Полный текст (3 308 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
مصلاهن، قالت امرأة: يا رسول اللهَ إحدانا ليس لها جلباب؟ قال: ((لتلبسها صاحبتها من جلبابها)) متفق عليه.
١٤٣٢ - وعن عائشة، قالت: إن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان، وفي رواية: تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، والنبي ﷺ متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي ﷺ عن وجهه، فقال: ((دعهما يا أبا بكر! فإنها أيام عيد- وفي رواية: يا أبا بكر! إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا)). متفق عليه.
ــ
حمامة بطن الوادي بين ترنمي سقاك من الغر الغوادي مطيرها
فلو روي الحديث بلفظ التثنية علي الأصل لجاز ((مظ)): أمر جميع النساء بحضور المصلي يوم العيد، أن تصلي من ليس لها عذر وتصل بركة الدعاء إلي من لها عذر، وفيه ترغيب للناس في حضور الصلاة، ومجالس الذكر، ومقاربة الصلحاء، لينالهم بركتهم، وهذا غير مستحب في زماننا؛ لظهور الفساد.
((حس)): اختلفوا في خروج النساء ليوم العيدين، فرخص فيه بعضهم، وكرهه بعضهم. ويستحب إخراج الصبيان، كان ابن عمر يخرج من استطاع من أهل بيته في العيدين. وفيه أن الحائض لا تهجر ذكر الله تعالي، ومواطن الخير.
الحديث السادس عن عائشة ﵂: قوله: ((تدففان)) في ((الغريبين)): الدف الجنب. ومنه دفتا المصحف، لمشابهتهما بجنبتين. ((والدف)) بضم الدال سمي به لأنه متخذ من جلد الجنب. قوله: ((وتضربان)) قيل: تكرار لزيادة الشرح، أي ويضربان الدف. وقيل: يرقصان، من ضرب الأرض إذا وطأها.
قوله: ((تغنيان)) ((حس)): وكان الشعر الذي يغنيان في وصف الحرب والشجاعة. وفي ذكره معونة في أمر الله. فأما الغناء بذكر الفواحش، والمجاهرة بالمنكر من القول، فهو المحظور من الغناء. وحاشاه أن يجري شيء من ذلك بحضرته ﷺ . قوله: ﷺ : ((هذا عيدنا)) اعتذار منه بأن إظهار السرور في يوم العيدين شعار الدين، وليس كسائر الأيام. ((شف)): فيه دليل علي أن السماع وضرب الدف غير محظور، لكن في بعض الأحيان، أما الإدمان عليه فمكروه، مسقط للعدالة، ماح للمروءة. ((وتقاولت)) تفاعلت من القول، أي تفاخرت.
قوله: ((يوم بعاث)) - بالعين المهملة، وهو بضم الباء- يوم مشهور، كان فيه حرب بين الأوس والخزرج. وهو اسم حضن للأوس. وبعضهم يقولها بالغين المعجمة، وهو تصحيف.
стр. 842
١٤٣٣ - وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وتراً، رواه البخاري.
١٤٣٤ - وعن جابر، قال: كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق. رواه البخاري.
١٤٣٥ - وعن البراء قال: خطينا النبي ﷺ يوم النحر فقال: ((إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل أن نصلي، فإنما هو شاة لحم عجله لأهله، ليس من النسك في شيء)) متفق عليه.
ــ
وقيل: وجرى الحرب في هذا اليوم عند هذا الحصن بين القبلتين، وبقيت إلي مائة وعشرين سنة، حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة، فألف بينهم بيمن قدومه. وفيه نزل قوله تعالي: ﴿لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم﴾. قوله: ((متغش بثوبه)) ((نه)): أي متغط. والتغشي: التغطي. وقوله: ((فانتهرهما)) الانتهار: الزجر، يقال: نهره وانتهره، أي زجره.
الحديث السابع عن أنس ﵁: قوله: ((حتى يأكل تمرات)) ((شف)): لعله ﷺ أسرع بالإفطار يوم الفطر ليخالف ما قبله، فإن الإفطار في سلخ رمضان حرام، وفي العيد واجب. ولم يفطر في الأضحى قبل الصلاة؛ لعدم المعنى المذكور.
الحديث الثامن عن جابر ﵁: قوله: ((خالف الطريق)) أي يخرج في طريق، ويرجع في آخر، قيل: والسبب فيه يحتمل وجوهاً، منها: أن يشمل الطريقين بركته، وبركة من معه من المؤمنين، ومنها: أن يستغنى منه أهل الطريقين، ومنها: إشاعة ذكر الله، ومنها: التحرز عن كيد الكفار، ومنها: اعتياده أخذه ذات اليمين حث عرض له سبيلان ومنها: أخذ طريق أطول في الذهاب إلي العبادة، ليكثر خطاه، فزيد ثوابه، وأخذ طريق أقصر ليسرع إلي مثواه.
الحديث التاسع والعاشر عن البراء ﵁: قوله: ((شاة لحم)) الإضافة للبيان، كخاتم فضة؛ لأن الشاة شاتان، شاة يأكل لحمها الأهل، وشاة نسك يتصدق بها لله تعالي ومعنى قوله: ((ليس من النسك في شيء)) أي ليس من شعائر الله تعالي.
стр. 843
١٤٣٦ - وعن جندب بن عبد الله البجلي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يذبح حتى صلينا، فليذبح علي اسم الله)). متفق عليه.
١٤٣٧ - وعن البراء، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ذبح قبل الصلاة، فإنما يذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة، فقد تم نسكه، وأصاف سنة المسلمين)). متفق عليه.
١٤٣٨ - وعن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يذبح وينحر بالمصلي. رواه البخاري.
الفصل الثاني
١٤٣٩ - عن أنس، قال: قدم النبي ﷺ المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ((ما هذا اليومان؟)) قالوا: كنا نعلب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ
ــ
((حس)): هذا الحديث يشتمل علي بيان وقت الأضحية، فأجمع العلماء علي أنه لا يجوز ذبحها قبل طلوع الفجر من يوم النحر. ثم ذهب قوم إلي أن وقتها يدخل إذا ارتفعت الشمس يوم النحر قيد رمح، ومضى بعده قدر ركعتين وخطبتين خفيفتين، اعتباراً بفعل النبي ﷺ فإن ذبح جاز سواء صلي الإمام أو لم يصل فإن ذبح قبله لم يجز سواء في المصر أو لم يكن. وهو مذهب الشافعي ﵁. ويمتد وقت الأضحية إلي غروب الشمس من آخر أيام التشريق، وبه قال الشافعي. وذهب جماعة إلي أن وقتها إلي يومين من أيام التشريق، وإليه ذهب أصحاب أبي حنيفة ﵃.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((قدم المدينة)) أي أهل المدينة ولولا استدعاء الراجع من الحال أعني ((ولهم)) لكانت لنا مندوحة عن وجه التقدير. قوله: ((قد أبدلكم الله بهما خيراً)) نهي عن اللعب، والسرور فيه في نهاية من اللطف، وأمر بالعبادة، وأن السرور الحقيقي فيها، قال تعالي: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾ ((مظ)). فيه دليل علي أن تعظيم النيروز والمهرجان وغيرهما مما ينهي عنه. وقال القاضي أبو المحاسن الحسن بن منصور الحنفي في فتاويه: ينبغي أن لا يفعل أحد في يوم النيروز ما لا يفعله في غيره من الأيام
стр. 844
((قد أبدلكم الله بهما خيراً منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر)) رواه أبو داود. [١٤٣٩].
١٤٤٠ - وعن بريدة، قال: كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي. رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي. [١٤٤٠]
١٤٤١ - وعن كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ كبر في العيدين في الأولي سبعاً قبل القراءة، وفي الآخرة خمساً قبل القراءة. رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي. [١٤٤١]
١٤٤٢ - وعن جعفر بن محمد، مرسلاً، أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كبروا في العيدين والاستسقاء سبعاً وخمساً، وصلوا قبل الخطبة، وجهروا بالقراءة. رواه الشافعي. [١٤٤٢]
١٤٤٣ - وعن سعيد بن العاص، قال: سألت أبا موسى وحذيفة: كيف كان رسول الله ﷺ يكبر في الأضحى والفطر؟ فقال أبو موسى: كان يكبر أربعاً تكبيره علي الجنائز. فقال حذيفة. صدق. رواه أبو داود. [١٤٤٣]
ــ
فمن اشترى فيه شيئاً لم يكن يشتريه في غيره، أو أهدي فيه هدية إلي غيره، فإن أراد بذلك تعظيم اليوم كما يعظم الكفرة فكفر، وإن أراد بالشراء التنعيم، وبالإهداء التحاب جرياً علي ((العادة))، فليس بكفر، لكن يحترز عنه كراهة التشبه بالكفرة. هذا تلخيص كلامه. وقال الشيخ الإمام أبو حفص الحنفي ﵀ تعالي: من أهدى فيه بيضة إلي مشرك تعظيماً لليوم فقد كفر بالله تعالي وأحبط عمله.
الحديث الثاني، والثالث عن كثير ﵁: قوله: ((سبعاً قبل القراءة)) ((مظ)): السبع في الأولي غير تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع، والخمس في الثانية غير تكبيرة القيام وتكبيرة
стр. 845
١٤٤٤ - وعن البراء، أن النبي ﷺ نوول يوم العيد قوسا فخطب عليه. رواه أبو داود. [١٤٤٤]
١٤٤٥ - وعن عطاء، مرسلاً، أن النبي ﷺ كان إذا خطب يعتمد علي عنزته اعتماداً. رواه الشافعي. [١٤٤٥]
١٤٤٦ - وعن جابر، قال: شهدت الصلاة مع النبي ﷺ في يوم عيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بغير أذان ولا إقامة، فلما قضى الصلاة قام متكئاً علي بلال، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ الناس، وذكرهم، وحثهم علي طاعته [ثم قال]: ومضى إلي النساء ومعه بلال، فأمرهن بتقوى الله، ووعظهن، وذكرهن. رواه النسائي. [١٤٤٦]
١٤٤٧ - وعن أبي هريرة، قال: كان النبي ﷺ إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره. رواه الترمذي، والدارمي. [١٤٤٧]
١٤٤٨ - وعنه، أنه أصابهم مطر في يوم عيد، فصلي بهم النبي ﷺ صلاة العيد في المسجد. رواه أبو داود، وابن ماجه. [١٤٤٨]
ــ
الركوع، وكل واحدة من السبع والخمس قبل القراءة. وبه قال الشافعي، وأحمد. وعند أبي حنيفة في الأولي أربع تكبيرات قبل القراءة مع تكبيرة الإحرام، وفي الثانية أربع تكبيرات بعد القراءة مع تكبيرة الركوع.
الحديث الرابع، والخامس عن سعيد: قوله: ((تكبيره)) أي كبر تكبيرا مثل تكبيرة الجنازة، وهذا متمسك أبي حنيفة كما مضى بحثه.
الحديث السادس إلي الثامن عن جابر: قوله: ((متكئاً علي بلال)). فيه أن الخطيب عليه أن
стр. 846
١٤٤٩ - وعن أبي الحويرث، أن رسول الله ﷺ كتب إلي عمرو بن حزم وهو بنجران عجل الأضحى، وأخر الفطر، وذكر الناس. رواه الشافعي. [١٤٤٩]
١٤٥٠ - وعن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من أصحاب النبي ﷺ أن ركباً جاءوا إلي النبي ﷺ يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلي مصلاهم. رواه أبو داود، والنسائي. [١٤٥٠]
الفصل الثالث
١٤٥١ - عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء بن ابن عباس، وجابر بن عبد الله، قلا: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى، ثم سألته- يعني عطاء- بعد حين عن ذلك، فأخبرني، قال: أخبرني جابر بن عبد الله أن لا أذان للصلاة يوم
ــ
يعتمد علي شيء كالقوس، والسيف، والعنزة، والعصا، أو يتكئ علي إنسان. قوله: ((وعظهن وذكرهن)) عطف ((ذكرهن)) علي ((وعظهن)) تفسيراً. ((غب)): الوعظ زجر مقترن بتخويف. وقال الخليل: هو التذكير بالخير فيا يرق له القلب.
الحديث التاسع إلي الحادي عشر عن أبي عمير: قوله: ((عن عمومة له)): الجوهري: جمع العم أعمام وعمومة، مثل البعولة. يقال: ما كنت عماً، ولقد عممت عمومة، وبيني وبين فلان عمومة، كما يقال: أبوة وخؤولة. قوله: ((فأمرهم أن يفطروا)) ((مظ)): يعني لم ير الهلال في المدينة ليلة الثلاثين من رمضان فصاموا ذلك اليوم، فجاء قافلة في أثناء ذلك اليوم وشهدوا أنهم رأوا الهلال ليلة الثلاثين، فأمرهم النبي ﷺ بالإفطار، وبأداء صلاة العيد يوم الحادي والثلاثين. وفي الفقه: إن شهدوا بعد الزوال، أفطر الناس وصلوا صلاة العيد من الغد عند أبي حنيفة. وفي قول الشافعي، وظاهر قوليه: أنه لا تقضي الصلاة لا من اليوم ولا من الغد. وهو مذهب مالك.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن ابن عباس وجابر ﵁: قوله: ((ولا شيء)) تأكيد للنفي، أي ولا
стр. 847
الفطر حين يخرج الإمام، ولا بعدما يخرج، ولا إقامة ولا نداء ولا شيء، لا نداء يومئذ ولا إقامة. رواه مسلم.
١٤٥٢ - وعن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر فيبدأ بالصلاة، فإذا صلي صلاته، قام فأقبل علي الناس، وهم جلوس في مصلاهم، فإن كانت له حاجة ببعث ذكره للناس، أو كانت له حاجة بغير ذلك أمرهم بها، وكان يقول: ((تصدقوا، تصدقوا، تصدقوا))، وكان أكثر من يتصدق النساء. ثم ينصرف، فلم يزل كذلك حتى كان مروان بن الحكم، فخرجت مخاصراً حتى أتينا المصلي، فإذا كثير بن الصلت قد بنى منبراً من طين ولبن، فإذا مروان ينازعني يده، كأنه يجرني نحو المنبر وأنا أجره نحو الصلاة، فلما رأيت ذلك منه قلت: أين الابتداء بالصلاة؟! فقال: لا يا أبا سعيد! قد ترك ما تعلم. قلت: كلا والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم، ثلاث مرار، ثم انصرف. [رواه مسلم].
ــ
شيء من ذلك قط. وقوله ((لا نداء يومئذ)) تأكيد علي تأكيد إن كان من كلام جابر، وإن كان من كلام عطاء ذكره تقريعاً لابن جريج، يعني حدثت لك أن لم تكن تؤذن ثم تسألني عن ذلك بعد حين!
الحديث الثاني عن أبي سعيد: قوله: ((حتى كان مروان)) ((كان)) تامة، والمضاف محذوف، يعني حدث في عهده أو إمارته. قوله: ((مخاصراً)) حال من الفاعل. ((نه)): المخاصرة: أن يأخذ رجل بيد رجل آخر يتماشيان، ويد كل واحد منهما عند خصر صاحبه. قوله: ((فقال: لا)) أي لا نبتدئ بالصلاة وقد ترك ما علمت من تقديم الصلاة علي الخطبة، وقد أتينا بما هو خير من ذلك، ولذلك أجاب بقوله: ((لا تأتون بخير مما أعلم)) لإني عالم سنة رسول الله ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين من بعده رضوان الله عليهم. قوله: ((ثلاث مرار)) أي قال ذلك أبو سعيد ثلاث مرار، ثم انصرف ولم يحضر الجماعة.
стр. 848
(٤٨) باب في الأضحية
الفصل الأول
١٤٥٣ - عن أنس، قال: ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده وسمى وكبر، قال: رأيته واضعًا قدمه علي صفاحهما ويقول: ((بسم الله والله أكبر)) متفق عليه.
١٤٥٤ - وعن عائشة، أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد، فأتى ليضحي به، قال: يا عائشة! هلمي المدية))، ثم قال: ((اشحذيها بحجر))، ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش، فأضجعه ثم ذبحه، ثم قال: ((بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد))، ثم ضحى به. رواه مسلم.
ــ
باب في الأضحية
وهي ما يذبح يوم النحر علي وجه القربة. وفي المغرب: الأضحية جمعها أضاح. وقال: ضحية وضحايا كهدية وهدايا، وأضحاة وأضحى، كأرطاة وأرطى. وبه سمى يوم الأضحى. ويقال: ضحى بكبش، أو غيره، إذا ذبحه وقت الضحى من أيام الأضحى. ثم كثر حتى قيل ذلك ولو ذبح آخر النهار. ((غب)): تسمية الأضحية بها في الشرع لقوله ﷺ : ((من ذبح قبل صلاتنا هذه فليعد)).
الفصل الأول
الحديث الأول عن أنس: ((أملحين)) ((نه)): الأملح: الذي بياضه أكثر من سواده. قيل: هي النقي البياض. والأقرن: العظيم القرن، والأنثى قرناء. قوله: ((صفاحهما)) ((نه)): صفح كل شيء وجهه وناحيته. ((مظ)): وفيه أن السنة أن يذبح كل أحد الأضحية بيده لأن الذبح عبادة، والعبادة أفضلها أن يباشر كل بنفسه، ولو يوكل غيره جاز.
الحديث الثاني عن عائشة: قوله: ((أمر)) أي أمر بإتيان كبش، فأتي. قوله ((يطأ في سواد)) ((شف)): هو مجاز عن سواد القوائم، ويبرك في سواد من سواد البطن، وينظر في سواد عن سواد العينين. أقول: لو ذهب فيه إلي التجريد لجاز، كما في قوله تعالي: ﴿لقد كان لكم في
стр. 849
١٤٥٥ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تذبحوا إلا مسنة)) إلا أن يعسر عليكم؛ فتذبحوا جذعة من الضأن)) رواه مسلم.
١٤٥٦ - وعن عقبة بن عامر، أن النبي ﷺ أعطاه غنمًا يقسمها علي صحابته ضحايا، فبقي عتود، فذكره لرسول الله ﷺ ، فقال: ((ضح به أنت)) – وفي رواية – قلت: ((يا رسول الله! أصابني حذع، قال: ((ضح به)). متفق عليه.
١٤٥٧ - وعن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يذبح وينحر بالمصلي. رواه البخاري.
ــ
رسول الله أسوة حسنة﴾ وقولهم: في البيضة عشرون رطلاً من حديد – وهي في نفسها هذا المقدار؛ لأنها ظرف لموزون مقداره عشرون رطلاً – كذلك قوله: ((يطأ في سواد)) معناه يطأ في الأرض بسواد قوائمه، جعل السواد ظرفًا محل لوطئه، وهو صفة القوائم، وكذلك جعل المنظور فيه سواد العين، وهي الناظر نفسه.
قوله: ((هلمي)) ((نه)): تعالي، وفيه لغتان: فأهل الحجاز يطلقونه علي الواحد، والجمع، والاثنين، والمؤنث بلفظ واحد مبني علي الفتح. وبنو تميم تثني، وتجمع، وتؤنث. قوله: ((اشحذيها)) ((نه)): يقال: شحذت السيف والسكين إذا حددته بالمسن، وغيره. قوله: ((ثم قال: بسم الله)) فإن قلت: التسمية ينبغي أن تكون قبل الذبح، فما معنى ((ثم)) هنا؟ قلت: معناه التراخي في الرتبة، وأنها هي المقصودة الأولية. ومن ثم كنى بها عن الذبح في قوله تعالي ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها﴾. قوله: ((من أمة محمد)) ((مظ)): ليس معناه أن الغنم الواحد يضحى عن اثنين فصاعدًا، بل معناه: المشاركة في الثواب بالأمة. قوله: ((ثم ضحى به)) أي غدا به، في أساس البلاغة: ضحى قومه أي غداهم.
الحديث الثالث عن عقبة: قوله ((جذعة)) ((نه)): أصل الجذع من أسنان الدواب، وهو ما كان منها شابًا فتيًا، فهو من الإبل: ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر: ما دخل في الثلاثة، ومن الضأن: ما تمت له سنة. وقيل: أقل منها. ((حس)): اتفقوا علي أنه لا يجوز من الإبل، والبقر، والمعز دون الثنى، والثني من الإبل: ما استكمل خمس سنين، ومن البقر والمعز: ما استكمل سنتين وطعن في الثالثة، أما الجذع من الضأن فاختلفوا فيه، فذهب أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ فمن بعدهم إلي جوازه، غير أن بعضهم اشترط أن يكون عظيمًا. وقال الزهري: لا يجوز من الضأن إلا الثني فصاعدًا كالإبل والبقر؛ والأول أصح لما ورد ((نعمت الأضحية الجذع من الضأن)).
الحديث الرابع عن عقبة: قوله: ((عتود)) ((نه)): هو الصغير من أولاد المعز إذا قوي وأتى عليه
стр. 850
١٤٥٨ - وعن جابر، أن النبي ﷺ قال: ((البقرة عن سبعة والجزور عن سبعة)). رواه مسلم، وأبو داود، واللفظ له.
١٤٥٩ - وعن أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دخل العشر وأراد بعضكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئًا))، - وفي رواية: ((فلا يأخذن شعرًا، ولا يقلمن ظفرًا، - وفي رواية: ((من رأي هلال ذي الحجة وأراد أن يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره)). رواه مسلم.
١٤٦٠ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلي الله من هذه الأيام العشرة، قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد
ــ
حول. قوله ((ضح به أنت)) يذاق منه معنى الاختصاص، كما في جذعة ابن نيار قال: ((يجزيء عنك، ولا يجزيء عن أحد بعدك)).
الحديث الخامس عن ابن عمر: قوله: ((والجزور عن سبعة)) أي يجزيء عن سبعة أنفس.
الحديث السادس عن أم سلمة: قوله: ((من شعره وبشره)) ((مظ)): المراد بالبشرة هنا الظفر، لعله ذهب إلي أن الروايتين دلتا عليه، وإلا فالبشر ظاهر جلد الإنسان، ويحتمل أن يراد أنه لا يغير من جلده شيئًا اذا احتيج إلي تغييره. ((تو)): ذهب بعضهم إلي أن النهي للتشبيه بحجاج بيت الله المحرمين. والأولي أن يقال: إن المضحي يجعل أضحيته فدية لنفسه من العذاب، ويرتاد بها القربة لوجه الله تعالي جبرانًا لتقصيره في حقوق الله، فرأي نفسه مستوجبة للعقاب، - وهو القتل – ولم يؤذن فيه، فقد أهانها وصار كل جزء منها فداء كل جزء منه، فلذلك نهي مس الشعر والبشر لئلا يفقد من ذلك قسط ما عند تنزل الرحمة وفيضان النور الإلهي، ليتم له الفضائل وينزه عن النقائص: ((حس)): في الحديث دليل علي أن الأضحية غير واجبة، لقوله ﷺ : ((وأراد أحدكم أن يضحي)) ولو كانت واجبة، لم يفوض إلي إرادته، ولأن أبا بكر وعمر ﵄ كانا لا يضحيان كراهة أن يرى أنها واجبة، بل هي مستحبة. وهو قول ابن عباس ﵄، وإليه ذهب الشافعي. وذهب أصحاب أبي حنيفة إلي وجوبها علي من ملك نصابها؛ لقوله ﷺ : ((علي أهل كل بيت في كل عام أضحية، وعتيرة)) والحديث ضعيف مع اتفاق أن العتيرة غير واجبة.
الحديث السابع: عن ابن عباس: قوله: ((العمل)) مبتدأ ((فيهن)) متعلق به، والخبر ((أحب))
стр. 851
في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)). رواه البخاري.
الفصل الثاني
١٤٦١ - عن جابر، قال: ذبح النبي ﷺ يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجوءين، فلما وجههما قال: ((إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض علي ملة إبراهيم حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك، عن محمد وأمته، بسم الله، والله أكبر))، ثم ذبح. رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والدارمي. وفي رواية لأحمد، وأبي داود، والترمذي: ذبح بيده وقال: ((بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي)). [١٤٦١]
ــ
والجملة خبر ((ما)) و ((من)) الأولي زائدة، والثانية متعلقة بأفعل، وفيه حذف، كأنه لما قيل: ليس العمل في أيام سوى العشر أحب إلي الله تعالي من العمل في الأيام العشر، سئل: ولا الجهاد؟ أي ولا الجهاد في سبيل الله في أيام أخر أحب إلي الله من العمل في هذه الأيام؟ قيل: ويوضح هذا المعنى حديث أبي هريرة في آخر الفصل الثاني.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن جابر: قوله: ((موجوءين)) ((نه)): الوجاء: أن يرض أنثيا الفحل رضا شديدًا يذهب شهوة الجماع، وجيء وجأ فهو موجوء. وقيل: هو أن توجأ العروق والخصيتان بحالهما. قوله ((وجههما)) أي جعل وجههما تلقاء القبلة، ثم استقبل بوجه قبله تلقاء الحضرة الإلهية. قال: ﴿إن صلاتي ونسكي﴾ أي عبادتي، وتقربي، وذبحي، جمع بين الصلاة والذبح كما في قوله تعالي: ﴿فصل لربك وانحر﴾ وقوله ﴿محياي ومماتي﴾ أي وما آتيه في حياتي، وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح ﴿لله رب العالمين﴾ خالصة لوجهه، ((وبذلك أمرت وأنا من المسلمين)).
стр. 852
١٤٦٢ - وعن حنش، قال: رأيت عليا [﵁] يضحي بكبشين، فقلت له: ما هذا؟ فقال: إن رسول الله ﷺ أوصإني أن أضحي عنه، فأنا أضحي عنه. رواه أبو داود، وروى الترمذي نحوه. [١٤٦٢]
١٤٦٣ - وعن علي، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، وألا نضحي بمقابلة ولا مدابرة، ولا شرقاء ولا خرقاء، رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، والدارمي، وانتهت روايته إلي قوله: والأذن. [١٤٦٣]
ــ
قوله: ((اللهم منك)) أي هذه منحة منك صادرة عن محمد خالصة لك. قوله: ((عني)) أي اجعله أضحية عني، وعن أمتي. ((حس)): وقد كره بعض أهل العلم الموجوء لنقصان العضو، والأصح: أنه غير مكروه، ولأن الخصاء يزيد اللحم طيبًا، وينفي عنه الزهومة؛ ولأن ذلك العضو لا يؤكل. وفيه استحباب أن يذبح الأضحية بنفسه إن قدر عليه وكذلك المرأة.
الحديث الثاني عن حنش: قوله: ((ما هذا)) أي ما الذي بعثك علي فعلك هذا؟ فأجاب: وصية أوصإنيها رسول الله ﷺ . ((وعن)) في قوله: ((أضحي عنه)) كما في قوله تعالي: ﴿وما فعلته عن أمري﴾ أي ما صدر ما فعلته عن اجتهادي ورأيي. ((حس)): هذا دليل علي أنه لو ضحى عمن مات جاز. ولم ير بعض أهل العلم التضحية عن الميت. قال ابن المبارك: أحب أن يتصدق عنه ولا يضحي فإن ضحى، فلا يأكل منها شيئًا ويتصدق بها كلها.
الحديث الثالث عن علي: قوله: ((أن نستشرف العين)) ((نه)): أي نتأمل سلامتهما من آفة تكون بهما. وقيل: هو من الشرفة، وهي خيار المال، أي أمرنا أن نتحراهما. ((والمقابلة)) هي التي قطع من قبل أذنها شيء، ثم يترك معلقًا، كأنه زنمة، ((والمدابرة)) هي التي فعل بدبر أذنها ذلك، ((ولا شرقاء)) أي المشقوقة الأذن باثنين، ((والخرقاء)) المثقوبة الأذن ثقبًا مستديرًا. وقيل: الشرقاء: ما قطع أذنها طولاً، والخرقاء: ما قطع عرضًا. ((مظ)): لا يجوز التضحية بشاة قطع بعض أذنها عند الشافعي، وعند أبي حنيفة ﵄ يجوز إذا قطع أقل من النصف. ولا بأس بمكسورة القرن.
стр. 853
١٤٦٤ - وعنه، قال: نهي رسول الله ﷺ أن نضحي بأعضب القرن والأذن. رواه ابن ماجه. [١٤٦٤]
١٤٦٥ - وعن البراء بن عازب، أن رسول الله ﷺ سئل: ماذا يتقى من الضحايا؟ فأشار بيده فقال: ((أربعًا، العرجاء البين ظلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي)) رواه مالك، وأحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. [١٤٦٥]
١٤٦٦ - وعن أبي سعيد، قال: كان رسول الله ﷺ يضحي بكبش أقرن فحيل، ينظر في سواد، ويأكل في سواد، ويمشي في سواد. رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [١٤٦٦]
١٤٦٧ - وعن مجاشع من بني سليم، أن رسول الله ﷺ كان يقول: ((إن الجذع يوفي مما يوفي منه الثني)) رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [١٤٦٧]
ــ
الحديث الرابع عن علي: قوله: ((بأعضب القرن)) ((فا)): العضب في القرن الداخل: الانكسار ويقال للكسر الخارج: القصم. قال ابن الأنباري: وقد يكون العضب في الأذن إلا أنه في القرن أكثر.
الحديث الخامس عن البراء: قوله: ((أربعًا)) فإن قلت: السؤال بقوله: ((ماذا يتقى)) – علي ما لم يسم فاعله – يقتضي أن يجاب بأربع بالرفع. قلت: لعله صحف الناسخ ((نتقي)) بالنون فكتب ((يتقي)) بالياء، أو أن يخالف الجواب، فتقدر العامل: اتق أربعًا. قوله: ((التي لا تنقي)) ((تو)): هي المهزولة التي لا نقي لها، أي لا مخ. وأنقى البعير إذا وقع في عظامه المخ.
الحديث السادس عن أبي سعيد: قوله: ((فحيل)) ((نه)): الفحيل: المنجب في ضرابه. وقيل: هو الذي يشبه الفحولة في عظم خلقه.
الحديث السابع عن مجاشع: قوله: ((يوفي مما يوفي منه الثني)) أي الجذع يجزيء مما يتقرب به من الثني. الجذع من الإبل: ما دخل السنة الخامسة، ومن البقر والمعز، ما دخل في الثانية.
стр. 854
١٤٦٨ - وعن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((نعمت الضحية الجذع من الضأن)). رواه الترمذي. [١٤٦٨]
١٤٦٩ - وعن ابن عباس، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة، وفي البعير عشرة. رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. [١٤٦٩]
١٤٧٠ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ما عمل ابن آدم من عمل يوم النحر أحب إلي الله من إهراق الدم، وإنه ليؤتى يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض، فطيبوا بها نفسًا)) رواه الترمذي، وابن ماجه. [١٤٧٠]
ــ
الحديث الثامن والتاسع عن ابن عباس: قوله: ((سبعة)) منصوب بتقدير أعني بيانًا لضمير الجمع. ((مظ)): قوله: ((في البعير عشرة)) عمل به إسحاق بن راهويه. وقال غيره: إنه منسوخ.
الحديث العاشر عن عائشة قوله: ((وإنه)) الضمير راجع إلي ما دل عليه إهراق الدم. والتإنيث في ((بقرونها)) باعتبار الجنس. ((مظ)): يعني أفضل عبادات يوم العيد إراقة دم القربان، وإنه يأتي يوم القيامة كما كان في الدنيا من غير أن ينقص منه شيء، ويعطى الرجل بكل عضو منه ثوابًا. وكل زمان يختص بعبادة، ويوم النحر مختص بعبادة فعلها إبراهيم ﵇ من القربان والتكبير، ولو كان شيء أفضل من ذبح النعم في فداء الإنسان لم يجعل الله تعالي الذبح المذكور في قوله تعالي: ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ فداء لإسماعيل ﵇.
وأقول: قد تقرر أن الأعمال الصالحة، كالفرائض والسنن والآداب مع بعد مرتبتها في الفضل، قد يقع التفاضل بينها، فكم من مفضول يفضل علي الأفضل بحسب الخاصية ووقوعه في زمان مخصوص ومكان مخصوص. والتضحية إذا نظر إليها في أنها نسك من المناسك، وأنها من شعائر الله، كما قال تعالي: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، لا سيما في أيام النحر لأنها كانت لهذا المعنى
стр. 855
١٤٧١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من أيام أحب إلي الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر)) رواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: إسناده ضعيف. [١٤٧١]
الفصل الثالث
١٤٧٢ - عن جندب بن عبد الله، قال: شهدت الأضحى يوم النحر مع رسول الله ﷺ ، فلم يعد أن صلي وفرغ من صلاته وسلم، فإذا هو يرى لحم أضاحي قد ذبحت قبل أن يفرغ من صلاته، فقال: ((من كان ذبح قبل أن يصلي – أو نصلي –
ــ
- لا في نفسها – من أفضل ما يعمله الإنسان، وأحب ما يصدر من الآدمي عند الله من سائر العبادات حينئذ. ألا ترى كيف تمم المعنى، وبالغ فيه بما لا يؤبه له من القرن والظلف والشعر، بل يكره التلفظ بها من حقارتها وبشاعتها، فجعلها في ميزان الحسنات؟ وإلي معنى تقوى القلوب ينظر قوله ﷺ : ((فطيبوا بها نفسًا)) أي قلبًا.
الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة: قوله: ((ما من أيام أحب)) قيل: لو قيل: ((أن يتعبد)) مبتدأ و ((أحب)) خبره، و ((من)) متعلق بـ ((أحب)) يلزم الفصل بين ((أحب)) ومعموله بأجنبي، فالوجه أن يقرأ ((أحب)) بالفتح ليكون صفة ((أيام)) و ((أن يتعبد)) فاعله، ((ومن)) متعلق بـ ((أحب))، والفصل لا يكون بأجنبي، وهو مثل قولك: ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل من عين زيد، وخبر ((ما)) محذوف.
أقول: لو ذهب إلي أن خبر ((ما) ((أحب))، وأن ((أن يتعبد)) متعلق بـ ((أحب)) بحذف الجار، فيكون المعنى ما من أيام أحب إلي الله لأن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة، لكان أولي من حيث اللفظ والمعنى؛ أما اللفظ فظاهر، وأما المعنى فإن سوق الكلام لتعظيم الأيام وتفخيمها، والعبادة تابعة لها، لا عكسه، وعلي ما ذهب إليه القائل يلزم العكس مع ارتكاب ذلك التعسف.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن جندب: قوله: ((يوم النحر)) بدل من ((الأضحى)) أي حضرت مع رسول الله ﷺ في يوم النحر، فلم يعد بعد أن صلي إلي بيته، حتى رأي لحم أضاحي قد ذبحت قبل
стр. 856
فليذبح مكانها أخرى)) – وفي رواية: قال: صلي النبي ﷺ يوم النحر، ثم خطب، ثم ذبح، وقال: ((من كان ذبح قبل أن يصلي، فليذبح أخرى مكانها، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله)) متفق عليه.
١٤٧٣ - وعن نافع، أن ابن عمر قال: الأضحى يومان بعد يوم الأضحى. رواه مالك. [١٤٧٣]
١٤٧٤ - وقال: وبلغني عن علي بن أبي طالب مثله. [١٤٧٤]
١٤٧٥ - وعن ابن عمر، قال: أقام رسول الله ﷺ بالمدينة عشر سنين يضحي. رواه الترمذي. [١٤٧٥]
١٤٧٦ - وعن زيد بن أرقم، قال: قال أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله! ما هذه الأضاحي؟ قال: ((سنة أبيكم إبراهيم ﵇) قالوا: فما لنا فيها يا رسول الله؟ قال: ((بكل شعرة حسنة)). قالوا: فالصوف يا رسول الله؟ قال: ((بكل شعرة من الصوف حسنة)) رواه أحمد، وابن ماجه. [١٤٧٦]
ــ
أن يفرغ من صلاته. ويحتمل أن يكون ((يعدو)) من عدا يعدو إذا تجاوز، أي لم يتجاوز عن الصلاة إلي الخطبة، ففاح لحم الأضاحي.
الحديث الثاني عن نافع: قوله: ((الأضحى يومان)) ((الأضحى)) جمع أضحاة كأرطاة وأرطى، أي وقت الأضاحي بعد يوم الأضحى يومان، وهذا مذهب مالك.
الحديث الثالث والرابع عن زيد: قوله: ((بكل شعرة)) الباء بمعنى ((في)) ليطابق السؤال، يعني أي شيء لنا من الثواب في الأضاحي؟ فأجاب: في كل شعرة حسنة، ولما كانت الشعرة كناية عن المعز كنوا عن الضأن بالصوف.
стр. 857
(٤٩) باب العتيرة
الفصل الأول
١٤٧٧ - عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا فرع ولا عتيرة)). قال: والفرع: أول نتاج كان ينتج لهم، كانوا يذبحونه لطواغيتهم، والعتيرة: في رجب. متفق عليه.
الفصل الثاني
١٤٧٨ - عن مخنف بن سليم، قال: كنا وقوفًا مع رسول الله ﷺ بعرفة، فسمعته يقول: ((يأيها الناس! إن علي كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي تسمونها الرجبية)). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب ضعيف الإسناد، وقال: أبو داود: والعتيرة منسوخة. [١٤٧٨]
الفصل الثالث
١٤٧٩ - عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أمرت بيوم
ــ
باب العتيرة
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: ((لا فرع)) أي لا فرع في الإسلام ((فا)): قوله: ((الفرع)) والفرعة أول ولد تنتجه الناقة. ((حس)): كانوا يذبحونه لآلهتهم في الجاهلية، وقد كان المسلمون يفعلونه في بدء الإسلام، ثم نسخ ونهي عنه.
قوله: ((ولا عتيرة)) ((خط)): العتيرة في الحديث شاة تذبح في رجب، وهذا هو الذي يشبه معنى الحديث، ويليق بحكم الدين. وأما العتيرة التي بعترها أهل الجاهلية، فهي الذبيحة التي كانت تذبح للأصنام، فيصب دمها علي رأسها. ((نه)): كانت العتيرة بالمعنى الأول في صدر الإسلام ثم نسخ. ((حس)): كان ابن سيرين يذبح العتيرة في شهر رجب.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عبد الله بن عمرو: قوله: ((عيدًا)) منصوب بمضمر بفسره ما بعده، أي
стр. 858
الأضحى عيدًا جعله الله لهذه الأمة)). قال له رجل: يا رسول الله! أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى، أفأضحي بها؟ قال: ((لا))، ولكن خذ من شعرك وأظفارك، وتقص من شاربك، وتحلق عانتك، فذلك تمام أضحيتك عند الله)) رواه أبو داود، والنسائي. [١٤٧٩]
(٥٠) باب صلاة الخسوف
الفصل الأول
١٤٨٠ - عن عائشة ﵂، قالت: إن الشمس خسفت علي عهد رسول الله ﷺ ، فبعث مناديًا: الصلاة جامعة، فتقدم فصلي أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات. قالت عائشة: ما ركعت ركوعًا قط ولا سجدت سجودًا قط كان أطول منه. متفق عليه.
ــ
أجعله عيدًا. وقوله: ((جعله الله لهذه الأمة)) حكم ذكر بعد ما يشعر بالوصف المناسب، وهي قوله: ((يوم الأضحى))؛ لأن فيه معنى التضحية، كأنه قيل حكم الله تعالي علي هذه الأمة بالتضحية يوم العيد، ومن ثم حسن قول الصحابي: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة؟
قوله: ((منيحة أنثى)) ((نه)): منحة النوق أن يعطى الرجل ناقة أو شاة ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطى لينتفع بوبرها أو صوفها زمانًا، ثم يردها. وأقول: وصف ((منيحة)) بـ ((أنثى)) فيه دلالة أن المنيحة قد يكون ذكرًا وأنثى، وإن كان فيه علامة تإنيث، كما يقال: حمامة أنثى، وحمامة ذكر، ومنه قوله تعالي: ﴿قالت نملة﴾ فإن تإنيث الفعل دل علي أنها كانت أنثى علي ما سبق بيانه، ويعضده ما روى ابن الأثير في النهاية ((من منح منحة ورق، أو منح لبنًا، كان له عدل رقبة))، ولعل المراد من المنيحة ها هنا ما يمنح بها، وإنما منعه؛ لأنه لم يكن عنده شيء سواها ينتفع به.
باب صلاة الخسوف
الفصل الأول
الحديث الأول عن عائشة: قوله: ((الصلاة جامعة)) ((مظ)): الصلاة مبتدأ و ((جامعة)) خبره،
стр. 859
١٤٨١ - وعنها، قالت: جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته. متفق عليه.
١٤٨٢ - وعن عبد الله بن عباس، قال: انخسفت الشمس علي عهد رسول الله ﷺ فصلي رسول الله ﷺ معه، فقام قيامًا طويلاً نحوًا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلاً، ثم رفع فقام قيامًا طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، ثم سجد، ثم قام فقام قيامًا طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قيامًا طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فقال: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله)). قالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت، فقال: ((إني رأيت الجنة، فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا. ورأيت النار
ــ
يعنى الصلاة تجمع الناس في المسجد. ويجوز أن يكون التقدير: الصلاة ذات جماعة، أي تصلي جماعة لا منفردًا كالسنن الرواتب، فالإسناد مجازي، كطريق سائر، ونهر جار، وصلاة الكسوف والخسوف ركعتان بالصفة التي ذكرت عند الشافعي وأحمد ﵄. وأما عند أبي حنيفة فهي ركعتان، في كل ركعة ركوع واحد، وسجودان، كسائر الصلوات. وتصلي الخسوف والكسوف بالجماعة عند الشافعي وأحمد، وفرادى عند أبي حنيفة. وأما عند مالك فيصلي كسوف الشمس جماعة، وخسوف القمر فرادى، وركوعها كسائر الصلوات.
الحديث الثاني والثالث عن عبد الله: قوله: ((انخسفت الشمس)) ((انخسفت)) كذا في البخاري، وفي مسلم ((انكسفت))، وفي ((شرح السنة)) (خسفت)). ((حس)): يقال: حسفت الشمس، وكسفت، ومن الناس من يغلب في القمر لفظ الخسوف، وفي الشمس لفظ الكسوف.
قوله: ((آيتان من آيات الله)) ((حس)). زعم أهل الجاهلية أن كسوف الشمس والقمر يوجب حدوث تغير في العالم من موت، وضرر، ونقص، ونحوها. فأعلم النبي ﷺ أن ذلك باطل، وأنهما آيتان من آيات الله، وخلقان مسخران، ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة علي الدفع عن أنفسهما. وأمر بالفزع عند كسوفهما إلي ذكر الله تعالي وإلي الصلاة إبطالاً لقول الجهال. وقيل: إنما أمر بالفزع إلي الصلاة؛ لأنهما آيتان دالتان علي قرب الساعة. قال تعالي: ﴿فإذا برق البصر وخسف القمر﴾ وقيل: آيتان تخوفان عباد الله؛ ليفزعوا إلي الله تعالي ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾. قوله: ((تكعكعت)) ((حس)): أي تأخرت، يقال: تكعكع وكع عن الأمر إذا أحجم.
стр. 860
فلم أر كاليوم منظرًا قط أفظع. ورأيت أكثر أهلها النساء)). قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: ((بكفرهن)): قيل: يكفرن بالله؟ قال: ((يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلي إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط)). متفق عليه.
١٤٨٣ - وعن عائشة نحو حديث ابن عباس، وقالت: ثم سجد فأطال السجود، ثم انصرف وقد انجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا
ــ
قوله: ((لأكلتم منه)) الخطاب عام في كل جماعة يتأتى منهم السماع والأكل إلي يوم القيامة، بدليل قوله: ((ما بقيت الدنيا)). ((قض)): ووجه ذلك إما بأن يخلق الله تعالي مكان كل حبة تقتطف حبة أخرى، كما هو المروي في خواص ثمر الجنة، أو بأن يتولد منه مثله في الزرع فيبقى نوعه ما بقيت الدنيا، فيؤكل منه. ((مظ)): وسبب تركه ﷺ تناول العنقود أنه لو تناوله ورآه الناس لكان إيمانهم بالشهادة لا بالغيب، فيرتفع التكليف. قال تعالي" ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها﴾. قوله: ((ولم أر كاليوم منظرًا)) أي لم أر منظرًا مثل المنظر الذي رأيته اليوم أي منظرًا هولاً وفظيعًا. والفظيع: الشديد الشنيع. قوله: ((وتكفرن الإحسان)) أي إحسان العشير. والجملة مع الواو مبينة للجملة الأولي علي طريقة أعجبني زيد وكرمه، والخطاب في ((لو أحسنت)) عام لكل من يتأتى منه الإحسان.
الحديث الرابع عن عائشة: قوله: ((أغير من الله)) ((نه)) الغيرة هي الحمية والأنفة، يقال: غرت علي أهلي، أغار غيرة، فأنا غائر. وغيور للمبالغة. ((نه)): ((أن يزني)) متعلق بـ ((أغير)) – وحذف الجار من ((أن)) قياس مستمر – ونسبة الغيرة إلي الله تعالي مجاز محمول علي غاية إظهار غضبه علي الزإني، وإنزال نكاله عليه. ووجه اتصال هذا المعنى بما قبله هو أنه ﷺ لما خوف أمته من الكسوفين، وحرضهم علي الفزع والالتجاء إلي الله تعالي بالتكبير والدعاء، والصلاة، والتصدق، أراد أن يردعهم عن المعاصي كلها، فخص منها الزنا، وفخم شأنها في الفظاعة، وندب أمته بقوله: ((يا أمة محمد)) ونسب الغيرة إلي الله تعالي. ولعل تخصيص العبد والأمة بالذكر رعاية لحسن الأدب، لأن أصل الغيرة أن يستعمل في الأهل والزوج، فامتنع من نسبة ذلك إلي الله تعالي تنزيهًا لجنابه الأقدس عنه. ويجوز أن تكون نسبة هذه الغيرة إلي الله تعالي من باب الاستعارة المصرحة التبعية، شبه حالة ما يفعل الله تعالي مع عبده الزإني من الانتقام وحلول العقاب عليه بحالة ما يفعل السيد بعبده الزإني من الزجر والتعزير، ثم كرر الندبة ليتعلق به ما ينتسبه به علي سبب الندبة، والفزع إلي الله تعالي من علم بالله تعالي وبغضبه، فقال: ((يا أمة محمد – إلي قوله: لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا)). والقلة ها هنا بمعنى العدم، كما في قوله: ((قليل التشكي)) أي عديمه، وقوله تعالي: ﴿فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيرا﴾ وأنشد صاحب الكشاف:
стр. 861
رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا))، ثم قال: ((يا أمة محمد! والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد! والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا)). متفق عليه.
١٤٨٤ - وعن أبي موسى، قال: خسفت الشمس، فقام النبي ﷺ فزعًا يخشى أن تكون الساعة، فأتى المسجد، فصلي بأطول قيام وركوع وسجود، ما رأيته قط يفعله، وقال: ((هذه الآيات التي يرسل الله، لا تكون لموت أحد ولا لحياته،؛ ولكن يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك، فافزعوا إلي ذكره ودعائه واستغفاره)) متفق عليه.
١٤٨٥ - وعن جابر، قال: انكسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، فصلي بالناس ست ركعات بأربع سجدات. رواه مسلم.
ــ
مسرة أحقاب تلقيت بعدها مساءة يوم أو بها شبه الصاب
فكيف بأن تلقى مسرة الساعة وراء تقضيها مساءة أحقاب
الحديث الخامس عن أبي موسى: قوله: ((يخشى أن تكون الساعة)) قالوا: هذا تخيل من الراوي وتمثيل منه، كأنه قال: فزعا فزع من يخشى أن تكون الساعة، وإلا فكان النبي ﷺ عالمًا بأن الساعة لا تقوم وهو بين أظهرهم، وقد وعد الله تعالي النصر وإظهار الأمر وإعلاء دينه علي الأديان كلها، ولم يبلغ الكتاب فيها أجله؛ وإنما كان فزعه عند ظهور الآيات كالخسوف، والزلازل، والريح، والصواعق، شفقًا علي أهل الأرض أن يأتيهم عذاب من عذاب الله، كما أتي من قبلهم من الأمم، لا عن قيام الساعة. وصرح المظهر: أن الراوي أخطأ فيه حيث قال: هذا ظن؛ لأن أبا موسى لم يعلم ما في قلب النبي ﷺ ، وهذا الظن غير صواب.
فإن قيل: يحتمل أن تكون هذه الواقعة قبل أن يخبر الله تعالي رسوله بالنصر والظفر، فحينئذ يتوقع الساعة كل لحظة. قلنا: ليس كذلك؛ لأن إسلام أبي موسى كان بعد فتح خيبر، ورسول الله ﷺ قد أخبر بهذه الأشياء بعد فتح خيبر.
وأقول: لعل فزع رسول الله ﷺ إنما كان لما كوشف به من الأهوال، ونزول العذاب، فذهل عما أخبر به، فخشي أن تكون الساعة. كما قال تعالي: ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا﴾ وفسر أن الرسل من هول ذلك اليوم يفزعون، ويذهلون عن الجواب، ثم يجيبون بعد ما ترجع إليهم عقولهم بالشهادة علي أمتهم. ولو نسب هذا الذهول إلي الرواي بسبب ما شاهد من النبي ﷺ من تلك الحالة لجاز أيضًا.
الحديث السادس والسابع عن جابر: قوله: ((يوم مات إبراهيم)) ((مظ)): ظن بعضهم أن
стр. 862
١٤٨٦ - وعن ابن عباس، قال: صلي رسول الله ﷺ حين كسفت الشمس ثمان ركعات في أربع سجدات.
١٤٨٧ - وعن علي مثل ذلك. رواه مسلم.
١٤٨٨ - وعن عبد الرحمن بن سمرة، قال: كنت أرتمي بأسهم لي بالمدينة في حياة رسول الله ﷺ إذ كسفت الشمس، فنبذتها، فقلت: والله لأنظرن إلي ما حدث لرسول الله ﷺ في كسوف الشمس. قال: فأتيته وهو قائم في الصلاة رافع يده، فجعل يسبح ويهلل ويكبر ويحمد ويدعو حتى حسر عنها، فلما حسر عنها قرأ سورتين وصلي ركعتين. رواه مسلم في ((صحيحه)) عن عبد الرحمن بن سمرة، وكذا في ((شرح السنة)) عنه. وفي نسخ ((المصابيح)) عن جابر بن سمرة.
١٤٨٩ - وعن أسماء بنت أبي بكر [﵄] قالت: لقد أمر النبي ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس. رواه البخاري.
ــ
انكساف الشمس يوم مات إبراهيم بن النبي ﷺ لموته. فقال النبي ﷺ : ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالي، لا يخسفان لموت أحد)) كما تقدم. والمراد بقوله: ((فصلي بالناس ست ركعات)) أنه ﷺ صلي ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات فعند الشافعي وأكثر أهل العلم أن الخسوف إذا تمادى جاز أن تركع في كل ركعة ثلاث ركوعات وخمس ركوعات، وأربع ركوعات، كما في الحديث الآتي أنه ﷺ ((صلي ثمان ركعات في أربع سجدان)) يعني صلي ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات.
الحديث الثامن عن عبد الرحمن: قوله ((حسر عنها)) أي أزيل وأذهب عن الشمس خسوفها، يعني دخل رسول الله ﷺ في صلاة الخسوف، ووقف في القيام الأول، وطول التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد، حتى ذهب الخسوف، ثم قرأ القرآن، وركع وسجد، ثم قام في الركعة الثانية، وقرأ فيها القرآن، وركع وسجد، وتشهد وسلم.
قوله: ((في نسخ المصابيح: عن ((جابر بن سمرة)) يقول المؤلف: وجدت حديث عبد الرحمن ابن سمرة في صحيح مسلم وكتاب الحميدي وفي الجامع، وفي شرح السنة بروايته، ولم أجد لفظ المصابيح في الكتب المذكورة برواية جابر بن سمرة.
الحديث التاسع عن أسماء: قوله: ((بالعتاقة)) أي فك الرقاب من العبودية. الإعتاق، وسائر الخيرات مأمور بها في خسوف الشمس والقمر؛ لأن الخيرات تدفع العذاب.
стр. 863
الفصل الثاني
١٤٩٠ - عن سمرة بن جندب، قال: صلي بنا رسول الله ﷺ في كسوف لا نسمع له صوتًا، رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
١٤٩١ - وعن عكرمة، قال: قيل لابن عباس: ماتت فلانة، بعض أزواج النبي ﷺ فخر ساجدًا، فقيل له: تسجد في هذه الساعة؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا رأيتم آية فاسجدوا))، وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي ﷺ ؟!. رواه أبو داود، والترمذي. [١٤٩١]
الفصل الثالث
١٤٩٢ - عن أبي بن كعب، قال: انكسفت الشمس علي عهد رسول الله ﷺ ، فصلي بهم، فقرأ بسورة من الطول، وركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم قام الثانية فقرأ بسورة من الطول، ثم ركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم جلس
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول والثاني عن سمرة: قوله ((بعض أزواج النبي)) بيان أو بدل عن ((فلانة)). ((مظ)): هي صفية زوج النبي ﷺ . قوله: ((إذا رأيتم آية فاسجدوا)) هذا مطلق، فإن أريد بالآية خسوف الشمس والقمر، فالمراد بالسجود الصلاة، وإن كان غيرها كمجيء الريح الشديدة والزلزلة وغيرهما، فالسجود هو المتعارف ويجوز الحمل علي الصلاة أيضًا؛ لما ورد ((كان إذا حزبه أمر فزع إلي الصلاة)).
قوله: ((وأي آية أعظم)) قالوا: المراد بها العلامات المنذرة بنزول البلايا والمحن التي يخوف بها عباده، ووفاة أزواج النبي ﷺ من تلك الآيات؛ لأنهن ضممن شرف الزوجية إلي شرف الصحبة. وقد قال ﷺ : ((أنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتي أصحابي ما يوعدون)) الحديث، فهن أحق بهذا المعنى من غيرهن، فكأن وفاتهن سالبة للأمنة، وزوال الأمنة يوجب الخوف.
الفصل الثالث
الحديث الأول والثاني عن النعمان: قوله: ((ركعتين ركعتين)) ((خط)): شبه أن يكون صلاها مرات، وكان إذا طالت مدة الخسوف مد في صلاته، وزاد في عدد الركوع، وإذا قصرت نقص،
стр. 864
كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلي كسوفها)). رواه أبو داود. [١٤٩٢]
١٤٩٣ - وعن النعمان بن بشير، قال: كسفت الشمس علي عهد رسول الله ﷺ فجعل يصلي ركعتين ركعتين ويسأل عنها، حتى انجلت الشمس. رواه أبو داود. وفي رواية النسائي: أن النبي ﷺ صلي حين انكسفت الشمس مثل صلاتنا يركع ويسجد. [١٤٩٣]
وله في أخرى: أن النبي ﷺ خرج يومًا مستعجلاً إلي المسجد، وقد انكسفت
ــ
وكل ذلك جائز، يصلي علي حسب الحال، ومقدار الحاجة فيه. قال: ذهب أكثر أهل العلم إلي هذا، وإنه إذا امتد زمان الخسوف يزيد في عدد الركوع، أو في إطالة القيام والركوع، ويطول السجود كالركوع عند الشافعي.
قوله: ((ويسأل عنها)) أي يسأل الله بالدعاء أن يكشف عن الشمس، أو يتجلي عنها الكسف، أو يسأل الناس عن انجلائها، أي كلما صلي ركعتين يسأل هل انجلت؟ فالمراد بتكرير الركعتين المرات. قوله: ((ولكنهما خليقتان من خلقه تعالي)): ((نه)) الخلق الناس، والخليقة البهائم. وقيل: هما بمعنى واحد,
أقول: المعنى الأول أنسب في هذا المقام، لأنه ﷺ رد زعم من يرى أثرهما في هذا العالم بالكون والفساد، أي ليس كما تزعمون، بل هما مسخران كالبهائم، دإنيان، مقهوران تحت قدرة الله تعالي، يخوف الله بهما عباده، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزعوا إلي ذكره. ونظيره في إرادة التحقير ردًا لمن يقول بالتعظيم قوله تعالي: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا﴾ سماهم جنة، وهم ملائكة مكرمون؛ لأنهم نسبوا إلي الله تعالي. وقيل: فيهم الملائكة بنات الله، فعلي هذا هما مفتقران في انجلائهما عما يحدث الله فيهما من الكسف والخسف إلي دعوة بني آدم، كما مر في الحديث السابق ((يدعو حتى انجلي كسوفها)) وكما قال: ((ويسأل عنها، هل انجلت الشمس)).
وقوله: ((ما شاء)) مفعول للمصدر المضاف إلي الفاعل، و ((من)) ابتدائية، أي خليقتان ناشئتان من خلق الله تعالي المتناول لكل مخلوق علي التساوي، بينه النبي ﷺ بهذا الكلام المفصح، علي أنه ليس لأحد القمرين تأثير في الوجود. وقوله: ((حتى تنجلي)) غاية لمقدر أي صلوا من ابتداء الخسوف منتهين إما إلي الانجلاء، أو إحداث الله تعالي أمرًا، وهذا المقدر يربط بين الشرط والجزاء، لما فيه من العائد إلي الشرط. والله أعلم.
стр. 865
الشمس، فصلي حتى انجلت، ثم قال: ((إن أهل الجاهلية كانوا يقولون: إن الشمس والقمر لا ينخسفان إلا لموت عظيم من عظماء أهل الأرض، وإن الشمس والقمر لا ينحسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما خليقتان من خلقه، يحدث الله في خلقه ما شاء، فأيهما انخسف فصلوا حتى ينجلي، أو يحدث الله أمرًَا)).
(٥١) باب في سجود الشكر
وهذا الباب خال عن: الفصل الأول والثالث
الفصل الثاني
١٤٩٤ - عن أبي بكرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا جاءه أمر [سرورًا] – أو يسر به – خر ساجدًا شاكرًا لله تعالي. رواه أبو داود، والترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب.
ــ
باب في سجود الشكر
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي بكرة: قوله: ((إذا جاءه أمر سرورًا)) ((مظ)): سجود الشكر عند حدوث ما يسر به من نعمة، وعند اندفاع بلية سنة عند الشافعي، وليس بسنة عند أبي حنيفة ﵄. ((تو)): ذهب جمع من العلماء إلي ظاهر هذا الحديث، فرأوا السجود مشروعًا في باب شكر النعمة، وخالفهم آخرون، فقالوا: المراد من السجود الصلاة، وحجتهم في هذا التأويل ما ورد في الحديث أن النبي ﷺ لما أتى برأس أبي جهل خر ساجدًا، وقد روى عن عبد الله بن أبي أوفي ﵁ وفي روايته: ((صلي النبي ﷺ بالضحى ركعتين حين بشر بالفتح، أو برأس أبي جهل))، ونضر الله وجه أبي حنيفة فقد بلغنا عنه أنه قال وقد ألقى هذه المسألة: لو ألزم العبد السجود عند كل نعمة متجددة عظيمة الموقع عند صاحبها لكان عليه أن لا يغفل عن السجود طرفة عين؛ لأنه لا يخلو عنها أدنى ساعة، فإن من أعظم نعمة العباد نعمة الحياة، وذلك يتجدد عليه تجدد الأنفاس، أو كلامًا هذا معناه. وأما الحديث الذي يتلو هذا الحديث أن النبي ﷺ رأي نغاشيًا فخر ساجدًا شكرًا لله؛ فإنهم لا يرون الاحتجاج به؛ لأنه حديث مرسل.
أقول: قوله: ((خر ساجدًا)) لا يقبل التأويل؛ لأنه وقع جوابًا للشرط، وعدل عن قوله: ((سجد)) إلي ((خر ساجدًا)) توكيد ومبالغة كما في سجود التلاوة، قال تعالي: ﴿إذا يتلي عليهم
стр. 866
١٤٩٥ - وعن أبي جعفر: أن النبي ﷺ رأي رجلاً من النغاشيين، فخر ساجدًا. رواه الدارقطني مرسلاً، وفي ((شرح السنة)) لفظ ((المصابيح)). [١٤٩٥]
١٤٩٦ - وعن سعد بن أبي وقاص، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريبًا من عزوزاء، نزل ثم رفع يديه، فدعا الله ساعة، ثم خر ساجدًا، فمكث طويلاً، ثم قام فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجدًا فمكث طويلاً، ثم قام فرفع يديه ساعة ثم خر ساجدًا قال: ((إني سألت ربي، وشفعت لأمتي، فأعطإني ثلث أمتي، فخررت ساجدًا لربي شكرًا، ثم رفعت رأسي، فسألت ربي لأمتي، فأعطإني ثلث أمتي، فخررت ساجدًا لربي شكرًا، ثم رفعت رأسي، فسألت ربي
ــ
يخرون للأذقان سجدًا﴾ ولأن المراد بالسرور، هو سرور يحصل عند هجوم نعمة ينتظرها، أو يفاجأ بها من غير انتظار مما يندر وقوعها، لا ما استمر وقوعها، ومن ثم قدرها في الحديث بالمجيء علي سبيل الاستعارة. ونكر ((أمر)) للتفخيم وللتعظيم، ويؤيده حديث سعد بن أبي وقاص وكذا حديث النغاشي؛ لأن المرسل غايته أنه ضعيف، والضعيف إذا يتقوى بضعيف آخر يصير حسنًا، والحسن ينقلب صحيحًا. والحديث الذي نحن فيه حسن، رواه أبو داود والترمذي عن أبي بكرة.
الحديث الثاني عن أبي جعفر: قوله: ((نغاشيًا)) ((نه)): هو القصير أقصر ما يكون ضعيف الحركة، ناقص الخلق. ((مظ)): السنة علي من رأي مبتلي أن يسجد شكرًا لله تعالي علي أن عافاه الله تعالي من ذلك البلاء، وليكتم السجود عنه كي لا يتأذى وإن رأي فاسقًا فليظهر السجود ليتنبه، ويتوب.
الحديث الثالث عن سعد: قوله: ((من عزوزاء)) ((نه)): هو بفتح العين المهملة وسكون الزاي، وفتح الواو. ثنية بالجحفة، عليها الطريق من المدينة إلي مكة: قوله: ((فأعطإني ثلث أمتي)) ((تو)) أي أعطإنيهم، فلا يجب عليهم الخلود، وينالهم شفاعتي، فلا يكونون كالأمم السالفة، وجب عليهم الخلود، وكثير منهم لعنوا؛ لعصيانهم الأنبياء، فلم تنلهم الشفاعة، والعصاة من هذه الأمة من عوقب منهم نقي وهذب، ومن مات منهم علي الشهادتين، يخرج من النار وإن عذب بها، وتناله الشفاعة وإن اجترح الكبائر، ويتجاوز عنهم ما وسوست به صدورهم ما لم يعملوا، أو يتكلموا، وإلي غير ذلك من الخصائص التي خص الله تعالي بها هذه الأمة كرامة لنبيه المكرم وجهه بالمقام المحمود. ((مظ)) ليس معنى الحديث أن يكون جميع أمته مغفورين لهم بحيث لا تصليهم النار؛ لأن هذا نقيض لكثير من الآيات، والأحاديث الواردة في تهديد أكل مال اليتيم،
стр. 867
لأمتي، فأعطإني الثلث الآخر، فخررت ساجدًا لربي شكرًا)). رواه أحمد، وأبو داود. [١٤٩٦]
(٥٢) باب الاستسقاء
الفصل الأول
١٤٩٧ - عن عبد الله بن زيد، قال خرج رسول الله ﷺ بالناس إلي المصلي يستسقي، فصلي بهم ركعتين، جهر فيهما بالقراءة، واستقبل القبلة يدعو، ورفع يديه، وحول رداءه حين استقبل القبلة، متفق عليه.
ــ
والربا والزنا، وشارب الخمر، وقتل النفس بغير حق، وغير ذلك، بل معناه أنه سأل أن يخص أمته من بين الأمم بأن لا يمسخ صورهم بسبب الذنوب، وأن لا يخلدهم في النار بسبب الكبائر، بل يخرج من النار من مات في الإسلام بعد تطهيره من الذنوب، وغير ذلك من الخواص التي خص الله تعالي أمته ﷺ من بين سائر الأمم. ((قض)): وكانت شفاعته في الأمة في أن لا يخلدهم في النار، ويخفف عنهم، ويتجاوز عن صغائر ذنوبهم توفيقًا بينه وبين ما ذكر في الكتاب والسنة علي أن الفاسق من أهل القبلة يدخل النار. وأقول: يفهم من كلام القاضي والمظهر أن الشفاعة مؤثرة في الصغائر، في عدم الخلود في حق أهل الكبائر بعد تمحيصهم بالنار، ولا تأثير للشفاعة في حق أهل الكبائر قبل الدخول في النار. روينا عن الترمذي وأبي داود عن أنس قال: قال ﷺ ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) وعن الترمذي عن جابر: ((من لم يكن من أهل الكبائر، فماله وللشفاعة)) والأحاديث فيها كثيرة، نعم! يتعلق ذلك بالمشيئة والإذن. فإذا تعلقت بالمشيئة بأن ينال الشفاعة بعض أصحاب الكبائر قبل دخول النار، وأذن فيها فذاك، وإلا كانت بعد الدخول والله أعلم بحقيقة الحال.
باب الاستسقاء
الفصل الأول
الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((وحول رداءه)) (مظ)) والغرض من التحويل التفاؤل بتحويل الحال، يعني حولنا أحوالنا رجاء أن يحول الله العسر باليسر، والجدب بالخصب. وكيفية تحويل الرداء: أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساره، وبيده اليسرى الطرف الأسفل أيضًا من جانب يمينه، ويقلب يديه خلف ظهره، بحيث يكون الطرف المقبوض
стр. 868
١٤٩٨ - وعن أنس، قال: كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه. متفق عليه.
١٤٩٩ - وعنه، أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلي السماء. رواه مسلم.
١٥٠٠ - وعن عائشة، قالت: إن رسول الله ﷺ كان إذا رأي المطر قال: ((اللهم صيبًا نافعًا)). رواه البخاري.
١٥٠١ - وعن أنس، قال: أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر، قال: فحسر رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله! لم صنعت هذا؟ قال: ((لأنه حديث عهد بربه)). رواه مسلم.
ــ
بيده اليمنى علي كتفه الأعلي من جانب اليمين، والطرف المقبوض بيده اليسرى علي كتفه الأعلي من جانب اليسار، فإذا فعل ذلك، فقد انقلب اليمين يسارًا، واليسار يمينًا، والأعلي أسفل، والأسفل أعلي. وأبو حنيفة لا يرى صلاة الاستسقاء، بل يدعو له والشافعي يصلي كصلاة العيد، ومالك يصلي ركعتين كسائر الصلوات.
الحديث الثاني عن أنس: قوله، ((لا يرفع يديه)) ((قض)): أي لا يرفعهما كل الرفع حتى يتجاوز رأسه، ويرى بياض إبطيه لو لم يكن عليه ثوب إلا في الاستسقاء؛ لأنه ثبت استحباب رفع اليد في الأدعية كلها.
الحديث الثالث عن أنس قوله: ((فأشار بظهر كفيه إلي السماء)) قالوا: فعل ﷺ ذلك تفاؤلاً بقلب الحال ظهرًا لبطن، وذلك نحو صنيعه في تحويل الرداء، أو إشارة إلي ما يسأله، وهو أن يجعل بطن السحائب إلي الأرض لينصب ما فيه الأمطار.
الحديث الرابع عن عائشة: قوله: ((صيباً نافعًا)) نصبه بفعل مضمر، أي اسقنا صيبًا نافعًا، و ((نافعًا)) تتميم في غاية من الحسن؛ لأن لفظة صيبًا مظنة للضرر والفساد. ((الكشاف)): الصيب المطر الذي يصوب أي ينزل ويقع: وفيه مبالغات من جهة التركيب والبناء، والتنكير دل علي أنه نوع من المطر شديد هائل، فتممه بقوله ((نافعًا)) صيانة عن الإضرار والفساد. نحوه قول الشاعر:
فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمى
لكن ((نافعًا)) في الحديث أوقع وأحسن وأنفع من قوله: ((غير مفسدها)).
الحديث الخامس عن أنس: قوله: ((فحسر رسول الله ﷺ ثوبه)) يقال: حسرت العمامة عن رأسي، والثوب عن بدني، أي كشفتهما. قوله: ((حديث عهد بربه)) ((تو)): أراد قرب عهده
стр. 869
الفصل الثاني
١٥٠٢ - عن عبد الله بن زيد، قال: خرج رسول الله ﷺ إلي المصلي، فاستسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة، فجعل عطافه الأيمن علي عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر علي عاتقه الأيمن، ثم دعا الله. رواه أبو داود. [١٥٠٢]
١٥٠٣ - وعنه أنه قال: استسقى رسول الله ﷺ وعليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ أسفلها، فيجعله أعلاها، فلما ثقلت قلبها علي عاتقيه. رواه أحمد، وأبو داود. [١٥٠٣]
١٥٠٤ - عن عمير مولي آبي اللحم، أنه رأي النبي ﷺ يستسقي عند أحجار
ــ
بالفطرة، وأنه هو الماء المبارك الذي أنزل الله تعالي من المزن ساعتئذ، فلم تمسه الأيدى الخاطئة، ولم تكدره ملاقاة أرض عبد عليها غير الله سبحانه وتعالي. وأنشد شيخنا شيخ الإسلام:
يضوع أرواح نجد من ثيابهم عند القدوم لقرب العهد بالدار
((مظ)): وفي ذلك إشارة وتعليم لأمته؛ أن يتقربوا ويرغبوا فيما فيه خير وبركة.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((عطافه)) ((نه)): هو الرداء. إنما أضاف العطاف إلي الرداء؛ لأنه أراد أحد شقي العطاف، فالهاء ضمير الرداء ويجوز أن يكون للرجل، ويريد بالعطاف جانبا الرداء. ((تو)): سمي الرداء عطافًا؛ لوقوعه علي العطفين وهما الجانبان.
الحديث الثاني عن عبد الله: قوله: ((وعليه خميصة)) ((نه)): هي ثوب خز، أو صوف معلم. وقيل: لا يسمى بها إلا أن تكون سوداء معلمة.
الحديث الثالث عن عمير: ((آبي اللحم)) – بالمد – رجل من قدماء الصحابة، أبي من أكل اللحم فسمي به. قيل: هو الذي يروي الحديث، ولا يعرف له حديث سواه. وعمير يرويه عنه وله أيضًا صحبة. ((وأحجار الزيت)) موضع بالمدينة من الحرة، سميت لسواد أحجارها بها. قوله: ((لا يجاوز بهما رأسه)) هذا خلاف حديث أنس، لعله كان في مرة أخرى.
стр. 870
الزيت، قريبًا من الزوراء قائمًا يدعو يستسقي، رافعًا يديه قبل وجهه لا يجاوز بهما رأسه. رواه أبو داود، وروى الترمذي، والنسائي نحوه. [١٥٠٤]
١٥٠٥ - وعن ابن عباس، قال خرج رسول الله ﷺ – يعني في الاستسقاء – مبتذلاً، متواضعًا، متخشعًا، متضرعًا. رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [١٥٠٥]
١٥٠٦ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كان النبي ﷺ إذا استسقى قال: ((اللهم اسق عبادك وبهيمتك، وانشر رحمتك، أحيي بلدك الميت)). رواه مالك، وأبو داود. [١٥٠٦]
١٥٠٧ - وعن جابر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يواكئ فقال: ((اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا، مريئًا، مريعًا، نافعًا، غير ضار، عاجلاً غير آجل))، قال: فأطبقت عليهم السماء. رواه أبو داود. [١٥٠٧]
ــ
الحديث الرابع عن ابن عباس: قوله: ((متبذلاً)) ((نه)): التبذل: ترك التزين، والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة علي وجه التواضع.
الحديث الخامس عن عمرو: قوله: ((وأحيي بلدك الميت)) يريد بعض بلاد المتبعدين عن مظان الماء الذي لا ينبت فيه عشب للجدب. فسماه ميتًا علي الاستعارة ثم فرع عليه الإحياء.
الحديث السادس عن جابر: قوله: ((يواكئ)) ((نه)): أي يتحامل علي يديه، أي رفعهما ومدهما في الدعاء. ومنه التوكؤ علي العصا: وهو التحامل عليها. هكذا قال الخطابي في ((معالم السنن)) قوله: ((مريئًا)) ((نه)) يقال: مرإني الطعام، وأمرإني، إذا لم يثقل علي المعدة، وانحدر عليها طيبًا، ((تو)) ويحتمل مريئًا مدرارًا، من قولهم: ناقة مرئ، أي كثيرة اللبن. ولا أحققه رواية.
стр. 871
الفصل الثالث
١٥٠٨ - عن عائشة، قالت: شكا الناس إلي رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر، فوضع له في المصلي، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس، فقعد علي المنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال: ((إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم)) ثم قال: ((الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت الغني، ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت
ــ
قوله: ((مريعًا)) ((حس)) ذا مرعة وخصب. ويروى ((مربعًا)) بالباء أي منبتًا للربيع، المغني عن الارتياد لعمومه، والناس يربعون حيث شاءوا، ولا يحتاجون إلي النجعة.
ويروى ((مرتعًا)) أي ينبت الله به ما يرتع به الإبل. وكل مخصب مرتع. ومنه قوله: ((يرتع ويلعب)). قوله: ((فأطبقت)) ((حس)) أي ملأت. والغيث المطبق هو العام الواسع. أقول: عقب الغيث، وهو المطر الذي يغيث الخلق من القحط بالمغيث علي الإسناد المجازي، والمغيث في الحقيقة هو الله تعالي. وكذا أتبع مريئًا بمرتعًا – بالتاء – بمعنى ينبت الله تعالي به ما رتع به الإبل. وأكد ((النافع)) بـ ((غير ضار)). وكذا ((عاجلاً)) بـ ((غير آجل)) اعتناء بشأن الخلق، واعتمادًا علي سعة رحمة الله تعالي عليهم، فكما دعا رسول الله ﷺ هذا الدعاء، كانت الإجابة طبقًا له حيث أطبقت عليهم السماء، فإن في إسناد الإطباق إلي السماء والسحاب – هو المطبق أيضًا – مبالغة. وعرفها، لينتفي أن ينزل المطر من سماء، أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق، لأن كل أفق من آفاقها سماء، والمعنى أنه غمام مطبق أخذ بآفاق السماء إجابة لدعوة نبيه ﷺ .
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عائشة: قوله: ((قحوط المطر)) مصدر بمعنى القحط، أو جمع القحط. وأضافه إلي المطر ليشير إلي عمومة في بلدان شتى. قوله: ((حاجب الشمس)) أي أول طلوع شعاعها من الأفق. قوله: ((استئخار المطر)) السين للمبالغة، يقال: استأخر الشيء إذا تأخر تأخرًا بعيدًا. قوله: ((عن إبان زمانه)) من إضافة الخاص إلي العام ((نه)): وفي حديث المبعث ((هذا إبان نجومه))، أي وقت ظهوره والنون أصلية، فيكون فعالاً وقيل: هي زائدة، وهي فعلان من أبَّ الشيء، إذا تهيأ للذهاب.
стр. 872
لنا قوة وبلاغًا إلي حين))، ثم رفع يده فلم يترك الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلي الناس ظهره، وقلب أو حول رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل علي الناس ونزل، فصلي ركعتين، فأنشأ الله سحابة، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأي سرعتهم إلي الكن ضحك حتى بدت نواجذه، وقال: ((أشهد أن الله علي كل شيء قدير، وإني عبد الله ورسوله)). رواه أبو داود. [١٥٠٨]
١٥٠٩ - عن أنس، أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كما نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، فأسقنا. قال: فيسقون. رواه البخاري
١٥١٠ - وعن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقي، فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلي السماء، فقال: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة. رواه الدارقطني. [١٥١٠]
ــ
قوله: ((بلاغًا إلي حين)) البلاغ. ما يتبلغ به، ويتوصل به إلي الشيء المطلوب. المعنى: إجعل الخير المنزل سببًا لقوتنا، ومده لنا مددًا طوالاً. قوله: ((إلي الكن)) وهو ما يرد به الحر والبرد من الأبنية والمساكن. وقوله: ((ضحك)) جواب للشرط. وكأن ضحكه ﷺ تعجبًا من طلبهم المطر اضطرارًا، ثم طلبهم الكن عنه فرارًا. ومن عظيم قدرة الله تعالي، وإظهار قربة رسوله، وصدقه بإجابة دعائه سريعًا، ولصدقه أتي بالشهادتين.
الحديث الثاني عن أنس: قوله: ((قال فيسقون)) قال عقيل بن أبي طالب: فيه:
بعمي سقى الله البلاد وأهلها عشية يستسقى بشيبته عمر
توجه بالعباس بالجدب داعيًا فما جاز حتى جاد بالمدينة المطر
стр. 873
(٥٣) باب في الرياح
الفصل الأول
١٥١١ - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور)). متفق عليه.
١٥١٢ - وعن عائشة، قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ ضاحكًا حتى أرى منه لهوته، إنما كان يبتسم، فكان إذا رأي غيمًا أو ريحًا عرف في وجهه متفق عليه.
١٥١٣ - وعنها، قالت: كان النبي ﷺ إذا عصفت الريح قال: ((اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها
ــ
باب في الرياح
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عباس: قوله: ((نصرت بالصبا)) ((مظ)) الصبا: الريح التي تجئ من ظهرك إذا استقبلت القبلة. والدبور: هي التي تجئ من قبل وجهك إذا استقبلت القبلة أيضًا. روي: أن الأحزاب لما حاصروا المدينة يوم الخندق، هبت ريح الصبا، وكانت شديدة، فقلعت خيامهم، وألقى الله تعالي في قلوبهم الخوف، فهربوا، وكان ذلك فضلاً من الله تعالي، ومعجزة لرسوله ﷺ . أما الدبور فأهلكت قوم عاد. وقضيتهم مشهورة.
الحديث الثاني عن عائشة: قوله: ((لهواته)) ((نه)) اللهوات: جمع لهاة، وهي اللحمات من سقف أقصى الفم. قوله: ((عرف في وجهه)) أي ظهر أثر الخوف في وجهه مخافة أن يحصل من ذلك السحاب، أو الريح، ما فيه ضرر بالناس. فدل نفي الضحك البليغ عنه ﷺ علي أنه ﷺ لم يكن فرحًا لاهيًا بطرًا، ودل إثبات التبسم له ﷺ علي طلاقة وجهه وبشاشته، ودل أثر الخوف من رؤية الغيم والريح علي رأفته ورحمته علي الخلق. هذا هو الخلق العظيم.
الحديث الثالث عن عائشة: قوله: ((إذا عصفت الريح)) ((نه)): أي اشتد هبوبها، وريح عاصف شديدة الهبوب. قوله: ((خير ما أرسلت به)) يحتمل الفتح علي الخطاب ((وشر ما
стр. 874
وشر ما أرسلت به))، وإذا تخيلت السماء، تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سري عنه، فعرفت ذلك عائشة، فسألته، فقال: ((لعله يا عائشة كما قال قوم عاد)) – وفي رواية: (فلما رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا) ويقول إذا رأي المطر: ((رحمة)). متفق عليه.
١٥١٤ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مفاتيح الغيب خمس، ثم قرأ: ﴿إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث﴾ الآية. رواه البخاري.
١٥١٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليست السنة بأن لا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا ولا تنبت الأرض شيئًا)). رواه مسلم.
ــ
أرسلت)) علي بناء المفعول ليكون من قبيل قوله تعالي: ﴿أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم﴾ وقوله ﷺ : ((الخير كله في يديك والشر ليس إليك)).
قوله: ((وإذا تخيلت السماء)) السماء ها هنا بمعنى السحاب. ((وتخيلت)) إذا ظهر في السحاب أثر المطر. ((نه)): ومنه ((إذا رأي مخيلة أقبل وأدبر)) المخيلة: موضع الخيل، وهو الظن كالمظنة وهي السحابة الخليقة بالمطر، ((وسري عنه)) أي كشف عنه الخوف، وأزيل: يقال: سروت الثوب، وسريته إذا خلعته، والتشديد فيه للمبالغة. قوله: ﴿هذا عارض﴾ أي سحاب عرض ليمطر، وقوله: ((رحمة)) أي اجعله رحمة ولا تجعله عذابًا.
الحديث الرابع عن ابن عمر: قوله: ((مفاتيح الغيب)) قيل هو جمع مفتح – بفتح الميم – وهو المخزن، أي خزائن الغيب خمس، لا يطلع عليها غير الله، وروى مفاتح، وهي جمع مفتاح أي العلوم التي يتوصل بها إلي الغيب خمس لا يعلمها إلا الله. ((نه)) المفاتيح، والمفاتح: جمع مفتاح، ومفتح. وهما في الأصل: كل ما يتوصل به إلي استخراج المغلقات التي يتعذر الوصول إليها.
الحديث الخامس عن أبي هريرة: قوله: ((ليست السنة بأن لا تمطروا)) ((فا)) السنة: الجدب، يقال: أجدبتهم السنة، إذا أجدبوا، وقحطوا وهي من الأسماء الغالبة. وقد خصوها بقلب لامها تاء في ((استنوا)) إذا أجدبوا. ((قض)) المعنى: أن القحط الشديد ليس بأن لا تمطروا بل بأن تمطروا، ولا تنبت. وذلك: لأن حصول الشدة بعد توقع الرخاء، وظهور مخائله، وأسبابه أقطع مما إذا كان اليأس حاصلاً من أول الأمر، والنفس مترقبة لحدوثها، انتهي كلامه، قال الشاعر:
стр. 875
الفصل الثاني
١٥١٦ - عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الريح من روح الله، تأتي بالرحمة وبالعذاب، فلا تسبوها، وسلوا الله من خيرها، وعوذوا به من شرها)). رواه الشافعي، وأبو داود، وابن ماجه، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)). [١٥١٦]
١٥١٧ - وعن ابن عباس، أن رجلاً لعن الريح عند النبي ﷺ ، فقال: ((لا تلعنوا الريح، فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئًا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه)). رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب. [١٥١٧]
ــ
أظلت علينا من نداك غمامة أضاء لنا برق وأبطأ رشاشها
فلا غيمها يجلو فييأس طامع ولا غيثها يهمى فيروى عطاشها
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: ((الريح من روح الله)) ((غب)) الروح النفس، وقد أراح الإنسان إذا تنفس. وقوله تعالي: ﴿لا تيأسوا من روح الله﴾. أي من فرجه ورحمته. وذلك بعض الروح. ((مظ)) فإن قيل: كيف يكون الريح من روح الله، أي من رحمته مع أنه يجيء بالعذاب؟ فجوابه من وجهين: أحدهما أن الريح إذا جاءت لعذاب قوم ظالمين، كانت رحمة لقوم مؤمنين. وأقول: يؤيده قوله تعالي: ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين﴾ ((الكشاف)): فيه إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاك الظلمة. وهو من أجل النعم وأجزل القسم. وثإنيهما: أن الروح مصدر بمعنى الفاعل كالعدل بمعنى العادل، فالمعنى الريح من روائح الله، أي من الأشياء التي تجئ من حضرة الله بأمر الله، فتارة تجئ له للراحة، وأخرى للعذاب. فإذن لا يجوز سبها، بل تجب التوبة عند التضرر بها. وهو تأديب من الله تعالي، وتأديبه رحمة لعباده.
الحديث الثاني عن ابن عباس: قوله: ((ليس له)) صفة ((شيئًا)) واسمه ضمير راجع إليه والضمير في ((له)) راجع إلي مصدر ((لعن)) وفي ((عليه)) إلي ((من)) علي تضمين ((رجعت)) معنى
стр. 876
١٥١٨ - وعن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به)). رواه الترمذي. [١٥١٨]
١٥١٩ - وعن ابن عباس، قال: ما هبت ريح قط إلا جثا النبي ﷺ علي ركبتيه، وقال: ((اللهم اجعلها رحمة، ولا تجعلها عذابًا، اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا)). قال ابن عباس في كتاب الله تعالي: ﴿إنا أرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا﴾ و ﴿أرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ و ﴿أن يرسل الرياح مبشرات﴾. رواه الشافعي، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)). [١٥١٩]
ــ
استعلت، يعني: من لهن شيئًا ليس ذلك الشيء أهلاً له رجع اللعن إلي اللاعن، لأن اللعن طرد عن رحمة الله تعالي، فمن طرد ما هو أهل لرحمة الله عن رحمته جعل مطرودًا.
الحديث الثالث ظاهر.
الحديث الرابع عن ابن عباس: قوله: ((في كتاب الله تعالي)) إلي آخره. اتفق معظم الشارحين علي: أن تأويل ابن عباس غير موافق للحديث. نقل الشيخ التوربشتي عن أبي جعفر الطحاوي، أنه ضعف هذا الحديث جدًا، وأبي أن يكون له أصل في السنن! وأنكر علي أبي عبيدة تفسيره، كما فسره ابن عباس ثم استشهد بقوله تعالي: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريج طيبة، وفرحوا بها، جاءتها ريح عاصف﴾ الآية، وبالأحاديث الواردة في هذا الباب. فإن جل استعمال الريح المفردة في الباب في الخير والشر. ثم قال الشيخ التوربشتي: والذي قاله أبو جعفر وإن كان قولاً متينًا، فنا نرى أن لا يتسارع إلي رد هذا الحديث، وقد تيسر علينا تأويله وتخريج المعنى علي وجه لا يخالف النصوص التي أوردها. وهو أن نقول: التضاد الذي جد أبو جعفر في الهرب منه إنما نشأ من التأويل الذي نقل عن ابن عباس ﵄. فأما الحديث نفسه فإنه محتمل لتأويل يمكن معه التوفيق بينه وبين النصوص التي عارضه
стр. 877
١٥٢٠ - وعن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ إذا أبصرنا شيئًا من السماء – تعني السحاب – ترك عمله واستقبله، وقال: ((اللهم إني أعوذ بك من شر ما فيه))، فإن كشفه حمد الله، وإن مطرت، قال: اللهم سقيًا نافعًا)).
رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والشافعي واللفظ له. [١٥٢٠]
ــ
بها أبو جعفر، وذلك أن يذهب في الحديث إلي أنه سأل النجاة من التدمير بتلك الريح فإنها إن لم تكن مهلكة لم تعقبها أخرى، وإن كانت غير ذلك فإنها توجد كرة بعد كرة. وتستسق مرة بعد مرة، فكأنه قال: لا تدمرنا بها، فلا تمر علينا بعدها، ولا تهب دوننا جنوب ولا شمال، بل أفسح في المهلة وأنسأ لنا في الأجل، حتى يهب علينا أرواح كثيرة بعد هذه الريح. قال الخطابي: إن الرياح إذا كثرت جلبت السحاب وكثرت المطر، فبركت الزروع والثمار، وإذا لم تكثر، وكانت ريحًا واحدة فإنها تكون عقيمًا. والعرب تقول: لا يلقح السحاب إلا من رياح. وأقول: ((وبالله التوفيق)) قول ابن عباس ((في كتاب الله تعالي)) معناه: أن هذا الحديث مطابق لما في كتاب الله تعالي فإن استعمال التنزيل دون أصحاب اللغة إذا حكم علي الريح والرياح مطلقتين كان إطلاق الريح غالبًا في العذاب، والرياح في الرحمة، فعلي هذا لا ترد تلك الآية علي قول ابن عباس؛ لأنها مقيدة بالوصف، ولا تلك الأحاديث؛ لأنها ليست من كتاب الله، وإنما قيدت الآية بالوصف ووحدت؛ لأنها في حديث الفلك وجريانها في البحر، فلو جمعت لأوهمت اختلاف الرياح، وهو موجب للعطب أو للاحتباس، ولو أفردت ولم تقيد بالوصف، لآذنت بالعذاب والدمار؛ ولأنها أفردت وكررت؛ ليناط بها مرة ((طيبة)) وأخرى ((عاصف)) ولو جمعت لم يستقم التعليق.
الحديث الخامس عن عائشة: قوله: ((ناشيءا)) أي سحابًا ((تو)): سمى به؛ لأنه ينشأ من الأفق، يقال: نشأ وأنشأ أي خرج، وأنشأ يفعل كذا أي طفق وفي الحديث: ((إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت)) أراد السحابة. قوله: ((فإن مطرت)) الفاء تفصيلية، أي فإن لم يمطر، حمد الله تعالي علي النجاة، وإن أمطر شكر الله، وقال: ((اللهم)) إلي آخره.
الحديث السادس عن ابن عمر: قوله: ((الصواعق)) جمع صاعقة وهي قصفة رعد تنقض معها قطعة من النار يقال: صعقته الصاعقة إذا أهلكته فصعق، أي مات، إما لشدة الصوت،
стр. 878
١٥٢١ - وعن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق، قال: ((اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك)). رواه أحمد، والترمذي وقال: هذا حديث غريب. [١٥٢١]
الفصل الثالث
١٥٢٢ - عن [عامر بن] عبد الله بن الزبير، أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث، وقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. رواه مالك. [١٥٢٢]
ــ
وإما بالاحتراق، فإن قلت: لم خص القتل بالغضب والإهلاك بالعذاب؟ قلت: نسبة الغضب إلي الله تعالي استعارة، والمشبه به الحالة التي تعرض للملك عند انفعاله، وغليان دمه، ثم الانتقام من المغضوب عليه، وأكثر ما ينتقم به القتل، فرشح الاستعارة به عرفا، والإهلاك والعذاب جاريان علي الحقيقة في حق الله تعالي ولما لم يكن تحصيل المطلوب إلا بمعافاة الله، كما جاء ((اللهم إني أعوذ بمعافاتك من عقوبتك)) قال: ((وعافنا قبل ذلك)).
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عبد الله ﵁: قوله: ﴿يسبح الرعد بحمده﴾ هو من الإسناد المجازي لأن الرعد سبب لأن يسبح الله السامع حامدًا له، خص سامعوا الرعد بالحمد؛ لأن الناس عند صوت الرعد خائفون راجون، كما قال تعالي: ﴿هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا﴾ رجع الحمد علي الخوف تفاؤلاً، أو إن جانب الرحمة أوسع.
стр. 879
٥ - كتاب الجنائز
(١) باب عيادة المريض وثواب المرض
الفصل الأول
١٥٢٣ - عن أبي موسى، قال: قال: رسول الله ﷺ : ((أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العإني)). رواه البخاري.
١٥٢٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال: رسول الله ﷺ : ((حق المسلم علي المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس)). متفق عليه.
ــ
كتاب الجنائز
((مح)): الجنازة بكسر الجيم وفتحها، والكسر أفصح، ويقال: بالفتح للميت، وبالكسر للنعش عليه ميت. ويقال: عكسه، حكاه صاحب المطالع. والجمع جنائز بالفتح لا غير والله أعلم بالصواب.
باب عيادة المريض وثواب المرض
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي موسى: قوله: ((فكوا العإني)) ((نه)): العإني: الأسير، وكل من ذل، واستكان، وخضع - فقد عنا. يقال: عنا يعنو فهو عان، والمرأة عإنية، وجمعها عوان: المتضررون الذين وجب حقهم علي غيرهم من المسلمين، منحصرون في هذه الأقسام صريحًا وكناية عند إمعان النظر.
الحديث الثاني عن أبي هريرة: قوله: ((حق المسلم علي المسلم خمس)) ((حس)): هذه كلها من حق الإسلام يستوي فيها جميع المسلمين برهم وفاجرهم، غير أنه يخص البر بالبشاشة والمسايلة والمصافحة، دون الفاجر المظهر للفجور.
((مظ)): إذا دعا المسلم المسلم إلي الضيافة، والمعارفة وجب عليه طاعته، إذا لم يكن ثمة ما يضر بدينه من الملاهي ومفارش الحرير. ورد السلام، واتباع الجنائز فرض علي الكفاية. وأما تشميت العاطس إذا حمد الله، وعيادة المريض فسنة إذا كان له متعهد وإلا فواجب. ويجوز أن تعطف السنة علي الواجب إن دلت عليه القرينة كما يقال: صم رمضان وستة من شوال.
стр. 880
١٥٢٥ - وعنه، قال: قال: رسول الله ﷺ : ((حق المسلم علي المسلم ست)). قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: ((إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه)). رواه مسلم.
١٥٢٦ - وعن البراء بن عازب، قال: أمرنا النبي ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع، أمرنا: بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السلام، وإجابة الداعي، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم، ونهانا: عن خاتم الذهب، وعن الحرير،
ــ
((نه)): التشميت – بالسين والشين – الدعاء للعاطس بالخير والبركة، والمعجمة أعلاهما. واشتقاقه من الشوامت وهي القوائم، كأنه دعاء للعاطس بالثبات علي طاعة الله. وقيل: معناه أبعدك الله عن الشماتة وجنبك ما يشمت به عليك.
قوله: ((وإذا استنصحك)) ((غب)): النصح تحري فعل أو قول فيه صلاح صاحبه وهو من قولهم: نصحت له الود، أخصلته، وناصح العسل خالصه.
الحديث الثالث عن أبي هريرة: قوله: ((إذا لقيته)) إلي آخره, فإن قلت: كيف طابق هذا جوابًا عن ((ما هن))، وكان حقه ظاهرًا أن يقال: أن يسلم عليه إذا لقيه، وأن يجيبه إذا دعاه، إلي آخره؟ قلت: لما كانت الخصال الست من معظمات مكارم الأخلاق، عدل عن الإخبار إلي صورة الأمر مريدًا به الخطاب العام لئلا يختص بواحد دون آخر كما سبق في قوله: ((بشر المشائين)).
الحديث الرابع عن البراء: قوله: ((وإبرار المقسم)) قيل: هو تصديق من أقسم عليك، وهو أن يفعل ما سأله الملتمس وأقسم عليه أن يفعله، يقال: بر وأبر القسم إذا صدقه. وقيل: المراد من المقسم الحالف، ويكون المعنى أنه لو حلف أحد علي أمر مستقبل، وأنت تقدر علي تصديق يمينه، كما لو أقسم أن لا يفارقك حتى تفعل كذا، وأنت تستطيع فعله – فافعل كيلا يحنث يمينه.
قوله: ((ونصر المظلوم)) ((حس)): هو واجب يدخل فيه المسلم والذمي. وقد يكون ذلك بالقول، وقد يكون بالفعل، وبكفه عن الظلم.
قوله: ((ونهانا عن خاتم الذهب)) ((خط)): هذه الخصال مختلفة المراتب في حكم العموم والخصوص، والوجوب، فيحرم خاتم الذهب، وما ذكر معه من لبس الحرير والديباج، خاصة للرجال دون النساء. ويحرم إنية الفضة عامة في حق الكل؛ لأنه من باب السرف والمخيلة.
следующие страницы →