Полный текст (3 308 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
(٨) باب زيارة القبور
الفصل الأول
١٧٦٢ - عن بُريدةَ، قال: قال رسول الله عليه وسلم: ((نهيتُكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتُكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتُكم عن النَّبيذِ إلَاّ في سقاءٍ فاشربوا في الأسقيةِ كلها ولا تشربوا مُسكراً)). رواه مسلم.
١٧٦٣ - وعن أبي هريرة، قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكي وأبكي من حوله، فقال: ((استأذنت ربي في أن استغفر لها، فلم يُؤْذَنْ لي، واستأذنتُه في أنْ أزورَ قبرَها فأذِنَ لي؛ فزوروا القُبورَ فإنَّها تُذكرُ الموتَ)). رواه مسلم.
ــ
باب زيارة القبور
الفصل الأول
الحديث الأول عن بريدة ﵁: قوله: ((نهيتكم عن زيارة القبور)) ((حس)): زيارة القبور مأذون فيها للرجال، وعليه عامة أهل العلم، واما النساء فقد روي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((لعن الله زوارات القبور)) فرأي بعض أهل العلم أن هذا كان قبل ان يرخص في زيارة القبور، فلما رخص عمت الرخصة لهن فيه. أقول ((الفاء)) متعلق بمحذوف أي نهيتكم عن زيارة القبور مباهاة بتكاثر الموات، فعل الجاهلية، واما الآن فقد دحا الإسلام، وهدمت قواعد الشرك، فزوروها، فإنها تورث رقة القلوب، وتذكر الموت والبلي، وغير ذلك من الفوائد. وعلي هذا النسق الفاءان في ((فأمسكوا)) و ((فاشربوا)).
قوله: ((نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء)) أي قربة، وذلك ان السقاء يبرد الماء، فلا يشتد ما يقع فيه اشتداد مافي الظروف والأوإني، فيصير خمراً. والحاصل: أن المنهي عنه هو المسكر لا الظروف بعينها، كما قال: ((نهاهم عن أربع: الحنتم، والدباء، والنقير، والمزفت)) أو كما قال.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي)). ذكر ابن الجوزي في كتاب الوفاء: أن رسول الله ﷺ بعد وفاة أبيه كان مع أمه آمنة، فلما بلغ ست سنين خرجت به إلي أخوالها بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم، ثم رجعت به إلي مكة، فلما كانوا بالأبواء، توفيت، فقبرها هناك. وقيل: لما فتح رسول الله ﷺ مكة، زار قبرها بالأبواء ثم قام مستعبراً فقال: ((إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، فاستأذنته في
стр. 982
١٧٦٤ - وعن بُريدة، قال: كان رسول الله ﷺ يُعلمُهم إذا خرجوا إلي المقابر: ((السلامُ عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية)). رواه مسلم.
ــ
الاستغفار لها، فلم يأذن لي))، ونزل ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربي﴾ الآية.
الحديث الثالث عن بريدة: قوله: ((السلام عليكم)) في موضع نصب ثإني مفعولي ((يعلّم)) أي يعلمهم كيفية التسليم علي أهل المقابر. وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يؤخرون السلام. قال الحماسي:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحَّما
فخالفهم وقدم ﷺ .
((مظ)): فيه أن السلام علي الموتي كما هو علي الأحياء في تقديم الدعاء علي الاسم، ولا يقدم الاسم علي الدعاء، كما تفعله العامة، وكذلك في كل دعاء بخير، قال الله تعالي: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ وقال سبحانه: ﴿سلام علي إل يس﴾. قوله: ((أهل الديار)) ((نه)): سمي النبي ﷺ موضع القبور داراً، تشبيهًا له بدار الأحياء لاجتماع الموتي فيها.
قوله: ((وإنا إن شاء الله بكم للاحقون)) ((نه)): قيل: معناه إذا شاء الله، وقيل: ((إن)) شرطية، والمعني: لاحقون بكم في الموافاة علي الايمان. وقيل: هو التبرك والتفويض، كقوله تعالي: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾. وقيل: هو علي التأديب. عن أحمد ابن يحيي: استثني الله تعالي فيما يعلم ليستثنى الخلق فيما لا يعلمون، وأمر بذلك في قوله: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله﴾
أقول: لما قال: ((أهل الديار))، وبين أنهم مؤمنون مسلمون، وقد مر أن الإسلام قد يكون دون الإيمان وفوقه، وهذا من الثاني نحو قوله تعالي: ﴿قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾ ولذلك طلب اللحوق بهم، ووسط في البين كلمة التبرك، ومنه قول يوسف ﵇: ﴿توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين﴾.
стр. 983
الفصل الثاني
١٧٦٥ - عن ابن عبَّاسٍ، قال: مرَّ النبيُّ ﷺ بقُبور بالمدينة، فأقبلَ عليهم بوجهه، فقال: ((السلامُ عليكم يا أهل القبورِ! يغفرُ اللهُ لنا ولكم، أنتم سلفنا، ونحنُ بالأثرِ)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ غريب. [١٧٦٥]
الفصل الثالث
١٧٦٦ - عن عائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ الله ﷺ كلما كانَ ليلتُها من رسولِ اللهِ ﷺ يخرُجُ من آخرِ الليل إلي البَقيعِ، فيقولُ: ((السلام عليكم دار قومٍ مؤْمنين! وأتاكم
ــ
قوله: ((نسأل الله)) استئناف؛ فإنهم لما سلموا عليهم، ودعوا الله أن يلحقهم بهم، قالوا بلسان الحال: فما جاء بكم، وماذا تسألون؟ فأجابوا: جئنا سائلين الله الخلاص لنا ولكم من المكاره في الدنيا، والبرزخ، والقيامة.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((فأقبل عليهم بوجهه)) ((مظ)): اعلم أن زيارة الميت كزيارته في حال حياته، يستقبله بوجهه، ويحترمه كما كان يحترمه في الحياة، يجلس بعيدًا منه إن كان في الحياة يجلس بعيدًا منه، وقريبًا منه إن كان قريبًا منه. وقدم مغفرة الله له علي مغفرته للميت إعلامًا بتقديم دعاء الحي علي الميت. والحاضر علي الغائب. قوله: ((أنتم سلفنا)) ((نه)): قيل: هو من سلف المال، كأنه أسلفه وجعله ثمنًا للأجر والثواب الذي يجازى علي الصبر عليه. وقيل: سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته، ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين بالسلف الصالح.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((كلما)) ظرف فيه معنى الشرط لعمومه، وجوابه: ((يخرج)) وهو العامل فيه، والجملة خبر ((كان)) وهو حكاية معنى قولها لا لفظها الذي تلفظت به، والمعنى: كان من عادة رسول الله ﷺ إذا بات عنج عائشة ﵂ أن يخرج.
стр. 984
ما توعَدونَ، غدًا مُؤجَّلونَ، وإنَّا إنْ شاءَ اللهُ بكم لا حِقونَ، اللهمَّ اغفرْ لأهل بقيع الغرْقَدِ)). رواه مسلم.
١٧٦٧ - وعنها، قالتْ: كيف أقولُ يا رسولَ اللهِ؟ تعنى في زيارةِ القُبورِ، قال: ((قولي: السَّلامُ علي أهل الديار من المؤمنينَ والمسلمينَ، ويرحمُ اللهُ المستقدِمينَ مِنَّا والمستأخرين، وإنا إنْ شاء الله بكم للاحقون)). رواه مسلم.
١٧٦٨ - وعن محمَّد بن النُّعمانِ، يرفعُ الحديثَ إلي النبي ﷺ ، قال: ((مَنْ زارَ قبرَ أبويهِ أو أحدهما في كل جمعةٍ، غُفرَ له، وكتبَ برًا)). رواه البيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) مُرسلا. [١٧٦٨]
١٧٦٩ - وعن ابن مسعودٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: ((كنتُ نهَيتْكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنَّها تزهِّدُ في الدنيا، وتُذكرُ الآخرةَ)). رواه ابنُ ماجه. [١٧٦٩]
١٧٧٠ - وعن أبي هريرةَ: أنَّ رسول الله ﷺ لعنَ زَوَّارات القُبور. رواه أحمد، والترمذيُّن وابنُ ماجه، وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقال: قد رأي بعضُ أهل العلم أنَّ هذا كان قبلَ أنْ يُرخصَ النبيُّ ﷺ في زيارة القُبورِ، فلمَّا رخَّصَ دخلَ في رخصته الرجالُ والنساءُ. وقال بعضُهم: إنما كرِهَ زيارةَ القبور للنساء لقلَّةِ صبرهنَّ وكثرةِ جزعهنَّ. تمَّ كلامُه.
ــ
قوله ((مؤجلون)) إعرابه مشكل وإن حمل علي الحال المؤكدة من واو ((توعدون)) علي حذف الواو والمبتدأ، كان فيه شذوذان. ويجوز حمله علي الإبدال من ((ما توعدون)) أي أتاكم ما مؤجلونه أنتم، والأجل: الوقت المضروب المحدود في المستقبل، لأن ما هو آت بمنزلة الحاضر.
قوله: ((بقيع الغرقد)) ((نه)): البقيع من الأرض المكان المتسع، ولا يسمى بقيعا إلا وفيه شجرها وأصولها. وبقيع الغرقد موضع بظاهر المدينة، فيه قبور أهلها، كان به شجر الغرقد، فذهب وبقى اسمه.
الحديث الثاني، والثالث عن محمد ﵁: قوله: ((وكتب برًّا)) أي كان برًّا بهما غير عاقٍّ بتضييع حقهما، فعدل منه إلي قوله: ((كتب)) لمزيد الإثبات، وإنه من الراسخين فيه مثبت في ديوان الأبرار، ومنه قوله تعالي: ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾ أي اجعلنا في زمرتهم.
стр. 985
١٧٧١ - وعن عائشة، قالت: كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول الله ﷺ وإني واضعٌ ثوبي، وأقولُ: إنما هو زوجى وأبي، فلمَّا دُفنَ عمرُ [﵁] معهم؛ فواللهِ ما دخلته إلا وأنا مشدودةٌ علي ثيابي حياءً من عمرَ. رواه أحمدُ.
ــ
الحديث الرابع إلي السادس عن عائشة ﵂: قوله: ((وأقول: إنما هو زوجى)) القول بمعنى الاعتقاد، وهو كالتعليل لوضع الثوب في بيت دفن فيه الرسول صلي الله وعليه وسلم وأبو بكر ﵁، يعنى جائز لي ذلك، لأنهما محرمان لي، أحدهما زوجي والآخر أبي. والعطف علي التقدير، أي إنما هو زوجي والآخر أبي. ويجوز أن يكون العطف علي الانسحاب، وهو ضمير الشأن، أي إنما الشأن زوجي وأبي مدفونان فيه، وفي الحديث دليل بين علي ما ذكر قبلُ من أنه يجب احترام أهل القبور، وتنزيل كل منهم منزلة ما هو عليه في حياته من مراعاة الأدب معهم علي قدر مراتبهم، والله أعلم والحمد لله أولاً وآخرًا والصلاة علي سيدنا محمد وآله.
стр. 986
كتاب الزكاة
الفصل الأول
١٧٧٢ - عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ بعثَ مُعاذاً إِلي اليَمنِ، فقال: ((إِنَّكَ تأتي قوماً أهلَ كتابٍ، فادْعُهم إِلي شهادةِ أنْ لا إلهَ إلَاّ اللهُ وأنَّ محمَّداً رسولُ اللهِ. فإِنْ هُم أطاعُوا لذلكَ فأعلمْهُم أنَّ الله قد فَرَضَ عليهِم خمسَ صلوات في اليَومِ والليلةِ. فإِنْ هُم أطاعُوا لذلك، فأعلمْهم أنَّ اللهَ قدْ فرض عليهِم صَدقةً تُؤْخذُ منْ
ــ
كتاب الزكاة
((نه)): أصل الزكاة: الطهارة، والنماء، والبركة، والمدح، وكل ذلك قد استعمل في القرآن، والحديث. وزنها فعلة، كالصدقة، فلما تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، انقلبت ألفا، وهي من الأسماء المشتركة بين المخرج والفعل، فيطلق علي العين، وهي الطائفة من المال المزكي بها وعلي المعنى: وهي التزكية. أقول: حملها علي النمو والبركة ظاهر، لأن الصدقة يد المال، وعلي الطهارة يحتمل معنيين: إما طهارة المال من الحرام، وحق الفقراء، وبهذا عني بقوله: ﴿فلينظر أيها أزكى طعاما﴾ أي أطيب وأحل، ولا يستوخم عقباه، وإما طهارة النفس عن رذائل الأخلاق والبخل، وبزكاء النفس وطهارتها يصير الإنسان بحيث يستحق في الدنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة الأجر والمثوبة.
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((قوما أهل كتاب)) قيد قوله: بأهل وفيهم أهل الذمة وغيرهم من المشركين، تفضيلا لهم وتغليبا علي غيرهم، قوله: ((أطاعوا لذلك)) أي انقادوا له. ((شف)): في تقديم الشهادة علي الإعلام بالأعمال، وترتبه عليها بالفاء إشعار بأن الكفار غير مخاطبين بالفروع علي ماذهب إليه بعض علماء الأصول، بل بالأصول فقط. وفي ((تؤخذ من أغنيائهم)) دليل علي أن الطفل تلزمه الزكاة لعموم قوله: ((تؤخذ من أغنيائهم)). وفي قوله: ((ترد علي فقرائهم)) دليل علي أن المدفوع عين الزكاة. وفيه أيضًا أن نقل الزكاة عن بلد الوجوب لا يجوز مع وجود المستحقين فيه، بل صدقة كل ناحية لمستحقي تلك الناحية. واتفقوا علي أنه إذا نقلت وأديت يسقط الفرض إلا عمر بن عبد العزيز، فإنه رد صدقة نقلت من خراسان إلي الشام إلي مكانها من خراسان.
стр. 987
أغنيائِهم فتُردُّ علي فُقرائِهم. فإِنْ هُم أطاعوا لذلك، فإِياكَ وكرائِمَ أموالِهم، واتّقِ دَعْوةَ المظلومِ، فإنَّهُ ليس بينهاَ اللهِ حجابٌ)) متفق عليه. [١٧٧٢]
١٧٧٣ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((ما مِنْ صاحبِ ذهبٍ ولا فضَّةٍ لا يُؤَدِّي منها حقَّها، إِلا إِذا كانَ يوم القيامةِ صُفِّحتْ صفائحَ منْ نارٍ فأحْمِي
ــ
قوله: ((فإياك وكرائم أموالهم)) ((حس)): فيه دليل علي أنه ليس للساعي أن يأخذ خيار ماله إلا أن يتبرع به رب المال، وليس لرب المال أن بعطي الأردأ، ولا للساعي أن يرضي به فيبخس بحق المساكين، بل حقه في الوسط. قوله: ((صدقة أموالهم)) فيه دليل علي أنه إن تلف المال تسقط الزكاة ما لم يقصر في الأداء وقت الإمكان.
أقول: قوله: ((واتق دعوة المظلوم)) تذييل؛ لاشتماله علي هذا الظلم الخاص من أخذ كرائم الأموال، وعلي غيره مما يتعلق بالمزكي، وعلي هذا المظلوم وغيره. وقوله: ((فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) تعليل للاتقاء، وتمثيل للدعوة لمن يقصد إلي السلطان متظلماً فلا يحجب عنه.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا يؤدي حقها)) ((تو)): أنث الضمير؛ إما ذهاباً إلي المعنى، إذا لم يرد بهما الشيء القليل، بل جملة وافية من الدراهم والدنإنير، وإما علي تأويل الأموال، وإما عوداً به إلي الفضة، فإنها أقرب كما قال الله تعالي: ﴿الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ واكتفي ببيان حال صاحبها عن بيان حال صاحب الذهب، أو لأن الفضة أكثر انتفاعاً في المعاملات من الذهب، واشتهر في أثمان الأجناس، ولذلك اكتفي بها في قوله ﷺ : ((وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة)).
قوله: ((صفحت الصفائح)) جمع صفيحة، وهي ما يطبع مما يتطرق، كالحديد والنحاس. و ((الصفائح)) يروى مرفوعاً بـ ((صفحت))، ومنصوباً علي أنه مفعول ثان، وفي الفعل ضمير الذهب والفضة، وأنث: إما بالتأويل السابق، وإما علي التطبيق بينه وبين المفعول الثاني الذي هو هو. والمعنى: إذا لم يؤد صاحب الذهب والفضة حقها يجعل له صفائح من نار، أو جعل الذهب والفضة صفائح من نار. وكأنه تنقلب صفائح الذهب والفضة لفرط إحمائها وشدة
стр. 988
عليَها في نارِ جهنَّمَ فيُكْوى بها جَنْبهُ وجبينُه وظَهرهُ، كلَّلما رُدَّتْ أُعيدتْ له في يومٍ كانَ مقدارُه خمسين ألفَ سنةٍ، حتى يُقضى بين العبادِ، فيرى سبيلَه: إِمَّا إِلي الجنَّةِ وإِمَّا إِلي النَّار)). قيلَ: يا رسولَ الله! فالإِبلُ؟ قال: ((ولا صاحبُ إِبلٍ لا يُؤَدي منها حقَّها،
ــ
حرارتها صفائح النار، فيكوى بها، إلي آخره. وهذا التأويل يوافق ما في التنزيل حيث قال تعالي: ﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى﴾ الآية فجعل عين الذهب والفضة هي المحمى عليها في نار جهنم.
قوله: ((فأحمى عليها)) ((الكشاف)): فإن قلت: ما معنى قوله: ((يحمى عليها في نار جهنم)) وهلا قيل: يحمى، من قولك حمى الميسم وأحميته، ولا تقول: أحميت علي الحديد؟ قلت: معناه أن النار تحمى عليها، أي توقد ذات حمى وحر شديد، من قوله: ((نار حامية)). ولو قيل: يوم يحمى عليها لم يعط هذا المعنى. وذكر ((يحمى)) لأنه مسند إلي الجار والمجرور. وأصله: يوم تحمى النار عليها، فانتقل الإسناد عن النار إلي ((عليها)). ((تو)): المعنى: أن تلك الصفائح النارية تحمى مرة ثإنية إلي نار جهنم ليزيد حرها ولهبها ويشتد إحراقها.
((قض)): خص هذه الأعضاء - أعني الجنب، والجبين، والظهر - لأنه جمع المال، وأمسكه، ولم يصرفه في مصارفه، ليحصل به وجاهة عند الناس، وترفه وتنعم في المطاعم والملابس، فيحوى جنبه وظهره المأكولات الهنية اللذيذة، فينتفخ ويقوى منها، وتحويها الثياب الفاخرة والملابس الناعمة، فيلتذ جنباه بها، أو لأنه ازور عن الفقير في المجلس، وأعرض عنه، وولي ظهره، أو إلي أشرف الأعضاء الظاهرة لاشتمالها علي الأعضاء الرئيسية التي هي الدماغ، والقلب، والكبد، وقيل: المراد بها الجهات الأربع التي هي مقاديم البدن، وما آخره، وجنبتاه. ((كلما ردت أعيدت له)) معناه دوام التعذيب، واستمرار شدة الحرارة في تلك الصفائح استمرارها في حديدة محماة ترد إلي الكير وتخرج منها ساعة فساعة.
قوله: ((فيرى سبيله)) الضمير المرفوع فيه قائم مقام الفاعل، و ((سبيله)) ثإني مفعوليه. ((مح)): ضبطناه بضم الياء وفتحها، وبرفع لام ((سبيله)) ونصبها. فيه إشارة إلي أنه مسلوب الاختيار يومئذ مقهور، لا يقدر أن يروح إلي النار فضلا عن الجنة، حتى يعين له أحد السبيلين.
قوله: ((فالإبل)) الفاء متصل بمحذوف، أي عرفنا حكم النقدين، فما حكم الإبل؟ وقوله: ((ولا صاحب إبل)) عطف علي قوله: ((ما من صاحب ذهب)). قوله: ((من حقها حلبها)) ((مح)): هو بفتح اللام علي اللغة المشهورة، وحكى إسكانها، وهو غريب ضعيف وإن كان هو القياس.
стр. 989
ومِنْ حقِها حَلبُها يومَ وِرْدِها، إِلا إذا كانَ يومُ القيامةِ بُطحَ لها بقاعٍ قَرْقرٍ. أوْفر ما كانت لا يفقِدُ منها فصيلاً واحداً، تطؤهُ بأخفافِها، وتعَضَّه بأفواهها، كلما مرَّ علَيه أولاها رُدَّ عليه أخْراها في يومٍ كانَ مقدارهُ خمسينَ ألف سنةٍ، حتى يُقضى بينَ العبادِ؛ فيَرى سبيلَه: إِمَّا إِلي الجنَّةِ وإِما إلي النار)). قيلَ: يا رسول اللهِ! فالبَقرُ والغَنمُ؟ قال:
ــ
أقول: ((من)) للتبعيض، أي بعض حقها حلبها، وحقها الأول أعم من الثاني، وذكر الثاني للاستطراد، والوعيد مرتب علي الأول. ويحتمل عليهما معاً تغليظاً. قيل: معنى حلبها يوم ورودها: أن يسقى ألبانها المارة، ومن ينتاب المياه من أبناء السبيل. وهذا مثل نهيه عن الجداد بالليل، أراد أن يصرم بالنهار ليحضرها الفقراء، وذوو الحاجة.
قوله: ((بطح لها)) ((تو)): وفي بعض النسخ ((له)) بالتذكير، وهو خطأ رواية ومعنى؛ لأن الضمير المرفوع في الفعل لصاحب الإبل، والمجرور للإبل ليستقيم؛ لأن المبطوح المالك، لا الإبل، أقول: أما التمسك بالرواية فمستقيم، وأما بالمعنى فلا، لم لا يجوز أن يذكر الضمير لإرادة الجنس وللتأويل المذكور وأنشد ابن الجنبي: مثل الفراخ تنفث حواصله. علي أنه لا يجوز أن يرجع الضمير إلي صاحب الإبل بكون الجار والمجرور قائماً مقام الفاعل، كما في قوله تعالي: ﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال﴾؟ بطح: ألقى علي وجهه. القاع، والقيع: الصحراء الواسعة السمتوية. والقرقر: المكان المستوى، وهو صفة مؤكدة.
قوله: ((أوفر)) ((حس)): يريد كمال حال الإبل التي تطأ صاحبها في القوة والسمن لتكون أثقل لوطئها. أقول: ((أوفر)) مضاف إلي ((ما)) المصدرية، والوقت مقدر، وهو منصوب علي الحال من المجرور إن كان الضمير المجرور للإبل، وجوز وقوعه حالاً، ولا يمنعها إضافته إلي المعرفة؛ لأن الإضافة فيه غير محضة، بدليل قولهم: مررت برجل أفضل الناس، وإن كان لصاحب الإبل فهو خبر مبتدأ محذوف علي الاستئناف. وقوله: ((لا يقعد)) أيضًا حال، إما مترادفة إن كان صاحب الحال الضمير في ((بطح))، أو متداخلة إن كان صاحب محال الضمير المستتر في ((كانت)) التامة الراجع إلي الإبل؛ لوجود الضمير في ((منها)) ..
وقوله: (تطؤه)) أيضًا حال مترادفة ومتداخلة علي التقديرين؛ لوجود ضمير المذكر والمؤنث. ويجوز أن يكون استئنافاً، كأنه لما قيل: بطح صاحب الإبل لإبله حال كونها قوية تامة، مع جميع فضلاتها، غير فاقدة منها شيئاً - اتجه لسائل أن يقول: لم بطح لها؟ أجيب: لتطأه إلي آخره. وعلي هذا حكم ((كلما)) في الحالية والاستئنافية، أي تطؤه دائماً. قالوا: المناسب أن يقدم ((أخراها)) علي ((أولاها)) كما عليه رواية مسلم ((كلما مضى عليه أخراها رد عليه أولاها)).
стр. 990
((ولا صاحبُ بقرٍ ولا غنمٍ لا يُؤّدِّي منها حقّها، إِلا إِذا كانَ يومُ القيامة بُطحَ لها بقاعٍ قرْقرٍ، لا يفقِدُ منها شيئاً، ليسَ فيها عَقصاءُ ولا جَلحاءُ ولا عَضباءُ تنطحهُ بقُرونِها، وتطؤهُ بأظلافِها، كلما مرَّ عليه أولاهَا رُدَّ عليهِ أخْراها في يومٍ كانَ مقدارهُ خمسين ألف سنةٍ، حتى يُقضى بينَ العبادِ؛ فيرى سبيلَه: إِما إِلي الجنةِ وإِما إِلي النار)). قيل: يا رسولَ اللهِ! فالخيلُ؟ قال: ((فالخَيلُ ثلاثةٌ: هي لرجلٍ وِزْرٌ، وهيَ لرجلٍ سترٌ، وهي لرجلٍ أجرٌ؛ فأما التي هي له وزرٌ: فرجلٌ ربطهَا رياءً وفخراً ونواءً علي أهلِ الإِسلامِ، فهي لهُ وِزرٌ؛ وأمّا التي هي له سترٌ: فرجلٌ ربطهَا في سبيل اللهِ، ثمَّ لم يَنسَ حقَّ اللهِ في
ــ
أقول: توجيه ما هو مثبت في الكتاب أن يقال: إن ((أولاها)) إذا مرت عليه علي التتابع، فإذا انتهي أخراها إلي الغاية، فردت من هذه الغاية، ويتبعها ما يليها إلي أولاها - حصل الغرض من التتابع والاستمرار.
قوله: ((عقصاء)) ((نه)): العقصاء الملتوية القرنين. والجلحاء: التي لا قرن لها. العضباء: المنكسرة القرن، وهي عبارة عن سلامة قرونها، واستوائها ليكون أجرح للمنطوح.
قوله: ((فالخيل ثلاثة)) فإن قلت: الجوابان السابقان مطابقان للسؤالين، لأن الأسئلة عن حقوق الله تعالي في الأجناس ووجوب الزكاة فيها، فأين المطابقة في السؤال الثالث؟ قلت: هو وارد علي الأسلوب الحكيم، وفي التوجيه وجهان: أحدهما علي مذهب الشافعي ﵁: أي دع السؤال عن الوجوب، إذ ليس فيه حق واجب، ولكن سل عن اقتنائها عما يرجع إلي صاحبها من المضرة والمنفعة. وثإنيهما علي مذهب أبي حنيفة ﵁: أي لا تسأل عما وجب فيها من الحقوق وحده، بل سل عنه وعما يتصل بها من المنفعة والمضرة إلي صاحبها. فإن قلت: كيف استدل علي الوجوب بالحديث؟ قلت: بعطف الرقاب علي الظهور؛ لأن المراد بالرقاب ذواتها، إذ ليس في الرقاب منفعة عائدة إلي الغير، كالظهور، وبمفهوم الجواب الآتي من قوله ﷺ : ((ما أنزل علي في الحمر شيء)). وأجاب القاضي عنه: بأن معنى قوله: ((لم ينس حق لله في رقابها)) أداء زكاة تجارتها.
وأقول: وجه هذه الكناية أن الرقاب ربما يكنى بها عن الانقياد والمملوكية، وما يساق للتجارة يقاد بها بما يشد علي رقابها للجلب، وينصره قوله: ((لم ينس)) فإنه لا يستعمل في الوجوب كقوله تعالي: ﴿ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾. وأما الجواب عن السؤال الأخير فإن الفاء في قوله: ((فالحمر)) جاءت عقيب المذكورات، كأنه قيل: عرفنا الوجوب في النقدين والأنعام، والندب في الخيل، فما حكم الحمير؟ وفي قوله: ((فالخيل ثلاثة)) جمع، وتفريق،
стр. 991
ظُهورِها ولا رقابِها، فهي له سترٌ؛ وأمّا التي هي له أجْرٌ: فرجلٌ ربطهَا في سبيلِ الله لأهلِ الإِسلامِ في مَرجٍ وروْضة، فما أكلتْ منْ ذلكَ المرْجِ أو الرَّوضةِ منْ شيءٍ إِلا كُتب له عدَدَ ما أكلتْ حسنَاتٌ، وكتبَ له عددَ أرْواثِها وأبْوالِها حسنَاتٌ، ولا تقطَعُ طِوَلَها فاسْتنّتْ شرفَا أو شرَفين إِلا كتبَ اللهُ له عددَ آثارها وأْرواثِها حسنَاتٍ، ولا مرَّ بها صاحبُها علي نهرٍ فشربتْ منه، ولايُريدُ أنْ يسقيَها، إِلا كتبَ اللهُ له عددَ ما شربتْ حسنَاتٍ)). قيلَ: يا رسولَ اللهِ! فالحُمُرُ؟ قال: ((ما أنزلَ عَلَيَّ في الحُمُر شيءٌ إِلا هذه الآية الفاذَّةُ الجامعًةُ: ﴿فمَنْ يَعملْ مِثْقالَ ذَرَّةِ خيراً يَرَهُ. ومَنْ يَعَملْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شراً يَره﴾. رواه مسلم. [١٧٧٣]
ــ
وتقسيم. وأما الجمع فقوله: ((ثلاثة))، وأما التفريق فمن قوله: ((هي لرجل وزر)) إلي آخره.
قوله: ((في مرج)) ((نه)): هو الأرض الواسعة ذات نبات كثير تمرح فيها الدواب، أي تسرح، واستنان الفرس: عدوه لمرجه ونشاطه شوطاً أو شوطين ولا راكب عليه. الطول- بالكسر- هو الحبل الطويل يشد أحد طرفيه في وتد أو غيره، والطرف الآخر في يد الفرس؛ ليدور فيه ويرعى ولا يذهب لوجهه.
قوله: ((ربطها في سبيل الله)) لم يرد به الجهاد لما يلزم التكرار، ويعضده رواية غيره ((ورجل ربطها تغنياً وتعففاً، ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي لذلك الرجل ستر)) ((تغنياً)): أي استغناء به، و ((تعففاً) عن السؤال، وهو أن يطلب بنتاجها الغنى والعفة، أو يتردد عليها إلي متاجرة ومزارعة، فيكون ستراً له يحجبه عن الفاقة. النواء: المعاداة، يقال: ناوأت الرجل مناوأة ونواء إذا عاديته، كأنه ناء إليك، نؤت إليه من النوء النهوض، كأن كل واحد من المتعاديين ينهض إلي صاحبه بالعداوة.
أقول: وفي قوله: ((كتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات)) مبالغة في اعتداد الثواب؛ لأنه إذا اعتبر ما تستفذره النفوس، وتنفر عنه الطباع، فكيف يغيرها.
وكذا إذا احتسب ما لا نية له فيه، وقد ورد ((وإنما لكل امرئ ما نوى)) من شربها، فما بال ما إذا قصد الاحتساب فيه؟.
قوله: ((الفاذة الجامعة)) ((نه)): الفاذة: المنفردة في معناها، والواحد فذ. وسميت جامعة لاشتمال اسم الخير علي جميع أنواع الطاعات: فرائضها، ونوافلها، واسم الشر علي ما يقابلها
стр. 992
١٧٧٤ - وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((مَنْ آتاهُ اللهُ مالاً فلمْ يُؤَد زّكاتَه، مُثلَ له مالُه يومَ القيامةِ شُجاعاً أقرَعَ له زَبيبتَان، يُطوٌقُ يومَ القيامةِ، ثمَّ يأخذُ بلهزِمتَيه، يعني شدْقَيه، ثمَّ يقولُ: أنا مالُكَ، أنا كنزُكَ)) ثمَّ تَلا: ﴿ولا يحْسَبَنَّ الذينَ يَبْخَلونَ﴾ الآية. رواه البخاري. [١٧٧٤]
١٧٧٥ - وعن أبي ذَر، عن النبيِّ ﷺ ، قال: ((ما مِنْ رجُلٍ يكونُ له إِبِلٌ أوْ بقرٌ أوْ غَنمٌ لا يُؤدِّي حقَّها؛ إلا أتي بها يومَ القيامةِ أعظم ما يكونُ وأسمنَه، تطَؤهُ بأخفافِها، وتنطَحُه بقُرونِها، كلما جازَتْ أخْراها رُدَّت عليهِ أولاها، حتى يُقضى بينَ النَّاسِ)). متفق عليه. [١٧٧٥]
١٧٧٦ - وعن جرير بن عبد الله، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((إِذا أتاكمُ المصدّقُ، فليصْدُرْ عنكم وهو عَنكم راضِ)) رواه مسلم. [١٧٧٦]
ــ
من الكفر، والمعاصي.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((شجاعاً)) ((نه)): الشجاع الحية الذكر. وقيل: الحية مطلقاً، وهو بضم الشين وكسرها، وهو نصب يجرى مجرى المفعول الثاني أي صور ماله شجاعاً، أو ضمن مثل معنى التصيير، أي صير ماله علي صورة الشجاع. والأقرع الذي لا شعر علي رأسه، يريد حية قد تمعط جلد رأسه لكثرة سمه وطول عمره.
((فا)) الزبيبتان: هما النكتتان السوداوان فوق عينيه، وهو أوحش ما يكون من الحيات، وأخبثها. وقيل: هما الزبدتان تكونان في الشدقين إذا غضب. يطوقه، أي يجعل طوقاً في عنقه، فهو تشبيه لذكر المشبه والمشبه به، كأنه قيل: يجعل كالطوق في عنقه. واللهزمة: اللحي وما يتصل به من الحنك. وفسرها في الحديث بالشدق، وهو قريب منه. وقولها: ((أنا مالك، أنا كنزك)) إخبار لمزيد الغصة والهم؛ لأنه شر أتاه من حيث كان يرجو خيراً، وفيه نوع
стр. 993
١٧٧٧ - وعن عبدِ الله بنِ أبي أوْفي ﵄ قال: كانَ النبيُّ ﷺ إِذا أتاهُ قومٌ بصدَقِتهم قال: ((اللهُمَّ صل علي آلِ فُلانٍ)). فأتاهُ أبي بصدَقِته، فقال: ((اللهُمَّ صلِّ علي آل أبي أوفي)) متفق عليه.
١٧٧٨ - وعن أبي هريرةَ، قال: بعثَ رسول الله ﷺ عمرَ علي الصَّدَقةِ، فقيل: مَنَع ابنُ جميلٍ، وخالدُ بنُ الوليد، والعبَّاسُ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : ((ما ينقمُ ابنُ جميلٍ إِلا أنَّه كانَ فقيراً فأغْناهُ اللهُ ورسولُه، وأما خالدٌ فإِنَّكم تظلمونَ خالداً، قدِ
ــ
تهكم.
الحديث الرابع، والخامس عن جرير: قوله: ((فليصدر عنكم)) ذكر المسبب وأراد السبب؛ لأنه أمر للمزكى، أي تلقوا العامل بالترحيب، وأدوا زكاة أموالكم تامة. فهذا سبب لصدوره عنهم راضياً. وإنما عدل إلي هذه الصيغة مبالغة في استرضاء المصدق وإن ظلم، كما سيجئ في الفصل الثاني في حديث جرير أيضًا ((أرضوا مصدقيكم وإن ظلمتم)) *.
الحديث السادس عن عبد الله: قوله: ((صل علي آل فلان)) أي اعطف عليهم بالدعاء لهم وترحم. قيل: لفظ الصلاة لا يجوز أن يدعى به لغير النبي ﷺ ، كما لا يجوز أن يدعى به للغير سوى النبي ﷺ ، لكن يجوز أن يدعى بمعناه فيقول العامل عند أخذ الصدقة: أجرك الله فيما أعطيت، وجعله طهوراً، وبارك لك فيما أبقيت؛ ليكون جبراناً لما عسى أن يضطرب ويقلق من إخراج شقيق روحه، فيطمئن به، قال الله تعالي: ﴿وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ والحديث السابق كان توصية للمزكى في تحري رضي الساعي، وهذا الحديث علي العكس.
الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ما ينقم)) ((تو)): نقمت علي الرجل، أنقم بالكسر، فأنا ناقم، إذا عبت عليه. قال بعض أصحاب الغريب: معنى الحديث: ما حمله علي منع الزكاة إلا أن أغناه الله ورسوله، وهو تعريض بكفران النعمة، وتقريع بسوء المقابلة، قال تعالي: ﴿وما نقموا منهم إلا ان يؤمنوا﴾ أي ما كرهوا. قيل: وإنما أسند رسول الله ﷺ الإغناء إلي نفسه أيضا، لأنه ﷺ كان هو السبب لدخوله في الإسلام والاستحقاق عن الغنائم بما أباح الله تعالي لأمته منها ببركته.
قوله: ((قد احتبسها في سبيل الله)) معناه: أنه احتبسها في سبيل الله، وقصد بإعدادها الجهاد دون التجارة، فلا زكاة فيها، وأنتم تظلمونه بأن تعدونها من عداد عروض التجارة،
стр. 994
احتَبس أدراعَه وأعتُدَه في سبيلِ الله، وأمَّا العبَّاسُ فهي علي َّومثلُها معَها)). ثمَّ قال: ((يا عمرُ! أمَا شعْرتَ أنَّ عم الرَّجلِ صنْوُ أبيه)) متفق عليه.
ــ
فتطلبون الزكاة منها، أو هو يتطوع باحتباس الأدراع والأعتد في سبيل الله، فكيف يمنع الزكاة التي هي من فرائض الله المؤكدة؟ فلعلكم تظلمونه، فتطلبون منه أكثر مما هو عليه، فيمتنع عن الإجابة. والأعتد: جمع قلة للعتاد، وهو ما أعده الرجل من السلاح، والدواب، وآلة الحروب، والجمع علي أعتدة أيضًا.
قوله: ((فهي علي ومثلها معها)) أولوه بأنه ﷺ استسلف منه صدقة عامين: العام الذي شكا فيه العامل، والعام الذي بعده. فهي صدقة السنة الذاهبة، ومثلها صدقة السنة القابلة. وقيل: استمهل رسول الله ﷺ بذلك، وأخر زكاة ذلك العام والقابل، وتكفل بصدقة العامين جميعاً، ويعضده ما في جامع الأصول: أنه ﷺ ((أوجبها عليه، وضمنه إياها، ولم يقبضها، وكانت ديناً علي العباس؛ لأنه رأي به حاجة)).
قوله: ((صنو أبيه)) أي مثله، يقال لنخيل خرجت من أصل واحد: صنوان، واحدها صنو. أقول: هذا ما عليه كلام الشارحين، والذي يقتضيه علم المعإني والبيان هو أن الفقرات الثلاث مخرجة علي خلاف مقتضى الظاهر، أما الأولي: ففيها إظهار غضب لرسول الله ﷺ علي المزكى، والأخيران فيهما إظهار غضبه علي المصدق للمزكى. أما بيان الأول، فإن قوله: ((ما ينقم ابن جميل)) إلي آخره من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح، أي لا يكفر نعمة من نعم الإسلام بشيء من الأشياء إلا بأن أغناه الله ورسوله بعد فقرة، فهذا موجب للشكر، فعكس وجعلها موجبة للكفران فيستحق كل الذم، وفي ضده قول ابن الرقيات:
ما نقموا من بني أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا
وأما بيان الثانية: فإن قوله: ((فإنكم تظلمون خالداً)) من باب وضع المظهر موضع المضمر إشعاراً بالعلية؛ فإن ((خالداً)) هنا تضمن معنى الشجاعة تضمن حاتم الجود، كأنه قيل: تتهمون شجاعاً بإسلامه، والحال أنه حبس ومنع أن يستعمل أدراعه وأعتده إلا في سبيل الله، فمثله لا يتهم بمنع الزكاة؛ فإن الشجاعة والبخل لا يجتمعان في نفس حرة.
وأما الثالثة: فإن قوله: ((علي ومثلها)) يدل علي الغضب، يعني أنا أتكفل عنه ما عليه مع الزيادة؛ ولذلك أتبعه بقوله: ((يا عمر! أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه)) يعني أما تنبهت أنه عمي وأبي، فكيف تتهمه بما ينافي حاله لعل له عذراً وأنت تلوم.
وقوله: ((قد احتبسها في سبيل الله)) دل بكنايته وعبارة النص علي أنه دائم المجاهدة في سبيل الله، ولعمري! إن امره وشأنه كان مستمراً عليها؛ فإن نبي الله ﷺ لم يزل في حياته
стр. 995
١٧٧٩ - وعن أبي حُميدٍ الساعدي، قال: استعملَ النبيُّ ﷺ رجلاً من الأزد، يُقالُ له: ابنُ اللُّتْبية، علي الصدِقة، فلمَّا قدم، قال: هذا لكم، وهذا أُهديَ لي. فخطب النبيُّ ﷺ فحمدَ اللهَ وأثنىَ عليه، ثمَّ قال: ((أما بعد، فإني أستعملُ رجالاً منكم علي أمورٍ ممَّا ولإني الله، فيأتي أحدُهم فيقولُ: هذا لكم، وهذهِ هديةٌ أهديتْ لي، فهلا جلسَ في بيتِ أبيهِ أمه، فينظُر أيُهدى له أم لا؟! والذي نفسي بيدهِ لا يأخذُ أحدٌ منهُ شيئاً إلَا جاءَ به يومَ القيامةِ يحملهُ علي رقبته، إن كانَ بعيراً له رغاَءٌ
ــ
يبعثه إلي كشف كل غماء، وكذا حاله في زمن العمرين. ودل بصراحة لفظ الاحتباس علي سبيل إشارة النص المسمى بالإدماج علي أنه وقفها في سبيل الله. قيل: وفيه دليل علي وجوب الزكاة في أموال التجارة، وإلا لما اعتذر النبي ﷺ عند مطالبة زكاة مال التجارة عن خالد بهذا القول. وقيل: وفيه أيضًا دليل علي جواز احتباس آلات الحروب، ويدخل فيها الخيل والإبل؛ لأنها كلها عتاد للتجارة، وكذا الثياب والبسط، وعلي جواز وقف المنقولات.
الحديث الثامن عن أبي حميد: قوله: ((ابن اللتبية)) ((مح)): اللتبية بضم اللام وإسكان التاء، ومنهم من فتحها. قالوا: وهو خطأ، والأصوب بإسكانها، نسبة إلي بني لتب - قبيلة معروفة - واسم اللتبية هذا عبد الله. وقال ابن الأثير في الجامع: بضم اللام وفتح التاء.
قوله: ((هلا جلس في بيت أمه، أو أبيه)) فيه تعيير له وتحقير لشأنه. ((خط)): فيه دليل علي أن كل أمر يتذرع به إلي محظور فهو محظور، ويدخل في ذلك القرض يجر المنفعة. والدار المرهونة يسكنها المرتهن بلا كراء. والدابة المرهونة يركبها ويرتفق بها من غير عوض، وكل دخيل في العقود ينظر، هل يكون حكمه عند الانفراد كحكمه عند الاقتران أم لا؟ هكذا في شرح السنة، وعليه مذهب الإمام مالك ﵁، وفرع علي هذا الأصل في الموطأ أمثلة، منها: أن الرجل يعطي صاحبه الذهب الجيد، ويجعل معه رديئاً، ويأخذ منه ذهباً متوسطاً، مثلاً بمثل، فقال: هذا لا يصلح؛ لأنه أخذ فضل جيده من الرديء، ولولاه لم يبايعه. وهذا تلخيص كلامه.
أقول: فيحمل علي هذا ما استقر في عهدنا، وأفتى به من بيع شيء حقير بثمن ثمين مع استقراض برفع ربحه إلي ذلك الثمن، ومن رهن داراً بمبلغ كثير مع إجازة بشيء قليل. وقد علم رسول الله ﷺ بنور المعجزة أن بعض أمته يرتكبون هذا المحظور حيث قال: ((اللهم هل بلغت – مرتين -)) وسيجيء الكلام فيه في باب الربا.
قوله: ((الرغاء)) ((نه)): الرغاء: صوت الإبل، وقد رغا يرغو رغاء، والخور: صوت البقر، ويقال: يَعرتْ المعزُ تيعَر بالكسر يُعار بالضم أي صاح. والعفرة: بياض ليس بالناصع، ولكن كلون عفر الأرض وهو وجهها.
стр. 996
أو بقراً له خوارٌ، أو شاةٌ تيعر)). ثمَّ رفعَ يديه حتى رأينَا عُفرَتي إِبطيه، ثمَّ قال: ((اللهمَّ هل بلغتُ؟ اللهمَّ هل بلغتُ)). متفق عليه. قال الخطَّابي: وفي قولِهِ: ((هلا جلسَ في بيت أمِّه أو أبيه، فينظُرَ أيُهدى إِليه أم لا)) دليلٌ علي أنَّ كلَّ أمرٍ يُتذرِّعُ به إلي محظورٍ فهو محظور، وكلَّ دخيلٍ في العقودٍ يُنظُر: هل يكون حكمُه عند الانفرادِ كحكمهِ عند الاقترانِ أم لا؟ هكذا في ((شرح السُّنَّة)).
١٧٨٠ - وعن عَديّ بن عَميرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((من استَعملناهُ منكُم علي عملٍ فكتَمنَا مخيطاً فما فوقه؛ كان غُلولاً يأتي به يوم القيامة)) رواه مسلم.
الفصل الثاني
١٧٨١ - عن ابن عبَّاس، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿والذين يكنزونَ الذَّهبَ والفضَّة﴾ كبُرَ ذلكَ علي المسلمين. فقالَ عمر: أنا أفَرِّجُ عنكم،، فانطلق فقال: يا نبيَّ الله إِنَّهُ كبُرَ علي أصحابِكَ هذه الآية، فقال: ((إِنَّ اللهَ لم يفرضِ الزكاةَ إِلا ليُطيبَ
ــ
كلون عفر الأرض وهو وجهها.
((مظ)): المعنى: من سرق شيئاً في الدنيا من مال الزكاة أو غيرها يجيء يوم القيامة وهو حامل لما سرق، إن كان حيواناً له صوت رفيع؛ ليعلم أهل العرصات حاله، لتكون فضيحته أشهر. أقول: ذهب إلي أن قوله: ((له رغاء)) جزاء للشرط، وهي جملة اسمية تجب فيها الفاء. وقد تحذف. وأنشد الدار الحديني:
بنىي ثعل لا تنكعوا العنز شربها ... بني ثعل من ينكع العنز ظالم
أي فهو ظالم، النكع: المنع، والشرب: الحظ من الماء.
الحديث التاسع عن عدى بن عميرة - بفتح العين: قوله: ((مخيطاً)) المخيط بكسر الميم وسكون الخاء، الإبرة، والفاء في ((فما فوقه)) للتعقيب علي التوالي و ((ما فوقه)) يحتمل أن يكون المراد به الأعلي أو الأدون، كما في قوله تعالي ﴿ما بعوضة فما فوقها﴾.
وإيراد هذا الحديث في باب الزكاة علي سبيل الاستطراد، وذلك لأنه لما ذكر حديث ابن اللتبية، وذكر إنكار النبي ﷺ بقوله: ((فإني أستعمل رجالاً منكم علي أمور مما ولإني الله))
стр. 997
ما بقيَ من أموالكم، وإِنما فرضَ المواريث، وكرَ كلمةً لتكون لمن بعدكم)) فقال: فكبَّر عمر، ثمَّ قال له: ((ألا أخبركَ بخيرِ ما يكنزِ المرء؟ المرأةُ الصالحةُ: إِذا نظر إِليها سرَّته، وإِذا أمرَها أطاعتهُ، وإذا غابَ عنها حفظَتهُ)) رواه أبو داود [١٧٨١].
ــ
عاماً في أمر الزكاة والغنائم وغيرهما، استتبعه حديث عدى تقريراً وتأكيداً.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((كبر)) ((قض)): أي شق وعظم؛ لأنهم حسبوا أنها تمنع جمع المال وضبطه رأساً، وأن كل من أثل مالا - جل أم قل - فإن الوعيد لاحق به، فأشار النبي ﷺ إلي أن المراد بالكنز في الآية منع الزكاة وحبسها عن المستحق، لا الجمع وضبط المال مطلقاً.
قوله: ((إلا ليطيب ما بقى)) هو من قوله تعالي: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم﴾ ومعنى التطييب أن أداء الزكاة إما أن يحل ما بقى من ماله المخلوط بحق الفقراء، وإما أن يزكيه من تبعة ما لحق به من إثم منع حق الله تعالي. وقوله: ((وإنما فرض المواريث، وذكر كلمة لتكون لمن بعدكم)) هذه الزيادة ليست في المصابيح، وهي مثبته في سنن أبي داود معطوفة علي قوله: ((إن الله لم يفرض)) كأنه قيل: إن الله لم يفرض الزكاة إلا لكذا، ولم يفرض المواريث إلا لتكون لمن بعدكم. المعنى: لو كان مطلق الجمع وضبطه محظوراً لما افترض الله تعالي الزكاة، ولا الميراث. وقوله: ((وذكر كلمة)) من كلام الراوي، أي ذكر رسول الله ﷺ كلمة في هذا المقام لم أضبطها.
قوله: ((فكبر عمر)) ((قض)): أي استبشاراً لدفع الحرج، وكشف الحال، ورفع الإشكال.
أقول: في تخصيص لفظ التكبير في هذا المقام دون سائر الأذكار دلالة علي فخامة الأمر، فكما كبر عمر وعظم نزول قوله: ((والذين يكنزون الذهب)) الآية، كذلك كبر عند ورود قوله ﷺ : ((إن الله لم يفرض الزكاة)) إلي آخره. استبشاراً.
قوله: ((بخير ما يكنز المرء: المرأة الصالحة)) ((المرأة)) مبتدأ، والجملة الشرطية خبره، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، والجملة الشرطية بيان. ((قض)): إنه ﷺ لما بين لهم أنهم لا حرج عليهم في جمع المال وكنزه ما داموا يؤدون الزكاة، ورأي استبشارهم به، رغبهم عنه إلي ما هو خير وأبقى، وهي المرأة الصالحة الجميلة؛ فإن الذهب لا ينفعك إلا بعد الذهاب عنك، وهي ما دامت معك تكون رفيقك تنظر إليها فتسرك، وتقضى عند الحاجة إليها وطرك، وتشاورها فيما يعز لك فتحفظ سرك، وتستخدمها في حوائجك فتطيع أمرك، وإذا غبت عنها تحامى مالك وتراعي عيالك، ولو لم يكن لها إلا أنها تحفظ بذرك وتربي زرعك، فيحصل لك بسببها ولد يكون لك وزيراً في حياتك، وخليفة بعد وفاتك، لكان لها بذلك فضل كثير.
стр. 998
١٧٨٢ - وعن جابر بن عَتيك، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((سيأتيكم رُكَيْب مبغَّضُون، فإِذا جاءوكم فرحبوا بهم، وخلُّوا بينهُم وبين ما يبتغون، فإِنْ عدَلوا فلأنفُسهِم، وإِنْ ظلمُوا فعليهم، وأرضُوهمْ فإنَّ تمام زكاتكم رضاهم، وليَدعوا لكم)) رواه أبو داود. [١٧٨٢]
ــ
أقول: هذا كلام حسن، لكن في قوله: ((رغبهم عنه إلي ما هو خير)) بحث؛ لأن رسول الله ﷺ ما رغبهم عن اقتناء المال رأساً، بل أرشدهم إلي ما هو خير منه في النفع وأصلح لحالهم. وهذه الزيادة من باب الأسلوب الحكيم، وتلقى المخاطب بغير ما يترقب؛ فإن عمر ﵁ ترقب في أمر المال ما يزيل الحرج عن اقتنائه، فتلقاه رسول الله ﷺ بما حصل رضاه، وزاد علي ما توخاه، وقريب منه قوله تعالي: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين﴾ الآية. وأما وجه المناسبة بين المال والمرأة فهو تصور الانتفاع من كل منهما، وأنهما نوعا هذا الجنس؛ ولذلك استثنى الله تعالي ﴿من أتى الله بقلب سليم﴾ من قوله: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون﴾.
قوله: ((إذا غاب عنها حفظته)) مقابل لقوله: ((إذا نظر إليها سرته))، وقوله: ((وإذا أمرها أطاعته)) فإنهما دلا علي حسن خلْقها وخلقها عند الحضور.
الحديث الثاني عن جابر بن عتيك: قوله: ((ركيب مبغضون)) يريد عمال الزكاة. والركيب تصغير ركب، وهو اسم جمع؛ فلذا صغر علي لفظه، وإلا لينبغي أن يقال: رويكبون. ((شف)): جعلهم مبغضين لما في نفوس رباب الأموال من حبها وكراهة فراقها. ((مظ)): معناه: قد يكون بعض العاملين سيئ الخلق متكبراً، فاصبروا علي سوء خلقهم.
أقول: والأول أوجه؛ لقوله ﷺ : ((سيأتي ركيب)) لأن فيه إشعاراً بأنهم عمال رسول الله ﷺ ، وينصره شكوى القوم عنهم في الحديث الذي يليه، وهو قولهم: ((إن ناساً من المصدقين يأتونا فيظلمونا)) ولا ارتياب أن رسول الله ﷺ لا يستعمل ظالماً، فالمعنى: أنه سيأتيكم عمالي يطلبون منكم زكاة أموالكم، والنفس مجبولة علي حب المال فتبغضونهم، وتزعمون أنهم
стр. 999
١٧٨٣ - وعن جريرِ بن عبدِ الله، قال: جاءَ ناس - يعني من الأعراب - إلي رسولِ الله ﷺ ، قالوا: إِنَّ ناساً من المصدِّقين يأتونا فيظلمونا. فقال: ((أرضوا مصدِّقَيكم)) قالوا: يا رسولَ اللهِ وإِنْ ظلمونا؟! قال: ((أرضوا مصدِّقيكم وإِنْ ظُلمتُم)) رواه أبو داود. [١٧٨٣]
١٧٨٤ - وعن بشير بنِ الخصاصيَّة، قال: قلنا: إِنَّ أهلَ الصدقِة يعتدونَ علينا، أفنَكتُم من أموالِنا بقدرِ ما يعتدون؟ قال: ((لا)) رواه أبو داود.
١٧٨٥ - وعن رافعِ بن خديج، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((العاملُ علي الصدقةِ بالحقِّ كالغازي في سبيل الله حتى يرجعَ إِلي بيتِه)) رواه أبو داود، والترمذي. [١٧٨٥]
١٧٨٦ - وعن عمروِ بنِ شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ ، قال: ((لا جَلَب ولا جَنَب، ولا تُؤخَذُ صدقاتهمِ إِلا في دورِهم)) رواه أبو داود. [١٧٨٦]
١٧٨٧ - وعن ابنِ عمر، قال: قال: رسولُ الله ﷺ : ((من استفادَ مالاً فلا زكاةَ فيه حتى يحولَ عليهِ الحول)) رواه الترمذي، وذكر جماعةً أنَّهُم وقَفوهُ علي ابنِ عُمر.
ــ
ظالمون، وليسوا بذلك؛ فقوله: ((فإن عدلوا، وإن ظلموا)) مبنى علي هذا الزعم، ولو كانوا ظالمين في الحقيقة، كيف يأمرهم بالدعاء لهم بقوله: ((وليدعوا لكم))؟ وعلي هذا قوله في الحديث الآتي: ((أرضوا مصدقيكم وإن ظلمتم))؛ ولأن لفظة ((إن)) الشرطية هنا تدل علي الفرض والتقدير لا علي الحقيقة، ونحوه قوله ﷺ : ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي)). وأما المظهر لما عمم الحكم في جميع الأزمنة، قال: كيفما يأخذون الزكاة لا تمنعوهم وإن ظلموكم؛ لأن مخالفتهم مخالفة السلطان؛ لأنهم مأمورون من جهته، ومخالفة السلطان تؤدي إلي الفتنة وثورانها. وفيه بحث؛ لأن العلة لو كانت هي المخالفة لجاز الكتمان، لكنه لم يجز لقوله في الحديث الآتي: ((أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون؟ قال: لا)).
الحديث الثالث إلي الخامس عن رافع بن خديج: قوله: ((حتى يرجع)) إذا جعل غاية للمشبه لم يفد فائدة ما؛ لأن وجه التشبيه هو سعي الساعي والغازي في تحصيل بيت المال للمسلمين. وفيه: أن الساعي كالغازي الغانم، وليس كالغازي الشهيد.
الحديث السادس عن عمرو بن شعيب: قوله: ((لا جلب ولا جنب)) ((نه)): الجلب يكون في شيئين، أحدهما في الزكاة، وهو أن يقدم المصدق علي أهل الزكاة، فينزل موضعاً، ثم يرسل من يجلب إليه الأموال من أماكنها ليأخذ صدقتها، فنهي عن ذلك وأمر أن تؤخذ صدقاتهم
стр. 1000
١٧٨٨ - وعنِ عليِ ﵁: أنَّ العباسَّ سألَ رسولَ اللهِ ﷺ في تعجيل صدقةٍ قبل أن تحُلَّ؛ فرخَّصَ لهُ في ذلك. رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي. [١٧٨٨]
١٧٨٩ - وعن عمرو بنِ شعيب، عن أبيهِ، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ ﷺ خطبَ النَّاس فقال: ((ألا من ولي يتيماً لهُ مالٌ فليَتَّجر فيه، ولا يتركْهُ حتى تأكلًه الصدقةُ)). رواه الترمذي، وقالَ في إِسنادهِ مقال؛ لأنَّ المثَّنى بنَ الصباح ضعيف.
ــ
علي مياههم وأماكنهم. الثاني يكون في السياق، وهو أن يتبع الرجل فرسه، فيزجره ويجلب عليه، ويصبح حثاً علي الجري، فنهي عن ذلك. الجنب – بالتحريك - في السباق: أن يجنب فرساً إلي فرسه الذي يسابق عليه، فإذا فتر المركوب تحول إلي المجنوب. وفي الزكاة: أن ينزل العامل بأقصى مواضع أصحاب الصدقة يأمر بالأموال أن تجنب إليه أي تحضر، فنهوا عن ذلك. وقيل: هو أن يجنب رب المال بماله، أي يبعده عن موضعه حتى يحتاج العامل إلي الإبعاد في اتباعه وطلبه.
أقول: كلا اللفظين مشتركان في معنى السباق والزكاة، والقرينة لإرادة الثاني قوله: ((ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم)) علي سبيل الحصر؛ لأنه كنى به عنهما؛ فإن أخذ الصدقة في دورهم لازم لعدم بعد الساعي عنها، فيجلب إليه، ولعدم بعد المزكي؛ فإنه إذا بعد عنها لم [يؤخذ] فيها.
الحديث السابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((وذكر جماعة)) كلام الراوي الترمذي، أي سمي الترمذي جماعة بأسمائهم أنهم وقفوا هذا الحديث عن ابن عمر، أي لم يرفعه ابن عمر إلي رسول الله ﷺ كما في المتن بل وقفه، وقال: ((من استفاد مالا)) الحديث.
الحديث الثامن والتاسع عن عمرو بن شعيب: قوله: ((فليتجر فيه)) والأصل فليتجر به، كقولك: كتبت بالقلم؛ لأنه عدة للتجارة، فجعله ظرفاً للتجارة ومستقرها، كقوله تعالي: ﴿وأصلح لي ذريتي﴾ أي أوقع الصلاح فيهم. وفائدة جعل المال مقراً للتجارة أن لا ينفق من أصل المال، بل يخرج النفقة من الربح، وإليه ينظر قوله تعالي: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم- إلي قوله ﴿وارزقوهم فيها﴾.
قوله: ((حتى تأكله الصدقة)) أي تنقصه وتفنيه؛ لأن الأكل سبب للإفناء، أو استعارة حيث جعل الصدقة مشابهة للطاعم، ونسب إليها من لوازم المشبه به- وهو الأكل- مبالغة في كمال الإفناء.
قوله: ((المثنى بن الصباح ضعيف)) ((تو)): لأن في روايته تدليساً، وتعمية، وإيهاماً. وذلك: أنه يحتمل أن يروى هو عن شعيب، وشعيب عن أبيه، وهو عن عبد الله جد شعيب، وهو عن رسول الله ﷺ . ويحتمل: أن عمراً يرويه عن أبي شعيب وهو عن جده، فلا يكون متصلا.
стр. 1001
الفصل الثالث
١٧٩٠ - عن أبي هريرة، قال: لمَّا توفيَ النبيُّ ﷺ واستُخلِفَ أبو بكرٍ بعدَه، وكفرَ من كفرَ من العرب، قالَ عمرُ بن الخطابِ لأبي بكرٍ: كيف تقاتلُ الناسَ وقد قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ((أمرتُ أن أقاتلَ النَّاسَ حتى يقولوا: لا إِله إِلا الله، فمنْ قالَ: لا إِله إلا الله عصَمَ مني مالهُ ونفسَه إِلا بحقهِ وحسابُه علي الله))؟ فقالَ أبو بكر: والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاةِ والزكاةِ، فإنَّ الزكاةَ حقُّ المال، واللهِ لو منعوني عَناقاً كانوا يؤدونها إلي رسولِ الله ﷺ لقاتلتهُم علي منعِها. قال عمر ﵁: فو اللهِ ما هو إلا رأيتُ أنَّ الله شرحَ صدرَ أبي بكرٍ للقتالِ، فعرفتُ أنهُ الحق. متفقٌ عليه.
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((كفر من كفر)) يريد غطفان، وفزارة، وبني سليم، وبني يربوع، وبعض بني تميم، وغيرهم منعوا الزكاة، فأراد أبو بكر ﵁ أن يقاتلهم، فاعترض عمر ﵁ بقوله: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إِله إِلا الله))؟.
جعلهم كفاراً إما لأنهم أنكروا وجوب الزكاة، أو أتوا بشبهة في المنع، فيكون تغليظاً. وعمر ﵁ أجراه علي ظاهره، وأنكر علي أبي بكر، قوله: ((وحسابه علي الله)) يعني من قال: لا إله إلا الله، وأظهر الإسلام تترك مقاتلته ولا يفتش باطنه هل هو مخلص أم لا فإن ذلك إلي الله تعالي وحسابه عليه.
قوله: ((فإن الزكاة حق المال)) هذا الرد يدل علي أن عمر ﵁ حمل الحق في قوله: ((عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه)) علي غير الزكاة، وإلا لم يقم استشهاد عمر ﵁ بالحديث علي منع المقاتلة، ولا رد أبي أبكر ﵁ بقوله: ((فإن الزكاة حق المال))، أو يقال: إن عمر ظن أن المقاتلة مع القوم إنما كانت لكفرهم لا للمنع، فاستشهد بالحديث، وأجابه أبو بكر بإني لم أقاتلهم لكفرهم، بل لمنعهم الزكاة. ويعضد هذا الوجه قوله: ((كفر من كفر)). ((مح)): العناق: الأنثى من ولد المعز، ذكره مبالغة.
قوله: ((وفي رواية: عقالا)) وذكروا فيه وجوهاً، أصحها وأقواها قول صاحب التحرير علي أنه ورد مبالغة؛ لأن الكلام خرج مخرج التضييق والتشديد، فيقتضي قلة وحقارة.
قوله: ((ما هو إلا رأيت)) المستثنى منه غير مذكور، أي ليس الأمر شيئاً من الأشياء إلا علمي
стр. 1002
١٧٩١ - وعنه، قال: قالَ رسولَ اللهِ ﷺ : ((يكونُ كنز أحدِكم يوم القيامةِ شُجاعاً أقرعَ يفرُّ منهُ صاحبهُ وهو يطلبه حتى يلقِمَهُ أصابعَه)) رواه أحمد.
١٧٩٢ - وعن ابنِ مسعودٍ، عن النبي ﷺ قال: ((ما من رجُلٍ لا يُؤدِّي زكاةَ ماله إلا جعل اللهُ يومَ القيامةِ في عنقهِ شجاعاً)) ثمَّ قرأ علينا مصداقَهُ من كتابِ اللهِ: ﴿ولا يَحسبنَّ الذين يبخلونَ بما آتاهم اللهُ من فضله﴾ الآية. رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه [١٧٩٢].
١٧٩٣ - وعن عائشةَ، قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: ((ما خالطتِ الزَّكاةُ مالاً قطُّ إِلا أهلكته)). رواه الشافعي، والبخاري في تاريخهِ، والحميدي وزاد قال: يكونُ قد وجبَ عليكَ صدقةٌ، فلا تخرجُها، فيهلك الحرامُ الحلاًل. وقد احتجَّ به من يرى تعلُّقَ الزكاةِ بالعين، هكذا في ((المنتقى)). [١٧٩٣]
وروى البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن أحمد بنِ حنبل، بإسنادهِ إِلي عائشة. وقال أحمد في ((خالطت)): تفسيرهُ أنَّ الرَّجلَ يأخذُ الزكاةَ وهو موسرٌ أو غنيُّ، وإِنَّما هي للفقراء.
ــ
بأن أبا بكر محق، ونحوه قوله تعالي: ((ما هي إلا حياتنا الدنيا)) ((هي)) ضمير مبهم يفسره ما بعده.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((حتى يلقمه أصابعه)) ذكر فيما تقدم في حديث أبي هريرة أن الشجاع يأخذ بلهزمتيه، أي شدقيه، وخص هنا بإلقام الأصابع، لعل السر فيه: أن المانع يكتسب المال بيديه ويفتخر بشدقيه، فخصا بالذكر، أو أن البخيل قد يوصف بقبض اليد، قالوا: يد فلان مقبوضة، وأصابعه مكفوفة، كما أن الجواد يوصف ببسطها. قال الشاعر:
تعود بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله
الحديث الثالث، والرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((إلا أهلكته)) يحتمل محقته، واستأصلته؛ لأن الزكاة كانت حصناً له، أو أخرجته من كونه منتفعاً به؛ لأن الحرام غير منتفع به شرعاً، وإليه أشار بقوله: ((فيهلك الحرام الحلال)).
قوله: ((تفسيره: أن الرجل)) إلي آخره مقول قول أحمد ﵁. فإن قلت: هذا ظاهر
стр. 1003
(١) باب ما تجب فيه الزكاة
الفصل الأول
١٧٩٤ - عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس فيما دونَ خمسةِ أوسُقٍ من التمرِ صدقةٌ، وليس فيما دونَ خمس أواقٍ من الوَرِقِ صدقةٌ، وليس فيما دونَ خمس ذَوْدٍ من الإِبل صدقةٌ)) متفق عليه.
١٧٩٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس علي المسلم صدقةٌ في عبدهِ، ولا في فرسه)). وفي روايةٍ قال: ((ليس في عبدهِ صدقةٌ إلا صدقةَ الفطر)). متفق عليه.
ــ
في معنى المخالطة؛ فإنها معنى وبناء يستدعى شيئين متمايزين يختلط أحدهما بالآخر، فأين هذا المعنى في قول من فسره بإهلاك الحرام الحلال؟ قلت: لما جعل الزكاة متعلقة بين المال لا بالذمة، جعل قدر الزكاة المخرج من النصاب معيناً ومشخصاً، فيستقيم الخلط بما بقى من النصاب.
باب ما تجب فيه الزكاة
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((خمسة أوسق)) ((نه)): الوسق - بالفتح أصله الحمل، وكل شيء وسقته فقد حملته. وقيل: الوسق ستون صاعاً، وكل صاع أربعة أمداد، وكل مد رطل وثلث بالبغدادي. ((نه)): الأواقي جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد الباء - والجمع يشدد ويخفف، مثل أثفية وأثافي. وربما يجئ في الحديث وقية، وليست بالعالية، وهمزتها زائدة. وكانت الأوقية قديماً عبارة عن أربعين درهماً، وهي في غير الحديث نصف سدس الرطل، وهو جزء من اثنى عشر جزءاً، ويختلف باختلاف البلاد. ((فا)): الأوقية أربعون درهماً، وهي أفعولة من وقيت، لأن المال مخزون مصون، أو لأنه يقي البؤس والضر.
((نه)): الذود: من الإبل ما بين الثنتين إلي التسع. وقيل: ما بين الثلاث إلي العشر، واللفظ مؤنث، ولا واحد لها من لفظها. وقال أبو عبيد: الذود من الغناث دون الذكور، إناثاً. قيل: إنما أضاف الخمس إلي الذود- ومن حقها أن تضاف إلي الجمع- لأن فيه معنى الجمعية. وقيل: روى ((خمس)) منوناً، فيكون ((ذود)) بدلاً منه، و ((من الإبل)) صفة مؤكدة لـ ((ذود))، بخلاف ((من الورق)) و ((من التمر))، فإنهما مميزتان.
стр. 1004
١٧٩٦ - وعن أنس، أنَّ أبا بكرٍ كتبَ لهُ هذا الكتابَ لما وجَّههُ إِلي البحرين: بسم اللهِ الرَّحمن الرحيم، هذه فريضةُ الصدقةِ التي فرضَ رسولُ اللهِ ﷺ علي المسلمين، والتي أمرَ اللهُ بها رسوله. فمَن سُئلها من المسلمين علي وجهِها فليُعطِها، ومنْ سُئِلَ فوقهَا فلا يُعطِ: في أربعٍ وعشرينَ من الإِبلِ فما دونها؛ من الغنم من كلِّ خمسٍ شاةٌ. فإذا بلغَتْ خمساً وعشرينَ إِلي خمسٍ وثلاثين؛ ففيها بنتُ مخاضٍ أنثى.
ــ
((مظ)): في الحديث دليل علي أن النصاب في النبات، والتمر، والزبيب خمسة أوسق، وما لم يبلغ منها هذا منها هذا المقدار لا يجب فيه الزكاة، هذا عند الشافعي. وأما عند أبي حنيفة فيجب الزكاة في القليل والكثير من الحبوب، والتمر، والزبيب، وغيرها من النبات. أقول: خصت هذه الأشياء الثلاثة بالذكر؛ لأن الأول والثالث باعتبار بلاد العرب، والثاني عام. ((مظ)): هذا علي مذهب الشافعي، ومالك. وأما عند أبي حنيفة فتجب الزكاة في الخيل إذا كان أنثى، من كل فرس دينار، وإن شاء قومها مالكها، وأخرج من كل مائتي درهم خمسة دراهم.
الحديث الثاني والثالث عن أنس ﵁: قوله: ((فرض)) أي بين وفصل. قوله: ((علي وجهها)) حال من المفعول الثاني في ((سئلها)) علي الوجه المشروع من غير تعدٍّ، بدليل قوله: ((من سئل فوقها فلا يعط)). فإن قلت: دل هذا علي أن المصدق إذا أراد أن يظلم المزكى، فله أن يأباه، ولا يتحرى رضاه، ودل حديث جابر وهو قوله: ((أرضوا مصدقيكم وإن ظلمتم)) علي خلاف ذلك. قلت: قد مر أن أولئك المصدقين من أصحاب رسول الله ﷺ لم يكونوا ظالمين، وكان نسبة الظلم إليهم علي زعم المزكى، أو جريان الحكم علي سبيل المبالغة، وهذا عام فلا منافاة بينهما.
قوله: ((في أربع)) إلي آخر الحديث استئناف بيان لقوله: ((هذه فريضة الصدقة)) كأنه أشار بـ ((هذه)) إلي ما في الذهن، ثم أتى به بياناً له.
قوله: ((من الغنم من كل خمس شاة)) ((من)) الأولي ظرف مستقر؛ لأنه بيان لـ ((شاة)) توكيداً، كما في قوله: ((في خمس ذود من الإبل)) والثانية لغو ابتدائية متصلة بالفعل المحذوف، أي ليعط في أربع وعشرين شاة كائنة من الغنم، لأجل كل خمس من الإبل. ((حس)): وفيه دليل علي إباحة الدفع عن ماله إذا طولب بغير حقه، وفيه دليل أيضًا علي جواز إخراج صدقة الأموال الظاهرة بنفسه، دون الإمام. وفيه دليل علي أن الإمام والحاكم إذا ظهر فسقهما بطل حكمهما.
قوله: ((ففيها بنت مخاض أنثى)) قيل: هي التي تمت لها سنة، سميت بذلك؛ لأن أمها تكون حاملاً، والمخاض: الحوامل من النوق، لا واحد لها من لفظها، ويقال لواحدتها:
стр. 1005
فإذا بلغَتْ ستاً وثلاثين إِلي خمسٍ وأربعين؛ ففيها بنت لبون أنثى. فإذا بلغَتْ ستاً وأربعين إِلي ستين؛ ففيها حقَّةٌ طروقةُ الجمل. فإذا بلغَت واحدةً وستينَ إِلي خمسٍ وسبعين؛ ففيها جذَعَةٌ. فإذا بلغَتْ ستاً وسبعينَ إِلي تسعين؛ ففيها بنتا لبونٍ. فإذا بلغَتْ إِحدى وتسعين إِلي عشرين ومائة؛ ففيها حقّتان طروقتا الجمل. فإذا زادَتْ علي عشرين ومائة؛ ففي كلِّ أربعين بنتُ لبون، وفي كلِّ خمسين حقَّةٌ. ومَنْ لم يكُنْ
ــ
خلفه. وإنما أضيفت إلي المخاض، والواحدة لا تكون بنت نوق؛ لأن أمها تكون في نوق حوامل، وصف حملها معهن وهي تتبعهن، ووصفها بالأنثى تأكيداً، كما قال تعالي: ﴿نفخة واحدة﴾ أو لأن لا يتوهم أن البنت ها هنا والابن في ((ابن لبون)) كالبنت في ((بنت طبق)) والابن في ((ابن آوى)) يشترك فيهما الذكر والأنثى.
قوله: ((ففيها حقة طروقة الجمل)) ((نه)): هي من الإبل ما دخل في السنة الرابعة سمى بذلك؛ لأنه استحق الركوب والتحميل، ويجمع علي حقائق وحقاق. قوله: ((طروقة الجمل)) أي تعلو الفحل مثلها في سنها، وهي فعولة بمعنى مفعولة أي مركوبة للفحل. قيل: فيه دليل علي أنه لا شيء في الأوقاص، وهي ما بين الفريضتين.
قوله: ((ففيها جذعة)) ((تو)): يقال للإبل في السنة الخامسة: أجذع وجذع، وهو اسم له في زمن ليس بسن تنبت، ولا تسقط، والأنثى جذعة. قوله: ((فإذا زادت علي عشرين ومائة)) ((قض)): فيه دليل علي استقرار الحساب بعد ما جاوز العدد المذكور. وهو مذهب أكثر أهل العلم. وقال النخعى، والثورى، وأبو حنيفة ﵃: يستأنف الحساب بإيجاب الشياه، ثم بنت مخاض، ثم بنت لبون، علي الترتيب السابق، واحتجوا بما روى عن عامر بن ضمرة عن علي ﵄ في حديث الصدقة ((فإذا زادت الإبل علي عشرين ومائة ترد الفرائض إلي أولها))، وبما روى أنه ﷺ كتب كتاباً لعمرو بن حزم في الصدقات والديات وغيرهما، وذكر فيه: ((أن الإبل إذا زادت علي عشرين ومائة استوفت الفريضة)). ولا يعادلان حديث أنس ﵁؛ فإنه متفق علي صحته - إلي آخر ما ذكره في شرحه.
قوله: ((إلا أن يشاء ربها)) أي صاحبها أن يتبرع ويتطوع مبالغة في نفي الوجوب، كما سبق في باب الإيمان في حديث الأعرابي في قوله: ((إلا أن تطوع)) قوله: ((فإنها تقبل منها الحقة)) إلي آخره. ((فا)): فيه دليل علي جواز النزول والصعود من السن الواجب عند فقده إلي سن آخر يليه، وعلي أن جبر كل مرتبة بشاتين أو عشرين درهماً، وعلي أن المعطي مخير بين الدراهم والشاتين.
стр. 1006
معَهُ إِلا أربعٌ من الإِبلِ فليسَ فيها صدقةٌ إِلا أنْ يشاءَ ربُّها. فإذا بلغَتْ خمساً ففيها شاةٌ ومن بلغَتْ عندهُ من الإِبلِ صدقةَ الجذعةِ، وليستْ عندَهُ جَذَعَة، وعندهُ حقَّةٌ؛ فإنَّها تُقبَل منهُ الحقَّة ويجعَلُ معها شاتينِ إِن استَيْسرتا له، أو عشرينَ درهما. ومن بلغَتْ عندهُ صدقةُ الحِقَّةِ، وليستْ عندَهُ الحقَّةُ. وعندهُ الجذعَةُ؛ فإنَّها تُقبَلَ منهُ الجذعَةُ، ويعطيةِ المصدِّق عشرينَ درهماً، أو شاتين. ومنْ بلغَتْ عندَهُ صدقةَ الحقَّة، وليسَتْ عندَه إِلا بنتُ لبون، فإنَّها تُقبل منهُ بنتُ لبون، ويعطي معها شاتين، أو عشرينَ درهماً. ومن بلغتْ صدقتهُ بنتَ لبون، وعندهُ حقَّةٌ، فإِنَّها تُقبَل منهُ الحِقَّةُ، ويُعطيه المصدقُ عشرينَ درهماً، أو شاتين، ومن بلغَتْ صدقتهُ بنتَ لبون، وليست عندَهُ، وعندهُ بنتُ مخاضٍ؛ فإنَّها تُقبَل منهُ بنتُ مخاض، ويعطي معها عشرينَ درهماً، أو شاتَين، ومنْ بلغَتْ صدقتُهُ بنتَ مخاض، ليسَت عندَه، وعندهُ بنتُ لبون، فإِنَّها تُقبَل
ــ
وقوله: ((ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليس عنده إلا بنت)) إلي آخره، فيه دليل علي أن الخيرة في الصعود والنزول من السن الواجب إلي المالك، وفي قوله: ((وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه وليس معه شيء)) دليل علي أن فضيلة الأنوثة تجبر بفضل السن، ولا احتياج إلي جبران. قوله: ((ويعطى معها عشرين درهماً)) أي عشرين درهماً كائناً مع بنت المخاض، فلما قدم صار حالا.
قوله: ((وفي صدقة الغنم في سائمتها)) ((حس)): فيه دليل علي أن الزكاة إنما تجب في الغنم إذا كانت سائمة. فأما المعلوفة فلا زكاة فيها. وكذلك لا تجب الزكاة في عوامل البقر والإبل عند عامة أهل العلم وإن كانت سائمة. وأوجب مالك في عوامل البقر، ونواضح الإبل. أقول: طريق الاستدلال أن يقال: ((في سائمتها)) بدل من ((الغنم))، بإعادة الجار، وتقرر أن المبدل في حكم المنحى فلا يجب في مطلق الغنم شيء. فهو أقوى من أنه لو قيل ابتداء: في سائمة الغنم أو في الغنم السائمة؛ لأن دلالة البدل علي المقصود بالمنطوق، ودلالة غيره عليه بالمفهوم، ودليل الخطاب؛ ولذلك لا يساعد عليه الخصم. وفي تكرار الجار إشارة إلي أن للسوم في هذا الجنس مدخلاً قوياً، وأصلاً يقاس عليه، بخلاف جنسي الإبل والبقر.
قوله: ((فإذا زادت علي ثلثمائة)) ((حس)): معناه أن تزيد مائة أخرى فتصير أربعمائة، فيجب أربع شياه، وهو قول عامة أهل العلم. وقال الحسن بن الصالح: إذا زادت علي ثلثمائة واحدة، ففيها أربع شياه. قوله: ((هرمة ولا ذات عوار)) ((نه)): العوار – بالفتح - العيب، وقد يضم. وفي شرح السنة: النقص والعيب.
стр. 1007
منه، ويُعطيه المصدِّقُ عشرينَ درهماً، أو شاتَين، فإنْ لم تكُنْ عندهُ بنتُ مخاضٍ علي وجهها، وعندَهُ ابنُ لبون؛ فإِنَّهُ يُقبلُ منهُ، وليسَ معهُ شيءٌ. وفي صدقةِ الغنمِ في سائمتها: إذا كانت أربعين إلي عشرين ومائة؛ شاة. فإذا زادت علي عشرين ومائة إلي مائتين؛ ففيها شاتان. فإِذا زادَتْ علي مائتينِ إِلي ثلثمائة؛ ففيها ثلاثُ شياه، فإِذا زادَتْ علي ثلثمائة، ففي كلّ مائةٍ؛ شاةٌ. فإذا كانتْ سائمةُ الرجلِ ناقصَةً من أربعين شاةً واحدةً؛ فليسَ فيها صدقةٌ، إِلا أنْ يشاءَ ربُّها. ولا تُخْرَجُ في الصدقِة هَرمةٌ، ولا ذاتُ عَوَارٍ، ولا تَيْسٌ إِلا ما شاءَ المصدِّق. ولا يُجمَعُ بين متفرِّقٍ، ولا يُفرَّقُ بين مُجتمِعٍ خشيةَ الصدقةِ، وما كان من خليطَينِ فإنهما يتراجعانِ بينَهما بالسوية. وفي
ــ
قوله: ((ولا تيس)) ((حس)): أراد به فحل الغنم، معناه: إذا كانت ماشيته كلها أو بعضها إناثاً، لا يؤخذ منه الذكر، إنما يؤخذ منه الأنثى إلا في موضعين ورد بهما السنة: أحدهما أخذ التبيع من ثلاثين من البقر، والآخر أخذ ابن لبون من خمس وعشرين من الإبل بدل بنت المخاض عند عدمها. فأما إذا كانت ماشيته كلها ذكوراً فيؤخذ الذكر. ((قض)): لأن الواجب هي الأنثى، أو لأنه مرغوب عنه لنتنه وفساد لحمه، أو لأنه ربما يقصد المالك منه الفحولة فيتضرر بإخراجه.
قوله: ((إلا ما شاء المصدق)) روى أبو عبيد: ((المصدق)) بفتح الدال، وجمهور المحدثين بكسرها، فعلي الأول يراد به المعطى، ويكون الاستثناء مختصاً بقوله: ((ولا تيس)) لأن رب المال ليس له أن يخرج في صدقته ذات عوار، والتيس وإن كان غير مرغوب فيه لنتنه، فإنه ربما زاد علي خيار الغنم في القيمة لطلب الفحولة. وعلي الثاني معناه: إلا ما شاء المصدق منها، ويراه أنفع للمستحقين، فإنه وكيلهم، فله أن يأخذ ما شاء. ويحتمل تخصيص ذلك بما إذا كانت المواشي كلها معيبة.
أقول: هذا إذا كان الاستثناء متصلا. ويحتمل أن يكون منقطعاً، المعنى: لا يخرج المزكى الناقص والمعيب لكن يخرج ما شاء المصدق من السليم والكامل.
قوله: ((ولا يجمع بين متفرق)) ((حس)): هذا نهي من جهة صاحب الشرع للساعي ورب المال جميعاً، نهي رب المال عن الجمع والتفريق قصداً إلي تقليل الصدقة، ونهي الساعي عنهما قصداً إلي تكثير الصدقة.
أقول: وهذا يتأتى في أربع صور، أشار إليها القاضي بقوله: الظاهر أنه نهي للمالك عن الجمع والتفريق قصداً إلي سقوط الزكاة، أو تقليلها، كما إذا ملك أربعين شاة فخلط بأربعين لغيره ليعود واجبه من شاة إلي نصفها، أو كان له عشرون شاة مخلوطة بمثله فيفرق؛ حتى لا تكون نصاباً فيتعلق به، وهو قول أكثر أهل العلم. وقيل: نهي الساعي أن يفرق المواشي علي المالك ليزيد الواجب، كما إذا كان له مائة وعشرون شاة وواجبها شاة، ففرقها المصدق،
стр. 1008
الرقَّة رُبع العُشرِ فإِنْ لم تكُنْ إِلا تسعينَ ومائةً؛ فليس فيها شيءٌ إِلا أن يشاءَ ربُّها. رواه البخاري.
ــ
فجعلها أربعين أربعين ليكون فيها ثلاث شياه، وأن يجمع بين متفرق ليجب فيه الزكاة، أو يزيد، كما إذا كان لرجلين أربعون شاة متفرقة فجمعها لتجب فيها الزكاة، أو كان لكل واحد منهما مائة وعشرون فجمع بينهما ليصير الواجب ثلاث شياه. وهو قول من لم يعتبر الخلطة، ولم يجعل لها تأثيراً، كالثورى وأبي جنيفة ﵄. وحينئذ هذا التأويل يفسر قوله: ((خشية الصدقة)). وظاهر قوله عقيب ذلك: ((وما كان من خليطين؛ فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية)) يعضد القول الأول.
أقول: قوله: ((خشية الصدقة)) مفعول له قد تنازع فيه قوله: ((لا يجمع ولا يفرق)) فإذا نسب إلي الساعي وجب أن يقال: خشية أن يقل، وإذا نسب إلي المالك وجب أن يقال: خشية أن يكثر.
قوله: ((فإن لم يكن إلا تسعين ومائة)) ((حس)): هذا يوهم أنها إذا زادت علي ذلك شيئاً قبل أن يتم مائتين، كانت فيها الصدقة، وليس الأمر كذلك؛ وإنما ذكر ((تسعين)) لأنه آخر فصل من فصول المائة، والحساب إذا جاوز المائة كان تركيبه بالفصول، كالعشرات، والمئات، والألوف، فذكر التسعين؛ ليدل علي أن لا صدقة فيما نقص عن كمال المائتين، بدليل قوله ﷺ : ((ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة)).
أقول: أراد أن دلالة هذا الحديث علي أقل ما نقص من النصاب إنما يتم بحديث ((ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة)) ويسمى هذا في الأصول: النص المفيد بمقارنة نص آخر، وينصره الحديث الآتي عن علي ﵁ ((وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم)) ونحوه قوله تعالي: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾ فإنه يدل علي أن أقل الحمل ستة أشهر، لكن إذا ضم إليه قوله تعالي: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾، أو يقال: إن الحصر بالنفي والإثبات يستعمل في رد منكر مصر، فلابد أن يتصور منكر لهذا الحكم، فيرد به إلي الصواب. وهذا لا ينافي الزيادة علي العدد المنصوص، كقولك: ما زيد إلا كاتب، لمن ينكر كتابته؛ فإن الحصر لا ينافي ثبوت صفة أخرى سوى الكتابة له.
قوله: ((وفي الرقة)) الرقة: الدراهم المضروبة، والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة كما في عدة. وأصلها: الورق، وتجمع علي رقين مثل ((ثبين وعزين)).
الحديث الرابع عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: ((أو كان عثرياً)) ((نه)): هو النخل الذي يشرب بعروقه من ماء المطر يجتمع في حفيرة. وقيل: هو العِذْىُ. أقول: ذهب
стр. 1009
١٧٩٧ - وعن عبد الله بنِ عمر، عن النبي ﷺ ، قال: ((فيما سقَتِ السَّماء والعيونُ أو كان عثَرِياً؛ العُشرُ. وما سُقي بالنضَحِ؛ نصفُ العشر)) رواه البخاري.
١٧٩٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((العجماءُ جرحُهَا جُبارٌ؛ والبئرُ جُبَارٌ، والمعدِن جبارٌ، وفي الركاز الخمُس)). متفق عليه.
ــ
التوربشتي إلي الثاني، حيث قال: العثرى- بالتحريك- العِذىُ: وهو الزرع الذي لا يسقيه إلا ماء المطر. والزمخشري إلي الأول، وقال: سمى به؛ لأنه لا يحتاج في سقيه إلي عمل بدالية، أو غيرها. وهو من: عثر علي الشيء عثوراً أو عثراً؛ لأنه تهجم علي الماء بلا عمل من صاحبه، كأنه نسب إلي العثر وحركت عينه، كما قيل في الحمص والرمل: حمصى ورملي. وقال القاضي: المعنى الأول – يعني ما عليه قول الومخشري – أليق بالحديث؛ لئلا يلزم التكرار، وعطف الشيء علي نفسه ((نه)): ((النواضح)) الإبل التي يستقى عليها، والواحد ناضح.
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((العجماء جرحها جبار)).
((قض)): العجماء: البهيمة، وهي في الأصل تإنيث أعجم، وهو الذي لا يقدر علي الكلام. سميت بذلك؛ لأنها لا تتكلم. والجبار: الهدر. والمراد أن البهيمة إذا أتلفت شيئاً، ولم يكن معها قائد، ولا سائق، وكان نهاراً، فلا ضمان، فإن كان معها أحد فهو ضامن؛ لأن الإتلاف حصل بتقصيره، وكذا إن كان ليلاً؛ لأن المالك قصر في ربطه، إذ العادة أن تربط الدواب ليلاً، وتسرح نهاراً.
وقوله: ((والبئر جبار، والمعدن جبار)) معناه: أن من استأجر حافراً ليحفر له بئراً، أو شيئاً من المعدن، فانهار عليه البئر أو المعدن، لا ضمان عليه. وكذا إن وقع فيها إنسان وهلك، إن لم يكن الحفر عدوانا، وإن كان ففيه خلاف. ((وفي الركاز الخمس)) يريد به المعدن عند أهل العراق من أصحاب أبي حنيفة؛ لما روى أنه ﷺ سئل عنه فقال: ((الذهب والفضة الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقه)). ودفين أهل الجاهلية عند أهل الحجاز، وهو الموافق لاستعمال العرب، والمناسب لوجوب الخمس فيه. واشتقاقه من الركز، مصدر ركزت الرمح. ويقال: أركز الرجل إذا وجد ركازاً.
أقول: ولناصر القول الأول أن يقول: إن حديث الدفين في هذا المقام دخيل؛ لأنه لما ذكر حكم المعدن في الهدر، استتبعه حكماً آخر له، وهو وجوب الزكاة فيما حصل منه استطراداً، ولابد من تقدير مضاف ليصح حمل المبتدأ علي الخبر، أي فعل العجماء هدر باطل لا يعتبر في
стр. 1010
الفصل الثاني
١٧٩٩ - عن عليّ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((قد عفوتُ عن الخيلِ والرقيق، فهاتوا صدقةَ الرقَّةِ: من كلِّ أربعينَ درهماً درهمٌ، وليسَ في تسعين ومائة شيءٌ، فإِذا بلغَتْ مائتين؛ ففيها خمسةُ دراهم)) رواهُ الترمذي، وأبو داود [١٧٩٩].
وفي رواية لأبي داود عن الحارثِ الأعور عن عليّ، قال زُهيرٌ: أحْسَبُهُ عن النبيَّ ﷺ ، أنَّه قال: ((هاتوا رُبعَ العشرِ، من كلِّ أربعينَ درهماً درهمٌ، وليسَ عليكم شيءٌ حتى تتمَّ مائتي درهم. فإذا كانت مائَتي درهم؛ ففيها خمسةُ دراهم. فما زادَ فعلي حسابِ ذلك. وفي الغنَم: في كلِّ أربعينَ شاةً شاةٌ إلي عشرين ومائة. فإِنْ زادَتْ واحدةٌ فشاتانِ إِلي مائتين. فإِن زادَتْ فثلاثُ شياهٍ إِلي ثلثمائة. فإِذا زادَتْ علي
ــ
في الضمان، وسقوط البئر والمعدن كذلك، أي سقوط البئر علي الشخص، أو سقوط الشخص في البئر هدر.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن علي ﵁ قوله: ((قد عفوت)) يشعر بسبق ذنب من إمساك المال عن الإنفاق. وقوله: ((فهاتوا)) مؤذن بالتخفيف، يعني أن الأصل فيما يملكه الغنسان من الأموال أن يزكى، وقد عفوت عن الأكثر، فهاتوا هذا النزر القليل. وذِكرُ الخيل والرقيق ليس للاختصاص بل للاستيعاب، كما في قوله تعالي: ﴿لهم رزقهم فيها بكرة وعشياً﴾.
قوله: ((من كل أربعين درهماً درهم)) معناه: من كان له مال فليزكِّ علي هذا النسق. قوله: ((وليس في تسعين)) إلي آخره بيان للنصاب. ورواية الحارث الأعور ليست في المصابيح، ورواها أبو داود، وليس في رواية الترمذي وأبي داود ((فما زاد فعلي حساب ذلك)).
قوله: ((حتى يتم مائتي درهم)) الفاعل ضمير الرقة، و ((مائتي)) حال: أي بالغة مائتين، كقوله تعالي: ﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾.
قوله: ((وفي الغنم في كل أربعين شاة شاة)) ((شاة)) مبتدأ و ((في الغنم)) خبره، و ((في كل أربعين)) بإعادة الجار بدل من ((الغنم)) وليس ((شاة)) هنا تمييزاً. مثله في قوله: ((في كل أربعين درهما درهم))، لأن درهما بيان مقدار الواحد من أربعين. ولا يعلم هذا من الرقة، فتكون ((شاة))
стр. 1011
ثلثمائة، ففي كلِّ مائةٍ شاةٌ. فإنْ لم تكُن إِلا تسعٌ وثلاثون؛ فليس عليكَ فيها شيءٌ وفي البقر: في كل ثلاثين تبيع، وفي الأربعين مُسنَّةٌ، وليسَ علي العواملِ شيءٌ)).
١٨٠٠ - وعن معاذٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ لما وجَّهَهُ إِلي اليمنِ أمرهُ أن يأخُذَ من البقرةِ: من كلِّ ثلاثين؛ تبيعاً أو تبيعةً، ومن كلِّ أربعينَ؛ مُسِنَّة. رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، والدارمي. [١٨٠٠]
١٨٠١ - وعن أنس، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((المعتدي في الصدقةِ كمانعها)) رواه أبو داود، والترمذي [١٨٠١]
١٨٠٢ - وعن أبي سعيد الخدري، أنَّ النبيَّ ﷺ : ((ليسَ في حَبٍّ ولا تمرٍ صدقةٌ حتى يبلُغَ خمسةَ أوسُق)) رواه النسائي. [١٨٠٢]
١٨٠٣ - وعن موسى بن طلحة، قال: عندنا كتاب معاذِ بنِ جبلٍ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: إِنَّما أمرَهُ أن يأخذَ الصدقةَ من الحنطةِ والشعير والزبيبِ والتَّمرِ. مرسل، رواه في ((شرح السُنَّة)). [١٨٠٣]
ــ
هذا لمزيد التوضيح. ((نه)): التبيع: ولد البقر أول سنة، والمسن: الذي سنها في السنة الثالثة. قال الأزهري: البقرة والشاة يقع عليهما اسم المسن. ((مظ)): العوامل: جمع عاملة، وهي ما يعمل من الإبل والبقر من الحرث والسقى، لا زكاة عند الأئمة الثلاثة، ومالك يوجب فيها الزكاة.
الحديث الثاني والثالث عن أنس ﵁: قوله: ((المعتدى في الصدقة)) الاعتداء مجاوزة الحد. ((حس)): معنى الحديث: أن علي المعتدى في الصدقة من الإثم ما علي المانع، ولا يحل علي رب المال كتمان المال، وإن اعتدى عليه الساعي. أقول: يريد أن المشبه به في الحديث ليس بمطلق، بل مقيد بقيد الاستمرار في المنع، فإذا فقد القيد فقد التشبيه.
الحديث الرابع والخامس عن موسى بن طلحة: قوله: ((عندنا كتاب معاذ بن جبل)) هذا من باب الوجادة، لأن من نقل من كتاب الغير من غير إجازة، ولا سماع، ولا قراءة سمى وجادة-
стр. 1012
١٨٠٤ - وعن عَتَّابِ بنِ أسيدٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ في زكاةِ الكُروِم: ((إِنَّها تُخرَص كُما تُخرصُ النخلُ، ثمَّ تؤدَّى زكاتهُ زبيباً كما تؤدَّى زكاةُ النخلِ تمراً)). رواه الترمذي، وأبو داود.
١٨٠٥ - وعن سهل بنِ أبي حثمة، حدَّثَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يقول: ((إذا خرَصتُمْ فجذوا. ودعوا الثُّلثَ فإِنْ لم تدَعوا الثُلثَ فدعوا الربعَ)). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي. [١٨٠٥]
ــ
بالدال-. قوله: ((إنما أمره أن يأخذ)). فإن قلت: معنى الحديث أن الزكاة منحصرة في هذه الأربعة وليس كذلك، وأجاب المظهر بأنه أمره أن يأخذ الزكاة من هذه لأنه لم يكن ثمة غير هذه الأربعة. أقول: هذا إن صح بالنقل فلا كلام، وإن فرض أن ثمة شيئاً غير هذه الأربعة مما يجب فيه الزكاة، فمعناه: إنما أمره أن يأخذ الصدقة من المعشرات من هذه الأجناس. وغلب الحنطة والشعير علي غيرهما من الحبوب، لكثرتهما في الوجود وأصالتهما في القوت. واختلف فيما تنبت الأرض مما يزرعه الناس ويغرسه، فعند أبي حنيفة: تجب الزكاة في الكل، سواء كان قوتا او غير قوت، فذكر التمر والزبيب عنده للتغليب أيضًا.
قوله: ((مرسل)) موسى بن طلحة تابعي، هو أبو عيسى موسى بن طلحة بن عبيد التيمي القرشي سمع أباه وجماعة من الصحابة. وعلي هذا التقدير ينبغي أن يقال: عن موسى بن طلحة عن النبي ﷺ ، فعلي هذا قوله: ((قال: وعندنا كتاب معاذ بن جبل)) يكون معترضاً، ولا معنى له، وإن اتصل قوله عن النبي ﷺ بقوله: ((كتاب معاذ بن جبل)) فيكون حالا من ضمير كتاب في الخبر، أي صادرا عن النبي، فحينئذ لا يكون مرسلا، بل يكون وجادة كما سبق، اللهم إلا بالتأويل.
الحديث السادس عن عتاب: قوله: ((إنما تخرص)) ((مظ)): يعني إذا ظهر في العنب والتمر حلاوة، يقدر الحازرُ أن هذا العنب إذا صار زبيبا، كم يكون، ثم ينظر إن بلغ نصابا يجب وإلا فلا.
الحديث السابع عن سهل: قوله: ((فإذا خرصتم فخذوا، ودعوا الثلث)) فخذوا جواب للشرط، و ((دعوا)) عطف عليه، أي عينوا مقدار الزكاة فخذوا الثلثين منه واتركوا الثلث لرب المال حتى يتصدق به. وفي المصابيح حذف ((فخذوا)) وجعل ((فدعوا)) جواباً لعدم اللبس.
((قض)): الخطاب مع المصدقين، أمرهم أن يتركوا للمالك ثلث ما خرصوا عليه أو ربعه، توسعة عليه حتى يتصدق به علي جيرانه ومن يمر عليه، ويطلب منه فلا يحتاج أن يغرم من
стр. 1013
١٨٠٦ - وعن عائشة، قالت: كان النبيُّ ﷺ يبعثُ عبدَ اللهِ بن رواحةَ إِلي يهود، فيخرُص النخلَ حين يطيبُ قبلَ أن يؤكلَ منه. رواه أبو داود. [١٨٠٦]
١٨٠٧ - وعن ابنِ عمر، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ في العسَلِ: ((في كلِّ عشرةِ أزُق زِقُّ)). رواه الترمذي، وقال: في إسناده مقال، ولا يصحُّ عن النبيِّ ﷺ في هذا البابِ كثيرُ شيءٍ.
١٨٠٨ - وعن زينبَ امرأةِ عبدِ الله، قالت: خطبَنا رسولُ اللهِ ﷺ فقال: ((يا معشرَ النساءِ! تصدَّقنَ ولو من حُلِيكُنَّ، فإنكُنَّ أكثرُ أهلِ جهنَّم يومَ القيامةِ)) رواه الترمذي. [١٨٠٨]
١٨٠٩ - وعن عمرو بنُ شعيب، عن أبيهِ، عن جدِّه: أنَّ امرأتينِ أتتا رسولَ اللهِ ﷺ وفي أيديهما سِوارانِ من ذهَبٍ، فقال لهما: ((تؤدِّيانِ زكاتَه؟)) قالتا: لا. فقالَ
ــ
ماله. وهو قول قديم للشافعي، وعامة علماء الحديث. وأما أصحاب الرأي فلا عبرة بالخرص عندهم لإفضائه إلي الربا، وزعموا: أن الأحاديث الواردة فيه إنما كانت قبل ورود النهي عن الربا، فلما حرمت نسخ ذلك. ويرده حديث عتاب؛ لأنه أسلم أيام الفتح، والربا كانت محرمة قبله. ثم إن قلنا بوجوب الزكاة في الذمة، فلا ربا في الخرص، وإن قلنا بوجوبها في عين المال، وأن المستحق شريك فيه، والخرص تضمين فكأن الساعي أقرض نصيبه من المالك ليؤدي التمر بدله، فهو مستثنى للحاجه كالعرايا.
الحديث الثامن عن عائشة ﵂: قوله: ((إلي يهود)) أي إلي يهود خبير وفي رواية أخرى لأبي داود: قالت: كان رسول الله ﷺ يبعث ابن رواحة فيخرص النخل حين تطيب الثمار قبل أن يؤكل منه، ثم يخير يهود أن يأخذوه بذلك الخرص، أو يدفعوه إليه به لكي يحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار، ويفرق. وهذا زكاة مال المسلمين الذين تركوها في أيدي اليهود يعلمون فيها. قوله: ((حين يطيب)) أي حين تظهر في الثمار الحلاوة.
الحديث التاسع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((في العسل الأزق)) أفعل جمع قلة لزق. وقد تمسك بظاهره من أوجب الزكاة في العسل. قوله: ((في إسناده مقال)) أي موضع قول للمحدثين، يعني تكلموا فيه، وطعنوا، ولا يصح عن النبي ﷺ في باب زكاة العسل ما يقول عليه، هذا معنى قوله: ((كثير شيء)).
الحديث العاشر والحادي عشر عن زينب: قوله: ((ولو من حليكن)) ((حس)): ظاهر الحديث
стр. 1014
لهما رسولُ اللهِ ﷺ : ((أتُحبَّانِ أن يسورَكما اللهُ بسوارينِ من نارٍ؟)) قالتا: لا. قال: ((فأديا زكاتَه)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ قد رواهُ المثنَّى بنُ الصباح، عن عمرو بن شُعيبٍ نحوَ هذا، والمثنَّى بن الصباح وابنُ لهيعة يضعفانِ في الحديث، ولا يصحُّ في هذا الباب عن النبيِّ ﷺ شيء [١٨٠٩].
١٨١٠ - وعن أُم سلمة، قالت: كنتُ ألبَسُ أوضاحاً من ذهب، فقلت: يا رسولَ اللهِ! أكنزٌ هو؟ فقال: ((ما بلغَ أن تُؤدَّي زكاتهُ فزُكي، فليسَ بكنزٍ)) رواه مالك، وأبو داود. [١٨١٠]
ــ
دليل علي وجوب الزكاة في الحلي وإن كان مباحاً؛ ولهذا قال ﷺ : ((فأديا زكاته)) وهو أحد قولي الشافعي، والجديد: أنه لا يجب في الحلي المباح زكاة. وتأويل الحديثين علي هذا: أن المراد من الزكاة الإعارة، أو لعله كان كثيراً بالإسراف، أو لعله كان متخذاً من ذهب أو فضة قد بقيت فيه زكاة.
أقول: ويمكن أن يراد بالصدقة التطوع، يدل عليه حديث العيد، فإنهن حينئذ لم يخرجن ربع العشر من حليهن بل كن يومين ما كان عليهن من الحلي في حجر بلال، ولئن سلم فـ ((لو)) هنا للمبالغة، أي تصدقن من كل ما يجب فيه الصدقة، حتى مما لا تجب فيه من الحلي؛ ومن ثم علله بقوله: ((فإنكن أكثر أهل النار)). وأما حديث عمرو بن شعيب: ((أن امرأتين أتتا)) إلي آخره، فضعفه الترمذي، كما في متن المشكاة. وأيضًا فيه تدليس وتورية علي ما سبق. قوله: ((نحو هذا)) اسم الإشارة وضع موضع الضمير الراجع إلي الحديث، وأراد به معناه.
قوله: ((وفي أيديهما سواران)) وكان من الظاهر أن يقال: أسورة، لجمع اليد، المعنى: أن في يد كل منهما سوارين. والضمير في قوله: ((فأديا زكاته)) بمعنى اسم الإشارة، كما في قوله تعالي: ﴿لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك﴾ وأنشد الزمخشري لرؤبة:
فيه سواد، وبياض، وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق
الحديث الثاني عشر عن أم سلمة: قوله: ((أوضاحًا)) هو جمع وضح، وهي نوع من الحلي تعمل من الفضة سميت بها لبياضها. ((مظ)): قولها: ((أكنز هو؟)) يعني استعمال الحلي كنز من الكنوز التي بشر الله صاحبها بالنار في قوله تعالي ﴿الذين يكنزون الذهب والفضة﴾ الآية؟
стр. 1015
١٨١١ - وعن سمرة بن جندب: أنَّ رسول اللهِ ﷺ كانَ يأمُرُنا أن نُخرج الصدقَة من الذي نُعِدُّ للبيع رواه أبو داود [١٨١١].
١٨١٢ - (١٩) وعن ربيعةَ بن أبي عبد الرَّحمن، عن غيرِ واحدٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أقطعَ لبلال بن الحارث المزني معادنَ القَبَليَّة، وهي من ناحيةِ الفُرع، فتلكَ المعادنُ لا تؤخذ منها إِلا الزكاةُ إِلي اليوم. رواه أبو داود. [١٨١٢]
الفصل الثالث
١٨١٣ - عن عليّ، أنَّ النبيَّ ﷺ ، قال: ((ليسَ في الخضروات صدقةٌ، ولا في
ــ
أقول: وكان من الظاهر أن يجاب بنعم أو لا، فعرف رسول الله ﷺ حد الكنز، أي الكنز المعروف هو ما جمع من النقدين حتى بلغ نصاباً، ولم تؤد زكاته، فانظري إن كان كذلك فهو كنز، وإن تزينت بها كما شرعه الله تعالي وأباح للنساء فليس به.
الحديث الثالث عشر عن سمرة: قوله: ((نعد للبيع)) أي نهيئ للتجارة. وفيه أن ما نوى فيه القنية لا زكاة فيه.
الحديث الرابع عن ربيعة: قوله: ((أقطع)) الإقطاع ما يجعله الإمام لبعض الأجناد، والمرتزقة: من قطعة أرض ليرتزق من ريعها. ((نه)): والإقطاع يكون تمليكاً، وغير تمليك. وفي حديث أبيض: ((أنه استقطعه الملح الذي بمأرب)) أي سأله أن يجعل له إقطاعاً يتملكه، ويستبد به، وينفرد.
قوله: ((القبلية)) ((مح)): المحفوظ عند أصحاب الحديث بفتح القاف والباء، والفرع: موضع بأعالي المدينة واسع، وفيه المساجد للنبي ﷺ ، وبه قرى كثيرة، وهو بين الحرمين. وقيل: إن القبلية منسوبة إلي ناحية من ساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام.
قوله: ((لا يؤخذ منها إلا الزكاة)) ((مظ)): يعني بالزكاة ربع العشر كزكاة النقدين، وهو مذهب مالك، وأحد أقوال الشافعي، وأما أبو حنيفة، وقول للشافعي: فيوجبان الخمس في المعدن. والقول الثالث للشافعي: إن وجده بتعب ومئونة يجب فيه ربع العشر، وإلا فالخمس.
الفصل الثالث
الحديث الأول والثاني عن طاوس: قوله: ((الوقص ما لم يبلغ الفريضة)) هذا مبهم؛ لأن ما لم يبلغ الفريضة أعم من أن يكون ابتداءً، أو ما بين الفريضتين. ((نه)): الوقص – بالتحريك -
стр. 1016
العرايا صدقةٌ، ولا في أقلَّ من خمسةِ أوسقٍ صدقةٌ، ولا في العواملِ صدقةٌ، ولا في الجبهةِ صدقةٌ)). قال الصقر: الجبهة الخيل والبغال والعبيد. رواه الدارقطني.
١٨١٤ - وعن طاوسٍ، أنَّ معاذَ بنَ جبل أُتي بوقصِ البقر، فقال: لم يأمُرْني فيه النبيُّ ﷺ بشيءٍ. رواه الدارقطني، والشافعي، وقال: الوقص: مالم يبلُغِ الفريضة.
(٢) باب صدقة الفطر
الفصل الأول
١٨١٥ - عن ابن عمر، قال: فرضَ رسول اللهِ ﷺ زكاةَ الفطرِ صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من شعيرٍ، علي العبدِ، والحرِّ، والذكرِ، والأنثى، والصغيرِ، والكبير من المسلمين. وأمر بها أن تُؤدَّى قبلَ خروجِ الناسِ إِلي الصلاة. متفق عليه.
ــ
ما بين الفريضتين، كالزيادة علي الخمس من الإبل إلي التسع، وعلي العشرة إلي أربع عشرة، والجمع أوقاص. وقيل: ما وجبت الغنم فيه من فرائض الإبل ما بين الخمس إلي العشرين. ومنهم من يجعل الأوقاص في البقر خاصة، والأشناق في الإبل.
أقول: مراد الإمام من الوقص هنا الأول؛ لقوله: ((أتى بوقص في الصدقة))؛ لأن ما بين الفريضتين لم يؤت ولم يصدق أن يقال فيه: إن النبي ﷺ لم يأمرني فيه بشيء. وذهب فيه إلي المعنى اللغوي لا الاصطلاحي، وهو الكسر.
باب صدقة الفطر
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((علي العبد)) ((قض)): جعل وجوب زكاة الفطر علي السيد كالوجوب علي العبد مجازاً، إذ ليس هو أهلاً لأن يكلف بالواجبات المالية، ويؤيد ذلك عطف الصغير عليه. ((حس)): فيه دليل علي أن صدقة الفطر فريضة [وهو قول عامة أهل العلم، وذهب أصحاب أبي حنيفة إلي أنها واجبة وليست بفريضة]، والواجب عندهم أحط رتبة من الفريضة. وعلي أن ملك النصاب ليس بشرط لوجوبها، بل هي واجبة علي الفقير والغني. وقال الشافعي ﵁: إذا فضل عن قوته وقوت عياله ليوم العيد وليلته قدر صدقة الفطر يلزمه صدقة الفطر، ويجب علي المولي أن يؤديها عن عبيده وإمائه المسلمين، شاهدهم وغائبهم، سواء كان للخدمة أو للتجارة، فعليه في رقيق التجارة صدقة الفطر
стр. 1017
١٨١٦ - وعن أبي سعيد الخدريّ، قال: كنا نخرج زكاة الفطرِ صاعاً من طعامٍ، أو صاعاً من شعيرٍ، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أَقِطٍ، أو صاعاً من زبيبٍ. متفق عليه.
الفصل الثاني
١٨١٧ - عن ابنِ عبَّاسٍ، قال في آخرِ رمضانَ أخرِجوا صدقَة صومكم. فرضَ رسولُ اللهِ ﷺ هذه الصدقةَ صاعاً من تمرٍ، أو شعيرٍ، أو نصف صاعٍ من قمح علي كلِّ حرّ أو مملوكٍ، ذكرٍ أو أنثى، صغير أو كبير. رواه أبو داود، والنسائي. [١٨١٧]
ــ
وزكاة التجارة. وعلي أنها لا تجب علي المسلم فطرة عبده الكافر؛ لقوله ﷺ في الحديث: ((من المسلمين))، ولأنها طهرة المسلم كزكاة المال.
أقول: إن ((من المسلمين)) حال من ((العبد)) وما عطف عليه، وتنزيلها علي المعإني المذكورة علي ما يقتضيه علم البيان أن المذكورات جاءت مزدوجة علي التضاد للاستيعاب لا للتخصيص؛ لئلا يلزم التداخل، فيكون المعنى، فرض رسول الله ﷺ علي جميع الناس من المسلمين. وكونها علي من وجبت وفيمن وجبت، يعلم من نصوص أخر. ويمكن أن يقال: إن ((علي)) بمعنى ((عن)) وضمن ((فرض)) معنى ((صدر)) أي أصدر صدقة الفطر فرضاً عن العبد والحر صاعاً، وينصر هذا حديث عبد الله بن ثعلبة في الفصل الثالث، فوضع ((علي)) موضع ((عن)) لمزيد الاستعلاء. والله أعلم.
قوله: ((أن تؤدى قبل خروج الناس)) هذا أمر استحباب؛ لجواز التأخير عند الجمهور. واختلفوا في جواز التأخير عن اليوم.
الحديث الثاني عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((من طعام)) يريد به البر؛ لقوله: ((من شعير)). ((تو)): وزعم بعضهم أن الطعام عندهم اسم خاص بالبر، وهو أعلي ما كانوا يقتاتونه في الحضر والبدو، فلولا أنه أراد بالطعام الحنطة، لذكرها عند التفضيل كذكره سائر أقواتهم. ((مظ)): إن كان غالب قوتهم إقطاً، فهل يجوز أن يؤدى منه الفطرة؟ ففيه خلاف، ظاهر الحديث علي جوازه.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((أو نصف صاع من قمح)) القمح الحنطة، هذا عند أبي حنيفة، وعند مالك والشافعي وأحمد لا يجزئ إلا صاع سواء كان من الحنطة أو غيرها. والصاع عندهم خمسة أرطال وثلث رطل، وعند أبي حنيفة أربعة أمناء.
стр. 1018
١٨١٨ - وعنه، قال: فرضَ رسولُ اللهِ ﷺ زكاةَ الفطر طُهرَ الصيامِ من اللِّغو والرَّفثِ، وطُعمةً للمساكين. رواه أبو داود [١٨١٨].
الفصل الثالث
١٨١٩ - عن عمرو بن شُعيب، عن أبيهِ، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ ﷺ بعثَ مُناديًا في فجاجِ مكَّة: ((ألا إِنَّ صدقةَ الفطرِ واجبةٌ علي كلِّ مُسلمٍ، ذكرٍ أو أنىثى، حرَ أو عبد، صغيرٍ أو كبير؛ مُدَّانِ من قمحٍ أو سِواه، أو صاعٌ من طعام)) رواه الترمذي [١٨١٩]
١٨٢٠ - وعن عبد الله بن ثعلبة، أو ثعلبةَ بنِ عبد الله بنِ أبي صُعير، عن أبيهِ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صاعٌ من بُر أو قمحٍ عن كل اثنين؛ صغيرِ أو كبير، حرٍّ أو عبد، ذكرٍ أو أنثى. أما غنيُّكم فيزكيهِ الله، وأمَّا فقيرُكم فيُردُّ عليهِ أكثرُ ممَّا أعطاه)) رواهُ أبو داود. [١٨٢٠]
ــ
الحديث الثانى عن ابن عباس ﵄: قوله: ((طهر الصيام)) ((خط)): ذهب من رأي إسقاطها عن الأطفال إلي هذا؛ لأنهم إذا كانوا لا يلزمهم الصيام فلا يلزمهم طهرة الصيام. وأما أكثر أهل العلم فقد أوجبوا علي الأطفال إيجابها علي البالغين.
أقول: لعلهم نظروا إلي أن علة الإيجاب مركبة من الطهرة والطعمة، فغلبوا الطعمة رعاية لجانب المساكين. الرفث: الكلام الذي يجرى بين الرجل والمرأة تحت اللحاف، ثم كثر حتى استعمل في كل كلام قبيح.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عمرو بن شعيب: قوله: ((في فجاج مكة)) ظرف ((بعث)) كقوله تعالي: ﴿بعث في الأميين رسولا﴾ الفجاج: جمع فج، وهو الطريق الواسع وقوله: ((مدان)) خبر مبتدأ محذوف، والجملة بيان لـ ((صدقة))، أو خبر بعد خبر. وقوله: ((أو صاع)) ((أو)) هذه للشك والتردد من الراوى. و ((أو)) في قوله: ((أو سواه)) للتنويع.
الحديث الثانى عن عبد الله بن ثعلبة: قوله: ((صاع)) مبتدأ، و ((من بر)) صفة ((صاع)) ((عن كل اثنين)) خبره، أي صاع من بر مجز عن كل اثنين. وهو مذهب أبي حنيفة ﵁. قوله: ((أما غنيكم)) تفصيل لعلة وجوب صدقة الفطر، والتزكية إما التطهير أو التنمية: فالمناسب لحال
стр. 1019
(٣) باب من لا تحل له الصدقة
الفصل الأول
١٨٢١ - عن أنسِ، قال: مرَّ النبيُّ ﷺ بتمرةٍ في الطريق، فقال: ((لولا إني أخافُ أن تكونَ من الصدقةِ لأكلتُها)) متفق عليه.
١٨٢٢ - وعن أبي هريرةَ، قال: أخذَ الحسنُ بنُ علي تمرةً من تمرِ الصدقةِ فجعلَها في فيهِ، فقالَ النبيُّ ﷺ : ((كِخْ كِخْ)) ليطرحهَا، ثمَّ قال: ((أما شعرتَ أنَّا لا نأكلُ الصدقةَ؟!)) متفق عليه.
١٨٢٣ - وعن عبد المطلبِ بنِ ربيعة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((إِنَّ هذهِ الصدقاتِ إِنَّما هي أوساخُ النَّاسِ، وإنَّها لا تحلُّ لمحمِّدٍ ولا لآلِ محمَّد)) رواه مسلم.
ــ
الغنى التطهير من الإمساك، ولحال الفقير التنمية فيما أبقاه من القوت، هذا علي أن يكون الفقير من يملك قوته.
باب من لاتحل له الصدقة
الفصل الأول
الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((لولا أنى أخاف)) ((خط)): الصدقة حرام علي النبي ﷺ ، سواء كانت تطوعًا أو فرضًا، وأما بنو هاشم وبنو المطلب فيحرم عليهم الواجب دون التطوع. وفي الحديث دليل علي جواز أكل ما وجد في الطريق من الطعام القليل الذي لا يطلبه مالكه؛ لأن النبي ﷺ إنما امتنع من أكلها خشية كونها من الصدقة. وأقول: فيه تنبيه للمؤمن أن يجتنب عما فيه تردد واشتباه؛ لئلا يقع في الحرام.
الحديث الثانى عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((كخ كخ)) ((مح)): هو بفتح الكاف وكسرها وتسكين الخاء، وهي كلمة يزجر بها الصبيان عن المستقذرات يقال: كخ، أي اترك، وارم. وهي معربة، وقد أشار البخاري إلي هذا في ترجمة باب من تكلم بالفارسية. وفي الحديث أن الصبيان يوقون ما يوقاه الكبار، ويمنعون من تعاطيه، فهذا واجب علي الولي.
الحديث الثالث عن عبد المطلب بن ربيعة: قوله: ((إنما هي أوساخ الناس)) وقع في حيز خبر ((إن)) وهي مكسورة كما وقع ((إن)) المكسورة في قوله تعالي: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع﴾. ذهب أبو البقاء إلي أن ((إن)) جاءت مقحمة مؤكدة للأولي.
стр. 1020
١٨٢٤ - وعن أبي هريرةَ، قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا أُتيَ بطعامٍ سألَ عنُه ((أهديَّةٌ أم صدقة؟)) فإِنْ قيلَ: صدقةٌ؛ قالَ لأصحابهِ: ((كُلوا)) ولم يأكُلْ، وإِنْ قيلَ: هديَّةٌ، ضربَ بيدهِ فأكلَ معهم. متفق عليه.
١٨٢٥ - وعن عائشةَ، قالت: كانَ في بريرةَ ثلاثُ سنن: إِحدى السُّنَنِ أنها عتقَتْ فخُيّرتْ في زوجها، وقال رسولُ الله ﷺ : ((الوَلاءُ لمنْ أعتقَ)). ودخلَ رسولُ
ــ
والتقدير: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لانضيع. وذهب صاحب الكشاف إلي أن الخبر ((أولئك))، و ﴿إنا لانضيع أجر من أحسن عملا﴾ معترض. وكذلك ما نحن فيه؛ فإن خبر ((إن)) ((لا تحل لمحمد))، و ((إنما هي أوساخ الناس)) معترضة، و ((إن)) مقحمة للتأكيد، وحمل ((أوساخ)) علي ضمير الصدقات وارد علي التشبيه، كقولك: زيد أسد. وفيه من المبالغة ما لا يخفي. وقد اجتمع في هذا التركيب مبالغات شتى لاسيما جعل المشبه به ((أوساخ الناس)) للتهجين والتقبيح، تنفيرًا واستقذارًا. وجل حضرة الرسالة ومنبع الطهارة أن ينسب إلي ذلك، ولذلك جرد عن نفسه الطاهرة من يسمى محمدًا، كأنه غيره، وهو هو، فإن الطيبات للطيبين.
فإن قلت: فكيف أباحها لبعض أمته، فإن من كمال إيمان المرء أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟ قلت: ما أباحها لهم عزيمة، بل اضطرارًا، وكم أحاديث تراها ناهية عن السؤال، فعلي الحازم أن يراها كالميتة، ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾. وفي إتيان ((لا)) المؤكدة للنفي، وتكرير اللام في ((لا)) إشعار باستقلال كل بهذا الحكم.
الحديت الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ضرب بيده)) أي مد يده إليه من غير تحام عنه، تشبيهًا للمد بالذهاب سريعًا في الأرض، فعداه بالباء، كما يقال: ذهب به، بخلاف إذا كانت صدقة، فإنه ﷺ يتحاماه ويمتنع منه.
((قض)): وذلك لأن الصدقة منحة لثواب الآخرة، والهدية تمليك الغير شيئًا تقربًا إليه وإكرامًا له؛ ففي الصدقة نوع ترحم وذلك للآخذ، فلذلك حرمت الصدقة عليه ﷺ دون الهدية. وقيل: لأن الهدية يثاب عليها في الدنيا، فتزول المنة، والصدقة يراد بها ثواب الآخرة فتبقى المنة عليه، ولا ينبغى لنبى أن يمن عليه أحد غير الله.
الحديت الخامس والسادس عن عائشة ﵂: قوله: ((كان في بريرة تلاث سنن)) جعلها مكانًا ومقرًا لمسائل تلاث؛ لأنها وجدت بسببها. قوله: ((البرمة)) ((نه)): هي القدر مطلقًا، وجمعها برام، وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن قوله: ((ألم أر)) الهمزة فيه للتقرير والتعجب، أي كيف تقدمون إلي هذا الأدم وهذه البرمة تفور باللحم؟ ويجوز أن يكون إنكارًا.
следующие страницы →