Полный текст (3 308 стр.). Показаны 3291–3308 · переход к 3296.
стр. 3291
وفي رواية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن خير التابعين رجل يقال له: أويس، وله والدة، وإن به بياض، فمروه فليستغفر لكم)). رواه مسلم.
٦٢٦٧ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((أتاكم أهل اليمن، هم أرق
ــ
وقال الإمام أحمد بن حنبل وغيره: أفضل التابعين سعيد بن المسيب.
والجواب: أن مرادهم سعيد أفضل في العلوم الشرعية كالتفسير والحديث والفقه ونحوها، لا في كونه أكثر ثواباً عند الله تعالى.
وفيه معجزة ظاهرة.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁:
قوله: ((أرق أفئدة)) ((مظ)): وصف الأفئدة بالرقة، والقلوب باللين، وذلك أنه يقال: إن الفؤاد غشاء القلب، وإذا رق نفذ القول وخلص إلى ما وراء، وإذا غلظ تعذر الوصول إلى داخله، فإذا صادف القلب ليناً علق به ونجع فيه.
((قض)): الرقة ضد الغلظة والصفاقة، واللين مقابل للقساوة، فاستعيرت في أحوال القلب، فإذا نبا عن الحق وأعرض عن قبوله ولم يتأثر عن الآيات والنذر يوصف بالغلظة، فكان شغافه صفيقاً لا ينفذ فيه الحق، وجرمه صلب لا يؤثر فيه الوعظ، وإذا كان بعكس ذلك يوصف بالرقة واللين، فكان حجابه رقيقاً لا يأبى نفوذ الحق، وجوهره لين يتأثر بالنصح.
ويحتمل أن يكون المراد بالرقة جودة الفهم، وباللين قبول الحق، فإن رقة الفؤاد تعد لقبول الأشكال بسهولة، واللين يقتضي عدم الممانعة والانفعال عن المؤثر بيسر، ولعله لذلك أضاف الرقة إلى الفؤاد، واللين إلى القلب، فإنه وإن كان الفؤاد والقلب واحداً، لكن الفؤاد فيه معنى النفاذ وهو التوقد، يقال: فاءدت اللحم أي شويته، والقلب فيه معنى التقلب، يتقلب حاله حالا بسبب ما يعتريه.
ثم لما وصفهم بذلك أتبعه ما هو كالنتيجة، فإن صفاء القلب ورقته ولين جوهره يؤدي إلى عرفان الحق والتصديق به، وهو الإيمان والانقياد لما يوجبه ويقتضيه، والتيقظ والإيقان فيما يذره ويأتيه، وهو الحكمة، فتكون قلوبهم معادن الإيمان وينابيع الحكمة، وهي قلوب منشؤها اليمن، نسب إليه الإيمان والحكمة معاً لانتسابهما إليه تنويهاً بذكرهما، وتعظيماً لشأنهما.
أقول: يمكن أن يراد بالقلب والفؤاد ما عليه أهل اللغة في كونهما مترادفين فكرر ليناط به معنى غير المعنى السابق، فإن الرقة مقابلة للغلظة، واللين مقابل للشدة والقسوة، فوصفت أولاً بالرقة، ليشير إلى التخلق مع الناس وحسن المعاشرة مع الأهل والأخوان، قال الله
стр. 3292
أفئدة، وألين قلوباً، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم)). متفق عليه.
٦٢٦٨ - وعنه، قال، قال رسول الله ﷺ : ((رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل، والفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم)) متفق عليه.
ــ
تعالى: ﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ وثانياً باللين ليؤذن بأن الآيات النازلة والدلائل المنصوبة ناجعة فيها، وصاحبها مقيم على التعظيم لأمر الله.
وقوله: ((الإيمان يمان والحكمة يمانية)) يشمل حسن المعاملة مع الله تعالى، والمعاشرة مع الناس، فلشدة شكيمة اليهود وعنادهم قيل فيهم: ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ وللين جانب المؤمنين وصفوا بقوله: ﴿ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾.
قوله: ((والخيلاء في أصحاب الإبل)) ((قض)): تخصيص الخيلاء بأصحاب الإبل، والوقار بأهل الغنم، يدل على أن مخالطة الحيوان مما يؤثر في النفس، وتعدي إليها هيئات وأخلاقاً تناسب طباعها، وتلائم أحوالها.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁:
قوله: ((رأس الكفر نحو المشرق)) نحوه: ((رأس الأمر الإسلام)) أي ظهور الكفر من قبل المشرق.
((مح)): المراد باختصاص المشرق به مزيد تسلط الشيطان على أهل المشرق، وكان ذلك في عهده ﷺ ، ويكون حين يخرج الدجال من المشرق، فإنه منشأ الفتن العظيمة، ومثار الكفرة الترك.
قوله: ((والخيلاء في أهل الخيل)) غب: الخيلاء التكبر عن تخيل فضيلة تراءات للإنسان من نفسه، ومنه يتأول لفظ الخيل، لما قيل: إنه لا يركب أحد فرساً إلا وجد في نفسه نخوة، والخيل في الأصل اسم للأفراس والفرسان جميعاً.
قوله: ((والفدادين)) ((نه)): الفدادون بالتشديد الذين يعلون أصواتهم في حروثهم ومواشيهم، واحدهم فداد، يقال: فد الرجال يفد فدداً إذا اشتد صوته.
وقيل: هم المكثرون من الإبل.
стр. 3293
٦٢٦٩ - وعن أبي مسعود الأنصاري، عن النبي ﷺ قال: ((من هاهنا جاءت الفتن- نحو المشرق- والجفاء، وغلظ القلوب في الفدادين أهل الوبر عند أصول أذناب الإبل والبقر، في ربيعة ومضر)). متفق عليه.
٦٢٧٠ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((غلظ القلوب والجفاء في المشرق، والإيمان في الحجاز)). رواه مسلم.
٦٢٧١ - وعن ابن عمر، قال: قال النبي ﷺ : ((اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا)). قالوا: يا رسول الله! وفي نجدنا؟ قال: ((اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا)) قالوا: يا رسول الله! وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة: ((هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان)). رواه البخاري.
ــ
وقيل: هم الجمالون والبقارون والحمارون والرعيان.
وقيل: إنما هو الفدادون مخففاً، واحد فداد مشددا، وهي البقرة التي يحرث بها، وأهلها أهل جفاء وغلظة.
تو: إذا روي بالتخفيف تقديره: وهي أهل الفدادين، وأرى أن أصوب الروايتين بالتشديد، كما في حديث ابن مسعود الذي يتلو هذا الحديث: ((والجفاء والغلظة في الفدادين)) والتخفيف في هذه الرواية غير مستقيم، وتقدير الحذف فيه مستبعد رواية ومعنى، فرددنا المختلف فيه إلى المتفق عليه، هذا وقد صح عن النبي ﷺ أنه رأى سكة وشيئاً من آلة الحرث فقال: ((ما دخل هذا دار قوم إلا أدخل عليهم الذل)) وأين إيقاع الفخر والخيلاء من موقع الذل؟
الحديث الرابع عن أبي مسعود ﵁:
قوله: ((نحو المشرق)) حال متعلق بمحذوف، أي قال ﷺ : ((من هنا جاءت الفتن)) مشيراً نحو المشرق. و ((أهل الوبر)) موضع الفدادين، ويراد بأهل الوبر الأعراب، فيكون قوله: ((في ربيعة ومضر)) بدلا من وله: ((في الفدادين)) بإعادة العامل، وقوله: ((عند)) ظرف لقوله الفدادين على تأويل: الذين بهم جلبة وصياح عند سوقهم لها، لأن سائق الدواب إنما يعلو صوته خلفها.
الحديث الخامس والحديث السادس عن ابن عمر ﵄:
قوله: ((اللهم بارك لنا في شامنا)) ((شف)): إنما دعا لها بالبركة لأن مولده بمكة وهي من اليمن، ومسكنه ومدفنه بالمدينة وهي من الشام، وناهيك من فضل الناحيتين أحدهما مولده والأخرى مدفنه، وأنه أضافهما إلى نفسه وأتى بضمير الجمع تعظيماً، وكرر الدعاء ثلاث مرات.
стр. 3294
الفصل الثاني
٦٢٧٢ - عن أنس، عن زيد بن ثابت، أن النبي ﷺ نظر قبل اليمن، فقال: ((اللهم أقبل بقلوبهم، وبارك لنا في صاعنا ومدنا)). رواه الترمذي [٦٢٧٢].
٦٢٧٣ - وعن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ : ((طوبى للشام)) قلنا: لأي ذلك يا رسول الله؟ قال: ((لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها)). رواه أحمد، والترمذي [٦٢٧٣].
٦٢٧٤ - وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ستخرج نار من نحو حضر موت، أو من حضر موت، تحشر الناس)) قلنا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟ قال: ((عليكم بالشام)). رواه الترمذي [٦٢٧٤].
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أنس ﵁:
قوله: ((أقبل بقلوبهم)) ((تو)): وجه التناسب بين الفصلين أن أهل المدينة ما زالوا في شدة من العيش، وعوز من الزاد، لا تقوم أقواتهم بحاجتهم، فلما دعا الله بأن يقبل عليهم بقلوب أهل اليمن إلى دار الهجرة، وهم الجم الغفير دعا الله بالبركة في طعام أهل المدينة ليتسع على القاطن بها، والقادم عليها، فلا يسأم المقيم من القادم عليه، ولا تشق الإقامة على المهاجر إليها.
الحديث الثاني عن زيد بن ثابت ﵁:
قوله: ((طوبى للشام)) هو مصدر من طاب كبشرى وزلفى، ومعنى طوبى لك: أصبت خيراً وطيباً.
وقوله: ((لأي ذلك؟ ((كذا في جامع الترمذي على حذف المضاف إليه، أي لأي سبب قلت ذلك؟ وقد أثبت في بعض نسخ المصابيح لفظ ((شيء)).
الحديث الثالث عن عبد الله بن عمر ﵄:
قوله: ((نار من حضر موت)) ((تو)): يحتمل أنها رأي عين وهو الأصل، ويحتمل أنها فتنة عبر عنها بالنار، وعلى التقديرين فالوجه فيه أنها قبل قيام الساعة، لأنهم قالوا: ((فما تأمرنا؟)) يعنون في التوقي عنها، فقال: ((عليكم بالشام)).
стр. 3295
٦٢٧٥ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنها ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم)). وفي رواية: ((فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها، تلفظهم أرضوهم، تقذرهم نفس الله، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا
ــ
الحديث الرابع عن عبد الله بن عمرو ﵄:
قوله: ((هجرة بعد هجرة)) قال الشارحون: كان من حق الثانية أن يؤتى بها مع لام العهد، لأن المراد منها الهجرة الواجبة قبل الفتح، وإنما أتى بها منكرة لتساوق الأولى في الصيغة مع إضمار في الكلام، أي بعد هجرة حقت ووجبت، والمعنى: ستكون هجرة إلى الشام بعد هجرة كانت إلى المدينة.
أقول ويمكن أن يراد التكرير، كما في قولك: لبيك وسعديك، أي ألبيك إلباباً بعد إلباب.
و ((الفاء)) في قوله: ((فخيار الناس)) يلوح إليه لأنه تفصيل للمجمل، كأنه قيل: سيحدث للناس مفارقة من الأوطان، وكل إنسان يفارق وطنه إلى آخر ويهجره هجرة بعد هجرة، فخيارهم من يهاجر أو يرغب إلى ((مهاجر إبراهيم ﵊) وهو الشام.
وينصر هذا التأويل الحديث الذي يتوله.
((تو)): وذلك حين تكثر الفتن، ويقل القائمون بأمر الله في البلاد، ويستولى الكفرة الطغام على بلاد الإسلام، وتبقى الشام يسوسها العساكر الإسلامية منصورة على من ناوأهم، ظاهرين على الحق حتى يقاتلوا الدجال، فالمهاجر إليها حينئذ فاز بدينه، ملتجئ إليها لصلاح آخرته، يكثر سواد عباد الله الصالحين القائمين بأمر الله تعالى.
ولعل الحديث إشارة إلى العصر الذي نحن فيه.
قوله: ((تلفظهم أرضوهم)) ((قض)): أي ينتقل من الأراضي التي يستولى عليها الكفرة خيار أهلها، ويبقى خساس تخلفوا عن المهاجرين جبناً عن القتال، حرصاً وتهالكاً على ما كان لهم فيه امن ضياع ومواش ونحوهما من متاع الدنيا، فهم لخسة نفوسهم وضعف ينهم كالشيء المسترذل المستقذر عنه، فكأن الأرض تستنكف عنهم فتقذفهم، والله سبحانه يكرههم، فيبعدهم من مظان رحمته ومحل كرامته، إبعاد من يستقذر الشيء ويبعد عنه طبعه، فلذلك منعهم من الخروج وثبطهم قعوداً مع أعداء الدين، نحوه قوله تعالى: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم﴾.
وقوله: ((تقذرهم نفس الله)) من التمثيلات المركبة التي لا يتطلب لمفرداته ممثلا وممثلا به، مثل: شابت لمة الليل، وقامت الحرب على ساق.
стр. 3296
باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا)). رواه أبو داود [٦٢٧٥].
٦٢٧٦ - وعن ابن حوالة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((سيصير الأمر أن تكونوا جنوداً مجندة، جند بالشام، وجند باليمن، وجند بالعراق)) فقال ابن حوالة: خرلي يا رسول الله! إن أدركت ذلك. فقال: ((عليك بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده، فأما إن أبيتم عليكم بيمنكم، واسقوا من غدركم، فإن
ــ
تو: نفس الله ذاته، وهو وإن كان من حيث حصل له مضاف ومضاف إليه يقتضي المغايرة وإثبات شيئين من حيث الغيار على سبيل الاتساع، وتعالى الله الملك عن الأثنوية ومشابهة المحدثات علواً كبيراً.
قوله: ((تحشرهم النار مع القردة والخنازير)) مظ: النار هاهنا الفتنة، يعني تحشرهم نار الفتنة التي هي نتيجة أفعالهم القبيحة، وأقوالهم، مع القردة والخنازير لكونهم متخلقين بأخلاقهم، فيظنون أن الفتنة لا تكون إلا في بلدانهم فيختارون جلاء أوطانهم ويتركونها، والفتنة تكون لازمة لهم ولا تنفك عنهم حيث يكونون وينزلون.
أقول: قوله: ((تلفظهم أرضوهم إلخ)) جمل مستأنفات مبنية لقوله: ((ويبقى في الأرض شرار أهلها)) كأنه سئل: فما حال الأشرار الباقية؟ فقيل: تلفظهم أرضوهم، أي ترميهم وتقذفهم من أرضيهم إلى أخرى، وليس لهم فيها قرار.
ثم قيل: ومعاملة الله معهم؟ فقيل: يقذرهم فيبعدهم عن مظان رحمته ومحل كرامته.
ثم قيل: ما مآل آمرهم حينئذ؟ فيقل: تحشرهم النار مع القردة والخنازير.
وقوله: ((تبيت معهم)) إما جملة مؤكدة لما قبلها، أو حال منها.
الحديث الخامس عن ابن حوالة ﵁:
قوله: ((فإنها خيرة الله)) الخيرة بسكون الياء اسم من خار، فأما بالفتح فهي الاسم من قولك: اختاره الله، ومحمد ﷺ خيرة الله من خلقه، يقال بالفتح والسكون.
قوله: ((فأما إن أبيتم فعليكم بيمنكم)) تو: هذا كلام معترض أدخله بين قوله: ((عليكم بالشام)) وبين قوله: ((واسقوا من غدركم)) أي ألزموا الشام واسقوا من غدركم.
((فإن الله تكفل لي بالشام وأهلها)) رخص لهم في النزول بأرض اليمن، ثم عاد على ما بدأ منه، وإنما أضاف اليمن إليهم لأنه خاطب به العرب، واليمن من أرض العرب.
стр. 3297
الله توكل لي بالشام وأهله)) رواه أحمد، وأبو داود [٦٢٧٦].
ــ
ومعنى قوله: ((واسقوا من غدركم)) أي ليسق كل واحد منكم من غديره الذي يختص به، والأجناد المجندة بالشام- لاسيما أهل الثغور والنازلين في المروج- من شأنهم أن تتخذ كل فرقة لنفسها غديراً تستنقع فيه الماء للشرب والتطهر وسقي الدواب، فوصاهم بالسقي مما يختص بهم وترك المزاحمة فيما سواه والتغلب لئلا يكون سبباً للاختلاف وتهيج الفتنة.
أقول: كأن قوله: ((فأما إن أبيتم)) وارد على التأنيب والتعيير، يعني: أن الشام مختار الله من الأرض، فلا يختارها إلا خيرة الله من عباده، فإن أبيتم أيها العرب ما اختاره الله تعالى، واخترتم بلادكم ومسقط رأسكم من البوادي فالزموا يمنكم، واسقوا من غدرها لأنه أوفق لكم من البوادي، ألا ترى كيف جمع الضميرين في القرينتين بعد أن أفرده في قوله: ((عليكم بالشام)) فعلم من هذا أن الشام أولى بالاختيار واليمن عند الاضطرار.
والغدر: جمع غدير وهي حفرة يستنقع فيها الماء، والعرب أكثر الناس اتخاذاً لها، ولذلك أضيف إليهم.
وهاتان الإضافتان بعد نسبته أرض الشام إلى الله تعالى يرشدانك إلى أن الكلام ليس فيه اعتراض، وكذا ((أما)) التفصيلية، ثم إن قوله: ((فإن الله توكل لي بالشام)) مرتب على الكلامين، كأنه قيل: الشام هو الاختيار، واليمن عند الاضطرار، فإن الله تعالى توكل لي بالشام.
((تو)): في سائر نسخ المصابيح: ((فإن الله قد توكل لي بالشام)) والصواب: ((قد تكفل لي)) وهو سهو إما في أصل الكتاب أو من بعض رواة الحديث، فنقل [على ما وجد].
((قض)): أراد بالتوكل التكفل، فإن من توكل بشيء فقد تكفل بالقيام به، والمعنى: أنه تعالى ضمن لي حفظها وحفظ أهلها من بأس الكفرة واستيلائهم، بحيث يتخطفهم ويدمرهم بالكلية.
أقول: في مسند أحمد وجامع الأصول عن أبي الدرداء كما في المصابيح.
وقوله: ((لي)) ليس بصلة توكل، وصلته: إما ((على)) أو ((الباء))، ولا يجوز الأول فتعين الثاني، أي: توكل بالشام لأجلي.
((نه)): يقال: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به.
стр. 3298
الفصل الثالث
٦٢٧٧ - عن شريح بن عبيد، قال: ذكر أهل الشام عند علي [﵁] وقيل: العنهم يا أمير المؤمنين! قال: لا، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الأبدال يكونون بالشام، وهم أربعون رجلاً، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً، يسقى بهم الغيث وينتصر بهم على الأعداء، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب)) [٦٢٧٧].
٦٢٧٨ - وعن رجل من الصحابة، أن رسول الله ﷺ قال: ((ستفتح الشام، فإذا خيرتم المنازل فيها، فعليكم بمدينة يقال لها دمشق، فإنها معقل المسلمين من الملاحم وفسطاطها، منها أرض يقال لها: الغوطة)). رواهما أحمد [٦٢٧٨].
٦٢٧٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الخلافة بالمدينة، والملك بالشام)) [٦٢٧٩].
٦٢٨٠ - وعن عمر [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : ((رأيت عموداً من نور، خرج من تحت رأسي ساطعاً حتى استقر بالشام)). رواهما البيهقي في ((دلائل النبوة)) [٦٢٨٠].
ــ
الفصل الثالث إلى آخره
رجل: []
قوله: ((معقل المسلمين)) هو من معقل [الأروية]، أي يتحصن المسلمون ويلتجئون إلى دمشق، كما يلتجئ الوعل إلى رأس الجبل.
و ((الملحمة)) الحرب والقتال.
و ((الفسطاط)) أراد به البلدة الجامعة للناس، ومنه سميت مصر الفسطاط.
و ((الغوطة)) اسم البساتين والمياه التي عند دمشق، وهي غوطة دمشق.
стр. 3299
٦٢٨١ - وعن أبي الدرداء، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة، إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام)). رواه أبو داود [٦٢٨١].
٦٢٨٢ - وعن عبد الرحمن بن سليمان، قال: سيأتي ملك من ملوك العجم، فيظهر على المدائن كلها إلا دمشق. رواه أبو داود [٦٢٨٢].
(١٤) باب ثواب هذه الأمة
الفصل الأول
٦٢٨٣ - عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: ((إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم ما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود
ــ
باب ثواب هذه الأمة
الفصل الأول
الحديث الأول عن عبد الله بن عمر ﵄:
قوله: ((إنما أجلكم في أجل من خلا)) الأجل المدة المضروبة للشيء، قال تعالى: ﴿لتبلغوني أجلا مسمى﴾ ويقال للمدة المضروبة لحياة الإنسان: أجل، فيقال: دنا أجله، عبارة عن دنو الموت، وأصله استيفاء الأجل، أي مدة الحياة، ومعناه: ما أجلكم في أجل من مضى من الأم السالفة في الطول والقصر إلا مقدار ما بين صلاة العصر إلى صلاة المغرب من الزمان.
قوله: ((إنما مثلكم ومثل اليهود)) وفي أصل المالكي: ((إنما مثلكم واليهود)) قال: عطف على الضمير المجرور بغير إعادة الجار، وهو ممنوع عند البصرين إلا يونس وقطب والأخفش، والجواز أصح من المنع لضعف احتجاج المانعين، وصحة استعماله نظماً ونثراً، واحتجوا بأن الضمير المجرور شبيه بالتنوين [ومعاقب] فلم يجز العطف عليه كما لا يعطف على التنوين، وبأن حق المعطوف والمعطوف عليه أن يصح حلول كل منهما محل الآخر، وضمير الجر لا يصح حلوله محل ما يعطف عليه إلا بإعادة الجار نحو ﴿فقال لها وللأرض﴾ والحجتان ضعيفتان.
стр. 3300
والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال: من يعمل إلى نصف النهار على قيراط قيرط؟، فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟، فعملت النصارى من نصف النهار
ــ
أما الأولى: فإن شبه الضمير بالتنوين ضعيف فلا يترتب عليه إيجاب ولا منع، ولو منع من العطف عليه لمنع من توكيده والإبدال منه، لأن التنوين لا يؤكد ولا يبدل منه بخلاف الضمير، فالعطف عليه أسوة بهما.
وكذا الثانية: ضعيفة لجواز قوله: رب رجل وأخيه، وقوله: أي فتى هيجاء أنت وجارها، وقولك: زيد وأخوك منطلقان.
ومن مؤيدات الجواز قراءة حمزة: ﴿واتقوا الله الذي يتساءلون به والأرحام﴾ بالخفض.
وجعل الزمخشري ((أشد)) معطوفاً على الكاف والميم من: ﴿فاذكروا الله كذكركم﴾ ولم يجز عطفه على الذكر. والذي ذهب إليه هو الصحيح يعرف بالتأمل.
((حس)): قال الخطابي: يروى هذا الحديث على وجوه مختلفة في توقيت العمل من النهار، وتقدير الأجرة، ففي هذه الرواية قطع الأجرة لكل فريق قيراطاً قيراطاً، وتوقيت العمل عليهم زماناً زماناً، واستيفاؤه منهم، وإيفاؤهم الأجرة.
وفيه قطع الخصومة، وزوال العنت عنهم، وإبراؤهم من الذنب.
وهذا الحديث مختصر، وإنما اكتفى الراوي منه بذكر مآل العاقبة فيما أصاب كل واحدة من الفرق، وقد روى محمد بن إسماعيل هذا الحديث بإسناده عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: ((أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا إلى صلاة العصر [ثم عجزوا] فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين)) الحديث.
فهذه الرواية تدل على أن مبلغ الأجرة لليهود لعمل النهار كله قيرطان، وأجرة النصارى للنصف الثاني قيرطان، فلما عجزوا عن العمل قل تمامه لم يصيبوا إلا قدر عملهم وهو قيراط، ثم إنهم لما رأوا المسلمين قد استوفوا قدر أجرة الفريقين حاسدوهم فقالوا: نحن أكثر عملاً وأقل أجراً.
قوله: ((فعملت اليهود إلى نصف النهار)) حالة من حالات المشبه أدخلها في المشبه به وجعلت من حالاته اختصاراً، إذ الأصل، قال الرجل: من يعمل إلى نصف النهار على قيراط قيراط، فعمل قوم إلى نصف النهار ... الخ.
стр. 3301
إلى صلاة العصر على قيراط قيراط. ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس، ألا لكم الأجر مرتين، فغضبت اليهود والنصارى فقالوا: نحن أكثر عملاً، وأقل عطاءً! قال الله تعالى: فهل ظلمتكم من حقكم شيئاً، قالوا: لا. قال الله تعالى: فإنه فضلي، أعطيه من شئت)). رواه البخاري.
٦٢٨٤ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن من أشد أمتي لي حباً ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله)) رواه مسلم.
ــ
وكذلك قال الله تعالى للأمم من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط فعملت اليهود ... إلى آخره ونظيره قوله تعالى: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ...﴾ إلى قوله ﴿... ذهب الله بنورهم﴾ فقوله: ((ذهب الله بنورهم)) وصف للمنافقين وضع موضع وصف المستوقد اختصاراً- كذا عن الواحدي.
قوله: ((ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار)) قال المالكي: تضمن هذا الحديث ((من)) في ابتداء غاية الزمان مراراً وهو مما خفي على أكثر النحويين، فمنعوه تقليداً لسيبويه في قوله: وأما ((من)) فتكون لابتداء الغاية في الأماكن، وأما ((مذ)) فتكون لابتداء غاية الأيام والأحيان، ولا تدخل واحدة منهما على صاحبتها. يعني أن ((مذ)) لا تدخل على الأمكنة ولا ((من)) على الأزمنة، فالأول مسلم بالإجماع، والثاني ممنوع لمخالفته النقل الصحيح والاستعمال الفصيح، ومن الشواهد قوله تعالى: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه﴾.
قوله: ((فغضبت اليهود والنصارى)) لعل هذا تخييل وتصوير لا أن ثمة مقاولة ومكالمة حقيقة، اللهم إلا أن يحمل ذلك على حصولها عند أخراج الذر فتكون حقيقة.
وقوله: ((فإنه)) الضمير واقع موقع اسم الإشارة، والمشار إليه قوله: ((الأجر مرتين)) إنما لم يكن ظلماً لأنه تعالى شرط معهم شرطاً وقبلوا أن يعملوا به، وكان فضله مع النصارى على اليهود شرطاً في زمان أقل من زمانهم مع أنهما في الأجرة متساويان، وأما المسلمون فمدة عملهم أقل مع ضعف الأجرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁:
قوله: ((لو رآني بأهله وماله)) ((مظ)): الباء في ((بأهله)) باء التعدية، كما في قولهم: بأبي أنت وأمي، يعني يتمنى أحدهم أن يكون مفدياً بأهله وماله لو اتفق رؤيتهم إياي ووصلوهم إلي.
стр. 3302
٦٢٨٥ - وعن معاوية، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)). متفق عليه.
وذكر حديث أنس ((إن من عباد الله)) في: ((كتاب القصاص)).
الفصل الثاني
٦٢٨٦ - عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل أمتي مثل المطر، لا يدري أوله خير أم آخره)) رواه الترمذي [٦٢٨٦].
ــ
أقول: ((لو)) هنا كما في قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفورا لو كانوا مسلمين﴾ فلابد لقوله: ((يود)) من مفعول، فلو مع ما بعده نزل منزلته، كأنه قيل: يود أحدهم ويحب أحدهم ما يلازم قوله: لو رآني بأهله أن يفدي أهله وماله ليراني.
الحديث الثالث عن معاوية ﵁:
قوله: ((لا يزال من أمتي أمة قائمة)) تو: الأمة القائمة بأمر الله وإن اختلف فيها فإن المعتد به من الأقاويل: أنها الفئة المرابطة بثغور الشام نضر الله بهم وجه الإسلام، لما في بعض طرق هذا الحديث: ((وهم بالشام)) وفي بعضها: ((حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال)) وفي بعضها: قيل: يا رسول الله وأين هم؟ قال: ببيت المقدس)).
فإن قيل: ما وجه هذا الحديث وما في معناه من الأحاديث التي وردت في الشام، وقد عاثت الذئاب في القطيع، وعبرت الجنود العاتية على الفرات، واستباحت ما وراءه من البلاد كنبيح وسروج وحلب وما حولها؟
قلت: إنما أراد بقوله: لا يضرهم كل الضرر، وقد أضر الكفار يوم أحد بأصحاب النبي ﷺ وغيره، ولما كانت العاقبة للتقوى لم يعد ذلك ضرراً عليهم، مع أن الفئة الموعود لهم بالنصرة على عدوهم هم الجيوش الغازية بها، ولم يصبهم بحمد الله إلى اليوم غضاضة ولا هوان.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أنس ﵁:
قوله: ((لا يدري أوله خير)) ((تو)) لا يحمل هذا الحديث على التردد في فضل الأول على الآخر، فإن القرن الأول هم المفضلون على سائر القرون من غير [مثنوية]، ثم الذين يلونهم، ثم الذين
стр. 3303
ــ
يلونهم، وفي الرابع اشتباه من قبل الراوي، وإنما المراد منه نفعهم في بث الشريعة والذب عن الحققة.
((قض)): نفى تعلق العلم بتفاوت طبقات الأمة في الخيرية، وأراد نفي التفاوت، كما قال الله تعالى: ﴿قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض﴾ أي بما ليس فيهن، كأنه قيل: لو كان يعلم لأنه أمر لا يخفى، ولكن لا يعلم لاختصاص كل طبقة منهم بخاصية وفضيلة توجب خيرتها، كما أن كل نوبة من نوب المطر لها فائدة في النشوء والنماء، لا يمكنك إنكارها والحكم بعدم نفعها، فإن الأولين آمنوا بما شاهدوا من المعجزات، وتلقوا دعوة النبي ﷺ بالإجابة والإيمان، والآخرين آمنوا بالغيب لما تواتر عندهم من الآيات، واتبعوا من قبلهم بالإحسان.
وكما أن الأولين اجتهدوا في التأسيس والتمهيد، فالمتأخرون بذلوا وسعهم في التفحيص والتجريد، وصرفوا عمرهم في التقرير والتأكيد، فكل مغفور وسعيهم مشكور، وأجرهم موفور.
أقول: تمثيل الأمة بالمطر إنما يكون بالهدى والعلم، كما أن تمثيله ﷺ بالغيث والهدى والعلم، فتختص هذه الأمة المشبهة بالمطر بالعلماء الكاملين منهم والمكملين لغيرهم، فيستدعي بهذا التفسير أن يراد بالخير النفع، فلا يلزم من هذا المساواة في الأفضلية، ولو ذهب إلى الخيرية، فالمراد وصف الأمة كلها سابقها ولاحقها، أولها وآخرها بالخيرية وأنها ملتحمة مع بعض، مرصوصة كالبنيان، مفرغة كالحلقة التي لا يدري أين طرفها، على منوال قوله تعالى: ﴿آلمر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق﴾.
الكشاف: أي تلك الآيات آيات السورة الكاملة العجيبة في بابها، ثم قال: ﴿والذي أنزل إليك﴾ من القرآن كله ﴿هو الحق﴾ الذي لا مزيد عليه لا هذه السورة وحدها.
وفي أسلوب هذا الكلام قول الأنمارية: هم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها. تريد المكملة.
ويلمح إلى هذا المعنى قول الشاعر:
إن الخيار من القبائل واحد وبنو حنيفة كلهم أخيار.
فالحاصل أن الأمة بأسرها مرتبطاً بعضها مع بعض في الخيرية، بحيث أبهم أمرها، وارتفع التمييز بينها، وإن كان بعضها أفضل من بعض وفي نفس الأمر، وهو قريب من باب سوق المعلوم مساق غيره، وفي معناه أنشد مروان بن أبي حفصة:
стр. 3304
الفصل الثالث
٦٢٨٧ - عن جعفر، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أبشروا وأبشروا، إنما مثل أمتي كمثل الغيث، لا يدري آخره خير أم أوله، أو كحديقة أطعم منها فوج عاماً، ثم أطعم منها فوج عاماً، لعل آخرها فوجاً أن يكون أعرضها عرضاً وأعمقها
ــ
تشابه يوماه علينا فأشكلا فما نحن ندري أي يوميه أفضل؟
أيوم بداءة العمر أم يوم يأسه؟ وما منهما إلا أغر محجل
ومعلوم أن يوم بداءة العمر أفضل من يوم يأسه، لكن البدء لما لم يكن يكمل ويستتب إلا باليأس أشكل عليه الأمر فقال ما قال، وكذلك أمر المطر والأمة.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن جعفر الصادق:
قوله: ((أو كحديقة)) ((أو)) هذه مثلها في قوله تعالى: ﴿أو كصيب من السماء﴾ في أنها مستعارة للتساوي في غير الشك، كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، يريد أنهما سيان في استصواب أن يجالسا.
معناه: إن كيفية صورة أمتي مشتبهة بكيفية المطر والحديقة، وأنهما سواء في استقلال كل واحدة منهما بوجه التمثيل، فأيتهما مثلتها فأنت مصيب، وإن مثلتها بهما جميعاً فكذلك.
فإن قلت: أي فرق بين التمثيلين؟
قلت: شبهت الأمة في التمثيل الأول بالمطر في نفع الناس بالهدى والعلم.
وبالثاني بالاستنفاع من علم الرسول ﷺ وهداه، وإنباته الكلأ والعشب الكثير، وحصول [الإخاذات] ثم انتفاع الناس منهما بالرعي والسقي، وهو المعنى بالفوج الذي أطعم من الحديقة عاماً.
والحديقة: كل ما أحاط به البناء من البساتين وغيرها.
وقوله: ((أن يكون)) خبر لعل، وأدخل فيه ((أن)) تشبيها لـ ((لعل)) بـ ((عسى))، واسم ((يكون)) يحتمل أن يكون ضميراً عائداً إلى آخرها، وأعرضها خبره.
ووصف الأمة بالطول والعرض والعمق باعتبار ملابستها بالحديقة، وأن يكون: ((أعرضها)) صفة موصوف محذوف واسم ((يكون)) والخبر مقدر، أي: تكون الحديقة أعرضها عرضاً له، إن روي مرفوعاً.
стр. 3305
عمقاً، وأحسنها حسناً، كيف تهلك أمة أنا أولها والمهدي وسطها، والمسيح آخرها؟ ولكن بين ذلك فيج أعوج، ليسوا مني ولا أنا منهم)) رواه رزين.
٦٢٨٨ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أي الخلق أعجب إليكم إيماناً؟)) قالوا: الملائكة قال: ((ومالهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟)). قالوا: فالنبيون. قال: ((وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟)) قالوا: فنحن. قال: ((ومالكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟)) قال: فقال رسول الله ﷺ : ((إن أعجب الخلق إلي إيماناً لقوم يكونون من بعدي يجدون صحفاً فيها كتاب يؤمنون بما فيها)).
ــ
وأعرض وأعمق وأحسن جيء بها مبالغة، أي أبلغها عرضاً وعمقاً وحسناً، نحو قولك: العسل أحلى من الخل، والصيف أحر من الشتاء.
وقوله: ((أحسنها حسناً)) كقوله: جد جده، وجن جنونه.
وعرضاً: يحتمل أن يكون اسم عين، بدليل قوله: وأعمقها عمقاً.
وأن يكون اسم معنى بدليل: وأحسنها حسناً.
والفوج والفيج: الجماعة من الناس، فأما الفوج فإنه مخفف من الفيج، تقول: فياج يفوج فهو فيج، كما يقال: هان يهون فهو هين، ثم تخففه فتقول: هين، هكذا قال الأزهري.
وأما ((الفوج)) فهو على أصله من الواو بغير تخفيف، وإنما أحتاج إلى التقدير المذكور في الفيج لأجل الياء.
وقوله: ((أعوج)) وصف للفيج باعتبار اللفظ.
و ((ليسوا)) أيضاً وصف له باعتبار المعنى.
الحديث الثاني عن عمرو بن شعيب. ..
وقوله: ((أي الخلق أعجب إليكم إيماناً)) يحتمل أن يراد به: أعظم إيماناً على سبيل المجاز، لأن من تعجب من شيء عظمه، فجوابهم مبني على المجاز، ورد رسول الله ﷺ مبني على إرادة الحقيقة.
قوله: ((فالنبيون)) الفاء فيه وفي قوله: ((فنحن)) كما في قولك: الأمثل فالأمثل، والأفضل فالأفضل، وقوله تعالى: ﴿والصافات صفا فالزاجرات زجرا﴾ في وجه.
стр. 3306
٦٢٨٩ - وعن عبد الرحمن بن العلاء الحضرمي، قال: حدثني من سمع النبي ﷺ يقول: إنه سيكون في آخر هذه الأمة قوم لهم مثل أجر أولهم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقاتلون أهل الفتن)) رواهما البيهقي في ((دلائل النبوة)) [٦٢٨٩].
٦٢٩٠ - وعن أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ قال: ((طوبى لمن رآني [وآمن بي]، وطوبى سبع مرات لمن لم يراني وآمن بي)) رواه أحمد [٦٢٩٠].
٦٢٩١ - وعن أبي محيريز، قال: قلت لأبي جمعة رجل من الصحابة: حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ . قال: نعم أحدثكم حديثاً جيداً، تغدينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول الله! أحد خير منا؟ أسلمنا،
ــ
ولا يلزم من هذا أفضلية الملائكة على الأنبياء لأن القول في كون إيمانهم متعجباً منه بحسب الشهود والغيبة.
قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ أي يؤمنون غائبين عن المؤمن به وحقيقته، متلبسين بالغيب كقوله تعالى: ﴿يخشون ربهم بالغيب﴾ ويعضده ما روي أن أصحاب عبد الله بن مسعود ذكروا أصحاب رسول الله ﷺ وإيمانهم، فقال ابن مسعود: إن أمر محمد ﷺ كان بيناً، والذي لا إله غيره ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ هذه الآية.
الحديث الثالث والرابع عن أبي أمامة الباهلي ﵁:
قوله: ((وطوبى سبع مرات)) جملة معطوفة على السابقة، أي وقال رسول الله ﷺ : ((طوبى لمن لم يرني وآمن بي- سبع مرات)) فعلى هذا ((سبع مرات)) ظرف لقال مقدراً، تخلل بين ((طوبى)) وما يتعلق به.
ويحتمل أن يكون ((سبع مرات)) مصدراً لطوبى ومقولا لقول رسول الله ﷺ ، والمراد به التكثير لا التحديد.
الحديث الخامس عن أبي محيريز:
قوله: ((وجاهدنا معك)) كقوله تعالى: ﴿رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله﴾ وحرف الاستفهام محذوف.
стр. 3307
وجاهدنا معك. قال: ((نعم، قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني)) رواه أحمد، والدارمي [٦٢٩١].
وروى رزين عن أبي عبيدة من قوله: قال: يا رسول الله! أحد خير منا إلى آخره.
٦٢٩٢ - وعن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم. ولا يزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة)) قال ابن المديني. هم أصحاب الحديث. رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح [٦٢٩٢].
٦٢٩٣ - وعن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) رواه ابن ماجه والبيهقي [٦٢٩٣].
٦٢٩٤ - وعن بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول
ــ
ويحتمل أن يكون لمجرد الاستفهام، وأسلمنا استئناف وجاهدنا حال، و ((نعم)) على هذا وقعت موقعها.
وأن يكون الاستفهام للإنكار، وأسلمنا استئناف لبيان نفي خيرية الغير عنه، وعلى هذا وقعت ((نعم)) موقع ((بلى)) فالخيرية بحسب الغيبة والشهود، كما سبق بيانه آنفاً والله أعلم.
الحديث السادس عن معاوية بن قرة ﵁:
قوله: ((هم أصحاب الحديث)) لا منافاة بين هذا الحديث وبين قوله في الحديث السابق: ((لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله)) على ما مر، فإن المراد منها الفئة المرابطة بثغور الشام، لأن اللفظ يحتمل كلا المعنيين.
وأما قوله: ((لا يضرهم من خذلهم)) فيحمل الخذلان على ترك المعاونة لهم على المبتدعة، فيكون هنا مجازاً وهنالك حقيقة.
الحديث السابع والثامن عن بهز بن حكيم:
قوله: ((يقول في قوله تعالى)) أي في تفسير قوله تعالى.
стр. 3308
في قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ قال: ((أنتم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله تعالى)) رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن [٦٢٩٤].
ــ
فالمراد بالسبعين التكثير لا التحديد ليناسب إضافة الخير إلى المفرد والنكرة لأنه لاستغراق الأمم الفائتة للحصر باعتبار أفرادها، أي: إذا تقصيت أمة أمة من الأمم كنتم خيرها.
وتتمون: علة للخيرية، لأن المراد به الختم، يعني كما أن نبيكم خاتم الأنبياء، أنتم خاتم الأمم، وكما أن نبيكم ﷺ حاز ما تفرق في الأنبياء السالفة من الكمالات والخصال الفاضلة، كذلك حكمكم مع الأمم السالفة، قال تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتداه﴾.
والله أعلم بالصواب
وإليه المرجع والمآب