← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قبله؟!). رواه مسلم. والحديثان المرويان عن أبي هريرة، قال: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك) والآخر: (الكبرياءُ ردائي) سنذكرها في باب الرياء والكبر إن شاء الله تعالى. ــ نفسه في إسلامه. وحديث الهجرة والحج زيادة في جوابه، كأنه قيل لا تهتم بشأن الإسلام وحده، وأنه يهدم ما كان قبله، فإن حكم الهجرة والحج كذلك. وثانيها: أن العطف في علم المعاني يستدعى المناسبة القوية بين المعطوف والمعطوف عليه وإلا فيدخل في حكم الجمع بين الأروى والنعام. قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: (سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق): عطف (وقتلهم الأنبياء) على (ما قالوا) ليدل على أن قولهم: (إن الله فقير ونحن أغنياء) في الفظاعة كقتل الأنبياء، وفي أنه يجري مجرى الذنب السابق كقتل الأنبياء. وثالثهما: (أما) فإن الهمزة فيها معنى النفي، وما نافية، فإذا اجتمعا دلا على التقرير، لا سيما وقد اتبعا بقوله: (علمت) إيذانا بأن ذلك أمر مقرر لا نزاع فيه، ولا ينبغي أن يرتاب مرتاب فيما يتلوها. ورابعها: لفظ (يهدم) فإنه قرينة للاستعارة المكنية، شبهت الخصائل الثلاث في قلعها الذنوب من سنخها بما يهدم البناء من أصله، من نحو الزلازل والمعاول، ثم أثبت للإسلام ما يلازم المشبه به من الهدم وينسب إليه، على سبيل الاستعارة التخييلية. وخامسها: الترقي، فإن قوله: (الحج يهدم ما كان قبله) في أبلغ إرادة المبالغة من الهجرة؛ لأنه دونها، فإذا هدم الحج الذنوب فبالطريق الأولى أن تهدمها الهجرة؛ لأنها مفارقة الأوطان والأحباء، وموافقة لنبي الله ﷺ وكذا حكم الهجرة مع الإسلام، وعلى هذا قول المعرى: سرى برق المعرة بعد وهن ... فبات برامة نصف الكلالا شجى ركبا وأفراسا وإبلا ... وزاد فكاد أن يشجو الرجالا وسادسها: تكرير (يهدم) في كل من الخصال؛ ليدل على استقلال كل منها بالهدم، ويؤيد هذا بما روينا عن رسول الله ﷺ قال: (ما رؤى الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام) ــ

стр. 72

الفصل الثاني ٢٩_ عن معاذ، قال: قلت يارسول الله! أخبرني بعمل يدُخلُني الجنَّة، ويباعدنُي من النار. قال: (لقد سألت عن أمر عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله ــ الحديث. رواه مالك في المؤطأ. وبينه ما روي في حديث آخر عن رسول الله ﷺ أنه دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة فأجيب: أني قد غفرت لهم ما خلا المظالم، فإنني آخذ للمظلوم منه، قال: أي رب إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة، وغفرت للظالم، فلم يجب عشية، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل، فضحك رسول الله ﷺ قال أبو بكر وعمر: ما يضحكك يا رسول الله؟ فقال: إن عدو الله إبليس لما علم أن الله قد استجاب دعائي لأمتي وغفر لأمتي أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه، ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني ما لأمتي وغفر لأمتي أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه، ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه) رواه ابن ماجه في سننه، والله أعلم. الفصل الثاني الحديث الأول عن معاذ: قوله يدخلني ويباعدني) (تو:) الجزم فيهما على جواب الأمر غير مستقيم راوية ومعنى. قلنا: أما الرواية فغير معلومة، وأما المعنى فاستقامته ما ذكره القاضي، قال: وإن صح الجزم فيه كان جزاء لشرط محذوف، تقديره: أخبرني بعمل إن عملته يدخلني الجنة، والجملة الشرطية بأسرها صفة لعمل، أو جوابا للأمر، وتقديره أن إخبار الرسول ﷺ لما كان وسيلة إلى عمله، وعمله ذريعة إلى دخول الجنة كان الإجبار سببا بوجه ما لإدخال العمل إياه في الجنة. (مظ): إذا جعل (يدخلني) جواب الأمر يبقى (بعمل) غير موصوف، والنكرة غير الموصوفة لا تفيد. والجواب أن التنكير فيه للتفخيم أو النوع، أو بعمل عظيم أو معتبر في الشرع، بقرينة قوله: (سألتني عن عظيم) ولأن مثل معاذ لا يسأل من مثله ﷺ بما لا جدوى له. اعلم أن في مثل هذا مذهبين: أحدهما مذهب الخليل: وهو أن يجعل الأمر بمعنى الشرط، وجوابه جزاء. وثانيهما مذهب سيبويه: أن الجواب جزاء شرط محذوف، وعلى التقديرين التركيب من باب إقامة السبب الذي هو الإخبار مقام المسبب الذي هو العمل؛ لأن العمل هو السبب الظاهر لا الإخبار؛ لأن الإخبار إنما يكون سببا للعمل إذا للعمل إذا كان المخاطب مؤمنا معقدا. موافقا، كقوله تعالى: (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة) قال ابن الحاجب: (يقيموا) جواب (قل) أي قل لعبادي يقيموا. وما اعترض عليه من أن الإقامة ليست بملازمة للقول ليس بشيء، فإن الجواب لا يقتضي الملازمة العقلية، وإنما يقتضي الغلبة، وذلك حاصل، فإن أمر الشارع (صلوات الله عليه وسلامه) للمؤمن بإقامة الصلاة يقتضي إقامة الصلاة منه غالبا، وكقوله تعالى: (هل أدلكم على تجارة تنجيكم _ إلى قوله _ يغفر لكم) فإن (يغفر لكم) ــ

стр. 73

تعالى عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) ثم قال: (ألا أدلُّك على أبواب الخير؟ الصومُ جُنَّةٌ، والصدقُة ــ جواب للاستفهام لأن المؤمن الراسخ في الإيمان لما كان مظنة لحصول الإقامة والامتثال صار كالمتحقق منه ذلك. قوله: (سألتني عن عظيم) (مظ): أي سألتني عن شئ عظيم مشكل متعسر الجواب، ولكنه سهل على من يسره الله تعالى عليه؛ لأن معرفة العمل الذي يدخل الرجل الجنة من علم الغيب، وعلم الغيب لا يعلمه أحد إلا الله، ومن علمه الله تعالى. أقول: إنه ذهب إلى أن (عظيم) صفة موصوف محذوف، أي عن سؤال عظيم، والأظهر أن يقال: إنه الموصوف (أمر)، ويعنى به العمل؛ لأن قوله: (تعبد الله) إلى آخره استئناف وقع بيانا لذلك الأمر العظيم، وعنه ينبئ كلام القاضي، حيث قال: (وإنه ليسير) إشارة إلى أن أفعال العباد واقعة بأسباب ومرجحات يفيض عليهم من عنده، وذلك إن كان نحو طاعة سمى توفيقا ولطفا، وإن كان نحو معصية سمى خذلانا وطبعا. أقول: إنما أسند اليسر إلى الله وأطلق العسر لئلا ينسب الخذلان إليه صريحا، على طريقة (أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم). قوله: (ألا أدلك على أبواب الخير) التعريف في (الخير) للجنس، (مظ): جعل هذه الأشياء أبواب الخير لأن الصوم شديد على النفس، وكذا إخراج المال الصدقة، وكذا الصلاة في جوف الليل، فمن اعتادها يسهل عليه كل خير، ويأتي منه كل خير؛ لأن المشقة في دخول الدار يكون بفتح الباب المغلق. ويحتمل أن يكون التعريف للعهد الخارجي التقديري، وهو ما يعلم من قوله: (تعبد الله ولا ت شرك به) إلى آخره، المعني به الإسلام والإيمان الذي هو سبب لدخول الجنة، والمباعدة من النار ظاهرة. أو المعني الخبر النوافل، دل عليه قوله: (وصلاة الرجل في جوف الليل) لئلا يلزم التكرار، وسميت النوافل أبواب الفرائض؛ لأنها مقدمات ومكملات لها، ومن فانته السنن حرم الفرائض. قال بعض العلماء: من ترك الأدب عوقب بحرمان النوافل، ومن عوقب بحرمان النوافل عوقب بحرمان السنن، ومن عوقب بحرمان السنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن عوقب بحرمان الفرائض يوشك أن يعاقب بحرمان المعرفة، وما دل على المباعدة عن النار. قوله: (الصوم جنة) أي عن النار؛ وإنما جعل الصوم جنة عن النار؛ لأن في الجوع سد مجاري الشيطان، كما في الحديث: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ألا فضيقوا مجاريه بالجوع) أو كما قال، فإذا سد مجاريه لم يدخل فيه، فلم يكن مسببا للعصيان الذي هو سبب لدخول النار.

стр. 74

تطفئ الخطيئة كما يُطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل) ثم تلا: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع. .) حتى بلغ (يعملون) ثم قال: (ألا أدلك برأس الأمر وعموده ــ (قض): وإنما جعل الصوم جنة؛ لأنه يقمع الهوى والشهوة، مصداقه قوله ﷺ : (الصوم له وجاء) فالشبع مجلبة للآثام، منقصة للإيمان، ولهذا قال ﷺ : (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه) فإن الشبع يوقعه في مداحض، فيزيغ عن الحق، ويغلب عليه الكسل، فيمنعه من وظائف العبادات، ويكثر المواد الفضول فيه، فيكثر غضبه وشهوته، ويزيد حرصه، فيوقعه في طلب ما زاد على حاجته، فيوقعه في المحارم. قوله: (الصدقة تطفئ الخطيئة) أصله تذهب الخطيئة، كقوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات) ثم في الدرجة الثانية تمحو الخطيئة، كقوله ﷺ لأبي ذر: (اتق الله حيث ما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها) أي السيئة المثبتة في صحيفة الكرام الكاتبين. وإنما قدرت الصحيفة بقرينة (تمحو). ثم الدرجة الثالثة تطفئ الخطيئة لمقام الحكاية عن المباعدة عن النار، فلما وضع الخطيئة موضع النار على الاستعارة المكنية أثبت لها على سبيل الاستعارة التخيبلية ما يلازم النار من الإطفاء؛ ليكون قرينة مانعة لها من إدارة الحقيقة من الخطيئة. وأما قوله تعالى: (إنما يأكلون في بطونهم ناراً) فمن إطلاق اسم المسبب على السبب. وأما معنى إذهاب السيئة بالحسنة تدفع تلك الحسنة يوم القيامة إلى خصمه عوضا عن مظلمته. فإن قلت: هل يلزم على هذا التقدير أن لا يكون الصوم أقوى حالا في المباعدة من النار لأن الجنة هي الترس دون إطفاء النار. قلت: العكس أولى؛ لأن الجنة مانعة من صدور الخطيئة التي هي سبب النار، والصدقة لا تمنع، وإنما تطفئ الخطيئة الحاصلة. (قض) (وصلاة الرجل) مبتدأ، خبره محذوف، أي صلاة الرجل في جوف الليل كذلك، أي تطفئ الخطيئة، أو هي من أبواب الخير، والأول أظهر لاستشهاده ﷺ بالآية، وهي متضمنة للصلاة والإنفاق. قلت: ويعضده تقييد القريتين السابقتين _ أعنى الصوم والصدقة _ بفائدتين زائدتين، وهي الجنة وإطفاء الخطيئة؛ لأن الظاهر أن يقال: أبواب الخير الصوم، والصدقة لا غير، وصلاة الرجل في جوف الليل، فلما قيدتا بهما يجب أن تقيد هذه بما يناسبها كما قدر القاضي، والأظهر أن يقدر الخبر: شعار الصالحين، كما في جامع الأصول، ويفيد فائدة مطلوبة زائدة على القريتين، هي أنهما لما أفادتا المباعدة عن النار فتفيد هذه الإدخال في الجنة، ويتم ــ

стр. 75

وذروة سنامه؟) قلت: بلى يا رسول الله، قال: (رأس الأمر الإسلام، وعمودهُ الصلاة، وذروةُ سنامه الجهادُ. ثم قال: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟) قلت: بلى يا نبيَّ ــ الاستشهاد بالآية؛ لأن قرة العين كناية عن السرور والفوز التام، وهو مباعدة النار ودخول الجنة، كما قال الله تعالى: (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز). قوله: (ألا أدلك برأس الأمر وعموده) الذروة _ بكسر الذال وضمها _ أعلى الشيء، وذروة الجبل أعلاه، والجمع الذرى _ بالضم _ والسنام _ بالفتح _ ما ارتفع من ظهر الجمل. (تو): المراد بالإسلام في قوله: (رأس الأمر الإسلام) كلمتا الشهادة، وأراد بالأمر هنا أمر الدين، يعنى مالم يقر العبد بكلمتي الشهادة لم يكن له من الدين شيء أصلا، وإذا أقر بكلمتي الشهادة حصل له أصل الدين، إلا أنه ليس له قوة وكمال، كالبيت الذي ليس له عمود، فإذا صلى وداوم على الصلاة قوى دينه، ولكن لم يكن له رفعة وكمال، فإذا جاهد حصل لدينه الرفعة. (شف): في قوله: (رأس الأمر الإسلام) إشارة إلى أن الإسلام من سائر الأعمال بمنزلة الرأس في الجسد في احتياجه إليه وعدم بقائه دونه. وفي قوله: (ذروة سنامه الجهاد) إشارة إلى صعوبة الجهاد، وعلو أمره، وتفوقه على سائر الأعمال. (مظ): إنما خص الشاهدة والصلاة ولم يذكر الزكاة والصوم والحج لأنه ذكر الأركان الخمسة في أول الحديث، وأعاد هنا ذكر ما هو الأقوى منها تعظيما لشأنهما؛ لأنهما يتكرران في كل يوم وليلة، بخلاف الزكاة والصوم فإنهما يتكرران في سنين، والحج لا يتكرر، وزاد الجهاد وبين أن به رفعة الدين؛ ليكون محرضا للدين على الجهاد. وقلت: وعدى (أدلك) في هذه القرينة بالباء وهو يعدى مضمنا معنى الإخبار، أي هل أخبرك برأس الأمر، وإنما عدل ليجمع بين المعنيين. قال صاحب الكشاف في قوله: (وتعد عيناك عنهم): وإنما عدى بعن لتضمين عدا معنى نبا وعلا في قولك: نبت عنه عينه، وعلت عنه إذا اقتحمته ولم تتعلق به. والغرض فيه إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ. فإن قلت: لم خصص هذه القرينة بالباء والأولى بعلي؟ قلت هذه القرينة أجمع وأشمل؛ لأن المعنى بالأمر الدين، وهو مشتمل على أبواب الخير، وعلى ما سبقه من قوله: (تعبد الله) إلى آخره، ولهذا أعاد الباء في القرنية الثالثة، وأكدها ب (كله) لكونها أجمع منها، وهذا الترقي ينبهك على جواز الزيادة في الجواب كما في قوله تعالى: (يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين) وهو من أسلوب الحكيم. (غب): السؤال ضربان: جدلي، وتعليمي، وحق الأول مطابقة الجواب من غير زيادة ونقص، والثاني حقه أن يتحرى المجيب الأصوب، كالطبيب الرفيق يتوخى ما فيه شفاء العليل طلبه أم لا. قوله: (بملاك ذلك كله) (تو): ملاك الأمر _ بالكسر _ قوامه، وما يتم به، ولهذا يقال: القلب ملاك الجسد. (قض): ملاك الشيء: اصله ومبناه، وأصله ما يملك به كالنظام. (مظ): ما به إحكام ــ

стр. 76

الله! فأخذ بلسانه فقال: (كف عليك هذا) فقلت: يا نبيَّ الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال (ثكلتك أمُّك يا معاذ! وهل يُكبُّ الناسَ في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائدُ ألسنتهم؟) رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجة. ــ الشيء وتقويته، من ملك العجين إذا أحسن عجنه وبالغ فيه، وأهل اللغة يكسرون الميم ويفتحونها، والرواية بكسر الميم. قوله: (فأخذ بلسانه) الباء زائدة، والضمير راجع إلى النبي ﷺ . (قض): (كف عليك) أي كف عليك لسانك، ولا تتكلم إلا بما يعنيك، فإن من كثر كلامه كثر سقوطه، ومن كثر سقوطه كثرت ذنوبه، ولكثرة الكلام مفاسد يطول إحصاؤها، أو لا تتكلم بما يهجس في نفسك من الوساوس، فإنك غير مأخوذ به مالم تظهر؛ لما روى أبو هريرة ﵁ أنه قال: (إن الله تعالى تجاوز عن أمتي ما وسوست صدورها مالم تعمل أو تتكلم). أو لا نتفوه بما (ستره) الله عليك؛ فإن التوبة عنه أرجى قبولا، والعفو عنه أرجى لازم. قوله: (إنا لمؤاخذون) المؤاخذة أن يأخذ أحد أحدا بذنبه. و (ثكلتك أمك) فقدتك، والثكل موت الولد، وفقد الحبيب، وهذه وأمثاله أشياء مزالة عن أصلها إلى معنى التعجب وتعظيم الأمر. (مظ): هذا دعاء عليه، ولا يراد وقوعه بل هو تأديب وتنبيه من الغفلة. و (يكب) مضارع كب بمعنى صرعه على وجهه، فأكب سقط على وجهه، وهذا من النوادر؛ فإن ثلاثيه متعد، ورباعيه لازم. قوله: (أو على مناخرهم) (أو) لشك الراوى، (المناخر) حمع منخر _ بقتح الميم وكسر الخاء، وفتحها _ ثقبة الأنف. (الحصائد) جمع حصيدة، فعلية بمعنى مفعولة، من: حصد إذا قطع الزرع. وهذا إضافة المفعول إلى فاعله، أي محصودات الألسنة، شبة ما تكلم به اللسان بالزرع المحصود بالمنجل، فكما أن المنجل يقطع ولا يميز بين الرطب واليابس، والجيد والردئ، فكذلك لسان بعض الإنسان يتكلم بكل نوع من الكلام القبيحوالحسن، ثم حذف المشبه وأقيم المشبه به مقامه على سبيل الاستعارة المصرحة، وجعل الإضافة قرينة لها، والاستثناء مفرغ؛ لأن في الاستفهام معنى النفي، والتقدير: لا يكب الناس في النار شيء من الأشياء إلا حصائد ألسنتهم من الكلام القبيح، مثل: الكفر، والقذف، والشتم، والغيبة، والبهتان، ونحوها. وهذا الحكم وارد على الأغلب والأكثر؛ لأنك إذا جربت وفكرت لم تجد أحدا حفظ لسانه عن السوء، ولا يصدر منه شيء يوجب دخول النار إلا نادرا، هذا، ومن أراد مزيد بيان في المعانى والبيان فعليه بكتاب التبيان وشرحه. ــ

стр. 77

٣٠_ وعن أبى أمامه، قال: قال رسول الله ﷺ : (من أحب الله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان) رواه أبو داود. ــ الحديث الثاني عن أبي أمامه: قوله: (من أحب لله) (مظ): من أحب أحدا يحبه لله لا لحظ نفسه، ومن أبغضه لله تعالى لكفره وعصيانه، لا لإيذائه له، ويعطى ما يعطى لثواب الله تعالى ورضاه، لا لميل نفسه وريائه، ويمنع ما يمنع لأمر الله، فلا يصرف الزكاة عن كافر لخسته، ولا عن بني هاشم لعزتهم، بل لأمر الله تعالى ومنعه ذلك. وفيه أنه لا يجوز الوقف على المرتدين، وقطاع الطريق، والفرق الباغية، ويحرم بيع السلاح من هؤلاء، وبيع العنب ممن يتخذ الخمر، فإن باع فالبيع صحيح، والفعل حرام. وقال: (استكمل) بمعنى أكمل. أقول: هذا بحسب اللغة، وأما عند علماء البيان ففيه المبالغة؛ لأن الزيادة في اللفظ زيادة في المعنى، كأنه جرد من نفسه شخصا وهو يطلب منه كمال الإيمان، ومنه قوله تعالى: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) أي يطلبون من أنفسهم الفتح عليهم. هذا الحديث من تتمة الإحسان والإجادة في الإيمان في قوله: (تعبد الله كأنك تراه) يعنى إذا اشتغلت بالله وبعبادته ينبغي أن لا يكون نظرك إلى ما سواه، واستقبل إليه بشراشرك، وكذا إذا اشتغلت بخلق الله فلا يكون معاملتك معهم إلا لله، بل هو من الجوامع التي تضمن معنى الإيمان، والإسلام، والإحسان؛ لأن من جملة المحبة لله محبة رسول الله ﷺ ومحبة متابعيه. (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) وأنشد: تعطى الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع وإن من جملة البغض لله النفس الأمارة بالسوء، وأعداء الدين، وبغضهما مخالفة لأمرهما، والمجاهدة مع النفس بحبسها في طاعة الله بما أمره به ونهى عنه، ومع أعداء الله بالمصابرة معهم، والمرابطة لأجلهم، قال الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ــ

стр. 78

٣١_ ورواه الترمذي عن معاذ بن أنس مع تقديم وتأخير، وفيه: (فقد استكمل إيمانه). ٣٢_ وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : (أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله). رواه أبو داود. ٣٣_ وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (المسلم من سلم المسلمون ــ واتقوا الله. ومن تأمل فيه وقف على سلوك طريق الله، وفناء السالك في حق الله، ومن ثم عقب الحديث بقوله: (الحب في الله والبغض في الله). الحديث الثالث عن أبي ذر، قوله: (الحب في الله) (في) ههنا بمعنى اللام في قوله: (من أحب لله) للإخلاص إلا أنه أبلغ، أي الحب في جهته ووجهه، كقوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهديهم) أي في حقنا ومن أجلنا ولو جهنا خالصا. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: (المسلم من سلم المسلمون) مضى شرحه في الحديث الرابع من الباب، يقال: أمنت زيدا على الأمر وائتمنته، أي جعلته أمينا، يعنى المؤمن الكامل هو الذي ظهرت أمانته، وعدالته، وصدقه، بحيث لا يخاف منه الناس بإذهاب مالهم، وقلتهم، ومد اليد إلى نسائهم. وفي ترتيب (من سلم) على (المسلم) و (من أمنه) على (المؤمن) رعاية للمطابقة، ففيه ذكر المسلم والمؤمن بمعنى واحد تأكيدا وتقريرا، إلا أنه لم يذكر في الثانية ما يدل على ما يثمر اللسان من البذاءة، والبهتان، والغيبة، واقتصر على ما تثمر اليد من سمك الدماء وغضب الأموال اكتفاء بما سبق، ولأن آفة اللسان ظاهرة، وآفة اليد مفتقرة إلى البيان، فبين في الثانية. (قض): من لم يراع حكم الله تعالى في ذمام المسلمين والكف عنهم لم يكمل إسلامه، ومن لم يكن له جاذبة نفسانية إلى رعاية الحقوق وملازمة العدل فيما بينه وبين الناس فلعله لا يراعي ما بينه وبين الله تعالى، فيخل بإيمانه. ــ

стр. 79

من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم). رواه الترمذي، والنسائي. ٣٤_ وزاد البيهقي في (شعب الإيمان) برواية فضالة: (والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله والمهاجرُ من هجر الخطايا والذنوب). ٣٥_ وعن أنس ﵁، قال: قلما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: (لا ــ قوله: (والمجاهد من جاهد نفسه) (مظ): يعنى المجاهد ليس من قاتل الكفار فقط، بل المجاهد من حارب نفسه وحملها وأكرهها على طاعة الله تعالى؛ لأن نفس الرجل أشد عداوة معه من الكفار؛ لأن الكفار أبعد منه، ولا يتفق التلاحق والتقابل معهم إلا حينا بعد حين، وأما نفسه فأبدا تلازمه، وتمنعه من الخير والطاعة، ولا شك أن القتال مع العدو الذي يلازم الرجل أهم من القتال مع العدو الذي هو بغيد منه، قال الله تعالى: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار). أقول: اللام في قوله: (المجاهد) للجنس أي المجاهد الحقيقي الذي ينبغي أن يسمى مجاهدا من جاهد نفسه، وكأن مجاهدته مع غيره بالنسبة إليه كلا مجاهدة، ونحوه قوله (عليه الصلاة والسلام) في حديث أبي هريرة ﵁: (فذلكم الرباط) كما سيجيء بيانه. قوله: (والمهاجر) (قض): الحكمة في الهجرة أن يتمكن المؤمن من الطاعة بلا مانع ولا وازع، ويتبرأ عن صحبة الأشرار المؤثرة بدوامها في اكتساب الأخلاق الذميمة، والأفعال الشنيعة، فهي في الحقيقة التحرز عن ذلك، والمهاجر الحقيقي من يتحاشى عنها. ــ

стр. 80

إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له). رواه البيهقي و (شعب الإيمان). ــ الحديث الخامس عن أنس ﵁: قوله: (قلما) (ما) مصدرية، أي قل خطبة رسول الله ﷺ ويجوز أن تكون كافة. قوله: (لا إيمان) (تو): هذا الكلام وأمثاله وعيد لا يراد به الانقلاع، وإنما يقصد به الزجر والردع، ونفي الفضيلة، دون الحقيقة في رفع الإيمان وإبطاله. (مظ): معنى (لا دين لمن لا عهد له) أن من جرة بينه وبين أحد عهد وميثاق، ثم غدر من غير عذر شرعي _ فدينه ناقص، أما مع العذر كنقص الإمام المعاهدة مع الحربي إذا رأى المصلحة _ فإنه جائز. أقول: وفي الحديث إشكال، وهو أنه قد سبق أن الدين، والإيمان، والإسلام، أسماء مترادفة موضوعات لمفهوم واحد في عرف الشرع، فلم فرق بينهما، وخصص كل واحد منهما بمعنى؟ والجواب أنهما وإن اختلفا لفظا فقد اتفقا ههنا معنى، فإن الأمانة ومراعاتها إما مع الله، فهي ما كلف به من الطاعة، وسمى أمانة لأنه لازم الوجود، كما أن الأمانة لازمة الأداء، قال الله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان). وإما مع الخلق فظاهر. وإن العهد وتوثيقه إما مع الله تعالى فاثنان: الأول الذي أخذه على جميع ذرية آدم في الأزل، وهو العهد الإقرار بربوبيته قبل خلق الأجساد، مصداقه قوله تعالى: (وإذا أخذ ربك) والثاني ما أخذه عند هبوط آدم إلى الدنيا من متابعة هدى الله، ومن الاعتصام بكتاب ينزله، ورسول يبعثه، مصداقه قوله تعالى: (قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى) وإما مع الخلق فكذا ظاهر. فحينئذ مرجع الأمانة والعهد إلى طاعة الله تعالى بأداء حقوقه وحقوق العباد، كأنه قيل: لا إيمان ولا دين لمن لا يفي بعهد الله بعد ميثاقة، ولا يؤدى أمانة الله بعد حملها، وهي التكاليف من الأوامر والنواهي، ويشهد له قوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين _ إلى قوله _ دين القيمة) والتكرير المعنوي توكيد وتقرير. ــ

стр. 81

الفصل الثالث ٣٦_ عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: (من شهد ان لا إله اللهُ وأن الله وأن محمدا رسول الله، حرم الله عليه النار). ٣٧_ وعن عثمان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ (من مات وهو يعلمُ أنه لا إله إلا اللهُ دخل الجنة) رواه مسلم. ٣٨_ وعن [جابر ﵁] قال: قال رسول الله (ثنان موجبتان). قال رجل: يا رسول الله! ما الموجبتان؟ قال: (من مات يشركُ بالله شيئا دخل النار، ومن مات لا يشركُ بالله شيئا دخل الجنة) رواه مسلم. ــ الفصل الثالث الحديث الأول والثاني عن عبادة وعثمان ﵄: (وهو يعلم أنه لا إله إلا الله) قال الشيخ أبو حامد في الإحياء: من يوجد منه التصديق بالقلب فقبل أن ينطق باللسان أو يشتغل بالأعمال مات، فهل نقول: مات مؤمنا بينه وبين الله؟ ففيه اختلاف، من شرط القول لتمام الإيمان، يقول مات قبل الأيمان، وهو فاسد؛ إذ قال ﷺ : (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان)، وهذا قلب طافح بالإيمان فكيف يخلد؟ ومن يصدق بالقلب، ويساعده من العمر مهلة النطق بكلمتي الشهادة، وعلم وجوبهما، ولكنه لم ينطق بهما، فيحتمل أن يجعل امتناعه عن النطق بمنزلته امتناعه عن الصلاة، ونقول: هو مؤمن غير مخلد في النار. الحديث الثالث عن جابر ﵁: قوله: (ثنتان موجبتان) (المغرب): يقال أوجب الرجل، إذا عمل ما يجب به الجنة أو النار، ويقال للحسنة: موجبة، وللسيئة: موجبة، فالوجوب عند أهل السنة بالوعد والوعيد، وعند المعتزلة بالعمل. و (ثنتان) صفة مبتدأ محذوف، أي خصلتان ثنتان، وهذا الحديث مع الحديثين السابقين عليه مضى شرحها مستقصى في الفصل الأول من الباب. ــ

стр. 82

٣٩_ وعن أبي هريرة [﵁]، قال: كنا قُعودا حول رسول الله ﷺ ومعنا أبو بكر وعمر ﵄ في نفر، فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا، فأبطأ علينا، وخشينا أن يقتطع دوننا، وفزعنا فقُمنا، فكنت أول من فزع، فخرجتُ أبتغى رسول الله ﷺ ، حتى أتيتُ حائطا للأنصار لبنى النجار، فساورت به، هل أجد له بابا؟ فلم أجد، فإذا ربيع يدخلُ في جوف حائط من بئر خارجة _ والربيع الجدول _ ــ الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: (دوننا) حال من الضمير المستتر في (يقطع) أي خشينا أن يصاب بمكروه من عدو أو غيره متجاوزا عنا، كقوله تعالى: (وادعوا شهداءكم من دون الله). (الكشاف): ومعنى (دون) أدنى مكان من الشيء، ومنه الشيء الأدون، واستعير للتفاوت في الأحوال والرتب، فقيل: زيد دون عمرو في الشرف والعلم، ثم اتسع فيه واستعمل في كل تجاوز حد إلى حد. قوله: (من بئر خارجة) (مح): هكذا ضبطناه بالتنوين في (بئر). وفي (خارجة) على أن (خارجة) صفة ل (بئر)، وكذا نقله الشيخ أبو عمرو بن الصلاح عن الأصل، وذكر الحافظ أبو موسى الأصفهاني وغيره أنه روى ثلاثة أوجه: أحدهما هذا، وفي الثاني من بئر خارجه _ بتنوين بئر وبهاء في آخر خارجه مضمومة، وهي هاء ضمير للحائط _ أي البئر في موضع خارج عن الحائط. والثالث من بئر خارجة، بإضافة بئر إلى خارجه آخره تاء التأنيث، وهو اسم رجل، والوجه الأول هو المشهور الظاهر. وقيل: البئر ههنا البستان من النخيل إذا كان عليه جدار. والجدول النهر الصغير. قوله: (فاحتفزت) (مح): هذا قد روى على وجهين: بالزاي، والراء، والصواب بالزاي المعجمة، ومعناه تضاممت ليسعني المدخل. قوله: (كنت بين أظهرنا) يقال: نحن بين أظهركم، وظهركم، وظهرانيكم _ بفتح النون _ أي بينكم، والظهر مقحم تأكيدا. قوله: (فخشينا أن تقتطع دوننا، ففزعنا) عطف أحد المترادفين على الآخر إرادة الاستمرار، مثل ما في قوله تعالى: (كذبت قوم نوح فكذبوا عبدنا) أي كذبوه تكذيبا غب تكذيب. قوله: (فقال: أبو هريرة؟) أي فقال النبي ﷺ أنت أبو هريرة؟ فعلى هذا أبو هريرة خبر مبتدأ محذوف، والهمزة في المبتدأ يحتمل أن يحتمل أن تكون على حقيقتها، أو التقرير، أو التعجب، أما على التقرير الأول فلعله ﷺ كان غائبا عن من بشريته بسبب إيحاء هذه البشارة إليه فلم يشعر بأنه ــ

стр. 83

قال: فاحتفزت فدخلت على رسول الله ﷺ . فقال: (أبو هريرة؟) فقلتُ: نعم يا رسول الله! قال: (ما شأنك؟) قلتُ: كنت بين أظهرنا فقُمتَ فأبطأت علينا، فخشينا أن تُقتطع دوننا، ففزعنا، فكنت أول من فزع، فأتيتُ هذا الحائط، فاحتفزتُ كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناسُ ورائي. فقال: (يا أبا هريرة!) وأعطاني نعليه، فقال: (اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيك من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا اللهُ مستيقنا بها قبله؛ فبشرةُ بالجنة) فكان أول من لقيتُ عمرُ فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ قلت: هاتان نعلا رسول الله ﷺ بعثني بهما، من لقيتُ يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبهُ، بشرتهُ بالجنة، فضرب عمرُ بين ثديي، فخررت لا ستى. فقال: ارجع يا أبا هريرة! فرجعتُ إلى رسول الله ﷺ فأجهشت بالبكاء، وركبني عمرُ، وإذا هو على ــ هو، وأما التقرير فظاهر، وأما التعجب فإنه – صوات الله عليه- استغرب أنه من أين دخل عليه والطرق مسدودة؟ ولعل فائدة بعثه النعلين أن يبلغ مع الشاهد فيصدقوه، وإن كان خبره مقبولا بغير هذا، وتخصيصهما بالإرسال إما لأنه لم يكن عنده غيرهما، أو إشارة إلى أن بعثته وقدومه لم يكن إلا تبشيرا أو تسهيلا على الأمة ورفعا لما كان إصرا على الذين من قبله من الأمم، قال الله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). أو يكون إشارة إلى الثبات بالقدم، والاستقامة بعد الإقرار، كقوله ﷺ : (قل آمن ثم استقم)، والله أعلم بأسراره. قوله: (فأجهشت) (مح): الجهش أن يفزع الإنسان إلى الإنسان ويلجأ إليه، وهو مع ذلك يريرد البكاء، كما يفزع الصبي إلى أمه، ويروي (جهشت) بغير همزة، وهما صحيحان. قوله: (فمن لقيك – إلى قوله – مستيقنا)، معناه أخبره أن من كانت هذه صفته فهو من أهل الجنة، وإلا فأبو هريرة لا يعلم استيقانهم، وفي هذا دلالة ظاهرة لمذهب أهل الحق أنه لا ينفع اعتقاد التوحيد دون النطق، ولا النطق دون الاعتقاد، بل لا بد من الجمع بينهما، وذكر القلب هنا للتأكيد ونفي توهم المجاز، وإلا فالاستيقان لا يكون إلا بالقلب، كقولك: رأيت بعيني. قوله: (فقال: ارجع (مح): ليس فعل عمر ﵁ ومراجعة النبي ﷺ اعتراضا عليه، وردا لأمره؛ إذ ليس فيما بعث به أبا هريرة غير تطييب قلوب الأمة وبشراهم، فرأى عمر أن كنتم هذا عنهم أصلح لهم وأحرى؛ لئلا يتكلوا. قوله: (وركبني عمر) أي أثقلني عدو عمر من بعيد خوفا واستشعارا منه، كما يقال: فلان

стр. 84

أثرى، فقال رسول الله ﷺ : (مالك يا أبا هريرة؟) فقلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به، فضرب بين ثديي ضربة خررت لاستي. فقال: ارجع. فقال رسول الله ﷺ : (ياعمر! ماحملك على مافعلت؟) قال: يارسول الله! بأبي أنت وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك، من لقى يسهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بالجنة؟ قال: (نعم). قال: فلا تفعل، فآني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون. فقال رسول الله ﷺ : (فخلهم) رواه مسلم. ٤٠ - وعن معاذ بن جبل، قال: قال لي رسول الله ﷺ : (مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله) رواه أحمد. ــ ركبته الديون أي أثقلته، و (إذا) للمفاجأة، بيان لوصوله، أي فنظرت فإذا هو على عقبي. قوله على إثري) فيه لغتان فصيحتان: كسر الهمزة وإسكان الثاء، وفتحها. قوله (بأبي أنت) الباء في (بأبي) متعلقة بمحذوف، قيل: هو اسم فيكون ما بعده مرفوعًا، تقديره: أنت مفدى بأبي، وقيل: فعل، وما بعده منصوب، أي فديتك بأبي وأمي، وحذف المقدر تخفيفا لكثرة الإستعمال، وعلم المخاطب به. (مح): في الحديث جواز قول الرجل للآخر: (بأبي أنت وأمي) سواء كان المفدى به مسلما أو كافرا، حيا أو ميتا. وفيه اهتمام الأتباع بحقوق متبوعهم، والاعتناء بتحصيل مصالحه، ودفع المفاسد عنه، وفيه جواز دخول الإنسان ملك غيره بغير إذنه إذا علم أنه يرضى بذلك لمودة بينهما أو غير ذلك، فإن أبا هريرة دخل الحائط، وأقره النبي ﷺ على ذلك، ولم ينقل أنه أنكر عليه. وهذا غير مختص بدخول الأرض، بل يجوز له الانتفاع بأدواته، وأكل طعامه، والحمل من طعامه إلى بيته، وركوب دابته، ونحو ذلك من التصرف الذي يعلم أنه لا يشق على صاحبه، وعليه جماهير السلف والخلف. قال ابن عبدالبر: وأجمعوا على أنه لا يتجاوز الطعام ونحوه إلى الدراهم والدنانير وأشباههما. ولعل يكون هذا في الدراهم الكثيرة؛ لشك في رضاه بها. الحديث الخامس عن معاذ ﵁: قوله: (مفاتيح الجنة) مبتدأ (وشهادة) خبر، وليس بينهما مطابقة من حيث الجمع والإفراد، فهو من وادي قول الشاعر: ومعي جياعا، جعل الناقة الضامرة من الجوع، كأن كل جزء من املعاء بمنزلة معا واحد من شدة الجوع، وكذلك جعلت الشهادة المستتبعة للأعمال الصالحة التي هي كأسنان المفتيح كل جزء منها بمنزلة مفتاح واحد

стр. 85

٤١ - وعن عثمان، ﵁، قال: إن رجلا من أصحاب النبي ﷺ حين توفي حزنوا عليه، حتى كاد بعضهم يوسوس قال عثمان: وكنت منهم، فبينا أنا جالس مر على عمر، وسلم فلم أشعر به، فاشتكى عمر إلى أبي بكر ﵄، ثم أقبلا حتى سلما علي جميعا، فقال أبو بكر: ما حملك على ألا ترد على أخيك سلامه فقلت: ما فعلت. فقال عمر: بلى، والله لقد فعلت. قال: قلت: والله ما شعرت أنك مررت ولا سلمت. قال أبو بكر: صدق عثمان، قد شغلك عن ذلك أمر. فقلت: أجل. قال: ماهو؟ قلت: توفى الله تعالى نبيه ﷺ قبل أن نسأله عن نجاة هذا الأمر. قال أبو بكر: قد سألته عن ذلك. فقمت إليه وقلت له: بأبي أنت وأمي، أنت أحق بها. قال أبو بكر: قلت يارسول الله! ما نجاة هذا الأمر؟ فقال رسول الله ﷺ (من قبل مني الكلمة التي عرضت على عمي فردها؛ فهي نجاة). ــ الحديث السادس عن عثمان: قوله (يوسوس) الوسوسة حديث النفس، وهو لازم، قال الحريري: يقال: يوسوس- بالكسر والفتح- لحن. قوله: (والله ما شعرت أنك مررت ولا سلمت) وكان يكفيه أن يقال: ما شعرت أنك مررت، لكن جيء به توكيداً، أي ما نظرت إليك ولا سمعت كلامك. قوله) عن نجاة هذا الأمر) ٠الأمر) يجوز أن يراد به ما عليه المؤمنون من الدين، أي نساله عما يتخلص به عن النار، وهو مختص بهذا الدين، وأن يراد به ماعليه الناس من غرور الشيطان، وحب الدنيا، والتهالك فيها، والركون إلى شهواتها، وركوب المعاصي وتبعاتها، أي نسأله النجاة من هذا الأمر الهائل. ولعمري! عن كلمة التقوى تؤثر في النفس اليقظة والانتباه من الغفلة، وفي القلب جاء الصداء والرين، وفي السر محو أثر العين، ولا يعقل ذلك إلا السائرون إلى الله، والعارفون بالله، ومن ثم لزموها، وكانوا أحق بها وأهلها، كأنه ﷺ يقول: النجاة في الكلمة التي عرضتها على مثل أبي طالب، وهو الذي عاش في الكفر سنين ونيف على السبعين، ولم يصدر عنه كلمة التوحيد، ولو قالها مرة واحدة لكانت حجة عند الله لاستخلاصه، وله نجاة من عذاب الله وعقابه، فكيف بالمؤمن المسلم وهي مخلوطة بلحمه ودمه؟ فلو صرح بها في كلامه لم يفخم هذا التفخيم، وهذا الحديث رواه الصحابي عن الصحابي.

стр. 86

٤٢ - وعن المقداد، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام، بعز عزيز وذل ذليل، إما يعزهم الله يجعلهم من أهلها، أو يذلهم فيدينون لها). قلت: فيكون الدين كله لله. رواه أحمد. ٤٣ - وعن وهب بن منبه، قيل له: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك, رواه البخاري في ترجمته باب ــ الحديث السابع عن المقداد: قوله: (بيت مدر ولا وبر) أي البوادي والمدن، والقرى، وهو من وبر الإبل؛ لأن بيوتهم يتخذونها منه، والمدر جمع مدرة، وهي اللبنة. قوله: (إلا أدخله كلمة التوحيد) فاعل (أدخل) الله وإن لم يجر لد ذكر، بدليل تفصيله بقوله: (إما يعزهم الله). و (كلمة) منصوب مقعوله، والضمير المنصوب ظرف، و (بعز) حال، أي أدخل الله تعالى كلمة الإسلام في البيت متلبسة بعز شخص عزيز، أي يعزه الله بها، وهو من قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون). قوله: (فيدينون) من: دان الناس، أي ذلوا وأطاعوا، ونكير الوبر والمدر والعز والذل، للاستيعاب، فالفاء في (فيكون) إذا جوابشرط محذوف، أي إذا كان كذلك فيكون الغلبة لدين الله طوعا وكرها. الحديث الثامن عن وهب: قوله: (قال بلى ولكن ليس – إلى آخره هو من القول بالموجب، قرر سؤاله ثم ذكر مستدركا، لكن غير نافع إن لم تصحبه الأسنان المعنى بها الأركان الأربعة: من الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج. كقوله: وإخوان حسبتهم دروعا ... فكانوها ولكن للأعادي

стр. 87

٤٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها حتى يلقى الله) متفق عليه. ٤٥ - وعن أبي أمامة ﵁، أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : ما الإيمان؟ قال: (إذا سرتك حسنتك، وساءتك سيئتك، فأنت مؤمن). قال: يا رسول الله! فما الإثم؟ قال: (إذا حاك في نفسك شيء فدعه). رواه أحمد. ٤٦ - وعن عمرو بن عبسة ﵁، قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: ــ قوله: (في ترجمة باب) من عادته أن يذكر بعد الباب حديثا معلقا بغير إسناد فيه بيان ما يشتمل عليه أحاديث الباب، ويضيف إليه الباب. الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: (إذا أحسن) أي أجاد وأخلص، كقوله تعالى: (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن). (قوله: (إلى سبع مائة ضعف) إلى لانتهاء الغايد، فيكون ما بين العشرة إلى السبعمائة درجات بحسب الأعمال، ومنه قوله ﷺ (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة). الجوهري: الضعف المثل، وضعفاه مثلاه، وأضعافه أمثاله. الحديث العاشر عن أبي أمامة: قوله: (إذا سرتك حسنتك) يعني إذا صدرت منك طاعة وفرحت بها مستيقنا بأنك تثاب عليها، وإذا أصابتك معصية وندمت عليها، فذلك علامة الإيمان بالله واليوم الآخر. قوله: (حاك في نفسك) أي أثر فيها، والحيك أثر القول في القلب، يقال: ما يحيك في الملامة، إذا لم يؤثر فيه. فإن قلت: قوله: (مالإثم) إما أن يكون سؤالا عن حقيقته أو صفته، وعلى التقديرين لا يكون الجواب مطابقا. قلت: السؤال عن الوصف وفي الجواب تقدير، أي هو الذي يؤثر في النفس الشريفة القدسية تأثيرًا لا ينفك عن تنفير، وعلى هذا المنوال جواب الإيمان.

стр. 88

يارسول الله! من معك على هذا الأمر؟ قال: (حر وعبد). قلت: مالإسلام؟ قال: (طيب الكلام، وإطعام الطعام). قلت مالإيمان؟ قال: (الصبر والسماحة)) قال: قلت أي الإسلام أفضل؟ قال: (من سلم المسلمون من لسانه ويده). قال: قلت: أي الإيمان أفضل؟ قال: ((خلق حسن). قال: قلت: أي الصلاة أفضل؟ قال: (طول القنوت). قال: قلت: أي الهجرة أفضل؟ قال: (أن تهجر ماكره ربك). قال: فقلت: فأي الجهاد أفضل؟ قال: (من عقر جواده وأهريق دمه). قال: قلت: أي الساعات أفضل؟ قال: (جوف الليل الآخر) رواه أحمد. ــ الحديث الحادي عشر عن عمرو: قوله (من معك على هذا الأمر) أي من يوفقك على ما أتيت به من الدين؟ قال: (كل واحد من الحر والعبد). قوقوله: (طيب الكلام) جوابا على الإسلام حث له على مكارم الأخلاق، أي ما الإسلام إلا مكارم الأخلاق، ومن ثم سأل أي الإسلام –أي أي الأخلاق- أفضل؟ ومنه إسلام عبدالله بن سلام حين سمع قوله ﷺ : (أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) هذا يقابل قوله: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) فالأول تحلية، والثاني تزكية، ومن حق التحلية أن تؤخر عن التزكية، فقدمت في الحديث لأنها الغرض الأولي وإن كانت مؤخرة في الوجود. قوله: (الصبر والسماحة) فسم الإيمان بهما لأن الأول يدل على الترك، والثاني على الفعل. قال الحسن: الصبر عن معصية الله، والسماحة على أداء فرض الله، ثم جمع هاتين الهليقتين باللق الحسن، بناء ما قالت الصديقة ﵂: (كان خلقه القرآن) أي يأتمر بما أمره الله تعالى فيه، وينتهي عما نهى الله عنه، ويجوز أن يحملا على الإطلاق ويكون قوله: (خلق حسن) بعد ذكرهما كالتفسير له؛ لأن الصبر على أذى الناس والسماحة بالموجود يجمعهما الخلق الحسن، وفيه معنى قوله تعالى: (ولا تستوي الحنة ولا السيئة غدفع بالتي هي أحسن) يعني إذا اعترضتك حسنتان فادفع بأحسنهما السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك، فمن أساء إليك إساءة فالحسنة أن تعفو عنه، والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك، مثل من يذمك تمدحه، ومن يقتل ولده فتفتدي ولده من يد عدوه، ثم قال الله تعالى: (وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) أي ما يلقى هذه الخليقة والسجية إلا أهل الصبر

стр. 89

٤٧ - وعن معاذ بن جبل، ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من لقي الله لا يشرك به شيئان ويصلي الخمس، ويصوم رمضان؛ غفر له)). قلت: أفلا أبشرهم يا رسول الله، قال: ((دعهم يعملوا)) رواه أحمد [٤٧]. ٤٨ - وعنه أنه سأل النبي ﷺ عن أفضل الإيمان؟ قال: ((أن تحب لله، وتبغض لله، وتعمل لسانك في ذكر الله)). قال: وماذا يا رسول الله؟ قال: ((أن تحب للناس ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك)) رواه أحمد [٤٨]. ــ الذي وفق لحظ عظيم من الخير. وقوله: ﷺ : ((صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك)) فصل ثم أجمل لمزيد الاهتمام. قوله: ((وطول القنوت)) القنوت يرد على معان متعددة: كالطاعة، والخشوع، والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام، والسكوت؛ فيصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد. وقال ابن الأنباري: القنوت على أربعة أقسام: الصلاة، وطول القيام، وإقامة الطاعة، والسكوت، ويجوز أن يراد هنا القيام، والخشوع، والسكوت. الحديث الثاني عشر والثالث عشر عن معاذ: قوله: ((وماذا يا رسول الله)) أي ماذا أصنع بعد ذلك؟ و ((ماذا)) يحوز أن يكون منصوبا بأصنع بمعنى أي شيء أصنع؟ وأن يكون مرفوعا بالابتداء، بمعنى أي شيء أصنعه؟ فعلى الأول يكون قوله: ((أن تحب للناس)) منصوبا، وعلى الثاني مرفوعا، والحديثان لوضوحهما غنيان عن الشرح.

стр. 90

(١) باب الكبائر وعلامات النفاق الفصل الأول ٤٩ - عن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: قال رجل: يا رسول الله! أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: ((أن تدعو لله ندا وهو خلقك)) قال: ثم أي؟ قال: ((أن ــ باب الكبائر وعلامات النفاق الفصل الأول الحديث الأول عن عبد الله بن مسعود: قوله: ((أي الذنب أكبر؟)) ((شف)): الذنب الجرم، وهو بحسب المغفرة على ثلاثة أقسام: قسم لا يغفر، وهو الشرك بالله تعالى وقسم يرجى أن يغفر بالاستغفار والتوبة، وهو ما بين الله تعالى وبين عبده، وقسم يحتاج إلى التراد، وهو حقوق الآدميين، نقول: والتراد على أقسام، إما في الدنيا بالاستحلال، أو رد العين، وإما في الآخرة برد ثواب الظالم إليه، أو أن الله تعالى يرضى المظلوم بفضله ولطفه، كما سيجيء في حديث عرفة. ((الكشاف)): والصغيرة والكبيرة بإضافتهما إما إلى طاعة، أو معصية، أو ثواب فاعلهما، أي الصغيرة والكبيرة أمران نسبيان، فلا بد من أمر آخر يقاس عليه، وهو أحد هذه الأمور الثلاثة، فكل ما يكفر بمثل الصلاة فهو من الصغائر، لقوله تعالى: ﴿وأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فإنها نزلت في تقبيل أبي اليسر المرأة، ولقوله ﷺ : ((ما من مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما يأت كبيرة، وذلك الدهر كله)). وكل ما يكفر بمثل الإسلام والهجرة فهو من الكبائر، لقوله ﷺ ((إن الإسلام يهدم ما كان قبله، وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وإن الحج يهدم ما كان قبله)). أما المعصية فكل معصية يستحق فاعلها بسببها وعيدا وعقابا أزيد من الوعيد والعقاب المستحق بسبب معصية أخرى فهي كبيرة، وتلك صغيرة. وأما فاعلهما فهو أن فاعل المعصية إن كان من المقربين فالصغيرة بالنسبة إليه كبيرة؛ لما روى:

стр. 91

ــ ((حسنات الأبرار سيئات المقربين)). ((قض)) في تفسيره: ولعل هذا مما يتفاوت باعتبار الأشخاص والأحوال، ألا ترى أنه تعالى عاتب نبيه ﷺ في كثير من خطراته التي لم تعد على غيره بخطيئة فضلا أن يؤاخذ. قال التوبشتي واختصره القاضي: ليس لقائل أن يقول: كيف عد الكبائر ههنا ثلاثا، وأربعا في حديث ابن عمر وأنس، وسبعا في حديث أبي هريرة؟ لأنه ﷺ لم يتعرض للحصر في شيء من ذلك، ولم يعرب عنه كلامه، أما في هذا الحديث فظاهر، وأما في حديث ابن عمر فلأن الحكم فيه مطلق، والمطلق لا يفيد الحصر، والذي نقول: إنه ﷺ أنهى في كل مجلس ما أوحى الله إليه ﷺ وألهم، أو سنح له باقتضاء أحوال السائل، وتفاوت الأوقات، فالأولى والأضبط أن نجمع كلها، ونجعلها مقيسا عليها على ما قال الإمام عز الدين بن عبد السلام السلمى في كتاب قواعد الشريعة: إذا أردت معرفة الفرق بين الصغائر والكبائر فهي من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر فهي من الكبائر؛ فحكم القاضي بغير الحق كبيرة، فإن شاهد الزور متسبب متوسل، فإذا جعل السبب كبيرة فالمباشرة أكبر من تلك الكبيرة، فلو شهد اثنان بالزور على قتل موجب للقصاص، فسلمه الحاكم إلى الولي فقتله، وكلهم عالمون بأنهم باطلون، فشهادة الزور كبيرة، والحكم بها أكبر منها، ومباشرة القتل أكبر من الحكم. قوله: ((أن تدعو لله ندا)) الند – بالكسر – والنديد، والنديدة، مثل الشيء الذي يضاده وناوئه في أموره. ((غب)): ند الشيء مشاركه في جوهره، وذلك ضرب من المماثلة، فإن المثل يقال في أي مشاركة كانت، فكل ند مثل لا عكسه. والضد هو أحد المتقابلين، وهما الشيئان المختلفان اللذان لا يجتمعان في شيء واحد. الدعاء: النداء، ويستعمل استعمال التسمية، نحو، دعوت ابني زيدا، أي سميته، ودعوته إذا سألته واستعنته، ((ادع لنا ربك)) أي سله، ((أغير الله تدعون، بل إياه تدعون))، أي تستغيثون. والدعاء ههنا متضمن معنى الجعل، أي يجعلون لله ندا، كقوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ يعني بسبب عبادتكم الأصنام، وتعظيمكم إياها، وتسميتها آلهة – أشبهت حالكم حال من يعتقد أنها آلهة مثله. قوله: ((وهو خلقك)) الواو فيه للحال. ((مظ)): وأكبر الذنوب أن تدعو لله ندا شريكا، مع علمك بأنه لم يخلقك أحد غير الله، ولم يقدر على أن يدفع عنك السوء والمكاره غيره، بل لله عليك الإنعام مما لا تقدر على عده. قوله: ((ثم أي)) التنوين في ((أي)) عوض عن المضاف إليه،

стр. 92

تقتل ولدك خشية أن يطعم معك)). قال: ثم أي؟ قال: ((أن تزاني حليلة جارك)). فأنزل الله تعالى تصديقها: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَاّ بِالْحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨] [متفق عليه]. ٥٠ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الكبائر: الإشراك ــ وأصله: ثم أي شيء من الذنوب أكبر بعد الكفر؟ الحليلة: الزوجة، والحليل: الزوج؛ لأن كلا منهما حلال للآخر، من: حل يحل – بالكسر – أي مباح، أو حال عنده من حل يحل – بالضم – كما سمى الجار حليلا. فإن قلت: مع معنى ((ثم))؟ فإن تراخى الزمان لا يتصور فيه، وكذا التراخي في المرتبة لوجوب كون المعطوف بها أعلى رتبة من المعطوف عليه، وههنا بالعكس. قلت: معناه التراخي في الإخبار، كأن قال: أخبرني عن أوجب ما يهمن السؤال عنه من الذنوب، ثم الأوجب فالأوجب. ((مظ)): لا خلاف في أن أكبر الذنوب بعد الكفر قتل نفس مسلمة بغير الحق. قوله: ((خشية أن يطعم معك)) يعني قتل الولد أكبر من سائر الذنوب، وقتله من خوف أن يطعم طعامك أيضا ذنب؛ لأنك لا ترى الرزق من الله تعالى. قوله: ((أن تزاني حليلة جارك)) يعني الزنا ذنب كبير وخاصة مع من سكن جوارك، والتجأ بأمانتك، وثبت بينك وبينه حق الجوار، وقال رسول الله ﷺ في حديث آخر: ((ما زال يوصيني جبريل بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)) فالزنا بزوجة جاره يكون زنا، وإبطال حق الجوار والخيانة معه، فيكون أقبح، وإذا كان الذنب أقبح يكون الإثم أعظم. هذا الكلام حسن متين. واعلم أن قتل ولدك، وحليلة جارك يوهم أنه إذا لم يكن مقيدا لم يكن الفعل من الكبائر، ودفع هذا الوهم أن يقال: مثل هذا النهي غالبا إما ورد على الأمر الواقع المخصوص، وهو من مفهوم اللقب، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ فإنه مثل قوله ﷺ : ((أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك)) وقد اتفقوا على أنه من باب مفهوم اللقب، وهذا يعضد ما ذهبنا إليه أن اختلاف الأحاديث في عدد الكبائر بحسب ما سنح له ﷺ على مقتضى حال السائل، وتفاوت الأوقات والمجالس. قوله: ((فأنزل الله تصديقها)) الضمير راجع إلى هذه المسألة، أو الأحكام، أو الواقعة، و ((تصديقها)) مفعول له، أي وأنزل الله هذه الآية تصديقا لها. وفيه دليل على جواز تقرير السنة وتصديقها بالكتاب.

стр. 93

بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس)). رواه البخاري. ٥١ - وفي رواية أنس: ((وشهادة الزور)) بدل: اليمن الغموس)) متفق عليه. ٥٢ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اجتنبوا السبع الموبقات)) قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم ــ الحديث الثاني عن عبد الله بن عمرو: قوله: ((الكبائر الإشراك بالله)) وهو جعل أحد شريكا لآخر، والمراد هنا اتخاذ إله غير الله. والعقوق مخالفة من حقه واجب، وعقوق الوالدين عصيان أمرهما، وترك خدمتهما. ((واليمين الغموس)) هو أن يحلف الرجل على الماضي متعمدا الكذب، بأن يقول: والله فعلت كذا أو والله ما فعلت كذا، وهو أنه كاذب ما فعله، أو أنه فعله. وقيل: اليمين الغموس أن يحلف الرجل كاذبا ليذهب بمال أحد، وسمي غموسا لأنه يدخل صاحبه في النار، أو في الإثم، أو في الكفارة. قوله: ((شهادة الزور)) الزور أعلى الصدر، وزرت فلانا تلقيته بزوري، أو قصدت زوره نحو وجهته. وقيل للكذب زورا لكونه مائلا عن جهته، قال الله تعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾. قوله: ((بدل اليمين)) نصب على الظرف، أي مكان اليمين على الكناية؛ لأن من أبدل شيئا من شيء فقد وضعه مكانه. فإن قلت: لم ذكر في حديث ابن مسعود الكبائر بـ ((ثم)) المستدعية للتراخي في الرتبة مجازا، وفي حديث عبد الله بن عمرو بالواو وهي لا تقتضي الترتيب؟ أجاب التوربشتي بقوله: يحتمل أن يكون قتل الولد وعقوق الوالدين في مرتبة، واليمين الغموس والزنا بحليلة الجار في مرتبة، أو يكون اليمين الغموس وقتل النفس في مرتبة. والأظهر أنه ﷺ أجاب الرجل على مقتضى حاله، وصدور هذه الخصال منه، كما سبق أنه مما أوحى إليه أو عرف حاله معجزة، وفي الحديث الأخير سرد الخصال سردا لا على الترتيب. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((اجتنبوا)) ابعدوا، افتعال من الجنب، وهو أبلغ من ((لا تشركوا)) نحو قوله تعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾؛ لأن نهي القربان أبلغ من نهي المباشرة. و ((الموبقات)) جمع الموبقة، وهي الخصلة المهلكة، أجمل بها وسماها مهلكات، ثم فصلها ليكون أوقع في النفس، وليؤذن بأنها نفس المهلكات، كقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾. ((التولي)) الإعراض عن الحرب والفرار منه، يعني الفرار من الكفار إذا كان بإزاء كل مسلم كافران من الكبائر، وإن كان

стр. 94

الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)). متفق عليه. ٥٣ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ــ بإزاء كل مسلم أكثر من كافرين يجوز الفرار. ((الزحف)) الجماعة الذين يزحفون إلى العدو، أي يمشون إليهم، مشتقة من: زحف الصبي، إذا دب على إسته. قوله: ((قذف المحصنات)) ((شف)): القذف الرمي البعيد، استعير للشتم والعيب والبهتان، كما استعير الرمي. ((المحصنات)) جمع محصنة – بفتح الصاد – مفعولة، أي التي أحصنها الله تعالى وحفظها من الزنا، و – بكسرها – اسم فاعلة، أي التي حفظت فرجها من الزنا. و ((الغافلات)) كناية عن البريئات؛ لأن البريء غالف عما بهت به من الزنا. واحترز بـ ((المؤمنات)) عن قذف الكافرات؛ فإن قذفهن ليس من الكبائر، فإن كانت ذمية فقذفها من الصغائر لا يوجب الحد، وفي قذف الأمة المسلمة التعزير دون الحد، والتعزير بتعلق باجتهاد الإمام، وإن كان المقذوف رجلا يكون القذف أيضا من الكبائر، ويجب الحد أيضا. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا يزني الزاني)) الحديث، قال المالكي: ومن حذف الفاعل قوله النبي ﷺ : ((ولا يشرب الخمر حين يشربها)) وكذا قوله: ((ولا ينتهب نهبنة، ولا يغل، ولا يقتل)) أي لا يشرب شارب، ولا ينتهب ناهب، ولا يغل غال، ولا يقتل قاتل، كقوله تعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ﴾ في قراءة هشام، أي لا يحسبن حاسب. وأقول: تكلم فيه العلماء أقوالا كثيرة. ((مظ)): ذكر منها قولين، وقال: هذا وأشباهه لنفي الكمال، أي لا يكون كاملا في الإيمان حالة كونه زانيا، ويحتمل أن يكون لفظه لفظ الخبر، ومعناه النهي، وقد اختار هذا التأويل بعض العلماء، والأول أولى؛ لأنا لو قلنا بالثاني لم تبق بالتقييد بالظرف والحال فائدة؛ لأن الزنا منهي عنه في جميع الأديان، وليس مختصا بالمؤمنين. وأقول: يمكن أن يقال: المراد بالإيمان المنفي الحياء، كما سبق: أن الحياء شعبة من الإيمان، أي لا يزني الزاني حين نزني وهو يستحيي من الله تعالى؛ لأنه لو استحيى من الله تعالى واعتقد أنه حاضر شاهد لحاله لم يرتكب هذا الفعل الشنيع، مثل حياءه فيه ثم وقاحته وخروج الحياء منه ثم نزعه عن الذنب وإعادة الحياء إليه بتشبيك الرجل أصابعه، ثم إخراجها منها ثم إعادتها إليها كما كانت، على ما روى عكرمة عن ابن عباس تخويفا له، وردعا حيث صورت بهذه الصورة. ويعضده حديث أبي هريرة: ((إذا زنى العبد خرج منه الإيمان – إلى قوله – كأنه ظلة)) وهذا التأويل يوافق قول الأول؛ لأنه إذا انتفى الحياء الذي هو شعبة من شعب الإيمان، ينتفي

стр. 95

ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن، ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن؛ فإياكم إياكم)) متفق عليه. ــ كمال الإيمان؛ لأن الكل ينتفي بانتفاء الجزء، ونحوه ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)). ومصداقه قوله ﷺ : ((الاستحياء من الله حق الحياء: أن يحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى)). وما وعى الرأس: هو اللسان، والفم، والسمع، والبصر. وما حوى البطن والسرة: وهو ما دار عليها من القلب، والفرج، واليدين، والرجلين. فلو استحى هذا الرجل من الله تعالى حق الحياء، لحفظ الفرج من الزنا، والعين من النظر إلى المحارم – كما ورد: ((وزنى العين النظر)) – واليد من السرقة والغصب، والرجل من المشي إلى حوانيت الزواني، والغارة ونهب أموال المسلمين، والفم من شرب الخمر وأكل الحرام، والقلب من الغل والحقد المؤديين إلى قتل النفس والجناية؛ لأنه لو حفظ منها ما غل أموال المسلمين، ومن الزنى لأن زنى القلب الاشتهاء، واللسان فإنه ملاك ذلك كله، ولو حفظه ما وقع فيها؛ لما ورد ((كف عليك هذا)). ويجوز أن يكون من باب التغليظ والتشديد، كقوله تعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً ومَن كَفَرَ﴾ يعني: هذه الخصال ليست من صفات المؤمنين؛ لأنها منافية لحالتهم، فلا ينبغي أن يتصفوا بها، بل هي من أوصاف الكافرين. وينصره قول الحسن، وابن جعفر الطبري: إن المعنى: ينزع منه اسم المدح الذي سمى به أولياؤه المؤمنون، ويستحق اسم الذنب، فيقال: سارق، وزان، وفاجر، وفاسق – انتهى كلامه. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَاّ يَسْتَوُونَ﴾. قوله: ((ولا ينتهب)) انتهب ونهب، بفتح العين في الماضي والغابر إذا أغار على أحد، وأخذ ماله قهرا. ((النهبة)) – بفتح النون – المصدر، وبالضم المال الذي انتهبه الجيش فيها، أي في تلك النهبة. ((أبصارهم)) مفعول ((يرفع))، يعني: أخذ الرجل مال قوم قهرا وظلما؛ وهم ينظرون إليه، ويتضرعون ويبكون، ولا يقدرون على دفعه، فهذا ظلم عظيم لا يليق بحال من هو مؤمن. ((يغل)) – بفتح الغين في الماضي وضمها في الغابر – إذا سرق شيئا من الغنيمة، أو خان في أمانة. و ((إياكم)) منصوب على التحذير، والتكرير للتأكيد والمبالغة في التحذير والتخويف.

стр. 96

٥٤ - وفي رواية ابن عباس: ((ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن)). قال عكرمة: قلت لابن عباس: كيف ينزع الإيمان؟ قال هكذا، وشبك بين أصابعه ثم أخرجها، فإن تاب عاد إليه هكذا، وشبك بين أصابعه. وقال أبو عبد الله: لا يكون هذا مؤمنا تاما، ولا يكون له نور الإيمان. هذا لفظ البخاري. ٥٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((آية المنافق ثلاث)). زاد مسلم: ((وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم))، ثم اتفقا: ((إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)) [٥٥]. ــ الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((آية المنافق ثلاث)) الآية العلامة. وإنما خص هذه الثلاثة بالذكر؛ لأنها مشتملة على المخالفة التي عليها مبني النفاق، من مخالفة السر والعلن. فالكذب: هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به والأمانة حقها أن تؤدى إلى أهلها، فالخيانة مخالفة لها. والخلاف في الوعد ظاهر؛ ولذلك صرح بأخلف. النفق سرب في الأرض، له مخلص إلى مكان. و ((النافقاء)): إحدى جحرتي اليربوع، وهو موضع يدققه، فإذا أتى من قبل القاصعاء – وهو جحره الذي يقصع فيه أي يدخل – ضرب النافقاء برأسه، فانتفق أي خرج، يقول: نافق اليربوع أي أخذ في نافقائه. ومنه اشتقاق المنافق: وهو الذي يدخل في الشرع من باب ويخرج من باب، أيضا يكتم الكفر، ويظهر الإيمان، كما أن اليربوع يكتم النافقاء، ويظهر القاصعاء، كانوا يظهرون الإسلام تسترا به، وهم مقيمون على كفرهم. قوله: ((وإن صام، وصلى)) التثنية للاستيعاب، أي وإن عمل أعمال المسلمين من الصوم، والصلاة وغيرهما من العبادات. وهذا الشرط اعتراض وارد للمبالغة لا يستدعي الجواب، كذا عن صاحب الكشاف. ((شف)): وفي الحديث دليل على ما ذهب إليه الحسن البصري: من أن صاحب الكبيرة منافق. وعنه ﵁: أنه ذكر له هذا الحديث، فقال: إن بني يعقوب ﵇ حدثوا فكذبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا، وكان ذلك الفعل منهم نادرا، ولم يصروا عليه، وسألوا أباهم أن يستغفر لهم، فلم يتمكن منهم صفة النفاق بخلاف المنافق؛ فإن هذه الخصال هجيره وعادته بدليل إتيان الجملة الشرطية مقارنة بـ ((إذا)) الدالة على تحقق الوقوع. ((تو)): من اجتمعت فيه تلك الخصال، واستمرت أحواله عليها، فبالحري أن يسمى منافقا. وأما المؤمن المفتون بها؛ فإنه إن فعلها مرة تركها أخرى، وإن أصر عليها زمانا أقلع عنها زمانا آخر، وإن وجدت فيه خلة عدمت منه أخرى.

стр. 97

٥٦ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)). متفق عليه. ــ ((خط)): هذا القول إنما خرج على سبيل الإنذار للمرء المسلم، والتحذير له أن يعتاد هذه الخصال، فيفضي به إلى النفاق، لا أن من ندر منه هذه الخصال، أو فعل شيئا من ذلك من غير اعتباد أنه منافق. والنفاق ضربان، أحدهما: أن يظهر صاحبه الإيمان وهو مسر للكفر، كالمنافقين على عهد رسول الله ﵊، والثاني: ترك المحافظة على حدود أمور الدين سرا، ومراعاتها علنا، فهذا سمي منافقا؛ ولكنه نفاق دون نفاق، كما قال ﷺ : ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر))؛ وإنما هو كفر دون كفر. الحديث السادس عن عبد الله بن عمرو: قوله: ((أربع)) يحتمل أن يكون هذا مختصا بأبناء زمانه؛ فإنه ﵊ علم بنور الوحي بواطن أحوالهم، وميز بين من آمن به صدقا، ومن أذعن له نفاقا، وأراد تعريف أصحابه على حالهم؛ ليكونوا على حذر منهم، ولم يصرح بأسمائهم؛ لأنه عليه الصلاة السلام عليم أن منهم من سيتوب، فلم يفضحهم بين الناس، ولأن عدم التعيين أوقع في النصيحة، وأجلب للدعوة إلى الإيمان، وأبعد عن النفور والمخاصمة. ويحتمل أن يكون عاما لينزجر الكل عن هذه الخصال على آكد وجه؛ إيذانا بأنها طلائع النفاق الذي هو أقبح القبائح، كأنه كفر مموه باستهزاء وخداع مع رب الأرباب ومسبب الأسباب. فعلم من ذلك أنها منافية لحال المسلمين، فينبغي للمسلم أن لا يرتع حولها؛ فإن من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه. ويحتمل أن يكون المراد بالمنافق العرفي، وهو من يخالف سره علنه مطلقا، ويشهد له قوله ﵊: ((من كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها)) وكذا قوله: ((كان منافقا خالصا))؛ لأن الخصائل التي تتم بها المخالفة بين السر والعلن لا تزيد على هذا، فإذا نقصت منها خصلة نقص الكمال – انتهى كلامه. فإن قلت: أي الرذائل أقبح؟ قلت: الكذب؛ ولذلك علل عذابهم في قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ولم يقل بما كانوا يصنعون من النفاق؛ ليؤذن بأن الكذب قاعدة مذهبهم وأسه، فينبغي للمؤمن المصدق أن يجتنب عنه؛ لأنه مناف لوصف الإيمان والتصديق.

стр. 98

٥٧ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة)). رواه مسلم. [٥٧] الفصل الثاني ٥٨ - عن صفوان بن عسال، قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي ﷺ . فقال له صاحبه: لا تقل: نبي، إنه لو سمعك لكان له أربع أعين. فأتيا رسول ــ و ((الفجور)): في اللغة الميل والشق، فهو – إما ميل عن القصد المستقيم، وإما شق ستر الديانة، والمراد هنا الشتم والرمي بالأشياء القبيحة والبهتان، بقرينة قوله ((إذا خاصم فجر)). لا منافاة بين قوله: ((آية المنافق ثلاث)) وقوله: ((أربع من كن فيه فهو منافق)) لأن الشيء الواحد قد يكون له علامات، كل واحد منها يحصل بها صفة، فتارة يذكر بعضها، وأخرى جميعها أو أكثرها. الحديث السابع عن ابن عمر: قوله: ((مثل المنافق)) ((تو)): ((العائرة)) أكير ما يستعمل في الناقة، وهي التي تخرج من الإبل إلى أخرى؛ ليضربها الفحل، والجمل عائر يترك الشوك إلى أخرى، ثم يتسع في المواشي. وأراد بـ ((الغنمين)) الثلثين، فإن الغنم اسم جنس يقع على الواحد والجمع. ضرب النبي ﵊ للمنافق مثل السوء، فشبه تردده بين الطائفتين من المؤمنين والمشركين تبعا لهواه، وقصدا لغرضه الفاسد، وميلا إلى ما يبتغيه من شهواته – بتردد الشاة العائرة، وهي تطلب الفحل فتتردد بين الثلتين، فلا تستقر على حال، ولا تثبت مع إحدى الطائفتين، وبذلك وصفهم الله في كتابه فقال عز من قائل: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلَى هَؤُلاءِ ولا إلَى هَؤُلاءِ﴾. أقول: وخص الشاة العائرة بالذكر إدماجا، بمعنى سلب الرجولية عن النافقين، من طلب الفحل للضراب. الفصل الثاني: الحديث الأول عن صفوان: قولهك ((اذهب بنا)) الباء في ((بنا)) بمعنى المصاحبة، أي كن رفيقي لنأتيه، هذا مذهب المبرد، وصاحب الكشاف. قوله: ((أربع أعين)) ((تو)): أي يسر لقولك (إلى) هذا النبي سرورا، يزداد به نورا إلى نوره، كذى عينين أصبح يبصر بأربع أعين؛ لأن السرور يمد القوة الباصرة، كما أن الهم والحزن والكآبة يخل بها؛ ولهذا يقال لمن أحاطت به الهموم: أظلمت عليه الدنيا، وبذلك شهد التنزيل ﴿وابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْنِ﴾. أقول: قوله: ((أربع أعين)) كناية عن السرور المضاعف، أي سرور بعد سرور، فلم يرد به التثنية بل الاستمرار، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ وذلك أنهم يكنون عن السرور بقرة العية، قال الله تعالى: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾.

стр. 99

الله ﷺ ، فسألاه عن تسع آيات بينات، فقال رسول الله ﷺ : لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببرئ ــ قوله: ((عن تسع آيات)) والآية: هي العلامة الظاهرة، ويستعمل في الحسوسات والمعقولات فيقال لكل ما تتفاوت به المعرفة بحسب الفكر والتأمل فيه، وحسب منازل الناس في العلم: آية، ويقال لكل جملة دالة على حكم من أحكام الله تعالى: آية، ويقال لكل كلام منفصل بفصل لفظي: آية، وللمعجزة: آية؛ لما فيها من الدلالة على النبوة، وصدق من ظهرت هي بسببه، والمراد بالآيات هنا: إما المعجزات التسع المذكورة في قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ وهي: اليد، والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والسنون، ونقص من الثمرات. وقيل الطمسة وانقلاب البحر مكان اليد، والعصا، ويشهد له ما روى الترمذي – ﵀ – أنهما سألاه عن هذه الآية، وعلى هذا فقوله: ((لا تشركوا)) كلام مستأنف ذكره عقيب الجواب، ولم يذكر الراوي جوابه استغناء بما في القرآن أو لغيره. وأما الأحكام العامة الشاملة للملل كلها، وبيانها ما بعدها. فإن قلت: كيف يكون هذا جوابا وهو عشرة خصال، والمسئول عنه تسع؟ قلت: الزيادة على السؤال جائز، واقع في قوله ﵊ وقد سئل عن ماء البحر: ((طهور ماؤه وحل ميتته)). هذا وقوله: ((وعليكم خاصة)) حكم مستأنف مختص بدينها، غير شامل لسائر الأديان، لا تعلق له بسؤالهم؛ فلهذا غير سياق الكلام، والله أعلم. وقد أجيب بأنه ليس في بعض الروايات ((ولا تقذفوا المحصنة)) وفي بعضها ((أو لا تولوا للفرار)) على الشك، وهو لا ينتهض جوابا بالنظر إلى ما في الكتاب. أقول: والأظهر أن اليهود سألوا عما عندهم من الآيات المنصوصة بالعشر، وكانت تسع منها متفقا عليها بينهم وبين المسلمين، وواحدة مختصة بهم، فسألوا عن المتفق عليها وأضمرا ما كان مختصا بهم، فأجابهم ﵊ عما سألوه، وعما أضمروا؛ ليكون أدل على معجزته، ولذلك قبلا يديه. قوله: ((ولا تمشوا ببريء)) الباء في ((ببريء)) للتعدية أي لا تكلموا بسوء في من ليس له ذنب عند السلطان، كيلا يقتله، و ((عليكم)) خبر لـ ((أن لا تعتدوا)). وقيل: هي كلمة الإغراء، و ((أن لا تعتدوا)) مفعوله، أي الزموا واحفظوا ترك الاعتداء، و ((خاصة)) منون حال، و ((اليهود)) نصب على التخصيص، أي أعني اليهود. ويجوز أن يكون خاصة بمعنى: خصوصا، ويكون اليهود معمولا لفعله، أي أخص اليهود خصوصا. وفي بعض طرق الحديث ((يهود)) مضموما بلا لام على أنه منادى.

стр. 100

إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولوا للفرار يوم الزحف، وعليكم خاصة – اليهود – أن لا تعتدوا في السبت)). قال: فقبلا يديه ورجليه، وقالا: نشهد أنك نبي. قال: ((فما يمنعكم أن تتبعوني؟)). قالا: إن داود ﵇ دعا ربه أن لا يزال من ذريته نبي، وإنا نخاف إن تبعناك أن تقتلنا اليهود. رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي. [٥٨] ٥٩ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاث من أصل الإيمان، الكف عمن قال: لا إله إلا الله، لا تكفره بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل. والجهاد ــ قوله: ((إن داود دعا ربه)) ((مظ)): يعني دعا داود ﵇ أن لا تقطع النبوة في ذريته إلى يوم القيامة، وإذا دعا داود ﵇ يكون دعاءه مستجابا البتة؛ لأنه لا يرد الله دعاء نبي، فإذا كان كذلك فسيكون نبي من ذريته، ويتبعه اليهود. وربما كان لهم الغلبة والشوكة، فإن تركنا دينهم واتبعناك يقتلنا اليهود إذا ظهر لهن نبي وقوة. وهذا كذب منهم وافتراء على داود؛ لأنه ﵇ لم يدع بهذا الدعاء، ولا يجوز لأحد أن يعتقد في داود هذا اللدعاء؛ لأنه ﵇ لم يدع بهذا الدعاء، ولا يجوز لأحد أن يعتقد في داود هذا الدعاء؛ لأنه قرأ في التوراة والزبور نعت محمد ﵊، وأنه خاتم النبيين، وأنه ينسخ به جميع الأديان والكتب، فإذا أخبر الله تعالى داود ببعث رسول الله ﷺ عليهما، على هذه الصفة، فكيف يدعو على خلاف ما أخبره الله تعالى به؟ الحديث الثاني عن أنس: قوله: ((ثلاث من أصل الإيمان)) أصل الشيء قاعدته التي لو توهمت مرتفعة لارتفع بارتفاعه؛ ولذلك قال: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي ثلاث خصال من أصل الإيمان. إحداها: ((الكف عمن قال)) وفيه إشارة إلى اعتقاد أن المؤمن لا يكفر بالذنب، ولا يخرج من الإسلام ردا على الخوارج والمعتزلة؛ لأن الخوارج يكفرون من يصدر منه ذنب، والمعتزلة يثبتون منزلة بين المنزلتين. الثانية: ((الجهاد ماض)) يعني: الخصلة الثانية اعتقاد كون الجهاد ماضيا إلى خروج الدجال، يخرج بعد قتله يأجوج ومأجوج فلا يطاقون، وبعد فنائهم لم يبق كافر – انتهى كلامه. وفيه رد

стр. 101

ماض مذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل. والإيمان بالأقدار)). رواه أبو داود [٥٩] ٦٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا زنى العبد خرج منه الإيمان، فكان فوق رأسه كالظلة، فإذا خرج من ذلك العمل رجع إليه الإيمان)). رواه الترمذي، وأبو داود. [٦٠] ــ على المنافقين وبعض الكفرة؛ لأنهم زعموا أن دولة الإسلام تنقرض بعد أيام قلائل. ((الكشاف)) في قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾: زعم المنافقون أن ريح الإسلام يهب حينا ثم يسكن، ولواءه يخفق أياما ثم يقرن كأنه قيل: ((الجهاد ماض)) أي أعلام دولته منشورة، وأولياؤه منصورة، وأعداؤه مقهورة إلى يوم الدين. ولعل محيي السنة إنما أورد هذا الحديث في ((باب النفاق)) لهذا المعنى، وكذا الحديث السابق؛ فإن اليهوديين نافقا بقولهما: ((نشهد أنك نبي)) ثم قولهما: ((إن داود دعا)) لأنه يدل على أنهما لم يقولا ذلك عن اعتقاد. وقوله: ((لا يبطله)) ((مظ)): يعني لا يجوز ترك الجهاد؛ لأن يكون الإمام ظالما، بل يجب عليهم موافقته فيه، ولا أن يكون الإمام عادلا فلا يخافون من الكفار، ولا يحتاجون إلى الغنائم، فعلى هذا يكون النفي بمعنى النهي. أقول: ويمكن أن يجري على ظاهر الإخبار كما هو عليه، ويكون تأكيدا للجملة السابقة أي لا يبطله أحد إلى خرج الدجال على الكناية؛ بأن لا ينظر إلى مفردات الألفاظ، بل تؤخذ الزبدة والخلاصة من المجموع. والثالثة: الإيمان بالأقدار، وأن ما يجري في العالم هو من قضاء الله وقدره، ردا على المعتزلة؛ لأنهم يثبتون للخلق القدرة المستقلة. الحديث الثالث عن أبي هريرة: قوله: ((إذا زنى العبد)) قد مر في الفصل الأول أن الإيمان أطلق على الحياء. ((تو)): وأن الخروج والتظليل تمثيل، كما في تشبيك الأصابع، وأنه من باب

стр. 102

الفصل الثالث ٦١ - عن معاذ، قال: أوصاني رسول الله ﷺ بعشر كلمات، قال: ((لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدا؛ فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله، ولا تشربن خمرا فإنه رأس كل فاحشة، وإياك والمعصية؛ فإن ــ التغليظ والتشديد في الوعيد، هذا من باب الزجر والتشديد. وهو كقول القائل لمن اشتهر بالرجولية والمروءة، ثم فعل ما ينافي شيمته عدم عنه المروءة والرجولية تعييرا وتنكيرا؛ لينتهي عما صنع، واعتبارا وزجرا للسامعين، ولطفا بهم وتنبيها إلى أن الزنا من شيم أهل الكفر وأعمالهم، فالجمع بينه وبين الإيمان كالجمع بين المتنافيين. وفي قوله ﷺ : ((فكان فوق رأسه مثل الظلة)) – وهي أول سحابة تظل – إشارة إلى أنه وإن خالف حكم الإيمان؛ فإنه تحت ظله لا يزول عنه حكمه ولا يرتفع عنه اسمه. الفصل الثالث الحديث الأول عن معاذ: قوله: ((وإن قتلت وحرقت)) شرط جيء به للمبالغة، وفيه إضمار أي وإن عرضت للقتل والتحريق، ((وإياك والمعصية)) تحذير وتعميم بعد التخصيص وإيذان بأن المعاصي السابقة أعظمها ضرا وأكثرها اعتبارا. وقوله: ((فإن بالمعصية)) اسم ((إن)) ضمير الشأن حذف من ((إن)) المكسورة المثقلة كقول الشاعر: فلا تخذل المولى وإن كان ظالما فإن به تنال الأمور وترأب والتقدير فإنه يقول: لا تخذل مولاك وإن ظلمك؛ فربما تحتاج إليه، وترجع إلى معاونته في بعض الأمور ليجبر كسرك. وقيل: لا يحذف؛ لأن المقصود من الكلام المصدر به – هو التعظيم والفخامة – فلا يلائمه الاختصار. قلت: فيه نظر؛ لأنه لو كان كما قيل لوجب أن لا يحذف أصلا، وقد حذف اسم كاد في قوله تعالى: ﴿كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾ وأما قول ابن الحاجب: وحذفه منصوبا ضعيف، فقد ضعفوه أيضا، وكيف تقول ذلك؟ وقد جاء في الكلام الفصيح قال ﷺ في النهي عن الصلاة في أوقات الكراهة: ((أقصر عن الصلاة فإن حينئذ تسجر جهنم)) الحديث، أي فإن الأمر والشأن حينئذ، أخرجه مسلم. وقوله: ((موت)) أي طاعون ووباء، وقد ورد أن الطاعون إذا ورد في بلد لا يجوز الخروج منه، وقوله: ((موت)) أي طاعون ووباء، وقد ورد أن الطاعون إذا ورد في بلد لا يجوز الخرج منه،

стр. 103

بالمعصية حل سخط الله، وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس، وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم، فاثبت، وأنفق على عيالك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدبا وأخفهم في الله)). رواه أحمد. ٦٢ - وعن حذيفة، قال: إنما النفاق كان على عهد رسول الله ﷺ ، فأما اليوم، فإنما هو الكفر، أو الإيمان. رواه البخاري. ــ وإذا كان خارجا منه لا يجوز الدخول. ((الطول)) الفضل من المال، وقوله تعالى: ﴿ومَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً﴾ كناية عما يصرف في المهر والنفقة. وقوله: ((ولا ترفع عنهم عصاك، وأخفهم في الله)) كنايتان عن تأديبهم وإنذارهم، و ((أدبا)) مفعول له وفيه إضمار، أي اضربهم تأديبا يؤدي إلى أن يتأدبوا أدبا، على قدر الزجاج في قوله تعالى: ﴿واللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ أي أنبتكم فتنبتون نباتا. الحديث الثاني عن حذيفة: قوله: ((إنما النفاق)) يعني: حكم المنافقين من إبقاء أرواحهم، وإجراء أحكام المسلمين عليهم، كان في عهد النبي ﵊ بناء على مصالح، منها: أن المؤمنين إذا ستروا على المنافقين أحوالهم، خفي على المخالفين أمرهم، حسبوا أنهم من جملة المسلمين، وأن جملتهم واحدة، فكان ذلك سببا لاجتنابهم محاربة المسلمين؛ لكثرة عددهم، بل يؤدي ذلك إلى استشعار الخوف منهم، قلة شوكتهم، وإذا ظهر الله عليهم انقلبت إلى مفاسد، منها: أن الكفار إذا سمعوا محاسنة المسلمين مع من يصحبهم واستهزاؤهم معهم، كان ذلك سببا لنفرتهم وعدم تألفهم. ومنها: وأن من شاهد حسن تخلقه مع مخالفه رغبوا في صحبته، ووافق معه سرا وعلانية مزيد رغبته، ودخل في دين الله بوفور نشاط ورغبة. وأما بعد النبي ﵊ فالحكم: إما الكفر والقتل، أو الإيمان سرا وعلانية؛ لقوة شوكة المؤمنين وغلبتهم وكثرتهم وضعف أعدائهم. قوله: ((فأما اليوم)) إلى آخره. قوله: ((إنما هو)) هذا الضمير كما في قوله تعالى: ﴿إنْ هِيَ إلَاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾. ((الكشاف)): هذا الضمير لا يعلم ما يعني به إلا بما يتلوه من بيانه، و ((أو)) فيه كما في قوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ فالمعنى: ليس الكائن اليوم إلا الكفر أو الإيمان، ولا ثالث لهما.

стр. 104

(٢) باب الوسوسة الفصل الأول ٦٣ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله [تعالى] تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها، ما لم تعلم به أو تتكلم)). متفق عليه. ــ باب في الوسوسة الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((تجاوز عن أمتي)) قال في المغرب: الوسوسة الصوت الخفي، ومنها وسواس الحلي لأصواتها. وقال الليث: الوسوسة حديث النفس؛ وإنما قيل موسوس؛ لأنه يحدث بما في ضميره، والوسواس اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة. والمراد به الشيطان في قوله: ﴿مِن شَرِّ الوَسْوَاسِ﴾ كأنه وسوسه في نفسه. وقيل: ما يظهر في القلب من الخواطر - إن كانت تدعوه إلى الرذائل والمعاصي يسمى وسوسه، وإن كانت تدعو إلى الخصائل المرضية والطاعات تسمى إلهاما. اعلم أن الوسوسة ضرورية، واختبارية، فالضرورية: ما يجري في الصدر من الخواطر ابتداء، ولا يقدر الإنسان على دفعه، فهو معفو عن جميع الأمم، قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَاّ وسْعَهَا﴾. والاختيارية هي التي تجري في القلب وتستمر، وهو يقصد أن يعمل به ويتلذذ منه، كما يجري في قلبه حب امرأة ويدوم عليه، ويقصد الوصول إليها، وما أشبه ذلك من المعاصي، فهذا النوع عفا الله عن هذه الأمة خاصة، تشريفا وتكريما لنبينا عله الصلاة والسلام وأمته، وإليه ينظر قوله تعالى: ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾. وأما العقائد الفاسدة، ومساوئ الأخلاق وما ينضم إلى ذلك؛ فإنها بمعزل عن الدخول في جملة ما وسوست به الصدور. قال صاحب النهاية: روي: ((ما حدثت به أنفسها)) بدل ((وسوست)) و ((أنفسها)) نصب على المفعول به، ويجوز الرفع على الفاعل. ((تو)): ويؤيد هذه الراية قول الرجل في حديث آخر: ((إن أحدنا يحدث نفسه)) وفي آخر ((إني أحدث نفسي)) وأهل اللغة يرفعون السين أي بغير اختيار، والفتح أسد وأصوب؛ لأن

стр. 105

ــ الظاهر أنه أراد النوع الذي يستجلبه الطبع، فيتبعه النفس حتى يحققه فيوسوس به صدره نزوعا إلى العمل به، لا الذي يهجم عليه من غير اختيار منه، على ما تقتضيه رواية الرفع، هذا ما عليه كلام الشارحين. وروى الشيخ محيي الدين النواوي عن الإمام المازني قال: مذهب القاضي أبي بكر بن الطيب أن من عزم على المعصية بقلبيه ووطن نفسه عليها أثم في اعتقاده وعزمه. ويحمل ما وقع من أمثال قوله ﵊: ((إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوا عليه، فإن عمليها فاكتبوها سيئة واحدة)) الحديث، على أن ذلك في من لم يوطن نفسه على المعصية؛ وإنما مر ذلك بفكره من غير استقرار، ويسمى هذا هما، ويفرق بين الهم والعزم، هذا مذهب القاضي أبي بكر، وخالفه كثير من الفقهاء والمحدثين وأخذوا بظاهر الحديث. وقال القاضي عياض: عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين على ما ذهب إليه القاضي أبو بكر؛ للأحاديث الدالة على المؤخذة بأعمال القلوب؛ لكنهم قالوا: إن هذا العزم يكتب سيئة، وليست السيئة التي هم بها؛ لكونها لم يعملها وقطعه عنها قاطع غير خوف الله تعالى والإنابة، لكن نفس الإصرار والعزم معصية فيكتب معصية، فإذا عملها كتبت معصية ثانية، فإن تركها خشية لله تعالى كتبت حسنة، كما في الحديث ((إنما تركها من جرائي)) فصار تركه لخوف الله تعالى، ومجاهدته نفسه الأمارة بالسوء حسنة. وأما الهم الذي لا يكتب: فهو الخواطر التي لا يوطن النفس عليها ولا يصحبها عقد ولا نية وعزم. وذكر بعض المتكلمين خلافا فيما إذا تركها بغير خوف الله تعالى، بل لخوف الناس، هل يكتب حسنة؟ قال: لا؛ لأنه إنما حمله على تركه الحياء، وهذا ضعيف لا وجه له، هذا آخر كلام القاضي، وهو ظاهر حسن لا مزيد عليه. وقد تظاهرت نصوص الشرع بالمؤاخذة بعزم القلب المستقر؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ والآيات في هذا كثيرة، وقد تظاهرت نصوص الشرع، وإجماع العلماء على تحريم الحسد، واحتقار المسلمين، وإرادة المكروه بهم، وغير ذلك من أعمال القلوب وعزمها. ((شف)): وفي الحديث دليل على أن الرجل إذا حدث نفسه بالطلاق، ولم يتلفظ له لا يقع الطلاق، وإليه ذهب الشافعي وجماعة. وقال الرهري: إذا عزم على ذلك وقع الثلاث وإن يم

стр. 106

٦٤ - وعنه، قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ إلى النبي ﷺ ، فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به! قال: ((أوقد وجدتموه؟)) قالوا: نعم. قال: ((ذاك صريح الإيمان)). رواه مسلم. [٦٤] ٦٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه؛ فليستعذ بالله ولينته)). متفق عليه. ــ يتلفظ به. واتفقوا على أنه لو عزم على الظهار لم يلزمه كفارة، ولو حدث نفسه في الصلاة لم تبطل صلاته، ولو كان حديث النفس بنزلة الكلام لبطلت صلاته. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إنا نجد في أنفسنا)) واقع موقع الحال، أي سألوه مخبرين إنا نجد، أو قائلين على احتمال فتح الهمزة وكسرها، والكسر أوجه حتى يكون بيانا للمسئول، وهو مجمل يفسره الحديثان الآتيان بعده، أي نجد في قلوبنا أشياء قبيحة، أي من خلق الله؟ وكيف هو؟ ومن أي شيء هو؟ وما أشبه ذلك مما نتعاظم به؛ لعلمنا أنه لا يليق شيء منها أن تعتقده، ونعلم أنه تعالى قديم، خالق الأشياء كلها ليس بمخلوق، فما حكم جريان هذه الأشياء في خواطرنا؟ ((تعاظم)) تفاعل بمعنى المبالغة؛ لأن زيادة اللفظ لزيادة المعنى، فإن الفعل الواحد إذا جرى بين اثنين يكون مزاولته أشق من مزاولته وحده. ((مظ)): المروي ((أحدنا)) برفع الدال، ومعناه: يجد أحدنا التكلم به عظيما، ويجوز النصب، أي يعظم ويشق التكلم به على أحدنا. وقوله: ((أو قد وجدتموه؟)) الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدر، أي أحصل ذلك وقد وجدتموه تقريرا وتأكيدا، والمعنى: حصل ذلك الخاطر القبيح، وعلمتم أن ذلك مذموم وغير مرضي، و ((ذاك)) إشارة إلى مصدر مقدر، وهو وجدان قبح ذلك الخاطر، أو مصدر يتعاظم، أي علمكم بفساد ذلك الوسواس، وامتناع نفوسكم والتجافي عن التفوه بها، صريح الإيمان وخالصه؛ لأن الكافر يصر على ما في قلبه من تشبيه الله تعالى بالمخلوقات، ويعتقده حسنا. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فإذا بلغه)) الضمير راجع إلى مصدر ((يقول))، أي إذا بلغ قوله: ((من خلق ربك)). ((ولينته)) أي وليترك التفكر في هذا الخاطر وليستعذ، وإن لم يزل التفكير بالاستعاذة فليقم، وليشتغل بأمر آخر؛ وإنما أمر بالاستعاذة والانتهاء عنه، والإعراض عن مقابلته، لا بالتأمل. والاحتجاج بوجهين:

стр. 107

٦٦ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا؛ فليقل: آمنت بالله ورسله)). متفق عليه. ــ الأول: أن العلم باستغنائه تعالى عن المؤثر والموجد أمر ضروري، لا يقبل الاحتجاج والمناظرة له وعليه، فإن وقع من ذلك شيء كان من وسوسة الشيطان، لأنه مسلط في باب الوسوسة، ووساوسه غير متناهية، فمهما عارضته فيما يوسوس بحجة يجد مسلكا آخر إلى ما ينفيه من المغالطة والتشكيك، وأدنى ما يفيده من الاسترسال في ذلك إضاعة الوقت، فلا تدبير في دفع ذلك أقوى وأحسن من الاسعاذة بالله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وإمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾. وثانيهما: أن السبب في اعتوار أمثال ذلك احتباس المرء في عالم الحس، وما دام هو كذالك لا يزيد فكره، إلا انهماكا في الباطل، وزيغا عن الحق، ومن كان هذا حاله فلا علاج له إلا الالتجاء إلى الله تعالى للاعتصام بحوله وقوته بالمجاهدة والرياضة؛ فإنهما مما يزيل البلادة، ويصفي الذهن، ويزكي النفس. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((يتساءلون)) التساؤل جريان السؤال بين اثنين فصاعدا، ويجوز بين العبد، والشيطان، أو النفس، أو إنسان آخر، ويجري بينهما السؤال في كل نوع، حتى يبلغ إلى أن يقال هذا. قوله: لفظ ((هذا)) ((تو)): لفظ ((هذا)) يصرف على وجهين: أحدهما: أن يكون مفعولا، والمعنى: حتى يقال هذا القول، والآخر: أن يكون مبتدأ قد حذف خبره، أي هذا القول أو قولك هذا قد علم أو عرف. رواه مسلم في كتابه على هذا السياق عن أبي هريرة ﵁، ورواه أيضا عن أنس، وفي روايته ((حتى يقال: هذا الله، خلق الخلق)) كذلك رواه البخاري في كتابه عن أبي هريرة، والحديث على هذا السياق محتمل لوجه آخر سوى الوجه الذي ذكرناه أولا، وهو أن يقول: ((هذا الله)) مبتدأ وخبر، أو ((هذا)) مبتدأ و ((الله)) عطف بيان و ((خلق الله الخلق)) خبره. وأكثر رواة هذا الحديث يرونه على هذا السياق، فيرجح إذا على السياق المذكور في كتاب المصابيح، وإن كان كلاهما من جملة الصحاح. أقول: قوله: ((هذا)) مبتدأ قد حذف خبره، أولى الوجوه، لكن تقديره على غير ما ذكره وذلك بأن يقال: هذا مقرر أو مسلم، وهو أن الله تعالى ((خلق الخلق)) فما تقول في ((الله))؟ فإن الله شيء، وكل شيء مخلوق، فمن خلقه؟ فعلى هذا الفاء رتبت ما عدها على ما قبلها. وقوله:

стр. 108

٦٧ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة)). قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: ((وإياي، ولكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير)). رواه مسلم. [٦٧] ــ ((خلق الله الخلق)) بيان لقوله: هذا مسلم، وبهذا المعنى لا يستقيم على أن يقال: ((إن هذا مقول، وما بعده بيان له؛ لأن الفاء تدفعه. ووجه آخر: وهو أن يقدر: هذا القول مقرر، فوضع ((خلق الله الخلق)) موضع القول، كقوله تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ﴾ أي وإذا قيل لهم هذا القول؛ لأن (لا تفسدوا): فعل، لا يقع مفعولا إلا على التأويل. وهذا القول كفر فمن تكلم به فليتداركه بكلمة الإيمان وليقل: آمنت بالله خالق كل شيء، وليس بمخلوق، لا يتصور كنهه وهم وخيال، ولا يحضره فهم ومثال. الحديث الخامس عن ابن مسعود: قوله: ((قالوا: وإياك)) ((شف)): اللائق بهذا المضمر المنفصل أن يكون صيغة المرفوع المنفصل فيقال: ((وأنت يا رسول الله)) فيقو ﵊: ((وأنا)) لكن إقامة كل واحد من الضمير المرفوع والمنصوب المتصلين مقام الآخر شائع. فمن الأول قوله ﷺ : ((من خرج إلى تسبيح الضحى، لا يبعثه إلا إياه)) والقياس إلا هو. ومن الثاني قوله ﵊ في حديث الوسيلة: ((فأرجو أن يكون أنا هو)). أقول: ويمكن أن يقال: إنه ﵊ لما قال: ((وما منكم من أحد)) الخ سألوا ((وإياك)) يعني أيضا في هذا الخطاب، فقال: نعم! وإياي؛ لأن الخطاب عام لا يختص بالمخاطبين من الصحابة، بل كل من يصح أن يخاطب به، فهو داخل فيه، كأنه قيل: ((ما منكم يا بني آدم من أحد إلا وقد وكل به)) ونظيره القذة بالقذة. قوله: ((ما من بني آدم مولود إلا يمسه)) وقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ والخطاب للناس. قوله: ((فأسلم)) في جامع الترمذي: قال ابن عيينة: ((فأسلم)) بالضم أي أسلم أنا منه، والشيطان لا يسلم. وفي جامع الدارمي: قال أبو محمد: ((أسلم)) بالفتح أي استسلم وذل. وذهب الخطابي إلى الأول، والقاضي عياض المغربي إلى الثاني، وهما روايتان مشهورتان. بقول ويعضد قول من قال: ((اسلم)) بمعنى استسلم وذل، ما رواه الشيخان في حديث أبي هريرة: ((أن عفريتا من الجن تلفت البارحة، ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه فأخذته، فأردت أن أربطه إلى سارية من ساري المسجد)) الحديث.

стр. 109

٦٨ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم)). متفق عليه. ــ وقول من قال: ((لا يأمرني إلا بخير)) يدل على إسلامه؛ لأنه لو لم يسلم فكيف يأمره بالخير؟ ليس بقوي؛ لما روى البخاري في حديث أبي هريرة: ((وكله رسول الله ﷺ لحفظ زكاة رمضان)) وساق الحديث. ((فأخذته)) يعني: أخذ أبو هريرة الشيطان ((فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ – إلى قوله – أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي؛ فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك الشيطان حتى تصبح – إلى قوله ﷺ – أما أنه قد صدقك، وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث يا أبا هريرة؟ قلت: لا، قال: ذاك الشيطان)) وكذا قول من قال: ((إن الشيطان لا يسلم)) ضعيف. ((تو)): إن الله هو القادر على كل شيء، ولا يستبعد من فضله ورحمته أن يخص نبيه ﵊ بهذه الكرامة، يعني إسلام قرينه وبما هو فوقها. قوله: ((فلا يأمرني إلا بخير)) أي لا يدلني إلا على خير، كما تقدم في حديث أبي هريرة. وأما قوله: ((وقرينه من الملائكة)) فليس في المصابيح، لكن ذكره الحميدي في كتابه، والصنعاني في المشارق عن مسلم. الحديث السادس عن أنس ﵁: قوله: ((يجري من الإنسان)) عدى ((يجري)) بمن على تضمين معنى التمكن، أي يتمكن من الإنسان في جريانه في عروقه مجرى الدم. قوله: ((مجرى)) يجوز أن يكون مصدرا ميميا، وأن يكون اسم مكان، وعلى الأول تسبيه، شبه كيد الشيطان وجريان وساوسه في الإنسان بجريان دمه في عروقه، وجميع أعضائه، والمعنى: أن الشيطان يتمكن في إغواء الإنسان وإضلاله تمكنا تاما، ويتصرف فيه تصرفا لا مزيد فيه. وعلى الثاني: يجوز أن يكون حقيقة، فإنا لا ننكر أن الله قادر على أن يخلق أجساما لطيفة يسري في بدن الإنسان سريان الدم فيه؛ فإن الشياطين مخلوقة من نار السموم، والإنسان من صلصال وحمإ مسنون، والصلصال فيه نارية، وبه يتمكن من الجريان في أعضائه، يدل عليه ما روى البخاري تعليقا عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس، وإذا غفل وسوس)) وأن يكون مجازا، يعني: أن كيد الشيطان ووساوسه يجري في الإنسان حيث يجري فيه الدم من عروقه وأبشاره فالشيطان إنما يستحوذ على النفوس، وينفث وساوسه في القلوب بواسطة النفس الأمارة بالسوء ومركبها الدم ومنشأ قواها منه، فعلاجه سد المجاري بالجوع والصوم؛ لأنه يقمع الهوى، ويردع الشهوات التي هي من أسلحة الشيطان، فالشبع مجلبة للآثام، منقصة للإيمان مشوشة للأفكار.

стр. 110

٦٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخا من مس الشيطان، غير مريم وابنها)). متفق عليه. ــ الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ما من بين آدم مولود)) يحتمل أن يكون ((ما)) بمعنى ليس بطل عمله بتقديم الخبر على المبتدأ، وإلا لغو؛ لأن الاستثناء مفرغ، والمستثنى حال من الضمير المستتر في الظرف. والوجه أن يقال: ((مولود)) فاعل الظرف لاعتماده على حرف النفي، والمستثنى منه أعم عام الوصف، يعني: ما وجد من بني آدم مولود متصف بشيء من الأوصاف إلا بهذا الوصف، كأنه ﵊ يرد من زعم أن بعض بني آدم – مثل الأنبياء، والأولياء المخلصين – لا يمسه الشيطان، فهو من باب قصر القلب. وفي التصريح بالصراخ إشارة بأن المس عبارة عن إصابة ما يؤذيه ويؤلمه، لا كما زعمت المعتزلة: أن من الشيطان تخييل، واستهلاله صارخا من مسه تصوير لطمعه فيه. كأنه يمسه ويضرب بيده عليه، ويقول: هذا ممن أغويه. وأما قول ابن الرومي: لما تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد إذا أبصر الدنيا استهل كأنه بما هو لاق من أذاها يهدد وإلا فما يبكيه منها وإنه لأوسع مما كان فيه وأرغد فمن باب حسن التعليل، فلا يستقيم تنزيل الحديث عليه إلى أنه لا ينافيه. ((قض)): مس الشيطان: تعلقه بالمولود وتشويش حاله، والإصابة بما يؤذيه ويؤلمه أولا، كما قال الله تعالى حكاية عن أيوب: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وعَذَابٍ﴾ والاهتمام بحصول ما يصير ذريعة، (ومتسلقا) في إغوائه، والاستهلال والإهلال رفع الصوت، والصراخ هو الصوت، واستثناء مريم وابنها لاستعاذة أمها حيث قالت: ﴿إنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. أقول: قوله: ((يؤلمه)) ظاهر في أن المس حقيقي، ويعضده الحديث الذي يليه، وهو أيضا من رواية أي هريرة ((صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان)) فإن النزغ نخس بالعود، وتفرد عيسى وأمه بالعصمة عن المس، لا يدل على فضلهما على نبينا ﵊؛ لأن لنبينا فضائل ومعجزات لم تكن لعيسى ولا لغيره من الأنبياء، ولا يلزم أن يكون في الفاضل خصال المفضول.
следующие страницы →