Полный текст (3 308 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
١٦٦٥ - وعن جابر، أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلي أحد في ثوب واحد، ثم يقول: ((أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟)) فإذا أشير له إلي أحدهما قدمه في اللحد. وقال: ((أنا شهيد علي هؤلاء يوم القيامة)) وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا. رواه البخاري.
١٦٦٦ - وعن جابر بن سمرة، قال: أتى النبي ﷺ بفرس معرور، فركبه حين انصرف من جنازة ابن الدحداح، ونحن نمشي حوله. رواه مسلم.
ــ
الحديث التاسع عشر عن عائشة: قوله: ((قد أفضوا إلي ما قدموا)) أي قد مضوا إلي جزاء ما قدموا من أعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر)) والله تعالي هو المجازي، إن شاء عفا عنهم وإن شاء عذبهم، فما لكم وإياهم، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه؟ هذا يدل علي أنه لا يجوز الخوض بلا فائدة، وإن كان للتحذير فلا بأس، كما سبق.
الحديث العشرون عن جابر: قوله: ((في ثوب واحد)) ((مظ)): أي في قبر واحد، لا في ثوب واحد؛ إذ لا يجوز تجريدهما بحيث تتلاقى بشرتاهما بل ينبغي أن يكون علي كل واحد منهما ثيابه الملطخة بالدم وغير الملطخة، ولكن يضجع أحدهما بجنب الآخر في قبر واحد.
قوله: ((أن شهيد عليهم)) ((مظ)): أن شفيع لهؤلاء، وأشهد لهم بأنهم بذلوا أرواحهم، وتركوا حياتهم لله تعالي. أقول: لا يساعد عليه تعدية الشهيد بعلي؛ لأنه لو أريد ما قال: لقيل: أنا شهيد لهم، فعدل لتضمين ((شهيد)) معنى رقيب وحفيظ، أي أن حفيظ عليهم أراق أحوالهم وأصونهم من المكاره والمناصب، شفيعاً لهم، ومنه قوله تعالي: ﴿والله علي كل شيء شهيد﴾، ﴿كنت أنت الرقيم عليهم، وأنت علي كل شيء شهيد﴾.
الحديث الحادي والعشرون عن جابر: قوله: ((معرور)) ((نه)): أي لا سرج عليه ولا غيره. واعروري فرسه: إذا ركبه عرياناً، فهو لازم ومتعد، أو يكون أتي بفرس معرور علي المفعول. ويقال: فرس عر، وخيل أعراء. وعن بعضهم يقال: اعروري الفارس فرسه: ركبه عرياناً ليس عليه سرج. اعريراء من الافعيلاء فالفارس معررو، والفرس معروري، والقياس: فرس معروري، لكن صحت الرواية بالكسر.
стр. 947
الفصل الثاني
١٦٦٧ - عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ قال: ((الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها قريباً منها، والسقط يصلي عليه، ويدعي لوالديه بالمغفرة والرحمة)). رواه أبو داود. [١٦٦٧]
وفي رواية أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، قال: ((الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلي عليه)). وفي المصابيح عن المغيرة ابن زياد.
١٦٦٨ - وعن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة. رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: وأهل الحديث كأنهم يرونه مرسلاً. [١٦٦٨]
١٦٦٩ - وعن عبد اله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الجنازة متبوعة ولا تتبع، ليس معها من تقدمها)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، وقال الترمذي: وأبو ماجد الراوي رجل مجهول. [١٦٦٩]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول والثاني، عن المغيرة بن شعبة: قوله: ((السقط يصلي عليه)) ((مظ)): ذهب الشافعي وأبو حنيفة ﵄ إلي أنه يصلي علي السقط إن استهل صارخاً ثم مات، وإلا فلا. وقال أحمد: يصلي عليه إذا كان له أربعة أشهر وعشر في البطن ونفخ فيه الروح وإن لم يستهل.
قوله: ((وفي المصابيح: عن المغيرة بن زياد)) ((تو)) و ((قض)): عن المغيرة بن زياد سهو، ولعله سهو من الناسخ، إذ ليس في عداد الصحابة والتابعين أحد بهذا الاسم والنسب.
الحديث الثالث والرابع، عن سالم- هو ابن عبد الله بن عمر ﵃: قوله: ((يمشون أمام الجنازة)) بهذا الحديث قال الشافعي وأحمد ﵄، وقال بالحديث الآتي أبو حنيفة. وعلة المشي خلف الجنازة: انتباه الناس، واعتبارهم عند النظر إليها، وقدامه كأنهم شفعاء الميت إلي الله تعالي، والشفيع يمشي قدام المشفوع له.
الحديث الخامس عن عبد الله بن مسعود ﵁: قوله: ((لا تتبع)) صفة مؤكدة أي
стр. 948
١٦٧٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تبع جنازة وحملها ثلاث مرات؛ فقد قضى ما عليه من حقها)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [١٦٧٠]
١٦٧١ - وقد روي في ((شرح السنة)): أن النبي ﷺ حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين.
١٦٧٢ - وعن ثوبان، قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة، فرأي ناساً ركباناً، فقال: ((ألا تستحيون؟! إن ملائكة الله علي أقدامهم، وأنتم علي ظهور الدواب)). رواه الترمذي، وابن ماجه. وروى أبو داود نحوه، وقال الترمذي: وقد روي عن ثوبان موقوفاً. [١٦٧٢]
١٦٧٣ - وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ قرأ علي الجنازة بفاتحة الكتاب. رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [١٦٧٣]
١٦٧٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صليتم علي الميت، فأخلصوا له الدعاء)). رواه أبو داود، وابن ماجه. [١٦٧٤]
١٦٧٥ - وعنه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلي علي الجنازة، قال: ((اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه علي الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه علي الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده)). رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. [١٦٧٥]
ــ
متبوعة غير تابعة. وقوله: ((ليس معها)) تقرير بعد تقرير، ((يعني من تقدم الجنازة ليس ممن يشيعها فلا يثبت له الأجر.
الحديث السادس إلي التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((صغيرنا وكبيرنا)) ((تو)): سئل أبو جعفر الطحاوي عن معنى الاستغفار للصبيان مع أنه لا ذنب لهم؟ فقال: سأل النبي ﷺ أن يغفر لهم ذنوب قضيت لهم أن يصيبوها بعد الانتهاء إلي حال الكبر. أقول: كل من القرائن الأربع في هذا الحديث تدل علي الشمول والاستيعاب، فلا تحمل علي التخصيص نظراً إلي مفردات التركيب، كأنه قيل: اللهم اغفر للمسلمين كلهم أجمعين، فهي من الكناية، يدل عليه جمعه في قوله: ((اللهم من أحييته منا فأحيه علي الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه علي الإيمان)).
стр. 949
١٦٧٦ - ورواه النسائيُّ عن إبراهيم الأشهَلي، عن أبيه، وانتهت روايته عند قوله: ((وأثنانا)). وفي رواية أبي داود: ((فأحيه علي الإيمان، وتوفه علي الإسلام))، وفي آخره: ((ولا تُضلّنا بعدَه)).
١٦٧٧ - وعن واثلةَ بن الأسقع، قال: صلي بنا رسولُ ﷺ علي رجل من المسلمين، فسمعته يقول: ((اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له، وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم)). رواه أبو داود، وابن ماجه. [١٦٧٧]
١٦٧٨ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم)). رواه أبو داود، والترمذي. [١٦٧٨]
ــ
قوله: ((في رواية أبي دواد: فأحيه علي الإيمان)) فإن قلت: ما الحكمة في تقديم الإسلام وتأخير الإيمان في الرواية الأولي، وعكسه في الأخرى؟ قلت: الإيذان بأن الإسلام والإيمان يعبران عن الدين كما هو مذهب السلف الصالح، علي ما نقلناه عن الأئمة المتقنين في شرح حديث جبريل ﵇. ويحتمل أن يراد التنبيه علي الفرق بين المقامين. وذلك أن الإسلام ورد علي معنيين: أحدهما الانقياد وإظهار الأعمال الصالحة، وهو دون الإيمان. قال الله تعالي: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ والإشارة بهذا ترجيح الأعمال في الحياة، والايمان عند الممات، وهذه مرتبة العوام. وثإنيهما الاستسلام وإخلاص العمل لله، وهو فوق الإيمان، قال الله تعالي: ﴿بلي من أسلم وجهه لله وهو محسن﴾ ﴿إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾ وهذه مرتبة الخواص. ومن هاهنا قال يوسف ﵇: ﴿توفني مسلماً وألحقني بالصالحين﴾ والرواية الثانية مشيرة إلي هذا.
الحديث العاشر عن واثلة: قوله: ((وحبل جوارك)) ((نه)): كان من عادة العرب أن يخاف بعضهم بعضاً، وكان الرجل إذا أراد سفراً أخذ عهداً من سيد كل قبيلة، فيأمن به مادام مجاورًا أرضه، أو هو من الإجارة. والأمان، والنصرة. والحبل والعهد والأمان.
أقول: الثاني أظهر و ((حبل جوارك)) بيان لقوله: ((ذمتك)) نحو أعجبتني زيد وكرمه. وقوله:
стр. 950
١٦٧٩ - وعن نافع أبي غالب، قال: صليتُ مع أنس بن مالك علي جنازة رجلٍ، فقام حيال رأسه، ثم جاؤوا بجنازة امرأة من قريش، فقالوا: يا أبا حمزة! صلِّ عليها، فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت رسول الله ﷺ قام علي الجنازة مقامك منها؟ ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم. رواه الترمذي وابن ماجه. وفي رواية أبي داود نحوه مع زيادة، وفيه: فقام عند عجيزة المرأة. [١٦٧٩]
الفصل الثالث
١٦٨٠ - (٣٥) عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، قال: كان ابن حنيف، وقيس ابن سعد قاعدين بالقادسية، فمر عليهما بجنازة، فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل
ــ
((في ذمتك)) أي أن فلاناً في عهد جوارك. والأصل في عهدك، فنسب إلي العهد ما كان منسوباً إلي الله تعالي، فجعل للجوار عهداً مبالغة في كمال حمايته ونصرته، فالحبل مستعار للعهد لما فيه من التوثقة، وعقد القول بالأيمان المؤكدة. ومن ثم قيل فيمن خان العهد: فلان نقض عهده ونكث؛ فإن النقض والنكث من صفات الحبل ولوازمه.
وقوله: ((أنت أهل الوفاء)) تجريد لاستعارة الحبل للعهد؛ لأن الوفاء صفة ملائمة للعهد المستعار له، لا للحبل المستعار. ولو أريد الترشيح لقيل: أنت أهل الإبرام.
الحديث الحادي عشر عن ابن عمر ﵁: قوله: ((اذكروا محاسن موتاكم)) المأمور والمنهي بهذا الأمر والنهي، إن كان من الصالحين من عباد الله، فكما أن ذكرهم محاسن الموتى مؤثر فيهم أمروا بذلك، وأن ذكرهم مساوئهم كذا مؤثر، فعليه أن لا يسعى في ضرر الغير، كما سبق في حديث أنس ﵁: ((أنتم شهداء الله)) وإن كان المأمور والمنهي غيرهم، فإن أثر النفع والضرر راجع إلي القائل، فعليه أن يجتنب ما يتضرر بذكره، ويتحرى ما له من نفع فيه.
الحديث الثاني عشر عن نافع: قوله: ((نافع أبي غالب)) ((أبي غالب)) هو عطف بيان، كأن الكنية كانت أشهر وأعرف من العلم، فجئ بها بياناً بـ ((نافع)). وقوله: ((حيال رأسه)) أي إزاء رأسه ومقابله، وحيال كل شيء: قبالته، وتلقاء وجهه. قوله: ((عجيزة المرأة)) ((نه)): العجيزة والعجز، وهي للمرأة خاصة، والعجز مؤخر الشيء.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عبد الرحمن ﵁: قوله: ((بالقادسية)) وهو موضع بينه وبين الكوفة خمسة عشر ميلاً، والأرض هنا كناية عن السفالة والرذالة. قال تعالي: ﴿ولو شيءنا
стр. 951
الأرض، أي من أهل الذمة، فقالا: إن رسول الله ﷺ مرت به جنازةٌ فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي. فقال: ((أليست نفساً؟)). متفق عليه.
١٦٨١ - وعن عبادة بن الصامت، قال: كان رسول الله ﷺ إذا تبع جنازةً لم يقعد حتى توضع في اللحد، فعرض له حبر من اليهود، فقال له: إنا هكذا نصنع يا محمد! قال: فجلس رسول الله ﷺ وقال: ((خالفوهم)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديثٌ غريب، وبشر بن رافع الراوي ليس بالقوي.
١٦٨٢ - وعن علي قال: كان رسول الله ﷺ أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس. رواه أحمد. [١٦٨٢]
١٦٨٣ - وعن محمد بن سيرين، قال: إن جنازة مرت بالحسن بن علي وابن عباس، فقام الحسن ولم يقم ابن عباس، فقال الحسن: أليس قد قام رسول الله ﷺ لجنازة يهودى؟ قال: نعم، ثم جلس. رواه النسائى. [١٦٨٣]
١٦٨٤ - وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن الحسن بن علي كان جالساً فمر عليه بجنازة، فقام الناس حتى جاوزت الجنازة. فقال الحسن: إنما مر بجنازة يهودى، وكان رسول الله ﷺ علي طريقها جالساً، وكره أن تعلو رأسه جنازة يهودي، فقام رواه النسائى. [١٦٨٤]
ــ
لرفعناه بها ولكنه أخلد إلي الأرض واتبع هواه﴾ أي مال إلي السفالة؛ ولذلك ((أهل الأرض)) بـ ((أهل الذمة)). ونحوه في المعنى قوله: ((أليست نفساً؟)) أي ذا فزع، يرشد إليه قوله ﷺ في حديث جابر حين قام لجنازة مرت عليه، فقيل: ((إنها يهودية)) فقال: ((إن الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا))
الحديث الثاني إلي الرابع عن محمد ﵁: قوله: ((ثم جلس)) الظاهر أن يكون قوله ((ثم جلس)) من تتمة قول ابن عباس ﵄، أي فعل رسول الله ﷺ كلا من ذلك، ولكن جلوسه كان متأخراً ناسخاً، كما سبق في حديث علي ﵁.
стр. 952
١٦٨٥ - وعن أبي موسى. أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا مرت بك جنازة يهودي أو نصرإني أو مسلم، فقوموا لها، فلستم لها تقومون؛ إنما تقومون لمن معها من الملائكة)). رواه أحمد [١٦٨٥]
١٦٨٦ - وعن أنس، أن جنازة مرت برسول الله ﷺ ، فقام، فقيل: إنها جنازة يهودى. فقال: ((إنما قمت للملائكة)). رواه النسائي. [١٦٨٦]
١٦٨٧ - وعن مالك بن هبيرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين، إلا أوجب)). فكان مالكٌ إذا استقل أهل الجنازة جزأهم ثلاثة صفوف لهذا الحديث. رواه أبو داود.
وفي رواية الترمذي، قال: كان مالك بن هبيرة إذا صلي علي جنازة فتقال الناس عليها جزأهم ثلاثة أجزاء، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلي عليه ثلاثة صفنوف أوجب)). ورورى ابن ماجه نحوه.
١٦٨٨ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في الصلاة علي الجنازة: ((اللهم أنت ربها وأنت خلقتها، وأنت هديتها إلي الإسلام، وأنت قبضت روحها وأنت أعلم بسرها وعلإنيتها، جئنا شفعاء فاغفر له)) روه أبو داود. [١٦٨٨]
١٦٨٩ - وعن سعيد بن المسيب، قال: صليتُ وراء أبي هريرة علي صبيٍّ لم يعمل خطيئة قط، فسمعتُهُ يقول: اللهم أعذه من عذاب القبر. رواه مالك
ــ
الحديث الخامس والسادس عن أبي موسى: قوله: ((إنما تقومون لمن معها من الملائكة)) أي ملائكة الرحمة والعذاب. اختلفت علل القيام، فجعلت تارة الفزع، وأخرى كراهية رفعة جنازة اليهودية رأس رسول الله ﷺ ، وأخرى كرامة للملائكة المقربين، وأخرى لم يعتبر شيئاً منها، فلم يقم. ولعل ذلك لاختلاف المقامات والأحوال.
الحديث السابع عن مالك ﵁: قوله: ((أوجب)) أي أوجب ذلك الفعل علي الله
стр. 953
١٦٩٠ - وعن البخاري تعليقاً، قال: يقرأ الحسن علي الطفل فاتحة الكتاب، ويقول: اللهم اجعله لنا سلفاً وفرطاً وذخراً وأجر اً.
١٦٩١ - وعن جابر، أن النبي ﷺ قال: ((الطفل لا يصلي عليه، ولا يرث، ولا يورث، حتى يستهل)). رواه الترمذي وابن ماجه إلا أنه لم يذكر: ((ولا يورث)). [١٦٩١]
١٦٩٢ - وعن أبي مسعود الأنصاري، قال: نهي رسول الله ﷺ أن يقوم الإمام فوق شيء والناس خلفه، يعنى أسفل منه. رواه الدراقطني في ((المجتبى)) في كتاب الجنائز. [١٦٩٢]
(٦) باب دفن الميت
الفصل الأول
١٦٩٣ - عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، أن سعد بن أبي وقاص، قال في مرضه الذي هلك فيه: ألحدوا لي لحداً، وانصبوا علي اللبن نصباً، كما صنع برسول الله ﷺ . رواه مسلم.
ــ
تعالي مغفرته وعداً منه تعالي، وهو خبر ((ما)) والمستثنى منه أعم عام الأشياء، وهو دليل ظاهر بين الدلالة علي ما قررناه في حديث أنس من معنى تأثير الثناء في الوجوب.
الحديث الثامن إلي الحادي عشر عن البخاري: قوله: ((تعليقاً)) قال في الإرشاد: التعليق مستعمل فيما حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر، واستعمله بعضهم في حذف كل الإسناد، مثاله: قال رسول الله ﷺ كذا: قال ابن عباس كذا، قال: سعيد بن المسيب عن أبي هريرة كذا. قوله: ((حتى يستهل)) ((نه)): استهلال الصبي تصويته عند ولادته.
باب دفن الميت
الفصل الأول
الحديث الأول عن عامر: قوله: ((ألحدوا)) ((نه)): اللحد: الشق الذي يعمل في جانب القبر لوضع الميت؛ لأنه قد أميل عن وسط القبر إلي جانبه، يقال: لحدت وألحدت وأوصل الإلحاد
стр. 954
١٦٩٤ - وعن ابن عباس، قال: جعل في قبر رسول الله ﷺ قطيفة حمراء. رواه مسلم.
١٦٩٥ - وعن سفيان التمار: أنه رأي قبر النبي ﷺ مسنماً. رواه البخاري.
١٦٩٦ - وعن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي: ألا أبعثك علي ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته. رواه مسلم.
١٦٩٧ - وعن جابر، قال: نهي رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يُبنى عليه، وأن يقعد عليه. رواه مسلم.
ــ
الميل والعدول عن الشيء. ((مح)) ((الحدوا)): وهو بوصل الهمزة وفتح الحاء. ويجوز بقطع الهمزة وكسر الحاء يقال: لحد يلحد كذهب يذهب، وألحد يلحد إذا حفر اللحد. وفيه استحباب اللحد، ونصب اللبن، وأنه فعل ذلك برسول الله ﷺ باتفاق الصحابة ﵃. وقد نقلوا أن عدد لبناته ﷺ تسع.
الحديث الثانى عن ابن عباس ﵄: قوله: ((قطيفة حمراء)) ((نه)): هي كساء له خمل، ومنه الحديث ((تعس عبد القطيفة)) أي الذي يعمل لها ويهتم بتحصيلها. ((مح)): هذه القطيفة ألقاها شقران مولي ارسول الله ﷺ ، وقال: كرهت أن يلبسه أحد بعده ﷺ . وقد نص الشافعى وغيره من العلماء علي كراهة وضع قطيفة، أو مخدة، ونحوهما تحت الميت في القبر. وقيل: إن ذلك كان من خواصه صلوات الله عليه، فلا يحسن في حق غيره. ((تو)): وذلك أنه ﷺ كما فارق الأمة في بعض أحكام حياته فارقهم في بعض أحكام مماته؛ فإن الله تعالي حرم علي الأرض لحوم الأنبياء، وحق لجسد عصمه الله تعالي عن البلي، والتغير، والاستحالة أن يفرش له في قبره؛ لأن المعنى الذي يفرش للحى لم يزل عنه بحكم الموت، وليس الأمر في غيره علي هذا النمط.
الحديث الثالث عن سفيان: قوله: ((مسنماً)) تسنيم القبر أن يجعل كهيئة السنام، وهو خلاف تسطيحه.
الحديث الرابع عن أبي الهياج ﵁: قوله: ((ألا أبعثك)) ((تو)): أي ألا أرسلك للأمر الذي أرسلنى له رسول الله ﷺ ، ولما في قوله: ((ألا أبعثك علي ما بعثنى)) من معنى التأمير، عدى ((أبعثك)) بحرف الاستعلاء، أي أجعلك أميراً. أقول: وفيه أن ما أمر عليه من الشؤون العظيمة؛ فإن مثل علي ﵁ إنما يؤمر في الأمور المهمة.
стр. 955
١٦٩٨ - وعن أبي مرثد الغنويِّ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تجلسوا علي القبور، ولا تصلوا إليها)). رواه مسلم.
١٦٩٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لأن يجلس أحدكم علي جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلي جلده؛ خيرٌ له من أن يجلس علي قبر)). رواه مسلم.
الفصل الثانى
١٧٠٠ - عن عروة بن الزبير، قال: كان بالمدينة رجلان: أحدهما يلحد،
ــ
قوله: ((أن لا تدع)) خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر الذي لا تدع. و ((التمثال)) الصورة، وطمسها محوها وإبطالها، والقبر المشرف: الذي بني عليه حتى ارتفع، دون الذي أعلم عليه بالرمل والحصباء أو الحجارة، ليعرف فلا يوطأ.
الحديث الخامس عن جابر ﵁: قوله: ((أن يبنى عليه)) ((تو)): يحتمل وجهين أحدهما: البناء علي القبر بالحجارة وما يجرى مجراها، والآخر: أن يضرب عليه خباء أو نحوه، وكلاهما منهي عنه؛ لانعدام الفائدة فيه، ولأنه من صنيع أهل الجاهلية، وعن ابن عمر أنه رأي فسطاطاً علي قبر أخيه عبد الرحمن، فقال: انزعه يا غلام، فقال: إنما يظله عمله. وقوله: ((أن يقعد عليه)) حمله الأكثرون علي ما يقتضيه الظاهر من الجلوس، والقعود علي القبر، لما فيه من الاستخفاف بحق أخيه المسلم. وحمله جماعة علي الجلوس علي القبر لقضاء الحاجة، ونسبوه إلي زيد بن ثابت.
الحديث السادس عن أبي مرثد: قوله: ((ولا تصلوا إليها)) أي مستقبلين إليها لما فيه من التعظيم البالغ؛ لأنه من مرتبة المعبود. فجمع بين النهي عن الاستخفاف العظيم والتعظيم البليغ.
الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فتحرق ثيابه)) أي فتخلص إلي جلده، جعل الجلوس علي القبر وسراية مضرته إلي قلبه- وهو لا يشعر- بمنزلة سراية النار من الثوب إلي الجلد ثم إلي داخله.
الفصل الثانى
الحديث الأول عن عبادة: قوله: ((أحدهما يلحد)) وهو أبو طلحة زيد بن سهل الأنصارى، والآخر هو أبو عبيدة بن الجراح، وكان يعمل الضريح، وهو الشق في وسط القبر.
стр. 956
والآخر لا يلحد. فقالوا: أيهما جاء أولا عمل عمله. فجاء الذي يلحد، فلحد لرسول الله ﷺ . رواه في ((شرح السنة)). [١٧٠٠]
١٧٠١ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اللحد لنا والشق لغيرنا)). رواه الترمذى، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه. [١٧٠١]
١٧٠٢ - ورواهُ أحمد عن جرير بن عبد الله. [١٧٠٢]
١٧٠٣ - وعن هشام بن عامر، أنَّ النبيَّ ﷺ قال يوم أحُد: ((احفروا وأوسعوا وأعمقوا وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحدٍ، وقدِّموا أكثرهم قرآنًا)) رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وروى ابن ماجه إلي قوله: ((وأحسنوا)). [١٧٠٣]
١٧٠٤ - وعن جابر، قال: لما كانَ يومُ أحُدٍ جاءت عمَّتي بأبي لتدفنه في مقابرنا، فنادى منادي رسول الله ﷺ : ((ردُّوا القتلي إلي مضاجعهم)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، والدرامي، ولفظه للترمذي. [١٧٠٤]
ــ
الحديث الثانى عن ابن عباس ﵄: قوله: ((اللحد لنا)) ((تو)): أي اللحد الذي نؤثره ونختاره، والشق اختيار من كان قبلنا. وفي ذلك بيان فضيلة اللحد، وليس فيه النهي عن الشق، والدليل عليه حديث عروة، إذ لو كان منهياً عنه لم يكن أبو عبيدة ليصنعه مع جلالة قدره في الدين والأمانة، ولم يكن الصحابة ﵃ ليقولوا دون دفن النبي ﷺ : أيهما جاء أولا عمل عمله. أقول: ويمكن أنه ﷺ عني بضمير الجمع نفسه، أي أوثر لي اللحد، وهو إخبار عن الكائن، فيكون معجزة.
الحديث الثالث عن هشام ﵁: قوله: ((وأعمقوا وأحسنوا)) ((مظ)): أي اجعلوا عمقه قدر قامة رجل إذا مد يده إلي رءوس أصابع يديه، وأجيدوا تسوية قعره، لا منخفضاً ولا مرتفعاً، ونظفوه من التراب والقذارة وغيرهما.
قوله: ((أكثرهم قرآناً)) بولغ فيه حيث أبهم أولاً، وأسند ضميره إلي الكثرة، ثم بين ذلك الإبهام بقوله: ((قرآناً)) دلالة علي أن القرآن خالط لحمه ودمه، وأخذ بمجامعه، فحق لمثله أن يقدم علي كل سواه- في حياته في الإمامة، وفي مماته في القبر-.
الحديث الرابع عن جابر ﵁: قولوا: ((ردوا)) ((مظ)): فيه دلالة علي أن الميت لا ينقل
стр. 957
١٧٠٥ - وعن ابن عباس، قال: سل رسول الله ﷺ من قبل رأسه. رواه الشافعى. [١٧٠٥]
١٧٠٦ - وعنه، أن النبي ﷺ دخل قبراً ليلاً فأسرج له بسراج، فأخذ من قبل القبلة، وقال: ((رحمك الله، إن كنت لأواها تلاء للقرآن)). رواه الترمذي. وقال في ((شرح السنة)): إسناده ضعيف.
١٧٠٧ - وعن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان إذا أدخل الميت القبر قال: ((بسم
ــ
من الموضع الذي مات فيه إلي بلد آخر. ((شف)): هذا كان في الابتداء، فأما بعده فلا؛ لما روي أن جابراً جاء بابنه عبد الله الذي قتل في أحد بعد ستة أشهر إلي البقيع، ودفنه بها.
أقول: ولعل الظاهر: إن دعت ضرورة إلي النقل جاز، وإلا فلا؛ لما روينا عن الإمام مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة: أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم المسلميين، كانا قد حفر السيل قبرهما وكان قبرهما مما يلي السيل، وكانا في قبر واحد، وهما ممن استشهد يوم أحد، فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا كأنما ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده علي جرحه، فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه، ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين يوم أحد وبين يوم الحفر عنهما ست وأربعون سنة. وأيضاً دل قول عائشة ﵂ في حديث ابن أبي مليكة: ((والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت)) - قالته حين نقل أخوها من الحبش إلي مكة- علي عدم الجواز.
الحديث الخامس عن ابن عباس ﵁: قوله: ((سل)) ((نه)): هو إخراج الشيء بتأن وتدريج. ((مظ)): سن أن توضع رأس الجنازة [في جانب القبلة من القبر بحيث أن تكون مؤخرة الجنازة] علي مؤخر القبر، ثم يدخل الميت القبر، وبهذا قال الشافعى ﵁. وقال أبو حنيفة: توضع الجنازة في جانب القبلة من القبر بحيث يكون مؤخر الجنازة إلي مؤخر القبر، ورأسه إلي رأسه، ويدخل الميت القبر.
الحديث السادس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((فأسرج له بسراج)) أقيم مقام الفاعل، أي أشعل له سراج، فأخذ الميت من مكان هو من قبل القبلة ثم أدخله القبر، هذا مذهب أبي حنيفة. قوله: ((لأواها)) ((نه)) الأواه: المتأوه المتضرع. وقيل: هو الكثير البكاء. وقيل: الكثير الدعاء. ((وإن)) هي المخففة من المثقلة؛ ولذلك أدخلت علي فعل من أفعال المبتدأ، ولزمها اللام الفارقة بينها وبين النافية، وفيه دليل علي جواز دفن الميت بالليل.
الحديث السابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((كان إذا أدخل الميت القبر)) ((أدخل))
стр. 958
الله، وبالله، وعلي ملة رسول الله)). وفي رواية: ((وعلي سنة رسول الله)). رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وروى أبو داود الثانية. [١٧٠٧]
١٧٠٨ - وعن جعفر بن محمد، عن أبيه مرسلاً، وأن النبي ﷺ حثا علي الميث ثلاث حثيات بيديه جميعاً، وأنه رش علي قبر ابنه إبراهيم، ووضع عليه حصباء. رواه في ((شرح السنة))، وروى الشافعي من قوله: ((رش)). [١٧٠٨]
١٧٠٩ - وعن جابر، قال: نهي رسول الله ﷺ أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن توطأ. رواه الترمذي. [١٧٠٩]
١٧١٠ - وعنه، قال: رُشَّ قبر النبي ﷺ ، وكان الذي رش الماء علي قبره بلال ابن رباح بقربة، بدأ من قبل رأسه حتى انتهي إلي رجليه. رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)). [١٧١٠]
ــ
في بعض النسخ مجهولاً، وفي بعضها معلوماً، فعلي المجهول لفظ ((كان)) بمعنى الدوام، وعلي المعلوم بخلافه، لما روى أبو داود عن جابر قال: ((رأي ناس ناراً في المقبرة، فأتوها، فإذا هو رسول الله ﷺ في القبر، وهو يقول: ناولونى صاحبكم، فإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر)).
الحديث الثامن، والتاسع عن جابر ﵁: قوله: ((أن تجصص القبور)) قيل: لعل ورود النهي لأنه نوع من الزينة، ولذلك رخص بعضهم التطيين، منهم الحسن البصرى، وقال الشافعى: لا بأس أن يطين القبر. ((مظ)): يكره كتابة اسم الله ورسوله، والقرآن علي القبر؛ لئلا يهان بالجلوس عليه، ويداس عند الانهدام.
الحديث العاشر عن جابر ﵁: قوله: ((رش قبر النبي ﷺ ) لعل ذلك إشارة إلي استنزال الرحمة الإلهية، والعواطف الربإنية علي صاحب القبر، كما ورد في الدعاء ((اللهم اغسل خطايأي بالماء، والثلج، والبرد)) وقالوا: سقى الله ثراه، وبرد الله مضجعه، وكان ذلك من دأبهم وعادتهم في أشعرهم، وأنشد الرضي يرثي أبا حسان:
سقاكم ولولا عادة غريبة ... لقل لكم قطر الجي المنضد
والجي من السحاب المتراكم. أو إلي الدعاء بالطراوة وعدم الدروس قال الحماسى:
стр. 959
١٧١١ - وعن المطلب بن أبي وداعة، قال: لما مات عثمان بن مظعون، أخرج جنازته فدفن، أمر النبي ﷺ رجلاً أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حملها، فقام إليها رسول الله ﷺ وحسر عن ذراعيه. قال المطلب: قال الذي يخبرني عن رسول الله ﷺ : كإني أنظر إلي بياض ذراعي رسول الله ﷺ حين حسر عنهما، ثم حملها فوضعها عند رأسه، وقال: ((أعلم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي)). رواه أبو داود. [١٧١١]
١٧١٢ - وعن القاسم بن محمد، قال: دخلت علي عائشة، فقلت: يا أماه! اكشفي لي عن قبر النبي ﷺ وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا نشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. رواه أبو داود. [١٧١٢]
ــ
سقى الله أجداثاً ورائى تركتها ... بحاضر قنسرين من سبيل القطر
مضوا لا يريدون الرواح وغالهم ... من الدهر أسباب جرين علي قدر
قال المرزوقى: المعنى: سقى الله هذه القبور من ماء السحاب ما سال علي عجلة، والقصد فيه: أن تبقى عهودها غضة محمية من الدروس، طرية لا يتسلط عليها ما يزيل جدتها ونضارتها، ألا ترى أنه لما أراد ضد ذلك، قال: فلا سقاهن إلا النار تضرم.
الحديث الحادى عشر عن المطلب: قوله: ((وحسر عن ذراعيه)) ((نه)): أي أخرجهما عن كميه. وقوله: ((أعلم بها قبر أخي)) سماء أخًا لقرابة بينهما؛ لأنه كان قرشيًا، وهو عثمان بن مظعون ابن حبيب بن وهيب القرشي الجمحي، وكان ممن حرم الخمر [في الجاهلية وقال: لا أشرب ما يضحك بي من هو دوني وقال السلمي: وكان عثمان من] أهل الصفة، وهو أول من دفن بالبقيع، ومن هاجر بالمدينة.
قوله: ((وأدفن إليه من مات)) أي أضم إليه في الدفن من مات من أهلي. قيل: أول من تبعه من أهل النبي ﷺ إبراهيم بن النبي ﷺ ، وقال صلوات الله عليه لزينب ابنته بعد أن ماتت: ((الحقى بسلفنا الخير عثمان بن مظعون)). ((مظ)): فيه أن جعل العلامة علي القبر ليعرفه الناس سنة، وكذلك دفن بعض الأقارب بقرب بعض.
الحديث الثانى عشر عن القاسم: قوله: ((ولا لا طية)) ((نه)): يقال: لطا بالأرض ولطى بها
стр. 960
١٧١٣ - وعن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلي القبر ولما يلحد بعد، فجلس النبي صلي الله وعليه وسلم مستقبل القبلة، وجلسنا معه. رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه وزاد في آخره: كأن علي رؤوسنا الطير. [١٧١٣]
١٧١٤ - وعن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: ((كسر عظام الميت ككسره حياً)). رواه مالك، وأبو داود، وابن ماجه. [١٧١٤]
الفصل الثالث
١٧١٥ - عن أنس، قال: شهدنا بنت رسول الله ﷺ تدفن، ورسول الله ﷺ جالس علي القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: ((هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة؟)) فقال أبو طلحة: أنا. قال: ((فانزل في قبرها)). فنزل في قبرها. رواه البخاري.
ــ
إذا لزق. و ((العرصة)) جمعها عرصات، وهي كل موضع واسع لا بناء فيه. و ((البطحاء)) مسيل واسع فيه دقاق الحصى، والمراد به ههنا الحصى؛ لإضافتها إلي العرصة، أي كشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مرتفعة ولا منخفضة، [لاصقة بالأرض] مبسوطة مسواة. والبطح أن يجعل ما ارتفع من الأرض مسطحاً حتى يستوى، ويذهب التفاوت.
الحديث الثالث عشر، والرابع عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((ككسره حياً)) فيه دلالة علي أن إكرام الميت مندوب إليه في جميع ما يجب كإكرامه حياً، وإهانته منهي عنها، كما في الحياة.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((لم يقارف)) ((نه)): في الحديث ((رجل قرف علي نفسه))، أي كسبها، يقال: قارف الذنب وغيره إذا داناه، ولاصقة، وقرفه بكذا. أضافة إليه واتهمه به، وقارف امرأته إذا جامعها. وفي جامع الأصول: لم يقارف، أي لم يذنب ذنباً، ويجوز أن يريد به الجماع، فكنى عنه، وهو المعني في الحديث.
أقول: مثله في الكناية قوله تعالي: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلي نسائكم﴾ وكان من عادة أدب القرآن أن يكنى عن الجماع باللمس، والقربان؛ لبشاعة التصريح، فعكس فكنى عن
стр. 961
١٧١٦ - وعن عمرو بن العاص، قال لابنه وهو في سياق الموت: إذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شناً، ثم أقيموا حول قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستانس بكم وأعلم ماذا أراجع به رسل ربي. رواه مسلم.
١٧١٧ - وعن عبد الله بن عمر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((إذا مات أحدكم فلا تحسبوه، وأسرعوا به إلي قبره، وليقرأ عند رأسه فاتحة البقرة، وعند رجليه بخاتمة البقرة)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) وقال: والصحيح أنه موقوف عليه. [١٧١٧]
١٧١٨ - وعن ابن أبي مليكة، قال: لما توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبشي، وهو موضعٌ، فحمل إلي مكة فدفن بها، فلما قدمت عائشة، أتت قبر عبد الرحمن بن أبي بكر فقالت:
ــ
الجماع بالرفث وهو أبشع. تقبيحاً لفعلهم لينزجروا عنه، لذلك كنى في الحديث عن المباح بالمحظور؛ ليصون جانب بيت رسول الله ﷺ عما ينبئ عن الأمر المستهجن. وتخصيص الليلة [بالعهد] بالذكر لتجدد عهد المباشرة. فإن قلت: لم لا يحمل الاقتراف علي التصريح؟ قلت: لأن الكناية أبلغ، فإذا نفي المباح أو المندوب، كان أنفي للمحظور وأرعى لصيانة جلالة محل بنت نبى الله صلي الله وعليه وسلم.
الحديث الثانى عن عمرو ﵁: قوله: ((في سياق الموت)) السوق النزع، والسياق أيضاً، وأصله: سواق، فقلبت الواو ياء لكسرة السين، وهما مصدران من ساق يسوق. قوله: ((فشنوا علي التراب)) ((نه)): الشن: الصب في سهولة، و ((شنوا علي التراب)) أي ضعوه وضعاً سهلاً.
الحديث الثالث إلي السادس عن عبد الله ﵁: قوله: ((بفاتحة البقرة)) لعل تخصيص فاتحة البقرة لاشتمالها علي مدح كتاب الله، وأنه هدى للمتقين الموصوفين بالخلال الحميدة من الإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وخاتمتها لاحتوائها علي الإيمان بالله وكتبه ورسله، ولإظهار الاستكانة، وطلب الغفران والرحمة، والتولي إلي كنف الله تعالي وحمايته؛ ولذلك جعل مكثه غير مقبور منعاً له من كرامته، وحبساً من موطن عزه، وإليه الإشارة بقوله: ((لا تحبسوه وأسرعوا به)).
стр. 962
وكنا كندمإني جذيمة حقبة ... من الدهر، حتى قيل: لن يتصدعا
فلما تفرقنا، كإني ومالكاً ... لطول اجتماع لم نبت ليلةً معا
ثم قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك. رواه الترمذي. [١٧١٨]
١٧١٩ - وعن أبي رافع، قال: سل رسول الله ﷺ سعداً ورش علي قبره ماء. رواه ابن ماجه. [١٧١٩]
١٧٢٠ - وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ صلي علي جنازة، ثم أتى القبر فحثا عليه من قبل رأسه ثلاثاً. رواه ابن ماجه. [١٧٢٠]
١٧٢١ - وعن عمرو بن حزم، قال: رإني النبي ﷺ متكئاً علي قبرٍ، فقال: ((لا تؤذ صاحب هذا القبر، أو لا تؤذه)). رواه أحمد. [١٧٢١]
ــ
((مح)) قال محمد بن أحمد [المروزى]: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا دخلتم المقابر فاقرأوا بفاتحة الكتاب، والمعوذتين، وقل هو الله أحد، واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر؛ فإنه يصل إليهم. والمقصود من زيارة القبور للزائر الاعتبار، وللمزور الانتفاع بدعائه، ذكره في الأذكار.
الحديث السابع عن ابن أبي مليكة: قوله: ((بالحبشى)) وفي ((النهاية)) للجزرى: هو بضم الحاء وسكون الباء وكسر الشين والتشديد، موضع قريب من مكة. قال الجوهرى: هو جبل بأسفل مكة، وجذيمة هذا كان ملكه بالعراق والجزيرة، وضم إليه العرب، وهو صاحب الزباء. والحقبة- بالكسر- السنة، وجمعه حقب، والحقب- بالضم- ثمانون سنة. وقيل: أكثر. والتصدع: التقطع والتفرق، يقال: صدعت الرداء صدعاً إذا شققته. وقولها: ((لو حضرتك)) أي لو شهدت وفاتك ودفنك، منعت أن تنقل ودفنتك حيث مت، ولو دفنت حيث أنت فيه الآن وقد حضرت وفاتك ما زرتك؛ لأن النبي ﷺ لعن زوارات القبور.
стр. 963
(٧) باب البكاء علي الميت
الفصل الأول
١٧٢٢ - عن أنس، قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ علي أبي سيف القين، وكان ظئراً لإبراهيم، فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان. فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: ((يا بن عوف! إنها رحمة)) ثم أتبعها بأخرى، فقال: ((إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)). متفق عليه.
١٧٢٣ - وعن أسامة بن زيد، قال: أرسلت ابنة النبي ﷺ إليه: أن ابناً لي
ــ
باب البكاء علي الميت
الفصل الأول
الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((ظئراً لإبراهيم)) ((نه)): الظئر المرضعة غير ولدها، ويقال للذكر أيضاً. ((فا)): المظأرة عطف الناقة علي غير ولدها، يقال: ظأرها وأظأرها، وهي ظئور وظئير. قوله: ((يجود بنفسه)) ((نه)): أي يخرجها ويدفعها، كما يدفع الإنسان ماله يجود به.
قوله: ((تذرفان)) ((نه)): ذرفت العين تذرف إذا جرى دمعها. وقوله: ((وأنت يا رسول الله)) فيه معنى التعجب، والواو تستدعى معطوفاً عليه، أي الناس لا يصبرون علي المصائب، ويتفجعون، وأنت تفعل كفعلهم، أي لا ينبغى لك أن تتفجع، كأنه استغرب ذلك منه؛ لأنه يدل علي ضعف النفس، والعجز عن مقاومة المصيبة بالصبر، يخالف ما عهده منه من الحث علي الصبر، والنهي عن الجزع. وأجاب عنه بقوله: ((إنها رحمة)) أي الحالة التي تشاهدها منى يا بن عوف رقة ورحمة علي المقبوض، تنبعث عن التأمل فيما هو عليه، لا فيما توهمت من الجزع وقلة الصبر.
وقوله: ((ثم أتبعها بأخرى)) قيل: يحتمل أن يتبع الدمعة الأولي بالأخرى، وأن يتبع الكلمة المذكورة وهي ((إنها رحمة)) بكلمة أخرى وهي ((إن العين تدمع والقب يحزن))؛ فإن الفاء في قوله: ((فقال)) للتعقيب. ويحتمل أن يكون قوله: ((إنها رحمة)) كلمة مجملة فعقبها بالتفصيل، وهي قوله: ((إن العين تدمع، والقب يحزن)) وينصر هذا التأويل قوله في الحديث الآتي: ((هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده)) أي الدمعة التي تراها العين أثر رحمة جعلها الله في قلوب عباده.
الحديث الثاني عن أسامة ﵁: قوله: ((قبض)) ((نه)): قبض المريض إذا توفي، وإذا
стр. 964
قبض فأتنا. فأرسل يقرئ السلام، ويقول: ((إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب)). فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه سعد ابن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت ورجال، فرفع إلي رسول الله ﷺ الصبي ونفسه تتقعقع، ففاضت عيناه. فقال سعد: يا رسول الله! ما هذا؟ فقال: ((هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، فإنما يرحم الله من عباده الرحماء)). متفق عليه.
١٧٢٤ - وعن عبد الله بن عمر، قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي صلي الله وعليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود،
ــ
أشرف علي الموت، أرادات. أنه في حال القبض ومعالجة النزع. قوله: ((وكل عنده)) أي كل من الأخذ والإعطاء عند الله مقدر مؤجل؛ فـ ((ما)) في ((ما أخذ، وما أعطى)) يحتمل أن تكون مصدرية، وموصولة. والعائد محذوف.
قوله: ((فلتصبر ولتحتسب)) يجوز أن يكون أمراً للغائب المؤنث أو الحاضر علي قراءة من قرأ ((فبذلك فلتفرحوا)) فعلي هذا المبلغ من رسول الله ﷺ ما تلفظ به في الغيبة، والمراد بالاحتساب أن يجعل الولد في حسابه لله تعالي: فيقول: ((إنا لله وإنا إليه راجعون))، وهو معنى قوله سابقاً: ((إن لله ما أعطى، وله ما أخذ)).
قوله: ((تقعقع)) ((نه)): أي تضطرب وتتحرك، والقعقعة حكاية حركة لشيء يسمع له صوت، كالسلاح والشن اليابس. وقوله: ((إنما يرحم الله)) يعني هذا تخلق الله تعالي، وإنما يرحم الله من عباده من اتصف بأخلاقه، ويرحم من عباده. ((من)) في ((من عباده)) بيإنية، حال من المفعول، وهو ((الرحماء)) قدمها إجمالاً وتفصيلاً ليكون أوقع.
الحديث الثالث عن عبد الله ﵁: قوله: ((في غاشية)) ((تو)): هي الداهية من شر، أو مرض، أو مكروه. والمراد بها هاهنا: ما كان يتغشاه من كرب الوجع الذي به لا حال الموت؛ لأنه برأ من ذلك المرض. ((خط)): أراد بالغاشية القوم الحضور عنده الذين هم غاشية، أي يغشونه للخدمة والزيارة. ((مح)): قوله ﷺ : ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)) وفي رواية ((ببعض بكاء أهله)) وفي رواية ((ببكاء الحي)) وفي رواية ((يعذب في قبره بما نيح عليه)) وفي رواية ((من يبك عليه يعذب)). وهذه الروايات من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﵄، وأنكرت عائشة ﵂، ونسبتهما إلي النسيان والاشتباه عليهما، وأنكرت أن
стр. 965
فلما دخل عليه وجده في غاشية، فقال: ((قد قضى؟)) قالوا: لا، يا رسول الله! فبكى النبي ﷺ ، فلما رأي القوم بكاء النبي ﷺ بكوا، فقال: ((ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا)) وأشار إلي لسانه ((أو يرحم، وإن الميت ليعذب ببكاء أهله)). متفق عليه.
١٧٢٥ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا دعوى الجاهلية)). متفق عليه.
١٧٢٦ - وعن أبي بردة، قال: أغمي علي أبي موسى، فأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة، ثم أفاق، فقال: ألم تعلمي؟! وكان يحدثها أن رسول الله ﷺ قال: ((أنا بريء ممن حلق وصلق وخرق)). متفق عليه. ولفظه لمسلم.
ــ
يكون ذلك من قول النبي صلي الله وعليه وسلم، واحتجت بقوله تعالي: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ قالت: وإنما قال النبي ﷺ في يهودية: ((إنها تعذب وهم يبكون عليها)) يعنى تعذب بكفرها في حال بكاء أهلها، لا بسبب البكاء. واختلف العلماء فيه، ذهب الجمهور إلي أن الوعيد في حق من أوصى بأن يبكى عليه، ويناح بعد موته، فنفذت وصيته، فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحتهم؛ لأنه بسببه. وأما من بكوا عليه وناحوا من غير وصية، فلا؛ لقوله تعالي: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾.
((خط)): يشبه أن يكون هذا من حيث أن العرب كانوا يوصون أهاليهم بالبكاء والنوح عليهم، وإشاعة النعي في الأحياء، وكان ذلك مشهوراً من مذاهبهم، وموجوداً في أشعارهم كثيراً، فالميت تلزمه العقوبة في ذلك بما تقدم من أمره إليهم في وقت حياته. وقيل: المراد بالميت من أشرف علي الموت، وبالتعذيب أنه إذا حضره الموت، والناس حوله يصرخون ويتفجعون، فيزيد كربه وتشتد عليه سكرات الموت، فيصير معذباً به، فيكون ذلك حالا لا سبباً، أي أنه ليعذب عن بكائهم عليه، لا ببكائهم عليه. وهذا الوجه ضعيف؛ وهذا لما في رواية ((ببكاء الحى))، وفي رواية ((يعذب في قبره بما نيح عليه)).
الحديث الرابع، والخامس عن أبي بردة ﵁: قوله: ((تصيح برنة)) ((مح)): هي بفتح الراء وتشديد النون، وهي صوت مع البكاء فيه ترجيع. قوله: ((وكان يحدثها)) حال، والعامل ((قال)) ومفعول ((ألم تعلمى)) مقول القول، يعنى ألم تعلمى أن رسول الله ﷺ قال: ((أنا برئ))؟
стр. 966
١٧٢٧ - وعن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله صلي الله وعليه وسلم: ((أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة)) وقال: ((النائحة إذا لم تتب قبل موتها؛ تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب)). رواه مسلم.
ــ
فتنازعا فيه. قوله: ((حلق)) أي حلق شعره عند المصيبة. ((وصلق)) ((نه)): هو الصوت الشديد يريد رفعه في المصائب، وعند الفجيعة بالموت، ويدخل فيه الموت. ويقال بالسين. و ((خرق)) أي شق ثوبه علي المصيبة، وكان ذلك في أغلب الأحوال من صنيع النساء.
الحديث السادس عن أبي مالك: قوله: ((في أمتي، ومن أمر الجاهلية، ولا يتركونهن)) يحتمل وجوهاً من الإعراب أحسنها: أن يكون ((في أمتي)) خبراً لـ ((أربع)) أي خصال أربع كائنة في أمتي. ((ومن أمر الجاهلية، ولا يتركونهن)) حالان من الضمير المتحول إلي الجار والمجرور، المعنى: أن هذه الخصال تدوم في الأمة لا يتركونهن بأسرهم تركهم لغيرها من سنن الجاهلية، فإنهم إن تركهن طائفة باشرهن آخرون.
قوله: ((الفخر في الأحساب)) قال ابن السكيت: الحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن لآبائه شرف، والشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء. ((فا)): الفخر بها هو تعداد الرجل من مآثره ومآثر الآباء، ومنه قولهم: من فات حسب نفسه لم ينتفع بحسب أبيه. ((مظ)): الطعن: العيب، وما هو أن يحقر آباء غيره، ويعظم آباءه، اللهم إلا بالإسلام والكفر.
أقول: ويجوز أن يكني بالطعن في أنساب الغير عن الفخر بنسب نفسه، فيجتمع له الحسب والنسب، وأن يحمل علي الطعن في نسب نفسه، أن يقال: لي حسب؛ [والأدردفي] النسب، قال:
إنا بنى نهشل ... لا ندعى لأب
والاستقساء بالنجوم: طلب السقيا، وتوقع الأمطار عند وقوع النجوم والأنواء، كما كانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا.
قوله: ((قبل موتها)) أي قبل حضور موتها. ((تو)): إنما قيد ليعلم أن من شرط التوبة أن يتوب التائب وهو يأمل البقاء، ويتمكن من تأتى العمل الذي يتوب منه، ومصداق ذلك قوله تعالي: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهو كفار﴾. وقوله: ((تقام)) يحتمل أنها تحشر، ويحتمل أنها تقام علي تلك الحالة بين أهل النار وأهل الموقف، جزاء علي قيامها في المناحة. وهو الأمثل.
стр. 967
١٧٢٨ - وعن أنس، قال: مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: ((اتقى الله واصبري)). قالت: إليك عني؛ فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه. فقيل لها: إنه النبي ﷺ . فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك. فقال: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولي)). متفق عليه.
١٧٢٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يموت لمسلم ثلاث من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم)). متفق عليه.
ــ
قوله: ((ودرع من جرب)) الدرع قميص النساء، والسرابيل أيضاً قميص لكن لا يختص بهن، يعني يسلط علي أعضائها الجرب والحكة، فتطلي مواقعه بالقطران ليداوى، فيكون الدواء أدوى من الداء؛ لاشتماله علي درع القطران، وحرقته، إسراع النار في الجلود، واللون الوحش، ونتن الريح. والقطران: ما يتجلب من شجر يسمى الأبهل، فيطبخ فتهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحره وحدته، والجلد، وقد تبلغ حرارته الجوف.
((تو)): خصت درع الجرب؛ لأنها كانت تخرج بكلماتها المرقة قلوب ذوات المصيبات وتحرك بها بواطنهن، فعوقبت في ذلك المعنى بما يماثله في الصورة، وخصت أيضاً بسرابيل من قطران؛ لأنها كانت تلبس الثياب السود في المآتم، فألبسها الله السراويل لتذوق وبال أمرها. فإن قلت: ذكر الخلال الأربع، ولم يرتب عليها الوعيد سوى النياحة، فما الحكمة فيه؟ قلت: النياحة مختصة بالنساء، وهن لا ينزجرن من هجيراهن انزجار الرجال، فاحتجن إلي مزيد الوعيد.
الحديث السابع عن أنس ﵁: قوله: ((اتقي الله)) توطئه لقوله: ((واصبري)) كأنه قيل: لا تجزعي وخافي غضب لله، واصبري حتى تثأبي، فكان من جوابها ((إليك عني)) أي تنح عني، وباعدني. وفائدة قوله: ((فلم تجد عنده بوابين)) أنها حين قيل لها: إنه النبي ﷺ استشعرت خوفاً وهيبة في نفسها، فتصورت أن نبى الله ﷺ كمثل الملوك والعظماء، له حاجب يمنع الناس من الوصول إليه، فقالت معتذرة: اعذرني من تلك الردة وخشونتها، فكان ظاهر الجواب غير ما ذكر من قوله: ((الصبر عند الصدمة الأولي)) ولكن أخرجه مخرج الأسلوب الحكيم، أي دعي الاعتذار مني، فإن من شيمتي أن لا أغضب إلا الله، وانظري إلي تفويتك من نفسك الثواب الجزيل، والكرامة، والفضل من الله تعالي بالجزع وعدم الصبر عند فجاءة الفجيعة. ((نه)): الصدم: ضرب الشيء الصلب بمثله، المعنى: الصبر عند قوة المصيبة وشدتها يحمد ويثاب عليه؛ لأنه إذا طالت الأيام فيصير الصبر طبعاً فلا يؤجر عليه.
الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فيلج النار إلا تحلة)) ((شف)): إنما
стр. 968
١٧٣٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ لنسوة من الأنصار: ((لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه، إلا دخلت الجنة)). فقالت امرأة منهن: أو اثنان يا رسول الله؟ قال: ((أو اثنان)). رواه مسلم. وفي رواية لهما: ((ثلاثة لم يبلغوا الحنثَ)).
ــ
تنصب الفاء الفعل المضارع بتقدير ((أن)) إذا كان بين ما قبلها وما بعدها سببية، ولا سببية ههنا، إذ لا يجوز أن يكون موت الأولاد ولا عدمه سبباً لولوج أبيهم النار، فالفاء بمعنى الواو الذي للجمعية، وتقديره: لا يجتمع لمسلم موت ثلاثة من أولاده وولوجه النار. ونظيره ما ورد ما من عبد يقول في صبح كل يوم ومساء كل ليلة: ((بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الارض ولا في السماء وهو السميع العليم)) فيضره شيء بالنصب، وتقديره: لا يجتمع قول عبد هذه الكلمات في هذه الأوقات ومضرة شيء إياه.
أقول: إن كانت الرواية علي النصب، فلا محيد عن ذلك، والرفع يدل علي أنه لا يوجد ولوج النار عقيب موت الأولاد إلا مقداراً يسيراً. ومعنى وفاء التعقيب كمعنى الماضي في قوله تعالي: ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار﴾ في أن ما سيكون بمنزلة الكائن، وأن ما أخبره الصادق عن المستقبل كالواقع.
قوله: ((تحلة القسم)) التحلة: مصدر كالتعزة، بمعنى التحليل. ((نه)): أراد بالتحلة ﴿وإن منكم إلا واردها كان علي ربك حتماً مقضياً﴾ كما يقال: ضربته تحليلاً، إذا لم يبالغ في ضربه، وهو مثل في القليل المفرط في القلة، وهو أن يباشر من الفعل الذي يقسم عليه المقدار الذي يبر به قسمه. ((تو)): قيل: القسم يضمر بعد قوله: ((وإن منكم إلا واردها)) أي وإن منكم والله إلا واردها. وقيل: موضع القسم مردود إلي قوله: ﴿فوربك لنحشرنهم والشياطين﴾.
أقول: لعل المراد بالقسم ما دل علي القطع والبت من الكلام؛ فإن قوله تعالي: ((كان علي ربك حتماً مقضياً)) تذييل وتقرير لقوله: ((وإن منكم إلا واردها)) فهو بمنزلة القسم، بل هو أبلغ لمجيء الاستثناء بالنفي والإثبات، ولفظة ((كان))، و ((علي)) وتأكيد الحتم بالمقضي.
الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فتحتسبه)) أي فتصبر راجية لرحمة الله وغفرانه، ليست هذه الفاء كما في ((فيلج)) بل هي للتسبيب للموت، وحرف النفي منصب علي السبب والمسبب معاً.
قوله: ((أو اثنان)) عطف علي قوله: ((ثلاثة)) أي قل يا رسول الله: أو اثنان، ونظيره قوله
стр. 969
١٧٣١ - وعنه، قال: قال: رسول الله ﷺ : ((يقول الله: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة)). رواه البخاري.
الفصل الثانى
١٧٣٢ - عن أبي سعيد الخدري. قال: لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة. رواه أبو داود. [١٧٣٢]
١٧٣٣ - وعن سعد بن أبي وقاص [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((عجب للمؤمن: إن إصابة خير حمد الله وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد الله وصبر، فالمؤمن يؤجر في كل أمره حتى في اللقمة يرفعها إلي في امرأته)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [١٧٣٣]
ــ
تعالي حاكياً عن إبراهيم: ((ومن ذريتي)) فإنه عطف علي الكاف في قوله تعالي: ((إني جاعلك للناس إماماً)). قوله ((لم يبلغوا الحنث)) ((نه)): أي لم يبلغوا مبلغ الرجال، ويجرى عليهم القلم، فيكتب عليهم الحنث وهو الإثم.
الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((صفيه)) ((نه)): صفي الرجل الذي يصافيه الود ويخلصه له، فعيل بمعنى فاعل، أو مفعول. وإنما قيد بـ ((أهل الدنيا))؛ ليؤذن بأن الصفاء إذا كان من أهل الآخرة، كان جزاؤه وراء الجنة، وهو رضوان الله، ورضوان من الله أكبر.
الفصل الثانى
الحديث الأول والثانى عن سعد ﵁: قوله: ((عجب للمؤمن)) أصله أعجب عجباً، فعدل عن النصب إلي الرفع للثبات، كقولك: سلام عليك. وقوله: ((إن أصابه)) إلي آخره بيان للتعجب. قوله: ((حمد الله وصبر)) ((مظ)): وتحقيق الحمد عند المصيبة؛ لأنه يحصل بسببه ثواب عظيم، وهو نعمة يستوجب الشكر عليها. أقول: وتوضيحه قول القائل:
فإن مس بالنعماء عم سرورها وإن مس بالضر أعقبه الأجرا
ويحتمل أن يراد بالحمد الثناء علي الله تعالي بقوله: ((إنا لله وإنا إليه راجعون)).
قوله: ((فالمؤمن يؤجر)) الفاء جزاء شرط مقدر، يعنى إذا أصابته نعمة فحمد أجر، وإذا
стр. 970
١٧٣٤ - وعن أنس، قال: قال: رسول الله ﷺ : ((ما مِنْ مُؤمنٍ إِلَاّ وله بابان: بابٌ يصعَدُ منه عملُه، وبابٌ ينزلُ منه رِزقُه. فإِذا ماتَ بكيَا عليهِ، فذلكَ تولُه تعالي: ﴿فما بكتْ عليهمُ السماء والأرضُ﴾)). رواه الترمذيُّ. [١٧٣٤]
١٧٣٥ - وعن ابن عباسٍ، قال: قال: رسول الله ﷺ : ((من كان له فرطانِ منْ أمَّتي أدخلَه الله بهما الجنة)). فقالت عائشةُ: فمنْ كان له فرط من أُمَّتِكَ؟ قال: ((ومن كان له فرطٌ يامُوفَّقة!)) فقالت: فمن لم يكن له فرطٌ من أمتك؟ قال: ((فأنا فرط أمَّتي، لن يُصابوا بمثلي)). رواه الترمذيُّ، وقال: هذا حديثٌ غريبٌ. [١٧٣٥]
ــ
أصابته مصيبة فصبر أجر، فهو مأجور في كل أموره الدينية - حتى الشهوإنية - ببركة إيمانه، وإذا قصد بالنوم زوال التعب للقيام إلي العبادة عن نشاط وفرح كان النوم طاعة، وعلي هذا الأكل وجميع المباحات.
الحديث الثالث عن أنس ﵁ قوله: ((فما بكت عليهم السماء والأرض)) ((الكشاف)): هذا تمثيل وتخييل، مبالغة في فقدان من درج وانقطع خبره، وكذلك ما روى عن ابن عباس ﵄ من بكاء مصلي المؤمن وآثاره في الأرض، ومصاعد عمله ومهابط رزقه في السماء تمثيل. ونفي ذلك في قوله تعالي: ((فما بكت عليهم السماء والأرض)) تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده، فيقال فيه: بكت عليه السماء والأرض.
الحديث الرابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((فرطان)) قيل: الفرط - بالتحريك من يتقدم القافلة، فيطلب الماء والمرعى، ويهيء لهم ما يحتاجون إليه في المنزل. فعل بمعنى فاعل، يستوى فيه الواحد والجمع، مثل تبع وتابع، المعنى: أن الطفل المتوفي يتقدم والديه، فيهيء لهما في الجنة منزلا ونزلا، كما يتقدم فُرّاط القافلة ويعدون لهم ما يفتقرون إليه من الأسباب، ويعينون لهم المنازل. قوله: ((يا موفقة)) يعني وفقك الله علي السؤال حين تفضل علي العباد، ويسهِّل عليهم بحصول ذلك المعنى من ولد واحد، وحتى تفضل علي من لا ولد له بفرط مثلي، ونعم الفارط أنا. قوله: ((لن يصابوا بمثلي)) وأنشدت فاطمة الزهراء ﵂.
ماذا علي من شم تربة أحمد أن لايشم مدى الزمان غواليا
صبَّت علي مصائب لو أنها صبَّت علي الأيام عدن لياليا
стр. 971
١٧٣٦ - وعن أبي موسى الأشعريِّ، قال: قال: رسول الله ﷺ ((إذا مات ولدُ العبد، قال الله تعالي لملائكته: قبضتم ولدَ عبدي؟ فيقولونَ: نعم. فيقولُ: قبضتم ثمرةَ فُؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقولُ: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله: ابنو لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد)). رواه أحمدُ، والترمذيُّ. [١٧٣٦]
١٧٣٧ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من عزى مصابًا، فله مثل أجره)). رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ غريبٌ، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث علي بن عاصم الراوي، وقال: ورواه بعضُهم عن محمد ابن سوقة بهذا الإسناد موقوفًا. [١٧٣٧]
١٨٣٨ - وعن أبي برزة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من عزى ثكلي كُسيّ بُردًا في الجنَّة)). رواه الترمذيُّ، وقال: هذا حديثٌ غريب. [١٧٣٨]
ــ
الحديث الخامس عن أبي موسى: قوله: ((قبضتم ولد عبدي)) مرجع السؤال إلي تنبيه الملائكة علي ما أراد الله سبحانه من التفضل علي عبده الحامد؛ لأجل تصبره علي المصائب، وعدم تشكيه، بل إعداده إياها من جملة النعماء التي يستوجب الشكر عليها ثم استرجاعه، وأن نفسه ملك الله وإليه المصير في العاقبة، قال أولا: ((ولد عبدي))، أي فرع شجرته، ثم ترقى إلي ((ثمرة فؤاده)) أي نقاوة خلاصته؛ فإن خلاصة الإنسان الفؤاد، والفؤاد إنما يعتد به لما هو مكان اللطيفة التي خلق لها، وبها شرفه وكرامته، فحقيق لمن فقد مثل تلك النعمة الخطيرة، ويلقاها بمثل ذلك الحمد، أن يكون محمودًا حتى المكان الذي يسكن فيه، فلذلك سمي بيت الحمد.
الحديث السادس عن عبد الله ﵁: قوله: ((من عزَّى مصابًا)) ((نه)): التعزى: الانتماء والانتساب إلي القوم، والعز أو العزوة اسم لدعوى المستغيث، وقيل: التعزي التآسي والتصبر عند المصيبة، أن يقول: ((إنا لله وإنا إليه راجعون)). ويقول المعزِّي: أعظم الله جزاءك، وأحسن عزاك، وغفر لميتك.
الحديث السابع عن أبي برزة: قوله: ((ثكلي)) الثكل: فقد الولد، يقال: امرأة ثاكل، وثكلي، ورجل ثاكل، وثكلان.
стр. 972
١٧٣٩ - وعن عبد الله بن جعفرٍ، قال: لما جاء نعيُ جعفرٍ، قال النبي ﷺ : ((اصنَعوا لآل جعفرٍ طعامًا، فقد أتاهُم ما يشغلُهم)). رواه الترمذي، وأبي داود، وابن ماجه.
الفصل الثالث
١٧٤٠ - عن المغيرة بن شعبةَ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((منْ نيحَ عليه، فإنه يعذَّبُ بما نيحَ عليه يوم القيامة)). متفق عليه.
١٧٤١ - وعن عمرَةَ بنت عبد الرحمن، أنها قالتْ: سمعتُ عائشةَ، وذُكرَ لها أنَّ عبد الله بن عمر يقولُ: إنَّ الميتَ ليعذبُ ببكاء الحي عليه، تقولُ: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب؛ ولكنَّه نسيَ أو أخطأ، إنَّما مرَّ رسولُ الله ﷺ علي يهودية يُبكى علَيها، فقال: ((إنَّهم ليبكون عليها وإنها لتُعذَّبُ في قبرها)). متفق عليه. [١٧٤١]
١٧٤٢ - وعن عبد الله بن أبي مليكةَ، قال: توفيت بنت لعثمان بن عفان بمكة، فجئنا لنشهدها، وحضرها ابن عمر وابن عباس، فإني لجالسٌ بينهما، فقال عبد الله بنُ
ــ
الحديث الثامن عن عبد الله: قوله: ((نعى جعفر)) ((نه)): يقال: نعى الميت ينعاه نعيًا ونعيًا، إذا أذع موته، وأخبر به وإذا ندبه.
الفصل الثالث
الحديث الأول من المغيرة: قوله: ((بما نيح عليه)) الباء يجوز أن تكون سببية، و ((ما)) مصدرية، وأن يكون الجار والمجرور حالا، و ((ما)) موصولة، أي يعذب ملتبسًا بما ندب عليه من الألفاظ: يا جبلاه، يا كهفاء، ونحوهما علي سبيل التهكم، ويعضده حديث النعمان، وسيأتي عن قريب.
الحديث الثاني عن عمرة: قوله: ((تقول: يغفر الله)) حال من مفعول ((سمعت)). وقوله: ((وذكر لها) إلي آخره يحتمل أن يكون حالا من المفعول والفاعل.
الحديث الثالث عن عبد الله: قوله: ((فإني لجالس)) والظاهر أن يقال: وإني لجالس، ليكون
стр. 973
عمرَ لعمرو بن عثمان وهو مواجهُه: ألا تَنهي عن البُكاءِ؟ فإنَّ رسول الله ﷺ قال: ((إنَّ الميت ليُعذَّبُ ببكاء أهله عليه)). فقال ابن عباس: قد كان عمرُ يقولُ بعض ذلك. ثم حدثَ، فقال: صدرتُ مع عمر من مكة حتى إذا كنا بالبيداء، فإذا هو بركب تحت ظل سمرةٍ، فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ فنظرتُ، فإذا هو صهيبٌ. قال: فأخبرته، فقال: ادعُه، فرجعت إلي صهيبٍ، فقلتُ: ارتحل فالحق أمير المؤمنين، فلمَّا أن أصيب عمرُ دخل صُهيبٌ يبكي، يقول: واأخاه، واصاحباهُ. فقال عمر: يا صهيبُ! أتبكي عليّ وقد قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ الميت ليُعذَّبُ ببكاء أهله عليه))؟. فقال ابن عباس: فلمَّا مات عمرُ ذكرتُ ذلك لعائشة فقالت: يرحم الله عمرَ، لا والله ما حدَّثَ رسول الله ﷺ أنَّ الميتَ ليُعذَّبُ ببكاءِ أهله عليه؛ ولكن: إنَّ الله يزيدُ الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه. وقالت عاثشةُ: حسبُكم القرآنُ: (ولا تزرُ وازرةٌ وزرَ أخرى). قال ابن عباس عند ذلكَ: والله أضحك وأبكي. قال ابن أبي مليكةَ: فما قال ابنُ عمر شيئًا. متفق عليه.
ــ
حالأ، والعامل ((حضر)) والفاء تستدعي الاتصال؛ لقوله: ((فجئنا لنشهدها)).
قوله: ((ويرحم الله عمر)) من الآداب الحسنة علي منوال قوله تعالي: ((عفا الله عنك لم أذنت لهم)) فاستغربت من عمر ذلك القول، فجعلت قولها: ((ويرحم الله عمر)) تمهيدًا، ودفعًا لما يوحش من نسبته إلي الخطأ.
قوله: ((ولا تزر وازرة وزر أخرى)) الوزر والوقر أخوان، وزر الشيء إذا حمله. والوزارة صفة للنفس. والمعنى: أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته، لا تؤخذ نفس بذنب نفس، كما يأخذ جبابرة الدنيا الولي بالولي، والجارَ بالجارِ.
قوله: ((والله أضحك وأبكى)) تقرير لنفي ما ذهب إليه ابن عمر من أن الميت يعذب ببكاء الأهل. وذلك: أن بكاء الإنسان وضحكه وحزنه وسروره من الله، يظهرها فيه، فلا أثر لها في ذلك، فعند ذلك سكت ابن عمر، وأذعن. فإن قلت: كيف لم يؤثر ذلك في حق المؤمن، وقد أثَّر في حق الكافر؟ قلت: المؤمن الكامل لا يرضى بالمعصية مطلقًا، سواء صدرت منه أو من غيره، بخلاف الكافر. ومن ثم قالت الصديقة ﵂: ((حسبكم القرآن)) أي كافيكم أيها المؤمنون من القرآن هذه الآية ((ولا تزر وازرة وزر أخرى)) أنها في شأنكم، وما ذكر رسول الله ﷺ من قوله: ((إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله)) في شأن الكفار. وفيه أن المؤمن
стр. 974
١٧٤٣ - وعن عائشة، قالت: لما جاء النبي ﷺ قتلُ ابن حارثة وجعفر وابن رواحة، جلسَ يُعرَفُ فيه الحزنُ، وأنا أنظُرُ من صائر الباب - تَعني شقِّ الباب - فأتاهُ رجلٌ فقال: إنَّ نساء جعفرٍ، وذكر بكاءهنَّ، فأمرَهُ أن ينهاهُنَّ، فذهب، ثمَّ أتاهُ الثانيةَ لم يُطِعْنَهُ، فقال: ((انههُنَّ))، فأتاهُ الثالثةَ، قال: والله غلبننا يارسولَ الله! فزعمتُ أنه قال: ((فاحثُ في أفواههِنَّ التراب)) فقلت: أرغَمَ اللهُ أنفكَ، لم تفعل ما أمركَ رسولُ الله ﷺ ، ولم تترك رسول اللهِ ﷺ من العناءِ. متفق عليه.
١٧٤٤ - وعن أمِّ سلمةَ، قالت: لما ماتَ أبو سلمة قلت: غريبٌ، وفي أرض غربةٍ، لأبكينَّه بكاءً يُتحدَّثُ عنه فكنتُ قد تهيَّأتُ للبكاء عليه، إِذْ أقبلتِ امرأةٌ تريد أن
ــ
إذا رضي به، فلا يؤمن عليه. ولما كان الغالب علي الفاروق الخوف، وكان حازمًا، والحزم كما ورد سوء الظن، خاف علي نفسه، فقال ما قال، وأصاب المحز، والصديقة ﵂ لمحت إلي مقام الرجاء وحسن الظن بالمؤمنين، فطبقت المفصل. ((ولكل وجهة هو موليها)) والله أعلم.
الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((يعرف فيه الحزن)) حال، أي جلس حزينًا، وعدل إلي قوله: ((يعرف)) ليدل علي أنه ﷺ كظم الحزن كظما، وكان ذلك القدر الذي ظهر فيه من جِبلَّة البشرية. قوله: ((من صائر الباب)) أي زى صير كلابن وتامر. وفي الحديث: ((من اطلع صير باب فقد دمر)) أي من شقه فدخل.
قوله: ((وذكر بكاءهن)) حال عن المستتر في ((فقال)) وحذفت ﵂ خبر ((إن)) من القول المحكي عن جعفر بدلالة الحال، يعني قال ذلك الرجل: إن نساء جعفر فعلن كذا وكذا، مما حظره الشرع من البكاء الشنيع، والنياحة الفظيعة، إلي غير ذلك.
قوله: ((لم يطعنه)) حكاية لمعنى قول الرجل، أي فذهب ونهاهن، تم أتى النبي ﷺ ، وقال: ((نهيتهن فلم يطعنني)) يدل عليه قوله في المرة الثالثة. ((والله غلبننا)). وقوله: ((زعمت)) أي ظننت. ((مج)): الزعم يطلق علي القول المحقق، وعلي الكذب، والمشكوك فيه، وينزل في كل موضع علي ما يليق به. قوله: ((فقلت)) أي قالت عائشة للرجل: آذاك الله، فإنك آذيت رسول الله ﷺ ، وما كففتهن عن البكاء.
الحديث الخامس عن أم سلمة: قوله: ((غريب)) لأنه كان مكيًا ومات بالمدينة، وقوله:
стр. 975
تُسعدَني*، فاستقبلها رسولُ الله ﷺ فقال: ((أتريدينَ أن تُدخلي الشيطان بيتًا أخرجَهُ الله منه؟!)) مرتين، وكففت عن البكاء فلم أبكِ. رواه مسلم.
١٧٤٥ - وعن النُّعمان بن بشيرٍ، قال: أُغمِي علي عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرةُ تبكي: واجبلاه! واكذا! واكذا! تُعدِّد عليه، فقالَ حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيلَ لي: أنت كذلك؟ زاد في روايةٍ: فلمَّا ماتَ لم تبكِ عليه. رواه البخاري.
١٧٤٦ - وعن أبي موسى، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: ((ما مِنْ ميتٍ
ــ
((لأبكينه)) جواب قسم محذوف، والفاء متصلة بقوله: ((قلت)) أي قلت عقيب ما تهيأت للبكاء. ولا يجوز أن يتصل بالمقول إلا مع الواو ليكون حالاً.
قوله: ((أخرجه الله منه مرتين)) يحتمل أن يراد بالمرة الأولي يوم دخوله في الإسلام، وبالثانية يوم خروجه من الدنيا مسلمًا. وأن يراد به التكرير، أي أخرجه الله تعالي إخراجًا بعد إخراج؛ كقوله تعالي: ((ثم ارجع البصر كرتين)) وقوله تعالي في وجه ((الطلاق مرتان)) أي مرة بعد مرة. وقوله: ((وكففت)) معطوف علي محذوف، أي قال رسول الله ﷺ كذا، فانزجرت وكففت.
الحديث السادس عن النعمان: قوله: ((واجبلاه)) حال، والقول محذوف، أي تبكى قائلة واجبلاه، توطئة لها كقوله تعالي: ((لسانًا عربيًا)). قوله: ((قيل لي كذلك)) أي لما قلت ((واجبلاه)) أي أنت كذا، أي جبل كهف يلجأون إليك، علي سبيل الوعيد والتهكم، كما في قوله تعالي: ((ذق إنك أنت العزيز الكريم)). هذا الحديث ينصر مذهب عمر ﵁ في حديث عبد الله بن أبي مليكة.
الحديث السابع عن أبي موسى ﵁: قوله: ((ما من ميت يموت)) هو كقول ابن
стр. 976
يموت فيقومُ باكيهِم فيقول: واجبلاه! واسيداه! إِلا وكَّل اللهُ به ملكين يلهزانِه، ويقولان: أهكذا كنت؟)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ غريبٌ حسن.
١٧٤٧ - وعن أبي هريرةَ، قال: ماتَ ميِّتٌ من آل رسول الله ﷺ فاجتمع النساءُ يبكينَ عليه، فقامَ عمرُ ينهاهُنَّ ويطردُهُنَّ. فقال رسول الله ﷺ : ((دعهنَّ فإنَّ العين دامعةٌ، والقلب مصاب، والعهد قريب)). رواه أحمدُ، والنسائيُّ. [١٧٤٧]
١٧٤٨ - وعن ابن عباس، قال: ماتت زينبُ بنتُ رسول الله ﷺ ، فبكت النساء، فجعل عمرُ يضربهُنَّ بسوطِهِ، فأخرَّهُ رسولُ الله ﷺ يبدهِ، وقال: ((مهلا ياعمر!)) ثمَّ قال: ((إياكن ونعيق الشيطان)) ثمَّ قال: ((إنهُ مهما كان من العين ومن القلب؛ فمن الله ومن الرحمة، وما كانَ من اليدِ ومن اللسانِ؛ فمن الشيطان)). رواه أحمد. [١٧٤٨].
ــ
عباس ﵄: ((يمرض المريض، ويضل الضالة)) فسمى المشارف للموت والمرض والضلال، ميتًا ومريضًا وضالة، وهذه الحالة هي الحالة التي ظهرت علي عبد الله بن رواحة، قوله: ((يلهزانه)) ((نه)): أي يدفعانه ويضربانه، واللهز: الضرب بجمع الكف في الصدر، ولهزه بالرمح إذا طعنه به.
الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فإن العين دامعة، والقلب مصاب، والعهد قريب)) وكان من الظاهر أن يعكس؛ لأن قرب العهد مؤثر في القلب بالحزن، والحزن مؤثر في البكاء، لكن قدم ما يشاهد، ويستدل به علي الحزن الصادر من قرب العهد. وفيه أنهن لم يكن يردن علي البكاء النياحة والجزع.
الحديث التاسع عن ابن عباس رضي انه عنهما: قوله: ((مهلا)) مصدر، عامله محذوف. الجوهرى: المهل – بالتحريك - التؤدة والتباطؤ، يقال: مهّلته وأمهلته، أي سكّتنه وأخرته. ومهلا يستوى فيه الواحد والاثنان والجمع، والمذكر والمؤنث.
قوله: ((نعيق الشيطان)) ((نه)): يقال: نعق الراعى بالغنم ينعق نعيقًا فهو ناعق إذا دعاها لتعود إليه. و ((مهما)) حرف الشرط، تقول: مهما يفعل أفعل. قيل: إن أصلها ((ما ما)) فقلبت الألفة الأولى هاء، ومحله رفع، بمعنى أيما شيء كان من العين، فمن الله.
стр. 977
١٧٤٩ - وعن البخاري تعليقًا، قال: لما مات الحسنُ بن الحسنُ بن علي ضربت امرأتهُ القبَّةَ علي قبره سنةٌ ثم رفعَتْ، سمعت صائحًا يقول: الأهل وجدوا مافقدوا؟ فأجابهُ آخر: بل يئسِوا فانقلبوا.
١٧٥٠ - وعن عمران بن حصينٍ، وأبي برزة، قالا: خرجنا مع رسولِ الله ﷺ في جنازةٍ، فرأي قومًا قد طرحوا أرديتهم يمشون في قُمُص، فقال رسولُ الله ﷺ : ((أبفعلِ الجاهليَّة تأخُذون؟ أو بصنيع الجاهلية تشبَّهون؟ لقد هممْتُ أن أدعو عليكم دعوة ترجعونَ في غير صوركم)). قال: فأخذوا أرديتهم، ولم يعودوا لذلك. رواه ابن ماجه. [١٧٥٠]
١٧٥١ - وعن ابن عمرَ، قال: نهي رسولُ الله ﷺ أن تُتَّبعَ جنازةٌ معهد رانَّةٌ. رواه أحمد، وابن ماجه. [١٧٥١]
ــ
فإن قلت: نسبة الدمع من العين، والقول من اللسان، والضرب باليد إن كان من طريق الكسب، فالكل يصح من العبيد، وإن كان من طريق التقدير، فمن الله، فما وجه اختصاص البكاء بالله؟ قلت: الغالب في البكاء أن يكون محمودًا، فالأدب أن يسند إلي الله تعالي، بخلاف قول الخنا والضرب باليد عند المصيبات، فإن ذلك مذموم.
الحديث العاشر عن البخاري: قوله: ((هل وجدوا ما فقدوا؟)) أي هل نفعها ضرب القبة، وإقامتها فيها سنة، بأن عاش الميت؟ فأجاب الآخر: لا، بل يئست، فانقلبت إلي أهلها خائبة.
الحديث الحادى عشر عن عمران: قوله: ((في قمص)) حال متداخلة؛ لأن ((يمشون)) حال من الواو في ((طرحوا)) وهو من الواو في ((يمشون)). قوله: ((ترجعون)) ((غب)): الرجوع العود إلي ما كان منه البدء، أو تقدير البدء مكانًا كان أو فعلا أو قولا، وبذاته كان رجوعه، أو بجزء من أجزائه، أو بفعل من أفعاله؛ فالرجوع العود، والرجع الإعادة، والرجوع هاهنا ليس علي مقتضى وضعه. فيحمل الكلام إما علي تضمين الرجوع معنى صار، كما هو في قوله تعالي: ((أو لتعودُنَّ في ملتنا)) وقد يستعمل ((عاد)) من أخوات ((كان)) بمعنى صار، فلا يستدعي الرجوع إلي حالة سابقة بل عكس ذلك، وهو الانتقال من حال إلي حال مستأنفة. وإما أن
стр. 978
١٧٥٢ - وعن أبي هريرة، أنَّ رجلا قالَ له: ماتَ ابنٌ لي فوجدت عليه، هل سمعت من خليلكَ صلواتُ الله عليه شيئًا يطيبُ بأنفسنا عن موتانا؟ قال: نعم، سمعتُهُ ﷺ قال: ((صغارُهم دعاميصُ الجنَّة، يلقى أحدُهم أباهُ فيأخذُ بناحيةِ ثوبه، فلا يفارقه حتى يُدخلَهُ الجنَّة)). رواه مسلم، وأحمد واللفظُ له.
١٧٥٣ - وعن أبي سعيد، قال: جاءت امرأةُ إلي رسول الله ﷺ فقالت: يا رسولَ الله! ذهب الرجالُ بحديثكَ، فاجعل لنا من نفسكَ يومًا نأتيك فيهِ تعلّمنا مما علمكَ الله. فقال: ((اجتمعن في يوم كذا وكذا في مكان كذا وكذا)). فاجتمعْنَ، فأتاهُنَّ رسولُ اللهِ ﷺ فعلَّمهُنَّ مما علَّمَهُ الله، ثم قال: ((ما منكن امرأةٌ تقدِّمُ بين يديها من ولدها ثلاثة، إلا كانَ لها حجابًا من النار)) فقالت امرأةٌ منهنَّ: يارسولَ الله! أو اثنين؟ فأعادتها مرتين. ثم قال: ((واثنينِ واثنينِ واثنين)). رواه البخاري.
١٧٥٤ - وعن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مامن مسلمينِ يُتوفي
ــ
تحمل الصورة علي الحالة والصفة، أي ترجعون إلي غير الفطرة كما كنتم عليه، وفيه تشديد عظيم، فإذا ورد في مثل أدنى تغيير من وضع الرداء عن المنكب هذا الوعيد البليغ، فكيف بما يشاهد من الناس؟.
الحديث الثانى عشر، والثالث عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((رانة)) أي نائحة. ((نه)): الرنين: الصوت، وقد رن يرن رنينًا. وقوله: ((فوجدت عليه)) أي حزنت عليه. قوله: ((دعاميص الجنة)) ((نه)): هو جمع دعموص، وهي دويبة تكون في مسنتقع الماء، والدعموص أيضًا الدّخال في الأمور، أي أنهم سيّاحون في الجنة، دخّالون في منازلها، لا يمنعون من موضع، كما أن الصِّبيان في الدنيا لا يمنعون من الدخول علي المحرم ولا يحتجب منهم.
الحديث الرابع عشر عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((ذهب الرجال بحديثك)) أي أخذوا نصيبًا وافرًا من مواعظك، واستصحبوك معهم، ولما استلزمت المحادثة والمذاكرة استصحاب الذاكر والواعظ المستمع وملازمته إياه، قلن: ((فاجعل لنا يومًا)) أي نصيبًا، إطلاقا للمحل علي الحال. ((ومن نفسك)) حال من ((يومًا)) و ((من)) ابتدائية، أي اجعل لنا من نفسك نصيبًا ما، تعلمنا في بعض الأيام لعلمنا إلي آخره.
الحديث الخامس عشر عن معاذ ﵁: قوله: ((إياهما)) تأكيد للضمير المنصوب في ((أدخلهما)). قوله: ((بسرره)) ((نه)): هي ما تبقى بعد القطع مما تقطعه القابلة. أقول: هذا تتميم ومبالغة للكلام السابق، ومن ثم صدره صلوات الله عليه بالقسم، أي إذا كان السقط الذي لا يؤبه به يجر الأم بما قد قطع من العلاقة بينهما، فكيف بالولد المألوف الذي هو فلذة الكبد؟.
стр. 979
لهما ثلاثةٌ، إلا أدخلهما اللهُ الجنة بفضل رحمتهِ إياهُما)) فقالوا: يا رسول الله! أو اثنان؟ قال: ((أو اثنان)). قالوا أو واحد؟ قال: ((أو واحد))، ثمَّ قال: ((والذي نفسي بيده إنَّ السقط ليجرُّ أمه بسرره إلي الجنَّةِ إذا احتسبتَهُ)). رواه أحمد، وروى ابن ماجه من قوله: ((والذي نفسي بيده)). [١٧٥٤]
١٧٥٥ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال: رسول الله ﷺ : ((من قدَّمَ ثلاثة من الولَدِ لم يبلُغوا الِحنثَ؛ كانوا له حصنًا حصينًا من النَّار)). فقال أبو ذَر: قدمت اثنين. قال: ((واثنين)) قال أبي بن كعب أبو المنذِرِ سيدُ القراءِ: قدمتُ واحدًا. قال: ((وواحِدًا)). رواه الترمذيّ، وابنُ ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [١٧٥٥]
١٧٥٦ - وعن قُرَّةَ المزَني: أنَّ رجلا كان يأتي النبي ﷺ ومعه ابنٌ له. فقال له النبي ﷺ : ((أتُحبُّه؟)) فقال: يا رسول الله! أحبَّك اللهُ كما أُحبُّه. ففقدَه النبي ﷺ . فقال: ((ما فعلَ ابنُ فلان؟)) قالوا: يا رسول الله! ماتَ. فقال رسول الله ﷺ : ((أمَا تُحِبُّ ألا تأتيَ بابًا من أبواب الجنَّةِ إلا وجدتَه ينتظرُك؟)) فقال رجل: يا رسول الله! له خاصَّة، أم لكلنا؟ قال: ((بل لكلِّكم)). رواه أحمد. [١٧٥٦]
ــ
الحديث السادس عشر عن عبد الله: قوله: ((فقال أبو ذر)) أي قال أبو ذر: يارسول الله، زد في البشارة، فإني قدمت اثنين، فزاد، وقال: ((اثنين)) أي ومن قدم اثنين. و ((أبو المنذر)) بدل من قوله: ((أبي بن كعب)) أو مدح خبر مبتدأ محذوف.
الحديث السابع عشر عن قرة: قوله: ((إلا وجدته ينتظرك)) أي مفتحًا لك مهيئًا لدخولك، كما قال تعالي ﴿جنات عدن مفتحة لهم الأبواب﴾ فاستعير للفتح الانتظار مبالغة.
الحديث الثامن عشر عن علي ﵁: قوله: ((إن السقط ليراغم ربه)) أي يحاج ويغاضب. هذا تخييل علي نحو قوله ﷺ : ((إن الله تعالي خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم، قامت الرحم، فأخذت بحقو الرحمن، فقال: مه، فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة، قال: نعم! أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ فقالت: بلي)) الحديث متفق عليه.
стр. 980
١٧٥٧ - وعن عليّ [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ السقط ليُراغمُ ربه إذا أدخل أبويه النار، فيقال: أيها السقط المراغم ربه! أدخل أبويك الجنة، فيجرهما بسرره حتى يدخلهما الجنة)). رواه ابن ماجه. [١٧٥٧].
١٧٥٨ - وعن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: ((يقول الله، تبارك وتعالي: ابن آدم إن صبرت واحتسبت عند الصدمة الأولي، لم أرض لك ثوابًا دون الجنة)). رواه ابن ماجه.
١٧٥٩ - وعن الحُسين بن عليَّ، عن النبي ﷺ قال: ((ما من مسلمٍ ولا مسلمة يُصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها، فيحدث لذلك استرجاعًا، إلا جدد الله تبارك وتعالي له عند ذلك، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب بها)). رواه أحمد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [١٧٥٩].
١٧٦٠ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا انقطعَ شِسْعُ أحدِكم فليسترجع، فإنه من المصائب)). [١٧٦٠]
١٧٦١ - وعن أم الدرداء، قالت: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعتُ أبا القاسم ﷺ يقولُ: ((إن الله تبارك وتعالي قال: يا عيسي! إني باعثٌ من بعدك أمة إذا أصابهم ما يُحبون حمدوا الله، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا عقل. فقال ياربّ! كيف يكون هذا لهم ولاحلم ولا عقل؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي)). رواهُما البيهقي في ((شعب الإيمان)). [١٧٦١].
ــ
الحديث التاسع عشر إلي الحادي والعشرين عن أم الدرداء: قوله: ((ولا حلم ولا عقل)) تأكيد لمفهوم ((احتسبوا وصبروا)) لأن معني الاحتساب أن يبعثه علي العمل الإخلاص، وابتغاء مرضات الله، لا الحلم والعقل، فحينئذ يتوجه عليه أنه كيف يصبر ويحتسب من لا عقل له ولا حلم؟ فيقال: إذا فني حلمه وعقله، يتحلم ويتعقل بحلم الله وعلمه. وفي وضع ((علمي)) موضع العقل إشارة إلي عدم جواز نسبة العقل - وهو القوة المتهيئة لقبول العلم - إلي الله، تعالي عن صفات المخلوقين علواً كبيراً. وإلي هذا المعني يلمح قوله ﷺ : ((من أحب لله، وأبغض لله، وأعطي لله، فقد استكمل الإيمان)) والله أعلم.
стр. 981
(٨) باب زيارة القبور
الفصل الأول
١٧٦٢ - عن بُريدةَ، قال: قال رسول الله عليه وسلم: ((نهيتُكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتُكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتُكم عن النَّبيذِ إلَاّ في سقاءٍ فاشربوا في الأسقيةِ كلها ولا تشربوا مُسكراً)). رواه مسلم.
١٧٦٣ - وعن أبي هريرة، قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكي وأبكي من حوله، فقال: ((استأذنت ربي في أن استغفر لها، فلم يُؤْذَنْ لي، واستأذنتُه في أنْ أزورَ قبرَها فأذِنَ لي؛ فزوروا القُبورَ فإنَّها تُذكرُ الموتَ)). رواه مسلم.
ــ
باب زيارة القبور
الفصل الأول
الحديث الأول عن بريدة ﵁: قوله: ((نهيتكم عن زيارة القبور)) ((حس)): زيارة القبور مأذون فيها للرجال، وعليه عامة أهل العلم، واما النساء فقد روي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((لعن الله زوارات القبور)) فرأي بعض أهل العلم أن هذا كان قبل ان يرخص في زيارة القبور، فلما رخص عمت الرخصة لهن فيه. أقول ((الفاء)) متعلق بمحذوف أي نهيتكم عن زيارة القبور مباهاة بتكاثر الموات، فعل الجاهلية، واما الآن فقد دحا الإسلام، وهدمت قواعد الشرك، فزوروها، فإنها تورث رقة القلوب، وتذكر الموت والبلي، وغير ذلك من الفوائد. وعلي هذا النسق الفاءان في ((فأمسكوا)) و ((فاشربوا)).
قوله: ((نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء)) أي قربة، وذلك ان السقاء يبرد الماء، فلا يشتد ما يقع فيه اشتداد مافي الظروف والأوإني، فيصير خمراً. والحاصل: أن المنهي عنه هو المسكر لا الظروف بعينها، كما قال: ((نهاهم عن أربع: الحنتم، والدباء، والنقير، والمزفت)) أو كما قال.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي)). ذكر ابن الجوزي في كتاب الوفاء: أن رسول الله ﷺ بعد وفاة أبيه كان مع أمه آمنة، فلما بلغ ست سنين خرجت به إلي أخوالها بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم، ثم رجعت به إلي مكة، فلما كانوا بالأبواء، توفيت، فقبرها هناك. وقيل: لما فتح رسول الله ﷺ مكة، زار قبرها بالأبواء ثم قام مستعبراً فقال: ((إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، فاستأذنته في
стр. 982
١٧٦٤ - وعن بُريدة، قال: كان رسول الله ﷺ يُعلمُهم إذا خرجوا إلي المقابر: ((السلامُ عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية)). رواه مسلم.
ــ
الاستغفار لها، فلم يأذن لي))، ونزل ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربي﴾ الآية.
الحديث الثالث عن بريدة: قوله: ((السلام عليكم)) في موضع نصب ثإني مفعولي ((يعلّم)) أي يعلمهم كيفية التسليم علي أهل المقابر. وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يؤخرون السلام. قال الحماسي:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحَّما
فخالفهم وقدم ﷺ .
((مظ)): فيه أن السلام علي الموتي كما هو علي الأحياء في تقديم الدعاء علي الاسم، ولا يقدم الاسم علي الدعاء، كما تفعله العامة، وكذلك في كل دعاء بخير، قال الله تعالي: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ وقال سبحانه: ﴿سلام علي إل يس﴾. قوله: ((أهل الديار)) ((نه)): سمي النبي ﷺ موضع القبور داراً، تشبيهًا له بدار الأحياء لاجتماع الموتي فيها.
قوله: ((وإنا إن شاء الله بكم للاحقون)) ((نه)): قيل: معناه إذا شاء الله، وقيل: ((إن)) شرطية، والمعني: لاحقون بكم في الموافاة علي الايمان. وقيل: هو التبرك والتفويض، كقوله تعالي: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾. وقيل: هو علي التأديب. عن أحمد ابن يحيي: استثني الله تعالي فيما يعلم ليستثنى الخلق فيما لا يعلمون، وأمر بذلك في قوله: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله﴾
أقول: لما قال: ((أهل الديار))، وبين أنهم مؤمنون مسلمون، وقد مر أن الإسلام قد يكون دون الإيمان وفوقه، وهذا من الثاني نحو قوله تعالي: ﴿قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾ ولذلك طلب اللحوق بهم، ووسط في البين كلمة التبرك، ومنه قول يوسف ﵇: ﴿توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين﴾.
стр. 983
الفصل الثاني
١٧٦٥ - عن ابن عبَّاسٍ، قال: مرَّ النبيُّ ﷺ بقُبور بالمدينة، فأقبلَ عليهم بوجهه، فقال: ((السلامُ عليكم يا أهل القبورِ! يغفرُ اللهُ لنا ولكم، أنتم سلفنا، ونحنُ بالأثرِ)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ غريب. [١٧٦٥]
الفصل الثالث
١٧٦٦ - عن عائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ الله ﷺ كلما كانَ ليلتُها من رسولِ اللهِ ﷺ يخرُجُ من آخرِ الليل إلي البَقيعِ، فيقولُ: ((السلام عليكم دار قومٍ مؤْمنين! وأتاكم
ــ
قوله: ((نسأل الله)) استئناف؛ فإنهم لما سلموا عليهم، ودعوا الله أن يلحقهم بهم، قالوا بلسان الحال: فما جاء بكم، وماذا تسألون؟ فأجابوا: جئنا سائلين الله الخلاص لنا ولكم من المكاره في الدنيا، والبرزخ، والقيامة.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((فأقبل عليهم بوجهه)) ((مظ)): اعلم أن زيارة الميت كزيارته في حال حياته، يستقبله بوجهه، ويحترمه كما كان يحترمه في الحياة، يجلس بعيدًا منه إن كان في الحياة يجلس بعيدًا منه، وقريبًا منه إن كان قريبًا منه. وقدم مغفرة الله له علي مغفرته للميت إعلامًا بتقديم دعاء الحي علي الميت. والحاضر علي الغائب. قوله: ((أنتم سلفنا)) ((نه)): قيل: هو من سلف المال، كأنه أسلفه وجعله ثمنًا للأجر والثواب الذي يجازى علي الصبر عليه. وقيل: سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته، ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين بالسلف الصالح.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((كلما)) ظرف فيه معنى الشرط لعمومه، وجوابه: ((يخرج)) وهو العامل فيه، والجملة خبر ((كان)) وهو حكاية معنى قولها لا لفظها الذي تلفظت به، والمعنى: كان من عادة رسول الله ﷺ إذا بات عنج عائشة ﵂ أن يخرج.
стр. 984
ما توعَدونَ، غدًا مُؤجَّلونَ، وإنَّا إنْ شاءَ اللهُ بكم لا حِقونَ، اللهمَّ اغفرْ لأهل بقيع الغرْقَدِ)). رواه مسلم.
١٧٦٧ - وعنها، قالتْ: كيف أقولُ يا رسولَ اللهِ؟ تعنى في زيارةِ القُبورِ، قال: ((قولي: السَّلامُ علي أهل الديار من المؤمنينَ والمسلمينَ، ويرحمُ اللهُ المستقدِمينَ مِنَّا والمستأخرين، وإنا إنْ شاء الله بكم للاحقون)). رواه مسلم.
١٧٦٨ - وعن محمَّد بن النُّعمانِ، يرفعُ الحديثَ إلي النبي ﷺ ، قال: ((مَنْ زارَ قبرَ أبويهِ أو أحدهما في كل جمعةٍ، غُفرَ له، وكتبَ برًا)). رواه البيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) مُرسلا. [١٧٦٨]
١٧٦٩ - وعن ابن مسعودٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: ((كنتُ نهَيتْكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنَّها تزهِّدُ في الدنيا، وتُذكرُ الآخرةَ)). رواه ابنُ ماجه. [١٧٦٩]
١٧٧٠ - وعن أبي هريرةَ: أنَّ رسول الله ﷺ لعنَ زَوَّارات القُبور. رواه أحمد، والترمذيُّن وابنُ ماجه، وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقال: قد رأي بعضُ أهل العلم أنَّ هذا كان قبلَ أنْ يُرخصَ النبيُّ ﷺ في زيارة القُبورِ، فلمَّا رخَّصَ دخلَ في رخصته الرجالُ والنساءُ. وقال بعضُهم: إنما كرِهَ زيارةَ القبور للنساء لقلَّةِ صبرهنَّ وكثرةِ جزعهنَّ. تمَّ كلامُه.
ــ
قوله ((مؤجلون)) إعرابه مشكل وإن حمل علي الحال المؤكدة من واو ((توعدون)) علي حذف الواو والمبتدأ، كان فيه شذوذان. ويجوز حمله علي الإبدال من ((ما توعدون)) أي أتاكم ما مؤجلونه أنتم، والأجل: الوقت المضروب المحدود في المستقبل، لأن ما هو آت بمنزلة الحاضر.
قوله: ((بقيع الغرقد)) ((نه)): البقيع من الأرض المكان المتسع، ولا يسمى بقيعا إلا وفيه شجرها وأصولها. وبقيع الغرقد موضع بظاهر المدينة، فيه قبور أهلها، كان به شجر الغرقد، فذهب وبقى اسمه.
الحديث الثاني، والثالث عن محمد ﵁: قوله: ((وكتب برًّا)) أي كان برًّا بهما غير عاقٍّ بتضييع حقهما، فعدل منه إلي قوله: ((كتب)) لمزيد الإثبات، وإنه من الراسخين فيه مثبت في ديوان الأبرار، ومنه قوله تعالي: ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾ أي اجعلنا في زمرتهم.
стр. 985
١٧٧١ - وعن عائشة، قالت: كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول الله ﷺ وإني واضعٌ ثوبي، وأقولُ: إنما هو زوجى وأبي، فلمَّا دُفنَ عمرُ [﵁] معهم؛ فواللهِ ما دخلته إلا وأنا مشدودةٌ علي ثيابي حياءً من عمرَ. رواه أحمدُ.
ــ
الحديث الرابع إلي السادس عن عائشة ﵂: قوله: ((وأقول: إنما هو زوجى)) القول بمعنى الاعتقاد، وهو كالتعليل لوضع الثوب في بيت دفن فيه الرسول صلي الله وعليه وسلم وأبو بكر ﵁، يعنى جائز لي ذلك، لأنهما محرمان لي، أحدهما زوجي والآخر أبي. والعطف علي التقدير، أي إنما هو زوجي والآخر أبي. ويجوز أن يكون العطف علي الانسحاب، وهو ضمير الشأن، أي إنما الشأن زوجي وأبي مدفونان فيه، وفي الحديث دليل بين علي ما ذكر قبلُ من أنه يجب احترام أهل القبور، وتنزيل كل منهم منزلة ما هو عليه في حياته من مراعاة الأدب معهم علي قدر مراتبهم، والله أعلم والحمد لله أولاً وآخرًا والصلاة علي سيدنا محمد وآله.
следующие страницы →