Полный текст (3 308 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
٥٣١٦ - وعن جندب، قال: قال النبي ﷺ : ((من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به)). متفق عليه.
٥٣١٧ - وعن أبي ذر، قال: قيل لرسول الله ﷺ : أرأيت الرجل يعمل من الخير ويحمده الناس عليه. وفي رواية: يحبه الناس عليه. قال: ((تلك عاجل بشرى المؤمن)). رواه مسلم.
ــ
والثانية: أن يكون له قصد الثواب أيضا. ولكن قصدا ضعيفا بحيث لو كان في الخلوة، لكان لا يفعله ولا يحمله ذلك القصد على العمل، ولو لم يكن الثواب، لكان قصد الرياء يحمله على العمل، فقصد الثواب فيه لا ينفي عنه المقت.
والثالثة: أن يكون قصد الرياء والثواب متساويين، بحيث لو كان واحدا خاليا عن الآخر، لم يبعثه على العمل. فلما اجتمعا انبعثت الرغبة. وظواهر الأخبار تدل على أنه لا يسلم رأسا برأس.
والرابعة: أن يكون إطلاع الناس مرجحا مقويا لنشاطه، ولو لم يكن لا يترك العبادة، ولو كان قصد الرياء وحده لما أقدم، فالذي نظنه - والعلم عند الله تعالى - أنه [لا يحبط] أصل الثواب، ولكنه بنقص منه، أو يعاقب على مقدار قصد الرياء، ويثاب على مقدار قصد الثواب. [وأما] قوله: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك)) فهو [محمول] على ما إذا تساوى القصدان، أو كان قصد الرياء أرجح.
الحديث الثالث عن جندب ﵁: قوله: ((من سمع)) ((مح)): أي من أظهر عمله للناس رياء، سمع الله به، أي فضحه يوم القيامة. ومعنى ((من يرائي)) من اظهر للناس العمل الصالح ليعظم عندهم، وليس هو كذلك، ((يرائي الله به)) أي أظهر سريرته على رءوس الخلائق. وقيل: معناه: من سمع بعيوب الناس وأذاعها، أظهر الله عيوبه وقيل أسمعه المكروه. وقيل: أراه الله ثواب ذلك من غير أن يعطيه إياه؛ ليكون حسرة عليه. وقيل: معناه: من أراد أن يعلمه الناس أسمعه الله الناس وكان ذلك حظه منه.
قال الشيخ أبو حامد: الرياء مشتق من الرؤية والسمعة من السماع، وإنما الرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإراءتهم الخصال المحمودة. فحد الرياء هو إراءة العباد بطاعة الله، فالمرائي هو العابد والمرائى له هو الناس، والمراءى به هو الخصال الحمديه، والرياء هو قصد إظهار ذلك.
الحديث الرابع عن أبي ذر ﵁: قوله: ((أرأيت الرجل)) ((مظ)): أي أخبرنا بحال
стр. 2732
الفصل الثاني
٥٣١٨ - عن أبي سعد بن أبي فضالة، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا، فليطلب ثوابه من عند غير الله؛ فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك)). رواه أحمد [٥٣١٨]
٥٣١٩ - وعن عبد الله بن عمرو، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((من سمع الناس بعمله سمع الله به أسامع خلقه وحقره وصغره)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) [٥٣١٩]
ــ
من يعمل عملا صالحا لله تعالى لا للناس ويمدحونه، هل يبطل ثوابه؟ فقال ﷺ : ((تلك عاجل بشرى المؤمن)) يعنى هو في عمله ذلك ليس مرائيا، فيعطيه الله تعالى به ثوابين: في الدنيا وهو حمد الناس له، وفي الآخرة ما أعد الله له.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي سعد ﵁: بسكون العين، وكذا في مسند أحمد وفي الاستيعاب وجامع الأصول وفي نسخ المصابيح: أبو سعيد بياء بعد العين. قوله: ((ليوم لا ريب فيه)) اللام متعلق بـ ((جمع)) معناه: جمع الله الخلق ليوم لا بد من حصوله، ولا يشك في وقوعه، لتجزى كل نفس بما كسبت، وقوله: ((يوم القيامة)) توطئة له. ويجوز أن يكون ظرفا لـ ((جمع)) كما جاء في الاستيعاب: ((إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه)) الحديث. فعلى هذا قوله: ((ليوم لا ريب فيه)) مظهر وقع موقع المضمر، أي جمع الله الخلق يوم القيامة ليجزيهم فيه.
الحديث الثاني عن عبد الله ﵁: قوله: ((سمع الله به)) ((حس)): يقال: سمعت بالرجل تسميعا إذا شهرته. وقوله: ((أسامع خلقه)) هي جمع أسمع يقال: سمع وأسمع، وأسامع جمع الجمع، يريد أن الله تعالى [سمع أسامع] خلقه به يوم القيامة، ويحتمل أن يكون أراد به أن الله تعالى يظهر للناس سريرته، ويملأ أسماعهم بما ينطوي عليه من خبث السرائر. جزاء لفعله، كما قال ﷺ : ((من تتبع عورات المسلمين يتبع الله به عورته حتى يفضحه)). ويروى: ((سامع خلقه)) مرفوعا، فيكون السامع من نعت الله تعالى، يريد سمع الله
стр. 2733
٥٣٢٠ - وعن أنس، أن النبي ﷺ قال: ((من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه. وشتت عليه أمره، ولا يأتيه منها إلا ما كتب له)) رواه الترمذي، ورواه أحمد. [٥٣٢٠]
٥٣٢١ - والدارمي عن أبان، عن زيد بن ثابت. [٥٣٢١]
٥٣٢٢ - وعن أبي هريرة، قال قلت: يا رسول الله! بينا أنا في بيتي في مصلاي. إذ دخل علي رجل، فأعجبني الحال التي رأنى عليها، فقال رسول الله ﷺ : ((رحمك الله يا أبا هريرة! لك أجران: أجر السر وأجر العلانية)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٥٣٢٢]
ــ
الذي هو سامع خلقه يعني يفضحه الله. ((فا)): في هذه الرواية ولو روى بالنصب، لكان المعنى: سمع الله به من كان له سمع من خلقه.
الحديث الثالث عن أنس ﵁: قوله: ((شمله)) أي أموره المتفرقة، يقال: جمع الله شمله، أي ما تشتت من أمره، وفرق الله شمله، أي ما اجتمع من أمره فهو من الأضداد.
والحديث من باب التقابل والمطابقة، فقوله: ((جعل الله غناه في قلبه)) مقابل لقوله: ((جعل الله الفقر بين عينيه)) وقوله: ((جمع له شمله)) لقوله: ((شتت عليه أمره)). وقوله: ((وأتته الدنيا وهي راغمة)) لقوله: ((ولا يأتيه منها إلا ما كتب له)) فيكون معنى الأول: وأتته ما كتب له من الدنيا وهي راغمة. ومعنى الثاني: وأتته ما كتب له من الدنيا وهو راغم.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بينا أنا في بيتي في مصلاي إذ دخل)) الحديث. إخبار فيه معنى الاستخبار، يعني هل يحكم على هذا أنه رياء أم لا؟، ولذلك طابقه قوله ﷺ : ((رحمك الله يا أبا هريرة!)). أي أعجبني ما كنت عليه من الخشوع في صلاتي ليقتدي الرائي بي. ((حس)): قيل: معناه فأعجبه رجاء أن يعمل من رآه بمثل عمله، فيكون له مثل أجره. هذا معنى قوله ﷺ : ((من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها)).
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((يختلون)) ((نه)): أي يطلبون الدنيا
стр. 2734
٥٣٢٣ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يخرج في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله: ((أبي يغترون أم علي يتجرؤون؟ فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران)) رواه الترمذي. [٥٣٢٣]
٥٣٢٤ - وعن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: ((إن الله ﵎، قال: لقد خلقت خلقا ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم أمر من الصبر، فبي حلفت لأتيحنهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران، فبي يغترون أم علي يجترؤون؟)) رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب. [٥٣٢٤]
٥٣٢٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن لكل شيء شرة،
ــ
بعمل الآخرة؛ يقال: ختله يختله إذا خدعه وراوغه. قوله: ((يلبسون للناس جلود الضأن)) كناية عن إظهار التمسكن والتلين مع الناس، وما أحسن التطابق بين القولين. أعني هذا وقوله: ((وقلوبهم قلوب الذئاب))، و ((أم)) في قوله: ((أم علي يجترؤون)) منقطعة، أنكر أولا اغترارهم بالله و [بإهماله] إياهم حتى اغتروا، ثم أضرب عن ذلك، وأنكر عليهم ما هو أطم منه، وهو اجتراؤهم على الله.
((شف)): ((من)) في ((منهم)) يجوز أن تكون للتبيين بمعنى الذين، والإشارة إلى الرجال. وتقديره: على أولئك الذي يختلون الدنيا بالدين، وأن يجعل متعلقا بالفتنة، أي لأبعثن على هؤلاء الذي يطلبون الدنيا بالدين فتنة ناشئة منهم. انتهى كلامه، ويراد بـ ((الحليم)) العالم الحازم، وفيه تتميم للمعنى، أي إذا كان حال العالم الحازم كذا فكيف بغيره؟.
الحديث السادس عن ابن عمر ﵁: قوله: ((لأتيحنهم)) ((نه)): يقال: أتاح الله لفلان كذا أي قدره له وأنزله به والإتاحة التقدير وأتاح له الشيء.
الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((شرة)) ((قض)): الشرة بالتشديد الحرص على الشيء والنشاط فيه، وصاحبها فاعل فعل دال عليه ما بعده ونظيره قوله تعالى: ﴿وإنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ والمعنى أن من اقتصد في الأمور وسلك الطريق
стр. 2735
ولكل شرة فترة، فإن صاحبها سدد وقارب فارجوه، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه)) رواه الترمذي. [٥٣٢٥]
٥٣٢٦ - وعن أنس، عن النبي ﷺ قال: ((بحسب امرئ من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا إلا من عصمه الله)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥٣٢٦]
ــ
المستقيم واجتنب جانبي إفراط الشرة وتفريط الفترة فارجوه، ولا تلتفتوا إلى شهرته فيما بين الناس واعتقادهم فيه.
[أقول]: قد ذهب إلى أن الشرطية الثانية من تتمة الأولى، فلعل الظاهر أن يكون مثلها في الاستقلال فيكون تفصيلا لذلك المجمل؛ فإن قوله: ((إن لكل شيء شرة)) إلخ معناه: إن لكل شيء من الأعمال الظاهرة والأخلاق الباطنة طرفين: إفراطا وتفريطا، فالمحمود القصد بينهما، فإن رأيت أحدا يسلك سبيل القصد، فارجوه أن يكون من الفائزين ولا تقطعوا له؛ فإن الله هو الذي يتولى السرائر. وإن رأيته يسلك سبيل الإفراط والغلو حتى يشار إليه بالأصابع فلا تفشو القول فيه بأنه من الخائنين؛ فإن الله هو الذي يطلع على الضمائر. ويؤيد هذا التأويل الحديث الذي يليه والاستثناء فيه، وترك ما للقسم الثالث، ولم يذكره لظهوره.
الحديث الثامن عن أنس ﵁: قوله: ((من الشر أن يشار إليه)) أي حب الرئاسة والجاه في قلوب الناس، وهو من أضر غوائل النفس وبواطن مكائدها، يبتلى به العلماء والعباد، والمشمرون عن ساق الجد لسلوك طريق الآخرة؛ فإنهم مهما قهروا أنفسهم وفطموها عن الشهوات وصانوها عن الشبهات، وحملوها بالقهر على أصناف العبادات، عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة الواقعة على الجوارح، فطلبت الاستراحة إلى الظاهر بالخير وإظهار العلم والعمل، فوجدت مخلصا من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق، ولم تقنع باطلاع الخالق، وفرحت بحمد الناس ولم تقنع بحمد الله وحده، فأحب مدحهم وتبركهم بمشاهدته وخدمته وإكرامه وتقديمه في المحافل، فأصابت النفس في ذلك أعظم اللذات وألذ الشهوات، وهو يظن أن حياته بالله تعالى وبعبادته. وإنما حياته هذه [الشهوة] الخفية التي تعمى عن دركها إلا العقول النافذة، قد أثبت اسمه عن الله تعالى من المنافقين، وهو يظن أنه عند الله من عباده المقربين. وهذه مكيدة للنفس لا يسلم عنها إلا الصديقون؛ ولذلك قيل: آخر
стр. 2736
الفصل الثالث
٥٣٢٧ - عن أبي تميمة، قال: شهدت صفوان وأصحابه وجندب يوصيهم، فقالوا: هل سمعت من رسول الله ﷺ شيئا؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من سمع سمع الله به يوم القيامة، ومن شاق شق الله عليه يوم القيامة)) قولوا: أوصنا. فقال: إن أول ما ينتن من الإنسان بطنه، فمن استطاع أن لا يأكل إلا طيبا فليفعل، ومن استطاع أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم اهراقه فليفعل. رواه البخاري.
٥٣٢٨ - وعن عمر بن الخطاب، أنه خرج يوما إلى مسجد رسول الله ﷺ فوجد معاذ بن جبل قاعدا عند قبر النبي ﷺ يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: يبكيني
ــ
ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرئاسة، وهو أعظم شبكة للشياطين، فإذا المحمود المخمول، إلا من شهره الله لنشر دينه من غير تكلف منه، كالأنبياء والخلفاء الراشدين، والعلماء المحققين والسلف الصالحين.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي تميمة: قوله: ((من شاق) أطلق ليشمل المشقة على نفسه وعلى الغير بأن يكلف نفسه أو غيره بما هو فوق طاقته، ومنه قوله ﷺ : ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك)) ((نه)): أي لولا أن أثقل عليهم، من المشقة وهي الشدة.
قوله: ((إن أول ما ينتن من الإنسان بطنه)) كناية عن مسه النار، وإنما يفتقر إلى هذا التأويل؛ ليطابق قوله: ((فمن استطاع أن لا يأكل إلا طيبا)) أي حلالا، ونظيره قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ وعقب بقوله: ﴿وسَيَصْلَوْنَ﴾ قوله: ﴿إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ [دلالة على أن أول ما يمس النار هو البطن]. وقوله: ((ملء كف من دم)) إنما قلله تسفيها لرأي من يرتكب هذا المحظور تهجينا لفعله؛ فإنه يفوت على نفسه الجنة التي عرضها السماوات والأرض بهذا الحقير.
الحديث الثاني عن عمر ﵁: قوله: ((لله وليا)) لا يجوز أن يكون نتعلقا بـ ((عادى)) فهو إما متعلق بقوله: ((وليا)) أو صفة له، قدم فصار حالا منه. وقوله: ((إن الله يحب الأبرار)).
استئناف مبين لحقيقة الولي، وذكر لهم أحوالا ثلاثة: إذا كانوا سفرا لم يتفقدوا، وإذا
стр. 2737
شيء سمعته من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن يسير الرياء شرك، ومن عادى لله وليا فقد بارز الله بالمحاربة، إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يتفقدوا، وإن حضروا لم يدعوا ولم يقربوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل غبراء مظلمة)). رواه ابن ماجه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥٣٢٨]
٥٣٢٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن العبد إذا صلى في العلانية فأحسن، وصلى في السر فأحسن؛ قال الله تعالى: هذا عبدي حقا)). رواه ابن ماجه. [٥٣٢٩]
٥٣٣٠ - وعن معاذ بن جبل، أن النبي ﷺ قال: ((يكون في آخر الزمان أقوام، إخوان العلانية، أعداء السريرة)). فقيل: يا رسول الله! وكيف يكون ذلك؟ قال: ((ذلك برغبة بعضهم إلى بعض، ورهبة بعضهم من بعض)). [٥٣٣٠]
٥٣٣١ - وعن شداد بن أوس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك)). رواهما أحمد. [٥٣٣١]
ــ
كانوا حاضرين لم يدعوا إلى مأدبة، وإن حضروها لم يقربوا، وتركوا في [صف] النعال. وهذا تفصيل ما ورد: ((رب أشعث أغبر لا يؤبه له)).
وقوله: ((يخرجون من كل غبراء مظلمة)) كناية عن حقارة مساكنهم وأنها مظلمة مغبرة لفقدان أداة ما يتنور به ويتنظف به. وطابق في القرينتين بين النور والظلمة كما طابق المعري في قوله:
مراستها أمست لنور مراسيا فلما تظلم الأبيات إلا من الظلم
الحديث الثالث والرابع عن معاذ ﵁: قوله: ((أعداء السريرة)) و ((في)) مقدرة فيها وفي قرينتها. الجوهري: السر ما يكتم والسريرة مثله.
الحديث الخامس والسادس عن شداد ﵁ قوله: ((شهوة من شهواته)) كالأكل
стр. 2738
٥٣٣٢ - وعنه، أنه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: شيء سمعت من رسول الله ﷺ يقول، فذكرته، فأبكاني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية)) قال: قلت: يا رسول الله! أتشرك أمتك من بعدك؟ قال: ((نعم؛ أما إنهم لا يعبدون شمسا، ولا قمرا، ولا حجرا، ولا وثنا، ولكن يراؤون بأعمالهم. والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائما، فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥٣٣٢]
٥٣٣٣ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: ((ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟)) فقلنا: بلى يا رسول الله! قال: ((الشرك الخفي، أن يقوم الرجل فيصلي، فيزيد صلاته لما يرى من نظر رجل)). رواه ابن ماجه. [٥٣٣٣]
٥٣٣٤ - وعن محمود بن لبيد، أن النبي ﷺ قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)). قالوا: يا رسول الله! وما الشرك الأصغر؟ قال: ((الرياء)). رواه أحمد. وزاد البيهقي في ((شعب الإيمان)): ((يقول الله لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء وخيرا؟)). [٥٣٣٤]
ــ
والجماع وغيرهما، يعني إذا كان الرجل في طاعة من [طاعات] الله تعالى، فتعرض له شهوة من شهوات نفسه، رجح جانب النفس على جانب الله تعالى فيتبع هوى نفسه، فيؤديه ذلك إلى الهلاك والردى، ﴿فَأَمَّا مَن طَغَى (٣٧) وآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَأْوَى﴾. سمي خفيا لخفاء هلاكه أو مشاكله لقوله: ((الشرك))؛ لأن المراد منه الشرك الخفي بدلالة ما ذكر في الحديث الآتي.
الحديث الآتي.
الحديث السابع عن أبي سعيد ﵁ قوله: ((ألا أخبركم)) ((ألا)) ليست للتنبيه، بل هي لا النافية، دخلت عليها همزة الاستفهام.
стр. 2739
٥٣٣٥ - وعن أبي سعيد الخدري: قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو أن رجلا عمل عملا في صخرة لا باب لها ولا كوة، خرج عمله إلى الناس كائنا ما كان)). [٥٣٣٥]
٥٣٣٦ - وعن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كانت له سريرة صالحة أو سيئة؛ أظهر الله منها رداء يعرف به)). [٥٣٣٦]
٥٣٣٧ - وعن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ ، قال: ((إنما أخاف على هذه الأمة كل منافق يتكلم بالحكمة ويعمل بالجور)). رواه البيهقي الأحاديث الثلاثة في ((شعب الإيمان)). [٥٣٣٧]
٥٣٣٨ - وعن المهاجر بن حبيب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله تعالى: إني لست كل كلام الحكيم أتقبل، ولكني أتقبل همه وهواه، فإن كان همه وهواه في طاعتي جعلت صمته حمدا لي ووقارا وإن لم يتكلم)). رواه الدارمي. [٥٣٣٨]
(٦) باب البكاء والخوف
الفصل الأول
٥٣٣٩ - عن أبي هريرة، قال: قال أبو القاسم ﷺ : ((والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا)). رواه البخاري.
ــ
الحديث الثامن إلى الثاني عشر عن عمر ﵁: قوله: ((كل منافق)) يجوز أن يكون منصوبا، أي أخاف على هذه الأمة شر كل منافق، ويجوز أن يكون مجرورا بدلا من قوله: ((هذه الأمة)) أي أخاف عليهم من النفاق.
باب البكاء والخوص
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لو تعلمون ما أعلم)) أي عقاب الله للعصاة وشدة المناقشة يوم الحساب للعتاة، وكشف السرائر وخبث النيات.
стр. 2740
٥٣٤٠ - وعن أم العلاء الأنصارية، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((والله لا أدري، والله لا أدري، وأنا رسول الله، ما يفعل بي ولا بكم)). رواه البخاري.
٥٣٤١ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((عرضت علي النار، فرأيت فيها امرأة من بين إسرائيل تعذب في هرة لها، ربطتها لم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعا، ورأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب)). رواه مسلم.
ــ
قال الشيخ أبو حامد: هذا الحديث من الأسرار التي أودعها قلب الأمين الصادق محمد ﷺ ، [ولا يجوز] إفشاء السر؛ فإن صدور الأحرار قبور الأسرار بل كان يذكر ذلك لهم حتى يبكوا ولا يضحكوا؛ فإن البكاء ثمرة شجرة حياة القلب الحي بذكر الله واستشعار عظمته وهيبته وجلاله، والضحك نتيجة القلب الغافل عن ذلك. فبالحقيقة حث الخلق على طلب القلب الحي والتعوذ من القلب الغافل. انتهى كلامه. وقوله: ((لبكيتم)) جواب القسم الساد مسد جواب ((لو)).
الحديث الثاني عن أم العلاء: قوله: ((لا أدري، وأنا رسول الله)) فيه وجوه:
أحدها: أن هذا القول منه حين قالت امرأة لعثمان بن مظعون – لما توفي -: هنيئا لك الجنة؛ زجرا لها على سوء الأدب بالحكم على الغيب، ونظيره قوله لعائشة ﵂ حين سمعها تقول: طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة: أو غير ذلك يا عائشة!.
وثانيها: أن يكون هذا منسوخا بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ ومَا تَأَخَّرَ﴾ كما ذكره ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ومَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾.
وثالثها: أن يكون نفيا للدراية المفصلة دون المجملة.
ورابعها: أن يكون مخصوصا بالأمور الدنيوية من غير النظر إلى سبب ورود الحديث.
((تو)): لا يجوز حمل هذا الحديث وما ورد في معناه على أن النبي ﷺ كان مترددا في عاقبة أمره، غير متيقن بماله عند الله من الحسنى؛ لما ورد عنه من الأحاديث الصحاح التي ينقطع العذر دونها بخلاف ذلك، وأنى يحمل على ذلك؟ وهو المخبر عن الله تعالى أنه يبلغه المقام المحمود، وأنه أكرم الخلائق على الله تعالى، وأنه أول شافع وأول مشفع.
الحديث الثالث عن جابر ﵁ قوله: ((من خشاش الأرض)) ((نه)): أي هوامها
стр. 2741
٥٣٤٢ - وعن زينب بنت جحش، أن رسول الله ﷺ دخل عليها يوما فرعا يقول: ((لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه)) وحلق بأصبعيه: الإبهام والتي تليها. قالت زينب: فقلت: يا رسول الله! أفنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كثر الخبث)). متفق عليه.
٥٣٤٣ - وعن أبي عامر، أو أبي مالك الأشعري، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم رجل لحاجة فيقولون: ارجع
ــ
وحشراتها. قوله: ((عمرو بن عامر)) ((تو)): هو أول من سن عبادة الأصنام بمكة، وحمل أهلها بالتقرب إليها بتسييب السوائب، وهو أن يترك الدابة فتسيب حيث شاءت فلا ترد عن حوض ولا علف، ولا يتعرض لها بركوب ولا حمل، وكانوا يسيبون العبيد أيضا بأن يعتقوهم، ولا يكون للمعتق ولاء، ولا على المعتق حجر في ماله، فيضعه حيث شاء. [ويقال له: إنه سائبة]. والقصب – بالضم – المعي، ولعله كوشف من سائر ما كان يعاقب به في النار. ((يجر قصبه في النار)) لأنه استخرج من باطنه بدعة جر بها: [الجريرة] إلى قومه. والله أعلم.
الحديث الرابع عن زينب ﵂: قوله: ((من ردم يأجوج)) ((نه)): يقال ردمت الثلمة ردما إذا شددتها والاسم والمصدر فيه سواء. وأراد بالخبث الفسق والفجور. ((حس)): هو مصدر خبث يخبث خبثا.
الحديث الخامس عن أبي عامر ﵁: قوله: ((من أمتي)) كذا هو في نسخ البخاري، وقد وقع في المصابيح ((في أمتي)) و ((المعازف)): الملاهي. والعازف: اللاعب بها. و ((العلم))، الجبل. والسارح والسارحة والسرح سواء: الماشية، وسرح المال إذا أطلقه يرعى، وسرح بنفسه والمال سارح. قوله: ((يستحلون الحر)) ((تو)): الحر بتخفيف الراء الفرج. وقد صحف هذا اللفظ في كتاب المصابيح، وكذلك صحفه بعض الرواة من أصحاب الحديث فحسبوه الخز بالخاء والزاي المنقوطتين، والخز لم يحرم حتى يستحل، ولقد وجدت من الناس من اغتر بخط من كان يعرف بعلم الحديث وحفظه، وقد كان قيده بالخاء والزاؤ المنقوطتين حتى يثبت له أنه صحف، أو اتبع رواية بعض من لم يعلم.
وقال في قوله: ((يروح عليهم بسارحة)) سقط منه فاعل ((يروح)) فالتبس المعنى على من لم يعلم به، وإنما الصواب: يروح عليهم رجل بسارحة لهم، كذلك رواه مسلم في كتابه. وإنما السهو من المؤلف؛ لأنا وجدنا النسخ سائرها على ذلك. وقال أيضا في قوله: ((ويضع العلم)) سقط عنه كلمة وهي ((عليهم)).
стр. 2742
إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة)). رواه البخاري. وفي بعض نسخ ((المصابيح)): ((الحر)) بالحاء والراء المهملتين، وهو تصحيف، وإنما هو بالخاء والزاي المعجمتين، نص عليه الحميدي وابن الأثير في
ــ
أقول: أما قوله: أولا قد صحف .. إلخ. فجوابه ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في هذا الحديث بعد ما روى: ((يستحلون الخز)) بالخاء والزاي المعجمتين. قال: والذي ذكره أبو إسحاق الحربي في باب الحاء والراء ليس من هذا في شيء، إنما هو حديث آخر عن أبي ثعلبة عن النبي ﷺ قال: ((أول دينك نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة وخيرة، ثم ملك عض يستحل فيه المر والحرير))، يريد استحلال الحرام من الفروج. وهذا لا يتفق مع الذي أخرجه البخاري. وكذلك أخرجه أبو داود في السنن في كتاب اللباس في باب الخز ولباسه، وإنما ذكرنا ذلك لأن من الناس من يتوهم في ذلك شيئا فبيناه. وحديث أبي ثعلبة ليس من شرط الصحيح، تم كلامه. وقريب منه ما ذكره صاحب النهاية في باب الحاء والراء المهملتين.
وأما قوله ثانيا: والخز لم يحرم حتى يستح ... فجوابه ما ذكره ابن الأثير في النهاية في حديث علي: ((أنه نهى عن ركوب الخز والجلوس عليه)): الخز المعروف أولا أي في الزمان الأول ثياب تنسج من صوف وإبريسم وهي مباحة، وقد لبسها الصحابة والتابعون، فيكون النهي عنها لأجل التشبه بالعجم وزي المترفين. وإن أريد بالخز النوع الآخر، وهو المعروف الآن فهو حرام؛ لأن جميعه معمول من الإبريسم، وعليه يحمل الحديث الآخر يعني هذا الحديث: ((يستحلون الخز والحرير)). تم كلامه.
فإن قيل: كيف يعطف الحرير على الخز والأول مكروه والثاني حرام على المعنى الأول، وعلى الثاني يلزم عطف الشيء على نفسه أو كيف يحرم وإنه لم يكن مصطلحا حينئذ؟ والجواب عن الأول أنه ﷺ ذهب إلى التغليب إرادة التغليظ. والجواب عن الثاني أنه عطف بيان كقول الحماسي:
الكاعب الحسناء ترفـ ـل في الدمقس وفي الحرير
فإن الدمقس هو الحرير وإنه إخبار عن الغيب وكان معجزة.
وأما قوله ثالثا: سقط منه فاعل ((يروح)) فالتبس المعنى، فجوابه أنه ما التبس منه بل رواه البخاري كما في المصابيح، ولكن الحميدي والخطابي وصاحب جامع الأصول ذكروا ((تروح عليهم سارحة)) بالتاء المقيدة بالنقطتين، ويرفع ((سارحة)) على الفاعلية فوجب أن يقال: إن الباء زائدة في الفاعل لتتفق الروايتان ويستقيم المعنى، ويستدل بهذه الرواية على أن الباء تزاد في الفاعل كما استدل بقول امرئ القيس:
стр. 2743
هذا الحديث. وفي كتاب ((الحميدي)) عن البخاري، وكذا في ((شرحه)) للخطابي: ((تروح عليهم سارحة لهم يأتيهم لحاجة)).
ــ
ألا هل أتاها والحوادث جمة بأن امرأ القيس بن نملك بيقرا
وأما نسبته إلى ((مسلم)) وأنه رواه في كتابه كذا فهو سهو منه؛ لأني ما وجدت الحديث في كتاب مسلم. فكيف؟ وقد أورده الحميدي في أفراد البخاري فحسب، وصاحب جامع الأصول رواه عن البخاري وأبي داود.
وأما قوله رابعا، وقد سقط منه كلمة ((عليهم)) فإني ما وجدت في الأصول هذه الكلمة ثابتة فإن قلت: كيف يكون نزول بعضهم إلى جنب علم، ورواح سارحتهم عليهم، ودفعهم [ذا] الحاجة بالمطل والتسويف، سببا لهذا العذاب الأليم والنكال الهائل؟. قلت: إنهم لما بالغوا في الشح والمنع بولغ في العذاب، وبيان ذلك أن في إيثار ذكر العلم على الجبل إيذانا بأن المكان مخصب ممرع ومقصد لذوي الحاجات، فيلزم منه أن يكونوا ذوي ثروة وموئلا للملهوفين. فكما دل خصوصية المكان على ذلك المعنى دل خصوصية الزمان في قوله: ((بروح عليهم سارحتهم)) وتعديته بـ ((على)) المنبهة بالاستعلاء على أن ثروتهم حينئذ أوفر وأظهر، وأن احتياج الواردين أشد؛ لأنهم أحوج [ما يكون] حينئذ.
وفي قولهم: ((ارجع إلينا غدا)) إدماج لمعنى الكذب، وخلف الموعد واستهزاء بالمطالب. فإذن يستأهلون أن يعذبوا بكل نكال، وإنما قلنا: إن العلم يدل على الشهرة والمقصد قول الخنساء في مدح أخيها:
كأنه علم في رأسه نار
نبهت به على أن أخاها مشهور معروف في ملجأ الملهوفين، ومأمن للمضطرين؛ فإن رواح السارحة دل على وفور الثروة وظهورها كقوله تعالى: ﴿ولَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قدمت الإراحة على التسريح؟ قلت: لأن الجمال في الإراحة أظهر إذا أقبلت ملاء البطون حافلة الضروع ثم أوت إلى الحظائر [وملجائه]. ((خط)): فيه بيان أن المسخ قد يكون في هذه الأمة، وكذلك الخسف كما كانا في سائر الأمم، خلاف قول من زعم أن ذلك لا يكون، إنما مسخها بقلوبها.
стр. 2744
٥٣٤٤ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم)). متفق عليه.
٥٣٤٥ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يبعث كل عبد على ما مات عليه)). رواه مسلم.
الفصل الثاني
٥٣٤٦ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما رأيت مثل النار نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها)). رواه الترمذي. [٥٣٤٦]
٥٣٤٧ - وعن أبي ذب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، والذي نفسي بيده ما فيها موضع
ــ
الحديث السادس والسابع عن ابن عمر ﵁: قوله: ((من كان فيهم)) ((مظ)): يعني إذا أذنب بعض القوم نزل العذاب بجميع من كان في القوم، سواء فيه المذنب وغيره يشؤمه، ولكنهم مجزيون يوم القيامة على حسب أعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((مثل النار)) ((مظ)): يعني النار شديدة والخائفون منها [نائمة غافلة]، وليس هذا طريق الهارب، بل طريقة أن يهرب من المعاصي إلى الطاعات. أقول: ((مثل)) ها هنا كما في قول [العبقري]:
مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب
جوابا على قوله: لأحملنك على الأدهم، أي مثل الجنة [الصافية] في نعيمها الصافية عن الكدورات وخلودها المنزه عن الفناء والزوال، وفيه معنى التعجب، أي ما أعجب حال هذه الجنة الموصوفة بهذه الصفات، وحال طالبها الغافل عنها، هذا إذا لم يكن ((رأيت)) من أفعال القلوب، وأما إذا كان منها فقوله ((نام هاربها)) يكون مفعولا ثانيا له.
الحديث الثاني عن أبي ذر ﵁: قوله: ((أطت السماء)) ((نه)): الأطيط صوت الأقتاب وأطيط الإبل أصواتها وحنينها، أي إن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت، وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة، وإن لم يكن ثمة أطيط وإنما هو طلام تقريب أريد به تقرير
стр. 2745
أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجد لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله)). قال أبو ذر: يا ليتني كنت شجرة تعضد. رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. [٥٣٤٧]
٥٣٤٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل. ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة)) رواه الترمذي. [٥٣٤٨]
ــ
عظمة الله تعالى. و ((الصعدات)) الطرق وهي جمع صعد، وصعد جمع صعيد. وقيل: هي جمع صعدة كظلمة، وهي فناء باب الدار وممر الناس بين يديه انتهى كلامه. قوله: ((أربع)) بغير هاء في جامع الترمذي وابن ماجه، ومع الهاء في شرح السنة وبعض نسخ المصابيح. والإصبع تذكر وتؤنث. وقوله: ((موضع أربعة أصابع)) فاعل للظرف المعتمد على حرف النفي، والمذكور بعد ((إلا)) حال منه، أي وفيه ملك.
((تو)) المعنى لخرجتم من منازلكم إلى الجبنانة متضرعين إلى الله تعالى، ومن حال المحزون أن يضيق به المنزل، فيطلب الفضاء الخالي لبث الشكوى، وقوله: قال أبو ذر: ليتني كنت شجرة تعضد، أي تقطع، هو من قول أبي ذر، ليس في كتاب أحد ممن نقل هو عن كتابه ((قال أبو ذر)) بل أدرج في الحديث. ومنهم من قال: قيل: هو من قول أبي ذب، وقد علموا أنه بكلام أبي ذب أشبه. والنبي ﷺ أعلم بالله من أن يتمنى عليه حالا هي أوضع مما هو فيه ثم إنها مما لا تكون.
أقول: في جامع الترمذي وجامع الأصول هكذا ((تجأرون إلى الله، لوددت أني شجرة تعضد)) وفي رواية: إن أبا ذر قال: لوددت أني شجرة تعضد. ويروى عن أبي ذي موقوفا وفي سنن ابن ماجه كما في المتن ونسخ المصابيح: قال أبو ذر: يا ليتني ... !)) إلخ وللبحث فيه مجال.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من خاف أدلج)) قيل: من خاف من هجوم العدو عليه وقت السحر، يسير في الليل ويبلغ المأمن. هذا مثل ضربه النبي ﷺ لسالك الآخرة؛ فإن الشيطان على طريقه والنفس وأمانيه الكاذبة أعوانه؛ فإن تيقظ في سيره وأخلص النية في عمله أمن من الشيطان وكيده، ومن قطع الطريق بأعوانه ثم أرشد إلى أن سلوك طريق
стр. 2746
٥٣٤٩ - وعن أنس، عن النبي ﷺ قال: ((يقول الله جل ذكره: أخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام)). رواه الترمذي، والبيهقي في ((كتاب البعث والنشور)). [٥٣٤٩]
٥٣٥٠ - وعن عائشة، قالت: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وقُلُوبُهُمْ وجِلَةٌ﴾ أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: ((لا، يا بنت الصديق! ولكنه الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات)). رواه الترمذي، وابن ماجه. [٥٣٥٠]
ــ
الآخرة صعب وتحصيل الآخرة متعسر لا يحصل بأدنى سعي، فقال: ((ألا إن سلعة الله غالية)) أي رفيعة القدر وسلعة الله الجنة العالية الباقية، ثمنها الأعمال الخالصة الباقية التي أشار إليها بقوله سبحانه: ﴿والْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وخَيْرٌ أَمَلاً﴾.
الحديث الرابع عن أنس ﵁: قوله: ((من ذكرني يوما)) أراد الذكر بالإخلاص وهو توحيد الله تعالى عن إخلاص القلب وصدق النية، وإلا فجميع الكفار يذكرونه باللسان دون القلب يدل عليه قوله ﷺ : ((من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة)) والمراد بالخوف كف الجوارح عن المعاصي وتقييدها بالطاعات، وإلا فهو حديث نفس وحركة خاطر، لا يستحق أن يسمى خوفا، وذلك عند مشاهدة سبب هائل، فإذا عاب ذلك السبب عن الحس رجع القلب إلى الغفلة. قال الفضيل: إذا قيل لك: هل تخاف الله؟ فاسكت؛ فإنك إذا قلت: ((لا)) كفرت، وإذا قلت: ((نعم)) كذبت، أشار به إلى الخوف الذي هو كف الجوارح عن المعاصي.
الحديث الخامس عن عائشة ﵂: قوله: ((يؤتون ما آتوا)) هكذا هو في نسخ المصابيح وهو القراءة المشهورة، ومعناه يعطون ما أعطوا. وسؤال عائشة ﵂: ((أهم الذين يشربون الخمر ... ؟ إلخ. لا يطابقها، وقراءة رسول الله ﷺ : ((يؤتون ما أتوا)) بغير مد أي يفعلون ما فعلوا، وسؤالها مطابق لهذه القراءة، وهكذا هو في تفسير الزجاج والكشاف.
الحديث السادس عن أبي بن كعب ﵁: قوله: ((يا أيها الناس!)) أراد به النائمين
стр. 2747
٥٣٥١ - وعن أبي كعب، قال: كان النبي ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: ((يا أيها الناس! اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه)). رواه الترمذي. [٥٣٥١]
٥٣٥٢ - وعن أبي سعيد، قال: خرج النبي ﷺ لصلاة فرأي الناس كأنهم يكتشرون قال: ((أما: إنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى [الموت]، فأكثروا ذكر هاذم اللذات، الموت، فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيقول: أنا بيت الغربة، وأنا بيت الوحدة، وأنا بيت التراب، وأنا بيت الدود، وإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبا وأهلا، أما إن كنت لأحب من يمشي على ظهري إلي، فإذ وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك)). قال: ((فيتسع له مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة، وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر قال له القبر: لا مرحبا ولا أهلا،
ــ
من أصحابه الغافلين عن ذكر الله ينبههم عن النوم ليشتغلوا بذكر الله تعالى والتهجد. وأراد بـ ((الراجفة)) النفخة الأولى التي يموت منها جيمع الخلق، والراجفة صيحة عظيمة فيها تردد واضطراب كالرعد إذا [تمخض]. وأراد بالرادفة النفخة الثانية ردفت النفخة الأولى. أنذرهم ﷺ باقتراب الساعة؛ لئلا يغفلوا عن استعدادها.
الحديث السابع عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((يكتشرون)) ((تو)): أي يضحكون والمشهور في اللغة الكشر يقال: كشر الرجل إذا افتر فكشف عن اسنانه، وكشر البعير عن نابه أي كشف عنها. قوله: ((الموت)) بيان لقوله: ((هاذم اللذات)) للتصريح بقوله فيما بعده ((هاذم اللذات، الموت)).
وقوله: ((عما أرى)) عما أراكم فيه من الاكتشار والضحك. وقوله: ((إلا تكلم)) أي بلسان الحال كما تقول: الحال ناطقة بكذا. وقوله: ((أما إن كنت)) إن مخففة من الثقيلة، واللام فارقة، وفي ((إذا)) معنى التعليل. و ((وليتك)) من التولية مجهولا، و ((وليتك)) من الولاية معلوما.
قوله: ((العبد الفاجر أو الكافر)) ((أو)) لشك الراوي. والمعنى بـ ((الفاجر)) الكافر لوقوعه في مقابلة قوله: ((العبد المؤمن)) ونظيره قوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا﴾. قوله: ((من حفر النار)) كذا في جامع الترمذي وجامع الأصول وأكثر نسخ المصابيح، وفي
стр. 2748
أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري إلي، فإذ وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك)) قال: ((فيلتئم عليه حتى يختلف أضلاعه)). قال: وقال رسول الله ﷺ بأصابعه، فأدخل بعضها في جوف بعض. قال: ((ويقيض له سبعون تنينا لو أن واحدا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئا ما بقيت الدنيا، فينهسنه ويخدشنه حتى يفضى به إلى الحساب)). قال: وقال رسول الله ﷺ : ((إنما القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار)). رواه الترمذي. [٥٣٥٢]
٥٣٥٣ - وعن أبي جحيفة، قال: قالوا: يا رسول الله! قد شبت. قال: ((شيبتني سورة هود وأخواتها)). رواه الترمذي. [٥٣٥٣]
٥٣٥٤ - وعن ابن عباس، قال: قال أبو بكر: يا رسول الله! قد شبت. قال: ((شيبتني (هود) و (الواقعة) و (المرسلات) و (عم يتساءلون) و (إذا الشمس كورت))). رواه الترمذي. [٥٣٥٤]
وذكر حديث أبي هريرة: ((لا يلج النار)) في ((كتاب الجهاد)).
ــ
بعضها ((النيران)) بالجمع.
الحديث الثامن والتاسع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((شيبتني هود)) ((تو)): يريد أن اهتمامي بها فيها من أهوال يوم القيامة، والمثلات النوازل بالأمم الماضية أخذ مني ما أخذه حتى شبت قبل أوان المشيب خوفا على أمتي. ((حس)): عن بعضهم قال: رأيت رسول الله ﷺ في النوم، فقلت له: روي عنك انك قلت: ((شيبتني سورة هود)) فقال: نعم! قلت: وبأية آية؟ قال: قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، قال الإمام فخر الدين: وذلك لأن الاستقامة على الطريق المستقيم من غير ميل إلى طرفي الإفراط والتفريط، في الاعتقادات، والأعمال الظاهرة والباطنة عسير جدا، وقد سبق تحقيقه في أول الكتاب.
стр. 2749
الفصل الثالث
٥٣٥٥ - عن أنس، قال: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات. يعني المهلكات. رواه البخاري.
٥٣٥٦ - وعن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: ((يا عائشة! إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالبا)). رواه ابن ماجه، والدارمي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥٣٥٦]
٥٣٥٧ - وعن أبي بردة بن أبي موسى، قال: قال لي عبد الله بن عمر: هل تدري ما قال أبي لأبيك؟ قال: قلت: لا. قال: فإن أبي قال لأبيك: يا أبا موسى! هل يسرك أن إسلامنا مع رسول الله ﷺ وهجرتنا معه وجهادنا معه وعملنا كله معه برد لنا؟ وأن كل عمل عملناه بعده نجونا منه كفافا، رأسا برأس؟ فقال أبوك لأبي: لا والله، قد جاهدنا بعد رسول الله ﷺ وصلينا وصمنا وعملنا خيرا كثيرا، وأسلم على أيدينا بشر كثير وإنا لنرجو ذلك. قال أبي: ولكني أنا، والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك برد لنا، وأن كل شيء عملناه بعده نجونا منه كفافا رأسا برأس. فقلت: إن أباك والله كان حيرا من أبي. رواه البخاري.
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((هي أدق في أعينكم)) عبارة عن تدقيق النظر في العمل وإمعانه فيه، أي تعملون أعمالا وتحسبون أنكم تحسنون صنعا، وليس كذلك في الحقيقة.
الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((من الله طالبا)) هو من باب التجريد، كقول القائل:
وفي الرحمن للضعفاء كاف
الحديث الثالث عن أبي بردة ﵁: قوله: ((برد لنا)) يقال: برد لنا هذا الأمر إذا ثبت ودام. ((نه)): في الحديث: ((الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة)) أي لا تعب فيه ولا مشقة وكل محبوب عندهم بارد وقيل: معناه الغنيمة الثابتة المستقرة من قولهم: برد على فلان حق أي
стр. 2750
٥٣٥٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أمرني ربي بتسع: خشية الله في السر والعلانية. وكلمة العدل في الغضب والرضى، والقصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأعطي من حرمني، وأعفوا عمن ظلمني، وأن يكون صمتي فكرا، ونطفي ذكرا، ونظري عبرة، وآمر بالفرف)) وقيل: ((بالمعروف)). رواه رزين.
٥٣٥٩ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من عبد مؤمن يخرج من عينيه دموع وإن كان مثل رأس الذباب من خشية الله، ثم يصيب شيئا من حر وجهه إلا حرمه الله على النار)). رواه ابن ماجه. [٥٣٥٩]
ــ
مثبت. انتهى كلامه. وهو خبر قوله: ((أن إسلامنا)) والجملة فاعل ((هل يسرك)) وقوله ((كفافا)) نصب على الحال من الضمير المجرور، أي نجونا منه في حالة كونه لا يفضل علينا شيء منه، أو من الفاعل أي مكفوفا عنا شره. وقوله: ((لوددت)) خبر ((لكني)) مع اللام، وهو ضعيف. ويجوز أن يكون ((لوددت)) جواب القسم والقسمية خبر ((لكني)) على التأويل.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أمرني ربي بتسع)) ذكر تسعا وأتى بعشر فالوجه أن يحمل العاشر وهو الأمر بالمعروف على أنه نجمل عقب التفصيل؛ لأن المعروف هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات، كأنه قيل: أمرني ربي بأن أتصف بهذه الصفات وآمر غيري بالإتصاف بها. فالواوات كلها عطفت المفرد على المفرد. وفي قوله: ((وآمر بالعرف)) عطف المجموع من حيث المعنى على المجموع بحسب اللفظ ونحوه في التفرقة بين الواوين قوله تعالى: ﴿ومَا يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ (١٩) ولا الظُّلُمَاتُ ولا النُّورُ (٢٠) ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾.
الحديث الخامس عن عبد الله: قوله: ((حر وجهه)) ما أقبل عليك وبدا لك منه، وحر كل أرض ودار، وسطها وأطيبها.
стр. 2751
(٧) باب تغير الناس
الفصل الأول
٥٣٦٠ - عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنما الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة)). متفق عليه.
٥٣٦١ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لتتبعن سنن من قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم)). قيل: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن؟)). متفق عليه.
ــ
باب تغير الناس
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((كالإبل المائة)) اللام فيها للجنس ((تو)): الرواية فيه على النعت ((كإبل مائة)) بغير ألف ولام فيهما، والمعنى أنك لا تكاد تجد في مائة إبل راحلة تصلح للركوب، فإنما [يصلح] للركوب ما كان وطيا سهل القياد، وكذلك لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة ويعاون صاحبه ويلين له جانبه.
أقول: على القول الأول تجد فيها ((راحلة)) صفة لـ ((الإبل)) والتشبيه مركب تمثيلي، والوجه منتزع من عدة أمور متوهمة. وعلى الثاني هو الوجه للتشبيه وبيان لما شبه الناس بالإبل والتشبيه مفرد.
((مظ)): معناه أن الناس في أحكام الدين سواء لا فضل فيها لشريف على مشروف. ولا لرفيع منهم على وضيع، كالإبل المائة لا يكون فيها راحلة.
الحديث الثاني عن أبي سعيد ﵁: قوله ((سنن من قبلكم)) السنن جمع سنة وهي الطريقة حسنة كانت أو سيئة. والمراد بها ها هنا طريقة أهل الأهواء والبدع التي ابتدعوها من تلقاء أنفسهم بعد أنبيائهم، من [تغيير] دينهم وتحريف كتابهم كما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل. وقوله: ((شبرا بشبر)) حال مثل ((يدا بيد)). قوله: ((اليهود والنصارى)) [أي: أتعني من نتبعهم] اليهود والنصارى؟ فأجاب: ((فمن؟)) أي إن لم أردهم فمن سواهم؟.
стр. 2752
٥٣٦٢ - وعن مرداس الأسلمي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يذهب الصالحون، الأول فالأول، وتبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر، لا يباليهم الله بالة)). رواه البخاري.
الفصل الثاني
٥٣٦٣ - عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مشت أمتي المطيطياء وخدمتهم أبناء الملوك أبناء فارس والروم، سلط الله شرارها على خيارها)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٥٣٦٣]
٥٣٦٤ - وعن حذيفة أن النبي ﷺ قال: ((لاتقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم، وتجتلدوا بأسيافكم، ويرث دنياكم شراركم)). رواه الترمذي. [٥٣٦٤]
ــ
الحديث الثالث عن مرداس: قوله: ((الأول فالأول)) الفاء للتعقيب، ولا بد من تقدير، أي الأول منهم فالأول من الباقين منهم، هكذا حتى ينتهي إلى الحفالة، مثله الأفضل فالأفضل. و ((الأول)) بدل من ((الصالحون)). قوله: ((حفالة)) ((قض)): الحفالة رذالة الشيء وكذا ((الحثالة))، والفاء والثاء يتعاقبان كثيرا. ((لا يباليهم الله)) أي لا يرفع لهم قدرا ولا يقيم لهم وزنا وأصل باله بالية مثل عافاه الله عافية فحذفوا الياء منها تخفيفا كما حذفوا [من ((لم أبل)) يقال ما باليته وما باليت به أي لم أكترث به انتهى كلامه، والتنكير في حفالة تنكير للتحقير].
الفصل الثاني
الحديث الأول عن ابن عمر ﵁: قوله: ((المطيطياء)) ((فا)): هي ممدودة ومقصورة بمعنى التمطي، وهو التبختر ومد اليدين، وأصل [التمطي] تمطط تفعل من المط، وهو المد، وهي من المصغرات التي لم يستعمل بها مكبر، نحو كعيب وكميت وكالمريطاء وهي ما بين الصدر إلى العانة. ((قض)): وقياس [بمكبرها] ممدودة مطياء بوزن طرمساء، ومقصورة مطيا بوزن هرندي على أن أصلها مططا على فعلا، فأبدلت الطاء الثالثة ياء.
وهذا الحديث من دلائل نبوته؛ لأنه ﷺ أخبر عن الغيب، ووافق الواقع خبره؛ فإنهم لما فتحوا بلاد فارس والروم وأخذوا أموالهم وتجملاتهم وسبوا أولادهم فاستخدموهم، سلط الله قتلة عثمان ﵁ عليه حتى قتلوه، ثم سلط بني أمية على بني هاشم ففعلوا ما فعلوا.
الحديث الثاني عن حذيفة ﵁: قوله: ((وتجتلدوا)) أي تتضاربوا. ((نه)): في
стр. 2753
٥٣٦٥ - وعنه: قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع)). رواه الترمذي، والبيهقي في ((دلائل النبوة)). [٥٣٦٥]
٥٣٦٦ - وعن محمد بن كعب القرظي، قال: حدثني من سمع علي بن أبي طالب، قال: إنا لجلوس مع رسول الله ﷺ ، في المسجد، فاطلع علينا مصعب بن عمير، ما عليه إلا بردة له مرقوعة بفرو، فلما رآه رسول الله ﷺ بكى للذي كان فيه من النعمة والذي هو فيه اليوم، ثم قال رسول الله ﷺ ،: ((كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلة، وراح في حلة ووضعت بين يديه صحفة. ورفعت أخرى، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة؟)) فقالوا: يا رسول الله! نحن يومئذ خير منا اليوم، نتفرغ للعبادة، ونكفي المؤنة. قال: ((لا))، أنتم اليوم خير منكم يومئذ)). رواه الترمذي. [٥٣٦٦]
٥٣٦٧ – وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يأتي على الناس زمان، الصابر
ــ
الحديث: ((فنظر إلى مجتلد القوم فقال: الآن حمي الوطيس)) أي إلى موضع الجلاد وهو الضرب بالسيف في القتال، يقال: جلدته بالسيف والسوط ونحوه إذا ضربته به.
الحديث الثالث عن حذيفة ﵁: قوله: ((لكع بن لكع)) ((تو)): اللكع العبد، وقد يكنى به عن الحمق، ويوصف به اللئيم، ويقولون للعبد: لكع؛ لما فيه من الذلة، وللجحش لكع، لما فيه من الخفة، وللصبي ما فيه من الضعف، ويقال أيضا للذليل الذي تكون نفسه نفس العبيد، وأريد به ها هنا الذي لا يعرف له أصل ولا يحمد له خلق.
أقول: وهو غير منصرف للعدل والصفة. ((فا)): هو معدول عن اللكع يقال: لكع لكعا فهو اللكع. وأصله أن يكون في النداء لفسق وعذر [وهو اللئيم].
الحديث الرابع عن محمد بن كعب: قوله: ((مصعب بن عمير)) هو من أغنياء قريش. هاجر إلى النبي ﷺ وترك النعمة بمكة، وهو من كبار الصحابة من أصحاب الصفة الساكنين في مسجد قباء. وقوله ((لا، أنتم اليوم خير)) أي ليس الأمر كما تظنون بل أنتم اليوم خير؛ لأن الفقير الذي له كفاف خير من الغني؛ لأن الغني يشتغل بدنياه، ولم يكن له فراغ للعبادة من كثرة اشتغاله بتحصيل المال.
الحديث الخامس عن أنس ﵁: قوله: ((كالقابض على الجمر)) خبر ((الصابر))،
стр. 2754
فيهم على دينه كالقابض على الجمر)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب إسنادا. [٥٣٦٧]
٥٣٦٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأموركم شورى بينكم؛ فظهر الأرض خير لكم من بطنها. وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم؛ فبطن الأرض خير لكم من ظهرها)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٥٣٦٨].
٥٣٦٩ - وعن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها)). فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: ((بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن)). قال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: ((حب الدنيا وكراهية الموت)). رواه أبو داود، والبيهقي في ((دلائل النبوة)). [٥٣٦٩]
ــ
والجملة صفة لـ ((زمان)) والراجع محذوف أي الصابر فيه، أي كما لا يقدر القابض على الجمر أن لا يصبر لاحتراق يده، كذلك المتدين يومئذ لا يقدر على ثباته على دينه لغلبة العصاة والمعاصي، وانتشار الفتن وضعف الإيمان.
الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁ قوله: ((وأموركم شورى)) هو مصدر بمعنى التشاور، أي ذو شورى، معناه يشاور بعضهم بعضا فيما عن لهم من الرأي، لا يستبد أحد منهم في رأيه؛ فإن المشاورة من سنة رسول الله ﷺ ، والاستبداد من شيمة الشيطان.
الحديث السابع عن ثوبان ﵁: قوله: ((أن تداعى عليكم)). ((تو)): يريد أن فرق الكفر وأمم الضلالة يوشط أن تتداعى عليكم بعضطم بعضا، ليقاتلوكم ويكسروا شروكتكم ويغلبوا على ما ملكتموه من الديار والأموال، كما أن الفئة الأكلة تتداعى بعضهم بعضا إلى قصعتهم التي يتناولونها من غير ما بأس ولا مانع، فيأكلونها عفوا صفوا. فيستفرغوا ما في صحفتكم من غير ما تعب ينالهم أو ضرر يلحقهم أو بأس يمنعهم.
стр. 2755
الفصل الثالث
٥٣٧٠ - عن ابن عباس، قال: ((ما ظهر الغلول في قوم إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنا في قوم إلا كثر فيهم الموت، ولا نقص قوم المكيال إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغيرحق إلا فشا فيهم الدم، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط عليهم العدو)). رواه مالك. [٥٣٧٠]
ــ
والرواية في ((الآكلة)) بالمد على نعت ((الفئة)) أو الجماعة أو نحو ذلك، كذا روي لنا عن أبي داود، وهذا الحديث من أفراده. والغثاء بالضم والمد وبالتشديد أيضا، ما يحمله السيل من القماش شبههم بذلك لقلة عنائهم ودناءة قدرهم وخفة أحلامهم. وقول القائل: ((وما الوهن؟)) سؤال عن نوع الوهن، أو كأنه أراد من أي وجه يكون ذلك الوهن؟ فقال: ((حب الدنيا)) يريد أن حب البقاء في الدنيا وكراهية الموت يدعوهم إلى إعطاء الدنية في الدين واحتمال الذل عن العدو، نسأل الله العافية فقد ابتلينا به وكأنه نحن المعنيون بذلك. قوله: ((ومن قلة)) خبر مبتدأ محذوف. و ((نحن يومئذ)) مبتدأ وخبر صفة لها، أي ذلك التداعي لأجل قلة نحن عليها يومئذ ..
الفصل الثالث
الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب)) رتب إلقاء الرعب على الوصف المناسبن وهو الغلول على الكناية التلويحية؛ فإن إلقاء الرعب مشعر بظفر العدو عليهم، وهو مشعر بأن تكون أموالهم غنيمة للعدو، فيلزم منه أن يكون كاله فيئا للأعداء. ورتب كثرة الموت على فشو الزنا وكثرتها؛ وذلك أن النكاح إنما شرع لغرض التوالد والتناسل، والزنا يفضي إلى قطعهما، فلما سعى الزاني في إبطال ذلك الغرض الصحيح بفعله، جوزي بإبطال ذاته بضمها الغرض الصحيح. فالموت على هذا عبارة عن قطع التوالد والتناسل.
وقريب منه ما قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وهو هذا. فإن قلت كيف يقل عيال من تسري وفي السراري نحو ما في المهائر؟ قلت ليس كذلك؛ لأن الغرض بالتزوج التوالد والتناسل بخلاف التسري؛ ولذلك جاز العزل عن السراري بغير إذنهن، فكان التسري مظنة لقلة الولد بالإضافة إلى التزوج، كتزوج الواحدة بالإضافة على تزوج الأربع.
стр. 2756
(٨) باب الإنذار والتحذير
الفصل الأول
٥٣٧١ - عن عياض بن حمار المجاشعي، أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: ((ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وإن
ــ
وقوله: ((إلا فشا فيهم الدم)) وذلك لأن حكم من حكم بغير حق فقد ظلم، ومن ظلم فقد أفسد. ومن أفسد، فقد أفضى به الأمر إلى أن يهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد. ((نه)): والختر الغدر، يقال ختر يختر فهو خاتر، وختار للمبالغة.
[باب الإنذار والتحذير]
الفصل الأول
الحديث الأول عن عياض: قوله: ((كل مال نحلته)) ((قض)): هو حكاية ما علمه الله تعالى وأوحى إليه في يومه ذا، أو المعنى ما أعطيت عبدا من مال فهو حلال له، ليس لأحد أن يحرم عليه، ويمنعه عن التصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم. وليس لقائل أن يقول: هذا يقتضي أن لا يكون الحرام رزقا؛ لأن كل رزق ساقه الله تعالى إلى عبد فقد نحله وأعطاه، وكل ما نحله وأعطاه فهو حلال، فيكون كل رزق رزقه الله إياه فهو حلال، وذلك يستلزم أن يكون كل ما ليس بحلال ليس برزق؛ لأنا نقول: الرزق أعم من الإعطاء؛ لأن الإعطاء يتضمن التمليك.
ولذلك قال الفقهاء: لو قال الرجل لامرأته: إن أعطيتيني ألفا فأنت طالق، فأعته بانت، ودخل الألف في ملكه، ولا كذلك الرزق. ((وإني خلقت عبادي حنفاء))، أي مستعدين لقبول الحق، والحنف عن الضلال مبرءين عن الشرك والمعاصي، وهو في معنى قوله: ((كل مولود يولد على الفطرة)) ((فاجتالتهم عن دينهم))، أي جالت الشياطين بهم وساقتهم إليها، افتعال من الجولان.
((ما لم أنزل به سلطانا)) مفعول ((يشركوا)) يريد به الأصنام وسائر ما عبد من دون الله، أي أمرتهم بالإشراك بالله بعبادة ما لم يأمر الله بعبادته، ولم ينصب دليلا على استحقاقه للعبادة. ثم ((نظر إلى أهل الأرض)) أي رآهم ووجدهم متفقين على الشرك منهمكين في الضلالة، إلا بقايا من اليهود والنصارى، تبرءوا عن الشرك وعضوا على التوحيد والدين الحق. ((فمقتهم)) أي أبغضهم لسوء اعتقادهم وخبث صنيعهم.
стр. 2757
الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان، وإن الله أمرني أن أحرق قريشا، فقلت: [يا] رب! إذا يثلغوا رأسي، فيدعوه خبزة، قال: استخرجهم كما أخرجوك واعزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك. وابعث جيشا نبعث حمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك)). رواه مسلم.
٥٣٧٢ - وعن ابن عباس، قال: لما نزلت ﴿وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾، صعد النبي ﷺ الصفا فجعل ينادي: ((يا بني فهر! يا بني عدي!)) لبطون قريش حتى اجتمعوا
ــ
وقوله: ((لأبتليك وأبتلي بك)) أي لأمتحنك وأمتحن الناس بك. ((وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء))، أي كتابا محفوظا في القلوب لا يضمحل بغسل القراطيس، أو كتابا مستمرا متداولا بين الناس ما دامت السموات والأرض، لا ينسخ ولا ينسى بالكلية. وعبر عن إبطال حكمه وترك قراءته والإعراض عنه بغسل أوراقه بالماء على سبيل الاستعارة، أو كتابا واضحا آياته بينا معجزاته لا يبطله جور جائر ولا تدحضه شبهة مناظر، فمثل الإبطال معنى بالإبطال صورة. وقيل: منى به غزارة معناه وكثره جدواه من قولهم: مال فلان لا تفنيه الماء والنار.
((تقرؤه نائما ويقظان)) أي يصير لك ملكة بحيث يحضر في ذهنك وتلتفت إليه نفسك في أغلب الأحوال، فلا تغفل عنه نائما ويقظان، وقد يقال للقادر على الشيء الماهربه: هو يفعله نائما. ((وإن الله أمرني أن أحرق قريشا)) أي أهلكهم يريد به كفارهم. ((إذا يثلغوا رأسي)) أي يشدخوه فيتركوه بالشدخ مصفحا كخبزة.
((ونغزك)): ((ما لم أنزل به سلطانا)) أي لا إنزال سلطان ولا شريك على أسلوب قوله:
على لا حب لا يهتدى بمناره ولا يرى الضب بها ينحجر
أي لا منار ولا اهتداء به وقوله: أي لا ضب ولا انحجار نفيا للأصل والفرع.
الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((لبطون قريش)) واللام فيه بيان، كما في قوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ كأنه قيل: لمن؟ قيل: ((لبطون قريش)).
стр. 2758
فقال: ((أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟)) قالوا: نعم؛ ما جربنا عليك إلا صدقا. قال: ((فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)). فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم؛ ألهذا جمعتنا؟! فنزلت (تبت يدا أبي لهب وتب) متفق عليه. وفي رواية: نادى: ((يا بني عبد مناف! إنما مثلي مثلكم كمثل رجل رأي العدو فانطلق يربأ أهله، فخشي أن يسبقوه، فجعل يهتف: يا صباحاه!)).
ــ
وقوله: ((أرأيتكم)) أي أخبروني، الضمير المتصل المرفوع من الخطاب العام، والضمير الثاني لا محل له فهو كالبيان للأول؛ لأن الأول بمنزلة الجنس الشائع في المخاطبين، فيستوي فيه التأنيث والتذكير والإفراد والجمع، فإذا أريد بيانه بأحدى هذه الأنواع بين به، فأتى في الحديث بعلامة الجمع بيانا للمراد. وضمن ((جرب)) معنى الإلقاء، وعداه ((بعلى)) أي ما ألقينا عليك قولا مجربين لك، هل تكذب فيه أم لا؟ فما سمعنا منك إلا صدقا. وقوله: ((بين يدي)) ظرف لقوله: ((نذير)) وهو بمعنى قدام؛ لأن كل من يكون قدام أحد يكون بين الجهتين السابقتين ليمينه وشماله، وفيه تمثيل، مثل إنذاره القوم بعذاب الله تعالى النازل على القوم بنذير قوم يتقدم جيش العدو فينذرهم.
((قض)): التب والتباب الخسران والهلاك، ونصبه بعامل مضمر، و ((سائر اليوم)) يريد جميع الأيام. ((تو)): من ذهب في ((سائر)) إلى البقية فإنه غير مصيب؛ لأن الحرف من السير لا من السؤر، وفي أمثالهم في اليأس من الحاجة. أسائر اليوم وقد زال الظهر.
أقول: وفيه نظر لأنه قال صاحب النهاية: - السائر المهموز الباقي -. والناس يستعملونه في معنى الجمع وليس بصحيح، وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث، كأنها تعني باقي الشيء، ويدل على تصحيح ما في النهاية ما في أساس البلاغة؛ فإنه أورده في باب السين مع الهمز قائلا أسأر الشارب في الإناء سؤرا وسؤرة أي بقية.
وفي المثل: سائر اليوم وقد زال الظهر. انتهى كلامه. فعلى هذا المراد بقوله: ((سائر اليوم)) بقية الأيام المستقبلة. ((نه)): ((يربأ أهله)) أي يحفظهم من عدوهم، والإسم الربيئة وهو العين. والطليعة الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو، ولا يكون إلا على جبل أو شرف ينظر منه، وارتبأت الجبل إذا صعدته.
أقول: أسلوب الحديث يسمى في علم البديع بالمذهب الكلامي؛ لأنه ﷺ استنطقهم أولا بما أقروا به أنه صادق، فلما اعترفوا ألزمهم بقوله: ((فإني نذير لكم)) إلخ، أي إذا اعترفتم بصدقي فاتبعوا لما أقول لكم.
стр. 2759
٥٣٧٣ - وعن أبي هريرة، قال: لما نزلت ﴿وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ دعا النبي ﷺ قريشا، فاجتمعوا، فعم وخص، فقال: ((يا بني كعب بن لؤي! انقضوا أنفسكم من النار. يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد شمس! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئا، غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها)) رواه مسلم.
وفي المتفق عليه قال: ((يا معشر قريش اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا. ويا بني عبد ماف! لا أغني عنكم من الله شيئا. يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئا. ويا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئا. ويا فاطمة بنت محمد! سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا)).
الفصل الثاني
٥٣٧٤ - عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أمتي هذه أمة
ــ
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: (٠ببلالها)) ((نه)): البلال جمع بلل والعرب يطلقون النداوة على الصلة كما يطلق اليبس على القطيعة؛ لأنهم لما رأوا بعض الأشياء يتصل بالنداوة، ويحصل بينهما التجافي والتفرق باليبس، استعاروا البلل بمعنى الوصل واليبس بمعنى القطيعة، والمعنى أصلكم في الدنيا ولا أغني عنكم من الله شيئا. وقد مر القول فيه في باب البر والصلة.
[((تو))] قوله: ((ما شئت من مالي)) [أرى] أنه ليس من المال المعروف في شيء، إنما عبر به عما يملكه من الأمر وينفذ تصرفه فيه، ولم يثبت عندنا أنه كان ذا مال لا سيما بمكة. ويحتمل أن الكلمتين أعني ((من)) و ((ما)) وقع الفصل فيهما من بعض من لم يحققه من الرواة، فكتبهما منفصلتين.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي موسى ﵁: قوله: ((أمتي هذه)) ((مظ)): هذا الحديث مشكل
стр. 2760
مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابها في الدنيا: الفتن والزلازل والقتل)). رواه أبو داود. [٥٣٧٤]
٥٣٧٥ - ٥٣٧٦ - * وعن أبي عبيدة، ومعاذ بن جبل، عن رسول الله ﷺ قال: ((إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم ملكا عضوضا، ثم كائن جبرية وعتوا وفسادا في الأرض، يستحلون الحرير والفروج والخمور، يرزقون على ذلك وينصرون، حتى يلقوا الله)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥٣٧٥ – ٥٣٧٦]
ــ
لأن مفهومه أن لا يعذب أحد من أمته ﷺ ، سواء فيه من ارتكب الكبائر وغيره وقد ورد الأحاديث بتعذيب مرتكبي الكبائر، اللهم إلا أن يؤول بأن المراد بـ ((الأمة)) هنا من اقتدى به ﷺ كما ينبغي ويمتثل بما أمره الله به، وينتهي عما نهاه)).
أقول: الحديث وارد في مدح أمته ﷺ واختصاصهم من بين سائر الأمم بعناية الله تعالى ورحمته عليهم، وأنهم إن أصيبوا بمصيبة في الدنيا حتى الشوكة يشاكها، أن الله يكفر بها في الآخرة ذنبا من ذنوبه وليست هذه الخاصية لسائر الأمم ويؤيده ذكر هذه وتعقيبها بقوله: ((مرحومة))؛ فإنه يدل على مزيد تميزهم بعناية الله ورحمته كما في قول الشاعر:
هذا أبو الصقر فردا في محاسنه من نسل شيبان بين الضال والنمر
والذهاب إلى المثل المفهوم مهجور في مثل هذا المقام. وهذه الرحمة هي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ أراد موسى ﵇ أن يخص هذه الرحمة بأمته، فأجابه تعالى بأنها مختصة بأمة النبي الأمي ﷺ ، وإن شئت فجرت ذهنك في الآيات لتقف على سر ما ذكرت.
الحديث الثاني عن أبي عبيدة ﵁: قوله: ((إن هذا الأمر)) هو ما بعث به رسول الله ﷺ من إصلاح الناس دينا ودنيا، كما قال ﷺ : ((رأس الأمر الإسلام)). قوله: ((ملك عضوض)) ((نه)): أي يصيب الرعية فيه عسف وظلم، كأنهم يعضون فيه عضا، والعضوض من أبنية المبالغة. وقوله: ((جبرية)) أي قهر وعتو يقال: جبار بين الجبرية والجبروت.
стр. 2761
٥٣٧٧ - وعن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أول ما يكفأ – قال زيد بن يحيى الرواي: يعني الإسلام – كما يكفأ الإناء)) يعني الخمر. قيل فكيف يا رسول الله! وقد بين الله فيها ما بين؟ قال: ((يسمونها بغير اسمها فيستحلونها)). رواه الدارمي. [٥٣٧٧]
الفصل الثالث
٥٣٧٨ - عن النعمان بن بشير، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله تعالى، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله تعالى، ثم تكون ملكا عاضا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله تعالى، ثم تكون ملكا جبرية، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها الله تعالى، ثم تكون خلافة على منهاج نبوة)) ثم سكت، قال حبيب: فلما قام عمر بن عبد العزيز كتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه وقلت: أرجو أن تكون أمير المؤمنين بعد الملك العارض والجبرية، فسر به وأعجبه، يعني عمر بن عبد العزيز رواه أحمد والبيهقي في ((دلائل النبوة)). [٥٣٧٨].
ــ
الحديث الثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((إن أول ما يكفأ)) خبر ((إن)) محذوف، وهو الخمر، والكاف في ((كما يكفأ)) صفة مصدر محذوف يعني أول ما يكفأ في الإسلام إكفاء مثل إكفاء ما في الإناء من الخمر.
((قض)): ((يكفأ)) يقلب ويمال: يقال: كفأت القدر إذا قلبتها لينصب عنها ما فيها، والمراد به الشرب ها هنا؛ فإن الشارب يكفأ القدح عند الشرب، وقول الراوي: ((يعني الإسلام)) يريد به: في الإسلام وسقط عنه. والمعنى: إن أول ما يشرب من المحرمات ويجترأ على شربه في الإسلام، كما يشرب الماء ويجترأ عليه هو الخمر ويؤولون في تحليلها بأن يسموها بغير اسمها كالنبيذ والمثلث.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن النعمان: قوله: ((ثم تكون ملكا عاضا)) ((كان)) ها هنا ناقصة واسمه ما يدل
стр. 2762
كتاب الفتن
الفصل الأول
٥٣٧٩ - عن حذيفة، قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقاماً، ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته، فأراه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه. متفق عليه.
٥٣٨٠ - وعنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب
ــ
عليه الخلافة، وفي القرينتين السابقتين تامة. و ((أمير المؤمنين)) خبر ((أن تكون)) وقوله: ((بعد الملك)) ظرف للخبر على تأويل الحاكم العادل؛ نحوه قوله تعالى: ﴿وهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ﴾ أي معبود فيها.
كتاب الفتن
الفصل الأول
الحديث الأول عن حذيفة: قوله: ((وإنه ليكون منه الشيء)) أي ليحدث منه الشيء مما نسيته، فإذا عاينته تذكرت ما نسيت. وقوله: ((مقاما))، إما مصدر ميمي أو اسم مكان. والجملة المنفية صفة. وقوله: ((مقامه)) وضع موضع ضمير الموصوف. و ((في مقامه)) متعلق بـ ((ترك)) أي قام مقاما ما ترك في مقامه ذلك شيئاً يحدث إلى قيام الساعة إلا حدث به.
الحديث الثاني عن حذيفة: قوله: ((تعرض الفتن)). [((نه))]: أي توضع عليها وتبسط كما يبسط الحصير، من عرض العود على الإناء والسيف على الفخذين يعرضه إذا وضعه. [((فا))]: قيل: من عرض الجند بين يدي السلطان لإظهارهم واختبار أحوالهم. قوله: ((عودا عودا)) ((تو)): قد روى بالرفع، كذا نرويه عن كتاب مسلم. وعلى هذا الوجه أورده صاحب المصابيح والتقدير: وهو عود عود. ورواه آخرون بالنصب.
((مح)) هذان الحرفان مما اختلف في ضبطه على ثلاثة أوجه: أظهرها وأشهرها: ضم العين والدال المهملة. والثاني: فتح العين والذال المعجمة. ومعنى ((تعرض)) أنها تلصق بعرض القلوب أي جانبها كما يلصق الحصير بجنب النائم. ويؤثر فيه شدة التصاقها. ومعنى ((عودا
стр. 2763
أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير على قلبين: أبيض بمثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مرباداً كالكوز، مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه)). رواه مسلم.
ــ
عودا)) أي يعاد ويكرر شيئاً بعد شيء. قال ابن سراج: ومن رواه بالذال المعجمة فمعناه سؤال الاستعاذة منها، كما يقال: غفرا غفرا، أي نسألك أن تعيذنا من ذلك وأن تغفر لنا.
وقال الخطابي: معناه: يظهر على القلوب، أي يظهر لها فتنة بعد أخرى كما ينسج الحصير عوداً وعوداً وشطبة بعد أخرى.
قال القاضي عياض: وعلى هذا تترجح رواية ضم العين؛ وذلك أن ناسج الحصير عند العرب كلما صنع عودا أخذ آخر ونسجه. فشبه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحداً بعد واحد. و ((أشربها)) أي دخلت فيه دخولا تاما وألزمها وحلت منه محل الشراب. ومنه قوله تعالى: ﴿وأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ أي حب العجل. و ((أنكرها)) أي ردها. ((قض)): ((حتى يصير)) أي جنس الإنسان على قسمين: قسم ذو قلب أبيض كالصفاء، وقسم ذو قلب اسود مربداً.
((مظ)): الضمير في ((يصير)) أي تصير القلوب على نوعين: أحدهما أبيض وثانيهما: أسود. ((تو)): ((الصفا)): الحجارة الصافية الملساء. وأريد به هاهنا النوع الذي صفا بياضه.
وعليه نبه بقوله: ((أبيض)) وإنما ضرب المثل به؛ لأن الأحجار إذا لم تكن معدنية لم تتغير بطول الزمان. ولم يدخلها لون آخر. لا سيما النوع الذي ضرب به المثل، فإنه أبدا على البياض الخالص الذي لا تشوبه كدرة. والربدة لون بين السواد والغبرة. ومنه ظليم أربد وقد أربد اربداداً، أي تلون وصار على لون الرماد. وإنما وصف القلب بالربدة؛ لأنه أنكر ما يوجد من أنواع السواد، بخلاف ما تشوبه صفا ويعلوه طراوة من النوع الخالص.
((مح)): قال القاضي عياض: ليس تشبيهه بالصفا بيانا لبياضه، لكن صفة أخرى لشدته على عقد الإيمان وسلامته من الخلل، وأن الفتن لم تلصق به ولم تؤثر فيه كالصفا وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء. وأما قوله: ((مربادا)) فكذا هو في روايتنا وأصول بلادنا. وهو منصوب على الحال.
وذكر القاضي عياض خلافا في ضبطه، فإن منهم من ضبطه كما ذكرناه ومنهم من رواه ((مربئداً)) بهمزة مكسورة بعد الباء. وأصله أن لا يهمز. ويكون مربدا مثل مسوداً ومحمراً لأنه من
стр. 2764
٥٣٨١ - وعنه، قال: حدثنا رسول الله ﷺ ، حديثين، رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر: حدثنا: ((إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة)). وحدثنا عن رفعها قال: ((ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة فتقبض، فيبقى أثرها مثل أثر المجل
ــ
أربد إلا على لغة من قال: إحمار بهمزة بعد الميم لالتقاء الساكنين. فيقال: إرباد فهو مربئد، والدال مشددة على القولين. وأما قوله: ((مجخيا)) فهو بميم مضمومة ثم جيم مفتوحة، ثم خاء معجمة مكسورة. ومعناه مائلا كذا قاله الهروي. وفسره الراوي في الكتاب بقوله: ((منكوساً)) ((نه)) المجخي المائل عن الاستقامة والاعتدال، شبه القلب الذي لا يعي خبراً بالكوز الذي لا يثبت فيه شيء ((قوله إلا ما أشرب من هواه)) ((مظ)) يعني لا يعرف القلب إلا ما قبل من الاعتقادات الفاسدة والشهوات النفسانية أقول: ولعله أراد أنه من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح أي ليس فيه حبة خير البتة إلا هذا وهذا ليس بخير، فيلزم منه أن يكون فيه خير.
الحديث الثالث عن حذيفة ﵁: قوله: ((حديثين)): ((مح)): الأول: ((حدثنا إن الأمانة ..)). الخ. والثاني: ((حدثنا عن رفعها)). والجذر بفتح الجيم وكسرها لغتان والذال المعجمة فيهما وهو الأصل. وأما الأمانة، فالظاهر أن المراد بها التكليف الذي كلف الله تعالى به عباده. والعهد الذي أخذه عليهم. قال صاحب التحرير: الأمانة في الحديث هي الأمانة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ﴾ الآية وهي عين الإيمان. و ((الوكت)) بفتح الواو وإسكان الكاف، وبالتاء المثناة من فوق. و ((المجل)) بإسكان الجيم، وفتحها لغتان، المشهور الإسكان. [((فا))] الفرق بين الوكت والمجل أن الوكت النقطة في الشيء من غير لونه يقال: بعينه وكت، ووكت البر إذا بدت فيه نقطة الإرطاب. والمجل غلظ الجلد من العمل لا غير ويدل عليه قوله: ((فتراه منتبرا)) أي منتفخا وليس فيه شيء. ((مح)): قال صاحب التحرير: معنى الحديث أن الأمانة تزول عن القلوب شيئا فشيئاً. فإذا زال شيء أول جزء منها زال نورها، وخلفته ظلمة كالوكت وهو اعتراض لون مخالف للون الذي قبله. فإذا زال شيء آخر صار كالمجل. وهو أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة وهذه الظلمة فوق التي قبلها. ثم شبه زوال ذلك النور بعد وقوعه في القلب وخروجه بعد استقراره فيه واعتقاب الظلمة إياه بجمر يدحرجه على رجله حتى يؤثر فيها ثم يزول الجمر. ويبقى التنفيط. وإنما ذكر نفط ولم يقل نفطت اعتبارا بالعضو.
أقول لعله إنما حملهم على تفسير الأمانة في قوله: ((إن الأمانة نزلت بالإيمان)) لقوله آخراً:
стр. 2765
كجمر دحرجته على رجلك، فنفط، فتراه منتبراً، وليس فيه شيء، ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال إن في بني فلان رجلا أميناً ويقال للرجل ما أعلقه! وما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)). متفق عليه.
٥٣٨٢ - وعنه، قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أساله عن الشر مخافة أن يدركني، قال: قلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: ((نعم)). قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: ((نعم، وفيه دخن)). قلت: وما دخنه؟ قال: ((قوم
ــ
((وما في قلبه مثال حبة من خردل من إيمان)) فهلا حملوها على حقيقتها لقوله: ((ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة)) فيكون وضع الإيمان آخرا موضعها تفخيما لشأنها وحثا على أدائها. قال ﷺ : ((لا دين لمن لا أمانة له)) و ((ثم)) في قوله: ((ثم ينام النومة)) للتراخي في الرتبة. وهي تقتضيه ((ثم)) في قوله ((ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة)) كما أن علم القرآن والسنة يزيد أصل الأمانة في القلوب ويربيها. كذلك ينقص استمرار ورفع الأمانة وقبضها من أثرها؛ فإن اثر المجل المشبه بالنفاطة التي ليس فيها شيء أبلغ في الخلو من أثر الوكت. وفيه تشبيهان مفردان شبهت حالهما مجموعة بحالة جمر أثر في عضو. ثم نفط وارتفع. وإنما شبه أولا أثر الأمانة أولا بأثر الوكت ثم ثانيا بأثر المجل. ثم شبههما بالجمرة المدحرجة على الرجل تقبيحا لحالهما وتهجينا لتستنفر عنها النفس وتعافهما؛ فإن الأمانة والخيانة ضدان. فإذا ارتفع أحدهما تعاقبت الأخرى.
الحديث الرابع عن حذيفة ﵁ قوله: ((عن الشر)) أي الفتنة ووهن عرى الإسلام واستيلاء الضلال وفشو البدعة، والخير عكسه يدل عليه قوله: ((إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير)) أي ببعثك وتشييد مباني الإسلام، وهدم قواعد الكفر والضلال.
قوله: ((قال: نعم، وفيه دخن)) أي يكون بعد ذلك الشر خير. والحال أن في ذلك الخير شراً والمعنى أن ذلك لا يصفو بل يشوبه كدورة. [ومنه قولهم: هدنة على دخن أي سكون لعلة لا للصلح. ((نه)): أصل الدخن أن يكون في لون الدابة كدورة] إلى السواد. وقيل: الدخن – بالتحريك – مصدر دخنت النار تدخن، إذا ألقى عليها حطب رطب يكثر دخانها وفسدت.
((مظ)): ((تعرف منهم وتنكر)) أي ترى فيهم ما تعرفه أنه من ديني، وترى منهم أيضا ما تنكر
стр. 2766
يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر)). قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: ((نعم؛ دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها)). قلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال ((هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا)). قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)). قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: ((فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة
ــ
أنه من ديني. ((شف)): تعرف منهم المنكر بأن يصدر المنكر عنهم، وتنكرهم خبر بمعنى الأمر، أي أنكر عليهم صدور المنكر عنهم.
أقول: الوجه الأول راجع إلى معنى قوله: ((نعم، وفيه دخن)) أي تعرف فيهم الخير فتقبل والشر فتنكر فهو من المقابلة المعنوية والوجه الثاني راجع إلى قوله: ((يستنون بسنتي)) فالوجه أن يكون المعطوف والمعطوف عليه كلاهما في معنى الأمر. أي اعرف منهم ذلك وأنكر. والخطاب في ((تعرف)) و ((تنكر)) من الخطاب العام.
((مح)): قيل المراد بـ ((الخير)) بعد ((الشر)) أيام عمر بن عبد العزيز. والمراد بالشر بعد الخير الأمر بعده. ((شف)): ((دعاة على أبواب جهنم)) أي جماعة يدعون الناس إلى الضلالة، ويصدونهم عن الهدى بأنواع من التلبيس لإدخالهم إياه في جهنم دخولهم فيها، وجعل كل نوع من أنواع التلبيس بمنزلة باب من أبواب جهنم. ((نه)): ((من جلدتنا)) أي من أنفسنا وعشيرتنا. ((شف)): قيل: معناه من أهل ملتنا. ويتكلمون بما قال الله تعالى، وقال رسول الله ﷺ ، أي بالمواعظ والحكم. وما في قلوبهم شيء من الخير يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. ((تو)): ((ولو أن تعض بأصل شجرة)) أي تتمسك بما يصبرك وتقوي به عزيمتك على اعتزالهم، ولو بما لا يكاد يصح أن يكون متمسكا.
أقول: هذا شرط يعقب به الكلام تتميما ومبالغة، أي اعتزال الناس اعتزالا لا غاية بعده، ولو قنعت فيه بعض أصل الشجرة افعل فإنه خير لك. و ((الجثمان)): الجسمان يقال: ما أحسن جثمان الرجل! وجسمانه أتى جسده. وقال الأصمعي: الجثمان الشخص والجثمان الجسم. وقوله: ((فاسمع وأطع)) جزاء الشرط، أتى لمزيد تقريره واهتمام بشأنه، وإلا فما قبل الشرط مما أغنى عنه. ((مح)): هذه الرواية في كتاب مسلم عن أبي سلام عن حذيفة. قال الدارقطني: هذا مرسل، لأن أبا سلام لم يسمع حذيفة. قال الشيخ محيي الدين: هو كما قال، لكن
стр. 2767
حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)). متفق عليه. وفي رواية لمسلم: قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال، قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان أنس)). قال حذيفة: قلت: كيف أصنع يا رسول الله! إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع الأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع)).
٥٣٨٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال: رسول الله ﷺ : ((بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويسمى كافراً، ويسمى مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا)). رواه مسلم.
٥٣٨٤ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذاً فليعذ به)). متفق عليه. وفي رواية لمسلم:
ــ
المتن صحيح متصل بالطريق الأول. وإنما أتى مسلم بهذا متابعة. والحديث المرسل إذا روى من آخر طريق متصلاً تبينا به صحة المرسل. جاز الاحتجاج به ويصير في المسألة حديثان صحيحان.
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بادروا بالأعمال)) أي سابقوا وقوع الفتن بالاشتغال بالأعمال الصالحة، واهتموا بها قبل نزولها، كما روى ((بادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلوا)) فالمبادرة المسارعة بإدراك الشيء قبل فواته. أو بدفعه قبل وقوعه. وقوله: ((يصبح الرجل)) استئناف بيان لحال المشبه. وهو قوله: ((فتنا)) وقوله: ((يبيع دينه بعرض من الدنيا)) بيان للبيان.
((مظ)): فيه وجوه: أحدها: أن يكون بين الطائفتين من المسلمين قتال لمجرد العصبية والغضب. فيستحلون الدم والمال. وثانيها: أن تكون ولاة المسلمين ظلمة فيريقون دماء المسلمين، ويأخذون أموالهم بغير حق ويشربون الخمر فيعتقد بعض الناس أنهم على الحق، ويفتيهم بعض علماء السوء على جواز ما يفعلون من المحرمات. وثالثها: ما يجري بين الناس مما يخالف الشرع من المعاملات والمبايعات وغيرها فيستحلونها. والله أعلم.
الحديث السادس: عن أبي هريرة ﵁ قوله: ((من تشرف لها تستشرفه)) ((تو)): أي من تطلع لها دعته إلى الوقوع فيها. والتشرف: التطلع. واستعير هاهنا للإصابة بشرها أو أريد بها أنها تدعوه إلى زيادة النظر إليها، وقيل: إنه من استشرفت الشيء أي علوته، يريد من انتصب لها انتصبت له وبلته وصرعته. وقيل: هو من المخاطرة. والإشفاء على الهلاك أي من خاطر بنفسه فيها أهلكته.
стр. 2768
قال: ((تكون فتنة، النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي، فمن وجد ملجأ أو معاذاً فليستعذ به)).
٥٣٨٥ - وعن أبي بكرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتن، ألا ثم تكون فتنة، القاعد خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه)). فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: ((يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغت؟)) ثلاثا، فقال رجل يا رسول الله! أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين، فضربني رجل بسيفه أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال ((يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار)). رواه مسلم.
ــ
أقول: لعل الوجه الثالث أولى لما يظهر منه معنى اللام في ((لها)) وعليه كلام الفائق. وهو قوله: أي من غالبها غلبته.
الحديث السابع عن أبي بكرة ﵁: قوله: ((ألا ثم تكون فتنة)) فيه ثلاث مبالغات. أقحم حرف التنبيه بين المعطوف والمعطوف عليه لمزيد التنبيه لها. وعطف بـ ((ثم)) لتراخى مرتبة هذه الفتنة الخاصة تنبيها على عظمها. وهو لها على أنه من عطف الخاص على العام لاختصاصها بما يفارقها من سائرها، وأنها كالداهية الدهياء. نسأل الله العافية منها بفضله وعميم طوله.
قوله: ((من الساعي، إليها)) أي يجعلها غاية سعيه ومنتهى غرضه لا يرى مطلبا غيرها. ولام الغرض وإلى الغاية متقاربان معنى فحينئذ يستقيم التدرج والترقي من الماشي فيها إلى الساعي إليها. وقوله: ((فمن كان له إبل .. إلى آخره)) كناية عن الاعتزال عنها والاشتغال بخويصة نفسه. قال الشاعر:
إن السلامة من ليلى وجارتها أن لا تمر على حال بواديها
وقوله: ((يعمد إلى سيفه فيدق)) عبارة عن تجرده تجرداً تاماً. كأنه قيل: من لم يكن له ما يشتغل به من مهامه فلينج برأسه. و ((ثلاثا)) مصدر فعل محذوف. أي قال رسول الله ﷺ ثلاث مرات: اللهم! هل بلغت إلى عبادك ما أمرتني به أن أبلغه إليهم؟ قوله: ((يبوء بإثمه وإثمك)) فيه وجهان: أحدهما: أراد بمثل إثمك على الاتساع، أي يرجع بإثمه ومثل إثمك المقدر لو قتلته. وثانيهما: أراد بإثم قتلك على حذف المضاف، وإثمه السابق على القتل.
стр. 2769
٥٣٨٦ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن)). رواه البخاري.
٥٣٨٧ - وعن أسامة بن زيد، قال: أشرف النبي ﷺ على أطم من آطام المدينة، فقال: ((هل ترون ما أرى؟)) قالوا: لا، قال: ((فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع المطر)). متفق عليه.
٥٣٨٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش)). رواه البخاري.
ــ
الحديث الثامن عن أبي سعيد ﵁ قوله: ((يوشك أن يكون)) قال المالكي: ((يوشك)) أحد أفعال المقاربة يقتضي اسما مرفوعا، وخبرا منصوب المحل لا يكون إلا فعلا مضارعا مقرونا بـ ((أن)). ولا أعلم تجرده من ((أن)) إلا في قول الشاعر:
يوشك من فر من منيته في بعض غزاته يواقعها
وقد يسند إلى ((أن)) والفعل المضارع فيسد ذلك مسد اسمها وخبرها. وفي هذا الحديث شاهد على ذلك.
قوله ((غنم)) نكرة موصوفة هو اسم ((يكون)) والخبر قوله ((خير مال)) وهو معرفة فلا يجوز. اللهم إلا أن يراد بـ ((المسلم)) الجنس فلا تعيين فيه حينئذ. وفائدة التقديم أن المطلوب حينئذ الاعتزال وتحري الخير بأي وجه كان. وليس الكلام في الغنم ولذلك أخرها.
وقال المالكي: يجوز في ((خير وغنم)) رفعهما على الابتداء. و ((الخير)) في موضع نصب خبرا لـ ((يكون)) واسمه ضمير الشأن؛ لأنه كلام تضمن تحذيرا وتعظيما لما يتوقع وتقديم ضمير الشأن عليه مؤكد لمعناه. قوله: ((شعف الجبال)) ((نه)): شعف كل شيء أعلاه وجمعها شعاف. يريد به رأس كل جبل من الجبال. انتهى كلامه. والقطر عبارة عن العشب والكلأ. أي يتبع بها مواقع العشب والكلأ في شعاف الجبال.
الحديث التاسع عن أسامة ﵁: قوله: ((أطم)): ((نه)) هو بالضم بناء مرتفع وجمعه آطام قوله ((تقع)) يحتمل أن يكون مفعولا ثانيا. والأقرب إلى الذوق أن يكون حالا، والرؤية بمعنى النظر. أي كشف لي فأبصرها عيانا.
الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((على يدي غلمة)) أي أحداث السن
стр. 2770
٥٣٨٩ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يتقارب الزمان، ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج)). قالوا: وما الهرج؟ قال: ((القتل)). متفق عليه.
٥٣٩٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيم قتل؟ ولا المقتول فيم قتل؟)) فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: ((الهرج، القاتل والمقتول في النار)). رواه مسلم.
٥٣٩١ - وعن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : ((العبادة في الهرج كهجرة إلى)). رواه مسلم.
٥٣٩٢ - وعن الزبير بن عدي، قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقي من الحجاج. فقال: ((اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده أشر منه حتى تلقوا ربكم)). سمعته من نبيكم ﷺ . رواه البخاري.
ــ
الذين لا مبالاة لهم بأصحاب الوقار وذوي النهي. ((مظ)): لعله أريد بهم الذين كانوا بعد الخلفاء الراشدين، مثل: يزيد وعبد الملك بن مروان وغيرهما.
الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((يتقارب الزمان)) ((تو)): يريد به اقتراب الساعة. ويحتمل أنه أراد بذلك تقارب أهل الزمان بعضهم من بعض في الشر أو تقارب الزمان نفسه في الشر حتى يشبه أوله آخره. وقيل: بقصر أعمار أهله. ((قض)) يحتمل أن يكون المراد به أن تتسارع الدول إلى الانقضاء، والقرون إلى الانقراض، فيتقارب زمانهم وتتدانى أيامهم.
الحديث الثاني عشر عن أبي هريرة ﵁ قوله: ((القاتل والمقتول في النار)). ((مح)): أما القاتل فظاهر وأما المقتول؛ فإنه أراد قتل صاحبه. وفيه دلالة للمذهب الصحيح المشهور أن من نوى المعصية وأصر على النية يكون آثما، وإن لم يفعلها ولا تكلم بها.
الحديث الثالث عشر والرابع عشر عن الزبير قوله: ((أشر منه)). ((قض)): أخير وأشر أصلان متروكان لا يكادان يستعملان إلا نادراً. وإنما المتعارف في التفضيل خير وشر.
следующие страницы →