويشهد لهذا الوجه حديث أنس بن النضر ﵁: ((لا والله لا تكسر ثنيتها يا رسول الله)) الحديث. ومما يؤيد الأول لفظ ((على الله)) لأنه أراد به المسمى، ولو أريد به اللفظ لقيل: بالله. وأما معنى الإبرار فعلى ما ذهب إليه القاضي من باب الاستعارة والتمثيل، ويجوز أن يكون من باب المشاكلة المعنوية. الكشاف: شهد رجل عند شريح، فقال: إنك لسبط الشهادة. فقال الرجل: إنها لم تجعد

стр. 2697

٥٢٣٢ - وعن مصعب بن سعد، قال: رأي سعد أن له فضلا على من دونه، فقال رسول الله ﷺ : ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟!)). رواه البخاري. ٥٢٣٣ - وعن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها من النساء)) متفق عليه. ٥٢٣٤ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء. واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)) متفق عليه. ــ عني. والذي سوغ تجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة، ولولا ذكر سبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها. الحديث الثاني عن مصعب: قوله: ((أن له فضلا)) أي شجاعة وكرما وسخاوة، فأجابه ﷺ بأن تلك الشجاعة ببركة ضعفاء المسلمين، وتلك السخاوة أيضا ببركتهم، وأبرزه في صورة الاستفهام؛ ليدل على مزيد التقرير والتوبيخ. الحديث الثالث عن أسامة ﵁: قوله: ((وأصحاب الجد))، أصحاب الجد هم الأغنياء والجد – بالفتح – الغنى. قوله: ((غير أن أصحاب النار)) ((غير)) بمعنى لكن، والمغايرة بحسب التفريق؛ فإن القسم الأول بعضهم محبوس وبعضهم غير محبوس، والثاني غير محبوس، يدل عليه حديث عبد الله بن عمرو كما سيجيء. قيل: إن الأغنياء وأرباب الأموال والمناصب محبوسون، حبسوا في العرصات للحساب والجزاء والمكافأة، وقوله: ((غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار)) المراد منهم الكفار، أي يساق الكفار إلى النار ويوقف المؤمنون في العرصات للحساب، والفقراء هم السابقون إلى الجنة لفقرهم. الحديث الرابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((اطلعت في الجنة)) ضمن ((اطلعت)) معنى ((تأملت)) و ((رأيت)) بمعنى ((علمت))؛ ولذا عداه إلى مفعولين، ولو كان الإطلاع بمعناه الحقيقي لكفاه مفعول واحد.

стр. 2698

٥٢٣٥ - وعن عبد الله بن عمرو [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا)) رواه مسلم. ٥٢٣٦ - وعن سهل بن سعد، قال: مر رجل على رسول الله ﷺ فقال لرجل عنده جالس: ((ما رأيك في هذا؟)) فقال رجل من أشراف الناس: هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع. قال: فسكت رسول الله ﷺ ثم مر رجل فقال له رسول الله ﷺ : ((ما رأيك في هذا؟)) فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا ينكح. وإن شفع أن لا يشفع. وإن قال أن لا يسمع لقوله. فقال رسول الله ﷺ : ((هذا خير من ملء الأرض مثل هذا)). متفق عليه. ٥٢٣٧ - وعن عائشة، قالت ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله ﷺ . متفق عليه. ٥٢٣٨ - وعن سعيد المقبري، عن أبي هريرة: أنه مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية، فدعوه فأبى أن يأكل، وقال: خرج النبي ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير. رواه البخاري. ٥٢٣٩ - وعن أنس، أنه مشى إلى النبي ﷺ بخبز شعير وإهالة سنخة، ولقد رهن النبي ﷺ درعا بالمدينة عند يهودي، وأخذ منه شعيرا لأهله، ولقد سمعته يقول: ((ما أمسى عند آل محمد صاع بر ولا صاع حب، وإن عنده لتسع نسوة)). رواه البخاري. ــ الحديث الخامس عن عبد الله ﵁: قوله: ((خريفا)) ((نه)): الخريف الزمان المعروف بين الصيف والشتاء، ويريد به أربعين سنة؛ لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة. الحديث السادس عن سهل بن سعد ﵁: قوله: ((ملء الأرض)) وقع مفضلا عليه باعتباره مميزه وهو قوله: ((مثل هذا))؛ لأن البيان والمبين شيء واحد. الحديث السابع إلى التاسع عن انس ﵁: قوله: ((وإهالة سنخة)) ((نه)): قيل: هي ما أذيبت من الألية والشحم. وقيل: الدسم الجامد. والسنخة المتغيرة الريح. انتهى كلامه. وضمير المفعول في ((سمعته)) عائد إلى ((أنس)) والفاعل لراوي أنس.

стр. 2699

٥٢٤٠ - وعن عمر، قال: دخلت على رسول الله ﷺ فإذا هو مضطجع على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه، متكئا على وسادة من أدم، حشوها ليف. قلت: يا رسول الله: ادع الله فليوسع على أمتك، فإن فارس والروم قد وسع عليهم وهم لا يعبدون الله فقال: ((أوفي هذا أنت يا بن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا)). وفي رواية: ((أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة!)) متفق عليه. ٥٢٤١ - وعن أبي هريرة، قال لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة، ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعيين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته)). رواه البخاري. ٥٢٤٢ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق؛ فلينظر إلى من هو أسفل منه)). متفق عليه. وفي رواية لمسلم، ــ الحديث العاشر عن عمر ﵁: قوله: ((على رمال حصير)) ((نه)): الرمال ما رمل أي نسج. يقال: رمل الحصير وأرمله فهو مرمول ومرمل، ورملته شدد للتكثير. قال الزمخشري: ونظيره الخطام والزكام لما خطم وزكم. وقال غيره: الرمال جمع رمل بمعنى مرمول كخلق الله بمعنى مخلوقه. والمراد أنه كان السرير قد نسج وجهه بالسعف، ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير. وقوله: ((فليوسع)) الظاهر نصبه؛ ليكون جوابا للأمر، أي ادع الله فيوسع، واللام للتأكيد والرواية بالجزم على أنه أمر للغائب، كأنه التمس من رسول الله ﷺ الدعء لأمته بالتوسع، وطلب من الله الإجابة، وكان من حق الظاهر أن يقال: ادع الله ليوسع عليك، فعدل إلى الدعاء للأمة؛ إجلالا لمحله ﷺ وإبعادا لمنزلة من رسخ للنبوة أن يطلب من الله تعالى هذا الدنيء الخسيس لنفسه، ومع ذلك أنكر عليه هذا الإنكار البليغ. وقوله: ((أو في هذا؟)) مدخول الهمزة محذوف أي أتطلب هذا وفي هذا أنت؟ وكيف يليق بمثلك أن يطلب من الله التوسعة في الدنيا. الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((رداء)) ((نه)): هو الثوب أو البرد الذي يضعه الإنسان على عاتقه وبين كتفيه فوق ثيابه. انتهى كلامه. أي لم يكن له ثوب يتردى به بل كان له إما إزار فحسب أو كساء فحسب. وتأنيث الضمير في ((منها)) باعتبار الجمعية في الأكسية والإزار وتعدد المكتسين والإفراد في ((بيده)) باعتبار الرجل المذكور. الحديث الثاني عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الخلق)) أي الخليقة والصورة

стр. 2700

قال: ((انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم)). الفصل الثاني ٥٢٤٣ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام نصف يوم)) رواه الترمذي. [٥٢٤٣] ــ وقوله: ((فهو)) أي النظر إلى أسفل في المال والخلق لا إلى من هو فوق حقيق بعدم الازدراء. و ((أن لا تزدروا)) متعلق بـ (أجدر)) على حذف الجار. ((نه)): والازدراء الاحتقار والانتقاص والعيب، وهو افتعال من زريت عليه زراية إذا عبته. وأزريت به إزراء إذا قصرت به وتهاونت. وأصل ازدريت ازتريت وهو افتعل منه، فقلبت التاء دالا لأجل الزاي. ((مح)): هذا حديث جامع لأنواع الخير؛ لأن الإنسان إذا رأي من فضل عليه في الدنيا طلبت نفسه مثل ذلك، واستصغر ما عنده من نعمة الله تعالى، وحرص على الازدياء؛ ليلحق بذلك أو يقاربه، هذا هو الموجود في غالب الناس. فأما إذا نظر في أمور الدنيا إلى من هو دونه فيها، ظهرت له نعمة الله تعالى، وشكرها وتواضع وفعل بها الخير. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((نصف يوم)) صفة فارقة لأن خمسمائة عام يحتمل أن يراد به ما هو متعارف بين الناس، وأن يراد به ما هو عند الله تعالى لقوله تعالى: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾. وأن يكون عطف بيان أو بدلا منه. ((شف)): فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا الحديث والحديث السابق من قوله: ((بأربعين خريفا))؟ قلت: يمكن أن يكون المراد من ((الأغنياء)) في الحديث الأول؛ أغنياء المهاجرين، أي يسبق فقراء المهاجرين إلى الجنة بأربعين خريفا. ومن ((الأغنياء)) في الحديث الثاني: الأغنياء الذين ليسوا من المهاجرين. فلا تناقض بين الحديثين. وقال في جامع الأصول: وجه الجمع بينهما: أن الأربعين أراد بها تقدم الفقير الحريص على الغني الحريص. وأراد بـ ((خمسائة)) تقدم الفقير الزاهد على الغني الراغب. وكان الفقير الحريص على درجتين من خمس وعشرين درجة من الفقير الزاهد. وهذه نسبة الأربعين إلى الخمسمائة. ولا تظنن أن هذا التقرير وأمثاله

стр. 2701

٥٢٤٤ - وعن أنس، أن النبي ﷺ قال: ((اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين)). فقالت عائشة: لم يا رسول الله؟ قال: ((إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا، يا عائشة! لا تردي المسكين ولو بشق تمرة، يا عائشة! أحبي المساكين وقربيهم، فإن الله يقربك يوم القيامة)) رواه الترمذي والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥٢٤٤] ٥٢٤٥ - وروى ابن ماجه عن أبي سعيد إلى قوله في ((زمرة المساكين)). [٥٢٤٥] ٥٢٤٦ - وعن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: أبغوني في ضعفائكم، فإنما ترزقون – أو تنصرون – بضعفائكم)). رواه أبو داود. [٥٢٤٦] ٥٢٤٧ - وعن أمية بن خالد بن عبد الله بن أسيد، عن النبي ﷺ : أنه كان يستفتح بصعاليك المهاجرين. رواه في ((شرح السنة)). [٥٢٤٧] ــ يجري على لسان النبي ﷺ جزافا ولا بالاتفاق، بل لسر أدركه، ونسبه أحاط بها علمه؛ فإنه ﷺ ما ينطق عن الهوى. الحديث الثاني عن أنس ﵁: قوله: ((أحيني مسكينا)) قيل: هو من الممسكنة وهي الذلة والافتقار، فأراد ﷺ بذلك إظهار تواضعه وافتقاره إلى ربه إرشادا لأمته إلى استشعار التواضع والاحتراز عن الكبر والنخوة، وأراد بذلك التنبيه على علو درجات المساكين وقربهم من الله تعالى. الحديث الثالث عن أبي الدرداء ﵁: قوله: ((ابغوني في ضعفائكم)). ((نه)): هو بهمزة القطع والوصل، يقال: بغى يبغي بغاء بالضم إذا طلب وهذا نهى عن مخالطة الأغنياء وتعليم منه. الحديث الرابع عن أمية ﵁: قوله: ((يستفتح)) ((نه)): أي يستنصر بهم؛ ومنه قوله تعالى: ﴿إن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ أي إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. ((فا)):

стр. 2702

٥٢٤٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تغبطن فاجرا بنعمة، فإنك لا تدري ما هو لاق بعد موته، إن له عند الله قاتلا لا يموت)). يعني النار. رواه في ((شرح السنة)). [٥٢٤٨] ٥٢٤٩ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الدنيا سجن المؤمن وسنته، وإذا فارق الدنيا فارق السجن والسنة)) رواه في ((شرح السنة)). [٥٢٤٩] ــ الصعلوك هو الذي لا مال له ولا اعتمال، وقد صعلكته إذا ذهبت بماله، ومنه تصعلكت إلابل إذا ذهبت أوبارها. الحديث الخامس عن أي هريرة ﵁: قوله: ((يعني النار)) تفسير عبد الله بن أبي مريم راوي أبي هريرة، كذا في ((شرح السنة)) وسماها قاتلا على الاستعارة التبعية. شبه عذابها بقتل القاتل، ثم سرى من المصدر إلى اسم الفاعل، نحو قول الشاعر: قتل البخل وأحيي السماحة وقوله: ((لا يموت)) عبارة عن: لا تخمد، فيكون ترشيحا للاستعارة. الحديث السادس عن عبد الله ﵁: قوله: في ((سنته)): ((السنة)): القحط وهي من الأسماء الغالبة قال الإمام الحافظ أبو القاسم الوراق: إن قيل: كيف يكون معنى الحديث وقد نرى مؤمنا في عيش رغد وكافرا في ضنك وقصر يد؟ قلنا: الجواب من وجهين: أحدهما: أن الدنيا كالجنة للكافر في جنب ما أوعد الله له من العقوبة في الآخرة ونعيمها. فالكافر يحب المقام فيها ويكره مفارقتها، والمؤمن يتشوق الخروج منها ويطلب الخلاص من آفاتها كالمسجون الذي يريد أن يخلى سبيله. والثاني أن يكون هذا صفة المؤمن المستكمل الإيمان الذي قد عزب نفسه عن ملاذ الدنيا وشهواتها، فصارت عليه بمنزلة السجن في الضيق والشدة، وأما الكافر فقد أهمل نفسه وأمرحها في طلب اللذات وتناول الشهوات، فصارت الدنيا كالجنة له في السعة والنعمة. الحديث السابع عن قتادة ﵁: قوله: ((حماه الدنيا)): أي منعه منها ووقاه من أن

стр. 2703

٥٢٥٠ - وعن قتادة بن النعمان، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا أحب الله عبدا حماه الدنيا، كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء)) رواه أحمد، والترمذي. [٥٢٥٠] ٥٢٥١ - وعن محمود بن لبيد، أن النبي ﷺ قال: ((اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت، والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب)) رواه أحمد. [٥٢٥١] ٥٢٥٢ - وعن عبد الله بن مغفل، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ((إني أحبك. قال: ((انظر ما تقول)). فقال: والله إني لأحبك، ثلاث مرات. قال: ((إن كنت صادقا فأعد للفقر تجحافا، للفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. [٥٢٥٢] ــ يتلوث بزهرتها؛ كيلا يمرض قلبه بداء محبة الدنيا وممارستها، كما يحني أحدكم سقيمه المستسقى الماء كيلا يزيد مرض جسده بشربه. الحديث الثامن عن محمود ﵁: قوله: ((من الفتنة)) ((غب)): الفتنة من الأفعال التي تكون من الله تعالى ومن العبد كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب وغير ذلك من الأفعال الكريهة، انتهى كلامه. وقد تكون الفتنة في الدين مثل الارتداد والمعاصي وإكراه الغير على المعاصي، وإليه أشار بقوله ﷺ : ((إذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون)). الحديث التاسع عن عبد الله ﵁: قوله: ((تجحافا)) المغرب: هو شيء يلبس على الخيل عند الحرب كأنه درع، تفعال من جف لما فيه من الصلابة واليبوسة. أقول: انظر ما تقول، أي رمت أمرا عظيما وخطبا خطيرا ففكر فيه: فإنك توقع نفسك في خطر وأي خطر تشهد فيها غرضا لسهام البلايا والمصائب، فهذا تمهيد لقوله: ((فأعد للفقر تجحافا)) فاستعير للصبر وتحمل المشاق التجفاف على الاستعارة التخييلية. وشبه الفقر بالقرن الذي له سهام وأسنة، وأخرجه مخرج الاستعارة المكنية والقرنية الاستعارة التخييلية يريد رشقه بالبلايا وطعنه بالمصائب فيستعد له من الصبر والقناعة والرضا تجحافا، ثم ترقى منه إلى الاستعارة بالسيل دلالة على أن تلك البلايا والمصائب لاحقة به

стр. 2704

٥٢٥٣ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لقد أخفت لي الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين ليلة ويوم، ومالي ولبلال طعام يأكه ذو كبد، إلا شيء يواريه إبط بلال)) رواه الترمذي قال: ومعنى هذا الحديث: حين خرج النبي ﷺ هاربا من مكة ومعه بلال، إنما كان مع بلال من الطعام ما يحمل تحت إبطه. [٥٢٥٣] ٥٢٥٤ - وعن أبي طلحة، قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله ﷺ عن بطنه عن حجرين. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. ٥٢٥٥ - وعن أبي هريرة، أنه أصابهم جوع فأعطاهم رسول الله ﷺ تمرة تمرة. رواه الترمذي. ــ بسرعة، كالسيل إلى منتهاه، فلا خاص له ولا مناص، هذا على مقتضى قوله ﷺ : ((المرأ مع من أحب))، وقوله في جواب من سأل: أي الناس أشد بلاء؟: ((الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل)) وهو سيد الأنبياء فيكون بلاؤه أشد من بلائهم. وفيه أن الفقر أشد البلايا. الحديث العاشر عن أنس ﵁: قوله: ((لقد أخفت)) ((مظ)): وهو ماض مجهول من أخاف بمعنى خوق، يعني كنت وحيدا في ابتداء إظهاري الدين فخوفني في ذلك، وآذاني الكفار في الله أي في دين الله انتهى كلامه. وقوله: ((وما يخاف أحد)) حال أي خوفت في دين الله وحدي. وقوله: ((من بين ليلة ويوم)) تأكيد للشمول، أي ثلاثون يوما وليلة متواترات لا ينقص منها شيء من الزمان. و ((ذو كبد)) أي حيوان، أي ما معنا طعام، سواء كان ما يأكل الدواب أو الإنسان. الحديث الحادي عشر عن أبي طلحة ﵁: قوله: ((عن حجر حجر)) ((عن)) الأولى متعلقة بـ ((رفعنا)) على تضمين الكشف. والثانية صفة مصدر محذوف أي كشفنا عن بطوننا كشفا صادرا عن حجر حجر، ويجوز أن يحمل التنكير في ((حجر)) على النوع أي حجر مشدود على بطوننا، فيكون بدلا، وعادة من اشتد جوعه، وخمص بطنه أن يشتد على بطنه حجرا ليتقوم به صلبه. الحديث الثاني عشر والثالث عشر عن عمرو: قوله: ((فأسف على ما فاته منه)) أي حزن على

стр. 2705

٥٢٥٦ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ قال: ((خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرا: من نظر في دينه إلى من هو فوقه، فاقتدى به؛ ونظر في دنياه إلى من هو دونه، فحمد الله على ما فضله الله عليه، كتبه الله شاكرا صابرا، ومن نظر في دينه إلى من هو دونه، ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منه؛ لم يكتبه الله شاكرا ولا صابرا)) رواه الترمذي. [٥٢٥٦] وذكر حديث أبي سعيد: ((أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين)) في باب بعد فضائل القرآن. الفصل الثالث ٥٢٥٧ - عن أي عبد الرحمن الحبلي، قال: سمعت عبد الله بن عمرو، وسأله رجل قال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؛ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإن لي خادما. قال: فأنت من الملوك. قال عبد الرحمن: وجاء ثلاثة نفر إلى عبد الله بن عمرو وأنا عنده فقالوا: يا أبا محمد؛ إنا والله ما نقدر على شيء. لا نفقة ولا دابة ولا متاع. فقال لهم: ما شئتم إن شئتم رجعتم إلينا، فأعطيناكم ما يسر الله لكم، وإن شئتم ذكرنا أمركم للسلطان، وإن شئتم صبرتم، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا)). قالوا: فإنا نصبر لا نسأل شيئا. رواه مسلم. ــ فواته وتحسر، ولا يجوز أن يحمل على الغضب؛ لأنه لا يجوز أن يقال: غضب على ما فات بل على من فوت عليه. وقوله: ((فاقتدى به)) عبارة عن الصبر على مشاق العبادات، كما أن حمد الله تعالى أمارة للشكر ودلالة على الجميل. الفصل الثالث الحديث الأول عن أبي عبد الرحمن الحبلى: هو بالحاء المهملة والباء الموحدة من تحت وضمهما، قوله: ((سمعت عبد الله بن عمرو)) لا بد من محذوف، أي سمعته يقول قولا يفسره ما بعده. و ((جاء ثلاثة نفر)) حال، عطف على قوله: ((سأل رجل)) وقوله: ((إن شئتم رجعتم إلينا)) أي إن شئتم أن نعطيكم شيئا رجعتم إلينا بعد هذا؛ فإن هذه الساعة ما حضرنا شيء.

стр. 2706

٥٢٥٨ - وعن عبد الله بن عمرو [﵄]، قال: بينما أنا قاعد في المسجد وحلقة من فقراء المهاجرين قعود إذ دخل النبي ﷺ ، فقعد إليهم، فقمت إليهم، فقال النبي ﷺ : ((ليبشر فقراء المهاجرين بما يسر وجوههم، فإنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين عاما)) قال: فلقد رأيت ألوانهم أسفرت. قال عبد الله بن عمرو: حتى تمنيت أن أكون معهم أو منهم. رواه الدارمي. [٥٢٥٨] ٥٢٥٩ - وعن أبي ذر [﵁]، قال: أمرني خليلي بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئا، وأمرني أن أقول بالحق، وإن كان مرا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش. رواه أحمد. [٥٢٥٩] ٥٢٦٠ - وعن عائشة [﵂]، قالت: كان رسول الله ﷺ يعجبه من الدنيا ثلاثة: الطعام والنساء، والطيب، فأصاب اثنين، ولم يصب واحدا، أصاب النساء والطيب، ولم يصب الطعام. رواه أحمد. [٥٢٦٠] ــ الحديث الثاني عن عبد الله ﵁: قوله: ((فلقد رأيت)) اللام جواب للقسم أي فو الله لقد رأيت. و ((أسفرت)) هو من الإسفار إشراق اللون: قال تعالى: ﴿وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾، ﴿والصُّبْحِ إذَا أَسْفَرَ﴾، و ((حتى)) متعلقة به أي أشرقت إشراقا تاما كاملا حتى تمنيت. الحديث الثالث عن أبي ذر ﵁: قوله: ((وإن أدبرت)) أي قطعت على ما ورد: ((صل من قطعك)) أسند الإدبار إلى ((الرحم)) مجازا لأنه صاحبها. الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((ولم يصب الطعام)) أي لم يكثر من إصابته إكثارهما. الحديث الخامس عن أنس ﵁: قوله: ((قرة عيني في الصلاة)) جملة اسمية عطفت على جملة فعلية؛ لدلالة الثبات والدوام في الثاني، والتجدد في الأول. وجيء بالمفعول مجهولا؛

стр. 2707

٥٢٦١ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((حبب إلي الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة)). رواه أحمد، والنسائي. وزاد ابن الجوزي بعد قوله: ((حبب إلي)) ((من الدنيا)) [٥٢٦١] ٥٢٦٢ - وعن معاذ بن جبل، أن رسول الله ﷺ لما بعث به إلى اليمن، قال: ((إياك والتنعم؛ فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين)) رواه أحمد [٥٢٦٢] ٥٢٦٣ - وعن علي [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من رضي من الله باليسير من الرزق رضي الله منه بالقليل من العمل)) [٥٢٦٣] ٥٢٦٤ - وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((من جاع أو احتاج، فكتمه الناس، كان حقا على الله أن يرزقه رزق سنة من حلال)) رواهما البيهقي في (٠شعب الإيمان)) [٥٢٦٤] ٥٢٦٥ - وعن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يحب عبده المؤمن الفقير المتعفف أبا العيال)) رواه ابن ماجه. ٥٢٦٦ - وعن زيد بن أسلم، قال: استسقى يوما عمر، فجيء بماء قد شيب ــ دلالة على أن ذلك لم يكن من جبلته وطبعه؛ وأنه مجبور على الحب رحمة للعباد وترأفا بهم. وكأنهما كالقيدين ولاولاهما لم يحط عنه بطائل؛ بخلاف الصلاة فإنها محبوبة لذاتها. ومنه قوله ﷺ : ((أرحنا بها يا بلال)) أي أشغلنا عما سواها بها., فإنه تعب وكدح، وإنما الاسترواح في الصلاة فأرحنا بندائك بها. الحديث السادس إلى آخر الفصل عن زيد بن أسلم: قوله: ((لكني أسمع الله)) مستدرك عن مقدر يعني أنه لطيب أشتهيه لكني أعرض عنه لأني سمعت الله نعى ... وقوله: ((حسناتنا)) أي ثواب حسناتنا التي نعملها نستوفيها في الدنيا قبل الآخرة، قال الله تعالى: ﴿مَن

стр. 2708

بعسل، فقال: إنه لطيب؛ لكني أسمع الله نعى على قوم شهواتهم، فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا واسْتَمْتَعْتُم بِهَا﴾ فأخاف أن تكون حسناتنا عجلت لنا فلم يشربه. رواه رزين. ٥٢٦٧ - وعن ابن عمر، قال: ما شبعنا من تمر حتى فتحنا خيبر. رواه البخاري. (٢) باب الأمل والحرص الفصل الأول ٥٢٦٨ - عن عبد الله، قال: خط النبي خطا مربعا، وخط خطا في الوسط خارجا منه، وخط خططا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، فقال: ((هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطوط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهسه هذا، وإن أخطأه هذا نهسه هذا)). رواه البخاري. ــ كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾. باب الأمل والحرص الجوهري: الأمل الرجاء، يقال: أمل خيره يأمله أملا، وكلك التأميل. ((غب)): الحرص فرط الشره والإرادة؛ قال تعالى: ﴿إن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾ أي إن تفرط إرادتك في هدايتهم. الفصل الأول الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((خطا مربعا)) صورة الخط هذه: والمراد بالخط الرسم والشكل وقوله: ((أخطأه هذا)) أي إن جاوزه هذا أصابه هذا. فوضع موضع الإصابة، النهس وهو لدغ ذوات السم مبالغة في الإضرار. الحديث الثاني عن أنس ﵁: قوله: ((فبينما هو كذلك)) أي هو طالب لأمله البعيد فتدركه الآفات التي هي أقرب أليه فتؤديه إلى الأجل المحيد به، هذا التأويل محمول على

стр. 2709

٥٢٦٩ - وعن أنس، قال: خط النبي ﷺ خطوطا فقال: ((هذا الأمل، وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب)) رواه البخاري. ٥٢٧٠ - وعنه، قال: قال النبي ﷺ : ((يهرم ابن آدم ويشب منه اثنان: الحرص على المال، والحرص على العمر)) متفق عليه. ٥٢٧١ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا يزال قلب الكبير شابا في اثنين: في حب الدنيا وطول الأمل)) متفق عليه. ٥٢٧٢ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة)) رواه البخاري. ٥٢٧٣ - وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: ((لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)). متفق عليه. ــ معنى الحديث السابق ويجوز أن يحمل على حديث أبي سعيد في الفصل الثاني: ((أن النبي ﷺ غرز عودا بين يديه ...)) الحديث. الحديث الثالث عن أنس ﵁: قوله: ((ويشب)) ((مح)): هو استعارة، ومعناه أن قلب الشيخ كامل الحب للمال يحتكم احتكاما مثل احتكام قوة الشباب في شبابه. أقول: يجوز أن يكون من باب المشاكلة والمطابقة لقوله: ((يهرم)). الحديث الرابع والخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أعذر الله)) ((تو)): المعنى أنه أفضى بعذره إليه فلم يبق له عذر، يقال: أعذر الرجل إلى فلان أن بلغ به أقصى العذر. ومنه قولهم: أعذر من أنذر أي اتى بالعذر وأظهره. وهذا مجاز من القول فإن العذر لا يتوجه على الله تعالى، وإنما يتوجه له على العبيد وحقيقة المعنى فيه أن الله لم يترك له سببا في الاعتذار يتمسك به. الحديث السادس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((ولا يملأ جوف ابن آدم)) ((مح)): معناه أنه لا يزال حريصا على الدنيا حتى يموت؛ ويمتلئ جوفه من تراب قبره. وهذا الحديث خرج على حكم غالب بني آدم في الحرص على الدنيا، ويؤيده قوله: ((ويتوب الله على من تاب)) وهو متعلق بما قبله، ومعناه أن الله تعالى يقبل التوبة من الحرص المذموم وغيره من المذمومات. أقول: ويمكن أن يقال: معناه أن بني آدم مجبولون على حب المال، والسعي في طلبه،

стр. 2710

٥٢٧٤ - وعن ابن عمر، قال: أخذ رسول الله ﷺ ببعض جسدي فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك في أهل القبور)) رواه البخاري. ــ وأن لا يشبع منه إلا من عصمه الله تعالى، ووفقه لإزالة هذه الجبلة عن نفسه، وقليل ما هم، فرضع ((ويتوب الله على من تاب)) موضعه؛ إشعارا بأن هذه الجبلة المركوزة فيه مذمومة جارية مجرى الذنب، وأن إزالتها ممكنة، ولكن بتوفيق الله وتسديده، ونحوه قوله تعالى: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أضاف الشح إلى النفس؛ دلالة على أنها غريزة فيها، وبين إزالتها بقوله: ((يوق)) ورتب عليه قوله: ((فأولئك هم المفلحون)). وهنا نكتة دقيقة: فإن في ذكر بني آدم تلويحا إلى أنه مخلوق من التراب، ومن طبيعته القبض واليبس فيمكن إزالته بأن يمطر الله عليه السحائب من غمائم توفيقه. فيثمر حينئذ الخلال الزكية والخصال المرضية: ﴿والْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلَاّ نَكِدًا﴾ فمن لم يتداركه التوفيق وتركه حرصه، لم يزدد إلا حرصا وتهالكا على جمع المال. وموقع قوله: ((ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب)) موقع التذييل والتقرير للكلام السابق؛ ولذلك أعاد ذكر ابن آدم ونيط به حكم أشمل وأعم، كأنه قيل: ولا يسبع من خلق من التراب إلا بالتراب. وموقع ((ويتوب الله على من تاب)) موقع الرجوع، يعني أن ذلك لعسير صعب، ولكن يسير على من يسره الله تعالى، فحقيق أن لا يكون هذا من كلام البشر بل هو من كلام خالق القوى والقدر. روينا عن الترمذي عن أبي كعب أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ عليه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقرأ فيها (إن الدين عند الله الحنيفية المسلمة لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية ومن يعمل فيه خيرا فلن يكفره). وقرأ عليه: ((لو أن لابن آدم واديا من مال لابتغى إليه ثانيا. ولو أن له ثانيا لابتغى إليه ثالثا. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب)). الحديث السابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((أو عابر سبيل)) ((تو)) فيه للتنويع وفي الحديث معنى الترقي، وقد مضى تحقيقه في باب تمني الموت.

стр. 2711

الفصل الثاني ٥٢٧٥ - عن عبد الله بن عمر [﵄]، قال: مر بنا رسول الله ﷺ وأنا وأمي نطين شيئا، فقال: ((ما هذا يا عبد الله؟)) قلت: شيء يصلحه. قال: ((الأمر أسرع من ذلك)) رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث غريب. ٥٢٧٣ - وعن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ كان يهرق الماء فيتيمم بالتراب، فأقول: يا رسول الله؛ إن الماء منك قريل، يقول: ((ما يدريني لعلي لا أبلغه)) رواه في ((شرح السنة))، وابن الجوزي في كتاب ((الوفاء)). [٥٢٧٦] ٥٢٧٧ - وعن أنس، أن النبي ﷺ قال: ((هذا ابن آدم وهذا أجله)) ووضع يده عند قفاه، ثم بسط، فقال: ((وثم أمله)) رواه الترمذي. [٥٢٧٧] ٥٢٧٨ - وعن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ غرز عودا بين يديه، وآخر ــ الفصل الثاني الحديث الأول عند عبد الله: قوله: ((الأمر أسرع من ذلك)) أي كوننا في الدنيا كعابر سبيل أو راكب مستظل تحت شجرة أسرع مما أنت فيه من اشتغالك بالبناء. الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((يهريق الماء)): ((شف)): يعني يستعمل الماء قبل الوقت فإذا لم يبق في الوقت تيمم. وقيل: يهريق الماء أي يبول. الحديث الثالث عن أنس ﵁: قوله: ((ووضع يده)) الواو فيه للحال، وفي قوله: ((وهذا أجله)) للجمع مطلقا فالمشار إليه مركب. فوضع اليد على قفاه معناه: أن هذا الإنسان الذي يتبعه أجله هو المشار إليه. وبسط اليد عبارة عن مدها إلى قدام. الحديث الرابع عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((دون الأمل)) حال من الضمير المنصوب، أي لحقه وهو متجاوز عما قصده من الأمل. قال أمية: يا نفس ما لك دون الله من واق أي إذا تجاوزت وقاية الله، ولم تبالها لم يقك غيره.

стр. 2712

إلى جنبه، وآخر أبعد [منه]. فقال: ((أتدرون ما هذا؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((هذا الإنسان وهذا الأجل)) أراه قال: ((وهذا الأمل، فيتعاطى الأمل فلحقه الأجل دون الأمل)) رواه في ((شرح السنة)). [٥٢٧٨] ٥٢٧٩ - وعن أبي هريرة [﵁]، عن النبي ﷺ ، قال: ((عمر أمتي من ستين سنة إلى سبعين)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٥٢٧٩] ٥٢٨٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك)) رواه الترمذي، وابن ماجة. [٥٢٨٠] وذكر حديث عبد الله بن الشخير [﵁] في ((باب عيادة المريض)). الفصل الثالث ٥٢٨١ – عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: ((أول ــ الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁. قوله: ((عمر أمتي من ستين)) قيل: معناه آخر عمر أمتي ابتداؤه إذا بلغ ستين سنة وانتهاؤه سبعون سنة، وقل من يجوز سبعين. هذا محمول على الغالب بدليل شهادة الحال، فإن منهم من لم يبلغ ستين، ومنهم من يجوز سبعين. الفصل الثالث: الحديث الأول عن عمرو ﵁: قوله: ((اليقين)) معناه: التيقن أن الله هو الرزاق المتكفل للأرزاق: ﴿ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إلَاّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ * فمن تيقن هذا، زهد في الدنيا فلم يأمل ولم يبخل؛ لأن البخيل إنما يمسك المال لطول الأمل وعدم التيقن.

стр. 2713

صلاح هذه الأمة اليقين والزهد، وأول فسادها البخل والأمل)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥٢٨١] ٥٢٨٢ - وعن سفيان الثوري، قال: ليس الزهد في الدنيا بلبس الغليظ والخشن، وأكل الجشب، إنما الزهد في الدنيا قصر الأمل. رواه في ((شرح السنة)). [٥٢٨٢] ٥٢٨٣ - وعن زيد بن الحسين، قال: سمعت مالكا وسئل أي شيء الزهد في الدنيا؟ قال: طيب الكسب وقصر الأمل. رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥٢٨٣] ــ روى عن الأصمعي قال: تلوت على أعرابي: ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ فلما بلغت قوله تعالى: ﴿وفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ قال: حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها، ووزعها على من أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه، فكسرهما، وولى، فلقيته في الطواف قد نحل جسمه واصفر لونه فسلم علي، واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح، وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، ثم قال: وهل غير هذا؟ فقرأت: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ والأَرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ فصاح، وقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف، فلم يصدقوه حتى ألجأ إلى اليمين قالها ثلاثا وخرجت معها نفسه. الحديث الثاني عن سفيان قوله: و ((أكل الجشب)) بفتح الجيم وكسر الشين المعجمة هو الغليظ الخشن من الطعام وقيل: غير المأدوم وكل شيء يبشع الطعم جشب، والبشع الخشن الكريه الطعم. الحديث الثالث عن زيد: قوله: ((طيب الكسب)) فإن قلت: أي مدخل لطيب الكسب في الزهد؟ قلت: هذا رد لمن زعم أن الزهد في مجرد ترك الدنيا، ولبس الخشن، وأكل الجشب، أي ليس حقيقة الزهد ما زعمته، بل حقيقته أن تأكل الحلال، وتلبس الحلال، وتقنع بالكفاف، وتقصر الأمل، ونحوه قوله ﷺ : ((الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا بإضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديل أوثق بما في يدي الله تعالى)).

стр. 2714

(٣) باب استحباب المال والعمر للطاعة الفصل الأول ٥٢٨٤ - عن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)) رواه مسلم. وذكر حديث ابن عمر: ((لا حسد إلا في اثنين)) في ((باب فضائل القرآن)). الفصل الثاني ٥٢٨٥ - عن أبي بكرة، أن رجلا قال: يا رسول الله؛ أي الناس خير؛ قال: ((من طال عمره، وحسن عمله)). قال: فأي الناس شر؟ قال: ((من طال عمره وساء عمله)) رواه أحمد، والترمذي، والدارمي [٥٢٨٥] ــ باب استحباب المال والعمر للطاعة الفصل الأول الحديث الأول عن سعد ﵁: قوله: ((التقى)) قيل: هو الذي يتقي المحارم والشبهات ويتوزع عن المشتهيات. قوله: ((الغنى)) ((مح)): المراد بالغنى، غنى النفس، هذا هو الغني المحبوب لقوله ﷺ : ((الغنى غنى النفس)) وأشار القاضي إلى أن المراد به غنى المال، و ((الخفي)) بالخاء المعجمة معناه: الخامل المنقطع للعبادة، والاشتغال بأمور نفسه، وروى بالمهملة ومعناه: الواصل للرحم اللطيف بهم وبغيرهم من الضعفاء والصحيح الأول. أقول: إن الصفات الثلاث الجارية على العبد واردة على التفضيل والتمييز فالتقى مخرج للعاصي، والغني للفقير، والخفي على الروايتين لما يضادهما. فإذا قلنا: إن المراد بـ ((الغنى)) عنى القلب اشتمل على الفقير الصابر والغني الشاكر فعم. وكان أولى، وعلى هذا ((الخفي)) بالخاء المعجمة أنسب؛ لأن الغنى حينئذ تكميل للتقى، والخفي تتميم للغنى، لأن غنى القلب مستغن بالله عن الخلق، ويؤثر العزلة استئناسا بالله تعالى، وفي بعض نسخ المصابيح ألحق بعد قوله: ((التقى)) ((النقي)) بالنون. ولم يوجد في صحيح مسلم وشرحه ولا في الحميدي وجامع الأصول. ((مح)) وفيه حجة لمن يقول: الاعتزال أفضل من الاختلاط. ومن قال: بتفضيل الاختلاط تأويل هذا بالاعتزال في وقت الفتنة.

стр. 2715

٥٢٨٦ - وعن عبيد بن خالد، أن النبي ﷺ آخى بين رجلين، فقتل أحدهما، ثم مات الآخر بعه بجمعة أو نحوها، فصلوا عليه، فقال النبي ﷺ : ((ما قلتم؟)) قالوا: دعونا الله أن يغفر له ويرحمه ويلحقه بصاحبه فقال النبي ﷺ : ((فأين صلاته بعد صلاته، وعمله بعد عمله؟)) أو قال: ((صيامه بعد صيامه؛ لما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض)) رواه أبو داود، والنسائي. [٥٢٨٦] ٥٢٨٧ - وعن أبي كبسة الأنماري، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكم حديثا فاحفظوه، فأما الذي أقسم عليهن فإنه ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله بها عزا، ولا فتح عبد ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي بكرة: قوله: ((من طال عمره وحسن عمله)) قد سبق أن الأوقات والساعات كرأس المال للتاجر، فينبغي أن يتجر فيما يربح فيه، وكلما كان رأس المال كثيرا كان الربح أكثر، فمن مضى لطيبه فاز وأفلح، ومن أضاع رأس ماله لم يربح وخسر خسرانا مبينا. الحديث الثاني عن عبيد: قوله: ((فأين صلاته بعد صلاته؟)) فإن قلت: كيف تفضل هذه الزيادة في العمل بلا شهادة على عمله معها؟ قلت: قد عرف ﷺ أن عمل هذا بلا شهادة ساوى عمله مع شهادته بسبب مزيد إخلاصه وخشوعه، ثم زاد عليه بما عمل بعده، وكم من شهيد لا يدرك شأو الصديق ﵁ في العمل. الحديث الثالث عن أبي كبشة: قوله: ((فأما الذي أقسم عليهن)) أفرده وذكره باعتبار كون المذكورات موعودا، وجمع الراجع إلى الموصول باعتبار الخصال المذكورات، وبه فسر قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ في وجه أي الجمع أو الفوج وفي المصابيح: ((أما اللاتي أقسم عليهن)) هو الظاهر. ليس المراد تحقيق الحلف بل تأكيد ثبوتها، فإن المدعى ربما يثبت دعواه تارة بذكر القسم، وأخرى بلفظ ((أقسم)). قوله: ((ما نقص مال عبد من صدقة)) قيل: يحتمل تأويلين: أحدهما: ما نقص بركة ماله بسبب الصدقة. والثاني: ما نقص ثوابه بل يضاعف يوم القيامة إلى سبعمائة ضعف. أقول: هذا

стр. 2716

باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر وأما الذي أحدثكم فاحفظوه)) فقال: ((إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما، فهو يتقي فيه ربه، ويصل رحمه، ويعمل لله فيه بحقه، فهذا بأفضل المنازل. وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان، فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما، فهو يتخبط في ماله بغير علم؛ لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعمل فيه بحق، فهذا بأخبث المنازل وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما، فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو نيته ووزرهما سواء)) رواه الترمذي. وقال: هذا حديث صحيح. [٥٢٨٧] ٥٢٨٨ - وعن أنس، أن النبي ﷺ قال: ((إن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرا استعمله)). فقيل: وكيف يستعمله يا رسول الله؟ فقال: ((يوفقه لعمل صالح قبل الموت)) رواه الترمذي. [٥٢٨٨] ٥٢٨٩ - وعن شداد بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الكيس من دان ــ يوهم أنه علق الاستثناء في قوله: ((إلا زاده الله عزا)) بالخصلة الثانية، وجعل الأولى جملة مستقلة، وقد تقرر في الأصول أن الاستثناء إذا ورد عقيب جمل يمكن حمله عليها، وجب الحل على كل واحدة منها على الأصح، وهنا لم يوجد مانع فلا يبعد الحمل عليها. وليوافق الخصال الثلاث في التعليق بالاستثناء. قوله: ((فهونيته)) مبتدأ وخبر، أي فهو سيء النية. يدل عليه وقوعه في مقابلة قوله: ((فهو صادق النية)) في القرينة الأولى. وقوله: ((يقول: لو أن لي مالا ...)) إلخ تفسير لقوله: ((صادق النية)). وقوله: ((فهو يقول: لو أن لي مالا ...)) إلخ مقابل له. وقوله: ((فأجرهما سواء)) وقوله: ((ووزرهما سواء)) متقابلان. الحديث الرابع والخامس عن شداد: قوله: ((من دان نفسه)) ((نه)): أي اذلها واستعبدها. وقيل: حاسبها. انتهى كلامه. والعاجر الذي غلبت عليه نفسه وعمل بما أمرته به نفسه، فصار

стр. 2717

نفسه، وعمل لما بعد الموت. والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله)) رواه الترمذي، وابن ماجة. [٥٢٨٩] الفصل الثالث ٥٢٩٠ - عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال: كنا في مجلس، فطلع علينا رسول الله ﷺ وعلى رأسه أثر ماء. فقلنا: يا رسول الله! نراك طيب النفس. قال: ((أجل)). قال: ثم خاض القوم في ذكر الغنى، فقال رسول الله ﷺ : ((لا بأس بالغنى لمن اتقى الله ، والصحة لمن اتقى خير من الغنى، وطيب النفس من النعيم)) رواه أحمد. [٥٢٩٠] ٥٢٩١ - وعن سفيان الثوري، قال: كان المال فيما مضى يكره، فأما اليوم فهو ترس المؤمن. وقال: لولا هذه الدنانير لتمندل بنا هؤلاء الملوك. وقال: من كان في ــ عاجزا لنفسه فأتبع نفسه وأعطاها ما اشتهته. وقوبل الكيس بالعاجز، والمقابل الحقيقي للكيس السفيه الرأي، والعاجز القدر ليؤذن بأن الكيس هو القادر. والعاجز هو السفيه. ((وتمنى على الله)) أي يذنب ويتمنى الجنة من غير توبة واستغفار. الفصل الثالث الحديث الأول والثاني عن سفيان: قوله: ((لتمندل)) قال في أساس البلاغة: ندل المال وغيره نقله بسرعة، ومنه المنديل، وتندلت بالمنديل تمسحت به كنى به عن الابتذال. ((مح)): قيل: هو مأخوذ من الندل وهو الوسخ لأنه يندل به، ويقال: تندلت بالمنديل. قال الجوهري: ويقال: أيضا: تمندلت به. وقيل لبعضهم: إن المال يدنيك من الدنيا فقال. لئن أدناني من الدنيا لقد صانني عنها. وقيل: لأن أترك مالا يحاسبني الله عليه خير من أن أحتاج إلى الناس. وقوله: ((لا يحتمل السرف)) يحتمل معنيين: أحدهما: أن الحلال لا يكون كثيرا فلا يحتمل الإسراف. وثانيهما: أن الحلال لا ينبغي أن يسرف فيه ثم يحتاج إلى الغير. قوله: ((كان أول

стр. 2718

يده من هذه شيء فليصلحه، فإنه زمان إن احتاج كان أول من يبذل دينه. وقال: الحلال لا يحتم السرف. رواه في ((شرح السنة)). [٥٢٩١] ٥٢٩٢ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ ((يننادي مناد يوم القيامة: أين أبناء الستين؟ وهو العمر الذي قال الله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥٢٩٢] ٥٢٩٣ - وعن عبد الله بن شداد، قال: إن نفرا من بني عذرة ثلاثة أتوا النبي ﷺ ، فأسلموا، قال رسول الله ﷺ : ((من يكفينيهم؟)) قال طلحة: أنا. فكانوا عنده، فبعث النبي ﷺ بعثا، فخرج فيه أحدهم، فاستشهد، ثم بعث بعثا فخرج فيه الآخر، فاستشهد، ثم مات الثالث على فراشه؛ قال: قال طلحة: فرأيت هؤلاء الثلاثة في الجنة، ورأيت الميت على فراشه أمامهم والذي استشهد آخرا يليه، وأولهم يليه، ــ من يبذل دينه)) أي كان ذلك الشخص أول شخص يبذل دينه فيما يحتاج إليه. وهو حمل ((من)) على ((ما)) كما نقل المالكي عن قطرب كان أبين. ويعضده ما في رواية الكشاف: ((كان أول ما يأكل دينه)) ((ما)) موصوفة و ((أول)) اسم ((كان)) و ((دينه)) خبره. الحديث الثالث عن ابن عباس ﵄: قوله: ((ما يتذكر فيه من تذكر)) ((ما)) فيه موصوفة أي ما عمرناكم عمرا يتعظ فيه العاقل الذي من شأنه أن يتعظ فيه. الحديث الرابع عن عبد الله: قوله: ((من يكفينيهم؟)) ((هم)) ثاني مفعولي ((يكفي)) على تقدير مضاف أي من يكفيني مؤنتهم، قال في الأساس: كفاه مؤنته كفاية. قوله: ((أمامهم)) الظاهر أن يقال: أمامهما إلا أن يقال: إنه المقدم من بينهم. ونحوه قول الشاعر: تلقى السرى من الرجال بنفسه واين السرى إذا سرا أسراهما أي أسرى من بينهما، أو يذهب إلى أن أقل الجمع اثنان.

стр. 2719

فدخلني من ذلك، فذكرت للنبي ﷺ ذلك، فقال ((وما أنكرت من ذلك؟! ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يعمر في الإسلام، لتسبيحه وتكبيره وتهليله)) [٥٢٩٣] ٥٢٩٤ - وعن محمد بن أبي عميرة – وكان من أصحاب رسول الله ﷺ – قال: إن عبدا لو خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرما في طاعة الله لحقره في ذلك اليوم، ولود أنه رد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب. رواهما أحمد. [٥٢٩٤] (٤) باب التوكل والصبر الفصل الأول ٥٢٩٥ - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يدخل الجنة من أمتي ــ الحديث الخامس عن محمد: قوله: ((لحقره)) أي يعده قليلا نذرا لما يرى من ثواب العمل فيه. باب التوكل والصبر ((نه)): يقال: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان أي ألجأته إليه واعتمدت فيه عليه، ووكل فلان فلانا إذا استكفاه أمره ثقة بكفايته، أو عجزا عن القيام بأمر نفسه، والوكيل هو القيم الكفيل بأرزاق العباد، وحقيقته أنه يشتغل بأمر الموكول إليه. ((غب)): الصبر الإمساك في ضيق، يقال: صبرت الدابة حبستها بلا علف، والصبر حبس النفس على ما يقتضيه العقل أو الشرع، أو عما يقتضيان حبسها عنه. فالصبر لفظ عام وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف موقعه، فإن كان حبس النفس لمصيبة سمي صبرا لا غير ويضاده الجزع، وإن كان في الحرب يسمى شجاعة ويضاده الجبن، وإن أن في نائية مضجرة سمي رحب الصدر ويضاده الضجر. وإن كان في إمساك الكلام سمي كتمانا وضده الإفشاء. الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((لا يسترقون ولا يتطيرون)) من الثنائي

стр. 2720

سبعون ألفا بغير حساب، هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)). متفق عليه. ٥٢٩٦ - وعنه، قال: خرج رسول الله ﷺ يوما فقال: ((عرضت على الأمم فجعل يمر النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الرهط، والنبي وليس معه أحد، فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق، فرجوت أن يكون أمتي. فقيل: هذا موسى في قومه، ثم قيل لي: انظر، فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق. فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء ــ التي يراد بها الاستيعاب، كقولهم: لا ينفع زيد ولا عمرو على معنى: لا ينفع إنسان ما. ((نه)): هذا من صفة الأولياء المعرضين عن أسباب الدنيا الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها، وتلك درجة الخواص لا يبلغها غيرهم. وأما العوام فرخص لهم في التداوي والمعالجات. ومن صبر على البلاء وانتظر الفرج من الله تعالى بالدعاء، كان من جملة الخواص والأولياء، ومن لم يصبر رخص له في الرقية والعلاج والدواء، ألا ترى! أن الصديق ﵁ لما تصدق بجميع ماله، لم ينكر عليه ﷺ علما منه بيقينه وصبره. ولما أتاه الرجل بمثل بيضة الحمام من الذهب، وقال: لا أملك غيره، فضربه بحيث لو أصابه عقره، وقال فيه ما قال. ((مح)) قال المازرى: احتج بعضهم به على أن التداوي مكروه، ومعظم العلماء على خلاف ذلك، واحتجوا بالأحاديث الواردة في منافع الأدوية، وبأنه ﷺ تداوى، وبأخبار عائشة ﵂ عن كثرة تداويه بما علم من الاستشفاء برقاه. فإذا ثبت هذا حمل على ما في الحديث على قوم يعتقدون أن الأدوية نافعة بطبعها، ولا يفوضون الأمر إلى الله تعالى. الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((يمر النبي)) التعريف فيه للجنس، وهو ما يعرفه كل أحد أنه ما هو، فهو بمنزلة النكرات. قوله: ومع هؤلاء سبعون ألفا قدامهم)) حال أي مقدمين عليهم. ((مح)): يحتمل هذا أن يكون معناه سبعون ألفا من أمتك غير هؤلاء وليسوا مع هؤلاء. وأن يكون معناه في جملتهم سبعون ألفا. ويؤيد هذا رواية البخاري: ((هذه أمتك ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفا)). قوله: ((سبقك بها)) أي بتلك الدعوة. ((مح)): قال القاضي عياض: قيل: إن الرجل الثاني لم يكن ممن يستحق تلك المنزلة، ولا كان بصفة أهلها بخلاف عكاشة، وقيل: بل كان منافقا، فأجابه النبي ﷺ بكلام محتمل، ولم ير ﷺ التصريح له بأنك لست منهم: لما كان النبي ﷺ عليه من حسن العشرة.

стр. 2721

سبعون ألفا قدامهم يدخلون الجنة بغير حساب، هو الذي لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون)) فقال عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: ((اللهم اجعله منهم)). ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: ((سبقك بها عكاشة)). متفق عليه. ٥٢٩٧ - وعن صهيب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((عجبا لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له)) رواه مسلم. ٥٢٩٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، ــ وقيل: قد يكون سبق عكاشة بوحي ولم يحصل ذلك للآخر، قال الشيخ: وقد ذكر الخطيب البغدادي أنه قال في كتابه في الأسماء المبهمة: أنه يقال: إن هذا الرجل هو سعد بن عبادة، فإن صح هذا بطل قول من زعم أنا منافق، والأظهر المختار هو القول الأخير. الحديث الثالث عن صهيب ﵁: قوله: ((إلا للمؤمن)) مظهر وقع موقع المضمر ليشعر بالعلية. قوله: ((إن أصابته سراء)) وأنشد في معناه: إذا كان شكر نعمة الله نعمة على له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتسع العمر إذا مس بالنعماء عم سرورها وإن مس بالضراء أعقبه الأجر الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((المؤمن القوي)) قيل: أراد بـ ((المؤمن القوي)) الذي قوي في إيمانه، وصلب في إيقانه، بحيث لا يرى الأسبابن ووثق بمسبب الأسباب. والمؤمن الضغيف بخلافه، وهو أدنى مراتب الإيمان. أقول: ويمكن أن يذهب إلى اللف والنشر، فيكون قوله: ((احرص إلى ما ينفعك)) ولا تترك الجهد بيانا للقوى، وقوله: ((ولا تعجز)) بيانا للضغيف. ((مح)): والقوة هنا يراد بها عزيمة النفس في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقداما على الغزو والجهاد، وأسرع خروجا إليه وذهابا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على

стр. 2722

واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)) رواه مسلم. الفصل الثاني ٥٢٩٩ - عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لو أنكم ــ الأذى في كل ذلك. وقوله: ((وفي كل خير)) معناه: في كل من القوى والضعيف خير لاشتراكهما في الإيمان مع ما يأتي به الضعيف من العبادات. قوله: ((فإن لو تفتح)) ((قض)): أي لو كان الأمر لي وكنت مستبدا بالفعل والترك كان كذا وكذا، وفيه تأسف على الفائت ومنازعة للقدر وإيهام بأن ما يفعله باستبداده ومقتضى رأيه خير مما ساقه القدر إليه، من حيث إن لو تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيما مضى؛ ولذلك استكرهه وجعله مما يفتح عمل الشيطان. وقوله ﷺ في حديث فسخ الحج إلى العمرة: ((ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت)) ليس من هذا القبيل، وإنما هو كلام قصد به تطييب قلوبهم وتحريضهم على التحلل بأعمال العمرة. ((مح)) قال القاضي عياض: هذا النهي إنما هو لمن قاله معتقدا ذلك حتما، وأما قول أبي بكر ﵁: ((لو أن أحدهم رفع رأسه لرآنا)) فهذا لا حجة فيه؛ لأنه إنما أخبر عن مستقبل. وكذا قوله ﷺ : ((لو كنت راجما بغير بينة لرجمت هذه)) وشبه ذلك لا اعتراض فيه على قدر، فلا كراهة فيه؛ لأنه إنما أخبر عن اعتقاده فيما كان يفعل لولا المانع، وعما هو في قدرته، وأما معنى قوله: ((فإن لو تفتح عمل الشيطان)) أنه يلقى في القلب معارضة القدر، ويوسوس به الشيطان. قال الشيخ: وقد جاء استعمال ((لو)) في الماضي كقوله ﷺ : ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدى)). فالظاهر أن النهي إنما ورد فيما لا فائدة فيه، فيكون نهى تنزيه لا تحريم. وأما من قاله: متأسفا على ما فات من طاعة الله تعالى أو هو معتذر من ذلك فلا بأس به، وعليه يحمل أكثر استعمال ((لو)) الموجودة في الأحاديث. الفصل الثاني الحديث الأول عن عمر ﵁: قوله: ((حق توكله)) بأن يعلم يقينا بأن لا فاعل إلا الله، وأن كل موجود من خلق ورزق، وعطاء ومنع، وحياة وموت، وغنى وفقر، وغير ذلك مما يطلق عليه اسم الموجود – من الله تعالى، ثم يسعى في الطلب على الوجه الجميل، يشهد لذلك تشبيهه بالطير؛ فإنها تغدو خماصا، ثم تسرح في طلب القوت فتروح بطانا.

стр. 2723

تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا)). رواه الترمذي، وابن ماجة. [٥٢٩٩] ٥٣٠٠ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيها الناس! ليس منكم شيء يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وليس شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين – وفي رواية: وإن روح القدس – نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، ألا فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته)). رواه في ((شرح السنة)) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) إلا أنه لم يذكر: ((وإن روح القدس)). [٥٣٠٠] ــ قال الشيخ أبو حامد: قد يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن، وترك التدبير بالقلب والسقوط على الأرض، كالخرقة الملقاة أو كلحم على وضم، وهذا ظن الجهال؛ فإن ذلك حرام في الشرع، والشرع قد أثنى على المتوكلين، فكيف ينال مقام من مقامات الدين بمحظورات الدين؟ بل نكشف عن الحق فيه، فنقول: إنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه أي بعمله إلى مقاصده. ((مح)): قال الإمام أبو القاسم القشيري: اعلم أن التوكل محله القلب، وإنما الحركة بالظاهر. فلا ينافي التوكل بالقلب بعد ما تحقق للعبد أن الثقة من قبل الله تعالى، فإن تعسر شيء فبتقديره، وإن تيسر فبتيسيره. ((حس)): الخماص جمع الخميص للبطن. وهو الضامر والمخمصة الجوع؛ لأن البطن يضمر به. الحديث الثاني عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((إن روح القدس)) أي الروح المقدسة، كما تقول: حاتم الجود ورجل صدق، فهو من باب إضافة الموصوف إلى الصفة للمبالغة في الاختصاص، ففي الصفة القدس منسوب إليها، وفي الإضافة بالعكس نحو مال زيد. ((نه)) نفث في روعي أي أوحي إلي وألقى من النفث بالفم وهو شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل؛ لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق. والروع الجلد والنفس.

стр. 2724

٥٣٠١ - وعن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: ((الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديل أوثق بما في يد الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيها لو أنها أبقيت لك)) رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وعمرو بن واقد الراوي منكر الحديث. [٥٣٠١] ٥٣٠٢ - وعن ابن عباس، قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يوما فقال: ((يا غلام! احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا ــ قوله: فأجملوا في الطلب)) أي اكتسبوا المال بوجه جميل، وهو أن لا تطلبه إلا بالوجه الشرعي، والاستبطاء بمعنى الإبطاء، والسين فيه للمبالغة كما استعف بمعنى عف، في قوله تعالى: ﴿ومَن كَانَ غَنِيًا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ وفيه أن الرزق مقدر مقسوم لا بد من وصوله إلى العبد، لكن العبد إذا سعى وطلب على وجه مشروع وصف بأنه حلال، وإذا طلب بوجه غير مشروع فهو حرام. فقوله: ((ما عند الله)) إشارة إلى أن الرزق كله من عند الله الحلال والحرام. وقوله: ((أن تطلبوه بمعاصي الله)) إشارة إلى أن ما عند الله إذا طلب بمعصية الله ذم وسمي حراما. وقوله: ((إلا بطاعته)) إشارة إلى أن ما عند الله إذا طلب بطاعته مدح وسمي حلالا. وفي هذا دليل بين لأهل السنة على أن الحلال والحرام يسمى رزقا، وكله من عند الله خلافا للمعتزلة. الحديث الثالث عن أبي ذر ﵁: قوله: ((أوثق)) أي أوثق منك. قوله: ((لو أنها أبقيت لك)) حال من فاعل ((أرغب)). وجواب ((لو)) محذوف و ((إذا)) ظرف، والمعنى أن تكون في حصول المصيبة وقت إصابتها أرغب من نفسك في المصيبة حال كونك غير مصاب بها؛ لأنك تثاب بوصولها إليك، ويفوتك الثواب إذا لم تصل إليك. فوضع ((أبقيت)) موضع ((لم يصب)) يريد أن المؤمن إذا أذنب ذنبا، وجوزي في الدنيا بمصيبة وصبر عليها، يثاب في الآخرة. وإن لم يجاز عليها بالمصيبة في الدنيا أبقيت له ويجازى في الآخرة، قال تعالى: ﴿ومَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ فاختصر الكلام. وفيه حث على التسلي وتنبيه على أن العاقل لا يرغب في إبقاء المصيبة وتأخيرها إلى الآخرة والآخرة خير وأبقى. الحديث الرابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((احفظ الله)) أي راع حق الله تعالى وتحر رضاه. و ((تجاهك)) أي مقابلك وحذاءك. والتاء بدل من الواو كما في تقاة وتخمة، أي

стр. 2725

استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف)). رواه أحمد، والترمذي. [٥٣٠٢] ٥٣٠٣ - وعن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله له، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله له)). رواه أحمد، والترمذي وقال: هذا حديث غريب. ــ احفظ حق الله حتى يحفظك الله من مكاره الدنيا والآخرة. وزاد بعد قوله: ((تجاهك)) في رواية رزين: ((تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) وفي آخره: ((فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا واعلم أن النصر مع الصبر والفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا ولن يغلب عسر يسرين)). والحديث بطوله قد جاء مثله أو نحوه في مسند أحمد بن حنبل. ((نه)): معنى ((تعرف إلى الله)) اجعله يعرفك بطاعته، والعمل فيما أولاك من نعمته: فإنه يجازيك عند الشدة والحاجة إليه في الدنيا والآخرة. أقول: أراد بقوله: ((لن يغلب عسر يسرين)) أن التعريف في ((العسر)) الثاني في قوله تعالى للعهد، والتنكير في ((يسرا)) للنوع، فيكون العسر واحدا واليسر اثنين فالعسر ما كانوا عليه من متاعب الدنيا ومشاقها، واليسر في الدنيا الفتح والنصرة على الأعداء .. وفي العقبى الفوز بالحسنى. الحديث الخامس عن سعد ﵁: قوله: ((رضاه بما قضى الله له)) أي الرضا بقضاء الله وهو ترك السخط علامة سعادته. وإنما جعله علامة سعادة العبد لأمرين: أحدهما: ليتفرغ للعبادة؛ لأنه إذا لم يرض بالقضاء، يكون أبدا مهموما مشغول القلب بحدوث الحوادث، ويقول: لم كان كذا ولم لا يكون كذا؟ والثاني: لئلا يتعرض لغضب الله تعالى بسخطه. وسخط العبد أن يذكر غير ما قضى الله له، وقال: إنه أصلح وأولى فيما لا يستيقن فساده وصلاحه. فإن قلت: ما موقع قوله: ((ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله)) بين المتقابلين؟ قلت: موقعه بين القرينتين لدفع توهم من يترك الاستخارة، ويفوض أمره بالكلية فقدم اهتماما.

стр. 2726

الفصل الثالث ٥٣٠٤ - عن جابر، أنه غزا مع النبي ﷺ بل نجد، فلما قفل رسول الله ﷺ فقل معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاة، فنزل رسول الله ﷺ ، وتفرق الناس يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله ﷺ تحت سمرة فعلق بها سيفه ونمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال: ((إن هذا اخترط على سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا. قال: ما يمنعك مني؟ فقلت: الله، ثلاثا))، ولم يعاقبه، وجلس. متفق عليه. ٥٣٠٥ - وفي رواية أبي بكر الاسماعيلي في ((صحيحه)) فقال: من يمنعك مني؟ قال: ((الله) فسقط السيف من يده، فأخذ رسول الله ﷺ السيف فقال: ((من يمنعك مني؟)) فقال: كن خير آخذ. فقال: ((تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ قال: لا، ولكني أعاهدك على أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله، فأتى أصحابه، فقال: جئتكم من عند خير الناس. هكذا في ((كتاب الحميدي)) و ((الرياض)). ٥٣٠٦ - وعن أبي ذر، أن رسول الله ﷺ قال: ((إني لأعلم آية لو أخذ الناس ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((القائلة))، الجوهري: القائلة الظهيرة. وقد تكون بمعنى القيلولة أيضا وهي النوم في الظهيرة. و ((العضاة)) الشجر الذي له شوك. و ((السمرة)) – بفتح السين وضم الميم – الشجرة من الطلح، وهي العظام من شجر العضاة. و ((اخترط السيف)) أي: سله، وهو في يده صلتا أي مسلولا، وهو بفتح الصاد وضمها. قوله: ((من يمنعك مني؟)) أي يحميك مني؛ قال في أساس البلاغة ومن المجاز: فلان يمنع الجار أي يحميه من أن يضام. وقوله: ((خير آخذ)) أي آخذ بالجنايات والمعاقب بها، يريد العفو. الحديث الثاني عن أبي ذر ﵁: قوله: ((إني لأعلم آية)) يريد الآية بتمامها. قوله: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ إشارة إلى أنه تعالى يكفيه جميع ما

стр. 2727

بها لكفتهم: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ رواه أحمد، وابن ماجه، والدارمي. [٥٣٠٦] ٥٣٠٧ - وعن ابن مسعود، قال: أقرأني رسول الله ﷺ (إني أنا الرزاق ذو القوة المتين). رواه أبو داود، والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. ٥٣٠٨ - وعن أنس، قال: كان أخوان على عهد رسول الله ﷺ ، فكان أحدهما يأتي النبي ﷺ ، والآخر يحترف، فشكا المحترف أخاه النبي ﷺ ، فقال: ((لعلك ترزق به)) رواه الترمذي وقال: هذا حديث صحيح غريب. [٥٣٠٨] ــ يخشى ويكره من أمور الدنيا والآخرة. وقوله: ((ومن يتوكل ..)) الخ. إشارة إلى أنه تعالى يكفيه جميع ما يطلبه ويبتغيه من أمور الدنيا والآخرة. و ((بالغ أمره)) أي نافذ أمره، وفيه بيان لوجوب التوكل على الله وتفويض الأمر إليه؛ لأنه إذا علم أن كل شيء من الرزق ونحوه لا يكون إلا بتقديره وتوفيقه، لم يبق إلا التسليم للقدر والتوكل وأنشد: إذا المرء أمسى حليف التقى فلم يخش من طارق حله ألم تسمع الله سبحانه ومن يتق الله يجعل له الحديث الثالث عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((أقرأني)) أي حملني على أن أقرأ. وقوله: ((إني أنا الرزاق)) قراءة شاذة منسوبة إلى رسول الله، والمشهور: ﴿إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ و ((المتين)) الشديد القوة. والمعنى في وصفه سبحانه بالقوة والمتانة أنه القادر البليغ الاقتدار على كل شيء. قوله: ﴿ذُو القُوَّةِ﴾ خبر بعد خبر، وفيه من المبالغات: تصدير الجملة ((بإن))، وتوسط ضمير الفصل المفيد للاختصاص، وتعريف الخبر بلام الجنس ثم إردافه بقوله: ((ذو القوة)) وتتميمه بالمتانة، فوجب أن لا يتوكل إلا عليه ولا تفوض الأمور إلا إليه. الحديث الرابع عن أنس ﵁: قوله: ((النبي ﷺ ) هو منصور على انتزاع الخافض، قال في أساس البلاغة: شكوت إليه فلانا فأشكاني منه، أي أخذ لي منه ما أرضاني. ومعنى ((لعل)) في قوله: لعلك يجوز أن يرجع إلى ((رسول الله ﷺ ) فيفيد القطع والتوبيخ، كما

стр. 2728

٥٣٠٩ - وعن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن قلب ابن آدم بكل واد شعبة، فمن أتبع قلبه الشعب كلها لم يبال الله بأي واد أهلكه، ومن توكل على الله كفاه الشعب)). رواه ابن ماجه. [٥٣٠٩] ٥٣١٠ - وعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: ((قال ربكم : لو أن عبيدي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، واطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد)). رواه أحمد. [٥٣١٠] ٥٣١١ - وعنه، قال: دخل رجل على أهله، فلما رأي ما بهم من الحاجة خرج إلى البرية، فلما رأت امرأته قامت إلى الرحى، فوضعتها، وإلى التنور، فسجرته، ثم قالت: اللهم ارزقنا، فنظرت فإذا الجفنة قد امتلأت. قالت: وذهبت إلى التنور، فوجدته ممتلئا. قال: فرجع الزوج، قال: أصبتم بعدي شيئا؟ قالت امرأته: نعم، من ربنا، وقام إلى الرحى، فذكر ذلك إلى النبي ﷺ ، قال: ((أما إنه لو لم يرفعها لم تزل تدور إلى يوم القيامة)). رواه أحمد. ــ ورد: ((هل ترزقون إلا بضعفائكم))، وأن يرجع إلى المخاطب ليبعثه على التفكر والتأمل فينصف من نفسه. الحديث الخامس عن عمرو ﵁: قوله: ((شعبة)) ((نه)): الشعبة الطائفة من كل شيء والقطعة منه، انتهى كلامه، ولا بد فيه من تقدير أي في كل واد له شعبة. وقوله: ((كفاه الشعب)) أي كفاه الله تعالى مؤون حاجاته المتشعبة المختلفة. الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ولم أسمعهم صوت الرعد)) من باب التتميم؛ فإن السحاب مع وجود الرعد فيه شائبة الخوف من البرق، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ فنفاه ليكون رحمة محضة. الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((اللهم ارزقنا)) دعت أن يصيب زوجها بما يطحنه ويعجنه ويخبزه فهيأت الأسباب لذلك ((وقام إلى الرحى)) أي قام الزوج إلى الرحى فرفعها، يدل عليه ما بعده، فعلى هذا ((قام)) معطوف على محذوف.

стр. 2729

٥٣١٢ - وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله)). رواه أبو نعيم في ((الحلية)). [٥٣١٢] ٥٣١٣ - وعن ابن مسعود، قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيا من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. متفق عليه. ــ الحديث الثامن والتاسع عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((نبيا)) منصوب على شريطة التفسير بقرينة قوله: ((ضربه)) وهو حكاية لفظ رسول الله ﷺ ، ويجوز أن يقدر مضاف، أي يحكي حال نبي من الأنبياء، وهو معنى ما تلفظ به، وحينئذ ((ضربه)) يجوز أن يكون صفة للنبي، وأن يكون استئنافا، كأن سائلا سأل ما حكاه، فقيل: ((ضربه)).

стр. 2730

(٥) باب الرياء والسمعة الفصل الأول ٣٥١٤ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) رواه مسلم. ٣٥١٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه)). وفي رواية: ((فأنا بريء، هو للذي عمله)). رواه مسلم. ــ باب الرياء والسمعة المغرب: يقال: فعل ذلك سمعة، أي: ليريه الناس من غير أن يكون قصد به التحقيق. وسمع بكذا: شهره تسميعا. الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا ينظر إلى صوركم)) ((نه)): معنى النظر ها هنا الاختيار والرحمة والعطف؛ لأن النظر في الشاهد دليل المحبة، وترك النظر دليل البغض والكراهة. وميل الناس إلى الصور المعجبة، والأموال الفائقة، والله يتقدس عن شبه المخلوقين، فجعل نظره إلى ما هو السر واللب وهو القلب والعمل، والنظر يقع على الأجسام والمعاني، فما كان بالأبصار فهو للأجسام، وما كان بالبصائر كان للمعاني. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أنا أغنى الشركاء)) اسم التفضيل ها هنا لمجرد الزيادة، والإضافة فيه للبيان أو على زعم القوم. والضمير المنصوب في ((تركته)) يجوز أن يرجع إلى ((العمل)). والمراد من ((الشرك)) الشريك. ((مح)): معناه: أنا أغنى عن المشاركة [وغيرها] فمن عمل شيئا لي ولغيري، لم أقبله بل أتركه مع ذلك الغير، ويدل عليه الحديث الول من الفصل الثاني. ويجوز أن يرجع إلى العامل، والمراد بالشرك الشركة. وقوله: ((هو)) يعود إلى ((العمل)) على الوجه الأول وإلى ((العامل)) على الوجه الثاني، أي العامل ما عمل به من الشرك، يعني يختص به ولا يتجاوز عنه، وكذا الضمير في ((منه)). قال الشيخ أبو حامد: درجات الرياء أربعة أقسام: الأولى: وهي أغلظها، أن لا يكون مراده الثواب أصلا كالذي يصلي بين أظهر الناس، ولو انفرد لكان لا يصلي. بل ربما يصلي من غير طهارة مع الناس. فهذا حرد قصده إلى الرياء، فهو الممقوت عند الله تعالى.

стр. 2731

٥٣١٦ - وعن جندب، قال: قال النبي ﷺ : ((من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به)). متفق عليه. ٥٣١٧ - وعن أبي ذر، قال: قيل لرسول الله ﷺ : أرأيت الرجل يعمل من الخير ويحمده الناس عليه. وفي رواية: يحبه الناس عليه. قال: ((تلك عاجل بشرى المؤمن)). رواه مسلم. ــ والثانية: أن يكون له قصد الثواب أيضا. ولكن قصدا ضعيفا بحيث لو كان في الخلوة، لكان لا يفعله ولا يحمله ذلك القصد على العمل، ولو لم يكن الثواب، لكان قصد الرياء يحمله على العمل، فقصد الثواب فيه لا ينفي عنه المقت. والثالثة: أن يكون قصد الرياء والثواب متساويين، بحيث لو كان واحدا خاليا عن الآخر، لم يبعثه على العمل. فلما اجتمعا انبعثت الرغبة. وظواهر الأخبار تدل على أنه لا يسلم رأسا برأس. والرابعة: أن يكون إطلاع الناس مرجحا مقويا لنشاطه، ولو لم يكن لا يترك العبادة، ولو كان قصد الرياء وحده لما أقدم، فالذي نظنه - والعلم عند الله تعالى - أنه [لا يحبط] أصل الثواب، ولكنه بنقص منه، أو يعاقب على مقدار قصد الرياء، ويثاب على مقدار قصد الثواب. [وأما] قوله: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك)) فهو [محمول] على ما إذا تساوى القصدان، أو كان قصد الرياء أرجح. الحديث الثالث عن جندب ﵁: قوله: ((من سمع)) ((مح)): أي من أظهر عمله للناس رياء، سمع الله به، أي فضحه يوم القيامة. ومعنى ((من يرائي)) من اظهر للناس العمل الصالح ليعظم عندهم، وليس هو كذلك، ((يرائي الله به)) أي أظهر سريرته على رءوس الخلائق. وقيل: معناه: من سمع بعيوب الناس وأذاعها، أظهر الله عيوبه وقيل أسمعه المكروه. وقيل: أراه الله ثواب ذلك من غير أن يعطيه إياه؛ ليكون حسرة عليه. وقيل: معناه: من أراد أن يعلمه الناس أسمعه الله الناس وكان ذلك حظه منه. قال الشيخ أبو حامد: الرياء مشتق من الرؤية والسمعة من السماع، وإنما الرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإراءتهم الخصال المحمودة. فحد الرياء هو إراءة العباد بطاعة الله، فالمرائي هو العابد والمرائى له هو الناس، والمراءى به هو الخصال الحمديه، والرياء هو قصد إظهار ذلك. الحديث الرابع عن أبي ذر ﵁: قوله: ((أرأيت الرجل)) ((مظ)): أي أخبرنا بحال

стр. 2732

الفصل الثاني ٥٣١٨ - عن أبي سعد بن أبي فضالة، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا، فليطلب ثوابه من عند غير الله؛ فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك)). رواه أحمد [٥٣١٨] ٥٣١٩ - وعن عبد الله بن عمرو، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((من سمع الناس بعمله سمع الله به أسامع خلقه وحقره وصغره)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) [٥٣١٩] ــ من يعمل عملا صالحا لله تعالى لا للناس ويمدحونه، هل يبطل ثوابه؟ فقال ﷺ : ((تلك عاجل بشرى المؤمن)) يعنى هو في عمله ذلك ليس مرائيا، فيعطيه الله تعالى به ثوابين: في الدنيا وهو حمد الناس له، وفي الآخرة ما أعد الله له. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي سعد ﵁: بسكون العين، وكذا في مسند أحمد وفي الاستيعاب وجامع الأصول وفي نسخ المصابيح: أبو سعيد بياء بعد العين. قوله: ((ليوم لا ريب فيه)) اللام متعلق بـ ((جمع)) معناه: جمع الله الخلق ليوم لا بد من حصوله، ولا يشك في وقوعه، لتجزى كل نفس بما كسبت، وقوله: ((يوم القيامة)) توطئة له. ويجوز أن يكون ظرفا لـ ((جمع)) كما جاء في الاستيعاب: ((إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه)) الحديث. فعلى هذا قوله: ((ليوم لا ريب فيه)) مظهر وقع موقع المضمر، أي جمع الله الخلق يوم القيامة ليجزيهم فيه. الحديث الثاني عن عبد الله ﵁: قوله: ((سمع الله به)) ((حس)): يقال: سمعت بالرجل تسميعا إذا شهرته. وقوله: ((أسامع خلقه)) هي جمع أسمع يقال: سمع وأسمع، وأسامع جمع الجمع، يريد أن الله تعالى [سمع أسامع] خلقه به يوم القيامة، ويحتمل أن يكون أراد به أن الله تعالى يظهر للناس سريرته، ويملأ أسماعهم بما ينطوي عليه من خبث السرائر. جزاء لفعله، كما قال ﷺ : ((من تتبع عورات المسلمين يتبع الله به عورته حتى يفضحه)). ويروى: ((سامع خلقه)) مرفوعا، فيكون السامع من نعت الله تعالى، يريد سمع الله

стр. 2733

٥٣٢٠ - وعن أنس، أن النبي ﷺ قال: ((من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه. وشتت عليه أمره، ولا يأتيه منها إلا ما كتب له)) رواه الترمذي، ورواه أحمد. [٥٣٢٠] ٥٣٢١ - والدارمي عن أبان، عن زيد بن ثابت. [٥٣٢١] ٥٣٢٢ - وعن أبي هريرة، قال قلت: يا رسول الله! بينا أنا في بيتي في مصلاي. إذ دخل علي رجل، فأعجبني الحال التي رأنى عليها، فقال رسول الله ﷺ : ((رحمك الله يا أبا هريرة! لك أجران: أجر السر وأجر العلانية)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٥٣٢٢] ــ الذي هو سامع خلقه يعني يفضحه الله. ((فا)): في هذه الرواية ولو روى بالنصب، لكان المعنى: سمع الله به من كان له سمع من خلقه. الحديث الثالث عن أنس ﵁: قوله: ((شمله)) أي أموره المتفرقة، يقال: جمع الله شمله، أي ما تشتت من أمره، وفرق الله شمله، أي ما اجتمع من أمره فهو من الأضداد. والحديث من باب التقابل والمطابقة، فقوله: ((جعل الله غناه في قلبه)) مقابل لقوله: ((جعل الله الفقر بين عينيه)) وقوله: ((جمع له شمله)) لقوله: ((شتت عليه أمره)). وقوله: ((وأتته الدنيا وهي راغمة)) لقوله: ((ولا يأتيه منها إلا ما كتب له)) فيكون معنى الأول: وأتته ما كتب له من الدنيا وهي راغمة. ومعنى الثاني: وأتته ما كتب له من الدنيا وهو راغم. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بينا أنا في بيتي في مصلاي إذ دخل)) الحديث. إخبار فيه معنى الاستخبار، يعني هل يحكم على هذا أنه رياء أم لا؟، ولذلك طابقه قوله ﷺ : ((رحمك الله يا أبا هريرة!)). أي أعجبني ما كنت عليه من الخشوع في صلاتي ليقتدي الرائي بي. ((حس)): قيل: معناه فأعجبه رجاء أن يعمل من رآه بمثل عمله، فيكون له مثل أجره. هذا معنى قوله ﷺ : ((من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها)). الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((يختلون)) ((نه)): أي يطلبون الدنيا

стр. 2734

٥٣٢٣ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يخرج في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله: ((أبي يغترون أم علي يتجرؤون؟ فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران)) رواه الترمذي. [٥٣٢٣] ٥٣٢٤ - وعن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: ((إن الله ﵎، قال: لقد خلقت خلقا ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم أمر من الصبر، فبي حلفت لأتيحنهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران، فبي يغترون أم علي يجترؤون؟)) رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب. [٥٣٢٤] ٥٣٢٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن لكل شيء شرة، ــ بعمل الآخرة؛ يقال: ختله يختله إذا خدعه وراوغه. قوله: ((يلبسون للناس جلود الضأن)) كناية عن إظهار التمسكن والتلين مع الناس، وما أحسن التطابق بين القولين. أعني هذا وقوله: ((وقلوبهم قلوب الذئاب))، و ((أم)) في قوله: ((أم علي يجترؤون)) منقطعة، أنكر أولا اغترارهم بالله و [بإهماله] إياهم حتى اغتروا، ثم أضرب عن ذلك، وأنكر عليهم ما هو أطم منه، وهو اجتراؤهم على الله. ((شف)): ((من)) في ((منهم)) يجوز أن تكون للتبيين بمعنى الذين، والإشارة إلى الرجال. وتقديره: على أولئك الذي يختلون الدنيا بالدين، وأن يجعل متعلقا بالفتنة، أي لأبعثن على هؤلاء الذي يطلبون الدنيا بالدين فتنة ناشئة منهم. انتهى كلامه، ويراد بـ ((الحليم)) العالم الحازم، وفيه تتميم للمعنى، أي إذا كان حال العالم الحازم كذا فكيف بغيره؟. الحديث السادس عن ابن عمر ﵁: قوله: ((لأتيحنهم)) ((نه)): يقال: أتاح الله لفلان كذا أي قدره له وأنزله به والإتاحة التقدير وأتاح له الشيء. الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((شرة)) ((قض)): الشرة بالتشديد الحرص على الشيء والنشاط فيه، وصاحبها فاعل فعل دال عليه ما بعده ونظيره قوله تعالى: ﴿وإنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ والمعنى أن من اقتصد في الأمور وسلك الطريق

стр. 2735

ولكل شرة فترة، فإن صاحبها سدد وقارب فارجوه، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه)) رواه الترمذي. [٥٣٢٥] ٥٣٢٦ - وعن أنس، عن النبي ﷺ قال: ((بحسب امرئ من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا إلا من عصمه الله)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥٣٢٦] ــ المستقيم واجتنب جانبي إفراط الشرة وتفريط الفترة فارجوه، ولا تلتفتوا إلى شهرته فيما بين الناس واعتقادهم فيه. [أقول]: قد ذهب إلى أن الشرطية الثانية من تتمة الأولى، فلعل الظاهر أن يكون مثلها في الاستقلال فيكون تفصيلا لذلك المجمل؛ فإن قوله: ((إن لكل شيء شرة)) إلخ معناه: إن لكل شيء من الأعمال الظاهرة والأخلاق الباطنة طرفين: إفراطا وتفريطا، فالمحمود القصد بينهما، فإن رأيت أحدا يسلك سبيل القصد، فارجوه أن يكون من الفائزين ولا تقطعوا له؛ فإن الله هو الذي يتولى السرائر. وإن رأيته يسلك سبيل الإفراط والغلو حتى يشار إليه بالأصابع فلا تفشو القول فيه بأنه من الخائنين؛ فإن الله هو الذي يطلع على الضمائر. ويؤيد هذا التأويل الحديث الذي يليه والاستثناء فيه، وترك ما للقسم الثالث، ولم يذكره لظهوره. الحديث الثامن عن أنس ﵁: قوله: ((من الشر أن يشار إليه)) أي حب الرئاسة والجاه في قلوب الناس، وهو من أضر غوائل النفس وبواطن مكائدها، يبتلى به العلماء والعباد، والمشمرون عن ساق الجد لسلوك طريق الآخرة؛ فإنهم مهما قهروا أنفسهم وفطموها عن الشهوات وصانوها عن الشبهات، وحملوها بالقهر على أصناف العبادات، عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة الواقعة على الجوارح، فطلبت الاستراحة إلى الظاهر بالخير وإظهار العلم والعمل، فوجدت مخلصا من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق، ولم تقنع باطلاع الخالق، وفرحت بحمد الناس ولم تقنع بحمد الله وحده، فأحب مدحهم وتبركهم بمشاهدته وخدمته وإكرامه وتقديمه في المحافل، فأصابت النفس في ذلك أعظم اللذات وألذ الشهوات، وهو يظن أن حياته بالله تعالى وبعبادته. وإنما حياته هذه [الشهوة] الخفية التي تعمى عن دركها إلا العقول النافذة، قد أثبت اسمه عن الله تعالى من المنافقين، وهو يظن أنه عند الله من عباده المقربين. وهذه مكيدة للنفس لا يسلم عنها إلا الصديقون؛ ولذلك قيل: آخر
следующие страницы →