Полный текст (3 308 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)). فقالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت. قال: ((ليس ذلك؛ ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه. وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله، وكره الله لقاءه)). متفق عليه.
١٦٠٢ - وفي رواية عائشة: ((والموت قبل لقاء الله)).
١٦٠٣ - وعن أبي قتادة، أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ مر عليه بجنازة، فقال: ((مستريح، أو مستراح منه)). فقالوا: يا رسول الله! ما المستريح، والمستراح منه؟ فقال: ((العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلي رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد، والبلاد، والشجر، والدواب)) متفق عليه.
ــ
الحديث الثالث والرابع عن عبادة: قوله: ((من أحب لقاء الله)) ((نه)): المراد باللقاء المصير إلي الدار الآخرة، وطلب ما عند الله، وليس الغرض به الموت؛ لأن كلا يكرهه، فمن ترك الدنيا وأبغضها، أحب لقاء الله ومن آثرها وركن إليها، كره لقاء الله؛ لأنه إنما يصل إليه بالموت.
وقوله: ((والموت دون لقاء الله)) تبين أن الموت غير اللقاء، ولكنه معترض دون الغرض المطلوب، فيجب أن يصبر عليه، ويحتمل مشاقه حتى يصل إلي الفوز باللقاء. يريد أن قول عائشة ﵂: ((إنا لنكره الموت)) يوهم أن المراد من لقاء الله في قوله:
((من كره لقاء الله)) الموت، وليس بذلك؛ لأن لقاء الله غير الموت، بدليل قوله: ((والموت قبل لقاء الله)) فلما كان الموت وسيلة إلي لقاء الله، عبر عنه بلقاء الله. وعن بعضهم: قوله: ((الموت قبل لقاء الله)) يدل علي أن الله تعالي لا يرى في الدنيا في اليقظة، لا عند الموت ولا قبل الموت. وروى الإمام في تفسيره: أن إبراهيم ﵇ قال لملك الموت – وقد جاء يقبض روحه -: ((هل رأيت خليلاً يميت خليله؟ فأوحى الله إليه: هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله؟ فقال: يا ملك الموت، أما الآن فاقبض)). قد ذهب الشيخ الأشرف إلي أن صاحب النهاية مال إلي مذهب الاعتزال في تفسيره السابق، وليس في كلامه السابق ما يوهم نفي الرؤية فضلاً عن الإنكار، بل قوله: ((طلب ما عند الله)) شامل لكل ما يحصل للمكلف من المراتب العلية، والمباغي السنية. ولا مبتغي ولا مطلوب أعلي وأسنى من رؤية الله تعالي. رزقنا الله بفضله وكرمه.
الحديث الخامس عن أبي قتادة: قوله: ((مستريح)) ((نه)): يقال: أراح الرجل واستراح، إذا
стр. 912
١٦٠٤ - وعن عبد الله بن عمر، قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. رواه البخاري.
ــ
رجعت نفسه إليه بعد الإعياء. أقول: ((أو)) في قوله: ((أو مستراح)) تنويعية، أي لا يخلو ابن آدم من هذين المعنيين، فلا يختص بصاحب الجنازة. و ((إلي)) في ((إلي رحمة)) حال، أي ذاهبًا إلي رحمة الله تعالي.
((حس)): قال مسروق: ما غبطت شيئًا بشيء كمؤمن في لحد، أمن من عذاب الله، واستراح من الدنيا. قال أبو الدرداء: أحب الموت اشتياقًا إلي ربي، وأحب المرض تكفيرًا لخطيئتي، وأحب الفقر تواضعًا لربي. وأما استراحة البلاد، والأشجار؛ فإن الله تعالي بقدره يرسل السماء عليكم مدرارًا، ويحيى به الأرض والشجر والدواب، بعد ما حبس بشؤم ذنوبه الأمطار. وفي الحديث ((إن الحبارى لتموت هزلاً بذنب ابن آدم)) وخص الحبارى؛ لأنه أبعد الطير نجعة، فربما يذبح بالبصرة، ويوجد في حوصلتها الحبة الخضراء، وبين البصرة وبين منابتها مسيرة أيام.
الحديث السادس عن عبد الله: قوله: ((أو عابر سبيل)) ((أو)) فيه يجوز أن يكون للتخيير والإباحة، والأحسن أن يكون بمعنى ((بل)) كما في قول الشاعر:
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى وصورتها أو أنت في العين أملح
قال الجوهري: يريد بل أنت، شبه الناسك السالك أولاً بالغريب الذي ليس له مسكن يؤويه، ولا سكن يسليه، ثم ترقى وأضرب عنه بقوله: ((أو عابر سبيل))؛ لأن الغريب قد يسكن في بلاد الغربة، ويقيم فيها، بخلاف عابر السبيل القاصد للبلد الشاسع، وبينه وبينها أودية مردية، ومفاوز مهلكة، وهو بمرصد من قطاع طريقه، فهل له أن يقيم لحظة، أو يسكن لمحة؟ لا؛ ومن ثم عقبه ابن عمر في باب الأمل بقوله: ((وعد نفسك في أهل القبور))، وقال هنا: ((إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء)) أي سر دائمًا، ولا تفتر عن السير ساعة، فإنك إن قصرت في السير انقطعت عن المقصود، وهلكت في تلك الأودية. هذا معنى المشبه به، والمشبه هو قوله: ((وخذ من صحتك لمرضك)) يعني عمرك لا يخلو من الصحة والمرض فإذا كنت صحيحًا سر سيرك القصد بل لا تقنع به وزد عليه ما عسى أن يحصل لك الفتور بسبب المرض. وفي قوله: ((ومن حياتك لموتك)) إشارة إلي أخذ نصيب الموت، وما يحصل فيه من الفتور من السقم، يعني لا تقعد في المرض من السير كل القعود، بل ما أمكنك منه فاجتهد فيه، حتى تنتهي إلي لقاء الله وما عنده من الفلاح والنجاح، وإلا خبت وخسرت.
انظر أيها المتأمل في كل هذا الكلام الجامع، وانتهز الفرصة كيلا تندم. ونعم ما قال من قال:
стр. 913
١٦٠٥ - وعن جابر، قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: ((لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)) رواه مسلم.
الفصل الثاني
١٦٠٦ - عن معاذ بن جبل [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن شئتم أنبأتكم: ما أول ما يقول الله للمؤمنين يوم القيامة؟ وما أول ما يقولون له؟)). قلنا: نعم يا رسول الله! قال: ((إن الله يقول للمؤمنين: هل أحببتم لقائي؟ فيقولون: نعم يا ربنا! فيقول: لم؟ فيقولون: رجونا عفوك ومغفرتك. فيقول: قد وجبت لكم مغفرتي)). رواه في ((شرح السنة))، وأبو نعيم في ((الحلية)). [١٦٠٦]
ــ
إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها فما تدري السكون متى يكون
إذا ظفرت يداك فلا تقصر فإن الدهر عادته يخون
قال الله تعالي: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا﴾.
الحديث السابع عن جابر: قوله: ((لا يموتن أحدكم)) نهي عن أن يموتوا علي غير حالة حسن الظن، وذلك ليس بمقدورهم، بل المراد الأمر بتحسين الأعمال، أي أحسنوا أعمالكم الآن حتى يحسن بالله ظنكم عند الموت، فإن من ساء عمله قبل الموت، يسوء ظنه عند الموت. ((شف)): قيل: الخوف والرجاء كالجناحين للسائرين إلي الله تعالي ولا يمكن السير بأحد الجناحين بل بهما، لكن يغلب أحدهما الآخر، فينبغي أن يغلب الخوف علي الرجاء في الصحة؛ ليتدرج به فيها إلي تكثير الأعمال الصالحة. فإذا جاء الموت وانقطع العمل، فينبغي أن يغلب الرجاء، وحسن الظن بالله؛ لأن الوفاة حينئذ إلي ملك كريم، ورب رؤوف رحيم. هذا معنى جواب المؤمنين في الحديث الآتي ((رجونا عفوك ومغفرتك)) عن قوله تعالي: ((هل أحببتم لقائي؟ فيقولون: نعم يا ربنا، فيقول: ((لم)).
الفصل الثاني
الحديث الأول والثاني عن أبي هريرة: قوله: ((هاذم اللذات الموت)) ((مظ)): ((الموت)) بالجر
стр. 914
١٦٠٧ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت)) راه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. [١٦٠٧]
١٦٠٨ - وعن ابن مسعود، أن نبي الله ﷺ قال ذات يوم لأصحابه: ((استحيوا من الله حق الحياء)). قالوا: إنا نستحيي من الله يا نبي الله! والحمد لله قال: ((ليس ذلك؛ ولكن م استحيى من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلي، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء)) رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [١٦٠٨]
ــ
عطف بيان، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، وبالنصب علي تقدير أعني. أقول: شبه اللذات الفإنية والشهوات العاجلة ثم زوالها ببناء مرتفع ينهدم بصدمات هائلة، ثم أمر المنهمك فيها بذكر الهاذم لئلا يستمر علي الركون إليها، ويشتغل عما يجب عليه من التزد إلي دار القرار. وأنشد زين العابدين ﵁:
فيا عامر الدنيا، ويا ساعياً لها ويا آمناً من أن تدور الدوائر
علي خطر تمشي، وتصبح لاهيا أتدري بماذا لو عقلت تخاطر
تخرب ما يبقى وتعمر فإنياً فلا ذاك موفور، ولا ذاك عامر
الحديث الثالث عن ابن مسعود: قوله: ((ذات يوم)) ((تو)): هو من ظروف الزمان التي لا تتمكن، تقول: لقيته ذات يوم، وذات ليلة، وذات غداة، وذات عشاء، وذات مرة، وحمل التإنيث فيها علي الحالة، أو علي لقيته لقية ذات يوم. والحياء حالة تعترض الإنسان من خوف ما يعاب ويذم، فيحمله علي أن يتركه ويعرض عنه.
قوله: ((ليس ذلك)) ((قض)): أي ليس حق الحياء من الله ما تحسبونه، بل أن يحفظ نفسه بجميع جوارحه، وقوله عما لا يرضاه، فليحفظ رأسه وما وعاه من الحواس الظاهرة والباطنة، من السمع والبصر واللسان، حتى لا يستعملها إلا فيما يحل، ((والبطن وما حوى)) أي لا يجمع فيه إلا الحلال، ولا يأكل إلا الطيب. وقيل: أراد بالجوف البطن والفرج. كما جاء في حديث آخر ((أكثر ما تدخل أمتي النار الأجوفان))، وقيل: أراد به القلب وما وعى من معرفة الله تعالي والعلم بالحلال والحرام.
стр. 915
ــ
أقول: قوله ﷺ : ((ليس ذلك)) رد لحملهم الحياء علي ما تعورف مطلقاً لما ضم إليه من التقييد بقوله: ((حق الحياء)) ولذلك أعادها مقيدة في الجواب، يعني حق الحياء أن يترك شيئاً منها وما يتصل بها وما يتفرع عليها إلا أن يتحرى ويقام به، كما قال تعالي: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ ((الكشاف)) أي واجب تقواه وما يحق منها، وهو القيام بالواجب، واجتناب المحارم، ونحو ((فاتقوا الله ما استطعتم)) يريد بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئاَ، ولهذا السر فسره صلوات الله عليه بكلام جامع حاو لمعان لا تكاد تدخل تحت الإحصاء، فينبغي للشارح المتقن أن يراعي هذا فيما فسره صلوات الله عليه، فنقول- وبالله التوفيق-: وذلك أنه ﷺ جعل الرأس وعاء وظرفاً لكل ما لا ينبغي من رذائل الأخلاق، كالفم والعين، والأذن وما يتصل بها، وأمر أن يصونها، كأنه قيل: كف عنك لسانك، فلا تنطق به إلا خيراً، ولعمري إنه شطر الإنسان، قال:
لسان الفتى نصف، ونصف فؤاده فلم تبق إلا صورة اللحم والدم
ولهذا ورد ((من صمت نجا)). وإنما لم يصرح بذكر اللسان، ليشمل ما يتعلق بالفم من أكل الحرام والشبهات، وكأنه قيل: وسد سمعك أيضاً عن الإصغاء إلي ما لا يعنيك من الأباطيل والشواغل، واغضض عينك عن المحرمات والمشتهيات، ولا تمدن عينيك إلي ما متعنا به الكفار من زهرة الحياة الدنيا، فكيف لا، وهو رائد القلب الذي هو سلطان الجسد، ومضغة ((إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله)).
وهنا نكتة، وهي عطف ((ما وعى)) علي الرأس، فحفظ الرأس مجملاً عبارة عن التنزه عن الشرك، فلا يضع رأسه لغير الله ساجداً متواضعاً، وعن الاستكبار، فلا يرفعه متكبراً علي عباد الله وجعل البطن قطباً يدور علي سرته الأعضاء من القلب، والفرج، واليدين، والرجلين؛ ولهذا ورد (من وكل إلي ما بين فكيه ورجليه وكلت له الجنة)). وفي عطف ((وما حوى)) علي البطن إشارة إلي حفظه من الحرام والاحتراز من أن يملأ من المباح، وفذلكة ذلك كله، قوله: ((ويذكر الموت والبلي))، كقوله ﷺ : ((أكثروا ذكر هاذم اللذات))؛ لأن من ذكر أن عظامه ستصير بالية، وأعضاؤه متمزقة، هان عليه ما فاته من اللذات العاجلة، وأهمه ما يجب عليه من طلب الآجلة. وهذا معنى قوله: ((ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا))، فيكون كالتذييل للكلام السابق.
стр. 916
١٦٠٩ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تحفة المؤمن الموت)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [١٦٠٩]
١٦٠١ - وعن بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المؤمن يموت بعرق الجبين)). رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه [١٦١٠]
ــ
وذلك أن من أحسن الأدب بين يدي مولاه وتحرى رضاه أحب قربه وكره بعده، ومن أساء يكره قربه ويحب بعده، والبعد من الله تعالي هو الركون إلي الدنيا وزخارفها، والقرب إلي الله تعالي هو طلب الآخرة بالاجتهاد في طاعته.
قوله: ((فمن فعل ذلك)) المشار إليه جميع ما سبق، فمن أهمل من ذلك شيئاً لم يخرج من عهدة الاستحياء، وظهر من هذا أن جملة الإنسان وخلقته من رأسه إلي قدمه، ظاهره وباطنه معدن العيب، ومكان المخازي، وأن الله سبحانه وتعالي هو العالم بها والواقف علي ما ينشأ منها من المقابح؛ فحق الحياء أن يستحيي منه ويصونها عما يعاب فيها. وربما وقفت علي هذا المعنى في أول الكتاب عند قوله ﷺ : ((الحياء شعبة من الإيمان)) فلا تنكر التكرار، فإنه مقبول إذا ورد فيما يهتم بشأنه؛ إيقاظاً، وتنبيهاً علي تنبيه. والله أعلم.
الحديث الرابع عن عبد الله: قوله: ((تحفة المؤمن الموت)) اعلم أن الموت ذريعة إلي وصول السعادة الكبرى، ووسيلة إلي نيل الدرجة العليا، وهو أحد الأسباب الموصلة للإنسان إلي النعيم الأبدي، وهو انتقال من دار إلي دار، فهو وإن كان في الظاهر فناء واضمحلال، ولكن في الحقيقة ولادة ثإنية، وهو باب من أبواب الجنة، منه يتوصل إليها، ولو لم يكن الموت لم تكن الجنة. ((تو)): التحفة طرفة الفاكهة، وقد تفتح الحاء والجمع: التحف، ثم يستعمل في غير الفاكهة ن الألطاف, قال الأزهري: أصلها وحفة، فأبدلت الواو تاء، يريد به ما له عند الله تعالي من الخير الذي لا يصل إليه إلا بالموت.
الحديث الخامس عن بريدة: قوله: ((بعرق الجبين)) ((تو)): فيه وجهان: أحدهما هو ما يكابده من شدة السياق التي يعرق دونها الجبين. وفي الحديث ابن مسعود ﵁ ((موت المؤمن بعرق الجبين، يبقى عليه البقية من الذنوب فيجازف بها عند الموت)) أي يشدد عليه ليمحص عنه ذنوبه. قال الهروي: يجازف: أي يقايس، فيكون كفارة لذنوبه، والمجازفة المقايسة بالمخراف، وهو الميل الذي تسير به الجراحات. وثإنيهما أنه كناية عن كد المؤمن في طلب الحلال، وتضييقه علي النفس بالصوم والصلاة، حتى يلقى الله. والأول أظهر.
стр. 917
١٦١١ - وعن عبيد الله بن خالد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((موت الفجاءة أخذة الأسف)). رواه أبو داود، وزاد البيهقي في ((شعب الإيمان)). ورزين في كتابه: ((أخذة الأسف للكافر ورحمة للمؤمن)) [١٦١١]
١٦١٢ - وعن أنس، قال: دخل النبي ﷺ علي شاب وهو في الموت، فقال: ((كيف تجدك؟)) قال: أرجو الله يا رسول الله! وإني أخاف ذنوبي فقال رسول الله ﷺ : ((لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن؛ إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف)) رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب [١٦١٢]
ــ
الحديث السادس عن عبيد الله: قوله: ((موت الفجاءة)) الفجاءة بالمد والقصر مصدر، فجئه الأمر إذا جاء بغتة، وقد جاء منه فعل بالفتح. قوله: ((أخذة الأسف)) ((فا)): أي أخذة سخط من قوله تعالي: ((فلما آسفونا انتقمنا))؛ لأن العصيان لا يخلو من حزن ولهف. فقيل له أسف حتى كثر، ثم استعمل في موضع لا مجال للحزن فيه، وهذه الإضافة بمعنى ((من)) كخاتم فضة. قالوا: روي ((الأسف)) في الحديث بكسر السين وفتحها، الكسر العصيان، والفتح الغضب، أي موت الفجأة من آثار غضب الله تعالي، فإنه أخذه بغتة، ولم يتركه لأن يستعد لمعادة بالتوبة. أخذه من مضى من العصاة المردة، كما قال تعالي: ﴿فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون﴾ وهو مخصوص بالكفار بدليل قوله: ((أخذة أسف للكافر، ورحمة للمؤمنين)). الحديث السابع عن أنس: قوله: ((كيف تجدك)) تجد من أفعال القلوب، ولذلك اتحد فيه الفاعل والمفعول، و ((كيف)) سؤال عن الحال، أي علي أي حال تجد نفسك، ولذلك أجاب بقوله: أرجو الله، أي أجد نفسي راجياً رحمة الله خائفاً عقابه، فأبرز الجملة الأولي في معرف الفعلية، والثانية بالاسمية، وصدرها بـ ((إن)) التحقيقية تنبيهاً علي أن خوفه كان محققاً مستمراً، ورجاؤه حدث عند سياق الموت. وأيضاً راعى في نسبة الرجاء إلي الله، والخوف إلي الذنب أدباً حسناً؛ وكذلك ينبغي للمؤمن أن يحسن الظن بالله، ويرجح جانب الرجاء علي الخوف، كما سبق. وقوله: ((يا رسول الله)) اعترض في غاية من الحسن كأنه يحقق رجاءه وزوال خوفه مستشفعاً بمكانة من اسمه رسول الله. وقوله: ((لا يجتمعان)) خبر مبتدأ محذوف، أي هاتان الخصلتان لا تجتمعان. ((فا)): مثل)) زائدة، والمراد بـ ((المواطن)) سياق الموت. والموطن: يحتمل أن يكون اسم مكان، أي في مثل هذا المكان، واسم زمان كمقتل حسين ﵁.
стр. 918
الفصل الثالث
١٦١٣ - عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تمنوا الموت فإن هول المطلع شديد، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله الإنابة)) رواه أحمد. [١٦١٣]
١٦١٤ - وعن أبي أمامة، قال: جلسنا إلي رسول الله ﷺ ، فذكرنا ورققنا، فبكى سعد بن أبي وقاص، فأكثر البكاء، فقال: يا ليتني مت. فقال النبي ﷺ ((يا سعد! أعندي تتمنى الموت؟!)) فردد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: ((يا سعد! إن كنت خلقت للجنة فما طال عمرك وحسن من عملك؛ فهو خير لك)) رواه أحمد. [١٦١٤]
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن جابر: قوله: ((هول المطلع)) ((نه)): المطلع مكان الاطلاع من موضع عال، يقال: مطلع هذا الجبل من موضع كذا، أي مأتاه ومصعده، يريد به ما يشرف عليه من سكرات الموت وشدائده، فشبهه بالمطلع الذي يشرف عليه من موضع عال.
أقول: علل النهي عن تمني الموت أولاً بشدة المطلع؛ لأنه إنما يتمناه من قلة صبر وضجر، فإذا جاء متمناه يزداد ضجراً علي ضجر، فيستحق مزيد سخط علي سخط، وثإنياً بحصول السعادة في طول العمر؛ لأن الإنسان إنما خلق لاكتساب السعادة الأبدية، ورأس ماله العمر، هل رأيت تاجراً يضيع رأس ماله؟ فإذا بماذا يربح إذا ضيعه؟ ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين﴾.
الحديث الثاني عن أبي أمامة: قوله: (ورققنا)) أي رقق أفئدتنا بالتذكير والموعظة وهذا حد الوعظ؛ لأنه هو الكلام الذي يلين القلوب القاسية، ويرغب الأفئدة النافرة، ترهيباً من عقاب الله، وترغيباً في رحمته. فإن قلت: كيف جيء بـ ((إن)) المشكوك وقوع شرطها، وسعد من العشرة المبشرة بالجنة قطعاً؟ قلت: ((إن)) فيه كما في قوله تعالي: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ فهي وإن كانت صورتها صورة الشرطية، لكن معناها التعليل، تعني كيف تتمنى الموت عندي وأنا بشرتك بالجنة، أي لا تتمن؛ لأنك من أهل الجنة، وكلما
стр. 919
١٦١٥ - وعن حارثة بن مضرب، قال: دخلت علي خباب وقد اكتوى سبعاً، فقال: لولا إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يتمنين أحدكم الموت)) لتمنيته، ولقد رأيتني مع رسول الله ﷺ ما أملك درهماً، وإن في جانب بيتي الآن لأربعين ألف درهم،
ــ
طال عمرك زادت درجتك وقربك إلي الله تعالي. ((فما)) في قوله: ((فما طال عمرك)) مصدرية، والوقت مقدر. ويجوز أن تكون موصولة، والمضاف محذوف، أي الزمان الذي طال عمرك فيه، والفاء في ((فهو خير لك)) داخلة علي الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط، والجملة جزاء كقوله: ((إن كنت خلقت))، و ((من)) في قوله: ((من عملك)) زائدة علي مذهب الأخفش، ويجوز أن تكون تبعيضية، أي حسن بعض عملك؛ لأنه طلب الموت، فقيل له: الشهادة خير لك مما طلبت، وهي إنما تحصل بالجهاد. ويعضده ما ورد في المتفق عليه عن سعد أنه قال: ((أخف بعد أصحابي؟ قال ﷺ : ((إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة. ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون)).
الحديث الثالث عن حارثه: قوله: ((اكتوى)) ((نه)): الكي بالنار من العلاج المعروف في كثير من الأمراض، وقد جاء في أحاديث كثيرة النهي عن الكي. فقيل: النهي إنما كان لتعظيمهم أمره، ويرون أنه لا يحصل الشفاء إلا به. وأما إذا اعتقد أنه سبب للشفاء، وأن الله هو الشافي، فلا بأس به. ويجوز أن يكون النهي عنه من قبيل التوكل، كقوله: ((هم الذي لا يسترقون ولا يكتوون، وعلي ربهم يتوكلون)). والتوكل درجة أخرى غير الجواز.
كقوله: ((ولقد رأيتني)) الواو قسمية، واللام جواب القسم، كأنه بين ما به اضطر إلي تمني الموت من ضر أصابه، إما مرض اكتوى بسببه، أو غنى خاف منه، والظاهر الثاني حيث عقب التمني بالجملة القسمية، وبين فيه تغير حالته: حالة صحبته مع رسول الله ﷺ وحالته يومئذ، ثم قاس حاله في جودة الكفن علي حال عم رسول الله ﷺ وصنو أبيه مع تكفينه.
قوله: ((وإن في جانب بيتي)) ((إن)) مشددة، واللام دخلت في اسم ((إن)) كما في قوله تعالي: ((إن في خلق السموات والأرض – إلي قوله – لآيات لأولي الألباب﴾. فإن قلت: ((لكن)) تستدعي المخالفة بالنفي والإثبات بين الكلامين لفظاً أو معنى، فأين المخالفة هاهنا؟ قلت: المعنى إني تركت متابعة أولئك السادة الكرام، وما اقتفيت أثرهم حيث هيأت لكفني مثل هذا الثوب النفيس، لكن حمزة سار بسيرهم، فما وجد ما يواريه حيث جعل علي قدميه الإذخر.
стр. 920
قال: ثم أتي بكفنه، فلما رآه بكى، وقال لكن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء إذا جعلت علي رأسه قلصت عن قدميه، وإذا جعلت علي قدميه قلصت عن رأسه، حتى مدت علي رأسه، وجعل علي قدميه الإذخر. رواه أحمد؛ والترمذي؛ إلا أنه لم يذكر: ثم أتي بكفنه إلي آخره.
(٣) باب ما يقال عند من حضره الموت
الفصل الأول
١٦١٦ - عن أبي سعيد وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله ﷺ : ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)) رواه مسلم.
١٦١٧ - وعن أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيراً، فإن الملائكة يؤمنون علي ما تقولون)) رواه مسلم.
١٦١٨ - وعنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله به: ﴿إن لله وإنا إليه راجعون﴾، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها؛ إلا أخلف الله له خيراً منها)). فلما مات أبو سلمة، قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلي رسول الله ﷺ ؟ ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ﷺ . رواه مسلم.
ــ
وقوله: ((ملحاء)) ((نه)) أي بردة فيها خطوط سود وبيض. و ((قلصت)) أي اجتمعت وانضمت، وأكثر ما يقال فيما يكون إلي فوق. و ((الإذخر)) - بكسر الهمزة- حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب، وهمزتها زائدة.
باب ما يقال عند من حضره الموت
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي سعيد: قوله: ((لقنوا موتاكم)) أي من قرب منكم من الموت سماه باعتبار ما يؤول إليه مجازاً، وعليه يحمل قوله ﷺ : ((اقرأوا علي موتاكم يس)) وسيجيء ذكر فائدة التخصيص بكلمة التوحيد وسورة يس بعيد هذا.
الحديث الثاني، والثالث عن أم سلمة: قوله: ((ما أمره الله به إنه لله)) الآية، فإن قلت: أين
стр. 921
١٦١٩ - وعنها، قالت: دخل رسول الله ﷺ علي أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: ((إن الروح إذا قبض تبعه البصر)) فضج ناس من أهله، فقال: ((لا تدعوا علي أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون علي ما تقولون))، ثم قال: ((اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره، ونور له فيه)) رواه مسلم.
ــ
الأمر في التنزيل؟ قلت: لما أمره بالبشارة، وأطلقها ليعم كل مبشر به، وأخرجه مخرج الخطاب العام، لئلا يختص بالبشارة أحد دون أحد، نبه علي تفخيم الأمر وتعظيم شأن هذا القول، فنبه بذلك علي كون القول مطلوباً ومهتماً بالشأن، وليس الأمر إلا طلب الفعل؛ وذلك أن قوله: ((إنا لله)) تسليم وإقرار أنه وما يملكه وما ينسب إليه عارية مستردة، ومنه بدأ وإليه الرجوع والمنتهي، فإذا وطن نفسه به، وتصبر علي ما أصابه، سهل عليه الأمر، وعرف فضيلة مطلوبه، ولم يرد بقوله: ﴿قالوا إنا لله﴾ اللفظ فقط؛ فإن التلفظ بذلك مع الجزع قبيح وسخط للقضاء.
قوله: ((آجرني في مصيبتي)) ((نه)): آجره يؤجره: إذا أثابه وأعطاه الأجرة والجزاء، وكذلك أجره يأجره، والأمر منها: أجرني وآجرني. وقوله: ((خيراً منها)) أي بما فات عني في هذه المصيبة، وهو الأمر المكروه ينزل بالإنسان.
قوله: ((أي المسلمين)) تعجبت من تنزيل قوله ﷺ : ((إلا أخلف الله له خيراً منها علي مصيبتها؛ استعظاماً لأبي سلمة.
الحديث الرابع عن أم سلمة: قوله: ((وقد شق بصره)) ((نه)): شق بصر الميت- بفتح الشين ورفع الراء- إذا نظر إلي شيء لا يرتد إليه طرفه. وضم الشين منه غير مختار. وقوله: ((إن الروح إذا قبض تبعه البصر)) يحتمل أن يكون علة للإغماض، كأنه قال: أغمضته؛ لأن الروح إذا فارق في الذهاب، فلم يبق لانفتاح بصره فائدة، وأن يكون علة للشق، والمعنى: أن المحتضر يتمثل له الملك المتوفي لروحه فينظر إليه شزراً، ولا يرتد طرفه حتى يفارقه الروح، وتضمحل بقايا قوى البصر، ويبقى البصر علي تلك الهيئة. ويعضده ما روى أبو هريرة عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره؟)) قالوا: بلي، قال: فذلك حين يتبع بصره نفسه)) أخرجه مسلم.
وغير مستنكر من قدرة الله سبحانه وتعالي أن يكشف عنه الغطاء ساعتئذ حين يبصر ما لم يكن يبصر.
стр. 922
١٦٢٠ - وعن عائشة، قالت: إن رسول الله ﷺ حين توفي سجي ببرد حبرة. متفق عليه.
الفصل الثاني
١٦٢١ - عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة)) رواه أبو داود. [١٦٢١]
ــ
قوله: ((لا تدعوا علي أنفسكم)) ((مظ)): أي لا تقولوا شراً، نحو ((يا ويلي)) أي الويل لي، وما أشبه ذلك. أقول: ويمكن أن يقال: إنهم إذا تكلموا في حق الميت بما لا يرضاه الله حتى يرجع تبعته إليهم، فكأنهم دعوا علي أنفسهم بشر، أو يكون المعنى كما في قوله تعالي: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ يعني: بعضكم بعضاً.
قوله: ((في المهديين)) ((مظ)): أي اجعله في زمرة الذين هديتهم إلي الإسلام، ورفعت درجتهم. وقوله: ((واخلفه)) من خلف يخلف: إذا قام أحد مقام آخر بعده في رعاية أمره، وحفظ مصالحه. ((وفي عقبه)) في أولاده، ((في الغابرين)) في الباقين من الأحياء يعني كن خليفة له في أولاده الباقين، فاحفظ أمورهم ومصالحهم، ولا تكلهم إلي غيرك.
((شف)): قوله: ((في الغابرين)) بدل من قوله: ((في عقبه)) أي كن خليفة له في الباقين من عقبه. أقول: ويمكن أن يكون ((في عقبه)) متعلقاً بالفعل، و ((في الغابرين)) حالا من ((عقبه)) المعنى أوقع خلافتك في عقبه كائنين في جملة الباقين من الناس، بأن يستميل قلوب الناس إليهم حتى يكونوا مقبولين بينهم يراعون أحوالهم، ينفعون ولا يضرون.
الحديث الخامس عن عائشة: قوله: ((سجى)) أي غطى وستر. وقوله: ((برد حبرة)) الجوهري: الحبرة مثال العنبة، برد يمان، والجمع حبر وحبرات. وفي ((الغريبين)): الحبر من البرود ما كان موشياً مخططاً، فهو من إضافة العام إلي الخاص.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن معاذ: قوله: ((من كان آخر كلامه)). فإن قلت: كثير من المخالفين كاليهود يتكلمون بكلمة التوحيد، فلابد من ذكر قرينتها من قوله: محمد رسول الله. قلت: قرينتها صدورها عن صدر الرسالة، كقوله تعالي: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله﴾ الكشاف: إن قلت: هلا ذكر الإيمان برسول الله ﷺ ؟ قلت: لما علم واشتهر أن الإيمان
стр. 923
١٦٢٢ - وعن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اقرأوا سورة يس علي موتاكم)) رواه أحمد وأبو داود، وابن ماجه [١٦٢٢].
١٦٢٣ - وعن عائشة، قالت: إن رسول الله ﷺ قبل عثمان بن مظعون وهو ميت، وهو يبكي حتى سال دموع النبي ﷺ علي وجه عثمان. رواه الترمذي وأبو داود، وابن ماجه [١٦٢٣].
١٦٢٤ - وعنها قالت: إن أبا بكر قبل النبي ﷺ وهو ميت. رواه الترمذي، وابن ماجه [١٦٢٤].
١٦٢٥ - وعن حصين بن وحوح، أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي ﷺ
ــ
بالله قرينته الإيمان بالرسول؛ لاشتمال كلمة الشهادة والأذان والإقامة وغيرها عليهما مقترنين مزدوجين، كأنهما شيء واحد غير منفك أحدهما عن صاحبه، انطوى تحت ذكر الإيمان بالله الإيمان بالرسول ﷺ .
الحديث الثاني عن معقل: قوله: ((اقرأوا علي أمواتكم يس)) ((تو)): يحتمل أن يكون المراد بالميت الذي حضره الموت، فكأنه صار في حكم الأموات، وأن يراد من قضى نحبه وهو في بيته، أو دون مدفنه. قال الإمام في التفسير الكبير: الأمر بقراءة يس علي من شارف الموت مع ورود قوله ﷺ : ((لكل شيء قلب، وقلب القرآن يس)) إيذان بأن اللسان حينئذ ضعيف القوة، والأعضاء ساقطة المنة، لكن القلب قد أقبل علي الله بكليته، فيقرأ عليه ما يزاد به قوة قلبه، ويستمد تصديقه بالأصول، فهو إذن عمله ومهمه.
أقول- والعلم عند الله-: هذه السورة الكريمة إلي خاتمتها مشحونة بتقرير أمهات علم الأصول، وجميع المسائل المعتبرة التي أوردها العلماء في مصنفاتهم من النبوة، وكيفية الدعوة، وأحوال الأمم، وبيان خاتمتهم، وإثبات القدر، وأن أفعال العباد مستندة إلي الله تعالي، وإثبات التوحيد، ونفي الضد والند، وأمارات الساعة، وبيان الإعادة، والحشر، والحضور في العرصات، والحساب، والجزاء، والمرجع والمآل بعد الحساب، وبيان حصول ما يلذ به السمع، وتقر به الأعين، كما أوردناها مفصلة في فتوح الغيب، من أراد الوقوف عليها فليطلعها. فحق لذلك أن تقرأ عليه، ويذكر بها، وينبه علي أمهات أصول الدين.
стр. 924
يعوده، فقال: ((إني لا أرى طلحة إلا قد حدث به الموت، فآذنوني به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهرإني أهله)). رواه أبو داود [١٦٢٥]
الفصل الثالث
١٦٢٦ - وعن عبد الله بن جعفر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين)) قالوا: يا رسول الله! كيف للأحياء؟ قال: ((أجود وأجود)) رواه ابن ماجه [١٦٢٦]
١٦٢٧ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل صالحاً قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا تزال يقال لها
ــ
الحديث الثالث والرابع عن حصين: قوله: ((لجيفة مسلم)) وصف مناسب للحكم بعدم الحبس، وذلك أن المؤمن عزيز مكرم، فإذا استحال جيفة ونتناً، استقذره النفوس وتنبو عنه الطباع فيهان، فينبغي أن يسرع فيما يواريه، فيستمر علي عزته، فذكر الجيفة ها هنا كذكر السوأة في قوله تعالي: ﴿ليريه كيف يواري سوأة أخيه﴾ السوأة: الفضيحة لقبحها. قوله: ((بين ظهرإني أهله)) أي بين أهله. و ((الظهر)) مقحم، وقد مر تحقيقه. والعرب تضع الاثنين مقام الجمع.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((كيف للأحياء)) أي كيف ذلك التلقين للأحياء، أيحسن أم لا؟ فأجاب؟: أجود وأجود، والتكرير للاستمرار، أي جودة مضمومة إلي جودة، وهذا معنى الواو فيه.
الحديث الثاني عن أبي هريرة: قوله: ((كانت في الجسد الطيب)) والظاهر ((كنت)) ليطابق النداء و ((اخرجي))، لكن اعتبر اللام الموصولة، أي النفس التي طابت كائنة في السجد الطيب. ويحتمل أن تكون صفة أخرى للنفس؛ لأن المراد منها ليس نفساً معينة، بل الجنس مطلقاً، كقوله: ولقد أمر علي اللئيم يسبني.
قوله: ((بروح وريحان)) نظيره في اللفظ والسياق قوله تعالي: ﴿فروح وريحان وجنة نعيم﴾ بروح: أي باستراحة، والريحان: الرزق. ولو روي بالضم كان بمعنى الرحمة؛ لأنها كالحياة للمرحوم. وقيل: البقاء. أي هذان له معاً، وهو الخلود مع الرزق.
стр. 925
ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلي السماء فيفتح ليها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقال: مرحباً بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضاب، فلا تزال يقال لها ذلك، حتى تنتهي إلي السماء التي فيها الله، فإذا كان الرجل السواء، قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فما تزال يقال لها ذلك، حتى تخرج، ثم يعرج بها إلي السماء، فيفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحباً بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لا تفتح لك أبواب السماء، فترسل من السماء ثم تصير إلي القبر)). رواه ابن ماجه [١٦٢٧]
ــ
قوله: ((ورب غير غضبان)) تقرير للأول علي الطرد والعكس، كقوله تعالي: ﴿أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم﴾ ونحوه في المعنى قوله تعالي: ﴿يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلي ربك راضية مرضية﴾. قوله: ((إلي السماء التي فيها الله)) يعني الجنة، ونحوه قوله تعالي: ﴿وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله﴾ فيطابق الحديث الآيتين، وهما ﴿وادخلي جنتي﴾ ﴿وجنة نعيم﴾.
قوله: ((وأبشري)) بجهنم وضع موضع أنذري، إما علي سبيل الاستعارة التهكمية كقوله تعالي: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ أو علي المشاكلة والازدواج. ((وحميم وغساق)) مقابل لـ ((روح وريحان)) الغساق- بالتخفيف والتشديد- ما يغسق من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين، إذا سال دمعها. قيل: لو قطرت قطرة في المشرق لنتنت أهل المغرب. وعن الحسن: الغساق: عذاب لا يعلمه إلا الله. وقوله تعالي: ﴿وآخر من شكله أزواج﴾ أي وآخر مذوقاته من مثل الغساق في الشدة والفظاعة و ﴿أزواج﴾، أي أجناس، ﴿وآخر﴾ في محل الجر عطف علي ﴿حميم﴾ و ﴿أزواج﴾ صفة لـ ﴿آخر﴾ وإن كان مفرداً؛ لأنه في تأويل الضروب والأصناف، كقول الشاعر: معاً جياعاً.
стр. 926
١٦٢٨ - وعنه، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها)). قال حماد: فذكر من طيب ريحها وذكر المسك، قال: ((ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من أرض طيبة، صلي الله عليك وعلي جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلي ربه، ثم يقول: انطلقوا به إلي آخر الأجل)). قال: ((وإن الكافر إذا خرجت روحه)) قال حماد: وذكر من نتنها وذكر لعا ((ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، فيقال: انطلقوا به إلي آخر الأجل)) قال أبو هريرة: فرد رسول الله ﷺ ريطة كانت عليه علي أنفه هكذا. رواه مسلم.
١٦٢٩ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا حضر المؤمن أتت ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضياً عنك إلي روح الله وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضاً حتى
ــ
الحديث الثالث: عن أبي هريرة: قوله: ((قال حماد)) هو حماد بن زيد، أحد رواة هذا الحديث. وقوله: ((فذكر من طيب ريحها)) ويحتمل أن يكون فاعل ((فذكر)) رسول الله أو الصحابي، يريد أنه ﷺ وصف طيب ريحها، وذكر المسك، لكن لم يعلم أن ذلك كان علي طريقة التشبيه، أو الاستعارة، أو غير ذلك.
قوله: ((صلي الله عليك)) التفت فيها من الغيبة في قوله: ((جاءت)) إلي الخطاب. وفائدته مزيد اختصاص بالصلاة عليها. وقوله: ((تعمرينه)) استعارة شبه تدبيرها الجسد بالعمل الصالح عمارة من يتولي المدينة ويعمرها بالعدل والصلاح.
قوله: ((إلي آخر)) يعلم من هذا أن لكل أحد أجلين، أولاً وآخراً، ويشهد له قوله تعالي: ﴿ثم قضي أجلاً وأجل مسمى عنده﴾ أي أجل الموت، وأجل القيامة. قوله: ((فيقال: انطلقوا)) ذكر هنا ((فيقال)) وثمة ((ثم يقول)) مراعاة لحسن الأدب حيث نسب الرحمة إلي الله تعالي، والغضب لم ينسب إليه، كما في قوله تعالي: ﴿أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم﴾.
قوله: ((ريطة)) ((نه)): الريطة كل ملاءة ليست لفقين، وقيل: كل ثوب رقيق لين، والجمع ريط ورياط، رد صلوات الله عليه الريطة علي الأنف، لما كوشف له وشم من نتن ريح روح الكافر، كما أنه ﷺ غطى رأسه حين مر بالحجر لما شاهد من عذاب أهلها.
الحديث الرابع عن أبي هريرة: قوله: ((فتخرج كأطيب ريح المسك)) الكاف صفة مصدر محذوف، أي تخرج خروجاً مثل ريح مسك تفتق فارتها، وهو قد فاق علي سائر أرواح المسك.
стр. 927
يأتوا به أبواب السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض! فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحاً به من أحدكم بغائبة يقدم عليه فيسألونه: ماذا فعل فلان، ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه، فإنه كان في غم الدنيا. فيقول: قد مات: أما أتاكم؟ فيقولون: قد ذهب به إلي أمه الهاوية. وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح، فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطاً عليك إلي عذاب الله . فتخرج كأنتن ريح جيفة، حتى يأتون به باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح، حتى يأتون به أرواح الكفار)) رواه أحمد والنسائي [١٦٢٩].
ــ
قوله: ((فلهم أشد فرحاً)) ((لهم)) مبتدأ و ((أشد)) خبره واللام للابتداء مؤكدة نحوها في قوله تعالي: ﴿لهو خير للصابرين﴾. ولا يبعد أن تكون جارة، أي لهم فرح أشد فرحاً، فيلزم أن يكون الفرح فرحاً، نحو قوله تعالي: ((أو أشد خشية)) في وجه. والفاء داخلة علي الجملة، كما في قوله: ﴿فروح وريحان﴾، أي فله روح وريحان، لكنها جزائية، وهذه للتعقيب. وقوله: ((بغبائه)) متعلق بمحذوف، و ((يقدم)) حال من ((غائبه)) أي من فرح أحدكم بغائبه حال قدومه.
قوله: ((ماذا فعل فلان)) أي كيف حاله وشأنه، ((والأم)) مصيره، ((فيقولون)) أي يقول بعض أولئك لبعض: دعوا القادم وسؤاله، فإنه حديث عهد بتعب الدنيا.
قوله: ((ذهب به)) لابد من تقدير الفاء، كما في قول الشاعر:
من يفعل الحسنات الله يشكرها
وقوله تعالي: ﴿يدرككم الموت﴾ في وجه، أي إذا كان الأمر كما قلت إنه مات ولم يلحق بنا، فقد ذهب به إلي أمه الهاوية لقوله تعالي: ﴿فأمه هاوية﴾ ((والهاوية)) من أسماء النار، وكأنها النار العميقة يهوي أهل النار فيها مهوى بعيداً. وقيل للمأوى: أم علي التشبيه؛ لأن الأم مأوى الولد ومفزعه، كقوله تعالي: ﴿مأواكم النار﴾ فالهاوية في الآية خبر لـ ((أمه))، وفي الحديث بدل أو عطف بيان له.
قوله: ((بمسح)) الجوهري: المسح البلاس، والجمع أمساح ومسوح، وقوله: ((باب الأرض)) أي باب سماء الأرض، يدل عليه الحديث السابق ((ثم يعرج بها إلي السماء)). ويحتمل أن يراد بالباب باب الأرض، فيرده إلي أسفل السافلين حيث أرواح الكفار. والله أعلم.
стр. 928
١٣٦٠ - وعن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلي القبر، ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله، كأن علي رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: ((استعيذوا بالله من عذاب القبر)) مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: ((إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه الملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت ﵇، حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة! اخرجي إلي مغفرة من الله ورضوان)) قال: ((فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت علي وجه الأرض)) قال: ((فيصعدون بها، فلا يمرون- يعني بها- علي ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟! فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلي السماء الدنيا، فيستفتحون لها، فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلي السماء التي تليها، حتى ينتى به إلي السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلي الأرض فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى)) قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيلجسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا
ــ
الحديث الخامس عن البراء ﵁: قوله: ((ولما يلحد)) ((لما)) بمعنى ((لم)) إلا أن فيه ضرباً من التوقع، فدل علي نفي اللحد فيما مضي، وعلي توقعه فيما يستقبل. وقوله: ((كأن علي رءوسنا الطير)) كناية علي إطراقهم رءوسهم، وسكونهم، وعدم التفاتهم يميناً وشمالاً. ((وينكت به)) أي يؤثر بطرف العود الأرض فعل المفكر المهموم. و ((الحنوط)) ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصة. وقوله: ((فإذا أخذها لم يدعوها)) إشارة إلي أن ملك الموت إذا قبض روح العبد، يسلمها إلي أعوانه الذين معهم كفن من أكفان الجنة، ولذلك أفرد الضمير ثم جمعه. و ((كأطيب)) صفة موصوف محذوف هو فاعل ((يخرج)) أي يخرج منه رائحة كأطيب نفسحة مسك.
стр. 929
الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ . فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فأمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: أن قد صدق عبدي؛ فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلي الجنة)) قال: ((فيأتيه من روحها وطيبها، فيفسح له في قبره مد بصره)) قال: ((ويأتيه رل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة! رب أقم الساعة! حتى أرجع إلي أهلي ومالي)). قال: ((وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسموح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلي سخط من الله)) قال: ((فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينزع السفود من الصفوف المبلل، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في ديه طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسموح، وتخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت علي وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها علي ملأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلي السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له))، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون
ــ
قوله: ((فوجهك)) الوجه)) مثل قوله: أنا أبو النجم وشعري شعري. والجملة الفعلية بعده استئنافية، لما سره بتلك البشارة، قال له: إني لأعرفك من أنت، حتى أجازيك بالثناء والمدح، فوجهك هو الكامل في الحسن والجمال، ونهاية في الكمال، وحق لمثل هذا الوجه أن يجيء بالخير، ويبشر بمثل هذه البشارة. فعلي هذا ((من أنت)) مضمن معنى المدح مجملاً. والفاء لتعقيب البيان بالمجمل وعلي عكس هذا قول الشقي للملك: ((من أنت فوجهك الوجه)). وقوله: ((أقم الساعة)) لعله عبارة عن طلب إحيائه لكي يرجع إلي الدنيا ويزيد في العمل الصالح والإنفاق في سبيل الله، حتى يزيد ثواباً ويرفع درجاته.
قوله: ((فتفرق)) أي فتفرق الروح في جسده كراهة الخروج إلي ما يسخن عينه من العذاب الأليم، كما أن روح المؤمن تخرج وتسيل كما تسيل القطرة من السقاء، فرحاً إلي ما تقر به عينه من الكرامة والنعيم. شبه نزع روح الكافر من أقصى عرقه بحيث تصحبها العروق، كما قال في الرواية الأخرى: ((وينزع نفسه من العروق كنزع السفود)) وهو الحديدة التي يشوى بها اللحم، فيبقى معها بقية من المحروق فيستصحب عند الجذب شيئاً من ذلك الصوف مع قوة وشدة،
стр. 930
الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ فيقول الله : اكتبوا كتابة في سجين، في الأرض السفي، فتطرح روحه طرحاً)) ثم قرأ: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾ فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب، فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلي النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الكريم يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب! لا تقم الساعة)). وفي رواية نحوه وزاد فيه: ((إذا خرج روحه صلي عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم. وتنزع نفسه- يعني الكافر- مع العروق، فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، ولك ملك في السماء، وتغلق أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن لا يعرج روحه من قبلهم)). رواه أحمد [١٦٣٠].
ــ
وبعكسه شبه خروج روح المؤمن من جسده بترشح الماء وسيلانه من القربة المملوءة ماء مع سهولة ولطف.
قوله تعالي: ﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ ((سم)) الإبرة، مثل في ضيق المسلك، و ((الجمل)) مثل في عظم الجرم. فقيل: لا يدخلون الجنة حتى يكون ما لا يكون أبداً من ولوج هذا الحيوان الذي لا يلج إلا في باب واسع في ثقب الإبرة.
قوله: ﴿أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾ أي عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة، وهذا استشهاد مجرد لقوله ﷺ في سجين: ((في الأرض السفلي)) فيطرح
стр. 931
١٦٣١ - وعن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه، قال: لما حضرت كعباً الوفاة أتته أم مبشر بنت البراء بن مغرور، فقالت: يا أبا عبد الرحمن! إن لقيت فلاناً فاقرأ عليه مني السلام. فقال: غفر الله لك يا أم بشر! نحن أشغل من ذلك. فقالت: يا أبا عبد الرحمن! أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أرواح المؤمنين في طير خضر تعلق بشجر الجنة))؟ قال: بلي. قالت: فهو ذاك. رواه ابن ماجه، والبيهقي في كتاب تعلق بشجر الجنة))؟ قال: بلي. قالت: فهو ذاك. رواه ابن ماجه، والبيهقي في كتاب ((البعث والنشور)) [١٦٣١].
١٦٣٢ - وعنه، عن أبيه، أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما نسمة المؤمن طير تعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله في جسده يوم يبعثه)). رواه مالك، والنسائي، والبيهقي في كتاب ((البعث والنشور)) [١٦٣٢].
١٦٣٣ - وعن محمد بن المنكدر، قال: دخلت علي جابر بن عبد الله وهو يموت، فقلت: اقرأ علي رسول الله ﷺ . رواه ابن ماجه [١٦٣٣].
ــ
روحه طرحاً، لا أنه بيان لحال الكافر حينئذ؛ لأنه شبه في الآية من أشرك بالله الساقط من السماء، والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المههاوي المتلفة. والله أعلم.
الحديث السادس عن عبد الرحمن: قوله: ((قالت: يا أبا عبد الرحمن! أما سمعت)) إلي آخره، جواب عند اعتذاره بقوله: ((نحن أشغل من ذلك)) أي لست أنت ممن يشتغل عما كلفتك، بل أنت ممن قال فيه رسول الله ﷺ كيت وكيت.
الحديث السابع والثامن عن عبد الرحن: قوله: ((تعلق بشجر الجنة)) الجوهري: علقت الإبل العضاه، تعلق- بالضم- إذا تسنمتها وتناولتها بأفواهها، ومنه الحديث ((أرواح الشهداء في
стр. 932
(٤) باب غسل الميت وتكفينه
الفصل الأول
١٦٣٤ - وعن أم عطية، قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ ونحن نغسل ابنته،
ــ
حواصل الطير خضر تعلق النسمة من ورق الجنة)) انتهي كلامه. ولعل الظاهر أن يقال: تعلق من شجر الجنة، وتعديته بالباء يفيد الاتصال والإلحاق، لعله كنى به عن الأكل؛ لأنها إذا اتصلت بشجرة الجنة وتشبثت بها أكلت من ثمارها.
((مح)): فيه بيان أن الجنة مخلوقة موجودة، وهو مذهب أهل السنة. قال القاضي عياض: وفيه أن الأرواح باقية لا تفنى، فيتنعم المنعم ويعذب المسيء، وقد جاء به القرآن والآثار.
قوله: ((إنما نسمة المؤمن)) ((مح)): النسمة تطلق علي ذات الإنسان جسماً وروحاً، وعلي الروح مفردة، وهو المراد بها ها هنا، لقوله: ((حتى يرجعه الله في جسده)).
قوله: ((طير)) وفي رواية ((في جوف طير خضر)) وفي أخرى ((كطير خضر)) وفي أخرى ((بحواصل طير)) وفي أخرى ((في صورة طير بيض)). قال القاضي عياض: والأشبه أو أصحه قول من قال: طير. أو صورة طير- وهو الأكثر- لاسيما مع قوله في حديث ابن مسعود: ((ويأوي إلي قناديل تحت العرش)) وليس هذا بمستبعد، إذ ليس للأقيسة والعقول فيه حكم ومجال، فإذا أراد الله أن يجعل من ذلك شيئاً، قال له: كن فيكون.
وقيل: إن هذا المنعم والمعذب من الأرواح حزء من الجسد تبقى فيه الروح، فهو الذي يلام ويعذب، ويلتذ وينعم، ويقول: رب ارجعون، ويسرح من شجر الجنة في جوف طير، أو في صورته، وفي قناديل تحت العرش، كل ذلك غير مستحيل من قدرة الله تعالي: وقال: ذكر في قوله: ((نسمة المؤمن)) هي الشهداء؛ لأن هذا صفتهم، لقوله تعالي: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين﴾ وأما غيرهم فإنما يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي. وقيل: بل المراد جميع المؤمنين الذين يدخلون الجنة بغير عذاب، بدليل عموم الحديث. والله أعلم.
باب غسل الميت وتكفينه
الفصل الأول
الحديث الأول عن أم عطية: قوله: ((ابنته)) أي زينب بنت النبي ﷺ . قوله: ((ثلاثاً أو خمساً)) ((قض)): ((أو)) فيه للترتيب دون التخيير؛ إذ لو حصل النقاء بالغسلة الأولي استحب
стр. 933
فقال: ((اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور، فإذا فرغتن فآذنني)). فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوه، فقال: ((أشعرنها إياه)) وفي رواية: ((اغسلنها وتراً: ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها)) وقالت: فضفرنا شعرها ثلاثة قرون فألقيناها خلفها. متفق عليه.
١٦٣٥ - وعن عائشة، ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب يمإنية، بيض سحولية، من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة. متفق عليه.
ــ
التثليث، وكره التجاوز عنه، وإن حصل بالثانية أو بالثالثة استحب التخميس وإلا فالتسبيع.
قوله: ((إن رأيتن ذلك)) - بكسر الكاف- خطاب لأم عطية، و ((رأيت)) بمعنى الرأي، يعني إن احتجن إلي أكثر من ثلاث أو خمس للإنقاء لا للتشهي فافعليه. قوله: ((بماء وسدر)) ((قض)): هذا لا يقتضي استعمال السدر في جميع الغسلات، والمستحب استعماله في الكرة الأولي؛ ليزيل الأقذار، ويمنع منه تسارع الفساد، والكافور لدفع الهوام.
قوله: ((فألقى إلينا حقوه)) ((نه)): أي إزاره، والأصل في الحقو معقد الإزار، وجمعه أحق وأحقاء، ثم سمي به الإزار للمجاورة. قوله: ((أشعرنها إياه)) الضمير الأول للغاسلات، والثاني للميت، والثالث للحقو، أي اجعلن هذا الحقو تحت الأكفان بحيث يلاصق بشرتها، والمراد منه إيصال بركته ﷺ إليها. قوله: ((فضفرناها)) من الضفيرة، وهي النسج، ومنه ضفر الشعر، وإدخال بعضه في بعض.
الحديث الثاني عن عائشة: قوله: ((سحولية)) ((فا)): يروى بفتح السين وضمها، فالفتح منسوب إلي السحول، وهو القصار؛ لأنه يسحلها، أي يغسلها، أو إلي السحول وهي قرية باليمن. وأما الضم فهو جمع سحل، وهو الثوب الأبيض النقي، ولا يكون إلا من قطن. وفيها شذوذ، لأنها نسبت إلي الجميع. وقيل: إن اسم القرية بالضم أيضاً، وكره الشافعي ﵁ القميص، والحديث ينصره.
((مح)): قال مالك، وأبو حنيفة: يتسحب قميص وعمامة، والمعنى: ليس القميص والعمامة من جملة الثلاثة، وإنما زائدتان ((فليس)) بمعنى سوى، وهو ضعيف، إذ لم يثبت أنه ﷺ كفن في قميص وعمامة، [وفي الحديث دليل علي أن القميص الذي غسل فيه النبي ﷺ نزع عنه عند تكفينه؛ لأنه لو لم ينزع لأفسد الأكفان لرطوبته].
стр. 934
١٦٣٦ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه)). رواه مسلم.
١٦٣٧ - وعن عبد الله بن عباس، قال: إن رجلاً كان مع النبي ﷺ فوقصته ناقته وهو محرم فمات، فقال رسول الله ﷺ : ((اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا خمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا)). متفق عليه.
وسنذكر حديث خباب: قتل مصعب بن عمير في ((باب جامع المناقب)) إن شاء الله تعالي.
الفصل الثاني
١٦٣٨ - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، ومن خير أكحالكم الإثمد، فإنه
ــ
الحديث الثالث عن جابر: قوله: ((فليحسن كفنه)) ((حس)): أي فليختر من الثياب أنظفها وأتمها، علي ما ورد به السنة، ولم يرد ما يفعله المبذرون أشراً ورياء. وروى علي ﵁ عن النبي ﷺ : ((لا تغالوا في الكفن، فإنه يسلب سلباً سريعاً)). ((تو)): وما يؤثره المبذرون من الثياب الرقيقة منهي عنه بأصل الشرع لإضاعة المال.
الحديث الرابع عن عبد الله: قوله: ((فوقصته)) ((نه)): الوقص كسر العنق يقال: وقصت عنقه، أقصها وقصا، ووقصت به راحلته، كقولك: خذ الخطام وخذ بالخطام. ولا يقال: وقصت العنق نفسها، ولكن يقال: وقص الرجل فهو موقوص.
قوله: ((ولا تخمروا رأسه)) ((مظ)): مذهب الشافعي وأحمد ﵄ أن المحرم يكفن بلباس إحرامه، ولا يستر رأسه، ولا يمس طيباً؛ فإنه يبعث يوم القيامة قائلاً: لبيك اللهم لبيك. ومذهب أبي حنيفة، ومالك ﵄ أن حكمه كحكم سائر الموتى. قوله: ((حديث خباب)) قيل: مجهول حكاية ما في الحديث بدل من قوله: ((حديث خباب))، أي سنذكر هذا اللفظ وهو قتل مصعب بن عمير في باب جامع المناقب.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن ابن عباس: قوله: ((ومن خير أكحالكم)) عطف علي قوله: ((البسوا))، وإنما أبرز الأول في صورة الأمر اهتماماً بشأنه، وأنه من السنة المدوب إليها، وأخبر عن الثاني
стр. 935
ينبت الشعر ويجلو البصر)) رواه أبو داود، والترمذي وروى ابن ماجه إلي ((موتاكم)) [١٦٣٨].
١٦٣٩ - وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلباً سريعاً)) رواه أبو داود [١٦٣٩].
١٦٤٠ - وعن أبي سعيد الخدري، أنه لم حضره الموت دعا بثياب جدد، فلبسها، ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها)) رواه أبو داود [١٦٤٠].
ــ
للإيذان بأنه من خير دأب الناس وعادتهم، وجمع بينهما لمناسبة الزينة يتزين بهما المتميزون من الصلحاء، ولذلك جاء في حديث جبريل ﵇ ((شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر)) وعلل الاكتحال بالإثمد بقوله: ((ينبت الشعر)) أي شعر الأهداب؛ لأنه زينة. وأما توسيط ذكر الكفن فكان لاستطراد لذكر الأول دون الثاني.
الحديث الثاني عن علي: قوله: ((لا تغالوا في الكفن)) ((نه)): أي لا تغالوا في كثرة ثمنه، وأصل الغلاء الارتفاع، ومجاوزة القدر في كل شيء، يقال: غاليت الشيء وبالشيء، وغلوت فيه، أغلو إذا جاوزت فيه الحد.
قوله: ((فإنه يسلب سلباً سريعاً)) علة للنهي، كأنه قيل: لا تشتروا الكفن بثمن غال، فإنه يبلي سريعاً، وهو تبذير، قال تعالي: ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾ واستعير البلاء الثوب السلب؛ تتميماً لمعنى السرعة.
الحديث الثالث عن أبي سعيد: قوله: ((بثياب جدد)) ((نه)): قال الخطابي: أما أبو سعيد، فقد استعمل الحديث علي ظاهره، وقد روي في حديث الكفن أحاديث. قال: وقد تأوله بعض العلماء علي المعنى، وأراد به الحالة التي يموت عليها من الخير والشر، وعمله الذي يختم له به، يقال: فلان طاهر الثياب، إذا وصفوه بطهارة النفس، والبراءة من العيب. وجاء في تفسير قوله تعالي: ﴿وثيابك فطهر﴾ أي عملك فأصلح. ويقال: فلان دنس الثياب إذا كان خبيث الفعل والمذهب، وهو كالحديث الآخر ((يبعث العبد علي ما مات عليه)) قال الهروي: وليس قول من ذهب به إلي الأكفان بشيء؛ لأن الإنسان إنما يكفن بعد الموت.
((تو)) وقد كان في الصحابة رضوان الله عليهم من يقصر فهمه في بعض الأحايين عن المعنى المراد- والناس متفاوتون في ذلك، فلا يعد أمثال ذل عليهم- وقد سمع غدي بن حاتم رضي
стр. 936
١٦٤١ - وعن عبادة بن الصامت، عن رسول الله ﷺ قال: ((خير الكفن الحلة، وخير الأضحية الكبش الأقران)) رواه أبو داود. [١٦٤١]
ــ
الله عنه ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ فعمد إلي عقالين أسود وأبيض، فوضعهما تحت وساده الحديث. وقد رأي بعض أهل العلم الجمع بين الحديثين، فقال: البعث غير الحشر، فقد يجوز أن يكون البعث مع الثياب، والحشر علي العري والحفا. قال الشيخ: ولم يصنع هذا القائل شيئاً؛ فإنه ظن أنه نصر السنة، وقد ضيع أكثر مما حفظ، فإنه سعى في تحريف سنن كثيرة ليسوي كلام أبي سعيد. وقد روينا عن أفضل الصحابة أنه أوصى أن يكفن في ثوبيه، وقال: إنما هما للمهل والتراب. ثم إن النبي ﷺ قال في هذا الحديث: ((الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها))، وليس لهم أن يحملوها علي الأكفان؛ لأنها بعد الموت.
((قض)): العقل لا يأبي حمله علي ظاهره حسبما فهم منه الراوي؛ إذ لا يبعد إعادة ثيابه بشيء دون شيء، غير أن عموم قوله: ((يحشر الناس حفاة عراة)) حمل جمهور أهل المعإني وبعثهم علي أن أولوا الثياب بالأعمال التي يموت عليها من الصالحات والسيئات، والعرب تستعير الثياب للأعمال؛ فإن الرجل يلابسها كما يلابس. قال الراجز:
لكل دهر قد لبست ثوبا حتى اكتسى الرأس قناعاً أشيبا
أقول: الجواب عن قول الشيخ التوربشتي في قوله: ((إنما هما للمهل والتراب)) ما قاله القاضي: ((العقل لا يأبي حمله علي ظاهره)) إلي آخره صحيح، لكن قول الهروي: ((ليس لهم أن يحملوها علي الأكفان؛ لأنها بعد الموت)) قوي متين، ويعضده إخراج ((يموت)) علي المضارع الدال علي االاستمرار، وأن فعل الطاعات والحسنات دأبه وعادته، كما يقال: فلان يحمي الحريم، ويقري الضعيف. وأما العذر عن الصحابي ﵁، فإنه يقال: أنه عرف مغزى الكلام، لكنه سلك سبيل الإبهام، وحمل الكلام علي غير ما يترقب، لما سمع من قوله ﷺ : ((الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها)) ويحضر به تلك الثياب، وهو علي شرف الموت، ونحوه فعل رسول الله ﷺ في قوله تعالي: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ والظاهر التثكير حيث قال: ((سأزيد علي السبعين)). ((الكشاف)): خيل رسول الله ﷺ بما قال إظهاراً لغاية رحمته ورأفته علي من بعث إليه.
الحديث الرابع عن عبادة: قوله: ((الحلة)) ((نه)) الحلة واحدة الحل، وهي برود اليمين بدليل هذا الحديث، والأصح أن الثوب الأبيض أفضل، لحديث عائشة ﵂ ولعل فضيلة الكبش الأقرن علي غيره في الأضحية؛ لكونه أعظم جثة وسمناً في الغالب.
стр. 937
١٦٤٢ - ورواه الترمذي، وابن ماجه. عن أبي أمامة [١٦٤٢].
١٦٤٣ - وعن ابن عباس، قال: أمر رسول الله ﷺ بقتلي أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم. رواه أبو داود، وابن ماجه [١٦٤٣].
الفصل الثالث
١٦٤٤ - وعن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، أن عبد الرحمن بن عوف أتي بطعام وكان صائم، فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كفن في بردة، إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، ولقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي، حتى ترك الطعام. رواه البخاري.
ــ
الحديث الخامس عن ابن عباس: قوله: ((أن ينزع عنهم الحديد)) ((مظ)): أي السلاح والدرع، وأراد بالجلود ما معهم من الفروة والكساء غير الملطخ بالدم، ولا يغسل الشهيد، ولا يصلي عليه؛ لكرمه، فإنه مغفور له، هذا عند الشافعي. وأما عند أبي حنيفة ﵄: فلا يغسل لكن يصلي عليه.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن سعد: قوله: ((حسناتنا عجلت لنا)) يعني حقنا أن ندخل في زمرة من قيل في حقه: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما شاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحورا﴾ يعني من كان العاجلة همه، ولم يرد غيرها؛ لفضلنا عليهم من منافعنا بما نشاء لمن نريد، ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً. وقوله تعالي: ﴿أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾ يعني: أذهبتم ما كتب لكم من الطيبات، أي أصبتموه في دنياكم، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها. والمراد بالحظ الاستمتاع باللهو والتنعم الذي يشغل الرجل لالتذاذه به عن الدين وتكاليفه، حتى يعكف همته علي استيفاء اللذات، ولم يعش إلا ليأكل الطيب، ويلبس اللين، ويقطع أوقاته باللهو والطرب، ولا يعبأ بالعلم والعمل، ولا يحمل نفسه مشاقما. وأما من تمتع بنعمة الله وأرزاقه التي لم يخلقها إلا لعباده، ويقوى بها علي دراسة العلم والقيام بالعمل، وكان ناهضاً بالشكر، فهو عن ذلك بمعزل. روي أن النبي ﷺ أكل هو وأصحابه تمراً، وشربوا عليه ماءاً، فقال: ((الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين)).
стр. 938
١٦٤٥ - وعن جابر، قال: أتى رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي بعدما أدخل حفرته، فأمر به، فأخرج، فوضعه علي ركبتيه، فنفث فيه من ريقه، وألبس قميصه، قال: وكان كسا عباساً قميصاً. متفق عليه.
(٥) باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
الفصل الأول
١٦٤٦ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم)). متفق عليه.
ــ
الحديث الثاني عن جابر: قوله: ((عبد الله بن أبي)) ((خط)): منافق ظاهر النفاق، وأنزل في كفره ونفاقه آيات من القرآن تتلي، فاحتمل أنه ﷺ فعل ذلك قبل أن ينزل قوله : ﴿ولا تصل علي أحد منهم مات أبداً ولا تقم علي قبره﴾ وأن يكون تأليفاً لابنه، وإكراماً له، وكان مسلماً بريئاً من النفاق، وأن يكون مجازاة؛ لأنه كان قد كسى العباس عم النبي ﷺ قميصاً، وأراد رسول الله ﷺ ان يكافئه علي ذلك لئلا يكون لمنافق عنده يد لم يجازه عليها. وقال: في الحديث دليل علي جواز التكفين بالقميص، وإخراج الميت من القبر بعد الدفن لعلة أو سبب.
باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: ((فإن تك صالحة)) ((مظ)): أي فإن تكن الجنازة صالحة. الجنازة: بكسر الجيم الميت، وبالفتح السرير لا غير، فعلي هذا أسند الفعل إلي الجنازة وأراد به الميت. قوله: ((فخير تقدمونها إليه)) يعني حاله في القبر يكون حسناً طيباً، فأسرعوا به حتى يصل إلي تلك الحالة الطيبة عن قريب.
أقول: جعلت الجنازة عين الميت، ووصفت بأعماله الصالحة، ثم عبر عن الأعمال الصالحة بالخير، وجعلت الجنازة التي هي في مكان الميت مقدمة إلي ذلك الخير فبكني بالجنازة عن العمل مبالغة في كمال هذا المعنى، كما في قول ابن المناذر:
ما درى نعشه ولا حاملوه ما علي النعش من عفاف وجود
стр. 939
١٦٤٧ - وعن أبي سعيد [الخدري]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وضعت الجنازة، فاحتملها الرجال علي أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها: يا ويلها! أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمع الإنسان لصعق)). رواه البخاري.
١٦٤٨ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع)) متفق عليه.
ــ
ولما لاحظ في جانب العمل الصالح هذا، قابل قرينتها بوضع الشر عن الرقاب، وكان أثر عمل الرجل الصالح راحة له، فأمر بإسراعه إلي ما يستريح إليه، وأثر عمل الرجل الطالح مشقة عليهم، فأمر بوضع حيفته عن رقابهم. فالضمير في ((إليه)) راجع إلي الخير باعتبار الثواب أو الأكرام. وروى المالكي في التوضيح ((إليها)) بالتإنيث، وقال: أنث الضمير العائد علي الخير وهو مذكر، فكان ينبغي أن يقول: فخير قدمتموها إليه، لكن المذكور يجوز تإنيثه إذا أول بمؤنث، كتأويل الخير الذي تقدم إليه النفس الصالحة بالرحمة، أو بالحسنى أو بالبشرى.
وأقول: معنى الحديث ينظر إلي ما سبق من قوله ﷺ : ((مستريح أو مستراح منه)) أي يستريح إلي رحمة الله تعالي، أو يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب.
الحديث الثاني عن أبي سعيد: قوله: ((لأهلها)) أي قالت لأجل أهلها إظهاراً لوقوعه في الحزن والهلاك، والمشقة والعذاب. وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومعنى النداء فيه: يا حزني، يا هلاكي، يا عذابي! احضر، فهذا وقتك وأوانك. وأضاف الويل إلي ضمير الغائب حملاً علي المعنى، وعدل عن حكاية قول الجنازة ((يا ويلي)) كراهة أن يضيف الويل إلي نفسه. قوله: ((لصعق)) أي مات. ((نه)): الصعق أن يغشى علي الإنسان من صوت شديد يسمعه وربما مات منه، ثم استعمل في الموت منه كثيراً.
الحديث الثالث، والرابع عن أبي سعيد: قوله: ((فقوموا)) ((قض)): الباعث علي الأمر بالقيام أحد أمرين: إما ترحيب بالميت وتعظيمه، وإما تهويل الموت وتفظيعه، والتنبيه علي أنه بحال ينبغي أن يقلق ويضطرب من رأي ميتاً استشعاراً منه ورعباً، ولا يثبت علي حاله لعدم المبالاة، وقلة الاحتفال به. ويشهد له قوله ﷺ : ((إن الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا)) فإن ترتب الحكم علي الوصف لاسيما إذا كان بالفاء يدل علي أن الوصف علة الحكم، والفزع- بفتح الزاي- مصدر، جرى الوصف به للمبالغة، أو بتقدير ((ذي)). وقوله: ((ولا يقعد حتى توضع)) قيل: أراد به وضعها عن الأعناق، ويعضده رواية الثوري ((حتى توضع بالأرض)). وقيل: حتى
стр. 940
١٦٤٩ - وعن جابر، قال: مرت جنازة، فقام لها رسول الله ﷺ وقمنا معه، فقلنا: يا رسول الله! إنها يهودية. فقال: ((إن الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا)) متفق عليه.
١٦٥٠ - وعن علي، [﵁]، قال: رأينا رسول الله ﷺ قام فقمنا، وقعد فقعدنا. يعني في الجنازة. رواه مسلم. وفي رواية مالك وأبي داود: قام في الجنازة، ثم قعد بنا.
١٦٥١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، وكان معه حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد. ومن صلي عليها ثم رجع قبل أن تدفن، فإنه يرجع بقيراط)) متفق عليه.
ــ
توضع في اللحد. أقول: يؤيد الأول ما روى الترمذي عن أحمد وإسحاق قالا: من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن أعناق الرجال.
الحديث الخامس عن علي: قوله: ((قعد فقعدنا)) ((حس)): عن الشافعي: حديث علي ناسخ لحديث أبي سعيد ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا)). وقال أحمد وإسحاق: إن شاء قام، وإن شاء لم يقم. وعن بعض أصحاب النبي ﷺ : أنهم كانوا يتقدمون بالجنازة فيقعدون قبل أن تنتهي إليهم الجنازة.
((قض)): الحديث محتمل لمعنيين: أحدهما أنه كان يقوم للجنازة ثم يقعد بعد قيامه إذا تجاوزت وبعدت عنه، وثإنيهما أنه كان يقوم أياماً ثم لم يكن يقوم بعد ذلك. وعلي هذا يكون فعله الأخير قرينة وأمارة علي أن الأمر الوارد في ذينك الخبرين للندب. ويحتمل أن يكون نسخاً للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر، فإنه وإن كان مخصوصاً بنا دونه؛ لأن الآمر لا يكون مأموراً بأمره، والفعل صورة يختص بمن يتعاطاه إلا أن فعله المتأخر من حيث أنه يجب علينا الأخذ به عارضة فنسخه، والأول أرجح؛ لأن حتمال المجاز أقرب من النسخ.
الحديث السادس عن أبي هريرة: قوله: ((بقيراطين)) ((نه)): القيراط جزء من أجزاء الدينا، وهو نصف عشرة في أكثر البلاد، وأهل الشام يجعلونه جزءاً من أربعة وعشرين، والياء فيه بدل من الراء؛ فإن أصله قراط. قيل: لأنه يجمع علي قراريط، وهو شائع مستمر، وقد يطلق ويراد به بعض الشيء.
стр. 941
١٦٥٢ - وعنه: أن النبي ﷺ نعى للناس النجاشي اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلي المصلي، فصف بهم، وكبر أربع تكبيرات. متفق عليه.
١٦٥٣ - وعن عبد الرحمن بن أبي ليلي، قال: كان زيد بن أرقم يكبر علي جنائزنا أربعاً، وإنه كبر علي جنازة خمساً، فسألناه. فقال: كان رسول الله ﷺ ، يكبرها. رواه مسلم.
١٦٥٤ - وعن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: صلي خف ابن عباس علي جنازة فقرأ فاتحة الكتاب، فقال: لتعلموا أنه سنة. رواه البخاري.
١٦٥٥ - وعن عوف بن مالك، قال: صلي رسول الله ﷺ علي جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: ((اللهم اغفر له وراحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله،
ــ
((تو)): وذلك لأنه فسر بقوله: ((كل قيراط مثل أحد)) وذلك تفسير للمقصود من الكلام، لا للفظ القيراط. والمراد منه علي الحقيقة أنه يرجع بحصتين من جنس الأجر، فبين المعنى بالقيراط الذي هو حصته من جملة الدينار. أقول: يريد أن قوله: ((بقيراطين)) مبهم من وجهين، فبين جنس الموزون أولا بقوله: ((من الأجر)) ثم بين ثإنياً المقدار المراد منه بقوله: ((مثل أحد)) ولك من البيإنين صفة لـ ((قيراطين))، لكن الأولي قدمت، فصارت حالا، وبقيت الثانية علي حالها.
الحديث السابع عن أبي هريرة: قوله: ((نعى للناس)) ((نه)): نعي الميت ينعاه نعياً ونعياً إذا أذاع موته، وأخبر به وندبه، وفي قوله: ((اليوم الذي مات فيه)) دلالة علي معجزة رسولنا صلي الله عليه وسلم.
الحديث الثامن عن عبد الرحمن: قوله: ((خمساً)) ((مح)): دل الإجماع علي نسخ هذا الحديث؛ لأن ابن عبد البر وغيره نقلوا الإجماع علي أنه لا يكبر اليوم إلا أربعاً، وهذا دليل علي أنهم أجمعوا بعد زيد بن الأرقم، والأصح: أن الإجماع يصح من الخلاف.
الحديث التاسع عن طلحة: قوله: ((لتعلموا أنها سنة)) ((شف)): الضمير المؤنث لقراءة الفاتحة، وليس المراد بالنسبة أنها غير واجبة، بل المراد: أنها طريقة مروية مقابلة للبدعة. هذا التأويل علي مذهب الشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: ليس بفرض.
الحديث العاشر عن عوف: قوله: ((وعافه)) أي سلمه من العذاب والبلايا، ((نه)): العفو والعافية والمعافاة وألفاظ متقاربة، فالعفو محو الذنوب، والعافية أن يسلم من الأسقام والبلايا، وهي الصحة وضد المرض، والمعافاة هي أن يعافيك الله تعالي من الناس، ويعافيهم منك، ويصرف أذانهم عنك، وأذاك عنهم. قوله: ((وأكرم نزله)) النزل ما يقدم إلي الضيف من
стр. 942
((وقه فتنة القبر وعذاب النار)) قال حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت. رواه مسلم.
١٦٥٦ - وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة لما توفي سعد بن أبي وقاص قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه، فأنكر ذلك عليها، فقالت: والله لقد صلي رسول الله صلي الله عيله وسلم علي ابنى بيضاء في المسجد: سهيل وأخيه. رواه مسلم.
ــ
الطعام، أي أحسن نصيبه من الجنة. قوله: ((واغسله بالماء)) إلي آخره. ((مظ)): أي طهره من الذنوب بأنواع المغفرة، والمراد بـ ((فتنة القبر)) التحير في الجواب عن الملكين.
وفرائض صلاة الجنازة عند الشافعي سبع: النية، والتكبيرات الأربعة، وقراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولي، والصلاة علي النبي ﷺ بعد الثانية، والدعاء للميت بعد الثالثة، والتسليمة. والأصح: أن القيام فرض, وأما عند أبي حنيفة فالواجب التكبيرات الأربعة، وما سواها سنة.
((مح)): اختلفت الروايات في دعاء الميت، والتقط الإمام الشافعي ﵁ منها هذا: اللهم هذا عبدك، وابن عبدك، خرج من روح الدنيا وسعتها، ومحبوبه، وأحبائه فيها، إلي ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنت أعلم به. اللهم إنه نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقراً إلي رحمتك، وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له. اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه ولقه برحمتك ورضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وأفسح له في قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلي جنتك، يا أرحم الراحمين. هذا نص الشافعي في مختصر المزني، قال أصحابنا: فإن كان الميت طفلاً دعا لأبويه، فقال: اللهم اجعله لهما فرطاً، واجعله لهما سلفاً وذخراً، وثقل به موازينهما، وأفرغ الصبر علي قلوبهما، ولا تفتنهما بعده، ولا تحرمهما أجره.
وأما التكبيرة الرابعة فلا يجب بعدها ذكر بالاتفاق، ولكن يستحب أن يقول ما نص عليه الشافعي ﵁ في كتاب البويطي قال: يقول في الرابعة: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده.
الحديث الحادي عشر عن أبي سلمة: قوله: ((علي ابني بيضاء)) بيضاء أمهما واسمها دعد بنت الجحدم، واسم أبيها عمرو بن وهب. واسم أخي سهيل سهل. وسعد توفي في قصره
стр. 943
١٦٥٧ - وعن سمرة بن جندب، قال: صليت وراء رسول الله ﷺ علي امرأة ماتت في نفسها، فقام وسطها. متفق عليه.
١٦٥٨ - وعن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ مر بقبر دفن ليلاً، فقال: ((متى دفن هذا؟)) قالوا: البارحة. قال: ((أفلا آذنتموني؟)) قالوا: دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك، فقام فصففنا خلفه، فصلي عليه. متفق عليه.
١٦٥٩ - وعن أبي هريرة، أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، أو شاب، ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها، أو عنه، فقالوا: مات. قال: ((أفلا كنتم آذنتموني؟)) قال: فكأنهم صغروا أمرها، أو أمره. فقال: ((دلوني علي قبره)) فدلوه فصلي عليها ثم قال: ((إن هذه القبور مملوءة ظلمة علي أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم)). متفق عليه. ولفظه لمسلم.
ــ
بالعقيق علي عشرة أميال من المدينة، وحمل إليها علي أعناق الرجال ليدفن بالبقيع، وذلك في إمارة معاوية، فسألت عائشة ﵂ أن يصلي عليه في المسجد لتصلي هي عليه، فأبوا عليها، وقالوا: لا نصلي علي الميت في المسجد، فذكرت الحديث. وإلي قول عائشة ﵂ ذهب الشافعي. وأبو حنيفة ﵁ يكره ذلك، وأصحابه قالوا: إن الصحابة كانوا متوافرين فلو لم يعلموا بالنسخ لما خالفوا حديث عائشة ﵂.
الحديث الثاني عشر عن سمرة: قوله: ((وسطها)) ((نه)): الوسط- بالسكون- يقال فيما كان تفرق الأجزاء غير متصل كالناس، والدواب، وغير ذلك. وإذا كان متصل الأجزاء كالدار فهو بالفتح. وقيل: كل ما يصلح فيه بين، فهو بالفتح. وقيل: كل منهما يقع موقع الآخر، كأنه الأشبه. وقد ذكرنا عن صاحب المغرب: أن الوسط بالفتح كالمركز للدائرة، وبالسكون داخل الأشبه. وقد ذكرنا عن صاحب المغرب: أن الوسط بالفتح كالمركز للدائرة، وبالسكون داخل الدائرة. ((شف)): فيه دليل علي أن المستحب للإمام أن يقف عند عجيزة المرأة.
الحديث الثالث عشر عن ابن عباس: قوله: ((دفن ليلا)) ((مظ)): فيه مسائل: جواز الدفن في الليل، والصلاة علي القبر بعد الدفن، واستحباب صلاة الميت بالجماعة.
الحديث الرابع عشر عن أبي هريرة: قوله: ((تقم المسجد)) ((نه)): أي تكنسه، والقمامة: الكناسة، والمقمة: المكنسة. وقوله: ((قال: فكأنهم صغروا أمرها)) وهو معطوف علي ((قال)) الأولي، ومقول أبي هريرة، وفاعله رسول الله ﷺ . وأما قول رسول الله ﷺ : ((إن هذه القبور مملوءة ظلمة)) إلي آخره، فكالأسلوب الحكيم، يعني ليس النظر في الصلاة علي الميت إلي حقارته ورفعة شأنه، بل هي بمنزلة الشفاعة له لينور قبره ويخفف من عذابه، وعليه الدعاء السابق، فليتأمل.
١٦٦٠ - وعن كريب مولي ابن عباس، عن عبد الله بن عباس، أنه مات له ابن بقديد أو بعسفان، فقال: يا كريب! انظر ما اجتمع له من الناس. قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له، فأخبرته، فقال: تقول: هم أربعون؟ قال: نعم. قال: أخرجوه؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من رجل مسلم يموت فيقوم علي جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه)) رواه مسلم.
стр. 944
١٦٦١ - وعن عائشة، [﵂] عن النبي ﷺ ، قال: ((ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة، كلهم يشفعون له؛ إلا شفعوا فيه)). رواه مسلم.
١٦٦٢ - وعن أنس، قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً. فقال النبي ﷺ : ((وجبت)) ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شراً. فقال: ((وجبت)) فقال عمر: ما وجبت؟ فقال: ((هل أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض)) متفق عليه وفي رواية: ((المؤمنون شهداء الله في الأرض)).
ــ
الحديث الخامس عشر، والسادس عشر عن عائشة: قوله: ((ما من ميت)) ((ما)) نافية و ((من)) زائدة لاستغراق الجنس. و ((ميت))، مطلق محمول علي المقيد في قوله: ((ما من رجل مسلم)). ((تو)): لا تضاد بين حديث كريب وحديث عائشة؛ لأن السبيل في أمثال هذا المقام أن يكون الأقل من العددين متأخراً؛ لأن الله تعالي إذا وعد المغفرة في المعنى الواحد مرتين، وإحداهما أيسر من الأخرى، لم يكن من سنته أن ينقص من الفضل الموعود بعد ذلك، بل يزيد عليه فضلاً منه وتكرماً علي عباده. أقول: هذا كلام حسن؛ لأن الحديث الثاني فيه مبالغة وتشديد ليس في الأول، وذلك أنه ﷺ جعل قوله: ((يصلي عليه أمة من المسلمين)) توطئة لقوله: ((يبلغون مائة)) ثم أكده بقوله: ((كلهم يشفعون له)).
الحديث السابع عشر، والثامن عشر عن أنس: قوله: ((فأثنوا عليها شراً)) الثناء إنما يستعمل في الخير استعماله ها هنا في الشر إما مشاكلة لقوله: ((فأثنوا عليها خيراً)) أو تهكم، كاستعمال البشارة في النذارة. ((مح)): فإن قيل: كيف مكنوا من الثناء بالشر مع الحديث الصحيح في البخاري في النهي عن سب الأموات؟ قلت: إن النهي عن سب الأموات إنما هو في حق غير المنافق والكافر، وفي حق غير المتظاهر فسقه وبدعته، وأما هؤلاء فلا يحرم سبهم للتحذير من طريقهم، ومن الاقتداء بآثارهم، والتخلق بأخلاقهم.
стр. 945
١٦٦٣ - وعن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة)) قلنا: وثلاثة؟ قال: ((وثلاثة)) قلنا: واثنان؟ قال: ((واثنان))، ثم لم نسأله عن الواحد. رواه البخاري.
١٦٦٤ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلي ما قدموا)). رواه البخاري.
ــ
((مظ)): ليس معنى قوله ﷺ : ((أنتم شهداء الله)) أن ما يقول الصحابة والمؤمنون في حق شخص من استحقاقه الجنة أو النار يكون كذلك؛ لأن من يستحق الجنة لا يصير من أهل النار بقولهم، ولا من يستحق من أهل الجنة بقولهم، بل معناه: أن الذي أثنوا عليه خيراً، رأوا منه الصلاح والخيرات في حياته، والخيرات والصلاح علامة كون الرجل من أهل الجنة، والذي أثنوا عليه شراً، رأوا منه الشر والفساد، والشر والفساد علامة أهل النار؛ فشهد النبي ﷺ للأول بالجنة، وللثإني بالنار. وتأويل قطعه ﷺ للأول بالجنة، وللثإني بالنار أنه اطلعه الله تعالي علي ذلك، وليس هذا الحكم عاماً في كل من شهد له جماعة بالجنة أو بالنار. ألا ترى أنه لا يجوز أن يقطع بكون أحد أنه من أهل الجنة، أو من أهل النار وإن شهد له جماعة كثيرة، بل ترجى الجنة لمن شهد له جماعة بالخير، وتخاف النار لمن شهد له جماعة بالشر.
أقول: لا ارتياب أن قول رسول الله ﷺ : ((وجبت)) بعد ثناء الصحابة ﵃ حكم، عقب وصفاً مناسباً، وهو يشعر بالعلية. وكذا الوصف بقوله: ((أنتم شهداء الله)) لأن الإضافة فيه للتشريف، وأنهم بمكان ومنزلة عالية عند الله. وهو أيضاً كالتزكية من رسول الله ﷺ لأمته وإظهار عدالتهم بعد أداء شهادتهم لصاحب الجنازة، فينبغي أن يكون لها أثر ونفع في حقه وأن الله تعالي يقبل شهادتهم ويصدق ظنونهم في حق المثني عليه كرامة لهم وتفضلاً عليهم كالدعاء والشفاعة، فيوجب لهم الجنة أو النار علي سبيل الوعد أو الوعيد؛ لأن وعده حق لابد من وقوعه، فهو كالواجب إذ لا أثر للعمل ولا للشهادة في الوجوب. وإلي معنى الحديث برمز قوله تعالي: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء علي الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾ أي جعلناكم عدولاً خياراً لتشهدوا علي غيركم، ويكون الرسول رقيباً مهيمناً عليكم، ومزكياً لكم، ويبين عدالتكم. والله أعلم.
стр. 946
١٦٦٥ - وعن جابر، أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلي أحد في ثوب واحد، ثم يقول: ((أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟)) فإذا أشير له إلي أحدهما قدمه في اللحد. وقال: ((أنا شهيد علي هؤلاء يوم القيامة)) وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا. رواه البخاري.
١٦٦٦ - وعن جابر بن سمرة، قال: أتى النبي ﷺ بفرس معرور، فركبه حين انصرف من جنازة ابن الدحداح، ونحن نمشي حوله. رواه مسلم.
ــ
الحديث التاسع عشر عن عائشة: قوله: ((قد أفضوا إلي ما قدموا)) أي قد مضوا إلي جزاء ما قدموا من أعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر)) والله تعالي هو المجازي، إن شاء عفا عنهم وإن شاء عذبهم، فما لكم وإياهم، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه؟ هذا يدل علي أنه لا يجوز الخوض بلا فائدة، وإن كان للتحذير فلا بأس، كما سبق.
الحديث العشرون عن جابر: قوله: ((في ثوب واحد)) ((مظ)): أي في قبر واحد، لا في ثوب واحد؛ إذ لا يجوز تجريدهما بحيث تتلاقى بشرتاهما بل ينبغي أن يكون علي كل واحد منهما ثيابه الملطخة بالدم وغير الملطخة، ولكن يضجع أحدهما بجنب الآخر في قبر واحد.
قوله: ((أن شهيد عليهم)) ((مظ)): أن شفيع لهؤلاء، وأشهد لهم بأنهم بذلوا أرواحهم، وتركوا حياتهم لله تعالي. أقول: لا يساعد عليه تعدية الشهيد بعلي؛ لأنه لو أريد ما قال: لقيل: أنا شهيد لهم، فعدل لتضمين ((شهيد)) معنى رقيب وحفيظ، أي أن حفيظ عليهم أراق أحوالهم وأصونهم من المكاره والمناصب، شفيعاً لهم، ومنه قوله تعالي: ﴿والله علي كل شيء شهيد﴾، ﴿كنت أنت الرقيم عليهم، وأنت علي كل شيء شهيد﴾.
الحديث الحادي والعشرون عن جابر: قوله: ((معرور)) ((نه)): أي لا سرج عليه ولا غيره. واعروري فرسه: إذا ركبه عرياناً، فهو لازم ومتعد، أو يكون أتي بفرس معرور علي المفعول. ويقال: فرس عر، وخيل أعراء. وعن بعضهم يقال: اعروري الفارس فرسه: ركبه عرياناً ليس عليه سرج. اعريراء من الافعيلاء فالفارس معررو، والفرس معروري، والقياس: فرس معروري، لكن صحت الرواية بالكسر.
стр. 947
الفصل الثاني
١٦٦٧ - عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ قال: ((الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها قريباً منها، والسقط يصلي عليه، ويدعي لوالديه بالمغفرة والرحمة)). رواه أبو داود. [١٦٦٧]
وفي رواية أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، قال: ((الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلي عليه)). وفي المصابيح عن المغيرة ابن زياد.
١٦٦٨ - وعن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة. رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: وأهل الحديث كأنهم يرونه مرسلاً. [١٦٦٨]
١٦٦٩ - وعن عبد اله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الجنازة متبوعة ولا تتبع، ليس معها من تقدمها)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، وقال الترمذي: وأبو ماجد الراوي رجل مجهول. [١٦٦٩]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول والثاني، عن المغيرة بن شعبة: قوله: ((السقط يصلي عليه)) ((مظ)): ذهب الشافعي وأبو حنيفة ﵄ إلي أنه يصلي علي السقط إن استهل صارخاً ثم مات، وإلا فلا. وقال أحمد: يصلي عليه إذا كان له أربعة أشهر وعشر في البطن ونفخ فيه الروح وإن لم يستهل.
قوله: ((وفي المصابيح: عن المغيرة بن زياد)) ((تو)) و ((قض)): عن المغيرة بن زياد سهو، ولعله سهو من الناسخ، إذ ليس في عداد الصحابة والتابعين أحد بهذا الاسم والنسب.
الحديث الثالث والرابع، عن سالم- هو ابن عبد الله بن عمر ﵃: قوله: ((يمشون أمام الجنازة)) بهذا الحديث قال الشافعي وأحمد ﵄، وقال بالحديث الآتي أبو حنيفة. وعلة المشي خلف الجنازة: انتباه الناس، واعتبارهم عند النظر إليها، وقدامه كأنهم شفعاء الميت إلي الله تعالي، والشفيع يمشي قدام المشفوع له.
الحديث الخامس عن عبد الله بن مسعود ﵁: قوله: ((لا تتبع)) صفة مؤكدة أي
стр. 948
١٦٧٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تبع جنازة وحملها ثلاث مرات؛ فقد قضى ما عليه من حقها)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [١٦٧٠]
١٦٧١ - وقد روي في ((شرح السنة)): أن النبي ﷺ حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين.
١٦٧٢ - وعن ثوبان، قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة، فرأي ناساً ركباناً، فقال: ((ألا تستحيون؟! إن ملائكة الله علي أقدامهم، وأنتم علي ظهور الدواب)). رواه الترمذي، وابن ماجه. وروى أبو داود نحوه، وقال الترمذي: وقد روي عن ثوبان موقوفاً. [١٦٧٢]
١٦٧٣ - وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ قرأ علي الجنازة بفاتحة الكتاب. رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [١٦٧٣]
١٦٧٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صليتم علي الميت، فأخلصوا له الدعاء)). رواه أبو داود، وابن ماجه. [١٦٧٤]
١٦٧٥ - وعنه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلي علي الجنازة، قال: ((اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه علي الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه علي الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده)). رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. [١٦٧٥]
ــ
متبوعة غير تابعة. وقوله: ((ليس معها)) تقرير بعد تقرير، ((يعني من تقدم الجنازة ليس ممن يشيعها فلا يثبت له الأجر.
الحديث السادس إلي التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((صغيرنا وكبيرنا)) ((تو)): سئل أبو جعفر الطحاوي عن معنى الاستغفار للصبيان مع أنه لا ذنب لهم؟ فقال: سأل النبي ﷺ أن يغفر لهم ذنوب قضيت لهم أن يصيبوها بعد الانتهاء إلي حال الكبر. أقول: كل من القرائن الأربع في هذا الحديث تدل علي الشمول والاستيعاب، فلا تحمل علي التخصيص نظراً إلي مفردات التركيب، كأنه قيل: اللهم اغفر للمسلمين كلهم أجمعين، فهي من الكناية، يدل عليه جمعه في قوله: ((اللهم من أحييته منا فأحيه علي الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه علي الإيمان)).
стр. 949
١٦٧٦ - ورواه النسائيُّ عن إبراهيم الأشهَلي، عن أبيه، وانتهت روايته عند قوله: ((وأثنانا)). وفي رواية أبي داود: ((فأحيه علي الإيمان، وتوفه علي الإسلام))، وفي آخره: ((ولا تُضلّنا بعدَه)).
١٦٧٧ - وعن واثلةَ بن الأسقع، قال: صلي بنا رسولُ ﷺ علي رجل من المسلمين، فسمعته يقول: ((اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له، وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم)). رواه أبو داود، وابن ماجه. [١٦٧٧]
١٦٧٨ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم)). رواه أبو داود، والترمذي. [١٦٧٨]
ــ
قوله: ((في رواية أبي دواد: فأحيه علي الإيمان)) فإن قلت: ما الحكمة في تقديم الإسلام وتأخير الإيمان في الرواية الأولي، وعكسه في الأخرى؟ قلت: الإيذان بأن الإسلام والإيمان يعبران عن الدين كما هو مذهب السلف الصالح، علي ما نقلناه عن الأئمة المتقنين في شرح حديث جبريل ﵇. ويحتمل أن يراد التنبيه علي الفرق بين المقامين. وذلك أن الإسلام ورد علي معنيين: أحدهما الانقياد وإظهار الأعمال الصالحة، وهو دون الإيمان. قال الله تعالي: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ والإشارة بهذا ترجيح الأعمال في الحياة، والايمان عند الممات، وهذه مرتبة العوام. وثإنيهما الاستسلام وإخلاص العمل لله، وهو فوق الإيمان، قال الله تعالي: ﴿بلي من أسلم وجهه لله وهو محسن﴾ ﴿إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾ وهذه مرتبة الخواص. ومن هاهنا قال يوسف ﵇: ﴿توفني مسلماً وألحقني بالصالحين﴾ والرواية الثانية مشيرة إلي هذا.
الحديث العاشر عن واثلة: قوله: ((وحبل جوارك)) ((نه)): كان من عادة العرب أن يخاف بعضهم بعضاً، وكان الرجل إذا أراد سفراً أخذ عهداً من سيد كل قبيلة، فيأمن به مادام مجاورًا أرضه، أو هو من الإجارة. والأمان، والنصرة. والحبل والعهد والأمان.
أقول: الثاني أظهر و ((حبل جوارك)) بيان لقوله: ((ذمتك)) نحو أعجبتني زيد وكرمه. وقوله:
стр. 950
١٦٧٩ - وعن نافع أبي غالب، قال: صليتُ مع أنس بن مالك علي جنازة رجلٍ، فقام حيال رأسه، ثم جاؤوا بجنازة امرأة من قريش، فقالوا: يا أبا حمزة! صلِّ عليها، فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت رسول الله ﷺ قام علي الجنازة مقامك منها؟ ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم. رواه الترمذي وابن ماجه. وفي رواية أبي داود نحوه مع زيادة، وفيه: فقام عند عجيزة المرأة. [١٦٧٩]
الفصل الثالث
١٦٨٠ - (٣٥) عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، قال: كان ابن حنيف، وقيس ابن سعد قاعدين بالقادسية، فمر عليهما بجنازة، فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل
ــ
((في ذمتك)) أي أن فلاناً في عهد جوارك. والأصل في عهدك، فنسب إلي العهد ما كان منسوباً إلي الله تعالي، فجعل للجوار عهداً مبالغة في كمال حمايته ونصرته، فالحبل مستعار للعهد لما فيه من التوثقة، وعقد القول بالأيمان المؤكدة. ومن ثم قيل فيمن خان العهد: فلان نقض عهده ونكث؛ فإن النقض والنكث من صفات الحبل ولوازمه.
وقوله: ((أنت أهل الوفاء)) تجريد لاستعارة الحبل للعهد؛ لأن الوفاء صفة ملائمة للعهد المستعار له، لا للحبل المستعار. ولو أريد الترشيح لقيل: أنت أهل الإبرام.
الحديث الحادي عشر عن ابن عمر ﵁: قوله: ((اذكروا محاسن موتاكم)) المأمور والمنهي بهذا الأمر والنهي، إن كان من الصالحين من عباد الله، فكما أن ذكرهم محاسن الموتى مؤثر فيهم أمروا بذلك، وأن ذكرهم مساوئهم كذا مؤثر، فعليه أن لا يسعى في ضرر الغير، كما سبق في حديث أنس ﵁: ((أنتم شهداء الله)) وإن كان المأمور والمنهي غيرهم، فإن أثر النفع والضرر راجع إلي القائل، فعليه أن يجتنب ما يتضرر بذكره، ويتحرى ما له من نفع فيه.
الحديث الثاني عشر عن نافع: قوله: ((نافع أبي غالب)) ((أبي غالب)) هو عطف بيان، كأن الكنية كانت أشهر وأعرف من العلم، فجئ بها بياناً بـ ((نافع)). وقوله: ((حيال رأسه)) أي إزاء رأسه ومقابله، وحيال كل شيء: قبالته، وتلقاء وجهه. قوله: ((عجيزة المرأة)) ((نه)): العجيزة والعجز، وهي للمرأة خاصة، والعجز مؤخر الشيء.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عبد الرحمن ﵁: قوله: ((بالقادسية)) وهو موضع بينه وبين الكوفة خمسة عشر ميلاً، والأرض هنا كناية عن السفالة والرذالة. قال تعالي: ﴿ولو شيءنا
следующие страницы →