بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
ثم أما بعد:
فلقد جاء الرسول ﷺ على فترة من الرسل بنور وكتاب مبين، فأقام دولة وأسس أمة وربى رجالاً بذلوا أرواحهم في سبيل الله من أجل رفعة دينه فرحمة الله عليهم من سلف صالح ولله در من تبعهم من خلف. أولئك الذين رفعوا لواء الإِسلام وكان دين الواحد منهم لحمه ودمه؛ بل أغلى عنده من نفسه، فوقف يدافع عنه ضد الهجمات التى يشنها أعداء الإِسلام، ولازالوا يناصبونه العداء.
فمن يا تُرى وراء تلك الهجمات؟ إنهم اليهود والنصارى على حد سواء في في القديم والحديث وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ (١).
فاليهود إذن أشد حقدًا على الإِسلام والمسلمين، لأن النبوة الخاتمة لم تأت من نسل يعقوب الأعجمى، كما كانوا يريدون، ولكنها أتت من نسل إسماعيل العربي، وتلك هي البداية التي دفعتهم لتحريف كل كلمة تشير إلى العرب وأفضليتهم أو إلى النبي الخاتم ﷺ الذي عرفوا صفته من كتبهم كما يعرفون أبناءهم فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) فحرفوا ما يدل عليه من كلمات وبشارات وزيفوا التاريخ وبدلوا الحقائق على هذا الأساس.
وعند تتبع تاريخ بنى إسرائيل وموقفهم من الإِسلام يقف الباحث على حقيقة هامة وهي: أنه قد آمن
منهم من آمن عن طواعية واختيار، ورغبة في العدل والخير، وكائن سماحة الإِسلام السبب المبَاشر في
إسلامهم، وبقي من بقى منهم على يهوديته أو نصرانيته عصبية وحقدًا على المسلمين.
стр. 2
فهؤلاء الذين أصروا على كفرهم وعنادهم استمرءوا تحريف ما بين أيديهم من كتب على مر العصور، وقد بين ذلك القرآن الكريم فقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١).
وقد شهد الرسول ﷺ حادثة تدل على أنهم يحرفون الكلم من بعد مواضعه وهي حادثة الرجل اليهودي الذي أخفى آية الرجم بن التوراة بيديه حتى لا يُطبق حد الرجم علي من أخطأ, فقد جاء في الحديث: "أُتي رسول الله بيهودي ويهودية قد أحدثا جميعًا، فقال لهم: ما تجدون في كتابكم؟ قالو إن أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتحبية، قال عبد الله بن سلام (٢) ادعهم في يا رسول الله بالتوراة، فأتى بها فوضع أحدهم يده على آية الرجم وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له ابن سلام: ارفع يدك فإذا آية الرجم تحت يده فأمر بها رسول الله فرجما" (٣).
وتوالت الأحداث وكلما مر عهد حرف اليهود والنصارى وغيروا وبدلو وزادوا وأنقصوا، وكلما يطبع من كتبهم نسخة تكون غير النسخة الأولي التى قبلها لما يراه رجال دينهم ومجامعهم المقدسة- في زعمهم- من حذف كلمة أو زيادة أخرى أو تبديل كلمة مكان كلمة وغير ذلك يدعون صحة كتبهم وأنها من عند الله، وليس ذلك فحسب، بل وجهوا نقدهم للإسلام ورسوله وكتابه وأثاروا حوله الشبه والشكوك، ولكن الله حافظ كتابه من التبديل والتغيير فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٥).
стр. 3
فهيأ الله لدينه من يدافع عنه وكان من العلماء من تصدي لهذه الشبه- فترة البحث- فرد عليها وبين بطلانها، من هؤلاء شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والامام الألوسي وغيرهم. ومن العلماء من جعل اليهود والنصارى ينشغلون بأنفسهم وبما تحت أيديهم من كتب لا سند لها ومشكوك في صحة نسبتها إلى كاتبيها فوجه نقده إليها بموضوعية وحيدة تامة ونزاهة واضحة، من هؤلاء العلماء العلامة رحمة الله الهندي والعلامة أحمد ديدات والعلامة الباجه جى زادة البغدادي وغيرهم ممن يمثلون علامات بارزة في تاريخ أمتنا الإِسلامية- فترة البحث- أولئك الذين اهتموا بدراسة الكتاب المقدس سندًا ومتنًا وبيان مكانته من الصحة أو عدمها وكان لكل واحد من هؤلاء منهجه وأسلوبه المتميز في النقد، ويجمعهم منهج مشترك ووجهة واحدة نجعلهم في خندق واحد أمام الحروب الفكرية التي يتزعمها اليهود والنصارى.
سبب اختياري لهذا الموضوع:
إبراز جهود أعلام الفكر الإِسلامي في نقد الكتاب المقدس، وذلك اعترافًا بفضلهم وإشادة بحهودهم، وتعريف المسلمين- لا سيما الباحثين منهم- قدر هؤلاء العلماء والقيمة العلمية لمؤلفاتهم في هذا الجانب.
стр. 4
نبذة عن الدراسة السابقة على موضوع البحث .
هناك دراسة سابقة على هذا الموضوع في جامعة الأزهر فرع المنصورة وهي رسالة الدكتوراه الخاصة بالدكتور ياسر أبو شبانه الرشيدى وتحمل العنوان التالي: جهود علماء المسلمين في نقد الكتاب المقدس من القرن الأول الهجري إلى نهاية القرن السابع الهجري" عرض ونقد"
١ - وقد تحدث فيها أولاً عن حديث القرآن الكريم عن التوراة والإنجيل وأثرة في الحركة النقدية مبينا أن القرآن الكريم هو النبع الصافي الذي استقى منه المسلمون الأوائل أصول علومهم ومبادئ معارفهم، من هذه العلوم والمعارف علم مقارنة الأديان، إذا أنه لم يسهم عالم مسلم بنصيب في هذا المجال إلا وكان القرآن الكريم دافعه الأول ومحركه الأساسي لإنجاز دراسته.
٢ - بيَّن في دراسته المنهج القرآني في مخاطبة أهل الكتاب وكيف تدرج القرآن الكريم في ذلك على مرحلتين.
أ - المرحلة المكية
وقد اتسمت هذه المرحلة بالحديث عن الكتب السابقة وبيان مضمونها، والغاية من إنزالها، وذكر البشارة بالنبي صلى الله علية وسلم فيها، وبين موقف أهل الكتاب مما أنزله الله عليهم، وأنهم قد انحرفوا وحادوا عن الصراط المستقيم، وقد بين القرآن في هذه المرحلة أن الكتب السماوية كلها تنبثق عن أصل واحد، وأن هذه الكتب دليل على صدق القرآن الكريم وصحة النبوة الخاتمه كل ذلك على سبيل الإجمال.
ب- المرحلة المدنية
وفيها تم تفصيل ما أجمل في المرحلة المكية، وخاصة قضية التحريف بأنواعه المختلفة ومن أبرز سمات القرآن فيها أنها تبين سوء مسلك أهل الكتاب مع كتاب الله المنزل إليهم كفروا به ونبذوه وراء ظهورهم.
٣ - تحدث عن أهم المؤلفات في نقد الكتاب المقدس وقسمها إلى مرحلتين:
الأولى: بعض المؤلفات من القرن الثاني الهجري حتى نهاية القرن الرابع الهجرى وتتميز هذه المرحلة بسيطرة النزعة العقلية على هذه المؤلفات وأرجع ذلك إلى الخلفية الفكرية لأصحابها وقد استوعب في هذه المرحلة بعض المؤلفات بالعرض والتحليل.
стр. 5
الثانية: بعض المؤلفات من القرن الخامس حتى نهاية القرن السابع وقد بين أن هذه المرحلة قد شهدت تحولًا كبيررًا في منهج علماء المسلمين في مجادلة أهل الكتاب، وقال إن أبرز سمات هذه المرحلة الاتجاه إلى مناقشة ونقد ما يراه القوم كتابًا مقدسًا ومن ثم خفت إلى حد كبير نزعة الجدل والحوار الفلسفي والمنطق الجاف وسيطر على هذه المؤلفات تحليل النصوص والموازنة بينها ونقدها نقدًا علميًا سديدًا.
٤ - خصص فصلًا لنقد متن العهد القديم وسنده تحدث فيه عن التناقض بين النصوص وبيَّن وقوع كتبة العهد القديم في أخطاء حسابية فادحة، وناقش النصوص التي تتناقض مع جلال الألوهية وعظمة الربوبية، والنصوص التي تقدح في عظمة الأنبياء وتحدث عن النسخ في نصوص العهد القديم والتشريعات وغير ذلك من تفريعات أخرى.
٥ - ثم ذكر بعد ذلك كيف نقد علماء المسلمين سند الكتاب المقدس والأدوار التاريخية التي مر بها بنو إسرائيل وكيف كانت سببًا في ضياع التوراة والإنجيل الأصليين ومن ثم فقدان السند كل ذلك من خلال نصوص الكتاب المقدس.
٦ - ثم خصص فصلًا آخر لنقد متن العهد الجديد وسنده، وسار فيه على نهج ما سار في نقد العهد في القدم مبينا كيف نقض علماء المسلمين عقائد النصارى في المسيح ﵇ وأن العهد الجديد يحمل البشارة به ﷺ .
٧ - ثم ذكر بعد ذلك كيف نقد علماء المسلمين سند العهد الجديد من خلال كتبة أسفاره والجانب التاريخي في نقد السند وبين أثر الاضطهادات في فقدان الإنجيل المنزل من عند الله .
٨ - وفي هذه نهاية الدراسة القيمة بين د/ ياسر أبو شبانه أهم الجوانب الأيجابية والسلبية للحركة النقدية ووضع منهجًا موضوعيًا مقترحًا للدرسات من هذا النوع يتمثل في أهمية العمل الجماعي في إخراج أبحاث متكاملة مع التأكيد على تنوع التخصصات في فريق العمل واستخدام مجالات نقدية جديدة لا تقتصر على العلوم الشرعية فقط بل تمتد إلى إلى التاريح والجغرافيا والأرصاد الجوية والطب وما يتصل به، والعلوم المتصلة بالسكان وتطوير المجتمعات البشرية.
стр. 6
خطة البحث:
وتشتمل على مقدمة وتمهيد ومدخل وقسمين وخاتمة. فالمقدمة سبق الإشارة إليها في الصفحات السابقة، والتمهيد يشتمل على المطالب التالية:
- المطلب الأول: مسيرة الحركة النقدية للكتاب المقدس.
- المطلب الثاني: العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد.
- المطلب الثالث: دوافع الدراسة النقدية للكتاب المقدس.
- المطلب الرابع: موقف الإِسلام من التوراة والإنجيل.
القسم الأول عرض محتويات الكتاب المقدس ونقد سنده
ويشتمل هذا القسم على بابين
* الباب الأول: وعنوانه: نماذج من الجهود النقدية وعرض محتويات الكتاب المقدس.
ويتناول بيان ما يلي:
أولا: الجهودالنقدية للكتاب المقدس
ثانيًا: الكتاب المقدس وعرض محتوياته.
الباب الثاني وعنوانه: جهود علماء المسلمين- فترة البحث- في نقد سند الكتاب المقدس. ويشتمل هذا الباب على فصلين:
• الفصل الأول: جهود علماء المسلمين- فترة البحث- في نقد سند العهد القديم.
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
- المبحث الأول: نقد سند الأسفار الخمسة من العهد القديم.
- المبحث الثاني: نقد سند الأسفار الأخرى من العهد القديم.
- المبحث الثالث: نظرة تاريخية حول العهد القديم.
стр. 7
الفصل الثاني جهود علماء المسلمين- فترة البحث- في نقد سند العهد الجديد
ويشتمل هذا الفصل على ثلاثة مباحث:
- المبحث الأول: نقد سند الأناجيل الأربعة "متي، مرقس، لوقا، يوحنا".
- المبحث الثاني: نقد سند الأسفار الأخرى من العهد الجديد.
- المبحث الثالث: نظرة تاريخية حول العهد الجديد.
القسم الثاني نقد متن الكتاب المقدس
ويشتمل هذا القسم على بابين:
* الباب الأول: جهود علماء المسلمين- فترة البحث- في نقد متن العهد القديم.
ويشتمل هذا الباب على أربعة فصول:
• الفصل الأول: جهود علماء المسلمين- فترة البحث- في نقد العقائد في العهد القديم.
ويشتمل هذا الفصل على سبعة مباحث:
- المبحث الأول: نقد أنوع التوحيد في العهد القديم.
- المبحث الثاني: نقد عقيدة الإيمان بالملائكة ووجود الجن في العهد القديم.
- المبحث الثالث: نقد موقف العهد القديم من الكتب المقدسة.
- المبحث الرابع: نقد عقيدة الإيمان بالنبوة والأنبياء في العهد القديم.
- المبحث الخامس: نقد عقيدة الإيمان باليوم الآخر في العهد القديم.
- المبحث السادس: نقد عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر في العهد القديم.
- المبحث السابع: نقد عقيدة أرض الميعاد في العهد القديم.
• الفصل الثاني: جهود علماء المسلمين- فترة - البحث- في نقد التشريعات في العهد القديم.
ويشتمل هذا الفصل على خمسة مباحث:
- المبحث الأول: نقد التشريعات الخاصة بالطهارة والنجاسة في العهد القديم.
- المبحث الثاني: نقد التشريعات الخاصة بالكهنة والقرابين في العهد القديم.
стр. 8
- المبحث الثالث: نقد التشريعات الخاصة بالأسرة والزواج في العهد القديم.
- المبحث الرابع: نقد التشريعات الخاصة بغير اليهود في العهد القديم.
- المبحث الخامس: نقد التشريعات الخاصة بالجرائم والعقوبات في العهد القديم.
• الفصل الثالث: جهود علماء المسلمين- فترة البحث- في نقد السلوكيات الأخلاقية في العهد
القديم. ويشتمل هذا الفصل على خمسة مباحث:
- المبحث الأول: نقد المادية في أخلاق اليهود في العهد القديم.
- المبحث الثاني: نقد العدوانية في أخلاق اليهود في العهد القديم.
- المبحث الثالث: نقد الانحلال الخُلقي في العهد القديم.
- المبحث الرابع: نقد الغدر والخيانة في العهد القديم.
- المبحث الخامس: نقد الكذب والسرقة في العهد القديم.
الباب الثاني نقد متن العهد الجديد
ويشتمل هذا الباب على ثلاثة فصول:
° الفصل الأول: جهود علماء المسلمين- فترة البحث- في نقد العقائد في العهد الجديد ويشتمل هذا الفصل على ستة مباحث:
المبحث الأول: نقض عقيدة ألوهية المسيح في العهد الجديد.
المبحث الثاني: نقض عقيدة بنوة المسيح في العهد الجديد.
المبحث الثالث: نقض عقيدة ألوهية الروح القدس في العهد الجديد.
- المبحث الرابع: نقض عقيدة التثليث في العهد الجديد.
стр. 9
-المبحث الخامس: نقض عقيدة الحلول والاتحاد في العهد الجديد.
-المبحث السادس: نقض عقيدة الصلب والفداء في العهد الجديد.
° الفصل الثاني: جهود علماء المسلمين- فترة البحث- في نقد الشرائع والعبادات والأخلاق في العهد الجديد.
ويشتمل هذا الفصل على مبحثين:
-المبحث الأول: نقد الشرائع والعبادات في العهد الجديد ..
- المبحث الثاني: نقد الأخلاق في العهد الجديد.
الخاتمة:
ذكرت فيها النتائج التي أسفر عنها البحث وتوصيات الباحث.
طريقة جمع المادة العلمية:
في جمعي للمادة العلمية إلتي تكون منها البحث اتبعت ما يلي:
١ - عزوت الآيات القرآنية إلى سورها والأحاديث النبوية إلى مصادرها الأصلية.
٢ - قمت بتعريف الأعلام الذين وجدت لهم سيرة ذاتية في كتب التراجم وغيرها وكذا الأماكن والبلدان من المصادر المعتبرة.
٣ - طريقة العزو إلى المصادر، أقوم بذكر المصدر ثم المؤلف ورقم الصفحة ورقم الجزء والصفحة إن كان المصدر له أكثر من جزء ثم الطبعة ورقمها وتاريخها إن وجد.
٤ - بينت معانى معظم الألفاظ الغريبة أو الأعجمية التي وردت في البحث.
стр. 10
٥ - خرجت نصوص الكتاب المقدس فذكرت اسم السفر ثم رقم الإصحاح ورقم الفقرات فيه ثم عنوان الإصحاح.
٦ - عندما يذكر أحد المؤلفين نصًا من نسخة قديمة للكتاب المقدس فإذا كان مطابقًا للنسخة البروتستانتية التي بين يديّ أذكر اسم السفر مباشرة وإذا لم يكن موجودًا بالنص ولكن وجد بالمعنى أو بألفاظ متقاربة أو متغيرة أو محرفة أقول قبل كتابة اسم السفر انظر: ثم أذكر اسم السفر والنص من النسخة التي اعتمدت عليها غالبًا.
٧ - عالجت القضايا التي تناولها البحث معالجة علمية بالأدلة العقلية والنقلية وسرت مع ما ذكره علماء المسلمين من آراء نقدية مسترشدًا بذلك في الحكم على القضايا التي تناولها البحث بالنقد والتحليل.
منهج البحث:
استخدمت في إعداد البحث المناهج التالية:
١ - المنهج الاستنباطى (١) كأداة أساسية لربط المقدمات بالنتائج عن طريق التأمل والملاحظة لاستخلاص الحكم النهائي من الأدلة التي أستشهد بها في كل قضية من قضايا البحث.
٢ - المنهج الاستقرائى (٢) كأداة أساسية لتتبع الجزئيات في القضية الواحدة من جميع مطالب البحث للوصول إلى رؤية شاملة وعامة عنها.
٣ - المنهج التاريخي (٣) كأداة لربط النصوص ببعضها عند استرجاع أحداثها ومعرفة مدى توفر الشروط اللازمة في توثيق هذه النصوص ومدى صحة نسبتها التي قائليها ومعرفة زمن كتابتها وأيضًا التسلسل التاريخي للأحداث.
стр. 11
التمهيد
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: مسيرة الحركة النقدية للكتاب المقدس.
المطلب الثاني: العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد.
المطلب الثالث: دوافع الدراسة النقدية للكتاب المقدس.
المطلب الرابع: موقف الإِسلام من التوراة والإنجيل.
стр. 12
المطلب الأول مسيرة الحركة النقدية للكتاب المقدس
إن الجذور التاريخية لنقد الكتاب المقدس، تمتد التي عمق الزمن، حيث مدرسة الاسكندرية الفلسفية، التي دخلت في صراع فكرى مع اليهود، حول العلاقة بين العقل والنقل، وأيهما يسبق الآخر (١).
وعندما تتبعت هذه المسيرة في مؤلفات علماء المسلمين، وجدت الفضل فيها أولا، يرجع إلى علماء الغرب، في القرن التاسع الميلادي، حيث بدأ نقد العهد القديم، على يد المؤلف اليهودي "حيوي البلخي"، وقد ظهرت بعده مؤلفات متفرقة هنا وهناك (٢).
ثم نشطت حركة النقد ابتداءً من القرن السابع عشر الميلادي، وقام القسيس الفرنسى" ريتشارد سيمون" ووضع كتابًا موجها التي "اسبينوزا" (٣) نقد فيه الكتاب المقدس نقدًا عنيفًا، ثم قدم اسبينوزا نقده الشامل في كتابه "رسالة في اللاهوت والسياسة"، وفي القرن الثامن عشر، حمل لواء النقد فولتير (٤).
وبعد هذه الفترة، توالى علماء الغرب في نقد الكتاب المقدس، حيث أخضعوه للدراسات النقدية، وتوالت العصور ودام الصراع بين الكنيسة والمحتجين عليها الخارجين على أحكامها، وكثرت المؤلفات النقدية الغربية للكتاب المقدس.
стр. 13
هذا .. وفي أثناء هذه الحركة النقدية، وبعد أن جاء الإِسلام، وعرف المسلمون كيف حرف اليهود والنصارى، ما بين أيديهم من كتب، عن طريق ما ورد في القرآن الكريم، حيث يخبر رب العزة سبحانه وتعالي عن وجود التحريف في التوراة والإنجيل في آيات كثيرة، منها: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١).
وفتح باب الحوار بين المسلمين وأهل الكتاب، وكان للجدل المديني أهميته القصوى في العلاقة بينهم، وذلك من أجل مد جذور التواصل لطريق الهداية إلى الإِسلام، وقد وضعت الأسس الإِسلامية لهذا الجدال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٣).
فلما جاء عصر التدوين، في منتصف القرن الثاني الهجري، وبدأ المسلمون يكتبون في الفقه والتفسير والحديث، واليهودية والنصرانية (٤) وغير ذلك، نشطت الحركة النقدية بعد ذلك على يد عمالقة الفكر الإِسلامى، وكثرت المؤلفات التي تهتم بدراسة الكتاب المقدس، من هذه المؤلفات:
١ - الرد على النصارى لأبي عثمان الجاحظ، ت ٢٥٥ هـ.
٢ - كتاب التوحيد لأبي منصور الماتريدي، ت ٣٣٣ هـ.
٣ - رسالة الحسن بن أيوب، ت ٣٧٨ هـ.
٤ - التمهيد للقاضى أبو بكر الباقلاني، ت ٤٠٣ هـ.
٥ - الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم الأندلسي، ت ٤٥٦ هـ.
٦ - شفاء العليل في بيان ما وقع في التوراة والإنجيل من التبديل، لأبي المعالى الجوينى، ت ٥٨٩ هـ.
стр. 14
٧ - النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية، للمهتدي نصر بن يحيي، ت ٥٨٩ هـ.
٨ - الرد على النصارى، لأبي البقاء الجعفرى، ت ٦٣٢ هـ.
٩ - الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة، للقرافي، ت ٦٨٤ هـ.
وغير ذلك من المؤلفات، وهناك من الدراسات الحديثة من استوعب هذه المؤلفات وغيرها، بالعرض والتقويم (١).
وتواصلا لهذه المسيرة تابع هؤلاء العلماء في نقد الكتاب المقدس، علماء فترة البحث وسوف أتناول مؤلفاتهم بإذن الله تعالى بالعرض والتقويم (٢) بداية من القرن الثامن الهجري التي العصر الحاضر، وذلك من أجل إبراز الجهود النقدية القيمة لهؤلاء العلماء تكملة للفترة السابقة.
والجدير بالذكر، أن ما قام به علماء فترة البحث من جهود، ما هو إلا امتداد لتلك الحركة النقدية التي سبقت، غربية كانت أو إسلامية، فقد استفادوا من كتب السابقين عليهم في هذا المجال، وكان علماؤنا الأجلاء في نقدهم، بين متأثر بمن سبقه وبين مجتهد له رؤيته الخاصة، التي تتميز بالإبداع والابتكار في الأسلوب والطريقة النقدية، فكان معظم من نقد الكتاب المقدس، من علماء المسسلمين له رؤيته النقدية التي يتميز بها عن غيره، ولذلك تعددت هذه الرؤى تبعًا لتعدد مشارب العلماء وثقافاتهم المختلفة.
стр. 15
ومازالت الحركة النقدية في تطور مستمر، حيث اتجه النقاد في العصر الحديث إلى الدراسات الأكاديمية، وأنشأت الجامعات في الدول العربية والإِسلامية، الأقسام الخاصة بدراسة الأديان، واهتمت هذا التخصص الدقيق، كل ذلك من أجل بيان عظمة الإِسلام، وتميزه عن غيره، وعالميته وخلوده، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن كتابه محفوظ من التبديل والتغيير والتحريف، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (١).
стр. 16
المطلب الثاني العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد
стр. 17
العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد:
قبل عرض الجهود النقدية لعلماء المسلمين حول الكتاب المقدس سندًا ومتنًا، لا بد من إلقاء الضوء على ما قام به النقاد من علماء المسلمين، في البحث عن السبب الذي جعل النصارى يضمون العهد الجديد إلى جوار العهد القدىم في كتاب واحد، وأطلقوا عليه اسم "الكتاب المقدس" رغم ما يوجد بين اليهود والنصارى من عداوة وتناحر على مر العصور، ولذلك يتساءل كثير من الناس هل هناك علاقة بين العهدين (القديم والجديد) أم أن كلاً منهما مستقل عن الآخر؛ وما مدي اعتراف اليهود والنصارى بالكتاب المقدس جملة وتفصيلاً؟ هذا سيتضح إن شاء الله تعالى في الصفحات التالية: (يعتمد اليهود في إثبات عقائدهم واستخراج شرائعهم وعباداتهم على مصدرين أساسيين:
الأول: العهد القديم أو التوراة (١) الكتابية.
الثاني: التلمود (٢) أو التوراة الشفهية (٣).
أما النصارى فالكتاب المقدس برمته يشكل عقائدهم وتشريعاتهم إلا أن التوراة تعد المصدر الأساسى للتشريع عند النصارى؛ لأن عيسى ﵇ أعلن أنه غير ناسخ للتوراة فقد ورد في الإنجيل "لاتظنوا أني جئت لأنقض (٤) الناموس (٥) أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل، فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (٦)(٧).
ولذلك فإن عيسى ﵇ جاء مصدقًا للتوراة في العقيدة والشريعة باستثناء بعض التعديلات والتشريعات فقال تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (٨) وجاء في التوراة: "اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد" (٩) وجاء في الإنجيل: "فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون فلما رأي أنه أجابهم حسنًا فسأله أية وصية هى أول الكل "فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هى:
стр. 18
اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد) (١) وعلى هذا الأساس سار عيسى ﵇ -ومن كان معه وكان ﵇ يزيل تشدد علماء بني إسرائيل ويصحح لهم تفسير ما اختلفوا فيه (٢).
وبهذا يتضح أن العلاقة بين العهدين علاقة تكاملية أي أن العهد الجديد جاء مكملاً لما في العهد القدم ومزيلاً لما فيه من تشدد ومصححًا لما اختلفوا فيه.
وليس معني إقرار المسيح ﵇ للعهد القديم الاتباع الحرفي لكل ما جاء في الإنجيل: "قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل ومن قتل يكون مستوجب الحكم وأما أنا فأقول لكم: إن كل من يغضب علي أخيه باطلاً يكون مستوجا الحكم" (٣) ويقول أيضًا "قال لهم: إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم ولكن من البدء لم يكن هذا" (٤). (هذا وقد اعتبرت الكنيسة (٥) الأولى العهد القديم هو كاتبها المقدس حتى القرن الثاني للميلاد حيث تم جمع العهد الجديد واعتبرت منذ هذا العصر كتبًا مقدسة وقد روعى في قبولها اتفاقها مع العهد القدىم وبهذا أصبح للكنيسة عهدان مقدسان: عهد قديم وعهد جديد (٦).
والذي يؤكد تلك العلاقة الوثيقة بين العهد القديم والعهد الجديد اقتباس كتَّاب الأناجيل من التوراة وبيان ذلك كالتالي:
أ. أن الله تعالى يقول لبني إسرائيل علي لسان النبي هوشع (٧): "إني أريد رحمة لا ذبيحة" (٨) يعني أنه لا يريد ذبائح وقرابين والقلوب قاسية على خلق الله.
ب. " بينما كان عيسى ﵇ في بيت متي -وهو واحد من الحواريين - جلس معه على المائدة كثيرون من الخطاة والمذنبين فلما رأي ذلك علماء بني إسرائيل استنكروا؛ لأنم كانوا يترفعون عن مخالطة هؤلاء وقالوا للحواريين: لماذا يأكل معلمكم مع العشارين (٩) والخطاة؟ فلما سمع يسوع قال لهم:
стр. 19
"لا يحتاج الأصحاء إلي طبيب بل المرضى فاذهبوا وتعلموا ما هو: إنما أريد رحمة لا ذبيحة لأني لم آت لأدعو أبرارًا بل خطاة التي التوبة (١) " (٢).
وهنا يظهر مدي التماثل بين النصين وإلى أي حد وصل الاقتباس من التوراة ومن ينظر في الآية "إنما أريد الرحمة لا الذبيحة" وهي من سفر هوشع يجد عيسى ﵇ قد نطقها كما هى واستدل بها على المعني الخلقى الذي يريد تقريره وإذاعته في الناس فالنص الثاني مقتبس من التوراة أي منقول منها للاستشهاد به في الإنجيل (٣).
وبناء على ذلك (يقرر علماء النصارى أن الترابط الوثيق بين العهدين جعل منهما في الحقيقة كتابًا واحدًا لا ينفصل متدرجًا في الإعلان ومتنوعًا في طرق الوحى، ويصرح البعض الآخر بما يفيد أفضلية وأكملية العهد الجديد فيقرر أن في العهد القدم يستتر العهد الجديد وفي العهد الجديد ينكشف القديم وأن العهد القديم إنما كان بمثابة طريق التي غاية لم يُكشف عنها إلا في العهد الجديد) (٤).
وخلاصة ما سبق:
١ - توجد علاقة واضحة وارتباط وثيق بين العهد القديم والعهد الجديد يجعل منهما كتاباً واحداً
٢ - يعتبر العهد الجديد مكملاً للعهد القديم وكاشفًا ما فيه من غموض وإبهام.
٣ - رغم ما بين العهدين من علاقة أكيدة إلا أن كلاً منهما يناقض الآخر في مواضع كثيرة.
٤ - اعتمد كتَّاب الأناجيل على العهد القديم حتى قيل إن العهد الجديد مقتبس من العهد القديم.
стр. 20
المطلب الثالث دوافع الدراسة النقدية للكتاب المقدس
стр. 21
دوافع الدراسة النقدية للكتاب المقدس:
كثيرة هى الدوافع التى تكمن وراء تناول الكتاب المقدس بالنقد والتحليل، والتي كانت وراء تنوع الجهود في هذا الميدان مما أسفر عن حصيلة هائلة من الكتب إلى تضطلع بدراسة الكتاب المقدس "دراسة نقدية" من هذه الدوافع ما يلي:
١ - ما ذكره القرآن الكريم من أدلة كثيرة تخبر عن وقوع التحريف في التوراة والإنجيل فقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ (١) فقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أى فسدت فهومهم وساء تصرفهم فى آيات الله وتأولوا كتابه على غير ما أنزله وحمَّلوه على غير مراده وقالوا عليه ما لم يقل عياذاً بالله من ذلك (٢).
(وكان لهذه الآيات الكريمة أثرها في حمل بعض المسلمين على دراسة معتقدات أهل الكتاب دراسة نقدية هادئة يستنبط من خلالها الأدلة الدامغة علي تحريف هؤلاء لما ورثوا، وتبديلهم لما ينبغى عليهم أن يعتقدوا، وقد قامت الدراسة علي النصوص المتوارثة عن السابقين والتي يدعى أربابها أنهم قد تلقوها خلفًا عن سلف دون تصرف بالقبض أو البسط في الوقت الذي صرحت فيه التوراة والإنجيل بأن الكتبة تصرفوا فيما كتبوا بالزيادة والنقصان ودليل ذلك: "لا يرتد غضب الرب حتى يجري ويقيم مقاصد قلبه في آخر الأيام تفهمون فهما لم أرسل الأنبياء بل هم جروا لم أتكلم معهم بل هم تنبأوا ولو وقفوا في مجلسى لأخبروا شعبى بكلامى وردوهم عن طريقهم الردىء وعن شر أعمالهم" (٣)) (٤).
٢ - ما ذكر في السنة النبوية المطهرة من تحريف اليهود للتوراة فقد جاء في الحديث: "أتي رسول الله بيهودي ويهودية قد أحدثا جميعًا فقال لهم: ما تجدون في كتابكم؟ قالوا: إن أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتحبية قال عبد الله بن سلام: ادعهم يا رسول الله بالتوراة، فأتي بها فوضع أحدهم يده على آية الرجم وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له ابن سلام: ارفع يدك، فإذا آية الرجم تحت يده فأمر بهما رسول الله فرجما" (٥).
стр. 22
وغير ذلك من الأحاديث التي دفعت علماء المسلمين إلى وضع الكتاب المقدس في الميزان لبيان ما حدث فيه من تحريف وتبديل.
٣ - ظهور مؤلفات تنتصر للكتاب المقدس على ما سواه من كتب والادعاء من قبل النصارى أنه غير محرف، الأمر الذي دفع علماء المسلمين لنقد ما يدعون وإثبات التحريف والتبديل في الكتاب المقدس.
٤ - ادعاء النصارى أن المسيحية دين عالمي وغير ذلك من الدعاوى الباطلة إلى يتمسك بها النصارى مما جعل علماء المسلمين يوجهون أقلامهم للرد علي هؤلاء بالدراسة النقدية لبيان حقيقة ما يدعون.
٥ - أن التوراة الحالية وكذلك الأناجيل ليست وحيا من عند الله وبالتالى فهي من وضع بشر وكلام البشر خاضع بلا شك للنقد والمناقشة لبيان الصحيح من الفاسد فيه.
٦ - الكشف عن حقيقة كتبة التوراة والأناجيل وأنهم الذين أفسدوا دين عيسى ﵇ فزادوا وأنقصوا وبدلوا وغيروا حسب أهوائهم.
٧ - اختلاف عقائد النصارى، وتباين أفكارهم مما أدى إلى تعرض طوائفهم- بما تتبنى من أفكار خاطئة- للنقد من قبل علماء المسلمين.
٨ - تعدد فرق اليهود بين متعصبين ومفرطين ومغالين في العقيدة والتشريع والأخلاق واعتمادهم في ذلك كله على نصوص التوراة المحرفة وبقية مصادرهم المزيفة ومن هؤلاء:
(شاول "بولس" الذي حقد على دعوة المسيح ولم يستطع القضاء بالكلية على أهلها أو عليها فتظاهر باتباع المسيح على أثر اختياره له وهو في طريقه إلى الشام للقضاء على المسيحيين فيها ثم ألف كتبا وأرسى قواعد صارت ضمن التشريع المعمول به عند النصارى وكان لتعاليمه أثرها الواضح في تحريم ما أحل المسيح بدءاً أو نقلاً عن العهد القديم وكذلك حل ما حرمه العهد القديم وكذلك المسيح وقد عمل ذلك دون نظر إلى نصوص العهد القديم أو الأناجيل بعين التقدير) (١).
وبالتالى كان لا بد للنقاد المسلمين وغيرهم أن يفضحوا أفعال هؤلاء وينبهوا الناس لما أحدثوه من تحريف وتزييف حتى لا يُخدع بأقوالهم أحد.
стр. 23
٩ - اختلاف تراجم (١) العهد القديم وتعددها إلى سامرية، عبرية، يونانية وغيرها مما أدى إلى وجود تناقضات كثيرة جداً فضلاً عما فيها من زيادة ونقصان يؤدى إلى فقدان الثقة في العهد القديم خاصة وفي الكتاب المقدس عامة، الأمر الذي يدفع علماء المسلمين إلى ضرورة المقابلة بين النسخ لاكتشاف ما فيها من تناقضات واختلافات.
ولذلك فإن (تفاوت الطبعات يحمل بين طياته تفاوتا في كثير من النصوص بما لا يمكن القطع بأن الطبعة الثانية هى عين الأولى، ومن يرجع إلى الطبعة المفهرسة للكتاب المقدس (١٨٨٣ م /١٩٨٣م) يدرك من الصفحة الأولى وعنوانها "تنبيه" أن التحريف قد وقع في هذا الكتاب من خلال ما ذكره هؤلاء من إشارات متعلقة بالكتاب إلى تدل دلالة قطعية على الزيادة والنقصان
المطلب الرابع موقف الإسلام من التوراة والإنجيل
ويشتمل على ما يلي:
- موقف الإِسلام من التوراة المترلة من عند الله
- موقف الإِسلام من التوراة الحالية والعهد القديم
- موقف الإِسلام من الإنجيل المنزل من عند الله
- مكانة الأناجيل الحالية
стр. 26
أ - موقف الإِسلام من التوراة المنزلة على سيدنا موسى ﵇:
الإِسلام له رأيه المستقيم الواضح في التوراة والإنجيل، وقد أعطي لكل نبي من الأنبياء حقه من القداسة والاحترام إذ أن الرسل "صلوات الله وسلامه عليهم" هم المبلغين عن الله بواسطة أمين الوحى جبريل ﵇.
وقد جعل الله الإيمان بهم جزءاً أساسياً يسهم في تشكيل عقيدة المسلم فلا يصح إيمان عبد إلا إذا آمن برسل الله أجمعين وبما أنزله الله عليهم من كتب ولا يصح التفريق بين أحد منهم فقال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١).
في هذه الآيات يخص القرآن الكريم (التوراة والإنجيل) من بين ما أنزل علي الأنبياء، ويدلي بشهاداته القيمة بشأنهما تكريماً لهما، وبياناً لأهمية أحكامهما ولأنهما الكتابان الوحيدان اللذان بقيت آثارهما حتى الآن (٢). وقد وصف القرآن الكريم التوراة المنزلة علي سيدنا موسى "﵇" بأنها هدي لبنى إسرائيل فقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ (٣). ويقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٤). وهي نور يهتدي به الساري في ظلمات الحياة ومسالكها يقول تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ (٥). وهي نظام دقيق لشؤون الحياة، والالتزام بها رقة للقلب وشفافية للروح وإحسان وتراحم لما فيها من تفصيل لكل شىء وذكر للآخرة- ثوابها وعقابها (٦).
стр. 27
فقال تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾ (١) وإن الغاية من إنزالها لعلهم يؤمنون بالآخرة، وهم ينكرونها في توراتهم ولا يقيمون لها وزناً وغير ذلك من الأوصاف التي عددها القرآن الكريم من أنها ضياء وفرقان (٢) ودستور حكم (٣): حكم بها الأنبياء والأحبار بما حفظوا منها وبهذا يتضح رأي الإِسلام فيما أُنزل على سيدنا موسى ﵇ ..
ب. موقف الإِسلام من التوراة الحالية:
١ - يقرر القرآن الكريم وقوع التحريف في التوراة الحالية فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ (٤) أعم من أن يكون اختلافاً في جوهرها أو في فهمها، وقرر أيضًا وجود الاختلاف بين بين إسرائيل بعضهم البعض فقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٥).
فالتوراة الحالية ليست هى المنزلة على سيدنا موسى ﵇ وقد حرف اليهود التوراة تحريفاً مادياً ومعنوياً أما التحريف المادي اللفظى فكان للكلمات والفقرات بأخرى فأزالوا وقدموا وأخروا وبدلوا وأضافوا حسب أهوائهم، وأما تحريفهم المعنوي فكان بتغيير مدلول الكلمات لتوافق أهواءهم وانحرافاتهم العقدية والأخلاقية فقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦).
٢ - ما كان من مضمون التوراة موافقاً للقرآن الكريم أو السنة المطهرة يُقبل ولا يرد باعتبار أن معناه صحيح، رغم فقدانه للنص المقدس، وذلك مثل الأحكام الموجودة في التوراة وأكدها القرآن في سورة إلى المائدة كأحكام القتل والزنا وغيرهما (٧).
стр. 28
٣ - (إذا خالفت نصوص القرآن الكريم أو السنة المطهرة فهي ترد قطعاً ولا تُقبل وكذلك لا تُقبل نصوص التوراة إذا صادمت الحقائق العلمية اليقينية أو خالفت الواقع ومعطياته، وذلك لأن الوحى الصادق لا يصطدم بالحقائق العلمية ولا ينكر المعلومات التي شهدها له الواقع- التاريخي أو الجغرافي أو العلم المادي التجريبي وما سكت عنه القرآن والسنة مما جاء في التوراة يُسكت عنه دون تصديقٍ أو تكذيبٍ وذلك اتباعاً لتوجيهات النبي ﷺ "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم (١) ") (٢).
مع ملاحظة أن الإِسلام لا يعترف إلا بالتوراة التي أنزلها الله علي سيدنا موسى ﵇ ولا يعترف بسواها من أسفار العهد القديم ... لأنهم قد حرفوا ما معهم من الكتب المقدسة قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (٣). وأن ما معهم الآن مكتوب بأيديهم ومنسوب خطأ إلى الله فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ (٤). وبهذا يتحدد موقف المسلم من كتب اليهود والنصارى، فالطعن الموجه إلى اليهود هو موجه بالدرجة الأولى إلى النصارى؛ لأن التوراة تشكل الجزء الأكبر من كتابهم الذي يزعمون أنه مقدس، وسقوط التوراة بهذه الصورة يعد سقوطاً للنصرانية بأكملها؛ لأنهم مطالبون بالعمل بتشريعاتها (٥).
стр. 29
ج. موقف الإِسلام من الإنجيل المنزل علي سيدنا عيسى ﵇:
المسلم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله بلا تفرقة أو تحيزٍ لأحد منهم فقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ (١).
(فإن آمن أحد برسولٍ وأنكر آخر فهو كافر وإذا صدق بكتاب وكذب كتاباً آخر فهذا ليس بمؤمن وهو في ضلالِ مبين فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٢) فيجب الإيمان بالكتب المنزلة ومنها الإنجيل سيدنا عيسى ﵇ لأنه من لم يؤمن به يكون منكراً لآيات القرآن الكريم التى تحدثت عن الإنجيل ومن أنكر شيئًا من القرآن الكريم كان كافراً) (٣).
هذا .. ولقد أخبر القرآن الكريم أن سيدنا عيسى ﵇ رسول قد أوحى الله إليه فأنزل عليه الإنجيل مصدقًا لما في التوراة من أحكام ومكملاً لدعوة سيدنا موسى ﵇ فقال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ (٦).
ولذلك فإن أصول المسيحية ترجع إلى الوحي الإلهي "الإنجيل" الذي أوحي به إلى سيدنا عيسى ﵇ تصديقاً للتوراة المنزلة على سيدنا موسى ﵇ وتكميلاً لشريعة التوراة إذ الرسولين الكريمين كانت رسالتهما قاصرة على بنى إسرائيل (٧).
стр. 30
ورغم ذلك: لا يعتقد أكثر النصارى أن هناك إنجيلاً مكتوباً بيدي النبى عيسى ﵇ أو مدوناً في عهده؛ بل غاية ما يعتقدون أنه كان يقرأ التوراة وسائر كتب الأنبياء ويفسرها تفسيراتٍ غريبةٍ، مليئة بالمواعظ والحكم والأمثال النادرة ... ومن الغريب أن يعتقد النصارى بوجود كتب للأنبياء قبل عيسى ﵇ ثم وجود أناجيل لتلاميذه ولا يعتقدون بوجود كتاب له يهتدي به أتباعه وهو عندهم فوق جميع الأنبياء (١).
(فالإِسلام يقرر أن لسيدنا عيسى ﵇ إنجيلاً منزلاً عليه، وشهد شاهد من علماء النصارى أن هناك إنجيلاً أصلياً لهذه الأناجيل الحاضرة وإنما فقدوه أيام الاضطهاد الأول للمسيحية وإلى ذلك يشير مرقس بقوله: "اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا (٢) بالإنجيل للخليقة كلها (٣) ") (٤).
стр. 31
د. مكانة الأناجيل الحالية:
الأناجيل الحالية تعتبر تراجم لحياة المسيح، كتبها الحواريون من تلاميذ عيسى ﵇ بعد رفعه بمدة، وفي أوقات مختلفة ولغات متباينة ضمنوها مقتطفات من المواعظ والحكم والأمثال ولا يصح نسبة هذه الأناجيل إلى عيسى ﵇ باعتبار أنه يعرفها أو يعرف شيئاً عن كتابتها (١).
فجاءت هذه الأناجيل بناءً على ذلك متناقضة ومتعارضة يصادم بعضها بعضاً يشهد بذلك من وقف عليها أنها ليست الإنجيل الحق المبعوث به الرسول المنزل من عند الله تعالى وأن أكثرها من أقوال الرواة وأقاصيصهم، وأن نقلته أفسدوه من وجوه بحكاياتم، وألحقوا به أموراً غير مسموعة من المسيح ولا من أصحابه. مثل ما حكوه من صورة الصلب والقتل واسوداد الشمس وتغير لون القمر (٢)
وهذه الأمور جرت في زعم النصارى بعد المسيح فكيف تجعل من الإنجيل ولم تسمع من المسيح ﵇ والإنجيل الحق إنما نطق به المسيح وإذا كان كذلك فقد اهتزت الثقة بهذا الإنجيل وعدمت الطمأنينة بنقلته (٣).
أما عن كتابتها:
لم يعرف على وجه الحقيقة متى كُتب الإنجيل الأول، وإنما قالوا: إن تاريخ كتابته يتراوح ما بين ٣٩ - ٤١ م بعد رفع المسيح وأن الذي كتبه هو متى العشار (أحد الحواريين) باللغة العبرية، .. ثم كتب مرقس إنجيله باللغة اليونانية ويتراوح تاريخ كتابته ما بين ٥٦ - ٦٠ م ومرقس أحد السبعين
стр. 32
صاحب برنابا و"بولس" (١) فى رحلتهما الثانية إلى إنطاكية (٢) تمركز للتبشير في مصر إلي أن قتله فيها الوثنيون الرومانيون (عام ٦٢ م). وكتب لوقا إنجيله باليونانية حوالي ٥٣ - ٦٤ م وهو طبيب روماني، وليس من تلاميذ المسيح، بل من تلاميذ بولس، وكتب يوحنا الصياد إنجيله حوالي ٦٨ - ٩٨ م وهو من الحواريين (٣). وسيأتى الحديث عن هذه الأناجيل ومحتوياتها بالتفصيل من حيث التأليف، ووقت التدوين، وغير ذلك من أمور تتعلق بسندها.
ولذلك يقول العلامة رحمة الله الهندي عن التوراة والإنجيل الأصليين: (إن التوراة الأصلية وكذا الإنجيل الأصلى فقدا قبل بعثة النبي ﷺ والموجودان الآن بمترلة كتابين من السير مجموعين من الروايات الصحيحة والكاذبة ولا نقول أنهما كانا موجودين علي أصالتهما إلى عهد النبى ﷺ ثم وقع فيهما التحريف حاشا وكلا) (٤).
(وكلام بولس على تقدير صحة النسبة إليه أيضاً ليس بمقبول عندنا؛ لأنه عندنا من الكاذبين الذين كانوا قد ظهروا في الطبقة الأولى وهو قديس عند أهل التثليث ومع ذلك لا نشتري قوله بحبة، والحواريون الباقون بعد عروج عيسى ﵇ إلى السماء نعتقد في حقهم الصلاح، ولا نعتقد في حقهم النبوة وأقوالهم عندنا كأقوال المجتهدين الصالحين محتملة للخطأ، ونعترف بفقدان السند المتصل إلى آخر القرن الثاني وبفقدان الإنجيل العبراني الأصلي لمتى لارتفاع الأمان عن أقوالهم (٥).
وخلاصة هذه القضية
أن التوراة الأصلية والإنجيل الأصلي قد فقدا إلا أن هذا لم يمنع من التصديق بما نزل على سيدنا موسى وسيدنا عيسى (عليهما وعلي نبينا الصلاة والسلام) فالإيمان بهما وبما أنزل عليهما جزء لا ينفصل عن عقيدة المسلم وكذلك الإيمان والتصديق بجميع الرسل، أما التوراة الحالية التي أطلق عليها النصارى (العهد القديم) والأناجيل الحالية (العهد الجديد) بعيدان كل البعد عن التوراة والإنجيل الأصليين وإن كان يوجد بهما بقايا حق إلا أنه حق تلبس بكثير من الباطل فقد لعبت بهما يد التحريف والتبديل كما سيتضح في ثنايا البحث.
стр. 33
القسم الأول عرض محتويات الكتاب المقدس ونقد سنده
стр. 34
الباب الأول
عرض نماذج من الجهود النقدية ومحتويات الكتاب المقدس
ويشتمل على فصلين:
الفصل الأول: عرض نماذج من الجهود النقدية للكتاب المقدس
الفصل الأول: عرض محتويات الكتاب المقدس
стр. 35
الفصل الأول عرض نماذج من الجهود النقدية للكتاب المقدس
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: الجهود النقدية ونوعيتها "فترة البحث"
المبحث الثانى: عرض نماذج من المؤلفات النقدية "فترة البحث"
стр. 36
المبحث الأول: الجهود النقدية
١ - المعنى اللغوي للجهود:
جهود مأخوذة من: (جهد في الأمر جهداً أي جد، والمفعول مجهود. والجهدُ المشقة، والنهاية والغاية والوسع والطاقة، والجَهْدُ في الفلسفة: كل نشاط يبذله الكائن الواعى جسمياً أو عقلياً ويهدف غالباً إلى غاية) (١).
المعنى اللغوي للـ "نقد":
للنقد في اللغة معنيان مترادفان يشيران إلى معنى واحد وهما ما يلي:
(١) أنه جاء بمعني التمييز والتنقية:
فالمقصود بالنقد والتَّنقادُ: تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها (٢).
(٢) وجاء بمعنى الفحص والاختبار:
نقد الشىء نقداً: أي اختبره ليميز جيده من رديئه، يُقال: نقد النثر والشعر: أظهر ما فيهما من عيبٍ أو حسن) (٣).
стр. 37
المعني الاصطلاحي للنقد (١):
هو عملية تقويم، وتصحيح وترشيد، وعليه فإنه لا يكون بمعني النقض؛ بل هو محاكمة إلى قواعد متفق عليها أو إلى نسق كلى، ذلك أن النقد .. نقد اجتهاد ما جزئياً كان أو كلياً في أي مجال من مجالات العلوم الشرعية إنما هو عملية محاكمة "وتقويم" (٢) تهدف إلى التصحيح والترشيد من خلال مواطن الخطأ والصواب، بناءً على مقاييس متفق على جلها أو كلها (٣).
وبناء على ذلك:
فإن نقد علماء المسلمين للكتاب المقدس يقصد منه عرضه على المعايير النقدية التي حددها بعض العلماء منها الشرعى والعقلى ومنها ما هو علمى أو تاريخى أو منطقى وذلك لبيان الصحيح من الفاسد فيه وتهدف دراسة هذه الجهود النقدية إلى:
عرض ما أبرزه علماء المسلمين- فترة البحث- في الكتاب المقدس من مخالفات ومتناقضات وقع فيها كتبة العهد القديم والجديد على حد سواء وتقويم تلك المعالجات النقدية التي قاموا بها وبيان مكانة هذا النقد من الناحية العلمية.
стр. 38
٢ - نوعية المؤلفات- فترة البحث -:
لقد تنوع الإنتاج العلمي لعلماء المسلمين- فترة البحث- ويمكن تصنيف ما وقع تحت يدي من مؤلفات إلى الأنواع التالية:
النوع الأول: المؤلفات الدفاعية:
استغل اليهود والنصارى ضعف الدولة الإِسلامية في غضون الحروب الصليبية واتخذوا سلاح التشكيك في الإِسلام بإطلاق الشبه حول القرآن والسنة وألفوا الكتب التي تطعن في الإِسلام وتمدح في النصرانية، فتصدي لهم علماء الدولة الإِسلامية في كل مكان للرد عليهم وللدفاع عن الإِسلام والمسلمين، واتسمت هذه المؤلفات بروح المواجهة الدفاعية أو الجدل الدفاعى لتلك الشبه التي وجهوها إلى الإِسلام مع توجيه النقد لمعتقداتهم الخاطئة (١)
النوع الثاني: المؤلفات النقدية:
تلك التي أخضع فيها النقاد المسلمون الكتاب المقدس للنقد العلمي القائم على أصول واضحة ومعايير محددة وذلك من أجل بيان الحق من الباطل وتمييز الطيب من الخبيث في الكتاب المقدس. وبهذا النوع كانت النقلة المنهجية الهائلة في التأليف والحوار حيث اتخذ علماء المسلمين أسلوباً جديداً في الكتابة وهو الدراسة النقدية الموجهة باعتبار أن ذلك أقوى وسيلة للدفاع وإشغال الخصم بنفسه وإرشاده إلى مواطن عيبه أولى من الوقوف موقف المدافع فقط، وازدهرت هذه الحركة أكثر من القرن الثالث عشر الهجري إلى الآن وأحس النصارى بضعفهم أمام الدراسات النقدية التي تكشف زيفهم وتبين تحريفهم للنصوص. وانتشرت المؤلفات النقدية التي تضع الكتاب المقدس بقسميه في الميزان لتقييمه والحكم عليه (٢).
وهناك من خص العهد القديم بالنقد والدراسة التحليلية متخذاً منه نماذج توضح ما ينقد (٣)، وهناك من خص العهد الجديد بالنقد والتفنيد (٤).
стр. 39
النوع الثالث: مؤلفات متخصصة في دراسة الأديان "مقارنة الأديان ":
وبجانب المؤلفات الدفاعية والنقدية كثرت المؤلفات التى تقوم بدراسة الموضوعات المختلفة في الكتاب المقدس وتقويمها بميزان الإِسلام لإبراز ما وقع فيه أهل الكتاب من تحريف وتبديل. (١)
النوع الرابع: الدراسات التاريخية:
وهي في محتواها سرد للأحداث التاريخية التي مر بها بنو إسرائيل وبيان مدى تأثر اليهودية والنصرانية بالفلسفات القديمة والحديثة عن طريق مخالطة اليهود والنصارى لغيرهم من الشعوب الوثنية والفلسفات العقيمة في القديم والحديث (٢).
стр. 40
المبحث الثاني عرض نماذج من المؤلفات النقدية "فترة البحث "
ويشتمل على المطالب التالية:
- المطلب الأول: بعض المؤلفات لقدامى العلماء في نقد الكتاب المقدس
- المطلب الثاني: بعض المؤلفات للمحدثين من العلماء فى نقد الكتاب المقدس
- المطلب الثالث: بعض المؤلفات المعاصرة في نقد الكتاب المقدس