← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

٦١٨٦ - وعن عائشة، قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة وما رأيتها، ولكن كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم تكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول: ((إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد)). متفق عليه. ٦١٨٧ - وعن أبي سلمة أن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : ((يا عائش! هذا جبريل يقرئك السلام)). قالت: وعلي السلام، ورحمة الله قالت: وهو يرى ما لا أرى. متفق عليه. ــ و ((الصخب)) اختلاط الأصوات. و ((النصب)) التعب. فنفي عن البيت النصب والصخب لأنه ما من بيت في الدنيا يسكنه قوم إلا كان بين أهله صخب وجلبة، وإلا كان في بنائه وإصلاحه نصب وتعب، فأخبر أن قصور الجنة خالية عن هذه الآفات. أقول: يريد بالوجه الثاني أن بناء بيت الجنة حاصل بقوله كن، ليس كأبنية الدنيا فإنها يتسبب بناؤها بصخب ونصب، وكذا السكون فيها لا يخلو عنهما، وليس حكم بيت الجنة كذلك بل أصحاب الجنة ﴿هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿... سلام قولا من رب رحيم﴾ والله أعلم. الحديث الثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((ما غرت على خديجة)) ((ما)) فيه يجوز أن تكون مصدرية أو موصولة أي: ما غرت مثل غيرتي، أو مثل التي غرتها. الغيرة: الحمية والأنفة، يقال: رجل غيور وامرأة غيرو بلا هاء لأن فعول يشترك فيه الذكر والأنثى. قوله: ((كانت وكانت)) كرر ولم يرد به التثنية، ولكن للتكرير ليعلق به في كل مرة من خصائلها ما يدل على فضلها كقوله تعالى: ﴿وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً﴾ ولم يذكر هنا متعلقة للشهرة تفخيماً.

стр. 3257

٦١٨٨ - وعن عائشة، قالت: قال لي رسول الله ﷺ : ((أريتك في المنام ثلاث ليال، يجيء بك الملك في سرقة من حرير، فقال لي هذه امرأتك، فكشفت عن وجهك الثوب، فإذا أنت هي فقلت: إن يكن هذا من عند الله يمضه)). متفق عليه. ٦١٨٩ - وعنها، قالت: إن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة، يبتغون ــ الحديث الرابع والخامس عن عائشة ﵂: قوله: ((في سرقة)) أي في قطعة من جيد الحرير، والجمع سرق. قوله: ((إن يكن هذا عند الله يمضه)) هذا الشرط مما يقوله المتحقق لثبوت الأمر المدل بصحته تقريراً لوقوع الجزاء وتحققه، ونحوه قول السلطان لمن تحت قهره: إن كنت سلطاناً انتقمت منك، أي السلطنة مقتضية للانتقام. مح: قال: القاضي عياض: إن كانت هذه الرؤيا قبل النبوة، وقبل تخليص أحلامه ﷺ من الأضغاث فمعناه: إن كانت رؤيا حق، وإن كانت بعد النبوة فلها ثلاثة معان: أحدها: المراد إن تكن الرؤيا على وجهها وظاهرها لا تحتاج إلى تعبير وتفسير يمضه الله وينجزه، فالشك عائد إلى أنها رؤيا على ظاهرها أم تحتاج إلى تعبير وصرف عن ظاهرها. وثانيها: أن المراد إن كانت هذه الزوجية في الدنيا يمضها الله تعالى فالشك أنها زوجه في الدنيا أم في الجنة. وثالثها: أنه لم يشك ولكن أخبر على التحقيق وأتى بصورة الشك، وهو نوع من البديع عند أهل البلاغة يسمونه تجاهل العارف، وسماه بعضهم مزج الشك باليقين. أقول: هذا هو الذي حققناه فيما سبق وكان من توارد الخواطر. قوله: ((فكشفت عن وجهك)) يحتمل وجهين: أحدهما: كشفت عن وجه صورتك فإذا أنت الآن تلك الصورة. ثانيهما: كشفت عن وجهك عند ما شاهدتك فإذا أنت مثل الصورة التي رأيتها في المنام، وهو تشبيه بليغ حيث حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وحملها عليها، كقوله تعالى: ﴿هذا الذي رزقنا من قبل﴾ ومنه مسألة الكتاب: (كنت أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي) أي فإذا الزنبور مثل العقرب، فحذف الأداة مبالغة فحصل التشابه، وإليه يلمح في الآية: ﴿وأتوا بها متشابها﴾ ومعنى المفاجأة في إذا يساعد هذا الوجه. الحديث السادس عن عائشة ﵂: قوله: ((يتحرون)) هو الرواية وفي بعض نسخ المصابيح: ((يتحينون)) وما وجدناه في الأصول.

стр. 3258

بذلك مرضاة رسول الله ﷺ . وقالت: إن نساء رسول الله ﷺ كن حزبين: فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله ﷺ ، فكلم حزب أم سلمة فقلن لها: كلمي رسول الله ﷺ يكلم الناس فيقول: من أراد أن يهدي إلى رسول الله ﷺ فليهده إليه حيث كان. فكلمته، فقال لها: ((لا تؤذيني في عائشة؛ فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلى عائشة)). قالت: أتوب إلى الله من ذاك يا رسول الله! ثم إنهن دعون فاطمة فأرسلن إلى رسول الله ﷺ فكلمته، فقال: ((يا بنية! ألا تحبين ما أحب؟)). قالت: بلى قال: ((فأحبي هذه)). متفق عليه. وذكر حديث أنس ((فضل عائشة على النساء)) في باب ((بدء الخلق)) برواية أبي موسى. الفصل الثاني ٦١٩٠ - عن أنس، أن النبي ﷺ قال: ((حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بين محمد، وآسية امرأة فرعون)). رواه الترمذي [٦١٩٠]. ٦١٩١ - وعن عائشة، أن جبريل جاء بصورتها في خرقة حرير خضراء إلى رسول الله ﷺ فقال: ((هذه زوجتك في الدنيا والآخرة)). رواه الترمذي [٦١٩١]. ــ نه: التحري القصد والاجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول، وفي الحديث: ((تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر)) أي تعمدوا طلبها فيه. قوله: ((إلا عائشة)) إلا بمعنى غير، أي امرأة غير عائشة والله أعلم. الفصل الثاني الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((حسبك)) مبتدأ. و ((من نساء)) متعلق به. و ((مريم)) خبره.

стр. 3259

٦١٩٢ - وعن أنس، قال: بلغ صفية أن حفصة قالت: بنت يهودي، فبكت، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي، فقال: ((ما يبكيك؟)) فقالت: قالت لي حفصة: إني ابنة يهودي فقال النبي ﷺ : ((إنك لابنة نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفخر عليك؟)). ثم قال: ((اتقي الله يا حفصة!)). رواه الترمذي، والنسائي [٦١٩٢]. ٦١٩٣ - وعن أم سلمة، أن رسول الله ﷺ دعا فاطمة عام الفتح فناجاها، فبكت، ثم حدثها فضحكت، فلما توفي رسول الله ﷺ سألتها عن بكائها وضحكها. قالت: أخبرني رسول الله ﷺ أنه يموت فبكيت، ثم أخبرني أني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران، فضحكت. رواه الترمذي. الفصل الثالث ٦١٩٤ - عن أبي موسى، قال: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله ﷺ حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علماً. رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب [٦١٩٤]. ــ والخطاب إما عام أو لأنس، أي كافيك معرفتك فضلهن من معرفة سائر النساء. الحديث الثاني والثالث عن أنس ﵁: قوله: ((إنك لابنة نبي)) ((مظ)): أي إسحاق النبي ﵊. ((وإن عمك لنبي)) هو إسماعيل ﵊. أقول: الأظهر هارون وموسى، قال في جامع الأصول: هي بنت حيي بن أخطب بن ربيعة من بني إسرائيل من سبط هارون بن عمران ﵊. الحديث الرابع عن أم سلمة ﵂: قوله: ((دعا فاطمة)) هذا الحديث غير مناسب لهذا الباب إنما يناسب باب مناقب أهل البيت لكن ذكر مستطرداً للحديث الأول من هذا الفصل لما ضم فيه من ذكر خديجة ذكر مريم وفاطمة. الفصل الثالث عن أبي موسى ﵁: قوله: ((أصحاب رسول الله ﷺ ) بالنصب على الاختصاص.

стр. 3260

٦١٩٥ - وعن موسى بن طلحة، قال: ما رأيت أحداً أفصح من عائشة. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب [٦١٩٥]. (١٢) باب جامع المناقب الفصل الأول ٦١٩٦ - عن عبد الله بن عمر، قال: رأيت في المنام كأن في يدي سرقة من حرير، لا أهوي بها إلى مكان في الجنة إلا طارت به إليه، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ فقال: ((إن أخاك رجل صالح- أو إن عبد الله رجل صالح)). متفق عليه. ٦١٩٧ - وعن حذيفة قال: إن أشبه الناس دلا وسمتاً وهديا برسول الله ﷺ لابن أم عبد من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه، لا ندري ما يصنع في أهله إذا خلا. رواه البخاري. ــ باب جامع المناقب الفصل الأول الحديث الأول عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: ((لا أهوي بها إلى مكان)) أي لا أريد الميل بها إلى مكان في الجنة إلا كانت مطيرة بي ومبلغة إياي إلى تلك المنزلة، فكأنها لي مثل جناح الطير للطائر. الحديث الثاني عن حذيفة بن اليمان ﵁: قوله: ((دلاً وسمتاً وهدياً)) ((قض)): الدل قريب من الهدي، والمراد به السكينة والوقار، وما يدل على كمال صاحبه من ظواهر أحواله، وحسن مقاله. وبالسمت: القصد في الأمور. وبالهدي: حسن السيرة وسلوك الطريقة المرضية. وابن أم عبد: عبد الله بن مسعود. قوله: ((من حين يخرج)) متعلق بأشبه. وقوله: ((لا ندري)) جملة مستأنفة، يريد بها أنا نشهد له بما يستبين لنا من ظاهر أمره، ولا ندري ما بطن منه.

стр. 3261

٦١٩٨ - وعن أبي موسى الأشعري، قال قدمت أنا وأخي من اليمن، فمكثنا حيناً ما نرى إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبي ﷺ ، لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي ﷺ . متفق عليه. ٦١٩٩ - وعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: ((استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل)). متفق عليه. ٦٢٠٠ - وعن علقمة، قال: قدمت الشام، فصليت ركعتين، ثم قلت: اللهم يسر لي جليساً صالحاً، فأتيت قوماً، فجلست إليهم، فإذا شيخ قد جاء حتى جلس إلى جانبي، قلت: من هذا؟ قالوا: أبو الدرداء قلت: إني دعوت الله أن ييسر لي جليساً صالحاً، فيسرك لي فقال: من أنت؟ قلت: من أهل الكوفة قال: أوليس ــ الحديث الثالث عن أبي موسى ﵁: قوله: ((ما نرى)) حال من فاعل ((فمكثنا)) ويجوز أن يكون صفة ((حيناً)) أي زماناً غير ظانين فيه شيئاً إلا كون عبد الله بن مسعود كذا. ((مح)): ما نرى بضم النون أي ما نظن. الحديث الرابع عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: ((استقرئوا القرآن)) أي خذوا من هؤلاء الأربعة. ((مح)): قالوا: هؤلاء الأربعة تفرغوا لأخذ القرآن منه ﷺ مشافهة، وغيرهم اقتصروا على أخذ بعضهم من بعض. أو: لأن هؤلاء تفرغوا لأن يؤخذ عنهم. أو: أنه ﷺ أراد الإعلام بما يكون بعد وفاته ﷺ من تقدم هؤلاء الأربعة وأنهم أقرأ من غيرهم. الحديث الخامس عن علقمة. قوله: ((من أهل الكوفة)) أي رجل من أهل الكوفة، ليطابق السؤال، أو تقدير السؤال: من أين أنت؟ ليطابقه الجواب، وقوله: ((أو ليس عندكم .... ؟ الخ)).

стр. 3262

عندكم ابن أم عبد صاحب النعلين والوسادة والمطهرة، وفيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه؟ يعني عماراً، أو ليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟ يعني حذيفة. رواه البخاري. ٦٢٠١ - وعن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: ((أريت الجنة فرأيت امرأة أبى طلحة، وسمعت خشخشة [أمامي] فإذا بلال)). رواه مسلم. ٦٢٠٢ - وعن سعد، قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترءون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل، وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله تعالى ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾. رواه مسلم. ــ قوله: ((صاحب النعلين)) ((قض)): يريد أنه كان يخدم الرسول ﷺ ويلازمه في الحالات كلها، فيصاحبه في المجالس، ويأخذ نعله، ويضعها إذا جلس، وحين ينهض، ويكون معه في الخلوات، فيسوي مضجعه، ويضع وسادته إذا أراد أن ينام، ويهيئ طهوره، ويحمل معه المطهرة إذا قام إلى الوضوء. قوله: ((صاحب السر)) قيل: من تلك الأسرار أسماء المنافقين وأنسابهم، أسر بهم إليه رسول الله ﷺ . الحديث السادس عن جابر ﵁ قوله: ((خشخشة)) ((قض)): الخشخشة صوت يحدث من تحرك الأشياء اليابسة واصطكاكها كالسلاح والثوب والنعل. الحديث السابع عن سعد ﵁: قوله: ((ما شاء الله أن يقع)) ورد في تفسير الآية أن المشركين قالوا لرسول الله ﷺ : لو طردت هؤلاء جالسناك وحادثناك. فقال رسول الله ﷺ : ((ما أنا بطارد المؤمنين)) فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا، قال ((نعم)) طمعاً في إيمانهم.

стр. 3263

٦٢٠٣ - وعن أبي موسى، أن النبي ﷺ قال له: ((يا أبا موسى! لقد أعطيت مزماراً من مزامير آل داود)). متفق عليه. ٦٢٠٤ - وعن أنس، قال: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة: أبي ابن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. قيل لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي. متفق عليه. ــ الحديث الثامن عن أبي موسى ﵁: قوله: ((مزماراً)) ((قض)): المزمار هاهنا مستعار للصوت الحسن والنغمة الطيبة، أي أعطيت حسن صوت يشبه بعض الحسن الذي كان لصوت داود ﵊. والمراد بآل داود: نفسه، والآل [مفخم] إذا لم يكن له آل مشهور بحسن الصوت، بل المشهود له به هو نفسه. الحديث التاسع عن أنس ﵁: قوله: ((جمع القرآن)) أي حفظوه أجمع. ((مح)): قال المازري: هذا الحديث مما تعلق به بعض الملاحدة في تواتر القرآن، وجوابه من وجهين. أحدهما: بأنه ليس فيه تصريح بأن غير الأربعة لم يجمعه، فيكون المراد: الذين أعلمهم من الأنصار أربعة، والمراد نفي علمه لا نفي غيره من القراء، وقد روي عن مسلم: حفظ جماعات من الصحابة في عهد النبي ﷺ ، وذكر المازري منهم خمسة عشر صحابياً، وثبت في الصحيح أنه قتل يوم اليمامة سبعون ممن جمع القرآن، وكانت اليمامة قريبة من وفاة رسول الله ﷺ ، فهؤلاء الذين قتلوا من جامعيه يومئذ فكيف الظن بمن لم يقتل ممن حضرها ومن لم يحضرها؟ ولم يذكر في هؤلاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. ونحوهم من كبار الصحابة الذين يبعد كل البعد أنهم لم يجمعوه مع كثرة رغبتهم في الخير وحرصهم على ما هو دون ذلك من الطاعات، وكيف يظن هذا بهم ونحن نرى أهل عصرنا يحفظه منهم في كل بلدة ألوف. وثانيهما: أنه لو ثبت أنه لم يجمعه إلا الأربعة لم يقدح في تواتره، إذ ليس من شرط التواتر أن ينقل جميعهم جميعه، بل إذا نقل كل جزء عدد التواتر صارت الجملة متواترة بلا شك. وقال التوربشتي: المراد من الأربعة أربعة من رهط أنس وهم الخزرجيون.

стр. 3264

٦٢٠٥ - وعن خباب بن الأرت، قال: هاجرنا مع رسول الله ﷺ نبتغي وجه الله تعالى، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئاً، منهم: مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا نمرة، فكنا إذا غطينا رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فقال النبي ﷺ : ((غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر)). ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها. متفق عليه. ٦٢٠٦ - وعن جابر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((اهتز العرش لموت سعد ابن معاذ)). ــ ويحتمل أنه أراد به أربعة من الأنصار أوسهم وخزرجهم وهو أشبه، وقد كان بين الحيين مناوأة قبل الإسلام بقيت منها بقية من العصبية بعد الإسلام، فلعله ذكر ذلك على سبيل المفاخرة، لما روي عن أنس ﵁ قال: افتخرت الأوس والخزرج، فقال الأوس: منها غسيل الملائكة (حنظلة بن [الراهب]، ومنا من حمته الدبر (عاصم بن ثابت بن الأقلح)، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين (خزيمة بن ثابت)، ومنا من اهتز العرش لموته (سعد بن معاذ). وقالت الخزرج: منا أربعة قرأوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ لم يقرأه غيرهم: (زيد بن ثابت) (أبو زيد) و (معاذ بن جبل) و (أبي بن كعب). فقوله: ((لم يقرأه غيرهم)) أي لم يقرأه كله أحد منكم يا معشر الأوس. الحديث العاشر عن خباب بن الأرت ﵁: قوله: ((من أينعت له ثمرته)) ((نه)). أينع الثمر يونع وينع [يينع]، فهو مونع ويانع إذا أدرك ونضج، وأينع أكثر استعمالاً. وهدب الشيء- بالدال المهملة- إذا قطعه، وهدب الثمرة إذا اجتناها يهدبها هدباً. أقول: هذه الفقرة قرينة لقوله: ((فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئاً)) كأنه قيل: منهم من لم يعجل شيئاً من ثوابه، ومنهم من عجل بعض ثوابه. وقوله: ((يهدبها)) على صيغة المضارع لاستمرار الحال الماضية والآتية استحضاراً له في مشاهدة السامع، وفي الحديث: ((ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا بثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث)).

стр. 3265

وفي رواية: ((اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ)). متفق عليه. ٦٢٠٧ - وعن البراء، قال: أهديت لرسول الله ﷺ حلة حرير، فجعل أصحابه يمسونها ويتعجبون من لينها، فقال ((أتعجبون من لين هذه؟)) لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين)). متفق عليه. ــ وفيه بيان فضيلة (مصعب بن عمير)) وأنه ممن لم ينقص له من ثواب الآخرة شيء. الحديث الحادي عشر عن جابر بن عبد الله ﵁. قوله: ((اهتز العرش)) ((مح)): اختلفوا في تأويله، فقال طائفة: هو على ظاهره، واهتزاز العرش تحركه فرحاً بقدوم روح سعد، وجعل الله في العرش تمييزاً ولا مانع منه، كما قال: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾. وهذا القول هو المختار. وقال المازري: قال بعضهم: هو على حقيقته لا ينكر هذا من جهة العقل، لأن العرش جسم من الأجسام يقبل الحركة والسكون. قال: لكن لا يبعد أن يحمل ذلك على حصول فضيلة سعد، إلا أن يقال: إن الله تعالى جعل حركته علامة للملائكة على موته. وقيل: المراد اهتزاز أهل العرش- وهم حملته وغيرهم من الملائكة- فحذف المضاف. والمراد بالاهتزاز الاستبشار، ومنه قول العرب: فلان يهتز للمكارم، لا يريدون اضطراب جسمه وحركته، وإنما يريدون ارتياحه إليها وإقباله عليها. وقال الحربي: هو كناية عن تعظيم شأن وفاته، والعرب تنسب الشيء المعظم إلى أعظم الأشياء، فيقولون: أظلمت الأرض لموت فلان، وقامت له القيامة. وقالت الجماعة: المراد بالاهتزاز اهتزاز سرير الجنازة، وهو النعش، وهذا القول باطل يرده الرواية الأخرى، وإنما أولوا هذا التأويل لأنه لم تبلغهم الرواية الأخرى. الحديث الثاني عشر عن البراء ﵁: قوله: ((لمناديل)) ((مح)): جمع مناديل وهو هذا الذي يحمل في اليد، قال ابن الأعرابي وغيره: هو مشتق من الندل، وهو النقل؛ لأنه ينقل من واحد إلى واحد. وقيل: من الندل وهو الوسخ؛ لأنه يندل به. ((خط)): إنما ضرب المثل بالمناديل لأنها ليست من علية الثياب بل هي تبتذل في أنواع من المرافق، فتمسح بها الأيدي، وينفض بها الغبار عن البدن، ويغطى بها ما يهدي في الأطباق،

стр. 3266

٦٢٠٨ - وعن أم سليم، أنها قالت: يا رسول الله! أنس خادمك، ادع الله له قال: ((اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته)) قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن والدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة يوم. متفق عليه. ٦٢٠٩ - وعن سعد بن أبي وقاص، قال: ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على وجه الأرض: ((إنه من أهل الجنة)) إلا لعبد الله بن سلام. متفق عليه. ٦٢١٠ - وعن قيس بن عباد، قال: كنت جالساً في مسجد المدينة، فدخل ــ وتتخذ لفافاً للثياب، فصار سبيلها سبيل الخادم وسبيل سائر الثياب سبيل المخدوم، فإن كان أدناها هكذا فما ظنك بعليتها؟. الحديث الثالث عشر عن أم سليم ﵂: قوله: ((ليتعادون على نحو المائة)) ((قض)): ي يتجاوز عددهم هذا المبلغ، يقال: أنهم ليتعادون على عشرة آلاف، أي يزيدون عليها في العدد. ((مح)): هذا من أعلام نبوته ﷺ . وفيه دليل لمن يفضل الغني على الفقر. وأجيب: بأنه مختص بدعاء النبي ﷺ ، وأنه قد بارك فيه، ومتى بارك فيه لم يكن فيه فتنة، فلم يحصل بسببه ضرر ولا تقصير في أداء حق الله تعالى. وفيه استحباب أنه إذا دعا بشيء يتعلق بالدنيا ينبغي أن يضم إلى دعائه طلب البركة فيه والصيانة. وقد ثبت في صحيح البخاري عن أنس أنه دفن من أولاده قبل مقدم الحجاج مائة وعشرين. الحديث الرابع عشر عن سعد بن أبي وقاص ﵁: قوله: ((يمشي على وجه الأرض)) صفة مؤكدة لأحد، كما في قوله تعالى: ﴿وما في دابة في الأرض﴾ لمزيد التعميم والإحاطة. ((مح)): ليس هذا مخالفاً لقوله ﷺ : ((أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة ...)) إلى آخر العشرة وغيرهم من المبشرين بالجنة، فإن سعداً قال: ما سمعت، ونفي سماعه ذلك لا يدل على نفي البشارة للغير، فإذا اجتمع النفي والإثبات فالإثبات مقدم عليه.

стр. 3267

رجل على وجهه أثر الخشوع، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فصلى ركعتين تجوز فيهما، ثم خرج وتبعته، فقلت: إنك حين دخلت المسجد قالوا: هذا رجل من أهل الجنة. قال: والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، فسأحدثك لم ذاك؟ رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ ، فقصصتها عليه، ورأيت كأني في روضة- ذكر من سعتها وخضرتها- وسطها عمود من حديد، أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة فقيل لي: ارقه. قلت: لا أستطيع، فأتاني منصف فرفع ثيابي من خلفي، فرقيت حتى كنت في أعلاه، فأخذت بالعروة، فقيل: استمسك، فاستيقظت وإنها لفي يدي، فقصصتها على النبي ﷺ فقال: ((تلك الروضة الإسلام وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة؛ العروة الوثقى، فأنت على الإسلام حتى تموت، وذلك الرجل عبد الله بن سلام)). متفق عليه. ــ الحديث الخامس عشر عن قيس بن عباد: قوله: ((تجوز فيهما)) أي خففهما. ((نه)): في الحديث: ((فأتجوز في صلاتي)) أي أخففها وأقللها. قوله: ((ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم)) ((مح)): هذا إنكار من عبد الله بن سلام عليهم حيث قطعوا له بالجنة، فيحتمل أن هؤلاء بلغهم خبر سعد بن أبي وقاص أن ابن سلام من أهل الجنة ولم يسمع هو ذلك، ويحتمل أنه كره الثناء عليه بذلك تواضعاً وإيثاراً للخمول وكراهية للشهرة. أقول: فعلى هذا الإشارة بقوله ((ذاك)) إلى إنكاره أياهم، يعني: إني أحدثك بسبب إنكاري عليهم، وهو أني رأيت رؤيا على عهد النبي ﷺ ... إلى آخره، وهذا لا يدل على النص بقطع النبي ﷺ على أني من أهل الجنة كما نص على غيري. ويمكن أن تكون الإشارة بذاك إلى قولهم: هذا رجل من أهل الجنة، يعني لا ينبغي لأحد ممن أدرك النبي ﷺ وصحبه أن يقول بما لا يعلم، فإنهم علموا بذلك وقالوا، وأنا أيضاً أقول: رأيت رؤيا ... الخ. ويحقق هذا قوله: فاستيقظت وإنها لفي يدي، وكانت رؤياه هذه كشفاً كشفه الله تعالى عليه كرامة له. قوله: ((منصف)) ((مح)): هو- بكسر الميم وفتح الصاد-. قال القاضي عياض: هو- بفتح الميم- وهو الخادم، وقالوا: هو الوصيف الصغير المدرك للخدمة. قوله: ((العروة الوثقى)) الوثقى من الحبل الوثيق المحكم المأمون انقطاعه.

стр. 3268

٦٢١١ - عن أنس، قال: كان ثابت بن قيس بن شماس خطيب الأنصار، فلما نزلت: ﴿يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ إلى آخر الآية جلس ثابت في بيته، واحتبس عن النبي ﷺ ، فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ فقال: ((ما شأن ثابت؟ أيشتكي؟)) فاتاه سعد، فذكر له قول رسول الله ﷺ ، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتاً على رسول الله ﷺ ، فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : ((بل هو من أهل الجنة)) رواه مسلم. ٦٢١٢ - وعن أبي هريرة، قال: كنا جلوساً عند النبي ﷺ إذا نزلت سورة الجمعة، فلما نزلت ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ قالوا: من هؤلاء يا رسول الله؟ قال: وفينا سلمان الفارسي، قال: فوضع النبي ﷺ يده على سلمان ثم قال: ((لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء)). متفق عليه. ٦٢١٣ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اللهم حبب عبيدك هذا)). يعني أبا هريرة ((وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين)). رواه مسلم. ٦٢١٤ - وعن عائذ بن عمرو، أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال ــ الحديث السادس عشر والسابع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وآخرين منهم)) هذا يدل على أن يكون ((آخرين)) عطفاً على ((الأميين)) يعني أن الله تعالى بعثه في الأميين الذين على عهده، وفي آخرين من الأميين لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون بهم، وهم الذين بعد الصحابة رضوان الله عليهم. قوله: ((من هؤلاء)) جمع اسمك الإشارة والمشار إليه ((سلمان)) وحده إرادة للجنس، ويحتمل أن يراد بهم العجم كلهم لوقوعه مقابلا للأميين وهم العرب، وأن يراد به أهل فارس. ولو هاهنا بمعنى أن لمجرد الفرض والتقدير على سبيل المبالغة. الحديث الثامن عشر والتاسع عشر عن عائذ بن عمرو:

стр. 3269

في نفر، فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها. فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك)) فأتاهم، فقال: يا إخوتاه! أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي. رواه مسلم. ٦٢١٥ - وعن أنس، عن النبي ﷺ قال: ((آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار)). متفق عليه. ٦٢١٦ - وعن البراء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله)). متفق عليه. ٦٢١٧ - وعن أنس، قال: إن ناساً من الأنصار قالوا حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل، فقالوا: ــ قوله: ((ما أخذت سيوف الله)) ما فيه نافية، وأما ((مأخذها)) فقيل: مفعول به، وقيل: مفعول فيه، يجوز أن يكون مصدراً، والكلام إخبار فيه معنى الاستفهام المتضمن للاستبطاء، استعار الأخذ للسيف تشبيها له بمن له حق على صاحبه وهو يلزمه ويطالبه، والغريم يمتنع عن إيفاء حقه ويماطله. قوله: ((لا)) يجب أن يوقف عليه، ويستأنف من قوله: ((يغفر الله لك)) ولو زاد ((واو)) كما في جاب اليزيدي عن سؤال المأمون: ((لا وجعلني الله فداءك)) لحسن موقعه. قوله: ((يا أخي)) الظاهر أن يقال: ((يا أخانا)) ولعله حكاية عن قول كل واحد. ((مح)): ضبطوه بضم الهمزة على التصغير، وهو تصغير تحبيب، وفي بعض النسخ بفتحها. الحديث العشرون عن أنس ﵁: قوله: ((آية الإيمان حب الأنصار)) وإنما كان كذلك لأنهم تبوءوا الدار والإيمان، وجعلوه مستقراً ومستوطناً لهم، لتمكينهم منه استقامتهم عليه، كما جعلوا المدينة كذلك، فمن أحبهم فذلك من كمال إيمانه، ومن بغضهم فذلك من علامة نفاقه. الحديث الحادي والعشرون والثاني والعشرون عن أنس ﵁:

стр. 3270

يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشاً ويدعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم! فحدث لرسول الله ﷺ بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم ولم يدع معهم أحداً غيرهم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ فقال: ((ما حديث بلغني عنكم؟)). فقال فقهاؤهم: أما ذووا رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئاً وأما أناس منا حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشاً ويدع الأنصار، وسيوفنا تقطر من دمائهم! فقال رسول الله ﷺ : ((إني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله ﷺ قالوا: بلى يا رسول الله، قد رضينا. متفق عليه. ٦٢١٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لولا الهجرة لكنت امرءاً ــ قوله: ((يغفر الله لرسول الله)) توطئة وتمهيد لما يرد بعده من العتاب، كقوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾. قوله: ((وسيوفنا تقطر من دمائهم)) حال مقررة لجهة الإشكال، وهو من باب قولهم: عرضت الناقة على الحوض، وأنشد: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما الحديث الثالث والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار)) ((حس)): ليسن المراد منه الانتقال عن النسب الولادي لأنه حرام، مع أن نسبه ﷺ أفضل الأنساب وأكرمها، وإنما أراد به النسب البلادي، ومعناه: لولا الهجرة من الدين ونسبتها دينية، لا يسعني تركها لأنها عبادة كنت مأموراً بها لانتسبت إلى داركم، ولانتقلت عن هذا الاسم إليكم. قيل: أراد ﷺ بهذا الكلام إكرام الأنصار، والتعريض بأن لا رتبة بعد الهجرة أعلى من النصرة، وبيان أنهم بلغوا من الكرامة مبلغاً لولا أنه ﷺ من المهاجرين إلى المدينة لعد نفسه من الأنصار لكرامتهم عند الله تعالى. تلخيصه لولا فضلي على الأنصار بسبب الهجرة لكنت واحداً منهم، وهذا تواضع منه ﷺ ، وحث للناس على إكرامهم واحترامهم، ولكن لا يبلغون رتبة المهاجرين السابقين الذين أخرجوا من ديارهم، وقطعوا عن أحبابهم وأقاربهم، وحرموا أوطانهم وأموالهم، وهم رضوان

стр. 3271

من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار، والناس دثار، إنكم سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)). رواه البخاري. ٦٢١٩ - وعنه، قال: كنا مع رسول الله ﷺ يوم الفتح فقال: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن)). فقالت الأنصار: أما الرجل فقد ــ الله عليهم ما نالوا بذلك [بآلة] لأجل رضى الله ورضى رسوله، وإعلاء دين الله وسنة رسوله. والأنصار وإن اتصفوا بصفة: النصرة والإيثار والمحبة والإيواء، لكنهم مقيمون في مواطنهم ساكنون بين أقاربهم وأحبابهم، وحسبك شاهداً في فضل المهاجرين قوله هذا؛ لأن فيه إشارة إلى جلالة رتبة الهجرة فلا يتركها، فهو نبي مهاجري لا أنصاري. قوله: ((ولو سلك الناس وادياً)) ((خط)): أراد أن أرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب، فإذا ضاق الطريق عن الجميع فسلك رئيس شعباً اتبعه قومه حتى يفضوا إلى الجادة. وفيه وجه آخر: أراد بالوادي الرأي والمذهب، كما يقال: فلان في واد وأنا في واد. وقيل: أراد ﷺ بذلك حسن موافقته إياهم، وترجيحهم في ذلك على غيرهم، لما شاهد فيهم من حسن الوفاء بالعهد، وحسن الجوار، وما أراد بذلك وجوب متابعته أياهم، فإن متابعته حق على كل مؤمن؛ لأنه ﷺ هو المتبرع المطاع، لا التابع المطيع. والشعار: الثوب الذي يلي شعر البدن. والدثار: الذي فوقه. شبه الأنصار بالشعار لرسوخ صداقتهم، وخلوص مودتهم. والأثرة: - بفتح الهمزة والثاء- من آثر يؤثر إيثاراً، إذا أعطى، واستأثر صاحبه بالشيء على غيره يعني يستأثر عليكم فيفضل غيركم نفسه عليكم فاصبروا على ذلك حتى تلقوني. الحديث الرابع والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)) إنما قال ﷺ ذلك حين أسلم أبو سفيان، وقال العباس لرسول الله ﷺ : هذا رجل حب الفخر، فاجعل له شيئاً، قال: ((نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)). قوله: ((أما الرجل فقد أخذته رأفة)) فإن قلت: كيف قالوا ذلك مع قوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً﴾؟.

стр. 3272

أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته. ونزل الوحي على رسول الله ﷺ [قال]: ((قلتم أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته؛ كلا إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، المحيا محياكم، والممات مماتكم)) قالوا: والله ما قلنا إلا ضنا بالله ورسوله. قال: ((فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم)) رواه مسلم. ٦٢٢٠ - وعن أنس، أن النبي ﷺ رأى صبياناً ونساء مقبلين من عرس، فقام النبي ﷺ فقال: ((اللهم أنتم من أحبا الناس إلي، اللهم أنتم من أحب الناس إلي)) يعني: الأنصار. متفق عليه. ٦٢٢١ - وعنه، قال: مر أبو بكر والعباس بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقالا: ما يبكيكم؟ فقالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا، فدخل أحدهما على النبي ﷺ ، فأخبره بذلك، فخرج النبي ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية برد، فصعد المنبر ولم يصعد بعد ذلك اليوم. فحمد الله تعالى وأثنى عليه. ثم قال: ((أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم)) رواه البخاري. ــ قلت: قالوا ذلك ليهيجوه ويحركوا منه، كما قالوا: ما قلنا إلا ضنا بالله ورسوله، يعني أن أولاد آدم مجبولون على الميل إلى العشيرة والأقارب، وعلى حب الأوطان، ولذلك ردهم ﷺ : إني عبد الله ورسوله أي لست كأحد من الرجال كما زعمتم، بل إني عبد الله ورسوله، ثم علل كونه عبد الله ورسوله بقوله: ((هاجرت إلى الله وإليكم)) على سبيل الاستئناف، أي العبودية والرسالة تقتضيان أن لا أفارقكم أبداً، ولا أميل إلى ما تقتضيه البشرية من الميل إلى الأقارب والأوطان، لأن القصد في الهجرة كان إلى الله تعالى، وأن التهاجر كان من دار قومي إلى داركم. قوله: ((المحيا محياكم)) ((تو)): يريد ما حييت أحيا في بلدكم كما تحيون فيه، وإذا توفيت توفيت في بلدكم كما تتوفون فيه، لا أفارقكم حياً ولا ميتاً. وقوله: ((إلا ضنا بالله ورسوله)) يريدون ما قلنا قولنا ذلك إلا [ضنة] بما آتانا الله من كرامة خشية أن يفوتنا فيناله غيرنا، وشحاً برسول الله ﷺ أن ينتقل من بلدتنا إلى بلدته. الحديث الخامس والعشرون والسادس والعشرون عن أنس ﵁: قوله: ((فإنهم كرشي وعيبتي)) ((تو)): الكرش لكل مجتر بمنزلة المعدة للإنسان، والعرب تستعمل الكرش في كلامهم موضع البطن، والبطن مستودع مكتوم السر، [والجبة مستودع مكتون المتاع].

стр. 3273

٦٢٢٢ - وعن ابن عباس، قال: خرج النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه حتى جلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أما بعد، فإن الناس يكثرون ويقل الأنصار، حتى يكونوا في الناس بمنزلة الملح في الطعام، فمن ولي منكم شيئاً يضر فيه قوماً وينفع فيه آخرين فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم)). رواه البخاري. ٦٢٢٣ - وعن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار)). رواه مسلم. ٦٢٢٤ - وعن أبي أسيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير)). متفق عليه. ــ والأول أمر باطن، والثاني أمر ظاهر، فيحتمل أنه ضرب المثل بهما إرادة اختصاصهم به في أمورهم الظاهرة، والباطنة. حس: عيبتي أي خاصتي وموضع سري، وفي الحديث: نبينا عيبة مكفوفة، أي صدر نقي من الغل، والعرب تكني عن الصدر والقلب بالعيبة، لأنهما مستودع السرائر، كما أن العياب مستودع الثياب. الحديث السابع والعشرون عن ابن عباس ﵄: قولن: ((ويقل الأنصار)) تو: يريد أن أهل الإسلام يكثرون، ويقل الأنصار، لأن الأنصار هم الذين أووا رسول الله ﷺ ونصروه، وهذا أمر قد انقضى زمانه لا يلحقهم اللاحق، ولا يدرك شأوهم السابق، فكلما مضى منهم واحد مضى من غير بدل، فيكثر غيرهم ويقلون. أقول: هذا المعنى أيضاً قائم في حق المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، ولعل الحمل على الحقيقة أظهر، لأن المهاجرين وأولادهم كثروا وانبسطوا وانتشروا في البلاد وملكوها بخلاف الأنصار. قوله: ((شيئاً)) يجوز أن يكون مفعولاً به، وأن يكون في موضع مصدر، أي قليلا من الولاية. وقوله: ((يضر فيه قوماً)) صفة كاشفة له. الحديث الثامن والعشرون والتاسع والعشرون عن أبي أسيد ﵁: قوله: ((خير دور الأنصار بنو النجار)) مح: خير دور الأنصار خير قبائلهم، وكانت كل قبيلة منهم تسكن محلة، فتسمي تلك المحلة دار بن فلان، ولهذا جاء في كثير من الروايات: بنو فلان، من غير ذكر الدار.

стр. 3274

٦٢٢٥ - وعن علي [﵁] قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد- وفي رواية: وأبا مرثد بدل المقداد- فقال: ((انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب قالت: ما معي من كتاب فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي ﷺ ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : ((يا حاطب! ما هذا؟!)). فقال: يا رسول الله! لا تعجل علي، إني كنت امرءاً ملصقاً في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابة يحمون بها أموالهم وأهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت كفراً، ــ وقالوا: وسبقهم على قدر سبقهم إلى الإسلام ومآثرهم فيه، وفي هذا دليل على جواز تفضيل القبائل والأشخاص من غير مجازفة ولا هوى، ولا يكون هذا غيبة. قض: إن أراد بها ظاهرها فقلوه: ((بنو النجار)) على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وتكون خيرتها بسبب خيرية أهلها، وما يوجد فيها من الطاعات والعبادات. الحديث الثلاثون عن علي ﵁: قوله: ((أبا مرثد بدل المقداد)) لم يرد بذلك أن المبدل منحي، بل المراد أنه ذكر في رواية هذا، وفي أخرى ذلك، لأن الأربعة قد بعثوا لهذا الأمر. مح: وعن علي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ وأبا مرثد الغنوي والزبير بن العوام، وفي الرواية السابقة: والمقداد بدل أبي مرثد، ولا منافاة بل بعث الأربعة: عليا والزبير والمقداد وأبا مرثد. وخاخ: بخائين معجمتين هو الصواب، وهي موضع بين مكة والمدينة بقرب المدينة. والظعينة: المرأة ما دامت في الهودج، ثم سميت زوجة الرجل ظعينة توسعاً والمراد بها هاهنا أم سارة مولاة لقريش. والعقاص: بكسر العين، الشعر المضفور. قوله: ((ملصقاً)) قال سفيان بن عيينة: كان حليفاً لهم ولم يكن من نفس قريش. قوله: ((إلى ناس من المشركين)) ليس هذا حكاية المكتوب بل هو من كلام الراوي، وضع موضع قوله: إلى فلان وفلان. وقوله: ((إذ فاتني ذلك)) تعليل وقع بين الفعل ومفعوله، وهو قوله: ((أن أتخذ فيهم يداً)). وقوله: ((يحمون بها قرابتي)) هي صفة ((يداً)) وأراد باليد يد إنعام أو قدرة.

стр. 3275

ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضي بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : ((إنه قد صدقكم)) فقال عمر: دعني يا رسول الله! أضرب عنق هذا المنافق. فقال رسول الله ﷺ : ((إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة)). وفي رواية: ((فقد غفرت لكم)) فأنزل الله تعالى ﴿يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدي وعدوكم أولياء﴾. متفق عليه. ٦٢٢٦ - وعن رفاعة بن رافع، قال جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ((ما تعدون أهل بدر فيكم)). قال: ((من أفضل المسلمين)) أو كلمة نحوها قال: ((وكذلك من شهد بدراً من الملائكة)) رواه البخاري. ــ قوله: ((لعل الله اطلع)) معنى الترجي فيه راجع إلى عمر ﵁، لأن وقوع هذا الأمر محقق عند رسول الله ﷺ ، وأوثر على التحقيق بعثاً له على التفكير والتأمل فلا يقطع الأمر في كل شيء. قوله: ((قد غفرت لكم)) مح: هذا في الآخرة، وأما في الدنيا فلو وجد على أحد منهم حداً أو غيره أقيم عليه، وقد أقام رسول الله ﷺ على مسطح حد الفرية وكان بدرياً. وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ ، وجواز هتك أستار الجواسيس وقراءة كتبهم، وفيه هتك ستر المفسد إذا كان فيه مصلحة أو كان في الستر مفسدة، وما فعله حاطب كان كبيرة قطعاً لأنه تتضمن إيذاء النبي ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله﴾ ولا يجوز قتله لأنه لا يكفر به- انتهى كلامه. قوله تعالى: ﴿لا تتخذوا عدوي وعدوكم﴾ خطاب لحاطب ورداً لقوله: أن أتخذ فيهم يداً، وإنما عم ليدخل فيه أمثاله. الحديث الحادي والثلاثون عن رفاعة بن رافع ﵁: قوله: ((ما تعدون؟)) أي ممن تعدون؟ ليطابقه الجواب، وهو: ((من أفضل المسلمين وإنما أتى بـ ((ما)) بدل ((من)) تعظيماً لشأنهم، نحو قولهم: سبحان ما سخركن لنا. قوله: ((وكذلك من شهد بدراً)) أي كذلك من شهد بدراً من الملائكة فإنهم من أفضل الملائكة.

стр. 3276

٦٢٢٧ - وعن حفصة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدراً والحديبية)) قلت: يا رسول الله! أليس قد قال الله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ قال: ((فلم تسمعيه يقول: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾)). وفي رواية: ((لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة- أحد- الذين بايعوا تحتها)). رواه مسلم. ٣٢٢٨ - وعن جابر، قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة. قال لنا النبي ﷺ : ((أنتم اليوم خير أهل الأرض)). متفق عليه. ٦٢٢٩ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يصعد الثنية ثنية المرار فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل)). وكان أول من صعدها خيلنا خيل بني الخزرج، ــ الحديث الثاني والثلاثون عن حفصة ﵂: قوله: ((فلم تسمعيه يقول)) يعني أردت بقولي: أن لا يدخل النار دخولاً يعذب فيها، ولا نجاة له منها. مح: الصحيح أن المراد بالورود المرور على الصراط، وهو منصوب على جهنم، فيقع فيها أهلها وينجو الآخرون. أقول: والأول هو الوجه على ما يظهر بأدنى تأمل. وفيه: جواز المناظرة والاعتراض، والجواب على وجه الاسترشاد وهو مقصود حفصة لا أنها أرادت رد مقالته ﷺ . الحديث الثالث والثلاثون عن جابر ﵁: قوله: ((ثنية المرار)) نه: المشهور فيها ضم الميم وبعضهم يكسرها، وهو موضع بين مكة والمدينة من طريق الحديبية. وبعضهم يقول بالفتح. وإنما حثهم على صعودها لأنها عقبة شاقة، وصلوا إليها ليلاً حين أرادوا مكة سنة الحديبية فرغبهم في صعودها. قوله: ((ما حط عن بني إسرائيل)) يريد قوله تعالى: ﴿وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم﴾ أي حط عنا ذنوبنا ((ثم تتام الناس)) أي جاءوا كلهم، وفي الحديث: ((فتتامت إليه قريش)) أي جاءته متتابعة متواترة.

стр. 3277

ثم تتام الناس، فقال رسول الله ﷺ : ((كلكم مغفور له، إلا صاحب الجمل الأحمر)). فأتيناه، فقلنا: تعالى يستغفر لك رسول الله ﷺ قال: لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم. رواه مسلم. وذكر حديث أنس قال لأبي بن كعب: ((إن الله أمرني أن أقرأ عليك)) في ((باب)) بعد فضائل القرآن. الفصل الثاني ٦٢٣٠ - عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد)). رواه الترمذي [٦٢٣٠]. ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((وتمسكوا بعهد ابن أم عبد)) تو: يريد عهد عبد الله بن مسعود، وهو ما يعهد إليهم فيوصيهم به، وأرى أشبه الأشياء بما يراد من عهده أمر الخلافة، فإنه أول من شهد بصحتها، وأشار إلى استقامتها من أفاضل الصحابة، وأقام الدليل عليها، فقال: لا يؤخر من قدمه رسول الله ﷺ ألا نرضى لدنيانا من ارتضاه لديننا، وما يؤيد هذا المعنى المناسبة الواقعة بين أول الحديث وآخره، ففي أوله: ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)) وفي آخره: ((تمسكوا بعهد ابن أم عبد)) ومما يل على صحة ما ذهبنا إليه قوله في حديث حذيفة أيضاً: ((لو استخلفت عليكم فعصيتموه عذبتم، ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه)) وهذه إشارة إلى ما أسر إليه من أمر الخلافة في الحديث الذي نحن فيه، ويشهد لذلك الاستدراك الذي أوصله بحديث الخلافة، فقال: ((لو استخلفت عليكم فعصيتموه عذبتم، ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه)) وحذيفة هو الذي يروي عن رسول الله ﷺ : ((اقتدوا باللين من بعدي)) ولم أر في التعريض بالخلافة في سنن الرسول ﷺ أوضح من هذين الحديثين، ولا أصبح من حديث أبي سعيد: ((سدوا عني كل خوخة)).

стр. 3278

٦٢٣١ - وعن علي [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو كنت مؤمراً من غير مشورة، لأمرت عليهم ابن أم عبد)). رواه الترمذي، وابن ماجه [٦٢٣١]. ٦٢٣٢ - وعن خيثمة بن أبي سبرة، قال: أتيت المدينة فسألت الله أن ييسر لي جليساً صالحاً، فيسر لي أبا هريرة، فجلست إليه فقلت: إني سألت الله أن ييسر لي جلساً صالحاً، فوفقت لي. فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، جئت ألتمس الخير وأطلبه فقال: أليس فيكم سعد بن مالك مجاب الدعوة؟ وابن مسعود صاحب طهور رسول الله ﷺ ونعليه؟ وحذيفة صاحب سر رسول الله ﷺ ؟ وعمار الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه ﷺ ؟ وسلمان صاحب الكتابين؟ يعني الإنجيل والقرآن. رواه الترمذي [٦٢٣٢]. ٦٢٣٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح، نعم الرجل أسيد بن حضير، نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس، نعم الرجل معاذ بن جبل، نعم الرجل معاذ بن عمرو بن الجموح)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب [٦٢٣٣]. ٦٢٣٤ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة: علي، وعمار، وسلمان)). رواه الترمذي [٦٢٣٤]. ــ الحديث الثاني عن علي ﵁: قوله: ((لأمرت عليهم ابن أم عبد)) تو: ومن أي وجه روى هذا الحديث فلابد أن يتأول على أنه ﷺ أراد به تأميره على جيش بعينه، أو استخلافه في أمر من أموره في حال حياته، ولا يجوز أن يحمل على غير ذلك، فإنه وإن كان من العلم والعمل بمكان، وله الفضائل الجمة والسوابق الجلية، فإنه لم يكن من قريش؛ وقد نص رسول الله ﷺ على أن هذا الأمر في قريش، فلا يصح حمله إلا على هذا الوجه الذي ذكرناه. الحديث الثالث إلى الحديث الخامس عن أنس ﵁: قوله: ((إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة)) سبيل اشتياق الجنة إلى هؤلاء الثلاثة سبيل اهتزاز العرش لموت سعد ﵁.

стр. 3279

٦٢٣٥ - وعن علي [﵁] قال استأذن عمار على النبي ﷺ فقال: ((ائذنوا له، مرحباً بالطيب المطيب)). رواه الترمذي [٦٢٣٥]. ٦٢٣٦ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما)). رواه الترمذي [٦٢٣٦]. ٦٢٣٧ - وعن أنس قال: لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته! وذلك لحكمه في بني قريظة، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: ((إن الملائكة كانت تحمله)). رواه الترمذي [٦٢٣٨]. ٦٢٣٨ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر)). رواه الترمذي [٦٢٣٨]. ــ الحديث السادس إلى الحديث الثامن عن أنس ﵁: قوله: ((وذلك لحكمه)) يريدون قول سعد بن معاذ ﵁ لما نزلت بنو قريظة على حكمه، معتمدين على حسن رأيه فيهم، حكمه فيهم، بأنه تقتل المقاتلة، وتسبى الذرية، فنسبوه- أعني المنافقين- إلى الجور والعدوان، وقد شهد له رسول الله ﷺ بالإصابة في حكمه. قوله: ((إن الملائكة كانت تحمله)) جواب عن قولهم: ((ما أخف جنازته)) يريدون بذلك حقارته وازدراءه، فأجاب ﷺ بما يلزم من تلك الخفة تعظيم شأنه وتفخيم أمره، وهو قريب من القول [يالموجب من حكم مقالتهم: ((ما أخف جنازته)) ثم إلى إبطال قصدهم] من العيب فقال: ((إن الملائكة كانت تحمله)) نحوه قوله تعالى: ﴿ويقولون هو أذن، قل أذن خير لكم﴾. الحديث التاسع والعاشر عن أبي ذر ﵁: قوله: ((ما أظلت الخضراء)) الخضراء السماء.

стр. 3280

٦٢٣٩ - وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر، شبه عيسى بن مريم)) يعني في الزهد. [فقال عمر بن الخطاب كالحاسد: يا رسول الله! أفتعرف ذلك له؟ قال: ((نعم فاعرفوه له)). رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب [[٦٢٣٩]. ــ والغبراء: الأرض. وأقلت: حملت ورفعت، واشتقاق الإقلال من القلة، لأن الرافع المطيق يرى ما يرفعه قليلاً. و ((من)) في قوله: ((من ذي لهجة)) معمول أقلت، وقد تنازع فيها العاملان فأعمل الثاني- وهو مذهب البصريين- وهذا دليل ظاهر لهم، كقوله تعالى: ﴿يستغفر لكم رسول الله﴾ إذ لو أعمل الأول لنصب: ((رسول الله)) فعلى هذا: ((أصدق)) في الحديث الأول صفة موصوف محذوف، أي: ولا أقلت الغبراء ذا لهجة صدق. تو: قوله: ((أصدق من أبي ذر)) مبالغة في صدقة، لا أنه أصدق من كل على الإطلاق، لأنه لا يكون أصدق من [أبي بكر] بالإجماع، فيكون عاماً قد خص: أقول: يمكن أن يراد أنه لا يذهب إلى التورية والمعاريض في الكلام، فلا يرخى عنان كلامه، ولا يواري مع الاس، ولا يسامحهم، ويظهر الحق البحث، والصدق المحض، ومن ثمة عقبه بقوله: ((ولا أوفى)) أي يوفى حق الكلام إيفاء لا يغادر شيئاً منه، ووصفه بقوله: ((ذي لهجة)). فا: قيل: لهجة اللسان ما ينطق به من الكلام، وإنها من لهج بالشيء إذا أغرى به، ونظيرها قول بعضهم في اللغة: إنها من لغى بالشيء. روى الإمام أحمد بن حنبل عن أبي ذر أنه استأذن على عثمان ﵁، فأذن له وبيده عصاه، فقال عثمان: يا كعب إن عبد الرحمن توفي وترك مالا، فما ترى فيه؟ فقال: إن كان يصل فيه حق الله فلا بأس عليه، فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعبا وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما أحب لو أن لي هذا الجبل ذهباً أنفقه ويتقبل مني، أذر خلفي منه ست أواق)) أنشدك بالله يا عثمان أسمعته؟ (ثلاث مرات)) قال: نعم.

стр. 3281

٦٢٤٠ - وعن معاذ بن جبل لما حضره الموت قال: التمسوا العلم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء، وعند سلمان، وعند ابن مسعود، وعند عبد الله بن سلام الذي كان يهودياً فأسلم، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنه عاشر عشرة في الجنة)). رواه الترمذي [٦٢٤٠]. ٦٢٤١ - وعن حذيفة، قالوا: قالوا: يا رسول الله لو استخلفت؟ قال: ((إن استخلفت عليكم فعصيتموه عذبتم، ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه، وما أقرأكم عبد الله فاقرءوه)). رواه الترمذي. [٦٢٤١]. ــ وروى ابن عبد البر: أن عثمان ﵁ استقدمه من الشام لشكوى معاوية منه، وأسكنه الربذة فمات بها. وقال علي ﵁ في حقه: ذلك رجل وعى علماً عجز عنه الناس ثم أوكئ عليه فلم يخرج منه شيء. قوله: ((يعني الزهد)) تفسير الراوي وليس في الحديث. وفي الاستيعاب من الحديث: ((من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر)). الحديث الحادي عشر عن معاذ بن جبل ﵁: قوله: ((كان يهودياً فأسلم)) ليس بصفة مميزة لعبد الله لأنه يشاركه في اسمه غيره، بل هو مدح له في التوصية بالتماس العلم منه، لأنه جمع بين الكتابين. ((إنه عاشر عشرة)) أي مثل عاشر عشرة، إذ ليس هو من العشرة المبشرة، نحوه أبو يوسف أبو حنيفة. الحديث الثاني عشر عن حذيفة ﵁: قوله: ((لو استخلفت)) لو هذه التمني بمعنى ((ليت))، أو الامتناعية وجوابها محذوف، أي لكان خيراً. وقوله: ((عذبتم)) جواب الشرط، ويجوز أن يكون مستأنفاً، والجواب: ((فعصيتموه)) والأول أوجه، لما يلزم من الثاني أن يكون الاستخلاف سبباً للعصيان، والمعنى أن الاستخلاف المستعقب للعصيان سبب للعذاب. وقوله: ((ولكن ما حدثكم حذيفة)) من الأسلوب الحكيم لأنه زيادة على الجواب، كأنه قيل: لا يهمكم استخلافي فدعوه، ولكن يهمكم العمل بالكتاب والسنة فتمسكوا بهما.

стр. 3282

٦٢٤٢ - وعنه، قال: ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه، إلا محمد بن مسلمة، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تضرك الفتنة)). رواه [أبو داود] [٦٢٤٢]. ٦٢٤٣ - وعن عائشة، أن النبي ﷺ رأى في بيت الزبير مصباحاً فقال: ((يا عائشة! ما أرى أسماء إلا قد نفست، ولا تسموه حتى أسميه)) فسماه عبد الله وحنكه بتمرة بيده. رواه الترمذي [٦٢٤٣]. ٦٢٤٤ - وعن عبد الرحمن بن أبي عميرة، عن النبي ﷺ أنه قال لمعاوية: ((اللهم اجعله هادياً مهدياً، واهد به)) رواه الترمذي [٦٣٤٤]. ــ وخص حذيفة بالذكر لأنه كان صاحب رسول الله ﷺ ومنذرهم من الفتن الدنيوية، وعبد الله بن مسعود لأنه كان منذرهم من الأمور الأخروية. الحديث الثالث عشر إلى الحديث الخامس عشر عن عبد الرحمن بن أبي عميرة ﵁: قوله: ((هادياً مهدياً)) اعلم أن الهداية إما مجرد الدلالة، أو هي الدلالة الموصلة إلى البغية، وقال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: فهديناهم دللناهم على الخير والشر، كقوله تعالى: ﴿وهديناه النجدين﴾ والهدى الذي للإرشاد بمعنى الإسعاد، من ذلك قوله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾. وقال غيره: معنى الهداية في اللغة الدلالة، يقال: هداه في الدين يهديه هداية إذا دله على الطريق، والهدى يذكر لحقيقة الإرشاد أيضاً، ولهذا جاز النفي والإثبات، قال الله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحبب﴾ وقال الله تعالى: ﴿إنك لهدي إلى صراط مستقيم﴾. أقول: لو حمل قوله: ((هادياً)) على المعنى الأول، كان قوله: ((مهدياً)) تكميلاً له لأن رب هاد لا يكون مهدياً.

стр. 3283

٦٢٤٥ - عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أسلم الناس، وآمن عمرو بن العاص)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بالقوي [٦٣٤٥]. ٦٢٤٦ - وعن جابر، قال: لقيني رسول الله ﷺ فقال: ((يا جابر! ما لي أراك منكسراً؟)) قلت: استشهد أبي وترك عيالا وديناً. قال: ((أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟)) قلت: بلى يا رسول الله! قال: ((ما كلم الله أحد قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحاً. قال: يا عبدي! تمن علي أعطك قال: يا رب! تحييني فأقتل فيك ثانية. قال الرب ﵎: إنه قد سبق مني أنهم لا يرجعون)) فنزلت: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً ....﴾ الآية. رواه الترمذي [٦٢٤٦]. ــ وقوله: ((واهد به)) تتميماً لأن الذي فاز بمدلوله قد لا يتبعه أحد، فكمل ثم تمم، وإذا ذهب إلى المعنى الثاني كان مهدياً تأكيداً، وقوله: ((اهد به)) تكميلاً، ولا ارتياب أن دعاء النبي ﷺ مستجاب، فمن كان حاله هذا كيف يرتاب في حقه، ومن أراد زيادة بيان في معنى الهداية فعليه بفتوح الغيب، فإن فيه ما يكفيه. الحديث السادس عشر عن عقبة ﵁: قوله: ((أسلم الناس)) التعريف فيه للعهد، والمعهود مسلمة الفتح من أهل مكة، وأسلم عمرو قبل الفتح طائعاً راغباً مهاجراً إلى المدينة، فقوله ﷺ هذا تنبيه على أنهم أسلموا رهبة، وآمن عمرو رغبة، فإن الإسلام يحتمل أن يشوبه كراهة، والإيمان لا يكون إلا عن رغبة وطواعية. الحديث السابع عشر عن جابر ﵁: قوله: ((وأحيا أباك)) فإن قلت، كيف الجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿بل أحياء عند ربهم﴾ لأن التقدير هم أحياء، فكيف يحيى الحي؟. قيل: جعل الله تعالى تلك الروح في جوف طير خضر فأحيا ذلك الطير بتلك الروح، فصح الإحياء، أو أراد بالإحياء زيادة قوة روحه، فشاهد الحق بتلك القوة وكلمة كفاحاً، أي مواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول.

стр. 3284

٦٢٤٧ - وعنه، قال: استغفر لي رسول الله ﷺ خمساً وعشرين مرة. رواه الترمذي. [٦٢٤٧] ٦٢٤٨ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك)) رواه الترمذي، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) [٦٢٤٨]. ٦٢٤٩ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا إن عيبتي التي آوى إليها أهل بيتي، وإن كرشي الأنصار، فاعفوا عن مسيئهم واقبلوا من محسنهم)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن. [٦٢٤٩] ٦٢٥٠ - وعن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: ((لا يبغض الأنصار أحد يؤمن بالله واليوم الآخر)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح [٦٢٥٠]. ــ أقول: وهذا الجواب أيضاً من الأسلوب الحكيم، أي لا تهتم بشأن أمر دنياه من هم عياله وقضاء دينه فإن الله تعالى يقضي عنه دينه ببركة رسول الله ﷺ ، ولكن أبشرك بما هو فيه من القرب عند الله تعالى وما لقيه من الكرامة والمنحة. الحديث الثامن عشر والتاسع عشر عن أنس ﵁: قوله: ((لا يؤبه له)) نه: أي لا يبالي به ولا يلتفت إليه لحقارته، يقال: ما وبهت به بفتح الباء وكسرها، وبهاء بالسكون والفتح، وأصل الواو الهمزة، يقال: أبهت به. والطمر: الثوب الخلق. الحديث العشرون إلى الحديث الثاني والعشرون عن أنس ﵁: قوله: ((أقرئ)) بفتح الهمزة، وفي نسخ المصابيح بكسرها. نه: يقال: أقرئ فلاناً السلام، وأقرأ ﵇، كأنه حين يبلغه السلام يحمله على أن يقرأ السلام.

стр. 3285

٦٢٥١ - وعن أنس، عن أبي طلحة، قال: قال [لي] رسول الله ﷺ : ((أقرئ قومك السلام، فإنهم ما علمت أعفة صبر)). رواه الترمذي [٦٢٥١]. ٦٢٥٢ - وعن جابر، أن عبداً لحاطب جاء إلى النبي ﷺ يشكو حاطباً إليه، فقال: يا رسول الله! ليدخلن حاطب النار. فقال رسول الله ﷺ : ((كذبت، لا يدخلها فإنه قد شهد بدراً والحديبية)). رواه مسلم. ٦٢٥٣ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿وإن تتولو يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ قالوا: يا رسول الله! من هؤلاء الذين ذكر الله، إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ فضرب على فخذ سلمان الفارسي ثم قال: ((هذا وقومه، ولو كان [الدين] عند الثريا، لتناوله رجال من الفرس)). رواه الترمذي [٦٢٥٣]. ٦٢٥٤ - وعنه، قال: ذكرت الأعاجم عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ((لأنا بهم- أو ببعضهم- أوثق مني بكم- أو ببعضكم-)) رواه الترمذي [٦٢٥٤]. ــ قوله: ((أعفه)) جمع عفيف، مرفوع خبر إن، و ((ما عملت)) معترضة و ((ما)) موصولة، والخبر محذوف، أي الذي علمت منهم أنهم كذلك يتعففون عن السؤال، ويتحملون الصبر عند القتال، وهو مثل ما في الحديث يقلون عند الطمع، ويكثرون عند الفزع. الحديث الثالث والعشرون إلى الحديث الخامس والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لأنا بهم أو ببعضهم)) ((أنا)) مبتدأ، و ((أوثق)) خبره، و ((مني)) صلة أوثق، والباء في ((بهم)) مفعول، و ((أو)) في ((أو ببعضكم)) عطف على ((بهم)) والباء في ((بكم)) مفعول فعل مقدر يدل عليه ((أوثق)) و ((أو)) في ((أو بضعكم)) عطف على بكم، أو متعلق أيضاً بأوثق إذ هو في قوة الوثوق وزيادة، فكأنه فعلان جاز يعمل في مفعولين، أو بآخر دل عليه الأول، والمعنى وثوقي واعتمادي بهم أو ببعضهم أكثر من وثوقي بكم أو ببعضكم- انتهى كلامه-. قيل: فيه تعظيم الأعاجم. أقول: الأول من باب العطف على الانسحاب، والثاني من باب العطف على التقدير، والمخاطبون بقوله: ((بكم أو ببعضكم)) قوم مخصوصون دعوا إلى الإنفاق في سبيل الله فتقاعسوا.

стр. 3286

الفصل الثالث ٦٢٥٥ - عن علي [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن لكل نبي سبعة نجباء رقباء، وأعطيت أنا أربعة عشر، قلنا: من هم؟ قال: ((أنا وابناي، وجعفر، وحمزة، وأبو بكر، وعمر، ومصعب بن عمير، وبلال، وسلمان، وعمار، وعبد الله ابن مسعود، وأبو ذر، والمقداد)) رواه الترمذي. ٦٢٥٦ - وعن خالد بن الوليد، قال: كان بيني وبين عمار بن ياسر كلام فأغلظت له في القول: فانطلق عمار يشكوني إلى رسول الله ﷺ ، فجاء خالد وهو يشكوه إلى النبي ﷺ . قال: فجعل يغلظ له ولا يزيده إلا غلظة، والنبي ﷺ ساكت لا يتكلم، فبكى عمار وقال: يا رسول الله! ألا تراه؟ فرفع النبي ﷺ رأسه ــ عنه، فهو كالتأنيب والتعبير عليهم، يدل عليه قوله تعالى في الحديث السابق: ﴿وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم﴾ فإنه جاء عقيب قوله تعالى: ﴿ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل﴾. يعني أنتم هؤلاء المشاهدون بعد ممارستكم الأحوال، وعلمكم بأن الإنفاق في سبيل الله خير لكم، تدعون إليه فتثبطون عنه وتتولون، فإن استمر توليكم يستبدل الله قوماً غيركم بذالون لأرواحكم وأموالكم في سبيل الله ولا يكونوا أمثالكم في الشح المبالغ، فهو تحريض على الإنفاق فلا يلزم منه التفضيل. الفصل الثالث الحديث الأول عن علي ﵁: قوله: ((إن لكل نبي سبعة نجباء)) النجباء جمع نجيب وهو الكريم من الرجال المختار. والرقباء: جمع رقيب وهو الحافظ. وقوله: ((قال: أنا)) ضمير الفاعل عائد إلى علي ﵁. الحديث الثاني عن خالد بن الوليد ﵁: قوله: ((فجاء خالد)) هذا كلام الراوي، و ((قال) محذوف يدل عليه قوله بعده: ((قال خالد: فخرجت)).

стр. 3287

وقال: ((من عادى عماراً عاداه الله، ومن أبغض عماراً أبغضه الله)). قال خالد: فخرجت فما كان شيء أحب إلي من رضى عمار، فلقيته بما رضى فرضي. [٦٢٥٦]. ٦٢٥٧ - وعن أبي عبيدة، أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((خالد سيف من سيوف الله ، ونعم فتى العشيرة)). وراهما أحمد [٦٢٥٧]. ٦٢٥٨ - وعن بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله ﵎ أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم)). قيل: يا رسول الله سمهم لنا. قال: ((على منهم)) – يقول ذلك ثلاثاً- ((وأبو ذر، والمقداد، وسلمان، أمرني بحبهم وأخبرني أنه يحبهم)). رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب [٦٢٥٨]. ٦٢٥٩ - وعن جابر، قال: كان عمر يقول: أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا، يعني بلالا. رواه البخاري. ٦٢٦٠ - وعن قيس بن أبي حازم: أن بلالا قال لأبي بكر: إن كنت إنما اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن كنت إنما اشتريتني لله فدعني وعمل الله. رواه البخاري. ٦٢٦١ - وعن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني مجهود: فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، وقلن كلهم مثل ذلك فقال رسول الله ﷺ : ((من ــ الحديث الثالث عن أبي عبيدة ﵁: قوله: ((سيف من سيوف الله ) هو من باب قوله تعالى: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم﴾ جعل بالادعاء جنس السيوف نوعين: متعارف وغيره، وخالد من أحد نوعيه، ونحوه قول الفرزدق: إني أجمد العينين صعصعة الذي متى تخلف الجوزاء والدلو يمطر و ((نعم فتى العشيرة)) أي فتى بني مخزوم، والمخصوص بالمدح محذوف. الحديث الرابع إلى الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁:

стр. 3288

يضيفه؟ ويرحمه الله)) فقام رجل من الأنصار يقال له: أبو طلحة، فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحلة فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني قال: فعلليهم بشيء ونوميهم، فإذا دخل ضيفنا فأريه أنا نأكل، فإذا أهوى بيده ليأكل، فقومي إلى السراج كي تصلحيه فأطفئيه، ففعلت، فقعدوا وأكل الضيف، وباتا طاويين، فلما أصبح غدا على رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : ((لقد عجب الله- أو ضحك الله-[من] فلان وفلانة)). وفي رواية مثله، ولم يسم أبا طلحة. وفي آخرها فأنزل الله تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾. متفق عليه. ٦٢٦٢ - وعنه، قال: نزلنا مع رسول الله ﷺ منزلاً، فجعل الناس يمرون، فيقول رسول الله ﷺ : ((من هذا يا أبا هريرة؟)) فأقول: فلان. فيقول: ((نعم عبد الله هذا)) ويقول: ((من هذا؟)) فأقول: فلان. فيقول: ((بئس عبد الله هذا)) حتى مر خالد بن الوليد فقال: ((من هذا؟)) فقلت: خالد بن الوليد. فال: ((نعم عبد الله خالد بن الوليد! سيف من سيوف الله)). رواه الترمذي [٦٢٦٢]. ــ قوله: ((فعلليهم بشيء)) هو من تعلة الصبي، أي ما يعلل به الصبي ليسكت. وقوله: ((فلما أصبح)) هي هاهنا تامة. و ((غدا)) جواب ((لما)) وضمن فيه معنى الإقبال، أي لما دخل في الصباح أقبل على رسول الله ﷺ قوله: ﴿ولو كان بهم خصاصة﴾ أي خلة، وأصلها خصاص البيت وهي فروجة. والجملة في موضع الحال، و ((لو)) بمعنى الفرض، أي: ويؤثرون على أنفسهم مفروضة خصاصتهم. الحديث الثامن والحديث التاسع عن زيد بن أرقم ﵁: قوله: ((فادع الله)) الفاء تستدعي محذوفاً، أي لكل نبي أتباع ونحن أتباعك لأنا اتبعناك، فادع الله أن يكون أتباعنا منا، أي متصلين بنا مقتفين آثارنا بإحسان كما قال الله تعالى: ﴿والتابعين لهم بإحسان﴾.

стр. 3289

٦٢٦٣ - وعن زيد بن أرقم قال: قالت الأنصار: يا نبي الله! لكل نبي أتباع إنا قد اتبعناك، فادع الله أن يجعل أتباعنا منا، فدعا به. رواه البخاري. ٦٢٦٤ - وعن قتادة قال: ما نعمل حيا من أحياء العرب أكثر شهيداً أعز يوم القيامة من الأنصار. قال: وقال أنس: قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة على عهد أبي بكر سبعون. رواه البخاري. ٦٢٦٥ - وعن قيس بن أبي حازم، قال: كان عطاء البدريين خمسة آلاف، وقال عمر: لأفضلنهم على من بعدهم. رواه البخاري. تسمية من سمي من أهل بدر في ((الجامع للبخاري)) ١ - النبي محمد بن عبد الله الهاشمي ﷺ . ٢ - عبد الله بن عثمان أبو بكر الصديق القرشي. ٣ - عمر بن الخطاب العدوي. ٤ - عثمان بن عفان القرشي خلفه النبي ﷺ على ابنته رقية وضرب له بسهمه. ٥ - علي بن أبي طالب الهاشمي. ٦ - إياس بن بكير. ٧ - بلال بن رباح مولى أبي بكر الصديق. ٨ - حمزة بن عبد المطلب الهاشمي. ٩ - حاطب بن أبي بلتعة حليف لقريش. ١٠ - أبو حذيفة [بن عتبة] بن ربيعة القرشي. ١١ - حارثة بن الربيع الأنصاري، قتل يوم بدر، وهو حارثة بن سراقة، كان في النظارة. ١٢ - خبيب بن عدي الأنصاري. ١٣ - خنيس بن حذافة السهمي. ــ الحديث العاشر عن قتادة: قوله: ((أكثر شهيداً)) صفة حياً بعد صفة، ويجوز أن يكون حالا، فإن العلم بمعنى المعرفة. وهي من الأفعال التي لا تقبل التقييد، نحو قولك: عرفت زيداً قائماً، فإن المعرفة الحاصلة حال القيام ليست مقيدة بحال القيام حتى إنها تزول بزواله، بل هي حاصلة بعد ذلك في جميع الأحوال، وإنما ذكرت ليعرف أنه كان كذلك عند المعرفة، والمعرفة مستمرة، وكذلك جميع أفعال العلم، وعلى هذا قوله: ((أعز)) على تقدير: أعز شهيداً يوم القيامة. الحديث الحادي عشر عن قيس بن أبي حازم: قوله: ((لأفضلنهم على من بعدهم)) أي في المرتبة، يعني كانت عطياتهم كاملة بخلاف غيرهم، وأنا أيضاً لأفضلنهم على غيرهم وإن زدت على هذا المقدار. والله أعلم.

стр. 3290

١٤ - رفعة بن رافع الأنصاري. ١٥ - رفاعة بن عبد المنذر أبو لبابة الأنصاري. ١٦ - الزبير بن العوام القرشي. ١٧ - زيد بن سهل أبو طلحة الأنصاري. ١٨ - أبو زيد الأنصاري. ١٩ - سعد بن مالك الزهري. ٢٠ - سعد بن خولة القرشي. ٢١ - سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل القرشي، ٢٢ - سهل بن حنيف الأنصاري. ٢٣ - ظهير بن ارافع الأنصاري. ٢٧ - عبيدة بن الحارث القرشي. ٢٨ - عبادة بن الصامت الأنصاري. ٢٩ - عمرو بن عوف حليف بني عامر بن لؤي. ٣٠ - عقبة بن عمرو الأنصاري. ٣١ - عامر بن ربيعة العنزي. ٣٢ - عاصم بن ثابت الأنصاري. ٣٣ - عويمر بن ساعدة الأنصاري. ٣٤ - عتبان بن مالك الأنصاري. ٣٥ - قدامة بن مظعون. ٣٦ - قتادة بن النعمان الأنصاري. ٣٧ - معاذ بن عمرو بن الجموح. ٣٨ - معوذ بن عفراء. ٣٩ - وأخوه. ٤٠ - مالك بن ربيعة أبو أسيد الأنصاري. ٤١ - مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف. ٤٢ - مرارة بن الربيع الأنصاري. ٤٣ - معن بن عدي الأنصاري. ٤٤ - مقداد بن عمرو الكندي حليف بني زهرة. ٤٥ - هلال بن أمية الأنصاري، ﵃ أجمعين. (١٣) باب ذكر اليمن والشام وذكر أويس القرني الفصل الأول ٦٢٦٦ - عن عمر بن الخطاب، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن رجلاً يأتيكم من اليمن يقال له: أويس، لا يدع باليمن غير أم له، قد كان به بياض، فدعا الله فأذهبه إلا موضع الدنيار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر لكم)). ــ باب ذكر اليمن والشام وذكر أويس القرني قال في المغرب: اليمن مأخوذ من اليمين، لخلاف الشام، لأنها بلاد على يمين الكعبة، والنسبة إليها ((يمني)) بتشديد الياء، أو ((يماني)) بالتخفيف على تعويض الألف إحدى يائي النسبة. الفصل الأول الحديث الأول عن عمر ﵁: قوله: ((فليستغفر لكم)) ((مح)): هذه منقبة ظاهرة لأويس القرني، وفيه طلب الدعاء والاستغفار من أهل الصلاح وإن كان الطالب أفضل منهم، والحديث دل على أنه خير التابعين.

стр. 3291

وفي رواية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن خير التابعين رجل يقال له: أويس، وله والدة، وإن به بياض، فمروه فليستغفر لكم)). رواه مسلم. ٦٢٦٧ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((أتاكم أهل اليمن، هم أرق ــ وقال الإمام أحمد بن حنبل وغيره: أفضل التابعين سعيد بن المسيب. والجواب: أن مرادهم سعيد أفضل في العلوم الشرعية كالتفسير والحديث والفقه ونحوها، لا في كونه أكثر ثواباً عند الله تعالى. وفيه معجزة ظاهرة. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أرق أفئدة)) ((مظ)): وصف الأفئدة بالرقة، والقلوب باللين، وذلك أنه يقال: إن الفؤاد غشاء القلب، وإذا رق نفذ القول وخلص إلى ما وراء، وإذا غلظ تعذر الوصول إلى داخله، فإذا صادف القلب ليناً علق به ونجع فيه. ((قض)): الرقة ضد الغلظة والصفاقة، واللين مقابل للقساوة، فاستعيرت في أحوال القلب، فإذا نبا عن الحق وأعرض عن قبوله ولم يتأثر عن الآيات والنذر يوصف بالغلظة، فكان شغافه صفيقاً لا ينفذ فيه الحق، وجرمه صلب لا يؤثر فيه الوعظ، وإذا كان بعكس ذلك يوصف بالرقة واللين، فكان حجابه رقيقاً لا يأبى نفوذ الحق، وجوهره لين يتأثر بالنصح. ويحتمل أن يكون المراد بالرقة جودة الفهم، وباللين قبول الحق، فإن رقة الفؤاد تعد لقبول الأشكال بسهولة، واللين يقتضي عدم الممانعة والانفعال عن المؤثر بيسر، ولعله لذلك أضاف الرقة إلى الفؤاد، واللين إلى القلب، فإنه وإن كان الفؤاد والقلب واحداً، لكن الفؤاد فيه معنى النفاذ وهو التوقد، يقال: فاءدت اللحم أي شويته، والقلب فيه معنى التقلب، يتقلب حاله حالا بسبب ما يعتريه. ثم لما وصفهم بذلك أتبعه ما هو كالنتيجة، فإن صفاء القلب ورقته ولين جوهره يؤدي إلى عرفان الحق والتصديق به، وهو الإيمان والانقياد لما يوجبه ويقتضيه، والتيقظ والإيقان فيما يذره ويأتيه، وهو الحكمة، فتكون قلوبهم معادن الإيمان وينابيع الحكمة، وهي قلوب منشؤها اليمن، نسب إليه الإيمان والحكمة معاً لانتسابهما إليه تنويهاً بذكرهما، وتعظيماً لشأنهما. أقول: يمكن أن يراد بالقلب والفؤاد ما عليه أهل اللغة في كونهما مترادفين فكرر ليناط به معنى غير المعنى السابق، فإن الرقة مقابلة للغلظة، واللين مقابل للشدة والقسوة، فوصفت أولاً بالرقة، ليشير إلى التخلق مع الناس وحسن المعاشرة مع الأهل والأخوان، قال الله

стр. 3292

أفئدة، وألين قلوباً، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم)). متفق عليه. ٦٢٦٨ - وعنه، قال، قال رسول الله ﷺ : ((رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل، والفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم)) متفق عليه. ــ تعالى: ﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ وثانياً باللين ليؤذن بأن الآيات النازلة والدلائل المنصوبة ناجعة فيها، وصاحبها مقيم على التعظيم لأمر الله. وقوله: ((الإيمان يمان والحكمة يمانية)) يشمل حسن المعاملة مع الله تعالى، والمعاشرة مع الناس، فلشدة شكيمة اليهود وعنادهم قيل فيهم: ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ وللين جانب المؤمنين وصفوا بقوله: ﴿ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾. قوله: ((والخيلاء في أصحاب الإبل)) ((قض)): تخصيص الخيلاء بأصحاب الإبل، والوقار بأهل الغنم، يدل على أن مخالطة الحيوان مما يؤثر في النفس، وتعدي إليها هيئات وأخلاقاً تناسب طباعها، وتلائم أحوالها. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((رأس الكفر نحو المشرق)) نحوه: ((رأس الأمر الإسلام)) أي ظهور الكفر من قبل المشرق. ((مح)): المراد باختصاص المشرق به مزيد تسلط الشيطان على أهل المشرق، وكان ذلك في عهده ﷺ ، ويكون حين يخرج الدجال من المشرق، فإنه منشأ الفتن العظيمة، ومثار الكفرة الترك. قوله: ((والخيلاء في أهل الخيل)) غب: الخيلاء التكبر عن تخيل فضيلة تراءات للإنسان من نفسه، ومنه يتأول لفظ الخيل، لما قيل: إنه لا يركب أحد فرساً إلا وجد في نفسه نخوة، والخيل في الأصل اسم للأفراس والفرسان جميعاً. قوله: ((والفدادين)) ((نه)): الفدادون بالتشديد الذين يعلون أصواتهم في حروثهم ومواشيهم، واحدهم فداد، يقال: فد الرجال يفد فدداً إذا اشتد صوته. وقيل: هم المكثرون من الإبل.

стр. 3293

٦٢٦٩ - وعن أبي مسعود الأنصاري، عن النبي ﷺ قال: ((من هاهنا جاءت الفتن- نحو المشرق- والجفاء، وغلظ القلوب في الفدادين أهل الوبر عند أصول أذناب الإبل والبقر، في ربيعة ومضر)). متفق عليه. ٦٢٧٠ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((غلظ القلوب والجفاء في المشرق، والإيمان في الحجاز)). رواه مسلم. ٦٢٧١ - وعن ابن عمر، قال: قال النبي ﷺ : ((اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا)). قالوا: يا رسول الله! وفي نجدنا؟ قال: ((اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا)) قالوا: يا رسول الله! وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة: ((هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان)). رواه البخاري. ــ وقيل: هم الجمالون والبقارون والحمارون والرعيان. وقيل: إنما هو الفدادون مخففاً، واحد فداد مشددا، وهي البقرة التي يحرث بها، وأهلها أهل جفاء وغلظة. تو: إذا روي بالتخفيف تقديره: وهي أهل الفدادين، وأرى أن أصوب الروايتين بالتشديد، كما في حديث ابن مسعود الذي يتلو هذا الحديث: ((والجفاء والغلظة في الفدادين)) والتخفيف في هذه الرواية غير مستقيم، وتقدير الحذف فيه مستبعد رواية ومعنى، فرددنا المختلف فيه إلى المتفق عليه، هذا وقد صح عن النبي ﷺ أنه رأى سكة وشيئاً من آلة الحرث فقال: ((ما دخل هذا دار قوم إلا أدخل عليهم الذل)) وأين إيقاع الفخر والخيلاء من موقع الذل؟ الحديث الرابع عن أبي مسعود ﵁: قوله: ((نحو المشرق)) حال متعلق بمحذوف، أي قال ﷺ : ((من هنا جاءت الفتن)) مشيراً نحو المشرق. و ((أهل الوبر)) موضع الفدادين، ويراد بأهل الوبر الأعراب، فيكون قوله: ((في ربيعة ومضر)) بدلا من وله: ((في الفدادين)) بإعادة العامل، وقوله: ((عند)) ظرف لقوله الفدادين على تأويل: الذين بهم جلبة وصياح عند سوقهم لها، لأن سائق الدواب إنما يعلو صوته خلفها. الحديث الخامس والحديث السادس عن ابن عمر ﵄: قوله: ((اللهم بارك لنا في شامنا)) ((شف)): إنما دعا لها بالبركة لأن مولده بمكة وهي من اليمن، ومسكنه ومدفنه بالمدينة وهي من الشام، وناهيك من فضل الناحيتين أحدهما مولده والأخرى مدفنه، وأنه أضافهما إلى نفسه وأتى بضمير الجمع تعظيماً، وكرر الدعاء ثلاث مرات.

стр. 3294

الفصل الثاني ٦٢٧٢ - عن أنس، عن زيد بن ثابت، أن النبي ﷺ نظر قبل اليمن، فقال: ((اللهم أقبل بقلوبهم، وبارك لنا في صاعنا ومدنا)). رواه الترمذي [٦٢٧٢]. ٦٢٧٣ - وعن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ : ((طوبى للشام)) قلنا: لأي ذلك يا رسول الله؟ قال: ((لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها)). رواه أحمد، والترمذي [٦٢٧٣]. ٦٢٧٤ - وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ستخرج نار من نحو حضر موت، أو من حضر موت، تحشر الناس)) قلنا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟ قال: ((عليكم بالشام)). رواه الترمذي [٦٢٧٤]. ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((أقبل بقلوبهم)) ((تو)): وجه التناسب بين الفصلين أن أهل المدينة ما زالوا في شدة من العيش، وعوز من الزاد، لا تقوم أقواتهم بحاجتهم، فلما دعا الله بأن يقبل عليهم بقلوب أهل اليمن إلى دار الهجرة، وهم الجم الغفير دعا الله بالبركة في طعام أهل المدينة ليتسع على القاطن بها، والقادم عليها، فلا يسأم المقيم من القادم عليه، ولا تشق الإقامة على المهاجر إليها. الحديث الثاني عن زيد بن ثابت ﵁: قوله: ((طوبى للشام)) هو مصدر من طاب كبشرى وزلفى، ومعنى طوبى لك: أصبت خيراً وطيباً. وقوله: ((لأي ذلك؟ ((كذا في جامع الترمذي على حذف المضاف إليه، أي لأي سبب قلت ذلك؟ وقد أثبت في بعض نسخ المصابيح لفظ ((شيء)). الحديث الثالث عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: ((نار من حضر موت)) ((تو)): يحتمل أنها رأي عين وهو الأصل، ويحتمل أنها فتنة عبر عنها بالنار، وعلى التقديرين فالوجه فيه أنها قبل قيام الساعة، لأنهم قالوا: ((فما تأمرنا؟)) يعنون في التوقي عنها، فقال: ((عليكم بالشام)).

стр. 3295

٦٢٧٥ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنها ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم)). وفي رواية: ((فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها، تلفظهم أرضوهم، تقذرهم نفس الله، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا ــ الحديث الرابع عن عبد الله بن عمرو ﵄: قوله: ((هجرة بعد هجرة)) قال الشارحون: كان من حق الثانية أن يؤتى بها مع لام العهد، لأن المراد منها الهجرة الواجبة قبل الفتح، وإنما أتى بها منكرة لتساوق الأولى في الصيغة مع إضمار في الكلام، أي بعد هجرة حقت ووجبت، والمعنى: ستكون هجرة إلى الشام بعد هجرة كانت إلى المدينة. أقول ويمكن أن يراد التكرير، كما في قولك: لبيك وسعديك، أي ألبيك إلباباً بعد إلباب. و ((الفاء)) في قوله: ((فخيار الناس)) يلوح إليه لأنه تفصيل للمجمل، كأنه قيل: سيحدث للناس مفارقة من الأوطان، وكل إنسان يفارق وطنه إلى آخر ويهجره هجرة بعد هجرة، فخيارهم من يهاجر أو يرغب إلى ((مهاجر إبراهيم ﵊) وهو الشام. وينصر هذا التأويل الحديث الذي يتوله. ((تو)): وذلك حين تكثر الفتن، ويقل القائمون بأمر الله في البلاد، ويستولى الكفرة الطغام على بلاد الإسلام، وتبقى الشام يسوسها العساكر الإسلامية منصورة على من ناوأهم، ظاهرين على الحق حتى يقاتلوا الدجال، فالمهاجر إليها حينئذ فاز بدينه، ملتجئ إليها لصلاح آخرته، يكثر سواد عباد الله الصالحين القائمين بأمر الله تعالى. ولعل الحديث إشارة إلى العصر الذي نحن فيه. قوله: ((تلفظهم أرضوهم)) ((قض)): أي ينتقل من الأراضي التي يستولى عليها الكفرة خيار أهلها، ويبقى خساس تخلفوا عن المهاجرين جبناً عن القتال، حرصاً وتهالكاً على ما كان لهم فيه امن ضياع ومواش ونحوهما من متاع الدنيا، فهم لخسة نفوسهم وضعف ينهم كالشيء المسترذل المستقذر عنه، فكأن الأرض تستنكف عنهم فتقذفهم، والله سبحانه يكرههم، فيبعدهم من مظان رحمته ومحل كرامته، إبعاد من يستقذر الشيء ويبعد عنه طبعه، فلذلك منعهم من الخروج وثبطهم قعوداً مع أعداء الدين، نحوه قوله تعالى: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم﴾. وقوله: ((تقذرهم نفس الله)) من التمثيلات المركبة التي لا يتطلب لمفرداته ممثلا وممثلا به، مثل: شابت لمة الليل، وقامت الحرب على ساق.
следующие страницы →