← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر)). قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: ((نعم؛ دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها)). قلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال ((هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا)). قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)). قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: ((فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة ــ أنه من ديني. ((شف)): تعرف منهم المنكر بأن يصدر المنكر عنهم، وتنكرهم خبر بمعنى الأمر، أي أنكر عليهم صدور المنكر عنهم. أقول: الوجه الأول راجع إلى معنى قوله: ((نعم، وفيه دخن)) أي تعرف فيهم الخير فتقبل والشر فتنكر فهو من المقابلة المعنوية والوجه الثاني راجع إلى قوله: ((يستنون بسنتي)) فالوجه أن يكون المعطوف والمعطوف عليه كلاهما في معنى الأمر. أي اعرف منهم ذلك وأنكر. والخطاب في ((تعرف)) و ((تنكر)) من الخطاب العام. ((مح)): قيل المراد بـ ((الخير)) بعد ((الشر)) أيام عمر بن عبد العزيز. والمراد بالشر بعد الخير الأمر بعده. ((شف)): ((دعاة على أبواب جهنم)) أي جماعة يدعون الناس إلى الضلالة، ويصدونهم عن الهدى بأنواع من التلبيس لإدخالهم إياه في جهنم دخولهم فيها، وجعل كل نوع من أنواع التلبيس بمنزلة باب من أبواب جهنم. ((نه)): ((من جلدتنا)) أي من أنفسنا وعشيرتنا. ((شف)): قيل: معناه من أهل ملتنا. ويتكلمون بما قال الله تعالى، وقال رسول الله ﷺ ، أي بالمواعظ والحكم. وما في قلوبهم شيء من الخير يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. ((تو)): ((ولو أن تعض بأصل شجرة)) أي تتمسك بما يصبرك وتقوي به عزيمتك على اعتزالهم، ولو بما لا يكاد يصح أن يكون متمسكا. أقول: هذا شرط يعقب به الكلام تتميما ومبالغة، أي اعتزال الناس اعتزالا لا غاية بعده، ولو قنعت فيه بعض أصل الشجرة افعل فإنه خير لك. و ((الجثمان)): الجسمان يقال: ما أحسن جثمان الرجل! وجسمانه أتى جسده. وقال الأصمعي: الجثمان الشخص والجثمان الجسم. وقوله: ((فاسمع وأطع)) جزاء الشرط، أتى لمزيد تقريره واهتمام بشأنه، وإلا فما قبل الشرط مما أغنى عنه. ((مح)): هذه الرواية في كتاب مسلم عن أبي سلام عن حذيفة. قال الدارقطني: هذا مرسل، لأن أبا سلام لم يسمع حذيفة. قال الشيخ محيي الدين: هو كما قال، لكن

стр. 2767

حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)). متفق عليه. وفي رواية لمسلم: قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال، قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان أنس)). قال حذيفة: قلت: كيف أصنع يا رسول الله! إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع الأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع)). ٥٣٨٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال: رسول الله ﷺ : ((بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويسمى كافراً، ويسمى مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا)). رواه مسلم. ٥٣٨٤ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذاً فليعذ به)). متفق عليه. وفي رواية لمسلم: ــ المتن صحيح متصل بالطريق الأول. وإنما أتى مسلم بهذا متابعة. والحديث المرسل إذا روى من آخر طريق متصلاً تبينا به صحة المرسل. جاز الاحتجاج به ويصير في المسألة حديثان صحيحان. الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بادروا بالأعمال)) أي سابقوا وقوع الفتن بالاشتغال بالأعمال الصالحة، واهتموا بها قبل نزولها، كما روى ((بادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلوا)) فالمبادرة المسارعة بإدراك الشيء قبل فواته. أو بدفعه قبل وقوعه. وقوله: ((يصبح الرجل)) استئناف بيان لحال المشبه. وهو قوله: ((فتنا)) وقوله: ((يبيع دينه بعرض من الدنيا)) بيان للبيان. ((مظ)): فيه وجوه: أحدها: أن يكون بين الطائفتين من المسلمين قتال لمجرد العصبية والغضب. فيستحلون الدم والمال. وثانيها: أن تكون ولاة المسلمين ظلمة فيريقون دماء المسلمين، ويأخذون أموالهم بغير حق ويشربون الخمر فيعتقد بعض الناس أنهم على الحق، ويفتيهم بعض علماء السوء على جواز ما يفعلون من المحرمات. وثالثها: ما يجري بين الناس مما يخالف الشرع من المعاملات والمبايعات وغيرها فيستحلونها. والله أعلم. الحديث السادس: عن أبي هريرة ﵁ قوله: ((من تشرف لها تستشرفه)) ((تو)): أي من تطلع لها دعته إلى الوقوع فيها. والتشرف: التطلع. واستعير هاهنا للإصابة بشرها أو أريد بها أنها تدعوه إلى زيادة النظر إليها، وقيل: إنه من استشرفت الشيء أي علوته، يريد من انتصب لها انتصبت له وبلته وصرعته. وقيل: هو من المخاطرة. والإشفاء على الهلاك أي من خاطر بنفسه فيها أهلكته.

стр. 2768

قال: ((تكون فتنة، النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي، فمن وجد ملجأ أو معاذاً فليستعذ به)). ٥٣٨٥ - وعن أبي بكرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتن، ألا ثم تكون فتنة، القاعد خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه)). فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: ((يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغت؟)) ثلاثا، فقال رجل يا رسول الله! أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين، فضربني رجل بسيفه أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال ((يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار)). رواه مسلم. ــ أقول: لعل الوجه الثالث أولى لما يظهر منه معنى اللام في ((لها)) وعليه كلام الفائق. وهو قوله: أي من غالبها غلبته. الحديث السابع عن أبي بكرة ﵁: قوله: ((ألا ثم تكون فتنة)) فيه ثلاث مبالغات. أقحم حرف التنبيه بين المعطوف والمعطوف عليه لمزيد التنبيه لها. وعطف بـ ((ثم)) لتراخى مرتبة هذه الفتنة الخاصة تنبيها على عظمها. وهو لها على أنه من عطف الخاص على العام لاختصاصها بما يفارقها من سائرها، وأنها كالداهية الدهياء. نسأل الله العافية منها بفضله وعميم طوله. قوله: ((من الساعي، إليها)) أي يجعلها غاية سعيه ومنتهى غرضه لا يرى مطلبا غيرها. ولام الغرض وإلى الغاية متقاربان معنى فحينئذ يستقيم التدرج والترقي من الماشي فيها إلى الساعي إليها. وقوله: ((فمن كان له إبل .. إلى آخره)) كناية عن الاعتزال عنها والاشتغال بخويصة نفسه. قال الشاعر: إن السلامة من ليلى وجارتها أن لا تمر على حال بواديها وقوله: ((يعمد إلى سيفه فيدق)) عبارة عن تجرده تجرداً تاماً. كأنه قيل: من لم يكن له ما يشتغل به من مهامه فلينج برأسه. و ((ثلاثا)) مصدر فعل محذوف. أي قال رسول الله ﷺ ثلاث مرات: اللهم! هل بلغت إلى عبادك ما أمرتني به أن أبلغه إليهم؟ قوله: ((يبوء بإثمه وإثمك)) فيه وجهان: أحدهما: أراد بمثل إثمك على الاتساع، أي يرجع بإثمه ومثل إثمك المقدر لو قتلته. وثانيهما: أراد بإثم قتلك على حذف المضاف، وإثمه السابق على القتل.

стр. 2769

٥٣٨٦ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن)). رواه البخاري. ٥٣٨٧ - وعن أسامة بن زيد، قال: أشرف النبي ﷺ على أطم من آطام المدينة، فقال: ((هل ترون ما أرى؟)) قالوا: لا، قال: ((فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع المطر)). متفق عليه. ٥٣٨٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش)). رواه البخاري. ــ الحديث الثامن عن أبي سعيد ﵁ قوله: ((يوشك أن يكون)) قال المالكي: ((يوشك)) أحد أفعال المقاربة يقتضي اسما مرفوعا، وخبرا منصوب المحل لا يكون إلا فعلا مضارعا مقرونا بـ ((أن)). ولا أعلم تجرده من ((أن)) إلا في قول الشاعر: يوشك من فر من منيته في بعض غزاته يواقعها وقد يسند إلى ((أن)) والفعل المضارع فيسد ذلك مسد اسمها وخبرها. وفي هذا الحديث شاهد على ذلك. قوله ((غنم)) نكرة موصوفة هو اسم ((يكون)) والخبر قوله ((خير مال)) وهو معرفة فلا يجوز. اللهم إلا أن يراد بـ ((المسلم)) الجنس فلا تعيين فيه حينئذ. وفائدة التقديم أن المطلوب حينئذ الاعتزال وتحري الخير بأي وجه كان. وليس الكلام في الغنم ولذلك أخرها. وقال المالكي: يجوز في ((خير وغنم)) رفعهما على الابتداء. و ((الخير)) في موضع نصب خبرا لـ ((يكون)) واسمه ضمير الشأن؛ لأنه كلام تضمن تحذيرا وتعظيما لما يتوقع وتقديم ضمير الشأن عليه مؤكد لمعناه. قوله: ((شعف الجبال)) ((نه)): شعف كل شيء أعلاه وجمعها شعاف. يريد به رأس كل جبل من الجبال. انتهى كلامه. والقطر عبارة عن العشب والكلأ. أي يتبع بها مواقع العشب والكلأ في شعاف الجبال. الحديث التاسع عن أسامة ﵁: قوله: ((أطم)): ((نه)) هو بالضم بناء مرتفع وجمعه آطام قوله ((تقع)) يحتمل أن يكون مفعولا ثانيا. والأقرب إلى الذوق أن يكون حالا، والرؤية بمعنى النظر. أي كشف لي فأبصرها عيانا. الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((على يدي غلمة)) أي أحداث السن

стр. 2770

٥٣٨٩ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يتقارب الزمان، ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج)). قالوا: وما الهرج؟ قال: ((القتل)). متفق عليه. ٥٣٩٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيم قتل؟ ولا المقتول فيم قتل؟)) فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: ((الهرج، القاتل والمقتول في النار)). رواه مسلم. ٥٣٩١ - وعن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : ((العبادة في الهرج كهجرة إلى)). رواه مسلم. ٥٣٩٢ - وعن الزبير بن عدي، قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقي من الحجاج. فقال: ((اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده أشر منه حتى تلقوا ربكم)). سمعته من نبيكم ﷺ . رواه البخاري. ــ الذين لا مبالاة لهم بأصحاب الوقار وذوي النهي. ((مظ)): لعله أريد بهم الذين كانوا بعد الخلفاء الراشدين، مثل: يزيد وعبد الملك بن مروان وغيرهما. الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((يتقارب الزمان)) ((تو)): يريد به اقتراب الساعة. ويحتمل أنه أراد بذلك تقارب أهل الزمان بعضهم من بعض في الشر أو تقارب الزمان نفسه في الشر حتى يشبه أوله آخره. وقيل: بقصر أعمار أهله. ((قض)) يحتمل أن يكون المراد به أن تتسارع الدول إلى الانقضاء، والقرون إلى الانقراض، فيتقارب زمانهم وتتدانى أيامهم. الحديث الثاني عشر عن أبي هريرة ﵁ قوله: ((القاتل والمقتول في النار)). ((مح)): أما القاتل فظاهر وأما المقتول؛ فإنه أراد قتل صاحبه. وفيه دلالة للمذهب الصحيح المشهور أن من نوى المعصية وأصر على النية يكون آثما، وإن لم يفعلها ولا تكلم بها. الحديث الثالث عشر والرابع عشر عن الزبير قوله: ((أشر منه)). ((قض)): أخير وأشر أصلان متروكان لا يكادان يستعملان إلا نادراً. وإنما المتعارف في التفضيل خير وشر.

стр. 2771

الفصل الثاني ٥٣٩٣ - عن حذيفة، قال: والله ما أدرى أنسى أصحابي أم تناسوا؟ والله ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعداً وإلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته. رواه أبو داود. [٥٣٩٣] ٥٣٩٤ - وعن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة)). رواه أبو داود، والترمذي. [٥٣٩٤] ٥٣٩٥ - وعن سفينة، قال: سمعت النبي ﷺ يقول ((الخلافة ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً)). ثم يقول سفينة: أمسك خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشرة، وعثمان اثنتي عشرة، وعلي ستة. رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود. [٥٣٩٥] ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن حذيفة ﵁ قوله: ((يبلغ من معه)) الجملة في موضع الجر صفة ((قائد)) تقديره يبلغ مع قائد الفتن المبلغ المذكور. ((مظ)): أراد بـ ((قائد الفتنة)) من يحدث بسببه بدعة أو ضلالة أو محاربة: كعالم مبتدع يأمر الناس بالبدعة، أو أمير جائر يحارب المسلمين انتهى كلامه. وقوله ((إلى أن تنقضي الدنيا)) متعلق بمحذوف، أي ما ترك رسول الله ﷺ ذكر قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا مهملا، لكن قد سماه فالاستثناء منقطع. الحديث الثاني عن ثوبان ﵁ قوله: ((وإذا وضع السيف)) عطف على قوله: ((إنما أخاف)) على سبيل حصول الجملتين، وتفويض ترتب الثانية على الأولى إلى ذهن السامع، كأنه قيل: أخاف على أمتي من شر الأئمة المضلين، وإضلالهم الذي يؤدي إلى الفتنة والمرج، والهرج، وهيج الحروب ووضع السيف بينهم، فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع .. إلخ. الحديث الثالث عن سفينة: قوله: ((الخلافة ثلاثون سنة)). ((حس)): يعني أن الخلافة حق الخلافة إنما هي للذين صدقوا هذا الاسم بأعمالهم، وتمسكوا بسنة رسول الله ﷺ من بعده. فإذا خالفوا السنة وبدلوا السيرة فهم حينئذ ملوك، وإن كان أساميهم الخلفاء. ولا بأس أن يسمى

стр. 2772

٥٣٩٦ - وعن حذيفة، قال: قلت: يا رسول الله! أيكون بعد هذا الخير شر كما كان قبله شر؟ قال ((نعم)) قلت: فما العصمة؟ قال ((السيف)) قلت: وهل بعد السيف بقية؟ قال ((نعم، تكون إمارة على أقذاء، وهدنة على دخن)). قلت ثم ماذا؟ قال: ((ثم ينشأ دعاة الضلال، فإن كان لله في الأرض خليفة جلد ظهرك، وأخذ مالك، فأطعه، وإلا فمت وأنت عاض على جذل شجرة)). ــ القائم بأمور المسلمين ((أمر المؤمنين))، وإن كان مخالفا لبعض سير أئمة العدل لقيامه بأمر المؤمنين. ويسمى خليفة؛ لأنه خلف الماضي قبله وقام مقامه. ولا يسمى أحد خليفة الله بعد آدم وداود ﵉. وروى أن رجلا قال لأبي بكر يا خليفة الله! فقال أنا خليفة محمد، وأنا راض بذلك، وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: يا خليفة الله! فقال: ويحك! لقد تناولت متناولا، إن أمي سمتني عمر، فلو دعوتني بهذا الاسم قبلت ثم وليتموني أموركم فسميتموني أمير المؤمنين فلو دعوتني بذلك كفاك. قوله: ((ثم يقول سفينة: أمسك)) أي يقول لراويه عد مدة الخلافة. أقول لعل الوجه أن يقال: أمسك أي اضبط الحساب عاقدا أصابعك، حتى يكون ((أمسك)) محمولا على أصله. الحديث الرابع عن حذيفة ﵁ قوله: ((فما العصمة؟)) أي فما العصمة عن الوقوع في ذلك الشر. ((قال: السيف)) أي تحصل العصمة باستعمال السيف. حمل قتادة هذا على أهل الردة الذين كانوا في زمن الصديق ﵁. قوله ((إمارة على أقذاء)). ((نه)) الأقذاء جمع قذا والقذى جمع قذاة. وهو ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو نتن أو وسخ أو غير ذلك. أراد أن اجتماعهم يكون على فساد في قلوبهم. فشبهه بقذى العين والماء والشرب. ((قض)) أي أمارة مشوبة بشيء من البدع وارتكاب المناهي، وصلح مع خداع وخيانة ونفاق. قوله: ((وهدنة على دخن)). ((فا)) هدن سكن. يقال: هدن يهدن هدونا ومهدنا ومهدنة. وضربه مثلا لما بينهم من الفساد الباطن تحت الصلاح الظاهر. قوله ((وإلا فمت وأنت عاض)). ((قض)) أي إن لم يكن لله في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على مضض الزمان، والتحمل لمشاقه وشدائده، وعض جذل الشجر وهو أصله كناية عن مكابدة الشدائد من قولهم: فلان يعض بالحجارة لشدة الألم. ويحتمل أن يكون المراد منه أن ينقطع عن الناس ويتبوأ أجمة. ويلزم أصل شجرة إلى أن يموت أو ينقلب الأمر من قولهم عض الرجل بصاحبه إذا لزمه ولصق به. ومنه: ((عضوا عليها بالنواجذ)). وقيل: هذا الجملة قسيم قوله: ((فأطعه)) ومعناه إن لم تطعه أدتك المخالفة إلى ما لا تستطيع أن

стр. 2773

قلت: ثم ماذا؟ قال ((ثم يخرج الدجال بعد ذلك، معه نهر ونار، فمن وقع في ناره؛ وجب أجره، وحط وزره. ومن وقع في نهره، وجب وزره، وحط أجره)). قال: قلت: ثم ماذا؟ قال ((ثم ينتج المهر فلا يركب حتى تقوم الساعة)) وفي رواية: قال: ((هدنة على دخن، وجماعة على أقذاء)). قلت: يا رسول الله! الهدنة على الدخن ما هي؟ قال: ((لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه)). قلت: بعد هذا الخير شر؟ قال: ((فتنة عمياء صماء، عليها دعاة على أبواب النار، فإن مت يا حذيفة! وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحداً منهم)). رواه أبو داود. [٥٣٩٦] ٥٣٩٧ - وعن أبي ذر، قال: كنت رديفاً خلف رسول الله ﷺ يوماً على ــ تصبر عليه. ويدل على المعنى الأول، قوله في الرواية الأخرى: ((فتنة عمياء صماء، عليها دعاة على أبواب النار. فإن مت يا حذيفة! وأنت عاض على جذل، خير لك من أن تتبع أحدا منهم)). أقول: على الوجه الأول لفظه خبر ومعناه الأمر. وهو قسيم لقوله: ((فإن كان لله في الأرض خليفة)). وعلى الثاني هو مسبب من قوله: ((فأطعه)). قوله ((ثم ينتج المهر فلا يركب)). ((تو)): ينتج من النتج لا من النتاج ولا من الإنتاج. يقال: نتجت الفرس أو الناقة على بناء ما لم يسم فاعله نتاجا. ونتجها أهلها نتجا. والإنتاج أقرب ولادها. وقيل: استبانة حملها. وقوله ((فلا يركب)) بكسر الكاف من قولهم اركب المهر إذا حان وقت ركوبه. قوله ((فتنة عمياء صماء)). ((قض)) والمراد بكونها عمياء صماء أن تكون بحيث لا يرى منها مخرج ولا يوجد دونها مستغاثا، أو أن يقع فيها الناس على غرة من غير بصيرة فيعمون فيها ويصمون عن تأمل الحق واستماع النصح. أقول: الوجه الأول من الاستعارة المكنية شبه الفتنة في كونها لا مخرج عنها ولا مستغاث منها بامرأة عمياء صماء. ثم نسب إليها ما هي من لوازم المشبه به. والوجه الثاني من الإسناد المجازي؛ لأن الفتنة ليست عمياء صماء بل صاحبها هو الأعمى والأصم. فأسند إليها لكونها سببا فيهما. ووصف الصاحب بالعمى والصمم أيضا ليس على الحقيقة؛ لأن المراد منه صممه عن استماع الحق وعماه عن النظر إلى الدلائل. الحديث الخامس عن أبي ذر ﵁ قوله: ((خلف رسول الله ﷺ ) ظرف، وقع صفة

стр. 2774

حمار، فلما جاوزنا بيوت المدينة، قال ((كيف بك يا أبا ذر! إذا كان بالمدينة جوع تقوم عن فراشك ولا تبلغ مسجدك حتى يجهدك الجوع؟)) قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ((تعفف يا أبا ذر!)). قال: ((كيف بك يا أيا ذر! إذا كان بالمدينة موت يبلغ البيت العبد حتى إنه يباع القبر بالعبد؟)). قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال ((تصبر يا أبا ذر!)). قال ((كيف بك يا أيا ذر! إذا كان بالمدينة قتل تغمر الدماء أحجار الزيت؟)) قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال ((تأتي من أنت منه)). قال: قلت: ــ مؤكدة لـ ((رديفاً)). قوله ((تعفف)) ((نه)): هو الكف عن الحرام والسؤال من الناس. والمراد بـ ((البيت)) هاهنا القبر. وأراد أن مواضع القبور تضيق فيبتاعون موضع كل قبر بعبد. ((تو)): وفيه نظر؛ لأن الموت وإن استمر بالأحياء وفشا فيهم كل الفشو، لم ينته بهم إلى ذلك. وقد وسع الله عليهم الأمكنة. انتهى كلامه. وأجيب بأن المراد بمواضع القبور الجبانة المعهودة وقد جرت العادة بأنهم لا يتجاوزون عنها. ((حس)): قيل: معناه أن الناس يشتغلون عن دفن الموتى لما هم فيه، حتى لا يوجد من يحفر قبر الميت فيدفنه إلا أن يعطي عبداً أو قيمة عبد. وقيل: معناه أن لا يبقى في كل بيت كان فيه كثير من الناس إلا عبد يقوم بمصالح ضعفة أهل ذلك البيت. ((مظ)): يعني يكون البيت رخيصاً فيباع بيت بعبد. أقول: وعلى الوجهين الأخيرين لا يحسن موقع ((حتى)) حسنها على الوجهين الأولين. ((خط)): قد يحتج بهذا الحديث من يذهب إلى وجوب قطع النباش. وذلك أن النبي ﷺ سمى القبر بيتا، فدل على أنه حزر كالبيوت. قوله: ((أحجار الزيت)) ((تو)) هي من الحرة التي كانت بها الوقعة زمن يزيد. والأمير على تلك الجيوش العاتية مسلم بن عقبة المري المستبيح لحرم رسول الله ﷺ . وكان نزوله بعسكره في الحرة الغربية من المدينة، فاستباح حرمتها وقتل رجالها، وعاث فيها ثلاثة أيام. وقيل: خمسة. فلا جرم أنه انماع كما ينماع الملح في الماء، ولم يلبث أن أدركه الموت وهو بين الحرمين وخسر هنالك المبطلون. قوله: ((تأتي من أنت منه)) خبر في معنى الأمر. ((قض)) أي ارجع إلى من أنت جئت منه، وخرجت من عنده. يعني أهلك وعشيرتك. أقول: ولا يطابق على هذا سؤاله بقوله ((وألبس السلاح؟)) والظاهر أن يقال: أن ترجع إلى إمامك ومن بايعته، فحينئذ له أن يقول: وألبس السلاح وأقاتل معه؟. فقال: لا. أي:

стр. 2775

وألبس السلاح؟ قال: ((شاركت القوم إذا)). قلت: فكيف أصنع يا رسول الله؟ قال: ((إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ناحية ثوبك على وجهك ليبوء بإثمك وإثمه)). رواه أبو داود. [٥٣٩٧] ٥٣٩٨ - وعن عبد الله بن عمر بن العاص، أن النبي ﷺ قال: ((كيف بك إذا أبقيت في حثالة من الناس مرجت عهودهم وأماناتهم؟ واختلفوا فكانوا هكذا؟)) وشبك بين أصابعه. قال: فبم تأمرني؟ قال ((عليك بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، وإياك وعوامهم)). وفي رواية: ((ألزم بيتك، واملك عليك لسانك؛ وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك ودع أمر العامة)) .. رواه الترمذي، وصححه. [٥٣٩٨] ــ كن معه ولا تقاتل؛ ولذلك عقبه بقوله: ((إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف)) وهو كناية عن سلامة نفسه لمن يقصده فيقتله. يدل عليه قوله ((ليبوء بإثمك وإثمه)) ونظيره: قوله في حديث أبي بكرة في الفصل الأول: ((إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى احد الصفين)) إلى قوله: ((يبوء بإثمه وإثمك)) كما قال هاهنا: ((فألق ناحية ثوبك على وجهك ليبوء بإثمك وإثمه)) فإنه كناية عن التسليم. قيل: وهذا الكلام زجر منه ﷺ [للسعي] على كثرة إراقة الدماء وإلا فمن المعلوم من أصل الشرع أن دفع الخصم واجب. الحديث السادس عن عبد الله: قوله: ((كيف بك؟)) مبتدأ وخبر. والباء زائدة في المبتدأ أي كيف أنت أي حالك؟. ((نه))؛ ((الحثالة)) الرديء من كل شيء. ومنه حثالة التمر والأرز والشعير وكل ذي قشر. قوله: ((مرجت عهودهم)) ((تو)): أي اختلطت وفسدت فقلت فيهم أسباب الديانات. وقوله: ((هكذا، وشبك بين أصابعه)) أي يموج بعضهم في بعض ويلتبس أمر دينهم، فلا يعرف الأمين من الخائن ولا البر من الفاجر. قوله ((عليك بما تعرف)) أي ألزم وافعل ما تعرف كونه حقا، واترك ما تنكر أنه حق. ((مظ)): ((وعليك بخاصة نفسك)) أي ألزم. أمر نفسك وأحفظ دينك، واترك الناس ولا تتبعهم. وهذا رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كثر الأشرار وضعف الأخيار. والإملاك: السد والإحكام، يعني سد لسانك، ولا تتكلم في أحوال الناس كيلا يؤذوك.

стр. 2776

٥٣٩٩ - وعن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، أنه قال: إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويسمى مؤمناً ويصبح كافراً، القاعد فيها خير من القائم، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا فيها قسيكم، وقطعوا فيها أوتاركم، واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن دخل على أحد منكم فليكن كخير ابني آدم))., رواه أبو داود. وفي رواية له: ذكر إلى قوله ((خير من الساعي)). ثم قالوا: فما تأمرنا؟ قال ((كونوا أحلاس بيوتكم)). وفي رواية الترمذي: أن رسول الله ﷺ قال في الفتنة ((كسروا فيها قسيكم، وقطعوا فيها أوتاركم، والزموا فيها أجواف بيوتكم، وكونوا كابن آدم)). وقال هذا حديث صحيح غريب. [٥٣٩٩] ٥٤٠٠ - وعن أم مالك البهزية، قالت ذكر رسول الله فتنة فقربها قلت: يا رسول الله! من خير الناس فيها؟ قال: ((رجل في ماشيته يؤدي حقها، ويعبد ربه، وجل آخذ برأس فرسه يخيف العدو ويخوفونه)). رواه الترمذي. [٥٤٠٠] ٥٤٠١ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ستكون فتنة ــ الحديث السابع عن أبي موسى ﵁: قوله: ((إن بين يدي الساعة)) يريد بذلك التباسها وفظاعتها وشيوعها واستمرارها. قوله ((كخير ابني آدم) ٩ يعني فليستسلم حتى يكون مقتولا كهابيل، ولا تكن قاتلا كقابيل، وأحلاس البيوت ما يبسط تحت حر الثياب، فلا تزال ملقاة تحتها. الحديث الثامن عن أم مالك: قوله: ((فقربها)). ((شف)): معناه وصفها للصحابة وصفا بليغاً؛ فإن من وصف عند أحد وصفاً بليغاً فكأنه قرب ذلك الشيء إليه. قوله ((يخيف العدو)) أي يرتبط في بعض ثغور المسلمين يخيف الكفار ويخوفونه. ((مظ)): يعني رجل هرب من الفتن وقتال المسلمين، وقصد الكفار يحاربهم ويحاربونه. الحديث التاسع عند عبد الله قوله ((تستنظف العرب)) ((نه)) أي تستوعبهم هلاكاً يقال: استنظفت الشيء إذا أخذته كله. ومنه قولهم: استنظفت الخراج، ولا يقال: نظفته. قوله ((قتلاها في النار)) مبتدأ وخبر. ((قض)): والمراد بـ ((قتلاها)) من قتل في تلك الفتنة. وإنما هم

стр. 2777

تستنظف العرب، قتلاها في النار، اللسان فيها أشد من وقع السيف)). رواه الترمذي، وابن ماجه. [٥٤٠١] ــ من أهل النار؛ لأنهم ما قصدوا بتلك المقاتلة والخروج إليها إعلاء دين، أو دفع ظالم أو إعانة حق. وإنما كان قصدهم التباغي والتشاجر طمعا في المال والملك. قوله: ((اللسان فيها أشد)) أي القول والتكلم فيها إطلاقا للمحل وإرادة الحال ((مظ)). يحتمل هذا احتمالين: أحدهما: أن من ذكر أهل تلك الحرب بسوء يكون كمن حاربهم، لأنهم مسلمون. وغيبة المسلمين إثم. ولعل المراد بهذه الفتنة: الحرب التي وقعت بين أمير المؤمنين علي ﵁ وبين معاوية ﵁. ولا شك أن من ذكر أحدا من هذين الصدرين وأصحابهما يكون مبتداعا؛ لأن أكثرهم كانوا أصحاب رسول الله ﷺ . والثاني: أن المراد به أن من مد لسانه فيهم بشتم أو غيبة يقصدونه بالضرب والقتل. ويفعلون به ما يفعلون بمن حاربهم. أقول: ويؤيد قوله: ولعل المراد بهذه الفتنة .. إلخ. ما روينا عن الأحنف بن قيس: قال: خرجت وأنا أريد هذا الرجل فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد؟ يا أحنف! قلت أريد نصر ابن عم رسول الله ﷺ قال: فقال يا أحنف! ارجع؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا توجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار)) قال: فقلت يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ فقال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه)). متفق عليه. وأما قوله: ((قتلاها في النار)) فللزجر والتوبيخ والتغليظ عليهم. وأما كف الألسنة عن الطعن فيهم؛ فإن كلا منهم مجتهد. وإن كان علي ﵁ مصيباً، فلا يجوز الطعن فيهما. والأسلم للمؤمنين أن لا يخوضوا في أمرهما. قال عمر بن عبد العزيز تلك دماء طهر الله أيدينا منها. فلا نلوث ألسنتنا بها. ((مح)): كان بعضهم مصيباً وبعضهم مخطئاً معذوراً في الخطأ؛ لأنه بالاجتهاد والمجتهد إذا أخطأ فلا إثم عليه. وإن كان علي ﵁ هو المحق المصيب في تلك الحروب. هذا مذهب أهل السنة. وكانت القضايا مشتبهة حتى كان جماعة من الصحابة تحيروا فيها، فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا. ولم تيقنوا الصواب لم يتأخروا عن مساعدته.

стр. 2778

٥٤٠٢ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((ستكون فتنة صماء بكماء عمياء، من أشرف لها استشرفت له، وإشراف اللسان فيها كوقوع السيف)) رواه أبو داود. [٥٤٠٢] ٥٤٠٣ - وعن عبد الله بن عمر، قال: كنا قعوداً عند النبي ﷺ فذكر الفتن، فأكثر في ذكرها، حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: وما فتنة الأحلاس؟ قال: ((هي هرب وحرب))، ثم فتنة السراء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي، يزعم أنه مني وليس مني، إنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع، ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحداً من هذه الأمة إلا لطمته لطمة، فإذا قيل: انقضت ــ الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله ((إشراف اللسان)) أي إطالة اللسان. ومعنى هذا مثل معنى قوله ((اللسان فيها أشد من وقع السيف)) على ما سبق. الحديث الحادي عشر عن عبد الله ﵁: قوله ((فتنة الأحلاس)). ((نه)): الأحلاس جمع حلس، وهو الكساء الذي على ظهر البعير تحت القتب، شبهها به للزومها ودوامها. والحرب – بالتحريك – نهب مال الإنسان وتركه لا شيء له. قوله ((فتنة السراء)) مبتدأ وخبره الجملة بعده، والجملة معطوفة على ((فتنة الأحلاس)) من حيث المعنى. أي قال فتنة الأحلاس هرب وحرب. ثم قال: و ((فتنة السراء دخنها)) كذا .. وقوله: ((لا تدع)) خبر لـ ((فتنة الدهيماء)) والجملة عطف على ما قبلها. ((تو)) يحتمل أن يكون سبب وقوع الناس في تلك الفتنة وابتلائهم بها أثر النعمة. فأضيفت إلى ((السراء)) ويحتمل أن يكون صفة لـ ((فتنة)) فأضيفت إليها إضافة مسجد الجامع ويراد منها سعتها لكثرة الشرور والمفاسد. ومن ذلك قولهم قناة سراء، إذا كانت وسعة. وقوله: ((دخنها)) أي إثارتها وهيجانها شبهها بالدخان الذي يرتفع. وإنما قال: ((من تحت قدمي رجل)) تنبيها على أنه هو الذي يسعى في إثارتها، أو إلى أنه يملك أمرها. قوله ((كورك على ضلع)). ((نه)): أي يصطلحون على رجل لا نظام له ولا استقامة؛ لأن الورك لا يستقيم على الضلع. ولا يتركب عليه لاختلاف ما بينهما وبعده. ((حس)): معناه: الأمر الذي لا يثبت ولا يستقيم. وذلك لان الضلع لا يقوم بالورك ولا يحمله. وإنما يقال في باب الملاءمة والموافقة إذا وصفوا هو ككف في ساعد وساعد في ذراع ونحو ذلك. يريد أن هذا الرجل غير خليق للملك ولا مستقل به. قوله ((ثم فتنة الدهيماء)). ((نه)): هي تصغير الدهماء يريد الفتنة المظلمة، والتصغير فيها للتعظيم. وقيل: أراد بـ ((الدهيماء)) الداهية. ومن أسماء الداهية: الدهيم. زعموا أن الدهيم اسم

стр. 2779

تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه. فإذا كان ذلك فانتظروا الدجال من يومه أو من غده)) رواه أبو داود. [٥٤٠٣] ٥٤٠٤ - وعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: ((ويل للعرب من شر قد اقترب، أفلح من كف يده)). رواه أبو داود. [٥٤٠٤] ٥٤٠٥ - وعن المقداد بن الأسود، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن؛ ولمن ابتلي فصبر فواها)) رواه أبو داود. [٥٤٠٥] ــ ناقة غزا عليها سبعة إخوة، فقتلوا عن آخرهم وحملوا عليها .. حتى رجعت بهم، فصارت مثلا في كل داهية. واللطم هو الضرب بالكف. أقول: وهو استعارة مكنية. شبه الفتنة بإنسان ثم خيل لإصابتها الناس اللطم الذي هو من لوازم المشبه به، وجعلها قرينة لها. و ((الفسطاط)) – بالضم والكسر – المدينة التي فيها مجتمع الناس، وكل مدينة فسطاط. وإضافة الفسطاط إلى الإيمان. إما بجعل المؤمنين نفس الإيمان مبالغة وإما بجعل الفسطاط مستعارا للكنف والوقاية على المصرحة. أي هم في كنف الإيمان ووقايته. الحديث الثاني عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله ((من شر قد اقترب)) أراد به الاختلاف الذي ظهر بين المسلمين، من وقعة عثمان ﵁ وما وقع بين علي ﵁ ومعاوية. الحديث الثالث عشر عن المقداد ﵁ قوله: ((فواها)) اسم صوت وضع موضع المصدر وسد مسد فعله. ((نه)): قيل معنى هذا التلهف. وقد يوضع موضع الإعجاب بالشيء. يقال: واها له. وقد يرد بمعنى التوجع. وقيل: يقال في التوجع: آهاً له. انتهى كلامه. ويجوز أن يكون ((فواهاً)) خبرا لـ ((من)) على أن اللام مكسورة، والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، فعلى هذا فيه معنى التعجب. أي من ابتلي وصبر فطوبى له، وأن لا يكون خبرا على أن اللام مفتوحة. ويكون قوله: ((ولمن ابتلي)) عطفا على قوله ((لمن جنب الفتن)) فعلى هذا ((واها)) للتلهف والتحسر. أي فواها على ما باشرها وسعى فيها.

стр. 2780

٥٤٠٦ - وعن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ ((إذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان، وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي الله، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله)) رواه أبو داود. [٥٤٠٦] ٥٤٠٧ - وعن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: ((تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أوست وثلاثين أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن ــ الحديث الرابع عشر عن ثوبان ﵁: قوله: ((على الحق)) خبر لقوله ((لا يزال)) أي ثابتين على الحق. وقوله: ((ظاهرين)) يجوز أن يكون خبرا بعد خبر. وأن يكون حالا من ضمير الفاعل في ثابتين أي ثابتين على الحق في حال كونهم غالبين على العدو. الحديث الخامس عشر عن عبد الله قوله: ((تدور رحى الإسلام)) ((قض)): دوران الرحى كناية عن الحرب والقتال شبهها بالرحى الدوارة التي تطحن الحب لما يكون فيها من تلف الأرواح وهلاك الأنفس. قال الشاعر: فدارت رحانا واستدارت رحاهم ((تو)) إنهم يكنون عن اشتداد الحرب بدوران الرحى، ويقولون: دارت رحى الحرب، أي استتب أمرها ولم نجدهم استعملوا دوران الرحى في أمر الحرب من غير جريان ذكرها والإشارة إليها. وفي هذا الحديث لم يذكر الحرب. وإنما قال: ((رحى الإسلام)). فالأشبه أنه أراد بذلك أن الإسلام يستتب أمره ويدوم على ما كان عليه المدة المذكورة في الحديث. ويصح أن يستعار دوران الرحى في الأمر الذي يقوم لصاحبه ويستمر له، فإن الرحى توجد على نعت الكمال ما دامت دائرة مستمرة. ويقال: فلان صاحب دارتهم إذا كان أمرهم يدور عليه. ورحى الغيث: معظمه. ويؤيد ما ذهبنا إليه ما رواه الحربي في بعض طرقه: ((تزول رحى الإسلام)) مكان ((تدور)) ثم قال: كأن ((تزول)) أقرب؛ لأنها تزول عن ثبوتها واستقرارها. وأشار بـ ((السنين الثلاث)) إلى الفتن الثلاث. مقتل عثمان ﵁ وكان سنة خمس وثلاثين. وحرب الجمل وكانت سنة ست، وحرب صفين وكانت سنة سبع، فإنها كانت متتابعة في تلك الأعوام الثلاثة. قوله: ((فإن يهلكوا فسبيل من هلك)) أي فسبيلهم سبيل من قد هلك من القرون السالفة.

стр. 2781

يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاماً)). قلت: أمما بقي أو مما مضى؟ قال ((مما مضى)). رواه أبو داود. [٥٤٠٧] ــ قوله: ((وإن يقم لهم دينهم)) قال الخطابي: أراد بالدين الملك. وأنشد قول زهير: لئن حللت بحر في بني أسد في دين عمرو وحالت بيننا فدك قال: ويشبه أن يكون أراد بهذا ملك بني أمية وانتقاله عنهم إلى بني العباس. وكان ما بين استقرار الملك لبني أمية إلى أن ظهرت الدعاة بخراسان، وضعف أمر بني أمية ودخل الوهن فيه نحواً من سبعين سنة. ويرحم الله أيا سليمان! فإنه لو تأمل الحديث كل التأمل وبني التأويل على سياقه، لعلم أن النبي ﷺ لم يرد بذلك ملك بني أمية دون غيرهم من الأمة. بل أراد به استقامة أمر الأمة في طاعة الولاة وإقامة الحدود والأحكام وجعل المبدأ فيه أول زمان الهجرة، وأخبرهم أنهم يلبثون على ما هم عليه خمسا وثلاثين سنة، أو ستا وثلاثين أو سبعا وثلاثين. ثم يشقون عصا الخلاف فتفترق كلمتهم. فإن هلكوا فسبيلهم سبيل من قد هلك قبلهم. وإن عاد أمرهم إلى ما كان عليه من إيثار الطاعة ونصرة الحق يتم لهم ذلك إلى تمام السبعين. هذا مقتضى اللفظ. ولو اقتضى اللفظ أيضا غير ذلك لم يستقم لهم ذلك القول؛ فإن الملك في بعض أيام العباسية لم يكن أقل استقامة في أيام المروانية، مع أن بقية الحديث تنقض كل تأويل يخالف تأويلنا هذا. وهي قول ابن مسعود: قلت: يا رسول الله! أمما بقي أو مما مضى؟ يريد أن السبعين تتم لهم مستأنفة بعد خمس وثلاثين، أم تدخل الأعوام المذكورة في جملتها؟ قال: مما مضى، يعني يقوم لهم أمر دينهم إلى تمام سبعين سنة من أول دولة الإسلام، لا من انقضاء خمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين إلى انقضاء سبعين. وفي جامع الأصول: قيل: إن الإسلام عند قيام أمره على سنن الاستقامة والبعد من إحداثات الظلمة إلى أن تنقضي مدة خمس وثلاثين سنة. ووجهه أن يكون قد قاله. وقد بقيت من عمره ﷺ خمس سنين أو ست سنين، فإذا انضمت إلى مدة خلافة الخلفاء الراشدين، وهي ثلاثون سنة كانت بالغة ذلك المبلغ. وإن كان أراد سنة خمس وثلاثين من الهجرة، ففيها خرج أهل مصر وحصروا عثمان ﵁. وإن كان سنة ست وثلاثين من الهجرة ففيها كانت وقعة الجمل. وإن كانت سنة سبع وثلاثين، ففيها كانت وقعة صفين.

стр. 2782

الفصل الثالث ٥٤٠٨ - عن أبي واقد الليثي: أن رسول الله ﷺ لما خرج إلى غزوة حنين مر بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم، يقال لهم: ذات أنواط. فقالوا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله ﷺ : ((سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم)) رواه الترمذي. [٥٤٠٨] ٥٤٠٩ - وعن ابن المسيب، قال: وقعت الفتنة الأولى - يعني مقتل عثمان - فلم يبق من أصحاب بدر أحد، ثم وقعت الفتنة الثانية - يعني الحرة - فلم يبق من أصحاب الحديبية أحد، ثم وقعت الفتنة الثالثة فلم ترتفع وبالناس طباخ. رواه البخاري. (١) باب الملاحم الفصل الأول ٥٤١٠ - عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال ((لا تقوم الساعة حتى تقتتل ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن أبي واقد: قوله: ((ذات أنواط)). ((نه)): هي جمع نوط وهو مصدر سمي به المنوط وهي هنا اسم شجرة بعينها كانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم أي يعلقونه بها ويعكفون حولها فسألوه أن يجعل لهم مثلها، فنهاهم عن ذلك. الحديث الثاني عن ابن المسيب: قوله: ((يعني الحرة)) ((نه)): الحرة هذه أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كثيرة. كانت الوقعة المشهورة في الإسلام أيام يزيد بن معاوية لما انتهب المدينة عسكره من أهل الشام الذين ندبهم لقتال أهل المدينة من الصحابة والتابعين، وأمر عليه مسلم بن عقبة المري في ذي الحجة سنة ثلاث وستين بها. وأصل الطباخ القوة والسمن ثم استعمل في غيره. فقيل: فلان لا طباخ له، أي لا عقل له ولا خير عنده، أراد أنها لم تبق في الناس من الصحابة أحداً. باب الملاحم ((نه)): هي جمع الملحمة وهي الحرب وموضع القتال، مأخوذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها، كاشتباك لحمة الثوب بالسدا. وقيل: هو من اللحم لكثرة لحوم القتلى فيها.

стр. 2783

فئتان عظيمتان، تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون، قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، ويظهر الفتن، ويكثر الهرج وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه لا أرب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْرًا﴾، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه. ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها)) متفق عليه. ــ الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((دعواهما واحدة)) أي كل واحدة من الفئتين تدعى الإسلام. قوله: ((دجالون)). ((حس)): كل كذاب دجال. يقال: دجل فلان الحق بباطله، أي غطاه. ومنه: أخذ الدجال، ودجله سحره وكذبه. وقيل: سمى الدجال دجالا لتمويهه على الناس وتلبيسه. يقال: دجل إذا موه ولبس. قوله: ((يتقارب الزمان)) ((خط)): أراد به زمان المهدي لوقوع الأمن في الأرض فيستلذ العيش عند ذلك لانبساط عدله فيستقصر مدته؛ لأنهم يستقصرون مدة أيام الرخاء وإن طالت، ويستطيلون مدة أيام الشدة وإن قصرت. قوله: ((حتى يهم)) في جامع الأصول مقيد بضم الياء. و ((رب المال)) مفعوله والموصول مع صلته فاعله. وقوله: ((حتى يعرضه)) معطوف على مقدر المعنى: حتى يهم طلب من يقبل الصدقة صاحب المال في طلبه، حتى يجده وحتى يعرضه عليه. قوله: ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إيمَانُهَا﴾. معناه: لا ينفع نفسا إيمانها حينئذ أو كسبها في إيمانها خيراً لم تكن آمنت من قبل حينئذ أو كسبت في إيمانها خيراً من قبل، فهو من اللف التقديري. قوله: ((لقحته)) ((قض)): اللقحة: اللبون من النوق و ((ليط الحوض)) تطيينه. وأصله اللزق. والمعنى أن الساعة تأخذ الناس بغتة، تأتيهم وهم في أشغالهم فلا تمهلهم أن يتموها.

стр. 2784

٥٤١١ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً، نعالهم الشعر وحتى تقاتلوا الترك صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة)) متفق عليه. ٥٤١٢ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزاً وكرمان من الأعاجم، حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر)) رواه البخاري. ٥٤١٣ - وفي رواية له عن عمرو بن تغلب ((عراض الوجوه)). ٥٤١٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه شجر اليهود)) رواه مسلم. ٥٤١٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه)) متفق عليه. ــ الحديث الثاني والثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ذلف الأنوف)). ((قض)): ذلف جمع أذلف. وهو الذي يكون أنفه صغيرا ويكون في طرفه غلظ. و ((المجان)) – بفتح الميم – جمع مجن وهو الترس. والمطرق الذي أطرق أي جعل على ظهره طراق. وهو جلد يقطع على مقدار الترس فيلصق على ظهره، شبه وجوههم بالترس لبسطها وتدويرها، وبالمطرق لغلظها وكثرة لحمها. وقد ورد ذلك في الحديث الذي بعده صفة لخوز وكرمان. ولو لم يكن ذلك من بعض الرواة، فلعل المراد بها صنفان من الترك. كان أحد أصول أحدهما من خوز وأحد أصول الآخر من كرمان. فسماهم الرسول ﷺ باسمه وإن لم يشتهر ذلك عندنا، كما نسبهم إلى قنطوراء وهي امة كانت لإبراهيم ﵇. وفيه فطس الأنوف بدل قوله: ((ذلف الأنوف)) وهو جمع أفطس من الفطس وهو تطامن قصبة الأنف وانتشارها. ولعل المراد بالموعود في الحديث ما وقع في هذا العصر بين المسلمين والترك. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إلا الغرقد)) ((نه)) هو ضرب من شجر العضاه وشجر الشوك. والغرقدة واحدته. ومنه قيل لمقبرة أهل المدينة: بقيع الغرقد: لأنه كان فيه غرقد وقطع. الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((قحطان)) هو أبو اليمن وسوق الناس بعصاه عبارة عن تسخير الناس واسترعائهم كسوق الراعي الغنم بعصاه.

стр. 2785

٥٤١٦ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل يقال له: الجهجاه)) وفي رواية: ((حتى يملك رجل من الموالي يقال له: الجهجاه)) رواه مسلم. ٥٤١٧ - وعن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لتفتحن عصابة من المسلمين كنز آل كسرى الذي في الأبيض)) رواه مسلم. ٥٤١٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((هلك كسرى فلا يكون كسرى بعده، وقيصر ليهلكن ثم لا يكون قيصر بعده، ولتقسمن كنوزهما في سبيل الله)) وسمى ((الحرب خدعة)) متفق عليه. ــ الحديث السادس والسابع عن جابر ﵁: قوله: ((الهجهجاه)). ((مح)): هو بفتح الجيم وإسكان الهاء. وفي بعض النسخ: ((الهجهجها)) بهائين. وفي بعضها: ((الهجهجا)) بحذف الها التي بعد الألف. والأول هو المشهور. قوله: ((لتفتحن)). ((تو)): وجدناه في أكثر نسخ المصابيح بتائين بعد الفاء. ونحن نرويه عن كتاب مسلم بتاء واحدة وهو أمثل معنى؛ لأن الافتتاح أكثر ما يستعمل بمعنى الاستفتاح. فلا يقع موقع الفتح في تحقيق الأمر ووقوعه. والحديث إنما ورد في معنى الإخبار عن الكوائن. ((قض)): ((الأبيض)) قصر حصين كان بالمدائن. وكانت الفرس تسميه سفيد كوشك. والآن بني مكانه مسجد مدائن. وقد أخرج كنزه في أيام عمر ﵁. وقيل: الحصن الذي بهمدان بناه [دار بن دارا]. الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ليهلكن)) هلاك كسرى وقيصر كانا متوقعين. فأخبر عن هلاك كسرى بالماضي دلالة على أنه كالواقع بناء على إخبار الصادق. وأتى في الإخبار عن قيصر بلام القسم في المضارع. وبنى الكلام على المبتدأ والخبر. إشعارا بالاعتناء بشأنه وأنه [أطلب] منه. وذلك أن الروم كانوا سكان الشام، وكان ﷺ في فتحه أشد رغبة؛ ومن ثمة غزا ﷺ تبوك، وهي من الشام. فإن قلت: ما وجه المناسبة بين قوله: ((وسمى الحرب خدعة)) وبين الكلام السابق؟ قلت: هو وارد على سبيل الاستطراد؛ لأن أصل الكلام كان في ذكر الفتح، وكان حديثا مشتملا على الحرب. فأورده في الذكر كما ورد في قوله تعالى: ﴿ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًا﴾ بعد قوله: ﴿ومَا يَسْتَوِي البَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ والمراد منهما المؤمن والكافر.

стр. 2786

٥٤١٩ - وعن نافع بن عتبة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله)) رواه مسلم. ٥٤٢٠ - وعن عوف بن مالك، قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم فقال: ((اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بين المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم ثم استفاضة المال حتى يعطي الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً)) رواه البخاري. ٥٤٢١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض ــ الحديث التاسع والعاشر عن عوف: قوله: ((ثم موتان)). ((تو)) أراد بالموتان الوباء وهو في الأصل موت يقع في الماشية، والميم منه مضمومة. واستعماله في الإنسان تنبيه على وقوعه فيهم وقوعه في الماشية؛ فإنها تسلب سلبا سريعا. وكان ذلك في طاعون عمواس زمن عمر بن الخطاب ﵁. وهو أول طاعون وقع في الإسلام، مات منه سبعون ألفا في ثلاثة أيام. و ((عمواس)) قرية من قرى بيت المقدس وقد كان بها معسكر المسلمين. والقعاص: داء يأخذ الغنم فلا يلبثها أن تموت. قوله: ((ثم استفاضة المال)). ((حس)): هي كثرته، وأصله التفرق والانتشار. يقال: استفاض الحديث إذا انتشر. ((نه)): هو من فاض الماء والدمع وغيرهما يفيض فيضا إذا كثر. انتهى كلامه. قوله: ((فيظل ساخطاً)) أي إنه يسخط استقلالاً للمبلغ المذكور وتحقيراً منه. والغاية والراية سواء ومن رواه بالباء الموحدة، أراد بها الأجمة. فشبه كثرة رماح العسكر بها وبنوه الأصفر الروم. الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بالأعماق)). ((تو)): العمق ما بعد من أطراف المفاوز. وليس ((الأعماق)) ها هنا بجمغ. وإنما هو اسم موضع بعينه من أطراف المدينة. و ((دابق)) – بفتح الباء – دار نخلة موضع سوق بالمدينة. وقوله: ((سبوا منا)) على بناء الفعل يريدون بذلك محاملة المؤمنين بعضهم عن بعض. ويبغون به تفريق كلمتهم. والمرادون بذلك هم الذين غزوا بلادهم فسبوا ذريتهم. والأظهر أن هذا القول منهم يكون بعد الملحمة

стр. 2787

يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث لا يفتنون أبداً فيفتتحون قسطنطينية، فبيناهم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج، فبيناهم يعدون للقتال يسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم، فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته)) رواه مسلم. ٥٤٢٢ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة. ثم قال: عدو يجمعون لأهل الشام ويجمع لهم أهل ــ الكبرى التي تدور رحاها بين الفئتين بعد المصالحة والمناجزة لقتال عدو يتوجه إلى المسلمين. وبعد [غدرة] الروم بهم. وذلك قبل فتح قسطنطينة، فيطأ الروم ارض العرب حتى ينزل بالأعماق أو بدابق، فيسأل المسلمين أن يخلوا بينهم وبين من سبى من ذريتهم فيردون الجواب عليهم على ما ذكر في الحديث. ((مح)): قسطنطينة: هي بضم القاف وإسكان السين وضم الطاء الأولى وكسر الثانية وبعدها ياء ساكنة ثم نون، هكذا ضبطناه ها هنا وهو المشهور. ونقل القاضي في المشارق عن المتقنين زيادة ياء مشددة بعد النون، وهي مدينة مشهورة أعظم مدائن الروم. قال الترمذي: والقسطنطينة قد فتحت في زمان بعض أصحاب النبي ﷺ وتفتح عند خروج الدجال. قوله: ((لكن يقتله الله بيده)) أي بيد عيسى ﵇. هذا الإسناد عند الموحدين حقيقي. وعند غيرهم مجازي. وفيه تصريح بأن فعل العبد مخلوق لله تعالى، وكسب للعبد على ما هو مذهب أهل الحق. وفي معنى الاستدراك سر. وذلك أنه لو تركه حتى انذاب وهلك لكان محض فعل الله وتقديره. ولم يكن لفعل العبد مدخل فيه. فأراد أن يظهر الحكمة في عالم الأسباب. فاستدركه بقوله: ((ولكن يقتله الله)). والله أعلم. الحديث الثاني عشر عن عبد الله: قوله: ((عدو)) مبتدأ أي عدو كثير يجمعون لمقاتلة أهل الشام. قوله: ((شرطة)). ((فا)): يقال: أشرط نفسه لكذا أي أعلمها له وأعدها. فحذف المفعول.

стр. 2788

الإسلام، يعني الروم، فيتشرط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون، حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب، وتفني الشرطة، ثم يتشرط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون، حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب، وتفني الشرطة، ثم يتشرط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا، فيفيء هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب وتفنى الشرطة فإذا كان يوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام فيجعل الله الدبرة عليهم، فيقتلون مقتلة لم ير مثلها، حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم فلا يخلفهم حتى يخر ميتاً، فيتعاد بنو الأب كانوا مائة فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح أو أي ميراث يقسم؟ فبيناهم كذلك إذا سمعوا ببأس هو اكبر من ــ والشرطة نخبة الجيش التي تشهد الوقعة أولا، سموا بذلك: لأنهم يشرطون أنفسهم للهلكة. ((مح)): ((الشرطة)) – بضم الشين – طائفة من الجيش يتقدمون للقتال. وقوله: ((يشترط)) ضبطوه بوجهين: أحدهما: بياء مثناة تحت ثم شين ساكنة مثناة فوق. والثاني بياء مثناة تحت ثم تاء مثناة فوق، ثم شين مفتوحة وتشديد الراء. ((تو)): يشكل معنى هذا من بقية الحديث، ((فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة)) فلو كانت الشرطة ها هنا على ما وصفوه في معنى قوله: ((وتفنى الشرطة)) وقد ذكر أن كل واحد من الفئتين يرجع غير غالب. والوجه في تصحيح هذه الرواية من طريق المعنى أن يقال: أراد بـ ((من بقى)) غير غالب معظم الجيش وصاحب رايتهم، لا النفر الذين تقدموا وهم الشرطة. وقوله: ((يتشرط)) فإنه في الحديث كذلك، استعمل ((يشترط)) مكان ((اشترط)) يقال: اشترط فلان بنفسه لأمر كذا، أي قدمها وأعدها وأعلمها. ولو وجدت الرواية بفتح الشين من الشرطة لكان معناه أوضح وأقوم مع قوله: ((وتفني الشرطة)) أي يشترطون فيما بينهم شرطا أن لا يرجعوا إلا غالبة، يعني يومهم ذلك فإذا حجز بينهم الليل ارتفع الشرط الذي شرطوه. وإنما أدخل فيه التاء؛ ليدل على التوحيد أي يشترطون شرطة واحدة لا مثنوية فيها ولم يعرف ذلك من طريق الرواية. أقول: إذا وجدت الرواية الصريحة الصحيحة وجب الذهاب إليها، والانحراف عن التحريف من ضم الشين إلى فتحها والتزام التكلف في تأويل التاء، والعدول عن الحقيقة في نفس الشرطة إلى ذلك المجاز البعيد. وأي مانع من أن يفرض أن الفئة العظيمة من المسلمين أفرزوا من بينهم طائفة تقدم الجيش للمقاتلة. واشترطوا عليها أن لا ترجع إلا غالبة؛ فلذلك بذلوا جهدهم وصدقوا فيما عاهدوا، وقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم. وهو المراد من قوله: ((وتفني الشرطة)).

стр. 2789

ذلك، فجاءهم الصريخ: أن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما في أيديهم، ويقبلون فيبعثون عشر فوارس طليعة)). قال رسول الله ﷺ : ((إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم، هم خير فوارس، أو من خير فوارس، على ظهر الأرض يومئذ)) رواه مسلم. ٥٤٢٣ - وعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: ((هل سمعتم بمدينة، جانب منها في البر، وجانب منها في البحر؟)) قالوا: نعم يا رسول الله قال: ((لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق، فإذا جاءوها نزلوا، فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها. قال ثور بن زيد الراوي: لا أعلمه إلا قال -: ((الذي في البحر، ثم يقولون الثانية: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون الثالثة: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيفرج لهم فيدخلونهم فيغنمون، فبيناهم يقتسمون المغانم إذ جاءهم الصريخ، فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعون)) رواه مسلم. ــ قال: الجوهري: قد شرط عليه كذا واشترط عليه يشترط. وقوله: ((فيفيء هؤلاء وهؤلاء)) المراد منهما الفئتان العظيمتان لا الشرطة. وقوله: ((فبأي غنيمة يفرح)) هو جزاء شرط محذوف أبهم أولا في قوله: ((إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة)) حيث أطلقه ثم بين بقوله: ((عدو)) إلخ. بأن ذلك مقيد بهذه الصفة. فحينئذ يصح أن يقال: فإذا كان كذلك فبأي غنيمة يفرح:؟ إلخ. قوله: ((نهد إليهم)) ((مح)): أي نهض وتقدم. ((والدبرة)) بفتح الدال والباء: الهزيمة. وقوله: ((فلا يخلفهم)) هو بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام المشددة أي يجاوزهم. قوله: ((حتى يخرميتا)) ((مظ)): يعني طار الطير على أولئك الموتى فما وصل إلى آخرهم حتى يخر ويسقط ميتا من نتنهم، أو من طول مسافة مسقط الموتى. أقول المعنى الثاني ينظر إلى قول البحتري في وصف بركة: لا يبلغ السمك المحصور غايتها لبعد ما بين قاصيها ودانيها ((فيتعاد بنو الأب)) يعني تعد جماعة حضروا تلك الحرب كلهم أقارب فلم يبق من مائة إلا واحد قد خلفهم أي قعد مكانهم في أولادهم. و ((الصريخ)) المستغيث فعيل من الصراخ. و ((الطليعة)) هو الذي يبعث ليطلع على أحوال العدو. الحديث الثالث عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من بني إسحاق)). ((مظ): أي من أكراد الشام وهم من بني إسحاق النبي ﵇ وهم مسلمون. قوله: ((قال ثور بن يزيد))، هذا إشارة إلى أن ما وقع في نسخ المصابيح من قوله: ((الذي في البحر)) مدرج من قول الراوي.

стр. 2790

الفصل الثاني ٥٤٢٤ - عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : ((عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح قسطنطينية، وفتح قسطنطينية خروج الدجال)) رواه أبو داود. [٥٤٢٤] ٥٤٢٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الملحمة العظمى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر)) رواه الترمذي، وأبو داود. [٥٤٢٥] ٥٤٢٦ - وعن عبد الله بن بسر، أن رسول الله ﷺ قال: ((بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج الدجال في السابعة)) رواه أبو داود، وقال: هذا أصح. [٥٤٢٦] ٥٤٢٧ - وعن ابن عمر، قال: يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة، ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن معاذ ﵁: قوله: ((عمران بيت المقدس)). ((شف)): لما كان عمران بيت المقدس باستيلاء الكفار عليه وكثرة عمارتهم فيها أمارة مستعقبة لخراب يثرب. وهو أمارة مستعقبة لخروج الملحمة وهو أمارة لفتح قسطنطينية، وهو أمارة مستعقبة لخروج الدجال جعل النبي ﷺ كل واحد منها عين ما بعده وعبر به عنه. انتهى كلامه. فإن قلت: قال ها هنا: ((فتح قسطنيطينية خروج الدجال)). وفي الحديث السابق: ((إذ صاح فيهم الشيطان إن المسيح قد خلفكم في أهليكم فيخرجون، وذلك باطل)) فكيف الجمع بينهما؟ قلت: إنه ﷺ جعل الفتح علامة لخروج الدجال لا أنها مستعقبة له من غير تراخ. وصراخ الشيطان كان للإيذان بأنه واقع ليشغلوا عن القسم وكان باطلا. يدل عليه الحديث الآتي: ((الملحمة العظمى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر)) والتعريف في الصارخ في هذا الحديث للعهد، والمعهود الشيطان. الحديث الثاني إلى الرابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((أن يحاصروا إلى المدينة))

стр. 2791

حتى يكون أبعد مسالحهم سلاح وسلاح قريب من خيبر. رواه أبو داود. [٥٤٢٧] ٥٤٢٨ - وعن ذي مخبر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ستصالحون الروم صلحاً آمناً، فتغزون أنتم وهم عدواً من ورائكم، فتنصرون وتغنمون وتسلمون، ثم ترجعون، حتى تنزلوا بمرج ذي تلول، فيرفع رجل من أهل النصرانية الصليب، فيقول: غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيدقه، فعند ذلك تغدر الروم وتجمع للملحمة)). وزاد بعضهم: ((فيثور المسلمون إلى أسلحتهم، فيقتتلون فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة)). رواه أبو داود. [٥٤٢٨] ٥٤٢٩ - وعن عبد الله بن عمرو. عن النبي ﷺ ، قال: ((اتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة)). رواه أبو داود. [٥٤٢٩] ــ أي يضطروا لمحاصرة العدو إياهم. المسالح جمع المسلح والمسلحة القوم الذين يحفظون الثغور من العدو وسموا مسلحة: لأنهم يكونون ذوي سلاح أو لأنهم يسكنون المسلحة وهي كالثغر. والمرقب يكون فيه أقوام يرقبون العدو لئلا يطرقهم على غفلة، فإذا رأوه أعلموا أصحابهم ليتأهبوا له. و ((سلاح)) موضع قريب من خيبر. الحديث الخامس عن ذي مخبر: قوله: ((آمناً)) صفة ((صلحا)) أي ذا أمن أو جعل الصلح أمنا على الإسناد المجازي. الحديث السادس والسابع عن عبد الله: قوله: ((ذو السويقتين)) ((مح)): هما تصغير ساقي الإنسان لدقتها. وهي صفة سوق السودان غالبا. ولا يعارض هذا قوله تعالى: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ لأن معناه آمناً إلى قرب القيامة وخراب الدنيا. وقيل يخص منه قضية ذي السويقتين: قال: القاضي عياض: القول الأول أظهر. ((تو)): ((ودعوكم)) تركوكم، وقلما يستعملون الماضي منه إلا ما روى في بعض الأشعار، كقول القائل: غاله في الحب حتى ودعه

стр. 2792

٥٤٣٠ - وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: ((دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم)). رواه أبو داود، والنسائي. [٥٤٣٠] ٥٤٣١ - وعن بريدة، عن النبي ﷺ في حديث: ((يقاتلكم قوم صغار الأعين)) يعني الترك. قال: ((تسوقونهم ثلاث مرات حتى تحلقوهم بجزيرة العرب، فأما في ــ ويحتمل أن يكون الحديث: ((ما وادعوكم)) أي سالموكم فسقط الألف من قلم بعض الرواة. أقول: لا افتقار إلى هذا الطعن مع وروده في التنزيل. الكشاف: في قوله تعالى: ﴿مَا ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ وقرئ بالتخفيف يعني ما تركك. قال: ثم ودعنا آل عمرو وعامر فرائس أطراف المثقفة السمر ولأن لفظ الازدواج ورد العجز على الصدر يجوز؛ لذلك جاء في كلامهم: إني لآتيه بالغدايا والعشايا. وقوله: ((ارجعن مأزورات غير مأجورات)). ((مظ)): كلام النبي ﷺ متبوع لا تابع بل فصحاء العرب عن آخرهم بالإضافة إليه بأقل. وأيضا فلغات العرب مختلفة، منهم من انقرض لغته. فأتى النبي ﷺ بها. قال شمر: زعمت النحوية أن العرب أماتوا مصدره وماضيه. والنبي ﷺ أفصح. ((خط)): اعلم أن الجمع بين قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ وبين هذا الحديث – أن الآية مطلقة والحديث مقيد. فيحمل المطلق على المقيد ويجعل الحديث مخصصا لعموم الآية كما خص ذلك في حق المجوس فإنهم كفرة. ومع ذلك أخذ منهم الجزية؛ لقوله ﷺ : ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)). أقول: ويحتمل أن تكون الآية ناسخة للحديث لضعف الإسلام ثم قوته. وأما تخصيص الحبشة والترك بالترك والودع فلأن بلاد الحبشة وغيرها بين المسلمين وبينهم مهامة وقفار فلم يكلف المسلمين دخول ديارهم لكثرة التعب وعظم المشقة. وأما الترك فبأسهم شديد، وبلادهم باردة. والعرب وهم جند الإسلام كانوا من البلاد الحارة فلم يكلفهم دخول البلاد، فلهذين السرين خصصهم. وأما إذا دخلوا بلاد المسلمين قهرا – والعياذ بالله – فلا يجوز لأحد ترك القتال؛ لأن الجهاد في هذه الحالة فرض عين. وفي الحالة الأولى فرض كفاية. الحديث الثامن عن بريدة ﵁: قوله: ((بجزيرة العرب)) قيل: هي اسم لبلاد العرب

стр. 2793

السياقة الأولى فينجو من هرب منهم، وأما في الثانية فينجو بعض ويهلك بعض، وأما في الثالثة فيصطلمون)) أو كما قال. رواه أبو داود. [٥٤٣١] ٥٤٣٢ - وعن أبي بكرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((ينزل أناس من أمتي بغائط، يسمونه البصرة، عند نهر يقال له: دجلة، يكون عليه جسر، يكثر أهلها، ويكون من أمصار المسلمين، وإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطوراء عرض الوجوه، صغار الأعين، حتى ينزلوا على شط النهر، فيتفرق أهلها ثلاث فرق، فرقة يأخذون في أذناب البقر والبرية وهلكوا، وفرقة يأخذون لأنفسهم وهلكوا، وفرقة يجعلون ذراريهم خلف ظهورهم ويقاتلونهم وهم الشهداء)). رواه أبو داود. [٥٤٣٢] ــ سميت بذلك لإحاطة البحار والأنهار بها: بحر الحبشة وبحر فارس ودجلة والفرات. قال مالك: جزيرة العرب: الحجاز واليمامة ومالم يبلغه ملك فارس والروم. وقوله: ((فيصطلمون)) أي يحصدون بالسيف والاصطلام افتعال من الصلم وهو القطع المستأصل. الحديث التاسع عن أبي بكرة ﵁: قوله: ((بغائط)). ((فا)): الغائط: الوادي المطمئن. وغاط في الأرض يغوط ويغيط إذا غار. قوله: ((عند نهر يقال له: دجلة)) ((شف)): أراد النبي ﷺ بهذه المدينة مدينة بغداد؛ فإن دجلة هي الشط، وجسرها في وسطها لا في وسط البصرة. وإنما عرفها النبي ﷺ ببصرة؛ لأن بغداد موضعا خارجا منه قريب من بابه يدعى بباب البصرة. فسمى النبي ﷺ بغداد باسم بعضها، أو على حذف المضاف، كقوله تعالى: ﴿واسْأَلِ القَرْيَةَ﴾. وبغداد ما كانت مبنية في عهد النبي ﷺ على هذه الهيئة ولا كان مصرا في الأمصار؛ ولذلك قال النبي ﷺ : ((ويكون من أمصار المسلمين)) بلفظ المستقبل، بل كان في عهده ﷺ قرى متفرقة سورت بعد ما خرجت مدائن كسرى منسوبة إلى البصرة محسوبة من أعمالها. وأن أحدا لم يسمع إلى زماننا بدخول الترك بصرة قط على سبيل القتال والحرب. ومعنى الحديث أن بعضا من أمتي سينزلون عند دجلة فيتوطنون ثمة، ويصير ذلك الموضع مصرا من أمصار المسلمين، وهو بغداد. فإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطوراء فتقاتل أهل بغداد. وقال بلفظ ((جاء)) دون يجيء إيذانا بوقوعه فكأنه قد وقع. وقوله: ((فرقة يأخذون في أذناب البقر)) أي فرقة يعرضون عن المقاتلة هرباً منها وطلبا للخلاص فيهيمون في البوادي ويهلكون فيها أي يعرضون عن المقاتلة، ويشتغلون بالزراعة

стр. 2794

٥٤٣٣ - وعن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: ((يا أنس! إن الناس يمصرون أمصاراً، فإن مصراً منها يقال له: البصرة؛ فإن أنت مررت بها أو دخلتها. فإياك وسباخها وكلأها ونخيلها وسوقها وباب أمرائها، وعليك بضواحيها، فإنه يكون بها خسف وقذف ورجف وقوم يبيتون ويصبحون قردة وخنازير)). رواه [أبو داود]. [٥٤٣٣] ٥٤٣٤ - وعن صالح بن درهم، يقول: انطلقنا حاجين، فإذا رجل فقال لنا: ــ ويتبعون البقر للحراثة. ((وفرقة يأخذون لأنفسهم)) أي يطلبون الأمان من بني قنطوراء، وهلكوا بأيديهم. ولعل المراد بهذه الفرقة ((المستعصم بالله)) ومن معه من المسلمين طلبوا الأمان لأنفسهم ولأهل بغداد، وهلكوا بأيديهم عن آخرهم. وفرقة ثالثة هم الغازية المجاهدة في سبيل الله قاتلوا الترك قبل ظهورهم على أهل الإسلام فاستشهد معظمهم، ونجت منهم شرذمة قليلون. قوله: ((وإذا كان في آخر الزمان)) اسم ((كان)) مضمر يدل عليه الكلام السابق، نحو قولهم: إذا كان غدا فأتني. قيل فيه: إذا تقدم أمر أو حال فهو المقدر. انتهى كلامه. قال: ((يأخذون في أذناب البقر)) على معنى يوقعون الأخذ في الأذناب كقولهم: تخرج في عراقيبها تصلى، كأنهم يبالغون في الاشتغال بالزرع ولا يعبأون بأمر آخر. ويتوغلون في السير خلفها إلى البلاد الشاسعة، فيهلكون. الحديث العاشر عن أنس ﵁: قوله: ((يمصرون أمصاراً)) أي يتخذون بلاداً. والتمصير اتخاذ المصر. والسباخ جمع سبخة، وهي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر. والضواحي جمع ضاحية. وهي الناحية البارزة. قوله: ((بها خسف)) ((شف)): يريد به الخسف في الأرض. و ((قذف)) يريد به الريح الشديدة البارزة. أو قذف الأرض الموتى بعد الدفن، أو رمى أهلها بالحجارة بأن تمطر عليهم. والرجف الزلزلة، وقوله: ((ويصبحون قردة وخنازير)) المراد به المسخ، عبر عنه بما هو أشنع. الحديث الحادي عشر عن صالح: قوله: ((فإذا رجل)) خبره محذوف. وقوله: ((فقال)) معطوف عليه أي فإذا رجل واقف. فقال. والمراد بالرجل أبو هريرة. ((نه)): الأبلة – بضم الهمزة والباء وتشديد اللام – البلد المعروف قرب النصرة من جانبها البحري.

стр. 2795

إلى جنبكم قرية يقال لها: الأبلة؟ قلنا: نعم. قال: من يضمن لي منكم أن يصلي لي في مسجد العشار ركعتين أو أربعاً، ويقول؛ هذه لأبي هريرة؟ سمعت خليلي أبا القاسم ﷺ يقول: ((إن الله يبعث من مسجد العشار يوم القيامة شهداء لا يقوم مع شهداء بدر غيرهم)). رواه أبو داود وقال: هذا المسجد مما يلي النهر. وسنذكر حديث أبي الدرداء: ((إن فسطاط المسلمين)) في باب: ((ذكر اليمن والشام))، إن شاء الله تعالى. [٥٤٣٤] ــ قوله: ((هذه لأبي هريرة)) أي يقول: هذه الصلاة لأبي هريرة. قيل: فإن قيل: الصلاة عبادة بدنية لا تقبل النيابة، فيما معنى قول أبي هريرة؟ قلنا: يحتمل أن يكون هذا مذهب أبي هريرة. قاس الصلاة على الحج وإن كان في الحج شائبة مالية. ويحتمل أن يكون معناه: ثواب هذه الصلاة لأبي هريرة؛ فإن ذلك جوزه بعضهم. قوله: ((سمعت خليلي)) ((تو)): قد سبق منه هذا القول في عدة أحاديث. وكأنه قول لم يصدر عن روية، بل كان الباعث عليه ما عرف من قبله من صدق المحبة. ولو تدبر القول لم يلتبس عليه كون ذلك زائغا عن نهج الأدب. وقد قال ﷺ : ((لو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا)). قال ﷺ : إني أبرأ إلى كل خليل من خلته فليس لأحد أن يدعى خلته مع براءته عن خلة كل خليل)). أقول: لو تأمل حق التأمل ما ذهب إلى ما ذهب إليه؛ لأن المحب من فرط المحبة وصدق الوداد قد يرفع الاحتشام من البين، لاسيما إذا امتد زمان المفارقة على أنه نسب الخلة إلى جانبه لا إلى الرسول ﷺ ، لأنه ﵁ مذ أسلم ما فارق حضرة الرسالة من شدة احتياجه وفاقته. والناس مشتغلون بتجاراتهم وزروعهم. وقيل: إن إبراهيم ﵇ بعث إلى خليل له بمصر في أزمة أصابت الناس يمتار منه. فقال خليله: لو كان إبراهيم يطلب الميرة لنفسه لفعلت، ولكنه يريدها للأضياف، فاجتاز غلمانه ببطحاء لينة فملأوا منها الغرائر حياء من الناس. فلما أخبروه أساءه الخبر، فحملته عيناه، وعمدت امرأته إلى غرارة منها. فأخرجت أحسن حوراي واختبزت وتنبه فاشتم رائحة الخبز. فقال: من أين لكم هذه؟ فقالت امرأته: من خليلك المصري. فقال: بل من عند خليلي: الله، فسماه الله خليلا. هكذا ذكره في الشكاف. ((مح)): أصل الخلة الاختصاص والاستصفاء. وقيل: أصلها الانقطاع إلى من خاللت، مأخوذ

стр. 2796

الفصل الثالث ٥٤٣٥ - عن شقيق، عن حذيفة، قال: كنا عند عمر فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة؟ فقلت: أنا أحفظ كما قال، قال: هات، إنك لجريء، وكيف؟ قال: قلت سمعت رسول الله ﷺ يقول ((فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)). فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج كموج البحر. قال: قلت: مالك ولها يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها باباً مغلقاً. قال: فيكسر الباب أو يفتح؟ قال: قلت: لا؛ بل يكسر. قال: ذاك أحرى أن لا يغلق أبداً. قال: فقلنا لحذيفة: ــ من الخلة وهي الحاجة. فسمى إبراهيم ﵇ بذلك؛ لأنه قصر حاجته على ربه . وقيل: الخلة صفاء المودة التي توجب تخلل الأسرار، وقيل: معناها المحبة والإلطاف. هذا كلام القاضي. وقال ابن الأنباري: الخليل معناه: المحب الكامل المحبة، والمحبوب الموفي بحقيقة المحبة التي ليس فيها نقص ولا خلل. قال الواحدي: هذا القول هو الاختيار لأن الله تعالى خليل إبراهيم وإبراهيم خليل الله. ولا يجوز أن يقال: الله تعالى خليل إبراهيم من الخلة التي هي الحاجة. الفصل الثالث الحديث الأول عن شقيق: قوله: ((كما قال)) صفة مصدر محذوف، أي أنا أحفظ قوله ﷺ حفظا مماثلا لما قال. وقوله: ((إنك لجريء)) من الجراءة الإقدام على الشيء. ومعناه أنك غير هائب وقد تجاسرت على ما لا أعرفه ولا يعرفه أصحابك. وادعيت أيضاً أنك عرفت صريح القول. ومن ثمة قال: ((هات)). قوله: ((وكيف؟ قال)) عطف على ((هات)) أي هات ما قال وبين كيفيته. قوله: ((ليس هذا أريد)) وذلك أن عمر ﵁ لما سأل: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة؟ واحتمل أن يراد الفتنة الاختبار والابتلاء كما في قوله تعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ والْجُوعِ ونَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ والأَنفُسِ والثَّمَرَاتِ وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ وأن يراد بها الوقعة والقتال. وكان سؤاله عن الثاني قال: ليس هذا أريد. وإنما أنث عمر ﵁ المشار إليه بعد ما ذكره باعتبار المذكور دلالة على فظاعة المشار إليه وأنها الداهية الدهماء. قوله: ((لا بل يكسر)). فإن قلت: كان يكفي في الجواب أن يقول: يكسر، فلم أتى بـ ((لا))

стр. 2797

هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم كما يعلم أن دون غد ليلة، إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط، قال: فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله. فسأله فقال: عمر. متفق عليه. ٥٤٣٦ - وعن أنس، قال: فتح القسطنطينية مع قيام الساعة. رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب. [٥٤٣٦] (٢) باب أشراط الساعة الفصل الأول ٥٤٣٧ - عن أنس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزنا، ويكثر شرب الخمر، ويقل الرجال، وتكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد)). وفي رواية: ((يقل العلم، ويظهر الجهل)). متفق عليه. ٥٤٣٨ - وعن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إن بين يدي الساعة كذابين، فاحذروهم)) رواه مسلم. ــ و ((بل))؟ قلت: للتنبيه على أن هذا ليس من مقام التردد في الكسر لظهوره، فلا يسأل بأم المعادلة كما سبق مرارا. وإنما قال: ((ذاك أحرى أن لا يغلق أبداً)): لأن الفتح قد يرجى غلقه بخلاف الكسر، فإنه أبعد من الرجاء. وقوله: ((من الباب؟)) كان الظاهر أن ((الأغاليط)) أراد أن ما ذكرت له لم يكن مبهماً محتملاً كالأغاليط بل صرحته تصريحاً. ولعل لهذا السر ما قال له عمر ﵁: ((إنك لجريء)). والله أعلم. باب أشراط الساعة ((نه)): الأشراط: العلامات. واحدتها: شرط – بالتحريك – وبه سميت ((شرط السلطان))؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها – هكذا قال أبو عبيدة -. وحكى الخطابي عن بعض أهل اللغة أنه أنكر هذا التفسير، وقال: أشراط الساعة ما ينكره الناس من صغار أمورها قبل أن تقوم الساعة. الفصل الأول الحديث الأول والثاني: عن جابر ﵁ قوله: ((كذابين)) ((مظ)): المراد منه كثرة

стр. 2798

٥٤٣٩ - وعن أبي هريرة، قال: بينما كان النبي ﷺ يحدث إذ جاء أعرابي فقال: متى الساعة؟ قال: ((إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة)). قال: كيف إضاعتها؟ قال: ((إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)) رواه البخاري. ٥٤٤٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل زكاة ماله فلا يجد أحداً يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً)). رواه مسلم. وفي رواية له: قال: ((تبلغ المساكن إهاب أو يهاب)) ــ الجهل، وقلة العلم، والإتيان بالموضوعات من الأحاديث، وما يفترونه على رسول الله ﷺ ، ويمكن أن يراد به أدعياء النبوة، كما كان في زمانه وبعد زمانه، وأن يراد بهم جماعة يدعون إلى أهواء فاسدة ويسندون البدع واعتقادهم الباطل إليه ﷺ ، كأهل البدع كلهم. الحديث الثالث: عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إذا ضيعت الأمانة)) ((قض)) أخرج الجوابين مخرج الاستئناف للتأكيد، ولأن السؤال الأول لما لم يكن مما يمكن أن يجيب عنه بجواب حقيقي يطابقه – لأن تأقيت الساعة غيب لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل. عدل عن الجواب إلى ما ذكر ما يدل على المسئول عنه دلالة من أمارتها، وسلك في الجواب الثاني مسلك الأول لينتسق الكلام. قوله: ((إذا وسد الأمر إلى غير أهله)) معناه: أن يلي الأمر من ليس له بأهل فتلقى له أحد وسادة الملك، وأراد بالأمر الخلافة وما ينضم إليها من قضاة وإمارة ونحوهما. والوسد أحد من الوسائد، يقال: وسدته الشيء – بالتخفيف – فتوسده، إذا جعله تحت رأسه. ولفظة ((إلي)) فيها إشكال، إذ كان من حقه أن يقال: ((وسد الأمر لغير أهله)) فلعله أتى بها ليدل على إسناد الأمر إليه. أقول: كان من حق الظاهر أن يكتفي في جواب السؤال الأول بقوله: ((إذا ضيعت الأمانة)) وأن يؤتي في السؤال الثاني بمتى ليطابق الجواب فزاد في الأول ((فانتظر)) لينبه على أن قوله: ((إذا ضيعت الأمانة)) ليس إبان الساعة بل من أماراتها فلا تكون ((إذا)) شرطية حينئذ. وتأويل السؤال الثاني متى تضيع الأمانة؟ وكيف حصول التضييع؟ فقال: ((إذا وسد الأمر)) فأطنب في الأول لإفادة معنى زائد، واختصر في الثاني لدلالة الكلام عليه تفنناً، وإنما دل ذلك على دنو الساعة لأن تغير الولاة وفسادهم مستلزم لتغير الرعية، وقد قيل: ((الناس على دين ملوكهم)). الحديث الرابع: عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((مروجاً)) النهاية: المرج الأرض

стр. 2799

٥٤٤١ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده)). وفي رواية: قال: ((يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثياً، ولا يعده عداً)). رواه مسلم. ٥٤٤٢ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب، فمن حضر فلا يأخذ منه شيئاً)) متفق عليه. ٥٤٤٣ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو)) رواه مسلم. ٥٤٤٤ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال ــ الواسعة ذات نبات كثير يمرح فيه الدواب، أي تخلى تسرح مختلطة كيف شاءت. قوله: ((إهاب أو يهاب)). قال الشيخ محيي الدين: أما ((إهاب)) فبكسر الهمزة، وأما ((يهاب)) فبياء مثناة تحت مفتوحة ومكسورة، ولم يذكر القاضي في الشرح والمشارق إلا الكسر. وحكى القاضي عن بعضهم ((نهاب)) بالنون، والمشهور الأول. وقد ذكر في الكتاب لأنه موضع بقرب المدينة على أميال منها. التوربشتي: يريد أن المدينة يكثر سوادها حتى يتصل مساكن أهلها بإهاب أو يهاب – شك من الراوي في اسم الموضع، أو كان يدعى بكلا الاسمين فذكر وللتخيير بينهما. الحديث الخامس: عن جابر ﵁: قوله: ((يقسم المال ولا يعده)) قال الشيخ محيي الدين: الحثو الذي يفعله هذا الخليفة يكون لكثرة الأموال والغنائم والفتوحات مع سخاء نفسه. الحديث السادس والسابع: عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((يحسر الفرات)) نه: أي ينكشف، يقال حسرت العمامة عن رأسي وحسرت الثوب عن يدي أي: كشفتها. وقوله: ((أنا الذي أنجو)) من باب قوله: ((أنا الذي سمتني أمي حيدره)) أي: أنا الذي ينجو، فنظر إلى المبتدأ فحمل الخبر عليه لا على الموصول. وفيه كناية لأن الأصل أن يقال: أنا الذي أفوز به، فعدل إلي: أنجو؛ لأنه إذا نجا من القتل [يفوز] بالمال وملكه. الحديث الثامن: عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((تقيء الأرض))، ((قض)): معناه أن الأرض يلقى من بطنها ما فيه من الكنوز، وقيل ما رسخ فيها من العروق المعدنية، ويدل عليه

стр. 2800

الأسطوانة من الذهب والفضة، فيجيء القاتل، فيقول: في هذا قتلت. ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي. ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه، فلا يأخذون منه شيئاً)) رواه مسلم. ٥٤٤٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده، لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمزع عليه، ويقول: ياليتني كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء)) رواه مسلم. ٥٤٤٦ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من ارض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى)) متفق عليه. ــ قوله: ((أمثال الأسطوانة)) وشبهها بالأكباد حباً لأنها أحب ما هو مجني فيها، كما أن الكبد أطيب ما في بطن الجزور وأحبه إلى العرب، وبأفلاذها هيئة وشكلا كأنها قطع الكبد المقطوعة طولا، وقد حكي عن ابن الأعرابي أنه قال: الفلذة لا تكون إلا للبعير. النهاية: سمى ما في بطن الأرض قطعاً تشبيهاً وتمثيلاً، واستعار القيء للإخراج. أقول: قوله: ((أفلاذ كبدها)) استعارة مكنية مستلزمة للتخييلية، شبه الأرض بالحيوان ثم خيل لها ما يلازم الحيوان من الكبد، فأضاف إليها الكبد على التخييلية لتكون قرينة مانعة من ارداة الحقيقة، ثم فرع على الاستعارة القيء ترشيحا، وقوله: ((هذا)) المشار إليه ليس عين ما قيل فيه، بل هو من جنسه: فيكون في الكلام تشبيه نحو قوله تعالى: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ أي: مثل هذا. الحديث التاسع: عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الدين))، مظ: الدين هاهنا العادة، وليس في موضع الحال من الضمير في ((يتمرغ)) يعني: يتمرغ على رأس القبر ويتمنى الموت في حالة وليس التمرغ من عادته وإنما يحمله عليه البلاء. أقول: ويجوز أن يحمل الدين على حقيقته، أي ليس ذلك التمرغ والتمني لأمر أصابه من جهة الدين لكن من جهة الدنيا، فيقيد ((البلاء)) المطلق بالدنيا بواسطة القرينة السابقة. الحديث العاشر إلى الحادي عشر: عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((تضيء أعناق الإبل)) قال الشيخ محيي الدين: هكذا الرواية بنصب ((أعناق)) وهو مفعول ((تضيء)) يقال: أضاءت النار وأضاءت غيرها.

стр. 2801

٥٤٤٧ - وعن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: ((أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب)) رواه البخاري. الفصل الثاني ٥٤٤٨ - عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار)). رواه الترمذي. [٥٤٤٨] ــ و ((بصرى)) – بضم الباء – مدينة معروفة بالشام وهي مدينة حوران بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل، وقد خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة. وكانت ناراً عظيمة خرجت من جانب المدينة الشرقي وراء الحرة، وتواتر العلم بها عند جميع أهل الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة، ((تو)) ورأي هذه النار أهل المدينة ومن حولهم رؤية لا مرية فيها ولا خفاء، فإنها لبثت نحواً من خمسين يوماً تتقد وترمي بالأحجار المحمرة بالنار من باطن الأرض إلى ما حولها مشاكلة للوصف الذي ذكره الله تعالى في كتابه عن نار جهنم: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ وقد سال من ينبوع تلك النار في تلك الصحاري مد عظيم شبيه بالصفر المذاب، فيجمد الشيء بعد الشيء فيوجد شبيها بخبث الحديد. ((قض)): فإن قلت كيف يصح أن يحمل هذا عليها، وقد روي في الحديث الذي يليه أنه ﷺ قال: ((أول أشراط الساعة نار تحشر الناس)) وهي لم تحدث بعد؟. قلت: لعله لم يرد بذلك أول الأشراط مطلقا، بل الأشراط المتصلة بالساعة الدالة على أنها تقوم عما قريب؛ فإن من الأشراط بعثة النبي ﷺ ولم تتقدمها تلك النار، أو: أراد بالنار نار الحرب والفتن، كفتنة الترك فإنها سارت من المشرق إلى المغرب. الفصل الثاني الحديث الأول: عن أنس ﵁: قوله: ((السنة كالشهر)) ((تو)): يحمل ذلك على قلة بركة الزمان وذهاب فائدته، أو على أن الناس لكثرة اهتمامهم بما دهمهم من النوازل والشدائد وشغل قلبهم بالفتن العظام، لا يدرون كيف تنقضي أيامهم ولياليهم. فإن قيل: إن العرب تستعمل قصر الأيام والليالي في المسرات وطولها في المكارة، قلنا: المعنى الذي يذهبون إليه في القصر والطول، مفارق للمعنى الذي يذهب إليه! فإن ذلك راجع

стр. 2802

٥٤٤٩ - وعن عبد الله بن حوالة، قال: بعثنا رسول الله ﷺ لنغنم على أقدامنا، فرجعنا فلم نغنم شيئاً، وعرف الجهد في وجوهنا، فقام فينا فقال: ((اللهم لا تكلهم إلي فأضعف عنهم، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تكلمهم إلى الناس فيستأثروا عليهم)) ثم وضع يده على رأسي، ثم قال: ((يا ابن حوالة! إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة، فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب من الناس من يدي هذه إلى رأسك)) رواه [أبو داود]. [٥٤٤٩] ٥٤٥٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا اتخذ الفيء دولا، والأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وتعلم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، ــ إلى تمني الإطالة للرخاء، أو إلى تمني القصر للشدة، والذي يذهب إليه راجع إلى زوال الإحساس بما مر عليهم من الزمان لشدة ما هم فيه وذلك أيضا صحيح. ((قض)): ((كالضرمة بالنار)) أي كزمان إيقاد الضرمة، وهي ما توقد به النار أولا كالقصب والكبريت. الحديث الثاني: عن عبد الله بن حوالة ﵁: قوله: ((على أقدامنا)) حال من الضمير المفعول، أي بعثنا إلى جهة لنعزو ونغنم ماشين على أقدامنا. وقوله: ((فأضعف)) جواب للنهي، أي: لا تفوض أمورهم إلى ((فأضعف)) عن كفاية مؤنتهم، وسد خلتهم، ولا تفوضهم إلى أنفسهم فيعجزوا عن أنفسهم لكثرة شهواتها وشرورها، ولا تفوضهم إلى الناس فيختاروا أنفسهم على هؤلاء فيضيعوا، بل هم عبادك فافعل بهم ما يفعل السادة بالعبيد. قوله: ((البلابل)) هي الهموم والأحزان، وبلبلة الصدر وسواسه. الحديث الثالث: عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((دولا)) ((تو)) الدول جمع دولة، وهي اسم لكل ما يتداول من المال، يعني أن الأغنياء وأهل [الثروة] يستأثرون بحقوق الفقراء، أو يكون المراد منه أموال الفيء تؤخذ عليه غلبة وأثرة صنيع أهل الجاهلية وذوي العدوان. ((والأمانة مغنماً)) أي يذهبون بها فيغنموها، يقال: فلا يغنم الأمر، أي: يحرص عليه كما يحرص على الغنائم والزكاة.

стр. 2803

وكان زعيم القوم أردلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها؛ فارتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء وزلزلة وخسفاً ومسخاً، وقذفاً، وآيات تتابع كنظام قطع سلكه فتتابع)) رواه الترمذي. [٥٤٥٠] ٥٤٥١ - وعن علي [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء)) وعد هذه الخصال ولم يذكر ((تعلم لغير الدين)) قال: ((وبر صديقه، وجفا أباه)) وقال: ((وشرب الخمر، ولبس الحرير)) رواه الترمذي. [٥٤٥١] ــ ((والزكاة مغرماً)) أي: يشق عليهم أداؤها حتى يعدوها غرامة. ((وتعلم لغير الدين)): بالألف واللام كذا في ((جامع الترمذي)) و ((جامع الأصول)) وفي نسخ ((المصابيح)) بغير الألف واللام، والأولى أولى رواية ودراية، أي يتعلمون العلم لطلب الجاه والمال، لا للدين ونشر الأحكام بين المسلمين لإظهار دين الله. وقوله: ((وأدنى صديقه وأقصى إباه)) كلاهما قرينة لقوله: ((وأطاع الرجل امرأته وعق أمه)) لكن المذموم في الأولى الجمع بينهما، لأن إدناء الصديق محمود، بخلاف الثانية فإن الإفراد والجمع بينهما مذمومان. ((وأطاع الرجل امرأته)) أي: فيما تهواه وتأمره. ((وعق أمه)) أي: فيما تأمره، فرجح جانب الزوجة لأنها محل الشهوة، على جانب الأم، فإنها مرضاة للرب، وخص الأم بالذكر لزيادة حقها، وتأكد مشقتها في تربيته، فعقوقها أقبح من عقوق الأب. ((وأدنى صديقه)) أي قربه إلى نفسه للمؤانسة والمجالسة. ((وأقصى أباه)) أبعده ولم يصحبه ولم يستأنس به. وقوله: ((ولعن آخر هذه الأمة أولها)): أي: طعن الخلف في السلف وذكروهم بالسوء، ولم يقتدوا بهم في الأعمال الصالحة، فكأنه لعنهم. الحديث الرابع: عن علي ﵁: قوله: ((ولم يذكر: تعلم لغير الدين)) هذا كلام

стр. 2804

٥٤٥٢ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي)) رواه الترمذي، وأبو داود. وفي رواية له: قال: ((لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلاً مني – أو من أهل بيتي – يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً)) [٥٤٥٢] ٥٤٥٣ - وعن أم سلمة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((المهدي من عترتي من أولاد فاطمة)) رواه أبو داود. [٥٤٥٣] ٥٤٥٤ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، يملك سبع سنين)) رواه أبو داود. [٥٤٥٤] ٥٤٥٥ - وعنه، عن النبي ﷺ في قصة المهدي قال: ((فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي! أعطني أعطني. قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله)). رواه الترمذي. [٥٤٥٥] ــ صاحب المصابيح، وذلك أن الترمذي ذكر الحديثين على الولاء، وعد في كل واحد منهما الأعداد الخمسة عشر. الحديث الخامس عن عبد الله بن مسعود ﵁: قوله: ((يملك العرب)) لم يذكر العجم وهم مرادون أيضاً لأنه إذا ملك العرب واتفقت كلمتهم، وكانوا يداً واحدة قهروا سائر الأمم، ويؤيده حديث أم سلمة بعد هذا. الحديث السادس والسابع: عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((أجلى الجبهة)) ((النهاية)): الأجلى الخفيف الشعر ما بين [النزعتين] من الصدغين، والذي انحسر الشعر عن جبهته. والقنا: في الأنف طوله ودقة أرنبته مع حدث في وسطه. يقال: رجل أقنى وامرأة قنواء.

стр. 2805

٥٤٥٦ - وعن أم سلمة، عن النبي ﷺ ، قال: ((يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هارباً إلى مكة، فيأتيه الناس من أهل مكة، فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من الشام، فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأي الناس ذلك أتاه أبدال الشام، وعصائب أهل العراق، فيبايعونه، ثم ينشأ رجل من قريش، أخواله كلب، فيبعث إليهم بعثاً، فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، ويعمل في الناس بسنة نبيهم، ويلقي الإسلام بجرانه في الأرض، فيلبث سبع سنين، ثم يتوفي، ويصلي عليه المسلمون)) رواه أبو داود. [٥٤٥٦] ــ الحديث الثامن والتاسع: عن أم سلمة ﵂: قوله: ((فيخرج رجل من أهل المدينة)) وهو ((المهدي)) بدليل إيراد هذا الحديث أبو داود في باب ((المهدي)). قوله: ((فيخسف بهم بالبيداء)) ((تو)) البيداء: ارض ملساء بين الحرمين، وفي الحديث: ((يخسف بالبيداء بين المسجدين)) وليست بالبيداء التي أمام ذي الحليفة وهي شرف من الأرض. ((نه)): أبدل الشام هم الأولياء والعباد، والواحد ((بدل)) كجمل، أو ((بدل)) كحمل، سموا بذلك لأنه كلما مات منهم واحد بدل بآخر. قول الجوهري: الأبدال قوم من الصالحين لا تخلوا الدنيا منهم، إذا مات واحد بدل الله مكانه بآخر، قال ابن دريد: الواحد بديل. ((نه)) ((العصائب)): جمع عصابة وهم جماعة من الناس من العشرة إلى الأربعين؛ ولا واحد لها من لفظها، ومنه حديث علي ﵁: ((الأبدال بالشام والنجباء بمصر والعصائب بالعراق)) أراد أن التجمع للعروب يكون بالعراق، وقيل: أراد جماعة من الزهاد سماهم بالعصائب؛ لأنه قرنهم بالأبدال والنجباء، ذكر أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء بإسناده عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((خيار أمتي في كل قرن خمسمائة، والأبدال أربعون، فلا الخمسمائة ينقصون ولا الأربعون، كلما مات رجل أبدل الله من الخمسمائة مكانه وأدخل من الأربعين مكانهم. قالوا: يا رسول الله دلنا على أعمالهم. قال: يعفون عمن ظلمهم ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويتواسون فيما آتاههم الله ). وبإسناده أيضاً عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله في الخلق سبعة))
следующие страницы →